الرؤية السياسيّة المعاصرة

21 فبراير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬448 زيارة

الرؤية السياسيّة المعاصرة

في المشروع الفكريّ عند المطهَّري

د. السيد علي محمد جواد فضل الله(*)

مدخلٌ

لقد أتى المشروع السياسي عند المطهري في سياق مشروعه الحضاري المعرفي الذي تناول فيه مختلف الجوانب الفكرية والمعرفية الإسلامية، من الفلسفة والكلام والاجتماع والأخلاق والتربية إلى الفقه وأصوله وغير ذلك من المعارف والعلوم الإسلامية، والتي نظّر لها وأضفى عليها رؤيته المعاصرة والمواكبة لروح العصر وتطوراته وسيرورته.

ومن الملاحَظ في المقام أن الأطروحة السياسية عند المطهري لم تأتِ متكاملةً ـ نظير ما هي عليه عند الصدر مثلاً ـ، ولعل ذلك عائدٌ إلى المراقبة الفكرية المشدّدة التي كان يمارسها نظام الشاه على المفكِّرين والعلماء المسلمين، وخاصة أمثال: المطهري، بما يمتلك من مؤهّلات وقدرات وأفكار تشكّل عامل جذب واستقطاب لشرائح فاعلة ومؤثّرة في الوسط الشعبي، وكذلك النُّخْبَوي من طلاب الجامعات، ومثقَّفين ومتخصِّصين. ومن هنا، جاء الطرح السياسي للمطهري متأخِّراً إلى ما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام (1979م)، حيث كانت له إسهاماته الفكرية والإيديولوجية على صعيد تظهير وإبراز طبيعة ومفهوم الجمهورية الإسلامية، وماهية نظام الحكم فيها، وشكل الحكومة، وامتيازها عن الأنظمة السياسية في العالم، إضافة إلى محاضرات تتّصل بدعائم وركائز الثورة الإسلامية تدور حول الحرّية والاستقلال، إلى العدالة الاجتماعية، إلى الاتجاهات المعنوية فيها، إضافةً إلى دراسة حقيقة الثورة الإسلامية، وسرّ نجاحها، وكيفية المحافظة عليها. وقد جُمعَتْ هذه المحاضرات والمقابلات في العديد من الكتب التي حملت عناوين مختلفة منها: «مقالات حول الثورة الإسلامية في إيران»، و«قضايا الجمهورية الإسلامية»، و«مسائل النظام والثورة».

ولكنّ يد الإجرام لم تمهِلْ المطهري لبلورة نظريته السياسية، وتقديمها بشكلها المترابط والمتكامل، حيث تمّ اغتياله سنة (1979م)، بعد أشهرٍ قليلة من انتصار الثورة الإسلامية.

إلى هذا، فإن ما تقدَّم من غياب الأطروحة الفكرية السياسية المتكاملة عند المطهري لا يسقط من الحساب ما قدَّمه المطهري من أطروحات إيديولوجية واجتماعية ودينية تنظِّر لوجود المجتمع الإسلامي كواقعٍ حيّ ومعيش، والذي يرتكز على أحكام الإسلام وأصوله ومبادئه وتشريعاته. وهذا ـ في الحقيقة وواقع الحال ـ يصبّ في خدمة قيام النظام الإسلامي ممثَّلاً بدولة إسلامية حديثة ومعاصرة، مقابل الأطروحات الاجتماعية والسياسية الوضعية التي عمل المطهري كثيراً على نقدها، وتبيان تهافتها، وعدم صلاحيتها للحكم والتطبيق على مجتمعاتنا وأمتنا الإسلامية.

وأنا هنا سأقف عند ما طرحه المطهري من أفكار تتعلَّق بالحكم وماهيته، وشكل الدولة الإسلامية ونوعها، وتمايزها عمّا هو سائد في النظم السياسية المعاصرة، ودور الأمة في اتخاذ القرارات، ومدى مساهمتها وحضورها في الحياة السياسية العامة، وهل يتعارض تدخُّل رجال الدين مع دور الأمّة وفاعليتها السياسية؟ وهل يتوافق النظام الإسلامي مع الديموقراطية؟ وما هو مدى مرونته في مسايرة روح الحداثة والمعاصرة، وما ينتج عن ذلك من مواقف ومضاعفات؟.

والملاحظ في المقام أن الأطروحة السياسية التي عمل المطهري على تقديمها وتبريرها وشرح أصولها ومقتضياتها، وإبداء محاسنها، ودفع الشبهات والاعتراضات عنها، كانت تنطوي على فعلٍ كلامي إيديولوجي بامتيازٍ. فالساحة الإيرانية بُعَيْد انتصار الثورة وبداية تبلور الجمهورية الإسلامية كانت تعيش مخاضاً فكرياً واجتماعياً، وربما عنفياً في بعض منعطفاته؛ لتحديد طبيعة وهوية النظام والحكومة التي ستلي الثورة. وفي هذا الخضمّ طُرحت رؤى وأفكارٌ ومذاهب واتجاهات متنوعة ومختلفة حول طبيعة الحكم وأهدافه ومآلاته. وهنا أتى مشروع المطهري ورؤيته السياسية لتؤكّد على إسلامية الدولة والنظام، وعدم شرعية أيّ نظام لا يلتزم بالعقيدة والشريعة الإسلامية في مجتمعٍ مسلم. فالنظام الإسلامي يمتاز بانسجامه مع الواقع الحياتي والنسيج الاجتماعي والبُعْد الفكري والتاريخي للإنسان المسلم، وهذا على خلاف ما هو عليه في الأنظمة الوضعّية المُسْقَطة على هذا الواقع، والغريبة عن مناخه الفكري، ونظرته للحياة وإرادتها([1]).

وقد عمل المطهري على تقديم إجابات حول اعتراضاتٍ وإشكالات مختلفة حول النظام الإسلامي، منها ما يتعلَّق بمدى انسجامه مع مقتضيات العصر وتطوُّر الزمان، ومنها ما يتَّصل بديموقراطيته، وكيفيّة المواءمة بينها وبين حكم رجال الدين، ومنها الحرّية الفكرية والسلوكية المتاحة في ظلّ النظام الإسلامي، ومدى مشاركة الناس وفاعليتهم في الحياة السياسية العامة. ومن خلال ذلك كلِّه يتبدّى المنحى الكلامي في الفكر السياسي عند المطهري.

