الرقِّية والاستعباد في الإسلام

19 سبتمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
121 زيارة

الرقِّية والاستعباد في الإسلام

ـ القسم الثاني ـ

الشيخ مرتضى مطهّري (*)

ترجمة: حسن علي مطر

 

الاستعباد قانون مرحلي (مؤقَّت)

بقي عددٌ من الأسئلة التي أثارها السيد المهندس كتيرائي، نرى طرحها هنا؛ لنجيب عنها، ونختم المسألة بشكلٍ كامل.

إن من بين الأسئلة التي ذكرها سماحته: «ما هي المباني الرئيسة لإقرار العبودية في الإسلام، من القرآن والروايات المعتبرة»؟

وهذا السؤال هو من جملة الأسئلة التي تطرَّقنا إلى بحثها بشكلٍ وآخر، بمعنى أننا قد ذكرنا مناشئ الاستعباد، وأسبابه في النُّظُم الوضعية، مع بيان الأسباب التي لا يقرّها الإسلام منها، وخلاصتها كما يلي:

 

مناشئ الاستعباد في العالم

1ـ عجز المَدين عن الوفاء بأداء الدين

إن من بين الأعراف التي كانت سائدةً في بعض أقطار المعمورة في الحد الأدنى أن يكون الشخص مَديناً لشخصٍ آخر في بعض الأحيان، ولا يستطيع أداء دَيْنه، فلا يبقى أمامه سوى تمليك نفسه له. وكان هذا يمثِّل طريقاً لإحقاق الحقّ؛ إذ يقولون: إن حق الدائن يجب أن يُؤدَّى له، وحيث إن المَدين لا يملك شيئاً فلا مندوحة من استعباده. وهذا لا وجود له في الإسلام قطعاً. فحتى إذا كان المَدين مُعْسراً لا يحق للدائن أن يضيّق عليه، بل عليه أن يتساهل معه حتّى يتمكن من سداد الدين. وقد ورد التعبير عن ذلك في القرآن الكريم بالقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: 280).

 

2ـ الاستعباد الطَّوْعي

إن من بين مناشئ الاستعباد الأخرى هو الاستعباد الطوعي. حيث يقال: إن بعض المجتمعات تشهد حالات يتبرَّع فيها بعض الأفراد إلى تسليم قياد أنفسهم لغيرهم بكامل إرادتهم! لماذا؟ السبب في ذلك يعود إلى أن بعض المجتمعات تشهد اضطرابات وأزمات حادّة، يعيش أغلب الناس فيها حالات مأساوية، من الفقر المدقع والمجاعة، حيث ترزح الغالبية من أفراد المجتمع في أوضاع من البؤس والحرمان، بينما يتمتَّع القليل من الناس ومَنْ يلوذ بهم، من المقرَّبين، في بحبوحةٍ من العيش الرَّغيد. وكان عبيد هؤلاء الأثرياء يتمتَّعون بظروفٍ أفضل من سائر الناس، حتّى الأحرار منهم. من هنا يلجأ بعض الأحرار؛ للخلاص من واقعهم المزري، إلى الأثرياء من السادة وأصحاب الممتلكات والأثرياء، ويعرضون عليهم فكرة استعبادهم بمَلْء رغبتهم وإرادتهم.

فهل يقرّ الإسلام هذا النوع من الاستعباد الطَّوْعي؟ وبعبارةٍ أخرى: هل يملك الإنسان الحُرّ حرِّية التنازل عن حرِّيته؟ فهل يمتلك الفرد القدرة على التجرُّد من حرِّيته، بأن يقول: أنا حرّ، ويجب أن أكون حرّاً في التصرُّف بحرِّيتي بجميع أنواع التصرّف، التي تشمل حتّى تجريد نفسي من حرِّيتي، فأنا أرغب في أن أكون عبداً لشخصٍ آخر؟ فهل يصحّ ذلك أم لا؟ لا شَكَّ في عدم صحّة هذا الكلام.

 

3ـ الدِّين

إن من بين المناشئ التي ذكرت للاستعباد هي الدِّين، بمعنى أن مجرَّد الدين ـ وليس الحرب بين أتباع دينين ـ يبيح لأتباعه استعباد أتباع الأديان الأخرى، بمعنى أن يقوم أتباع دين ـ لمجرَّد كونهم أتباع هذا الدِّين ـ باسترقاق أتباع دينٍ آخر؛ لمجرّد أنهم يختلفون معه في الدين. وبطبيعة الحال حيث يدور الكلام حول الدين كانت الذريعة المطروحة في هذا الشان هي القول بأن استعباد أتباع الدين الآخر يخلق الأرضية الخصبة للتأثير عليهم.

فهل يجيز لنا الإسلام استرقاق الآخرين؛ لمجرد اعتناقهم ديناً آخر غير الإسلام؟ الجواب: لا شَكَّ في عدم جواز ذلك قطعاً، بمعنى أننا لا نستطيع أن نستعبد شخصاً مسيحياً أو يهودياً أو مجوسياً، بل وحتّى غيرهم، تحت ذريعة اتّباعهم ديناً مختلفاً، دون أن يصدر عنهم عدوانٌ في حربٍ، أو أسرهم في ساحة القتال.

