الدين والعلمانية والدولة

3 مارس 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
676 زيارة

الدين والعلمانية والدولة

إيمان شمس الدين

إن إشكالية الدين والدولة هي إشكالية قديمة جدا دخلت في صراعات كثيرة كان عنوانها الرئيسي سياسي بامتياز حيث مرت هذه الإشكالية بمراحل عديدة وصلت بنا اليوم إلى النظرية العلمانية سواء في العلمانية الجزئية وهي وجوب فصل الدين عن عالم السياسة، وربما الاقتصاد وهو ما يُعبر عنه بعبارة “فصل الدين عن الدولة”، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت حيال المجالات الأخرى من الحياة، ولا تنكر وجود مطلقات أو كليات أخلاقية أو وجود ميتافيزيقا وما ورائيات، ويمكن تسميتها “العلمانية الأخلاقية” أو “العلمانية الإنسانية”. والعلمانية الشاملة وهي رؤية شاملة للواقع تحاول بكل صرامة تحييد علاقة الدين والقيم المطلقة والغيبيات بكل مجالات الحياة، ويتفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتكز على البعد المادي للكون وأن المعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق وأن الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي، ويطلق عليها أيضاً “العلمانية الطبيعية المادية” (نسبة للمادة و الطبيعة)”[1]. ونستطيع القول بتطور العلمانية كنظرية حيث بدأت من الرؤية الجزئية في فترة كانت لا تزال هناك بقايا قيم مسيحية إنسانية متأثرة بالحكم الكنسي لذلك العصر، ثم بعد سيطرة الدولة ومؤسساتها على الحياة الفردية في المجتمع، فتم توسيع الرؤية والنظرية لتشمل كل مناحي الحياة وتطرح العلمانية الشاملة. أما بالنسبة لحكم الدين للدولة وعدم فصله عن الواقع السياسي فقد مرت أيضاً التجربة الإسلامية بمراحل عديدة أدت أيضا إلى تجيير الدين أو دعم الفهم و الرؤى الدينية التي تصب في صالح الحكم والحكام لكل فترة زمنية. وعلى الرغم من نجاح أول تجربة دينية دستورية في الواقع الإنساني والتي كانت بقيادة رسول الله صلى الله عليه وآله حيث شكلت الدولة الإسلامية في المدينة ورسم معالمها في دستور سمي بدستور المدينة إلا أن عدم نضوج هذه التجربة وارتحال قائدها قبل اكتمال معالمها، وانتقالها بعد الخلافة إلى الدولة الأموية ومن ثم العباسية إلى الخلافة العثمانية، أدى إلى تشويه التجربة الإسلامية نتيجة ممارسات تلك القيادات والتي كانت تعبر بشكل أو بآخر عن تمثيلها للإسلام في المفهوم العام. ونستطيع القول أن التعسف والديكتاتورية التي كانت تمارسها تلك القيادات باسم الدين شبيهة إلى حد كبير بتلك الممارسات المتعسفة التي كانت تمثلها الكنيسة المسيحية، مع وجود اختلافات في المنطلقات والمفاهيم. لذلك استطاع النفس العلماني أن يتسرب إلى مجتمعاتنا من خلال النخبة من المثقفين خاصة، متذرعين بما آلت إليه أمور المسلمين نتيجة قيادة الدولة باسم الدين. ونحن لا نستطيع أبداً أن نقر أن ماقامت به الدولة الأموية أو العباسية أو العثمانية يمثل بشكل أو بآخر الإسلام أو حتى يشبه قيادة رسول الله للدولة الإسلامية في صدر الإسلام لأن التشويه المفاهيمي للدين ودوره في قيادة الدولة بدأ بعد ارتحال رسول الله وبشكل تدريجي وليس دفعي، إلى أن آلت الأمور إلى ما آلت إليه. ولذلك وجد الكثير من المفكرين المسلمين أن الحل يكمن في العلمانية وفصل الدين عن الدولة وبناء دولة مدنية يسودها القانون، في ظل احترابات ذهب ضحيتها كثير من حيوات الأبرياء، وانتقصت إنسانية الإنسان وكرامته باسم الدفاع عن الديت تحت مظلة دولة يحكمها مستبد تلبس ثوب الدين ليهيمن على عقول الناس، وليصبح هو ربهم لا الله.

