الردّ في الإرث في ضوء القرآن الكريم

18 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
260 زيارة

الردّ في الإرث في ضوء القرآن الكريم

دراسةٌ تحليلية تقويمية تكميلية لرؤية المحقِّق الخوئي

د. الشيخ خالد الغفوري الحسني(*)

المقدّمة

في البدء ينبغي أن نعرف حالات قسمة التركة؛ فإنّ للوارث عدّة حالات؛ فهو تارةً ينفرد؛ وأخرى يتعدّد:

ففي حالة الانفراد إنْ كان الوارث يرث بغير فرضٍ [= بالقرابة] فإنّه يحوز جميع التركة، كالابن؛ وأمّا إنْ كان الوارث يرث بالفرض؛ فإنْ كان من ذوي الأنساب فيأخذ الباقي بالردّ، طبقاً للأدلّة، كالبنت الواحدة؛ وأمّا إنْ كان من ذوي الأسباب ـ كالزوج أو الزوجة ـ فإمّا أن يُقال بالردّ عليه؛ وإمّا يعود الزائد إلى الإمام، وحينئذٍ لا تبقى أيّ زيادة.

وأمّا في حالة تعدُّد الوارث فلذلك عدّة أقسام:

أـ إمّا أن يرث كلّ واحدٍ منهم بالقرابة، دون الفرض، فالمال بينهم، ولا يفضل شيءٌ من التركة، كاجتماع ابنٍ وبنت.

ب ـ وإمّا أن يرث بعضهم بالفرض، والآخر بالقرابة، فيأخذ ذو الفرض فرضه، والباقي للوارث بالقرابة، فلا يفضل شيءٌ من التركة، كاجتماع الأب والابن.

ج ـ وإمّا أن يرث جميع الورثة بالفرض، وفيه عدّة صور، تَبَعاً لنوع النسبة بين التركة والسهام([1]):

الصورة الأولى: وهي الصورة التي يستوي فيها مالها وفروضها، وذلك فيما إذا كان الورثةُ أصحابَ فروض، وكانت فروضُهم مساويةً للتركة([2])، فيقع التساوي بين التركة والسهام. وسُمِّيت هذه المسألة بالعادلة، كالزوج والأخت.

الصورة الثانية: وهي الصورة التي تزيد فروضها على مالها، وسُمِّيت بالعائلة، كبنتين وأب وأمّ وزوج، أي تنقص التركة عن السهام، وذلك لا يتحقَّق إلاّ بمزاحمة الزوج أو الزوجة إمّا للبنت أو البنات، أو للأخت أو الأخوات من قِبَل الأبوين أو الأب. والقول بالعَوْل ناظرٌ إلى هذه الصورة([3]).

وأمّا ما هو الموقف في معالجة هذا النقص؟

المعروف لدى المذاهب السنّية هو القول بالعَوْل؛ والمعروف عن أهل البيت^ القول بعدم العَوْل، وورود النقص على البنت أو البنات.

الصورة الثالثة: وهي التي يزيد مالها على فروضها، وسُمِّيت بالقاصرة([4]) أو العاذلة([5]) أو الردّ([6])، بل قد يُطلق عليها الناقصة([7]).

مثال (1): أبوان، وبنت([8]).

مثال (3): زوجة، وبنتان فصاعداً.

وليُعْلَم أنّه في صورة زيادة التركة على الفروض فإنّ هذا المقدار الزائد عن الفروض له ثلاث حالات:

الحالة الأولى: إذا كان ثمّة مَنْ يتّصل بالميّت بأنثى، وهي طبقة أولي الأرحام بحَسَب ما هو المصطلح في الفقه السنّي، كما لو كان الوارث أختين مع خالٍ. وهذه الحالة تُبحث مُفصَّلاً في بحث (إرث أولي الأرحام) المختلف فيه بين الفقهاء.

الحالة الثانية: إذا لم يكن ثمّة وارثٌ غير أهل الفروض. وهذا الزائد هل يُردّ عليهم أو لا؟ وهذه الحالة تُبحث في بحث (الردّ). وهو من المسائل الخلافية أيضاً أصلاً وفروعاً.