الثورة الإسلامية الإيرانية، فلسفتها وجذورها

قبل الدخول مع المطهري في رحاب رؤيته للدولة ونظام الحكم سنتوقف عند نظرته لحقيقة وماهية الثورة الإسلامية، وجذورها وأسبابها.

وعند دراسته لفلسفة الثورات وحقيقتها يرى المطهري أن هناك اتجاهين في ذلك:

الأول: وهو الذي يعتبر أن الثورات كلها ذات ماهية واحدة، فهي وليدة التناقض الطبقي المرتبط بوسائل الإنتاج وتطوّرها. وهذا هو الاتجاه في المدرسة الماركسية، والذي أسماه المطهري بـ «الاتجاه الآلي».

الثاني: وهو الذي يرى أن الثورات ذات ماهيّات متعدّدة، ولا يصحّ حصرها بالعامل الطبقي في الإطار الاقتصادي. ويعطي هذا الاتجاه دوراً أساسياً لطبيعة الإنسان المنطوية على قطبين متصارعين في النفس البشرية: قطب الإنسانية؛ وقطب الحيوانية. وبالتالي فحركة الإنسان من خلال هذا الصراع تتّجه نحو التكامل التدريجي. وهذا الاتجاه يطلق عليه المطهري اسم «الاتجاه الفطري أو الإنساني»([2]). يقول المطهري: «إن الثورات ليست بذات صفة اجتماعية محضة، بل ذات جذور تمتد إلى طبيعة الإنسان. الصراع الداخلي في الإنسان يؤدّي إلى تكامل واستقلال بعض أفراد البشر، وهذا بدوره يؤدي إلى صراع بين الأفراد المؤمنين الملتزمين العقائديين، والأفراد المنحطّين الراسخين في أغلال الحيوانية. وهذا الصراع هو الذي يعبّر عنه القرآن الكريم بالصراع بين الحق والباطل»([3]). وانطلاقاً مما تقدَّم، فإن هدف الثورة قد يتخطى مسائل العيش ورفاهيته، ليتخذ المنحى العقائدي الروحي. يقول المطهري: «الهدف من الثورات ـ استناداً إلى النظرية الفطرية ـ قد يتجاوز إطار المسائل الرفاهيّة والمعيشيّة، ويتّخذ صفة عقائدية. وقد تأبى الطبقة المحرومة أن تضفي على مظاهراتها وإضراباتها صفة مادية اقتصادية ـ كما حدث في إيران خلال الثورة ـ، كما أن القيادة قد تطرح على الساحة شعارات لا تنحصر في النطاق الاقتصادي، بل تتجاوز هذا النطاق، لتتّخذ صبغة الآمال الإنسانية والمعتقدات السامية»([4]).

وأما جذور الثورة الإسلامية وأسبابها فيعدِّد المطهري جملةً منها، مثل: استبداد الاستعمار الجديد، وفصل الدين عن السياسة، والدعوة إلى عصر ما قبل الإسلام بثقافته وعاداته وأفكاره، والمذابح الوحشية، والنقض الواضح والصريح للتعاليم الإسلامية… هذا إضافة إلى عاملين يذكرهما المطهري: الأوّل: فشل الليبرالية الغربية؛ والثاني: تبدُّد الآمال من الاشتراكية الشرقية. ومن هنا كانت هذه الثورة وعبر قيادتها ـ بحسب المطهري ـ تعبيراً عن وعي الشعب الإيراني المسلم في العودة إلى أصالته وتراثه وهويته الإسلامية، وإحساسه بكرامته الذاتية([5]). يقول المطهري: «المسلمون اجتازوا مرحلة الذوبان وفقدان الشخصية، وها هم اليوم يعودون إلى أصالتهم. ومع هذه العودة تبدو في الأفق طلائع ولادة عالمٍ ثالث يتحدَّى الشرق والغرب»([6]).

المطهَّري ورؤيته لنظام الحكم وشكل إدارته

هنا سأتوقَّف عند نقاط متعدِّدة نترسَّم من خلالها الرؤية السياسية لطبيعة نظام الحكم الإسلامي عند المطهري.

أوّلاً: ضرورة الحكومة ولزومها

يرى المطهري أن مسألة وجود حكم وإدارة هي من الأمور الضرورية واللازمة التي لا غنى عنها للاجتماع البشري. فوجود القانون ـ سواء أكان دينيّاً أم وضعيّاً ـ لا يغني عن وجود الحكومة. وهذا ممّا اتفق عليه جميع المسلمين، سنّةً وشيعة. يقول المطهري: «وجود القانون ـ ولو كان قانوناً دينياً ـ لا يُغني الناس عن الحكومة أبداً؛ ولذلك فإن مسألة الخلافة متَّفق عليها بين السنّة والشيعة، وحتّى الخوارج يقرّون بها، بعد أن كانوا يرفضونها أول الأمر»([7]).

ثانياً: مرتكزات السياسة الإسلامية عند المطهَّري

السياسة الإسلامية عند المطهري هي التي تحكمها المبادىء والمفاهيم الدينيّة والأخلاقية السامية، والتي لا تهادن في مسألة الحقّ أمام الباطل، ولا تأخذ بالمصانعة ولا الخداع والمَكْر. وهذا بخلاف ما هو معروف في السياسة الدولية، وبخاصة الغربية منها، بأنها سياسة المَكْر والمراوغة والخداع، سياسة الوصول إلى الغاية والمصلحة التي تبرِّر جميع الوسائل والأدوات المتاحة، مهما بلغت درجة عنفها والتوائها وبُعْدها عن الروح الإنسانية. وعليه، عندما تتحوّل السياسة الإسلامية إلى هذا اللون من السلوك السياسي حينئذٍ تخرج عن كونها سياسةً إسلامية. إلى هذا، فإن هذه الاستقامة وعدم المساومة على حساب الالتزام بالمبادىء والأخلاق الإنسانية لا يمكن اعتباره ـ عند المطهري ـ فشلاً وعدم مرونة وقدرة على الانسجام مع مقتضيات العصر ومتطلباته وسيرورته التقدُّمية، كما حاول بعض المفكِّرين الغربيين تصوير السياسة الإسلامية على هذا النحو، بل وتعدّاه إلى التشكيك بقدرة الإسلام ككلٍّ على مواكبة الزمان وتطوّره([8]).