الحركات الاسلامية وتجربة الدولة

هل العلمانية هي البديل؟

بعد تجربة الإسلاميين في السياسة والسلطة سؤال يطرحه أغلب المثقفين: هل العلمانية هي البديل؟

بداية لتقييم أي تجربة لابد لنا من قراءتها ضمن ظروفها المحيطة زمانياً، وضمن جغرافيتها مكانيا والتحديات الداخلية والخارجية، فاستلام الإخوان المسلمين للحكم في مصر لم يتجاوز العام، وجاؤوا لحمل إرث النظام السابق بكل فساده وأبجدياته، وهذا لا يبرئ ساحتهم من ارتكاب أخطاء، وهو أمر طبيعي بشرياً، ولكن الإنصاف يتطلب منا قراءة التجربة قراءة موضوعية، فالأصل في ذلك فهم ماحدث وتقييمه والخروج منه بفائدة.

 وعادة في الثورات التحول والتغيير للأفضل يحتاج التالي:

١. رؤية حول مشروع الدولة وآليات التطبيق ضمن خطة استراتيجية ثاقبة.

٢. ولوضع الرؤية لابد أن يكون لديهم إحاطة بالميدان، سواء الاجتماعي وماهيته وتركيبته، أو السياسي وخارطة طريق الأحزاب والسلطات والتغيير المطلوب.

٣. الخروج من عقل الجماعة والحزب إلى عقل الدولة الجامعة لكل المكونات.

وهذا يتطلب تجربة في الساحة السياسية، وتجربة بقيادة الدولة طويلة ممارسة وتنظيراً، و تجربة سياسية وثقافية في الفضاء الحر، وليس في سراديب السجن والمجتمع، وفي سراديب العمل السري.

٤. وقت زمني طويل ومرحلي وتدريجي، كي يستطيع التخلص من مراكمات الفساد للنظام السابق من خلال تخلصه من كل توابعه، وكي يعيد تأسيس بنية الدولة على أساس سليم مستفيداً من أخطاء النظام السابق ومستلهما من تجارب الآخرين.

٥. منظومة قيم ومعايير ومبادئ قادرة على الصمود والمواجهة لكل أنواع الضغوط، كون إعادة بناء نظام دولة على أسس صحيحة تتبنى المبادئ السليمة، سيكون له وقع كبير ورد فعل أكبر معاكس يحاول إفشاله وزعزعته.

فقيادة الدولة تحتاج رؤية حول الدولة والشعب، رؤية تنهض وتقوم مسيرة من مضى وتعيد رسم خطى الدولة وفق أبجديات الدولة الحديثة التي تحقق العدالة.

٦. قراءة وإحاطة عميقة لظروف المنطقة السياسية والتحديات الكبرى التي تواجهها من قبل الدول العظمى وفهم حدود العلاقة مع هذا المحيط وكيفية التعامل مع هذه الظروف والتحديات، دون التنازل عن المبادئ الكبرى، ودون تكبد خسائر على مستوى الداخل.

وهي تختلف تماما عن قيادة الحزب والتيار والجماعة، فلا تجربة الإخوان المسلمين في مصر يمكن تصنيفها بالفاشلة، رغم كل الممارسات الخاطئة التي ارتكبها الإخوان في الحكم، وهي ممارسات تأتي في سياقها غالبا الطبيعي نتيجة حداثة التجربة وحداثة ممارسة إخوان مصر تطلعاتهم وأمنياتهم في الفضاء الحر، هذا فضلا عن الأدوات التي استخدمها الإخوان في مصر من أجل الوصول إلى السلطة، وفي أغلبها هي أدوات لا تتناسب وهدف الاصلاح كون أغلبها فاسد.

ولا تجربة إخوان تركيا يمكن الاتكاء عليها كتجربة ناجحة نتيجة ازدواجية المعايير والقيم التي ينتهجها زعيم تركيا لاحالي الرئيس رجب طيب أردوغان وأخوانه وأدواته، ونتيجة تلوث أياديهم بدماء السوريين والعراقيين والفلسطينيين من خلال دعمهم للجماعات التكفيرية، وعلاقاتهم مع الكيان الصهيوني رغم مواقفهم العلنية ضده.

هذا فضلاً عن أن إخوان تركيا لا يشبهون الإخوان في العالم العربي، لجنوحهم الحاد في الآونة الأخيرة نحو فكرة أظهرت حقيقة تحركاتهم وتطلعاتهم وطموحهم، وهي فكرة إحياء العثمانية بثوب جديد، لذلك أطلق عليهم العثمانيون الجدد.