 

4ـ العِرْق

الأمر الآخر ـ الذي سبق أن ذكرناه في المحاضرات الأولى ـ هو مسألة العِرْق. فهل يمكن القبول بالفلسفة القائلة بأن بعض الأعراق في الدنيا قد خلقت وهي لا تصلح لغير الاستعباد، حالها في ذلك حال بعض الحيوانات، مثل: الخيل والبغال والحمير. فحيث نجد الناس يبيحون لأنفسهم استخدام هذه الحيوانات، مع أنها في الشعور بالألم وتحمُّل الأذى مثل البشر، ولكنْ مع ذلك يبيح الإنسان لنفسه استعبادها، دون أن يعتبر ذلك ظلماً؛ بحجّة أن خلقتها تختلف عن خلقتنا، فقد خلقت لحمل الأثقال، غاية ما هنالك يجب عدم تحميلها فوق طاقتها، ودون إيلامها وظلمها، مع رعايتها وتوفير الطعام والراحة لها، ومعالجتها إذا أصيبت بمرضٍ. فهل هناك مثل هذا الشيء بالنسبة إلى بعض الأعراق البشرية، بمعنى أنها خلقت لخدمة الأعراق الأخرى؟ وهذا هو ما ذهب إليه أرسطوطاليس، على ما تقدَّم أن ذكرناه في محاضرةٍ سابقة.

أمّا الجواب عن ذلك فهو: ليس هناك من شَكٍّ في أن الإسلام لا يجيز هذا المنطق.

 

5ـ العقوبة على جُرْم

إن من بين مناشئ الاسترقاق التي كانت سائدة في الأزمنة الغابرة (الجريمة). وهذا يستحقّ بحثاً مستقلاًّ. فقد قيل: يعتبر الاسترقاق والاستعباد في بعض القوانين الوضعية عقوبةً على بعض الجرائم الخاصّة. فإذا ارتكب شخصٌ الجريمة الاجتماعية الكذائية كانت عقوبته عليها سلب الحرِّية منه.

فهل لدينا في التشريع الإسلامي مثل هذا الحكم؟ هناك في الإسلام عقوباتٌ شديدة تمّ تشريعها لمعاقبة بعض المجرمين، وقد تمّ التصريح ببعضها في القرآن الكريم، أو في السنّة الثابتة القطعية، من قبيل: عقوبة المحارب، والمحارب هو الذي يشهر السلاح بوجه المسلمين، وقد بيَّن الله عقوبة المحارب في القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ﴾ (المائدة: 33)، حيث استعمل كلمة «يُقَتَّلُوا» بصيغة المبالغة؛ للدلالة على شدّة القتل، أو الصَّلْب، أو قطع الأوصال والأطراف من خلافٍ، بمعنى قطع الرجل اليمنى واليد اليسرى، أو الرجل اليسرى واليد اليمنى؛ ليبقى بذلك عبرةً لمَنْ سواه. ويبدو أنه لا توجد عقوبة في الإسلام أشدّ من هذه العقوبة، ومع ذلك لم يتمّ تشريع الاستعباد في الإسلام، حتّى بالنسبة إلى المحارب.

وعليه فإن المنشأ والمورد الوحيد للاستعباد في الإسلام يقتصر على الذين يُؤْسَرون في ساحة القتال والحرب ـ وقد سبق لنا أن تحدَّثنا عن الحرب في المنظار الإسلامي، وقلنا: إنها تختلف عن سائر الحروب الأخرى، من حيث الهدف، والخصائص، ورعاية الشروط الأخرى المذكورة في مظانّها ـ حيث يجوز الاسترقاق بوصفه واحداً من بين خيارات ثلاثة، وفي بعض الحالات واحداً من بين خيارات أربعة، يعود تشخيصها إلى وليّ أمر المسلمين، فقد يرى المصلحة في عدم الإبقاء على الأسير حيّاً، وأنه حيث أُسر في حالة الحرب أمكن قتله (ولهذا بحثٌ مستقلّ)، أو أن يسترقّه، أو أن يحرِّره مِنَّةً دون قيد أو شرط، أو أن يحرِّره بشرط أن يدفع فديةً، أو أن يُستبدل بأسيرٍ أو أسرى وقعوا في أيدي الأعداء ـ. وهذا هو المورد الوحيد الذي شرَّع فيه الإسلام جواز الاسترقاق والاستعباد، ولا غير.

 

بيان القرآن

لقد رأيتُ ملاحظةً جديرة بالاهتمام في كتاب «شبهات حول الإسلام»، لمؤلِّفه محمد قطب، حيث أجاد كتابة هذا الفصل من الكتاب، رغم وجود بعض النواقص في بعض فصوله الأخرى من وجهة نظري، بمعنى أنه تجاهلها، ولم يبحثها. يقول الأستاذ قطب: إن الموجود في القرآن الكريم بشأن أسرى الحرب ينحصر في آيةٍ واحدة فقط، وهي الآية الواردة في سورة «محمد»، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (محمد: 4). يطلق العرب على يوم الحرب مصطلح «يوم اللقاء»، وهنا يستعمل القرآن مصطلح «إذا لقيتم» بهذا المعنى، فعندما يتمّ اللقاء مع الكفّار في ساحة الحرب فعليكم بضرب رقابهم، حتّى إذا أثخنتموهم، وكانت لكم الغلبة عليهم، فشدّوا الوثاق بعد أسرهم. وبعد أن تمّ توثيقهم وأسرهم يعرض القرآن الكريم في هذه الآية خيارين، وهما: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾، وقد قلنا بأن الفداء على قسمين: إمّا فداءٌ مصحوب بالمَنّ، ومن دون شرط؛ أو فداءٌ مشروط بالفدية ودفع النقود، أو من خلال الاستبدال بأسيرٍ أو أسرى من المسلمين وقعوا في يد الأعداء، وهو الذي لا يزال مألوفاً في العالم، حيث يتم التبادل بين الأسرى من الجانبين. ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي حتّى تنتهي الحرب، وهناك بحثٌ بين المفسِّرين بشأن الغاية التي تفيدها هذه العبارة من الآية.