وهذا ما يرفضه المطهري، معتبراً «أن هدف الإسلام هو إقرار المساواة بين الناس بشكلٍ تامّ، ولو شرّع الإسلام مبدأ نفعياً على النحو المؤقَّت؛ أي مثلاً لكَسْب بعض الناس والاستفادة منهم، ثم بعد ذلك نقضه، لما كان إسلاماً حقيقياً بمعنى الكلمة. ولا شَكَّ فإن هذا هو دأب السياسة الأوروبية، أنها تسنّ مبدأ، ثم تنسفه من وحي الدوافع المصلحية. فمثلاً: تصدر وثيقة حقوق الإنسان لتنضوي بقية الشعوب تحت سلطتها وهيمنتها…، وإذا ما انضوَتْ فإنها تقول لها: كلّ هذا الكلام لا طائل تحته ولا قيمة له. هذا هو أسلوب التفكير السائد عند هؤلاء. إنهم يقولون: إن الإسلام فظٌّ غير مرن ولا ينسجم مع متطلّبات العصر، وبعبارةٍ أخرى: مع السياسة. ونحن نقول: إن الإسلام جاء لمحاربة أمثال هذه السياسة المنحرفة في العالم، إنه لا يعتقد بمتطلّبات العصر التي يريدها هؤلاء، ولا يقرّ بها، كمستلزمات حقيقية للتطوُّر والتقدُّم. إنه يعتبرها انحرافات العصر، لا متطلباته، ويعلن محاربته لها، ووقوفه ضدّها»([9]).

ثالثاً: نظام الجمهورية الإسلامية، الشكل والمضمون

انطلاقاً من تحليله لمفهوم كلمتي «الجمهورية» و«الإسلامية» يخلص المطهري إلى اعتبار أن نظام الحكم الإسلامي هو نظام جمهوري، يكون للأمة فيه حق تقرير المصير، وانتخاب ممثِّليها في السلطة التشريعية، والتي بدورها تنبثق عنها الإرادة التنفيذية، أي الحكومة. وكذلك تقوم تلك السلطة بتشريع القوانين المنسجمة والمطابقة لمقتضيات الشريعة الإسلامية وكلّياتها، بعيداً عن الأهواء والمصالح الشخصيّة والفئوية، وتقوم الحكومة بدورها بتنفيذ تلك القوانين([10]).

وإلى ما تقدَّم، ومن خلال وقوفه على مفهومي «الجمهورية» و«الإسلامية» يرى المطهري أن كلمة «الجمهورية» تعني شكل الحكومة، وأما «الإسلامية» فتحدّد محتوى هذه الحكومة ومضمونها الإسلامي التوحيدي([11]). فمن ناحية مفهوم «الجمهورية» يقرّر المطهري أن هذا المفهوم يعيِّن ويحدِّد كون الحكومة هي «حكومة عامة الناس… وهي تعني الحكومة التي يتمتَّع فيها جميع الناس بحقّ الانتخاب، دون تمايزٍ بينهم في الجنس أو اللون أو العقيدة، والشرط الوحيد في المنتخِب هو البلوغ والنضج العقلي لا غير… إضافةً إلى ذلك، الهيئة الحاكمة المنتخبة تحكم لفترةٍ معينة، وللشعب حقّ إبقائها أو تغييرها بعد انقضاء تلك الفترة… وهذا الشكل من أنظمة الحكم هو «الجمهوري»، وهو الشكل المقترح لنظام الحكم في إيران»([12]).

ومن هنا، فهذه الحكومة تتمايز عن الأنظمة الفردية الوراثية، كالنظام الملكي؛ وكذلك تختلف عن الأنظمة الأرستقراطية التي يكون الحكم فيها حَصْراً لطبقة (فلاسفة، أشراف، متخصِّصين) دون أخرى، إضافةً إلى اختلافها مع حكومات أصحاب رؤوس الأموال المتنفِّذين([13])

وأما من ناحية مفهوم «الإسلامية» فهو يعني أن مضمون ونهج هذه الحكومة يرتكز على الأصول والتعاليم الإسلامية؛ لما ينطوي عليه الإسلام من مدرسة فكرية وإيديولوجية ورؤية كونية واجتماعية لتنظيم حياة البشر بكلّ أبعادها وشؤونها([14]).

ومن خلال دراسته للحكم والإدارة في نهج البلاغة يرى المطهري أن الحكومة التي تلتزم معايير الحق والعدل تعتبر حكومة مقدَّسة في منطق نهج البلاغة. يقول المطهري: «ولكنه× يقدِّسها تقديساً عظيماً إذا كانت مستقيمة غير منحرفة عن سبيلها الأصيل والواقعي الحقّ، وهو أن تكون وسيلة إلى إجراء العدل وإحقاق الحق وخدمة الخلق، ومانعاً عن تغلّب الرقيب الباطل المنتهز لفرص الوثوب على حقوق الناس. ولهذا فهو× يكافح هذا الرقيب الباطل الثائر الذي ما زال يتربَّص بالحق الدوائر، ولا يألو جهداً عن الجهاد المقدَّس لحفظها حينئذٍ وحراستها عن أيدي المنتهزين الطامعين»([15]).

وعطفاً على موضوع الحكومة وشكل النظام المقترح فقد طرح البعض من المفكِّرين نظاماً اعتبره الأصلح للبشرية، يقوم على التركيب بين الديموقراطية والاشتراكية، ويمكن للمجتع المسلم أن يثري هذا النظام الديموقراطي الاشتراكي، من خلال بثّ القِيَم الأخلاقية الإسلامية فيه وإقامته على أساسها([16]).

وفي ردِّه على هذا الطرح يرى المطهري أن هناك تناقضاً بين الديموقراطية والاشتراكية، فلا يمكن الدمج بينهما؛ فالديموقراطية تقوم على أصالة الفرد والمناداة بحقوقه؛ بينما تقوم الاشتراكية على أصالة المجتمع، وتقديم حقوقه على حقوق الأفراد، هذا من جهةٍ. ومن جهةٍ ثانية فإن تطعيم هذا النظام المقترح بالقيم والأخلاق الإسلامية غير ممكن في الإطار الإسلامي؛ وذلك لأن فصل الجانب الخُلُقي عن باقي الجوانب والأبعاد في الإسلام هو بمثابة مَسْخٍ له؛ لأن الإسلام عبارة عن أطروحة متكاملة ومترابطة في وحدةٍ منسجمة تغطي كلّ جوانب الحياة([17]).