والتجربة الإيرانية في الحكم هي تجربه أيضا لها ما لها وعليها ما عليها، لكنها إلى الآن تجربة صمدت في وجه أعتى الرياح وتطورت رغم كل العقبات، وحجزت لها موقعا متقدما في خريطة العالم العربي والإسلامي، ولكن مازالت تقف أمام عقبات داخلية أهمها الخوف من العسكرة، وهذه العقبات هي وليدة تحديات خارجية تحاول زعزعة الداخل لتقويض النظام مما ينعكس على الداخل أمنياً واقتصادياً. لكنها التجربة الأكثر ثباتا ونجاحا إلى الآن في الحكم من قبل الإسلاميين.

وكوننا نتكلم عن التجربة في العالم العربي بعد ثورات ما سمي بالربيع العربي، فإن سؤالا يطرح نفسه من معطيات تلك التجارب:

 هل يعني ذلك ترسيخ قناعة في ذهنية الشعوب من قبقل النخب والمثقفين مفادها الحاجة إلى العلمانية كحل بديل يحقق رغبات الاصلاح والعدالة للشعوب؟

إن إشكالية الفصل بين الديني والسياسي إشكالية منهجية في العقل العربي، الذي هيمنت على جزء كبير من نخبه ومفكريه العلمانية التي لها ما لها وعليها ما عليها.

الإشكالية المنهجية تكمن في عملية ترقيع الأفكار في الثقافة المكونة للهوية، هذا الترقيع حتماً يولد جنيناً مشوهاً ومعاقاً بنيوياً.

مما ينتج عنه التخرصات التي نراها سلوكياً لدى أغلب العلمانييين العرب، الذين لا أراهم إلى الآن قدموا مشروعا للدولة، غير التطرف غالبا في مواجهة المختلفين معهم من الدينيين إن صح التعبير، خاصة في الخليج.

وكوني هنا أنتقدهم لا يعني أنني في صدد تقييم للعلمانية كنظرية من حيث المنهج، لكنني أحاول أن أقوم بمسح ميداني للمنهج في آلية تبني الأفكار في عقول النخب والسياسيين في العالم العربي.

فنحن وقعنا بين أمرين:

١. الاستلاب ومن ثم الانبهار بنفسية منهزمة.

٢. التقوقع على الذات والفوبيا بحجة الحفاظ على الهوية.

أي فكرة لها وعاء نمت فيه وترعرعت، والعلمانية هي نتاج مسيرة طويلة في الصراعات الفلسفية التي حدثت بعد النهضة والتنوير في أوروبا، واللتان كانتا نتيجة الانقلاب على الكهنوت والاختزال الكنسي للدين وتحويله لسلطة على رقاب الناس.

نمت كفكرة وترعرعت بعد مخاضات فكرية وعقلية، والسير في تجارب ميدانية اجتماعية وسياسية تدرجت في إبعاد الدين الذي مثلته الكنيسة عن الحياة، بدأت بعزلها عن السلطة وانتهت ليكون الدين مجرد طقوس بسيطة فردية تؤدى في الكنيسة يوما في الأسبوع.

حيث مارست الكنيسة باسم الدين استبداداً سلطوياً راكمت فيه الثروة، وقتلت المختلف وقمعت الحريات، وشرعنت استبداد السلطة وكله باسم الدين.

فلكي نستطيع واقعا أن ننهض بواقعنا من وجهة نظري هو ليس باستيراد تلك الأفكار التي نجحت في مجتمعات، نتيجة ظروفها السياسية وتراكماتها العقلية والعملية نجاحا ظاهرياً في أبعاده المادية، مع وجود خلل كبير في أبعاده الأخرى، بل بالاستفادة من تلك التجربة البشرية العريقة ومحاولة المراجعة وإعادة النظر في القراءة الدينية وتصويبها، لمعرفة ماذا نريد من الدين؟ ما هي مساحات الاشتغال التي يجب أن يشغلها في حياتنا وما دور العقل فيه؟

هل واقعا هناك شيء اسمه دين وسياسية؟

واقعا هناك سلطة دينية تستخدم السياسة بمعناها الحالي وليس كما هي، فكلمة لا اله الا الله هي عين السياسة، لأنها إقرار برفض أي سلطة علينا لغير الله وبالتالي رفض أي سلطة خارجة عن إرادة الله وحدوده، وهذا يترتب عليه رفض الاستبداد وأنظمته كلها ولكن لا على الطريقة السلفية التكفيرية، وإنما على الطريقة الحضارية التي ترى الدين خالداً بحركيته ومرونته، وأصيل بثواته التي تعتبر هيكله العظمي.