والملفت للانتباه أن القرآن إنّما يقتصر على بيان خيارين من الخيارات الأربعة التي تقدَّم منا ذكرها، والتي يجب على وليّ أمر المسلمين تحديد الأولويّة لواحدةٍ منها. وبطبيعة الحال فإن هذه المسألة اختيارية، بمعنى أنه يجب أن ينظر مكمن المصلحة في ذلك بالنسبة إلى المجتمع الإسلامي، ويتَّجه إلى الاختيار على أساسها، لا من منطلق هوى نفسه، فعليه أن يختار، طبقاً لما يراه من المصلحة: إمّا القتل (إذا كان ذلك الفرد لا يصلح معه إلاّ القتل، بمعنى أنه يشكِّل خطراً على المجتمع حتّى في حال استعباده، فضلاً عن إطلاق سراحه، أو أخذ الفدية منه)؛ أو الاسترقاق والاستعباد؛ أو تحريره دون شرطٍ بالمَنّ؛ أو تحريره بشرط أخذ الفدية. أما هذه الآية فلم تذكر سوى الخيارين الأخيرين؛ إذ قالت: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾.

 

النظريّة الأولى

يوجد هنا واحدٌ من ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن يقال: إذن لا وجود لذينك الخيارين ضمن الأحكام والتعاليم الإسلامية أصلاً؛ إذ نبقى نحن وما يقوله القرآن الكريم. والقرآن لم يقُلْ أبداً: يمكن لكم استرقاق الأسرى، وإنّما اكتفى بذكر هذين الخيارين، ونحن لا نقبل بسوى القرآن؛ إذ لا قطعية لما سواه. وعليه لا يكون أصل الاستعباد موجوداً في الإسلام.

هذا واردٌ كاحتمال، بمعنى أنه يمكن لشخصٍ أن يحتمل مثل هذا الاحتمال.

إلاّ أن هذا الاحتمال ـ بطبيعة الحال ـ لا يمكن قبوله؛ لأنه على خلاف السيرة القطعية التي سار عليها المسلمون منذ الصدر الأوّل. ويبدو أننا لا نعثر في سيرة الرسول الأكرم‘ على ما يُثبت أنه عامل الأسرى معاملة العبيد، بمعنى أن النبيّ الأكرم‘ في المعارك التي قادها بنفسه قد اختار واحداً من هذين الخيارين فقط، وربما عمد في بعض الموارد إلى الحكم بقتل بعض الأشخاص بعينهم، ولكنْ لم يكن في البين استعبادٌ. فعلى سبيل المثال: تمّ أسر سبعين شخصاً في معركة بدر. وهؤلاء الأسرى قد أُخذت من بعضهم الفدية، وتمّ تحريرهم وإطلاق سراحهم، أو تمَّ إطلاقهم دون قيدٍ أوشرط من باب المَنّ. وكان هناك من الأسرى في بدر مَنْ لم يكن يملك شيئاً يفكّ به أسره؛ فقال له رسول الله: هل تعلم القراءة والكتابة؟ قال: نعم، فقال له الرسول: فداؤك أن تعلِّم أطفال المسلمين. إلاّ أن النبيّ لم يختَرْ اللجوء إلى الاستعباد أبداً.

وحيث إننا نواجه هذه المسألة حديثاً نجد حاجةً إلى قراءة المزيد بشأنها. وهناك آراءٌ ملفتة للانتباه في هذا الموضوع. فعلى سبيل المثال: نجد لدى بعض الأفراد ـ وكأنّني رأيت ذلك في بعض كلمات الفخر الرازي ـ نَمَطاً فكرياً يقول: ربما لا يجوز استعباد الأسرى إذا كانوا من العرب؛ لأن الحروب التي خاضها النبيّ الأكرم قد اقتصرت على العرب، وحيث إنه لم يستعبد أحداً في هذه الحروب فهذا يعني أنه لم يستعبد عربياً.

في حين أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون صحيحاً؛ فالذي لا يمكن الشكّ فيه هو أن قوانين الإسلام لم تفرِّق بين العرب والعجم. ويتأكَّد لنا ذلك من خلال الرجوع إلى التصريح بذلك من قبل النبيّ الأكرم‘ نفسه.

بَيْدَ أننا نقول: صحيحٌ أن النبي الأكرم لم يستعبد أحداً بنفسه في الحروب التي خاضها، إلاّ أن هذا لا يعني بالضرورة أن ما كان يقوم به المسلمون بعد ذلك من الاسترقاق باطلٌ، ومخالف لتعاليم النبيّ. نعم، قد يمكن للسنِّي أن يقول ذلك، إلاّ أن قول ذلك بالنسبة إلى الشيعيّ مشكلٌ؛ إذ إن السنّي لا يصحِّح إلاّ قول النبيّ وسنَّته، وبعده لا يجد حَرَجاً في القول بأن كلّ ما قام به المسلمون بعد النبيّ مخالفٌ لتعاليمه؛ لأنهم غير معصومين، في حين أننا كشيعة نعتبر العصمة للأئمة، قولاً وفعلاً وتقريراً، وعليه نقول: لو كان مثل هذا الشيء موجوداً لخالفه الأئمّة المعصومون^. وبطبيعة الحال صحيحٌ أن الأئمّة لم يقوموا باستعباد الآخرين شخصياً، ولكنْ في الوقت نفسه لم يصدر عنهم ما يوحي بتخطئة هذه الظاهرة، بل كانوا أحياناً يرتِّبون الأثر على ما يقوم به الآخرون من استرقاق الأسرى؛ فكانوا يتعاملون معهم معاملة العبيد، بمعنى أنهم كانوا يشترونهم، وربما كانوا يشترونهم بنيّة الإعتاق، إلاّ أنّهم ـ على أيّ حال ـ كانوا يمضون ذلك من خلال الشراء.