الحالة الثالثة: إذا كان ثمّة عاصبٌ ـ أو عَصَبة ـ بحَسَب اصطلاح الفقه السنّي. وهذا هو المراد بحثه هنا بالدرجة الأولى. وتجدر الإشارة الى أنّهم ذكروا للعَصَبة بعض التعاريف، منها: إنّها الوارث بغير تقدير([9])؛ أو كلّ ذكر ليس بينه وبين الميّت أنثى، وهم الأب والابن ومَنْ يُدْلي بهما([10])؛ أو كلّ ذكر لا يُدْلي إلى الميت بأنثى([11])؛ أو إنّهم القرابة الذكور الذين يُدْلون بالذكور([12]). كما أنّ البحث هنا ينصبّ على نوعٍ واحد من أنواع العَصَبة، وهو العَصَبة بنفسه.

مفاصل البحث

الموقف تجاه مشكلة زيادة التركة عن السهام

وأمّا ما هو الموقف تجاه زيادة التركة عن سهام الورثة؟

لقد اختلف موقف الفقه الإمامي عن موقف الفقه السنّي تجاه هذه الزيادة:

المعروف عند المذاهب السنّية القول بالتعصيب. فالعَصَبة يرثون هذه الزيادة.

والمعروف عن أهل البيت^ عدم القول بالتعصيب، بل يُرَدّ الفاضل على الورثة الذين يرثون بالفرض، كلاًّ أو بعضاً.

إذن، حُلَّت هذه المشكلة بشكلين، وهما: التعصيب؛ والردّ.

والشكل الأوّل في تقسيم الزائد من التركة هو ما اختاره أهل السنّة من إعطاء الباقي للطبقات أو الدرجات المتأخِّرة إذا كانوا من العَصَبة. ومن هنا جاء اسم التعصيب، أي دفع المال للعَصَبة.

والشكل الثاني في تقسيم الزائد من التركة هو ما اختاره فقهاء الإمامية من ردّ الفاضل من التركة على ذوي الفروض النسبيين من تلك الطبقة، دون سائر الطبقات أو الدرجات التالية؛ لأنّهم أقرب إلى الميت. نعم، لا يُرَدّ على الزوجين مع اجتماعهما مع الأنساب، وأمّا مع انفرادهما عن الأنساب ـ كما لو انحصر الوارث بالزوج فقط أو بالزوجة فقط ــ ففي ذلك اختلافٌ وتفصيل، كما هو مُبيَّن في بحث الردّ.

أدلّة الإمامية

لقد استدلّ الإمامية على ردّ الزيادة على الوارث ذي الفرض في هذه الحالة وعدم إعطائها للعاصب بعدّة وجوهٍ. وغاية ما يمكن استفادته من كلمات الفقهاء واستدلالاتهم سبعة أو ثمانية وجوه. ولكنّ الوجه الذي أفاده المحقِّق الخوئي& هو: إنّ أدلّة الإرث الدالّة على تعيين الفروض هي بذاتها يُستفاد منها توزيع كلّ التركة على ذوي الفروض، بحيث لا يبقى باقٍ كي نحار في كيفية التعامل معه ولمَنْ يُعطى، بل لا زائد ثمّة. وهذا الوجه في إثبات الردّ وإبطال التعصيب هو الذي ابتكره المحقِّق الخوئي&.

وهي وجهة نظر جديدة وقيِّمة، وتمثِّل قراءةً خاصّة وتفسيراً تجديدياً للنصّ القرآني؛ فإنّنا لو ألقينا نظرةً على الوجوه التي يُستَدَلّ بها عادةً، أو يُمكن انتزاعها من كلمات الفقهاء، فإنّها تخلو من ذكر هذا الوجه أو الإشارة إليه.

ونحن في هذه المقالة نتصدّى لتسليط الضوء على هذه الرؤية، وبيانها، وعرض أدلّتها أوّلاً، ثمّ تحليلها وتقويمها وتكميلها.

تبيين رؤية المحقِّق الخوئي&

لقد استدلّ المحقّق الخوئي& على إبطال التعصيب السنّي، وإثبات الردّ الإمامي، بهذه الآيات، وهي: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 11)، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (النساء: 12)، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (النساء: 176)، حيث ادّعى أنّ ظاهر الآيات يُستفاد منه كون تقسيم الحصص في الإرث تقسيماً بالنسبة، لا على الإطلاق.

وهذا البيان هو أحد الجوابين اللذين قدَّمهما المحقِّق الخوئي& لما قد يتوجّه من الإشكال على تعيين سهام الإرث في الشريعة الإسلامية، من أنّ بعض السهام لا مصداق لها، كالبنت التي عُيِّن سهمها، وهو النصف، بَيْدَ أنّه لا توجد صورةٌ واحدة ترث فيها البنت الواحدة النصف([13]).