فإبعاد الدين هو تكريس للاستبداد بأشكال مختلفة، لأن محورية الدين تكمن بكلمة ” لا”، وهي تعني الرفض لكل أنواع الهيمنة خارج إرادة الله وفق قراءة عقلية معتدلة لهذه الإرادة التي مثلها الدين وشريعته.

فالأنظمة التي حكمت منطقتنا أنظمة لادينية، لكنها مستبدة استغلت الدين لتخدير الشعوب وتعطيلهم عن مواجهتها ومحاسبتها.

وأما التوحش الجديد الذي ظهر حاملا راية الدين، ومتكأ على فتاوى تكفيرية إقصائية، فهذا يحتاج إلى إفراد دراسة خاصة به ومع ذلك لا يمكننا الحكم على الدين من خلال فئة، لكننا يمكن أن نعتبر أنها فئة ظهرت نتيجة الدين السلطوي الذي كرس فهم الدين في تصورات الشعوب على أنه مجموعة من الطقوس والشعارات من جهة، وأزاح دور العقل وأقصاه ليوطن للنصوص الحديثية دوراً محورياً وفق منهج تخديري وتسليمي، لا يقيم للقرآن أي مرجعية معرفية تغربل وتعيد النظر في النصوص الحديثية المختلفة معه، بل حولت القرآن أيضاً لأسفار يحملها قراء يجيدون تجويد الآيات وترتيلها بصوت شجي، دون أن يدركوا عمقها وآفاقها وتطبيقاتها على أرض الواقع الإنساني، وكيفية إدارتها لحياته الخاصة والاجتماعية ونظمها لأمره.

هي جماعات استلهمت منهجية الحكم من الأنظمة المستبدة بأشكال اختلف ظاهرها واتفق باطنها وأهدافها، هي عبارة عن ولادات لأنظمة سلطوية أخرى، لكن الفرق أن تلك الأنظمة تحالفت مع السلطة الدينية لتشرعن وجودها، أما هذه فهي استخدمت الدين مباشرة لتتسلط به على رقاب الناس، بعد فشل الأنظمة تلك وانغماسها في التآمر على الشعوب وانكشاف أمرها.

واستطاعت هذه الجماعات المنحرفة في ظل خواء روحي وتغييب عقلي متراكم للشعوب، وفي ظل شعارات جاذبة لكنها خاوية في حقيقتها، وفي ظل حالة يأس تعم فئات كبيرة من الشباب في الوطن العربي الذي يعاني من الفقر والبطالة والتهميش والظلم، والفراغ، والتغييب وغيره، استطاعت أن تجذب إليها عدداً كبيراً منهم، إما بالإغراء المالي أو بالاغراء الديني الشعاراتي الذي يربطهم بنعيم الآخرة ويخلصهم من شظف العيش، في ظل منظومة دينية فكرية اعتاد عليها هؤلاء، ربطتهم دوما بأن الدين لأجل الموت وليس لأجل الحياة ونظمها وتسيير الإنسان وفق نظام إلهي يقوده لحياة طيبة وآخرة سعيدة.

لذلك في ظل غياب شبه كلي لفهم عقلي معتدل لعلاقة الدين بالحياة، والاستبداد السياسي بغطاءات إما علمانية أو دينية متشددة، قد تكون بعض الحلول التي يمكن أن تعيد صناعة أنظمة أكثر خدمة لشعبها وأقل عمالة للخارج ضد داخلها تكمن في التالي:

ـ العمل الأهلي في منظمات اجتماعية، كونها تدمج الأفراد في المجتمع وتنمي انتماءهم له وللوطن لا للأنظمة، وتكون لها سلطة أهلية تصوب العمل السياسي وتخفف من الاستبداد، وتلعب دوراً في صناعة الأنظمة وفق معايير تتناسب وبيئاتها الاجتماعية وهويتها وظروفها.