وعلى أيّ حال فإن هذا الاحتمال موجودٌ. فمن الممكن لأولئك الأشخاص الذين يتشبَّثون بتأصيل القرآن، ويقولون: نؤمن بكلّ ما في القرآن، ونرفض جميع ما لم يَرِدْ فيه، ولا سيَّما بالنظر إلى أن سيرة النبيّ الأكرم تخلو من حالات الاستعباد، الأمر الذي يجعل من الممكن لشخصٍ أن يقول: لا وجود للاسترقاق في الإسلام من الأساس، وأن الذي كان قائماً في الحدّ الأدنى هو المعاملة على العبيد الذين كانوا موجودين منذ البداية، وأنه كان يُعاملهم معاملة العبيد بما أسلفناه من الخصائص والضوابط التي رصدت خطّةً لضمان حرِّية عميقة وراسخة لهؤلاء العبيد، بحيث لو نجحَتْ هذه الخطّة ـ وخاصّة إذا تمّ تجفيف المصادر، وسدّ المنافذ التي تفضي إلى الاستعباد ـ لتحقَّقَتْ الحرِّية على مستوىً واسع.

 

النظريّة الثانية

وأما إذا لم نقل بهذه النظرية فهناك رأيان آخران يمكن قولهما. وأحد هذين القولين ـ وهو قولٌ في غاية الضعف والسخف ـ هو الذي ذهب إليه بعض المتقدِّمين من علماء أهل السنّة، وذلك أنهم؛ حيث وجدوا هذه الآية القرآنية لا تتلاءم مع ما عليه واقع المسلمين، من ترجيح كفّة الاستعباد والاسترقاق، من هنا ذهبوا إلى القول بنسخ هذين الخيارين الواردين في هذه الآية!

وهو كلامٌ في غاية الخطل؛ إذ ما هو الناسخ لهذه الآية؟! هذا ما قاله بعضهم، ولم يَلْقَ قبولاً.

 

النظريّة الثالثة

الشريعة والسنّة

أما الاحتمال الآخر فهو ما قاله الأستاذ محمد قطب، وهو خير ما عثرت عليه من قبله. ولذلك أجد من الضروري أن أُضيء عليه؛ لما ينطوي عليه من الفوائد في الكثير من الموارد:

هناك بين التعاليم الإسلامية ما يندرج ضمن التعاليم الأساسية والأصلية، وهناك منها ما هو غير أساسي أو غير جوهري، بل هو من قبيل: الإجراءات التي يتَّخذها النبي الأكرم بشكلٍ مرحلي ومؤقَّت. وهذه التعاليم موجودةٌ بكثرة، ولكن قلَّما تمّ تناولها من قبل علمائنا في كتبهم، باستثناء الشيخ النائيني، في كتابه «تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة»؛ والعلامة الطباطبائي، في مقالٍ له [كتبه باللغة الفارسية] تحت عنوان: «ولايت وحكومت»([1])، وهو مطبوعٌ ضمن كتاب «مرجعيت وروحانيت».

وخلاصة الكلام: إن لدينا نوعين من التعاليم والأحكام: النوع الأوّل: هو ما يطلق عليه مصطلح «الشريعة»، بمعنى القانون الذي شرَّعه الله سبحانه وتعالى؛ والنوع الثاني: هو ما يُطلق عليه مصطلح «السنّة»، بمعنى الأسلوب الذي اختاره الرسول، طبقاً لما يتمتَّع به من الولاية، وما يقع في دائرة صلاحيّاته. أحياناً يكون هناك قانونٌ منصوص ومصادق عليه، من قبيل: التشريعات الصادرة عن البرلمان؛ وتارةً يكون من نوع الأمور التي يسمح فيها القانون لشخصٍ في أن يقوم باتّخاذ الإجراءات والخطوات التي يراها مناسبة في حدود الدائرة التي يرسمها له القانون، وهذا النوع لا يدخل في صُلْب القانون، وإنما هو مجرّد آليّة يقرّها القانون. هناك الكثير من الأمور التي لا تدخل في صُلْب الشريعة الإسلامية، وإنما هي من الأمور الداخلة تحت صلاحيّات الرسول، ليختار منها ما يراه من المصلحة.

والفرق بين الأحكام الأصلية والأحكام من النوع الثاني يكمن في أن الأحكام الأصلية تمثِّل قانوناً ثابتاً لا يتغيَّر، وأما الأحكام التي هي من النوع الثاني فهي أحكام مؤقَّتة، وتابعة لمقتضيات المرحلة. والقانون الأصلي والأساسي بشأن أسرى الحرب هو أحد هذين الحكمين الواردين في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (محمد: 4)، وهذا غير قابلٍ للنسخ أو التبديل. وانتخاب أحد هذين الخيارين صحيحٌ دائماً وفي جميع الأحوال. أما الاسترقاق فهو أسلوبٌ مؤقَّت، ولم يتمَّ تشريعه كقانون أصلي ثابت.

