الدين وظمأ الإنسان للمعرفة

5 سبتمبر 2018
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
159 زيارة

الدين وظمأ الإنسان للمعرفة

إيمان شمس الدين

يقول الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران “أصبح فهم التعقيدات التي تنسج كوننا وإصلاح التعليم والمعرفة والفكر من الضروريات الحيوية للأفراد. كان جان جاك روسو يجعل المربي في كتابه ( Emile) يقول: “أريد أن أعلمه كيف يعيش”. قد يكون من الطموح بعض الشيء القول أننا نريد أن نعلم أحدهم كيف يعيش فنحن نساعد أحدهم على مواجهة الحياة ، على تعلم الحياة من نفسه. غير أن العلم والمعرفة أمور حيوية لكل منا كي يتمكن من مواجهة عالمه ومصيره ومشاكله وتناقضاته [1].”

المشكلة ليست في المعارف التي نعرفها المشكلة تكمن في ما هي حقيقة المعرفة وما هي المعرفة بذاتها؟ أي معرفة تلك التي تنظم حياة الإنسان وترشده للعيش الكريم؟

هناك من ينادي بالعلمانية[2]. كخلاص لمنطقتنا من الظلام، ولكن هل هي فعلا الخلاص أم هي هروب آخر نحو المجهول؟ نحن لا نعالج جذور المشكلة كي نضع حلولا مناسبة، نحن غالبا نهرب بعلاجات ترقيعية مستوحاة من الآخرين دون حتى الالتفات إلى الفروقات الجوهرية بين الثقافات والهوية، ونعمد إلى عملية استلاب لكل حواضننا الثقافية باستيراد تلك الحلول التي نهرب من خلالها من الواقع حتى لا نشمر عن سواعدنا ونوغل في فهمه وحل مشكلاته.

والسبب هو التداخلات والتعقيدات المتشابكة والمتراكمة لتلك المشاكل التي تداخل فيها السياسي بالمعرفي بالديني ليخنق الإنسان لا ليخدمه.

والحقيقة أن ما هو سياسي ليس ما يجب أن تكون عليه السياسة، وماهو معرفي ليس حقيقة ما يجب أن تكون عليه المعرفة، وما هو ديني ليس ما هو دين أو ما وجد كدين، التشابكات الحاصلة هي ثمرة أفهام بشرية متداخلة ساقت لنا تجاربها وعصارة أفكارها لتصنع لنا واقعنا.

ما نحتاجه كخطوة أولى حقيقية هي فك هذه التشابكات من خلال فهم واقعها ومواجهة كل الانحرافات التي بها ومن ثم معالجتها بالحقيقة.

وهنا نقع في مأزق الحقيقة، فأي حقيقة وأي منهج يوصلنا لتلك الحقيقة؟

في ظل فوضى المعرفة وادعاء امتلاك الحق والحقيقة، لا يمكننا زعم استحالة معرفة الحقيقة والحق، بل علينا أن نمتلك الجرأة والقدرة على مواجهة كل التحديات لمعرفة الحقيقة بقدر ما نمتلك من أدوات منهجية، فلن ادعي قدرتنا على امتلاك كل الحقيقة، ولكنني أجرؤ على القول أننا يمكننا الحصول على جزء كبير منها إذا قررنا ذلك.

إن أول عقبة وحائط صد يمكنه الوقوف أمام هذا الطريق الشائك هو أغلب النخب الدينية والفكرية، والسبب هو تداخل المصلحة الذاتية مع مسار المعرفة البشرية تداخلا متشابكا يغلب فيها هؤلاء مصالحهم على معارفهم. والضحية هوالإنسان الذي منه تتشكل المجتمعات.

لذلك أرى أن الخطوة الأولى للتشخيص هو مواجهة الذات من خلال تسليط الضوء عليها ومعرفة خباياها وطرق تحفيزها وتوجيهها للخير العام وليس فقط للخاص، مع تشخيص دقيق لمفاهيم الخير والصلاح وفق المشتركات البديهية البشرية التي تتفق فطرة البشر عليها خاصة في الجانب القيمي فيها، كون العقل قادر على تشحيص الحسن والقبيح وفق آراء أغلبية الباحثين في هذا الصدد، إضافة لانخراط أولئك الذين تتقدم معارفهم ومصلحة الإنسان على مصالحهم وذواتهم، أولئك المستعدون للمواجهة الكبرى مع الذات من جهة ومع الآخر من جهة أخرى.