وخلاصة المطاف إن شكل النظام الذي يحدِّده المطهري للحكم هو: شعبي ذو محتوى إسلامي.

رابعاً: ولاية الفقيه، شروطها ودورها([18])

في معرض كلامه عن دور علماء الدين وموقعهم وأثرهم في الحياة الاجتماعية والسياسية، وخاصّة في ما يتعلَّق بالثورة الإسلامية في إيران، شدَّد المطهري على ضرورة كون علماء الدين على رأس القيادة العليا في إيران، وأن ضمان استمرارية الثورة وانتصارها مرهونٌ بذلك، بل ترقّى إلى أكثر من ذلك، معتبراً أن هذه السلطة لعلماء الدين إذا ما نُزِعَتْ من أيديهم فإن الدين سيُمْسَخ ويزول بعد قرنٍ من الزمان، أو بعد جيلٍ من الآن، بحَسَب تعبيره([19]).

وانطلاقاً من هذه الأهمّية الكبرى لعلماء الدين فمن الطبيعي ـ عند المطهري ـ أن تكون لهم الولاية على واقع أمتهم بمختلف تنوُّعاته وأشكاله الاجتماعي والسياسي والديني و… ولكن ما هو مقصود المطهري من ولاية الفقيه؟

هل يعني ذلك كون الفقيه حاكماً فعلياً ذا صلاحيات مطلقة، ويكون ممسكاً بالسلطات الثلاث التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة، أم أن له دوراً آخر غير ذلك؟

هنا يرى المطهري أن ولاية الفقيه تعني أن الوليّ دوره دور المنظِّر الإيديولوجي للنظام، وليس دور الحاكم الفعلي الذي يمارس السلطة عملياً على الصعيد التنفيذي أو القضائي. وإذا كان دوره منظِّراً فيعني أنه يجب عليه الإشراف على التنفيذ الصحيح للنظرة الإسلامية، بأن يُبْدي رأيه في الصلاحية الدستورية والشرعية لأعضاء الهيئة التنفيذية، وفي مقدّمتهم رئيس الجمهورية، وكذلك في كلّ ما له صلة بتطبيق النظرية الإسلامية([20]). إلى هذا، فإن الفقيه الوليّ لا يصبح بمركز الولاية والإشراف إلاّ عبر انتخابه من قبل الجماهير، وبذلك تكون ولاية الفقيه بهذا المعنى والمفهوم عين الديموقراطية([21]). وبالتالي ينفي المطهري أن تكون الجمهورية التي تحمل عقيدة الإسلام وشريعته وإيديولوجيته في النظرة إلى الكون والحياة هي جمهورية رجال الدين؛ فالإسلام ليس دين طبقةٍ خاصّة، كطبقة رجال الدين، إذ إن الجمهورية الإسلامية تمثّل المجتمع الإسلامي ـ بكلّ فئاته وشرائحه المختلفة ـ الذي يحمل التصوُّر الإسلامي الذي ينطوي على رؤية كونية توحيديّة، يُعبّر عنها بالتوحيد العملي، ويعني ذلك بلوغ الإنسان درجة التوحيد الأخلاقي والتوحيد الاجتماعي، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (آل عمران: 63)، حيث تؤكِّد الآية على التوحيد العملي الاجتماعي المقارن للحرّية والديموقراطية بأعمق أشكالهما، بحَسَب تعبير المطهري([22]).

صفات وشرائط الحاكم (الوليّ)

يمكننا الوقوف على بعض الصفات والخصائص التي يشترطها المطهري في القائد أو الوليّ، وذلك في طيّات مواضيع تعرَّض لها في بعض كتبه وأعماله([23]).

ونجد في مقدّمة هذه الصفات الفقاهة، أي الاجتهاد، وهذا ما يعنيه مصطلح «الفقيه» نفسه في قولنا: «ولاية الفقيه»، فهو مجتهدٌ، غير مقلِّد لأحد في المجال الفقهي التشريعي.

ولكنْ هل تكفي الفقاهة ـ وحدها ـ في المقام؟ بطبيعة الحال إن ذلك غير كافٍ، طبقاً لمنظور المطهَّري للوليّ والقائد. فإضافة إلى كونه عالماً بالفقه، ومتمرِّساً في أصوله وفروعه، يجب أن يكون الوليّ على علمٍ ودراية وافية وعميقة وشاملة بمختلف العلوم والمعارف الإسلامية، من الفلسفة والأخلاق والاجتماع والسياسة. وكذلك لا بُدَّ أن يكون على معرفةٍ كاملة برؤية الإسلام إلى الحياة والوجود والمبدأ والمصير، أي لا بُدَّ أن يكون مستوعباً لأصول الدين وأسسه، إضافة إلى فروعه وأحكامه. ويُضاف إلى ذلك وجوب معرفته وإحاطته بنظرة الإسلام إلى الإنسان، لجهة بنائه وتربيته وصلاحه، وطريقة سلوكه ومعيشته، ومختلف توجُّهاته وحاجاته وشؤونه في هذا الوجود([24]). يقول المطهري: «ومن البديهي أنه لا يستطيع أحدٌ أن يتحمل هكذا قيادة، وبهذه المؤهَّلات والشروط، إلاّ أن يكون قد تربّى وترعرع في صميم الثقافة الإسلامية، وأن يكون عارفاً بالقرآن والسنّة والفقه والمعارف الإسلامية معرفةً كاملة. وعلى هذا الأساس لا يستطيع قيادة النهضة الإسلامية وتحمُّل أعباء مسؤوليّتها إلاّ «علماء الدين»»([25]). وعطفاً على ذلك، ووفقاً لهذا المنطق، لا بُدَّ أن يكون الولي مطَّلعاً على أحوال زمانه، مواكباً لعصره، منسجماً مع مقتضياته ومتطلّباته. يقول المطهري: «أما ما يرتبط ببحثنا هنا حول «القيادة» فأقول: إننا بحاجة إلى فقهاء وعلماء وفلاسفة، كنصير الدين الطوسي، وأبي عليّ سينا، وملاّ صدر الدين الشيرازي، والشيخ مرتضى الأنصاري، والشيخ بهاء الدين العاملي، والشيخ الحلِّي. ولكنّ هؤلاء كانوا علماء وفقهاء وفلاسفة عصرهم. وإننا بحاجة إلى طوسيّ هذا القرن، وأبي علي سينا هذا العصر، وصدر الدين الشيرازي فيلسوف هذا القرن، وفقهاء يصلحون لهذا الزمان، حتّى يفهموا العصر، ويدركوا آلامه ومشاكله، ويقدِّموا الحلول المناسبة له»([26]).