 

فلسفة الاستعباد كحكم مؤقَّت يقتضيه إجراء المواجهة بالمثل

يقول الأستاذ محمد قطب: إن الاسترقاق في الإسلام ينطوي على مثل هذا الأمر. وهنا نتساءل: ما الذي دعا الإسلام إلى اللجوء إلى مثل هذا الحكم المؤقَّت؟ وهنا نجد لقطب جواباً جميلاً إلى حدٍّ ما، حيث يقول: علينا أن ننظر في ظروف وأحوال ذلك الزمن، وطريقة تعامل الكفّار مع الأسرى من المسلمين. فأحياناً تكون الأعمال مشروطةً ومقيّدة ببعض القيود والظروف. فلنوضِّح الأمر من خلال المثال التالي: يعمل الفرد أحياناً لوطنه وأبناء وطنه بشكلٍ يميِّزهم من الآخرين من غير أبناء وطنه، فهل هذه سياسةٌ صحيحة؟ أليس من الأفضل للفرد أن ينظر إلى جميع الناس ـ من بني وطنه ومن أبناء الأوطان الأخرى ـ بعينٍ واحدة، ولا يفرِّق بين إنسانٍ وإنسان؟ كأنْ يقتسم الإيراني لقمة عيشه بينه وبين غير الإيرانيين بالسويّة؛ لأن الجميع إخوة في الإنسانية، ولا فرق في ذلك بين الإيراني وغيره؟ هذا كلامٌ جميل، ولا غبار عليه، ولكنّه إنّما يكون كذلك إذا كان الآخر يفكِّر بنفس التفكير، وأن يقوم العراقي والأفغاني والتركي والباكستاني باقتسام لقمة عيشهم مع إخوتهم من الإيرانيين، لا أن يقتسم الإيراني رغيفه مع الآخر، بينما يستأثر الآخر برغيفه كاملاً لنفسه. نحن نقول: «إن النفط الإيراني للإيرانيّين»! لماذا لا نقول: «إنه للمسلمين جميعاً»؟! يقول: إنّ هذا إنما يكون كلاماً صائباً ومنطقياً إذا فكَّر المسلمون جميعاً بهذا النمط من التفكير، فإنما نعطي النفط للباكستانيين إذا قاموا باقتسام ثرواتهم معنا، إلاّ أنهم ما داموا يستأثرون بذلك دوننا يحقّ لنا أن نستأثر بخيراتنا دونهم.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى ظاهرة الاسترقاق. فمن الخير أن لا يكون هناك استرقاقٌ أبداً، ولكنْ هذا يتوقَّف على استنكار الاسترقاق من قبل الطرف الآخر، فلا يأخذ الرقيق من أبناء بلدنا أو ديننا، فإذا كانت الظروف السائدة والقائمة تسمح لأعدائنا أن يستعبدوننا فعندها سيكون ما نقوم به من استرقاقهم في بعض الظروف والحالات عَمَلاً بمبدأ المواجهة بالمثل.

طبقاً لهذا الكلام ـ الذي لا يتَّفق مع البيان الذي ذكرْتُه في المحاضرتين السابقتين ـ يكون الإسلام في الأساس مرحِّباً بإلغاء الرقّ مئة بالمئة، لا أنّه يريد من الاستعباد ـ حتّى في تلك الظروف المحدودة ـ أن يكون قنطرةً يدخلها الإنسان عبداً كافراً ليخرج منها مسلماً حُرّاً، بل الإسلام لم يُرِدْ حتّى هذا المقدار، وإنّما هو عملٌ قبيح اضطرّ له الإسلام اضطراراً، ومن باب المواجهة بالمثل، ومواجهة العدوان بعدوان مثله.

فإذا قبلنا بهذا الكلام سوف يتَّضح الجواب عن السؤال التالي للأستاذ المهندس كتيرائي، حيث قال: هل يمكن للمسلمين استرقاق اليهود في الحرب القائمة بين العرب وإسرائيل؟ إن هذا السؤال بطبيعة الحال يبدو ناقصاً من بعض الجهات، فليس كلُّ أسيرٍ يُسْتَرَقّ؛ إذ ليس هناك مَنْ يقول: كلّ أسير يؤخذ في الحرب فهو عبد لا محالة. والذين يقولون بالاستعباد ـ كما أسلفنا ـ إنما يقولون: يحقّ لوليّ أمر المسلمين أن يختار واحداً من بين أربعة أمور، يُشكّل الاستعباد واحداً منها. فليس هناك مَنْ يقول بأن الأسير يُستعبد تلقائياً. هذا أوّلاً.

وثانياً: لو قبلنا هنا بما قاله الأستاذ محمد قطب فإن الإسلام في الظروف الراهنة لا يبيح الاسترقاق في أيِّ حربٍ من الحروب؛ لأن روح الاسترقاق الإسلامي تقوم على المواجهة بالمثل، بمعنى أنه حيث كان الآخرون يستعبدون المسلمين أجيز للمسلمين فعل ذلك في بعض الموارد. وعليه حيث لا يكون اليوم استعباد في العالم فإن الإسلام بدوره لا يجيز الاستعباد أيضاً.

هل يمكن اليوم القبض على غير المسلم؛ بغية استعباده؟

الأمر الآخر الذي هو من الكلام المهلهل والفضفاض، الذي لا يقول به أحدٌ، هو: هل يمكن حالياً القبض على شخصٍ أجنبي [بنيّة الاسترقاق]؟ هناك مَنْ يحاول إيجاد ذريعةٍ ومبرِّر لمضاجعة النساء الأجنبيّات، وتخريج ذلك من خلال القول باسترقاقهنّ. كان هناك شخصٌ متهتِّك يقول: ذكرتُ هذا الأمر ذات يومٍ في أوروبا، وقلتُ بأنه يجوز نكاح الأجنبيّة بنيّة استرقاقها، ثمّ جاء بعد ذلك شخصٌ ممَّنْ سمع هذا الكلام، وقال بأنه فعل ذلك! فقيل له: كيف صنعت؟ قال: عثرْتُ على ذات بعل فاستعبَدْتُها!! [قهقهة الحضور]. إنّ هذا من قبيل: قول القائل: «قتل الحسين بن معاوية على يد يزيد بن أبي طالب في حرب البسوس» لا ينطوي على شيءٍ من الصحّة أبداً. فالنصارى أوّلاً من أهل الكتاب، تختلف معاملتهم في الإسلام عن الكفّار والمشركين. ثمّ نحن الآن لسنا في حربٍ معهم. الأمر الآخر هو أن الاسترقاق ليس بالأمر الذي يقع بمجرَّد القصد والنيّة! بل لا بُدَّ ـ بحسب المصطلح ـ من أن يكون هناك اعتبارٌ عقلائي أيضاً. فإنما يمكن لك أن تقصد استعباد شخص، ويكون هذا القصد واقعياً، إذا أمكن لك أن تعامله معاملة العبد، وأن تكون لك السلطة عليه على طول الخطّ.