مواجهة معرفية تمتلك القدرة على فهم الواقع وتشابكاته ومن ثم مواجهته وإصلاحه مهما كلفها ذلك من ثمن على مستواها الشخصي أو الاجتماعي أو حتى على مستوى ما اعتادته من أفكار وعقائد.

إذا امتلكنا هذه المقدرة والقدرة فنحن بذلك نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو فهم وإدراك ماهية المعرفة؟ والإجابة على سؤال أي معرفة؟ وما هي أدواتها وماهو منهجها السليم.

إن فهم العقل الإنساني وطبيعة الفهم البشري مدخلا ضروريا لفهم الذات والآخر، كون المعارف تشكل الافكار التي تقود العقل، وكون العقل نبي باطن تميز به الإنسان وكان به مسجودا للملائكة.

إذا خطوتنا الأولى تكمن في فهم الإنسان، فهم حاجاته الواقعية، صراعاته التي يعيشها مع ذاته بين فطرته وغرائزه، كيف تم نظمها وقوننتها.

هناك حقيقة لا يمكن الانفكاك منها وهي حاجة الإنسان للدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته.

إن أدركنا ذلك بواقعية نستطيع بعدها معرفة أي دين وأي مقدس، كون النص هو مصدر الدين وهو أهم مصادر المعرفة المقدسة، وهنا يجرنا هذا الاعتراف والاقرار إلى إيلاء اهتمام خاص بهذا الجانب المعرفي من معارف الإنسان والمحوري في تشكيل عقيدته وتسيير سلوكه الفردي والاجتماعي.

فالدين هو مصدر التفسير الأثرى لمعنى الحياة والموت، وكون الحياة والموت مراحل أساسية للإنسان بل هي تشكل مساراته كافة وأفكاره بالتالي تصبح حاجته للدين حاجة وجودية واجبة ، هذا فضلا عن كونها حاجة فطرية.

“وهنا جاء سؤال الباحثين والمهتمين: ما الذي يسوق الشباب في الغرب وغيره، ممن هم في كفاية معاشية، للهجرة إلى ولائم الذبح وحفلات الرقص على أشلاء الضحايا في بلادنا، والتسابق على الانخراط في وحشية عبثية، تتلذذ بالدم المسفوح، وتتهافت على مغامرات مهووسة في العمليات الانتحارية؟ ” [3]

نحن اليوم إذا أمام أزمة فهم ديني لا أزمة دين، هذا الفهم مرجعه إلى موارد المعرفة وأدواتها وكيفية الإدراك وهو ما يتطلب معالجة على عدة أصعدة مختلفة.

إننا حينما نزيد أن نكون معنيين بدراسة وتفكيك المعرفة الغربية أو معالجة موضوع المعارف، فنحن أمام ممارسات عديدة:
– ـ الاستعمار وفكرته حول الهيمنة والإقصاء من الخارج
– ـ المؤسسات الدينية وفكرتها عن الهيمنة الفكرية وإقصاء كل ما هو غير مألوف ولا مشهور ولا معتمد على نص من الداخل.
اذا نحن أمام نوعين من الاقصاء مختلفي الجذور أحدهما من الخارج المعرفي والآخر من الداخل المعرفي.

فلا نحن قادرون على تحرير العقول من أغلال الداخل وأثقاله المعرفية البشرية، حتى نستطيع المواجهة مع الخارج المعرفي وتفكيكه، ولا نحن قادرون نتيجة هذه الأغلال على مواجهة الخارج المعرفي وتفكيكه والدفع بالبديل المعرفي الأصيل بعد تطويره وتنضيجه وغربلته.

فأي مواجهة مع الخارج المعرفي لا بد لها أن تكون قوية الجذور ورصينة المتون و عصية على الكسر والتقويض من متطلبات الراهن والعصر لقدرتها على المواكبة والتقدم من جهة وقدرتها على الاستفادة والتلاقح مع الآخر المعرفي دون استلاب أو ذوبان.