وإضافة إلى ما تقدَّم، يشترط المطهري في الوليّ صفة أساسية ـ ولعلها من البديهيّات اللازمة في الوليّ عند المطهري ـ ألا وهي صفة العدالة. فعند تعليقه على بعضٍ من كلمات الإمام عليّ× في العدل، كقوله×: «ومَنْ ضاق عليه العدل فالجَوْر عليه أضيق»([27])، يقول المطهري: «وإذا ضاق تدبير الأمور على الوالي بالعدل فتدبير أموره بالجَوْر أضيق عليه؛ لأنه ـ حينئذٍ ـ في مظنّة أن يُصَدّ عن جَوْره»([28]).

ومما يراه المطهري ـ انطلاقاً من القرآن الكريم([29])؛ ولما ورد عن الأئمة^ ـ أن من صفات الحاكم أن يكون حارساً أميناً على حقوق الناس والمجتمع الذي يحكمه([30]).

وإلى ما تقدَّم، يمكننا إضافة بعض الصفات للوليّ القائد عند المطهري، وذلك في ما أتى على ذكره من شروط نجاح المصلحين، من خلال كلام الإمام عليّ×: «لا يقيم أمرَ الله سبحانه إلاّ مَنْ لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتبع المطامع»([31]).

وتعليقاً على ذلك يرى المطهري أنه لا بُدَّ لمَنْ يقيم أمر الله سبحانه أن لا يكون مداهناً ومخادعاً، وهذا هو معنى المصانعة. وكذلك عليه أن يترك المضارعة، أي لا بُدَّ له أن يبتعد ولا يتشبَّه بالصفات والأخلاقيّات الهابطة والسيِّئة في مجتمعه الذي يريد قيادته وتغييره. وكذلك عليه أن يحرِّر نفسه من أسر النفعيّة وعبودية الطمع([32]).

خامساً: إشكالية التعارض بين حكم رجال الدين والديموقراطية

هنا لا بُدَّ من التمييز بين نوعين من الديموقراطية، بحَسَب المطهري: ديموقراطية غربية؛ وديموقراطية إسلامية؛ حيث إن لكلٍّ منهما فلسفته الخاصة، ونظرته المغايرة لأسس ومرتكزات الحرّية والسلوك البشري.

الفلسفة الغربية تعتبر أن الحرّية هي وليدة رغبات الإنسان وميوله وأهوائه. وهذا اللون من الحرّية هو أساس الديموقراطيات الغربية. وهي في واقعها ليست سوى نوع من الحيوانية مطلقة العنان، بحَسَب تعبير المطهري. وإلى هذا، وانطلاقاً من هذا المفهوم للحرّية والديموقراطية، يغدو تشريع الشذوذ الجنسي ـ مثلاً ـ عملاً قانونياً، ولا غرابة فيه؛ وذلك نزولاً عند رأي الأكثرية التي تصبّ رغبتها وميولها في هذا الاتجاه([33]).

ولكنْ إذا نظرنا إلى الديموقراطية الإسلامية فإن المسألة تختلف جذرياً. فالإنسان في المنظور الإسلامي ينطوي على ملكات واستعدادات وأبعاد سامية تشكّل ملاك إنسانيته. ومن هذه الأبعاد التفكير المنطقي، والميول السامية، كالميل إلى اكتشاف الحقائق، وعبادة الحقّ، والخير الخلقي والجمال. وبما أن الإنسان ينطوي كذلك على قطبين متناقضين، هما: الروح؛ والجسد، فإنّ من غير الممكن إعطاء الحرّية المطلقة لكلٍّ منهما؛ فإن الانطلاق بالحرّية في أحدهما يؤدّي تلقائياً وبالضرورة إلى محدودية الآخر. وعلى أيّ حالٍ فإن الديموقراطية الإسلامية ـ عند المطهري ـ تقوم على أساس الحرّية الإنسانية، ولكنّ الحرّية هنا تعني الانعتاق من الميول والشهوات الحيوانية، وكسر القيود والأغلال التي تحول دون تحقيق الإنسان لإنسانيّته، وتكامله الوجودي. ولكنْ لا يعني هذا رَفْضاً للشهوات وإماتة لها، بل يعني تهذيب الدوافع والغرائز والميول والرغبات، وتنظيمها والسيطرة عليها([34]).

ولكي يظهر الفرق الجوهري بين الديموقراطيّتين الغربية والإسلامية، وأيّ منهما الواقعي والحقيقي، يضرب المطهري أمثلةً من التاريخ توضِّح المسألة. فالتاريخ يذكر أن الملك (كورش) ـ وهو مؤسّس أوّل إمبراطورية إيرانية ـ عندما فتح بابل أقرَّ أهلها على دينهم، وتركهم أحراراً في عبادة الأوثان والأصنام؛ بينما نبيّ الله إبراهيم الخليل× اتَّخذ موقفاً آخر من هذه الأوثان التي كان يعبدها قومه، حيث قام بتكسيرها وتحطيمها؛ لأنه رأى فيها معتقدات منحطّة وآلهة كاذبة، فهي تشكِّل قيوداً وسلاسل تكبِّل فكر الإنسان وعقله. والحال كذلك عندما قام نبيّ الإسلام محمد| بتحطيم الأصنام والأوثان بمكّة عندما دخلها فاتحاً؛ لأنها تمثِّل إصراً وأغلالاً في أعناق البشر، تعيقهم عن الوصول إلى الحرّية الحقيقية. إن عمل (كورش) يُحْسَب على أنه احترامٌ لميول الناس ورغباتهم. وعليه فـ (كورش) يُعتبر في المعيار الفردي أحد روّاد الحرّية في التاريخ، بحَسَب المطهري. وأما عمل أنبياء الله تعالى إبراهيم× ومحمد| فهو عملٌ عدواني مخالف لقِيَم ومبادىء الحرّية، على أساس هذه النظرة وطبقاً لمنطقها. وعليه فمنطق الأنبياء يخالف منطق الإنسان الغربي المعاصر([35]). وعطفاً على ما تقدَّم يخلص المطهري إلى القول: «الحرّية والديموقراطية تقومان ـ في نظر الإسلام ـ على أساس ما يفرضه التكامل الإنساني للموجود البشري. الحرّية حقٌّ للإنسان بما هو إنسان، حقٌّ منبثق من المؤهّلات الإنسانية للإنسان، لا من ميوله وأهوائه. الديموقراطية ـ في نظر الإسلام ـ تعني الإنسانية المنطلقة، بينما تعني ـ في قاموس الغرب ـ حيوانيّة منطلقة»([36]).