ـ انطلاق شبكة تنسيقية بين أصحاب الفكر المعتدل حقيقة من العلماء كافة ومن الأديان كافة والنخب تعمل على تظهير حقيقي لعلاقة الدين بالإنسان، دون مجاملات ولا عصبيات، آخذة بحسبانها قراءة الدين على ضوء الراهن وأحداثه ومستفيدة من التجارب البشرية في هذا الصدد، لا تكون لها ارتباطات بالأنظمة حتى لا يكون حراكها مرهونا لتلك الأنظمة.

وأما موضوع تنظيم الأحزاب، فإلى الآن لم تستطع أغلب الأحزاب في الوطن العربي أن تخرج من عقلية الأنظمة الاستبدادية كليا، فغالب الأحزاب لابد أن تصاب بمس الاستبداد، كون البيئة السياسية تاريخيا شكلت العقل العربي بطريقة تسللت فكرة الإستبداد إلى بنيته العقلية والمفاهيمية، وكرستها كسلوك تختلف شدته وضعفه من حزب إلى آخر، لذلك نحتاج إعادة النظر في مفهوم الحزب في العقل العربي وإمكانية تغييره وإعادة هيكلياته وأهدافه على ضوء التجربة الغربية وغيرها من التجارب التي قدمت نجاحات بنسب مختلفة، وأهمها أن لا تكون الأحزاب جزء من السلطة بل صانعة لها وفق معايير تمنع التسلط وترتفع بمنسوب وعي الشعوب وحريتها والنهوض بالعقل والفهم ومعايير النهضة والابداع. فالسلطة وسيلة لخدمة المجتمع لكنها تحولت لغاية فانهدم المجتمع لاجل تلك الغاية.

إن إشكالية أغلب التيارات الدينية اليوم هي في عقول رموزها المتحجرين غالباً، وإلا كان يمكن أن تتحول تلك التيارات لمؤسسات تصنع السلطة التي تخدم الناس وتحقق العدالة.

ورغم أن هذه التيارات تنتمي لمشارب دينية، إلا أن أغلب ممارساتها في العمل الميداني التطبيقي هي ممارسات علمانية مختلطة مع فهم سلطوي.

فالأهداف نبيلة إصلاحية غالبا، لكن آليات وأدوات تطبيقها فاسدة في الأعم الأغلب، فهي تعتمد غالباً على البراغماتية الغربية وعلى الطاعة السلطوية، وعلى إقصاء المختلف و وتجميد الطاقات وعدم توزيع الأدوار واحتكار السلطة وعدم الإيمان بتدويرها، إضافة لهامش الحرية الضيق الذي يحول الفرد المنتمي لها إما إلى شخص آلي ينفذ مخططات السلطة العليا دون نقاش بحجة الطاعة، أو إلى منافق يبدي لأعضاء التيار ما لا يخفيه ليحقق مصالحه التي لا يمكن له تحقيقها، إلا في إطار هذا التيار أو الحزب كونه يملك الجمهور.

والمشكلة أن من يأتي بشعارات إصلاحية لما هو موجود، نراه تدريجيا ينغمس لأجل تمكين مشروعه ودخوله صندوق ضيق، نجده يمارس بشكل أوبآخر نفس تلك الممارسات ويبرر لها كونه بات ضمن منظومتها.

بل يصل الأمر لممارسات شبيهة بممارسات الأنظمة السلطوية من خلال توزيع الوجاهات، وتقريب الأشخاص وفق معايير شخصانية تعتمد على الوجاهات الاجتماعية ومدى قدرة توظيفها في المشاريع التي تطرح باسم الاسلام وضمن شعار في سبيل الله، وواقعها في سبيل كل شيء إلا الله.

لذلك أغلب الأحزاب والتيارات الدينية رغم رفعها لشعارات دينية إلا أنها منغمسة بالعلمانية عملانياً وتطبيقياً وأداتياً، سواء شعرت بذلك أو لم تشعر، رغم أن الإسلام قدم لما منظومة أخلاقية كاملة لتكون في خدمة التطبيق النظري لنظرياته.