لنفترض أن أيزنهاور [الرئيس الأمريكي الأسبق] جاء إلى هنا، وقصد أحدنا أن يضع يده عليه بنيّة تملُّكه واستعباده، فإنّ هذا إنّما يتمّ عمليّاً ـ وهذا الكلام ليس من عندي، وإنّما هو ما يقوله الفقهاء ـ ويكون له اعتبارٌ عقلي إذا أمكن لك أن تأمره وتنهاه، وأن يكون مُلْزَماً بالامتثال. وأمّا إذا كان يعتبر نفسه فوق الأمم، ويرى شعبه سيد الشعوب الأخرى، وينظر إلى الشعوب الأخرى نظرةً استعلائية وفوقية، فلا يمكن استرقاقه بمجرّد قصد استرقاقه، حتّى إذا كان مستحقّاً للاستعباد والاسترقاق بحَسَب الواقع. وهكذا الأمر بالنسبة إلى النِّساء، فلا يمكن أن تنوي استرقاقهنّ؛ لتعامل الواحدة منهنّ معاملة الأمة، وتستبيح منها ما تستبيحه من الأمة.

السؤال الآخر: هل يمكن شراء العبيد في الوقت الراهن؟ وهل هناك إشكالٌ في هذه المعاملة لو تمَّتْ، أم يجب أخذ سوابق العبد بنظر الاعتبار؟

جواب هذا السؤال قد اتَّضح ممّا سبق أيضاً، حيث تناولنا ما إذا كان بالإمكان شراء العبيد في الوقت الراهن أم لا؟ ومَنْ الذي يمكن شراء العبيد منه؟ ومَنْ هو العبد؟ وما هي موجبات الاستعباد؟ وهل يجب التحقيق في سوابق العبد أم لا؟ إذا كان العبد يُباع في أسواق المسلمين لا تكون هناك ضرورةٌ للبحث في سوابقه، ولكنْ هناك مسألةٌ لا بُدَّ من البحث فيها، وهي:

تقييم عمل المسلمين بشأن الاسترقاق

صحيحٌ أننا قلنا بأنه لا يمكن تخطئة سلوك المسلمين في ما يتعلَّق بأصل الاسترقاق، إلاّ أننا في الوقت نفسه لا نستطيع تصحيح جميع ممارسات المسلمين بحقّ العبيد في زمن الخلفاء الأمويين والعباسيين. بل نحن على يقينٍ من أن تلك الممارسات كانت مخالفةً للتعاليم الإسلامية، ولا نعلم ما هي جذورها؟ وإنّ أغلبها يعود إلى عمليات الاختطاف والسرقة والقرصنة، والتي واصل الأوروبيون العمل بها حتّى ما قبل القرون الأربعة المنصرمة.

كانت إحدى التجارات الكبرى التي يزاولها الإنجليز أنهم كانوا يقصدون الشعوب الهَمَجيّة في العالم، فيسرقون ويختطفون أفرادها بما توفَّر لديهم من الوسائل والأدوات في حينها، ثمّ يسوقونهم إلى أسواق النخاسة؛ ليباعوا هناك. ولا شَكَّ في أن هذا النوع من الاسترقاق مخالفٌ لتعاليم الإسلام؛ لأن الذي يقوله الإسلام في الموارد التي يصحّ فيها الاسترقاق: إذا كان هناك قومٌ يرزحون تحت وطأة الجاهلية فاذهبوا إليهم، وادعوهم إلى الإسلام، وأن تأخذ عملية الدعوة والتبليغ إلى تعاليم الإسلام وقتاً كافياً، حتّى تتمّ بها الحُجّة عليهم، فإنْ لم يقبلوا كان ذلك عائداً إليهم، وأما إذا قرنوا الرفض بحمل السلاح واللجوء إلى الحرب وجب عندها محاربتهم، فإنْ وقع منهم أسرى في أيديكم جاز استرقاق هؤلاء الأسرى. وأما إذا كان هناك شعبٌ وادعٌ وآمن في مكانٍ ما من أفريقيا أو غيرها، فتذهب إليهم جماعةٌ من الرجال؛ ليختطفوا بعض أبنائها الأبرياء والمسالمين العُزّل، وحملهم على أنهم من الكفّار العبيد، فهذا ما لا يمكن أن يكون صحيحاً بأيِّ حالٍ من الأحوال. وقد حدث الكثير من هذه الأمور المخالفة للشرع والإسلام في هذا المجال.

السؤال التالي يقول: العبيد الذين تمّ استعبادهم، طبق فتاوى سائر المذاهب أو القبائل، هل كان الإسلام يعتبرهم من العبيد، ويمضي بيعهم وشراءهم، أم لا؟ وإذا كان يجيز ذلك فما هو السبب؟

لم يكن هناك شيءٌ من هذا القبيل، فلم يكن الإسلام يمضي معاملة العبيد طبق المذاهب والأديان أو الشعوب الأخرى. قد يكون الشخص عبداً في مذهبٍ أو قبيلة أخرى، ولكنْ حيث لا ينطبق عليه تعريف العبد في الإسلام، ولا يكون كافراً حربياً، لا يعتبر رقيقاً. وبعبارةٍ أخرى: إنّ مثل هذا الفرد قد لا يكون كافراً من الأساس، كما لو كان مسلماً؛ أو إذا كان كافراً لا يكون حربياً، ولذلك فإن الإسلام لا يعاملهم معاملة العبيد؛ لأنهم لم يرفعوا السلاح بوجه الإسلام.