وممّا تقدَّم يتبيَّن أن لا تعارض بين النظام الإسلامي وبين الديموقراطية، بل إن الصفة الإسلامية للنظام تنطوي على الديموقراطية، وتضمن الحرّيات الضرورية. يقول المطهري حول ذلك: «إن الجمهورية الإسلامية لا ترسي قواعدها على الاختناق السياسي والفكري… أما إذا أرادَتْ ذلك فمعناه أنّ الهزيمة ستكون مصيرها الحتمي.. فكلّ فرد من أفراد المجتمع يتمتَّع بحرّية الرأي والتفكير والتعبير عمّا يجول بخاطره.. والأحداث التاريخية أثبتت أن الإسلام لا ينمو إلاّ في المجتمع الذي يتمتَّع بحرّيةٍ تامة. ولكنْ للحرّية حدودٌ تنتهي عند بدء حرّية الآخرين، فعلينا أن نمنع الخداع والتلاعب بالألفاظ»([37]).

إلى هذا، فإن المطهري ينكر على البعض ظنّه بوجود تعارض بين تبنِّي فكرٍ أو مدرسة إيديولوجية معيَّنة ـ كالإسلام مثلاً ـ وبين الديموقراطية وحقّ السيادة الشعبية. وهنا يتساءل المطهري، مستنكراً وآخذاً على هذا المنطق: «تُرى هل تعني الديموقراطية أن يلتزم كلّ فردٍ بخطٍّ فكري خاصّ، أو أن يتخلّى جميع الأفراد من أيّ التزام بمدرسةٍ فكرية؟! تُرى هل الإيمان بمبادىء قائمةٍ على أساس العلم والمنطق والفلسفة والتسليم لهذه المبادىء يعارض الديموقراطية؟! الأكثرية الساحقة للشعب الإيراني تؤمن إيماناً راسخاً بمبادىء الإسلام، وليس في هذا الإيمان المطلق ذنبٌ، ولا عَيْب. لكنّ العَيْب أن تسلب هذه الأكثريةُ القاطعة من الأقلّية غير المؤمنة حقّ النقد والمناقشة والاعتراض»([38]).

وفي نفس السياق يرفض المطهري إشكالية التعارض المزعومة بين ولاية الفقيه من جهةٍ وبين السيادة الشعبية من جهةٍ ثانية، معتبراً أن «المهمّ أن يكون الشعب هو المنفِّذ للقانون الذي آمن به وقبله، سواء كان الشعب هو الذي سنَّ القانون، أو أن يكون قد سنَّه صاحب مدرسة فكرية أو منظِّر قانوني، أو أن يكون القانون الذي آمنت به الجماهير قد تلقَّتْه عن طريق الوحي الإلهي([39]).

سادساً: الدولة الإسلامية ومواكبة العصر

إن مسألة مواكبة الإسلام لروح العصر، وتلبيته لمتطلّباته المختلفة من الإشكالات الأساسية التي طرحت أمام الفكر الإسلامي المعاصر، ومنه: الفكر السياسي. فهل يستطيع النظام الإسلامي أن يواكب ويتفاعل بعقليّةٍ معاصرة وحديثة مع مسائل مستجدّة ومعقَّدة تشمل مجالات حياتية جوهرية، كالمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وغيرها، أم أنه سيعالج المستجدّات الراهنة بأحكام وقوانين وقواعد قديمة جاء بها الإسلام قبل أربعة عشر قرناً؟

وفي مقام إجابته عن هذه الإشكالية يفرِّق المطهري بين حركة الفرد والمجتمع، وبين التكامل الإنساني والوجودي لكلٍّ منهما. فيرى أن تطوُّر الفرد والمجتمع وحركتهما من الأمور الضرورية المنسجمة مع قوانين الطبيعة، ولكنّ مسير التكامل ومعاييره وأهدافه ثابتةٌ لا تتغيّر. فمستلزمات الحياة الإنسانية وحاجاته وشؤونها ومظاهر مدنيّتها وحضارتها تتطوَّر باستمرار، ولكنّ إنسانية الإنسان وقيمه ومعايير كماله هي حقائق ثابتة لا تتبدَّل. فهذه المبادىء والمفاهيم والمعايير هي بمثابة دلالات وعلامات على طريق الإنسانية، يهتدي بها الإنسان في مسيرته الوجودية؛ كي لا يضلّ الطريق. وبناءً عليه، فإن الإنسان بحاجةٍ إلى مجموعة مبادىء وأحكام ثابتة ترتبط بطبيعته وكماله، وفي المقابل هو بحاجةٍ أيضاً إلى قوانين وأحكام متغيِّرة تسدّ احتياجاته المتطوّرة والمتنوّعة والمتبدّلة خلال مسيرته التكاملية. وهنا جاء الإسلام ليسدّ احتياجات البشرية من خلال قوانين وقواعد وأحكام كلية ثابتة يحتاج إليها الإنسان في حركته التكاملية، ولتكون هذه القوانين هي الأطر والضوابط التي تنبثق عنها الأحكام المرنة والمتغيِّرة بحَسَب متطلّبات العصر، والتي تسد الاحتياجات المرحلية والراهنة للإنسان([40]). «فالثابت في الإسلام هو الأصول والمبادىء، والمتغيِّر هو كيفية تنفيذ تلك الأصول والمبادىء، وهذا ما يخضع لتطوُّرات العصر التي تلعب دورها في تبديل صور التكليف»([41]). يقول المطهري: «الإنسان يحتاج ـ إذن ـ إلى قوانين ومبادىء ثابتة ترتبط بحركته المدارية، وإلى قوانين متغيِّرة ترتبط بتنقُّله المرحلي. أحكام الإسلام موضوعة لحركة الإنسان المدارية الثابتة، لا المرحلية المتغيِّرة. غير أن الإسلام أعدّ المقدّمات والتمهيدات والأطر اللازمة لسدّ احتياجات الإنسان المتغيِّرة»([42]).