وهو ما يحتاج إلى عملية نقد منهجية للذات دائمية، تتطلع للحقيقة وليس لمن قال، وتتطلع لرسم مناهج رصينة في فهم التراث ضمن مقاصدية غير مذهبية في العودة إلى التاريخ، بل ضمن منهج رصين في قراءة التراث والتاريخ يتطلع لفهم المناهج الثابتة والقيم والمعايير الثابتة كقواعد وأسس كلية لتشكل مرجعية معيارية يمكنه من خلالها فهم الواقع ومعالجة الإشكاليات المعاصرة بعقل الحاضر ومعيارية معرفية رصينة ذات أصالة في أبعادها السماوية والأرضية.

فبالرغم أننا نؤمن بوجود هيمنة غربية من موقع المستكبر ترى لذاتها محورية كمرجعية معرفية في كل شيء، ونرفض هذه الهيمنة ونحاول تفنيدها وتفكيكها ومواجهتها، إلا أننا في ذات الوقت لا ننكر وهننا الداخلي وأيضا نحاول تفكيك بنى التخلف وصيرورتها ونحاول تقويض بناه، ومواجهة إقصاء الداخل سواء على مستوى المؤسسات الدينية أو الأنظمة السياسية، فنحن بذلك أمام مواجهات متعددة، داخلية متمثلة في المؤسسات الدينية والأنظمة السياسية وما يتصل بهما من نخب، وخارجية متعلفة بشراسة الهيمنة الغربية معرفيا وسياسيا وماليا.

إن مواجهة المشاريع الاستعمارية خاصة المعرفية يتطلب التالي:
1. تغيير المنظومة الفكرية التي تعيد ترتيب أولويات الاهتمام الثقافي والفكري. وتحاول الخروج من محورية الهوية المذهبية معرفيا و الالتصاق فقط بهذا الأفق وبناء المعارف عليه، في مواجهات مذهبية تزيد من تخلفنا وانكفاء على الذات، لتخرج إلى أولوية الرسالة العالمية وضرورات وضع المناهج والآليات السليمة لهذه الأولية، وجعل الهوية المذهبية من فرعياتها المعرفية كهوية خاصة غير إقصائية.
2. تغير مقاصد قراءة التاريخ وزاوية النظر له، من قراءة لأجل استجلاب الإشكاليات المذهبية والعيش فقط في الماضي  في اصطفاف إثني ترغب فيه الأطراف المصطفة لتحوير الأدلة، في صراع حول من يملك الحقيقة وأي حقيقة يملكون، ليصبح المنهج كالتالي:
ـ دراسة الإشكاليات المعاصرة ومن ثم العودة إلى التراث و تجارب الماضين والنصوص الدينية الموثوقة، ومحاولة استخلاص منهج في معالجة هذه الإشكاليات من خلال الثوابت القيمية والمعيارية والمنهجية الثابتة ومواءمة ذلك مع متطلبات الراهن من خلال المفكرين القادرين على استخلاص نظريات تجمع بين النص والعقل والتاريخ والتجارب السابقة والحاضرة من التجارب البشرية والدينية.
فتصبح قراءة التاريخ ليس لامتلاك الحقيقة، واستجلاب المشاكل المذهبية، بل لمحاولة المواءمة بين الأصول الثابتة والمناهج الكلية واستخلاصها وبين متطلبات الراهن وآلية حل الإشكاليات المعاصرة بطريقة تجمع بين العقل والنص والتراث والحاضر.

__________________

[1] لاستغراب – العدد الأول، أزمة المعرفة – عندما يفتقر الغرب إلى فن العيش.

[2] العلمانية تعني الدنيوية، وغير الروحانية، والتحرر من قيود القساوسة أو الرهبانية، وتعميم الملكية، وتخصيص الأمور على غير الروحانية، والخروج من عالم الروحانية (فيما يتعلق بالقساوسة)، وعبادة الدنيا، والانغماس في المادية، وإضفاء حالة من الدنيوية إلى العقائد أو المقامات الكنسية. المصدر: د.عباس آريان بور كاشاني، فرهنك كامل انكليسي فارسي، المادة (ATH)

[3] الدين والظمأ الأنطولوجي/ د.عبد الجبار الرفاعي/ مركز دراسات فلسفة الدين/ دار التنوير للطاعة والنشر.