ثمّ قال&: «ولهذا التقسيم بابٌ في علم الحساب، ومنه: ما نُسب الى أمير المؤمنين× حينما أوصى رجلٌ له سبعة عشر بعيراً بأن يُعطى أحد أولاده نصفاً والآخر ثُلْثاً والثالث تُسْعاً، فأضاف× إليها بعيراً، فصارت ثمانية عشر، فقسَّمها بينهم: لصاحب النصف تسعة، ولصاحب الثلث ستّة، ولصاحب التسع اثنان، فبقي واحد فأخذه×. وهذا التقسيم هو التقسيم الصحيح بحَسَب موازين القسمة بالنسبة»([14]).

الفرق بين التقسيم المطلق والتقسيم بالنسبة

لقد ذُكر تقريبان لكلام المحقِّق الخوئي في بيان الفرق بين التقسيم المطلق والتقسيم بالنسبة:

التقريب الأوّل لرؤية المحقِّق الخوئي&

وهو ما يظهر من تقريرات بحثه المطبوع. وقد أوضح& الفرق بين التقسيم المطلق والتقسيم بالنسبة بأنّ للمال الواحد إذا جُعل لأشخاصٍ على حَسَب الحصص المشاعة بينهم، فكان المال زائداً على حصصهم؛ فإمّا أن لا يكون من الأوّل لهم، بل لهم الحصص فقط؛ وإمّا أن يكون المال من الأوّل لهم، ثمّ تبيّن كيفية التقسيم على الحصص المذكورة. إذن هنا حالتان.

ومثالُ ذلك في باب الوصية؛ فإنّه تارةً يوصي الميّت بأنّ لولده الأكبر نصف الأغنام، ولولده الأوسط ربعها، ولولده الأصغر ثمنها، فيبقى حينئذٍ ثمن الأغنام خارجاً عن مورد الوصية، فينتقل إلى الورثة.

وأخرى يُوصي أن تكون جميع الأغنام لهم، ثمّ يبيِّن كيفية القسمة، كما لو قال: ما أتركه من الأغنام كلّها لوُلْدي الثلاثة، نصفها للأكبر، وربعها للأوسط، وثمنها للأصغر، فإذا قسِّم المال بينهم يزيد ثُمْناً، وهذا الثمن أيضاً داخلٌ في الوصية، فنصفه للأكبر، وربعه للأوسط، وثمنه للأصغر، ويبقى ثمن الثمن أيضاً، فيقسَّم هكذا، وهكذا إلى أن تستوفى التركة.

ومورد التقسيم بالنسبة إنّما هو الثاني، لا الأول. والمستفاد من آيات الإرث أنّ الوارث هم أولو الأرحام والأقربون. فما تأخذه البنت إذا اجتمعت مع الأبوين ـ أو مع أحدهما ـ النصفُ بالنسبة إلى التركة.

فلو ترك الميّت (30) ديناراً كان لها (15)، ولكلّ واحدٍ من أبويها (5)، والباقي (5) أيضاً من التركة، فتأخذ البنت نصفه والأبوان سُدْسيه، ويبقى سُدْس السدس، وهكذا إلى أن تستوفى التركة.

وكذا لو انفردت البنت، فلها النصف (15)، ونصف النصف الباقي، وهو (7.5)، ونصف النصف الباقي، وهو (3.75)، إلى أن تستوفى الفريضة. فلا تتصوَّر هنا زيادةٌ أبداً؛ لأنّ التقسيم كما هو ظاهر الآيات المباركة تقسيمٌ بالنسبة، لا على الإطلاق([15]).

وبهذا البيان الفنّي والصناعي استطاع المحقِّق الخوئي& أن ينتصر لموقف الفقه الإمامي، ويؤكِّد صحّته، قال: «وبهذا يتّضح صحّة ما ذهب إليه فقهاؤنا الأعلام، تَبَعاً لما ورد عن أئمّتنا المعصومين، من بطلان التعصيب…»([16])؛ فإنّه لا يتصوَّر على هذا في الخارج موردٌ تكون فيه الزيادة على التركة؛ كي يُبحث عنه. فما ورد من أنّ العَصَبة في فيه التراب([17]) هو الموافق لظاهر الآيات المباركة([18]). وقد جعل& هذا