ويقدِّم المطهري أمثلةً عملية حول ذلك:

منها: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: 60). فالحكم الثابت هنا هو وجوب الإعداد العسكري للجماعة المسلمة إلى المستوى الذي يخشاها فيه الأعداء، وهو مبدأٌ إسلامي ثابت. ولكن الوسيلة متغيِّرة وغير ثابتة. فقد كانت في الماضي بالسبق والرماية، التي أوصى بهما الفقه الإسلامي، انطلاقاً من السنّة النبوية. إلاّ أن هذا الحكم الفقهي لم يَعُدْ له مصداقٌ عملي في عصرنا الحاضر؛ إذ ينبغي أن يُنفَّذ هذا المبدأ من الاستعداد بالشكل الذي يتناسب وظروف مرحلتنا ومتطلباتها([43]).

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: 188).

تحدِّد الآية الكريمة مبدأ إسلامياً ثابتاً، وهو «أن تبادل الثروة ينبغي أن يتخذ شكلاً مفيداً من الناحية الاجتماعية، وأن يتجه نحو الاحتياجات الأساسية للمجتمع»([44]). وكمصداق متبدِّل لهذه الآية الكريمة معاملة بيع «الدم» وشرائه. ففي الماضي كانت هذه المعاملة من مصاديق الباطل؛ لعدم ترتُّب الفائدة العملية عليها؛ ولذا كانت محرَّمة في الفقه. ولكنْ في عصرنا الحاضر أضحى «الدم» مسألةً حياتية مفيدة؛ ولذا أصبحت المعاملة عليه جائزةً، ولا ينطبق عليها «أكل المال بالباطل»([45]). فقد تغيَّر الحكم الجزئي بتغيُّر المصداق. وأما الحكم الكلّي فهو باقٍ لا يتغيَّر([46]).

إلى هذا، فإن استنباط الأحكام الجزئية الفرعية المتبدِّلة بتطوُّر العصر وتبدُّل احتياجاته من الأصول الثابتة منوطٌ بالعملية الاجتهادية التي يمارسها الفقيه المجتهد، دون سواه. وهذا يُعَدّ أحد مميِّزات الإسلام، وقواه الحركية الحيّة والتقدُّمية. يقول الصدر: «إن من مميزات الإسلام أنه جعل المتغيِّرات التي تتبدَّل في كلّ عصر متصلة بالثوابت التي لا يطرأ عليها أيّ تغيير؛ أي إنه جعل للأحكام الفرعية التفصيلية علاقة بالأحكام المجملة في الشريعة. ولا يستطيع أن يكشف هذه العلاقة إلاّ المجتهد الذي يعطي رأي الإسلام في كلّ واقعة من خلال المَلَكة التي يختصّ بها. وهذه هي القوّة الحركية في الإسلام»([47]).

 

خلاصةٌ واستنتاجات

يمكننا الوقوف عند عدّة نقاط في الفكر السياسي للمطهري:

أوّلاً: تبنّي المطهري لنظرية ولاية الفقيه، ولكنْ مع تقييد هذه الولاية بالإرادة الشعبية الحُرّة، حيث أعطى للأمة حرّية تقرير مصيرها، وتولّي السلطة التنفيذية والتشريعيّة، وسنّ القوانين. نعم، مع إشراف من الوليّ الفقيه؛ وذلك حرصاً على عدم انحراف الدولة بتشريعاتها وقوانينها وسلوكها عن جادّة الدين والشرع. ومن هنا كان نظام الحكم الإسلامي عنده نظاماً جمهورياً شعبياً، تتولّى فيه الأمة قيادة نفسها، مع إشرافٍ عامّ من قِبَل الفقيه العارف بأحوال زمانه وعصره. والمطهري يقترب بذلك من نظرية الصدر المتقدِّمة في نظام الحكم، وهي المزاوجة في الولاية بين الفقيه والأمّة. نعم، مع فارقٍ في المقام، وهو عدم وجود التأسيس والتأصيل النظري لنظام الحكم وهيئته وإدارته بالمستوى الذي عرضته أطروحة الصدر السياسية.

ثانياً: لم يقتصر طرح المطهري السياسي على عرض نظام الحكم الإسلامي والاستدلال عليه، بل تعدّاه إلى الردّ على إشكالات مختلفة تتمحور حول قدرة النظام الإسلامي وتشريعاته على مواكبة العصر وتطوّره، ومدى تناغمه مع الديموقراطية، واحترام إرادة المواطنين، وشبهة الوقوع في الديكتاتورية، وتسلُّط رجال الدين على السلطة، وتغييب إرادة الأمة، وقمع حرّيتها في الاختيار. وهنا أكَّد المطهري على قدرة الإسلام بقوانينه وتشريعاته الثابتة والمتغيِّرة على مواكبة الزمان ومجاراة الحداثة وروح المعاصرة. وكذلك أكّد على انسجام النظام الإسلامي مع الديموقراطية؛ إذ إن نفس طرح الصفة الإسلامية للنظام فهذا يعني أنه نظام ينطوي على المبادىء الديموقراطية التي تحترم خيارات الناس وتوجُّهاتهم وأفكارهم، وتُبعد بالتالي شبح الديكتاتورية والقمعيّة عن النظام والسلطة. نعم، لقد ميَّز المطهري بين الديموقراطية الغربية والديموقراطية الإسلامية، معتبراً أن منطلق الأولى هي الميول والأهواء الذاتية، بينما تقوم الثانية على أساس الحرّية الإنسانية، التي تعني كسر كلّ الأغلال والقيود التي تأسر الإنسان وتعيقه، في سبيل الوصول إلى تحقيق كماله الإنساني.

ثالثاً: إننا نلاحظ أن السياسة الإسلامية عند المطهري سياسة أخلاقية إنسانية تحكمها المبادىء والقِيَم والمفاهيم الإنسانية السامية، وهي بذلك تختلف جَذْرياً عمّا هو معهودٌ ومعيش من السياسات الدولية الحديثة والمعاصرة، والتي تقوم على أساس المصالح المادية والإقتصادية، وعلى قاعدة الغاية تبرِّر الوسيلة، مهما تلوَّنت به هذه الوسيلة من ألوان الخداع والمصانعة، والانتهازيّة، وشنّ الحروب المدمِّرة، وقتل الأبرياء و…، حيث تغيب ـ هنا ـ عن السياسة معايير الأخلاق والقِيَم الروحية والمبادىء والمثل الإنسانية الفاضلة.