السؤال الآخر يقول: لخِّص جميع الطرق المؤدِّية إلى تحرير العبيد بشكلٍ جامع وشامل.

لقد ذكرنا هذه الأمور في المحاضرات السابقة. بَيْدَ أنّنا سنفصِّل البحث في مسألةٍ سبق أن ذكرناها، وتناولها الأستاذ محمد قطب بشكلٍ تفصيلي.

 

قيمة «المكاتبة»

على المَرْء أن يعرف قيمة واعتبار المكاتبة في مشروع التحرير في الإسلام قبل كلّ شيء. قلنا: إن المكاتبة تعني العقد الذي يبرمه العبد مع سيِّده، حيث نصّت عليه الآية القرآنية القائلة: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33).

ومضمون هذا العقد أن يقول العبد لمولاه: أشتري منك حرِّيتي بمقدارٍ من المال أبذله لك من جهدي وعملي. والآية صريحة بأن العبد إذا أراد ذلك وجب على السيد أن يستجيب إلى رغبته، بشرط أن يعلم فيه «خيراً». وقد فسّر الخير على المستويين: الخير المادي؛ والخير المعنوي. والخير المعنوي بأن يعلم السيد حُسْن إسلام العبد، وأنه قد حصل على المقدار الكافي من التربية الإسلامية، وأما الخير المادّي فبأن يعلم السيد أن العبد يستطيع القيام بمتطلّباته المادية والمعيشية.

وقد سبق أن ذكرنا بحثاً مسهباً عن مونتسكيو عارض فيه تحرير العبيد دفعةً واحدة. وقد اشترط أن يتمّ ذلك وفق برنامج وخطّة مدروسة ومتأنية؛ لأن تحريرهم دفعة واحدة يعود بالضَّرَر عليهم وعلى المجتمع؛ لأن العبيد إنّما تعوَّدوا على العمل تحت تأثير سطوة السادة، وإذا تمّ تحريرهم لن يكون بإمكانهم القيام بمهامهم على نحو الاستقلال، وهذا يعني أن العبيد إنّما يجب تحريرهم بعد الاطمئنان من أنهم يستطيعون الاضطلاع بأمورهم لوحدهم، دون حاجةٍ منهم إلى شخصٍ يمارس القوامة والولاية والوصاية عليهم. وهناك الكثير من الصور والمشاهد التاريخية الأوروبية التي توثِّق الأزمات والكوارث التي ترتَّبت على هذا النوع من عمليات تحرير العبيد بشكلٍ غير مدروس.

وعليه فإن المكاتبة تعني أن العبد يمتلك قرار حرِّيته، فإنْ آنس من نفسه القدرة على التحرُّر أمكنه مفاتحة سيِّده بذلك، وعندها يجب على السيد تلبية طلبه وفق آلية مدروسة، بمعنى أن الحكومة الإسلامية تستطيع الإشراف على هذه العملية. فهل هناك ما هو أروع وأفضل من هذا الطريق لتحرير العبد؟! وعندها يمكن لكم ضمّ هذا الشيء إلى ما قاله مونتسكيو ومحمد قطب، من أن هذه السياسة لم يتمّ إقرارها في أوروبا إلاّ في القرن الرابع عشر للميلاد. كما هناك فقرةٌ رائعة في القانون الإسلامي في هذا الشأن، وهي أن هناك سهماً في بيت المال خاصّاً بنفقات مال الكتابة، بمعنى أن الضرائب التي يدفعها الناس، ولا سيَّما من مال الزكاة ـ التي نصّ عليها القرآن الكريم ـ وغيرها للصالح العامّ يُصْرَف جزءٌ منها إلى تحرير العبيد الذين كاتبوا أسيادهم. فلو أن عبداً كاتب سيِّده على عتقه بإداء ألف دينار، وبعد إبرام العقد يمكن للعبد أن يواصل العمل لدى سيِّده أو لدى غيره؛ ليجني المال المطلوب عليه دفعه لسيده، فإنْ عجز عن توفير هذا المقدار من المال فقد رصد الإسلام سهماً من مصارف بيت المال لمساعدة هؤلاء العبيد على تحرير أنفسهم. وهذه الفقرة تعكس روعة الإنسانية الموجودة في التعاليم الإسلامية.

 

الحرِّية الفكرية والروحية للعبد

وهناك بحثٌ آخر للأستاذ محمد قطب، وهو بدوره بحثٌ جيّد أيضاً. فقد قال: «لم يقنع الإسلام بمنح العبيد حرِّيةً على المستوى العملي فقط، بل إنه سعى فوق ذلك وقبله إلى منحهم حرِّية فكرية وروحية أيضاً، حتّى إذا حصلوا على الحرِّية العملية أصبحوا أحراراً بكلّ ما تعنيه الكلمة». وهنا أضيف إلى ذلك شيئاً، وهو: يقول مونتسكيو: لقد أثبتت التجربة أن العبيد الذين يتمّ تحريرهم لا يمتلكون صلاحية القيام بأيّ شيء، ويشدِّد بشكلٍ رئيس على عدم منحهم الحقوق السياسية؛ لأنهم إن تسلَّموا مقاليد السلطة عملوا على هدم المجتمع؛ وذلك لأنهم ـ كما يقول ـ قد عاشوا الحياة وأرواحهم ترسف بالعبودية، وشعورهم مفعمٌ بالرقّ، حيث يعيشون واقعاً يخلق تفاوتاً فاحشاً بينهم وبين حياة الآخرين، فإذا تمّ تحريرهم دفعةً واحدة فإنّ أجسادهم هي التي سوف تتحرَّر، أما أرواحهم فسوف تبقى على ما هي عليه من العبودية، وبذلك سوف يقودون المجتمع برُمَّته نحو الفناء. وينقل في ذلك أنه حدث في مكانٍ ما أن تمّ تحرير العبيد، ومنحهم الحقوق السياسية الكاملة، الأمر الذي مكَّنهم من استلام السلطة، فكتبوا دستوراً يعكس تشبُّث أرواحهم بالعبودية، حيث أقرّوا قانوناً يقضي بأن على كلّ مَنْ يروم الزواج من الأحرار أن يعرض زوجته على العبيد المحرَّرين؛ ليقضي العبد المحرَّر وطره منها، قبل أن تُزَفّ إلى زوجها الحُرّ!