ومن هنا لا يمكنني بحجة الممارسات الخاطئة للاسلام أن أتبنى العلمانية، ولا يمكنني أن أحارب العلمانية بإقصائها كخيار على مستوى الدولة، بمعنى حيادية الدولة دينيا كمظلة للجميع، وهو ما يتطلب دراسة معمقة لدرجات هذه الحيادية في كل دولة ومجتمع على حدة، ودرجات علمانية الدولة أيضاً في كل منطقة ودولة على حدة، خاصة أننا في منطقة غالبها من المسلمين، ويمكن الخروج برؤية تعايشية تتبناها الدولة، ولكن هذا يتطلب تظافر جهود النخب كافة دون تحييد أحد، للخروج برؤية في هذا الصددوالإجابة عللى تساؤل أي دولة نريد.

 بل علي النخب أن تقدم مشروعاً تطبيقياً حقيقياً بديلاً، فعلمانية الغرب تدفع لإعادة قراءة فهم الدين ومساحات اشتغاله في الحياة وعلاقته بالدولة ومؤسساتها ومؤسسات المجتمع الأهلي، لا أنها تجعلني اخلع هويتي وألبس ثوبها الذي لا ينفع أبدا مع قابليات هذه المجتمعات في العالم العربي وخاصة في الخليج، تحت حجة ممارسة أغلب التيارات الاسلامية وتشددها باسم الدين وفشلها في السياسة وفي تحقيق العدالة والأمن.

فدور الدين في الحياة محوريا بل أصل لا ينفصل عنها، أراه دورا بناءا غير لاغياً للانسان وعقله بل الأصالة فيه للعقل القارئ للنص والمثور له، فلا العقل دون نص يملك قدرة تامة، ولا النص الديني دون عقل يمكنه أن ينفع الإنسان.

وقد طرح “إرنست فولفكانغ بوكنفوردا ـ Ernst Wolfgang Boeckenfoerde” في منتصف الستينات من القرن الماضي في معادلة ملفتة للنظر: ألا تتغذى العلمانية الحرة من فرضيات معيارية لا يمكن أن تضمنها هي بنفسها[2].

تتضمن هذه المعادلة كما يصف الفيلسوف الألماني “يورغن هابرماس[3]” شيئين اثنين:

١. الشك في إمكانية الدولة الدستورية الديموقراطية تجديد شروط وجودها المعيارية عن طريق إمكانياتها الخاصة.

٢. والاعتقاد بأن هذه الدولة في حاجة إلى تصورات قديمة للعالم أو تصورات دينية، وهي في كل الأحوال تصورات أخلاقية جماعية موروثة. وقد يؤدي هذا الاعتقاد بالدولة بالنظر إلى موقفها المحايد لتصور خلق العالم و “واقعة التعدد” (كما يقول راول Rawl) إلى مشاكل كثيرة. ولا تتناقض النتيجة مع الاعتقاد السالف الذكر[4]. أي الاعتقاد بأن هذه الدولة في حاجة إلى تصورات قديمة للعالم أو تصورات دينية (إضافة المترجم).

ويعتبر يورغن هابرماس من العلمانيين الذين نادوا بشكل عنيف لتحييد الدين عن الدولة في القرن الماضي، إلا أنه مؤخرا بعد نقد وتقييم الحداثة، أي ما بعد الحداثة، وجد أن الكنيسة والمتدينين يمكنهم أن يقدموا رؤى تساعد في تقنين قوانين تخدم الإنسان والمجتمع، وكونهم مكون هام من مكونات المجتمع فلهم الحق في هذه المشاركة، وقد طرح “هابرماس” تساؤلا مهما حول ذلك قائلاً: هل السلطة السياسية ممكنة بعد استكمال القانون الوضعي، هذه السلطة التي لا تستند مشروعيتها لا من الدين ولا من أية ما بعد ميتافيزيقيا؟ ويكمل قائلاً: “حتى وإن أقر المرء بهذه المشروعية، فإن الشك يبقى على المستوى الانفعالي ويكمن هذا الشك في التساؤل ما إذا كان في الإمكان تعزيز أسس الحياة المجتمعية المتعددة عن طريق خضوعها إلى خلفية معيارية متفق عليها شكليا في أحسن الأحوال، يعين خضوعها إلى نمط عيش معين. ويمكن القول حتى وإن تفهم اللائكية[5] الثقافية والمجتمعية كصيرورة تعلم مزدوجة، يكون في حاج لها أتباع تقاليد الأنوار والتعاليم الدينية على حد سواء للتفكير في حدود تخصصهما[6].