رابعاً: لقد كان البُعْد الكلامي ملحوظاً في أطروحة المطهري السياسية، وذلك من خلال عرضه وبيانه لقدرة الإسلام على إنتاج نظامٍ سياسي معاصر ومواكب للحداثة، ومجارٍ لتطوّرات الزمان ومستجدّاته، وكذلك من خلال التدليل على تمايزه وأصالته أمام غيره من الأطروحات السياسية المعاصرة، وكذلك الردّ على مختلف الاعتراضات والإشكالات التي تَرِدُ على الأطروحة الإسلامية في الحكم، مثل: التشكيك في قدرتها على النهوض بأعباء ومسؤوليات الدولة الحديثة والمعاصرة، واتهامها بالدكتاتورية وتغييب الروح الديموقراطية، وتقييد الحرّيات العامة للناس، وغيرها من الاعتراضات.

وقد عالج المطهري ذلك كله بروحية العالم المتمسِّك بتراثه وأصالته والمتماهي مع مقتضيات حاضره ومتطلّباته، والناظر إلى تحدِّيات غده ومستقبله.

الهوامش

(*) باحثٌ في الفكر الإسلاميّ. من لبنان.

([1]) انظر: مرتضى المطهري، مسائل النظام والثورة: 33 ـ 35، ترجمة: محمد علي آذَرْشَب، ط2، دار الكتاب الإسلامي، بيروت، 1401هـ.

([2]) المصدر السابق: 29 ـ 31.

([3]) المصدر السابق: 31 ـ 32.

([4]) المصدر السابق: 32.

([5]) المصدر السابق: 33 ـ 34.

([6]) المصدر السابق: 34.

([7]) المطهري، الإسلام ومتطلّبات العصر: 132، ترجمة: علي هاشم، ط2، الحوراء، بيروت، د. ت. كذلك انظر حول أهمية الحكومة ولزومها في الإسلام عموماً، وفي «نهج البلاغة» خصوصاً: المطهري، في رحاب نهج البلاغة: 76 ـ 78، ط2، الدار الإسلامية، بيروت، 2003.

([8]) المطهري، الإسلام ومتطلّبات العصر: 50 ـ 53.

([9]) المصدر السابق: 53.

([10]) المصدر السابق: 133، 147.

([11]) المطهري، مسائل النظام والثورة: 6. وحول الواقع التطبيقي لهذا المفهوم في إيران يقول المطهري: «مفهوم الجمهورية الإسلامية ينطوي على نفيٍ وإثبات؛ نفي لنظام حاكم فرض سيطرته خمسة وعشرين قرناً؛ وإثبات محتوى إسلامي وتوحيدي للنظام المقترح». (المصدر السابق: 11).

([12]) المصدر السابق: 6.

([13]) المصدر نفسه.

([14]) المصدر نفسه.

([15]) المطهري، في رحاب نهج البلاغة: 78.

([16]) المطهري، مسائل النظام والثورة: 19.

([17]) المصدر السابق: 20 ـ 22.

([18]) لاحظ حول ولاية الفقيه عند المطهري: محمد حسن قدردان قراملكي، «ولاية الفقيه من وجهة نظر الأستاذ المطهري»، (بحثٌ) مع عدد من الأبحاث، لمجموعةٍ من الباحثين، جمعها: نجف لك زائي، آفاق الفكر السياسي عند الأستاذ الشهيد المطهري: 211 ـ 248، ترجمة: وليد محسن، ط1، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، قم، 2005.

([19]) انظر: مطهري، «الروحانيون والثورة»، محاضرة طُبعت مع مجموعة من المحاضرات والمقابلات للمطهري متعلِّقة بالثورة الإسلامية، ضمن كتاب قضايا الجمهورية الإسلامية: 117، ط2، الهادي، بيروت، 1991.

([20]) المطهري، مسائل النظام والثورة: 11.

([21]) المصدر السابق: 12.

([22]) المصدر السابق: 12 ـ 13.

([23]) انظر: حول شروط القائد الحاكم عند المطهري: قراملكي، «ولاية الفقيه من وجهة نظر الأستاذ مطهري»: 218 ـ 221.

([24]) المطهري، الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر: 113 ـ 114.

([25]) المصدر السابق: 114.

([26]) المصدر السابق: 116.

([27]) نهج البلاغة: 57، خطبة رقم 15.

([28]) المطهري، في رحاب نهج البلاغة: 83.

([29]) لاحِظْ: النساء: 58.

([30]) انظر: المطهري، في رحاب نهج البلاغة: 91 ـ 93.

([31]) نهج البلاغة: 488، قصار الحكم، رقم 110.

([32]) لاحِظْ: المطهري، الحركات الإسلامية في القرن الرابع الهجري: 143 ـ 147، ترجمة: صادق العبادي، ط1، الهادي، بيروت، 2001.

([33]) المطهري، مسائل النظام والثورة: 24 ـ 25.

([34]) المصدر السابق: 25 ـ 26.

([35]) المصدر السابق: 26 ـ 27.

([36]) المصدر السابق: 27.

([37]) المطهري، «ماهية الثورة»، (محاضرة) ضمن كتاب قضايا الجمهورية الإسلامية: 84. قارِنْ: المطهري، مقالات حول الثورة الإسلامية في إيران، ضمن كتاب: المطهري، الثورة والدولة (مجموعة من الكتب والأبحاث): 89 ـ 90.

([38]) المطهري، مسائل النظام والثورة: 7.

([39]) المصدر السابق: 9.

([40]) انظر: المصدر السابق: 14 ـ 17.

([41]) المطهري، الإسلام ومتطلّبات العصر: 184.

([42]) المطهري، مسائل النظام والثورة: 16 ـ 17.

([43]) المصدر السابق: 17. قارِنْ: المطهري، الإسلام ومتطلّبات العصر: 195 ـ 197.

([44]) المطهري، مسائل النظام والثورة: 17.

([45]) المصدر السابق: 17 ـ 18.

([46]) المصدر نفسه.

([47]) المطهري، الإسلام ومتطلّبات العصر: 198. قارِنْ: المطهري، مسائل النظام والثورة: 18.