هذه المراجعة المهمة التي قام بها “يورغن هابرماس”، حول دور الدين والمتدينين في الحياة السياسية، وفي التضامن الاجتماعي وسن الدولة لقوانين خادمة لكل مكونات الدولة، هي مراجعة منهجية لتجربة طويلة في ظل دولة علمانية شاملة، وصل فيها إلى قناعة مهمة مؤخراً أقر فيها عن ضرورة الاستفادة من الدين والمتدينين في الدولة.

ومن هنا بات لزاما على التيارات والأحزاب الدينية والشخصيات والنخب الفاعلة، أن تعيد قراءة تجربتها على ضوء تطورات المنطقة الجديدة وإرادة إدارة التوحش، حتى لا يتم اختطاف الدين من قبل مجموعات متطرفة ومتوحشة تعتمد على التكفير والإقصاء لكل مختلف، وتحول العدو في ذهنية الشعوب من العدو الحقيقي إلى عدو وهمي، وتلعب على الفروقات المذهبية والطائفية كوسيلة ناجعة في إدارة التوحش، وتمكن مشروع الاستعمار بمزيد من الهيمنة وتصنع مفاهيم جديدة في بنية العقل العربي تستحضر من التراث المنحرف ما يمكن تحويله لحقيقة في راهننا ومستقبلنا، تكمن خطورته في حرف مسار الأمة يراكم انحرافات الماضي ويشرعنها، بل يكرسها كواقع لا يوجد غيره بديل، فتصنع إسلاماً مشوهاً، وتدريجياً يصبح مرفرضا كونه ينافي ما فطر عليه الإنسان، ومن ثم تدريجيا تصبح القناعة الشعبية للجماهير هي في استبعاد الدين عن الحياة كما حدث في العهد الكنسي، ومن المهم الاستفادة من تجربة الغرب في إقصاء الدين كليا، وسلبيات هذا الإقصاء الشامل، ومراجعاته في هذا الصد خاصة ما بعد الحداثة.

___________________

[1] عبد الوهاب المسيري

[2] Die Entstehung des Staates :(1967)ekularisationals V organg der s ,Boeckenfoerde E~W.

[3] يورغن هابرماس (بالألمانية: Jürgen Habermas) فيلسوف وعالم اجتماع ألماني معاصر (18-06-1929 دسلدورف -) يعتبر من أهم علماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر. ولد في دوسلدورف، ألمانيا وما زال يعيش بألمانيا.يعد من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية له ازيد من خمسين مؤلفا يثحدث عن مواضيع عديدة في الفلسفة وعلم الاجتماع وهو صاحب نظرية الفعل التواصلي.

[4] جدلية العلمنة ـ العقل والدين / يورغن هابرماس وجوزيف راتسنغر”البابا بندكتس xvI” /تعريب وتقديم حميد لشهب / دار جداول/ ص٤٥

[5] اللائكية أو العلمانية الفرنسية، بالفرنسية laïcité (تنطق [la.isiˈte])، هي مفهوم يُعَبِّرْ عن فصل الدين عن شؤون الحكومة والدولة وكذلك عدم تدخل الحكومة في الشؤون الدينية. تواجدت العلمانية في فترة مُبَكِّرَة من التاريخ الفرنسي المعاصر استناداً إلى القانون الفرنسي لفصل الكنيسة عن الدولة عام 1905م، وامتد تفسير العلمانية الفرنسية ليشمل المساواة في التعامل مع جميع الأديان، وأصبح التفسير أكثر تحديداً في عام 2004م.

فاللائكية – كصياغة عربية – مُشتقة من الفظ الاتيني “laicus” وهو بدوره مأخوذ من اللفظ اليوناني ”laós – λαός” ومعناه “الشعب”. غير أنَّ استعماله اللاتيني قد تخصص في قسم من “الشعب”، وذلك في مقابل “الكاهن” clerc، وهو رجل المعرفة “العالِم” (من اللفظ اليوناني clêros بمعنى الحظ الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي.

ويبدو أن ترجمة Laïcité إلى اللائكية في اللغة العربية، هو نوع من التعريب لا الترجمة، إذ أنَّ لللائكية معنى خاص في تجربة مجتمع المجتمع الفرنسي دون غيره.

https://political-encyclopedia.org/dictionary/اللائكية

[6] جدلية العلمنة ـ العقل والدين / يورغن هابرماس وجوزيف راتسنغر”البابا بندكتس xvI” /تعريب وتقديم حميد لشهب / دار جداول/ ص٤٦