ولذلك قالوا: لا بُدَّ من حظر الحقوق الاجتماعية والسياسية على هؤلاء العبيد المحرَّرين حديثاً، ريثما يصل مستواهم الفكري إلى مستوى الآخرين، حتّى إذا بلغوا مستوى الاعتدال الفكري مُنحوا كامل الحقوق الاجتماعية. وعليه لا بُدَّ أوّلاً من الاقتصار على منحهم الحقوق الاقتصادية، فلا يعودون مِلْكاً لأحدٍ. في حين لا وجود لمثل هذا الاجحاف في تاريخ الإسلام بحقّ العبيد؛ وذلك لأن العبيد، حتّى قبل تحريرهم، يشعرون بالمساواة مع الأحرار من جميع الجهات. فعندما يقول النبيّ الأكرم‘: مَنْ قتل عبداً قتلناه، ومَنْ قطع عضواً من العبد قطعنا عضوه، بل من أخصى عبداً أخصيناه، بمعنى معاقبته بالمثل، سوف يشعر العبد تلقائياً بالكرامة والشخصيّة.

يقول (ويل ديورانت)، في الجزء الحادي عشر من (قصّة الحضارة): إن عملية إخصاء العبيد في الإسلام لم يكن المسلمون هم الذين يقومون بها ـ لحرمة ذلك في الإسلام ـ، بل كان يقوم بها عددٌ من اليهود أو المسيحيين. وفي المدينة المنوَّرة حيث عقد النبيّ ميثاق المؤاخاة بين المسلمين في أربع مواضع، كان من بينها حالات لعقد الأخوّة بين أحرار وعبيد، أو أحرار وعبيد محرَّرين حديثاً (أو ما يطلق عليهم مصطلح الموالي)، فكان هؤلاء الأفراد يشعرون بشخصيّتهم وكرامتهم.

وبطبيعة الحال هناك الكثير من هذه المشاهد. والمشهد الأكثر تعبيراً هو مشهد تزويج الرسول الأكرم‘ زيد بن حارثة ـ الذي كان غلاماً مملوكاً للسيِّدة خديجة، ثمّ وهبَتْه لرسول الله، ثمّ أعتقه رسول الله ـ من ابنة عمَّته زينب بنت جحش. وفي مشهدٍ آخر عمد رسول الله‘ إلى تنصيب عبدٍ أو ابن عبد أميراً على الجيش، وأمر كبار الصحابة بإطاعة أوامره، بل قال: لو أمَّرْتُ عليكم عبداً حبشياً يشبه رأسه الزبيبة السوداء (وقد عقد هذا التشبيه قاصداً) وجب عليكم أن تطيعوه، ما دام عاملاً بكتاب الله، ومقيماً لأحكام الله. وكلنا يعرف قصّة جيش أسامة، وهو ابن زيد بن الحارثة المتقدِّم ذكره، الأمر الذي يعني أنه ابن عبد، وكلُّنا يعلم أن النبيَّ أمر أكابر الصحابة وشيوخهم بالانضمام إلى جيش أسامة، والامتثال لأوامره. وقد كان أبو بكر وعمر وأمثالهما من كبار الصحابة ضمن جيش أسامة. يُضاف إلى ذلك كله تعاليم النبي الأكرم‘ بحقّ العبيد، حيث يقول: «أطعموهم ممّا تطعمون، وألبسوهم ممّا تلبسون»([2]).

ونقرأ في سيرة الإمام علي× أنه كان يصحب غلامه إلى السوق، فيشتري قميصين: أحدهما جديد؛ والآخر خَلِق، فيأخذ الخَلِق لنفسه، ويعطي الجديد لغلامه، معلِّلاً ذلك بأنه قد تقدَّم في السنّ، ولم تعُدْ له حاجةٌ في لبس الجديد، بينما الغلام لا يزال في مقتبل العمر، ونفسه تشتهي الجديد.

كما نقرأ في سيرة السيدة فاطمة الزهراء÷ أنّها كانت تقتسم العمل في المنزل مع جاريتها، وتقول لها: تعملين يوماً فأستريح، وأعمل يوماً فتستريحين، بمعنى أنها لم تقم بأيِّ تصرُّفٍ من شأنه أن يميِّز بينها وبين جاريتها.

وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (النور: 33)، والمراد من فتياتكم في هذه الآية الجواري. والعجيب أن النبيّ الأكرم‘ كان ينهى أصحابه من مناداة عبيدهم وإمائهم بالعبيد والإماء، وكان يقول لهم: «لا يقول أحدكم: هذا عبدي، هذه أمتي. قولوا: هذا فتاي، وهذه فتاتي»([3]). كما أن كلمة «الغلام» في أصل معناها اللغوي تعني الشابّ اليافع.

فكان هذا يؤدّي إلى تحرير روح العبد بشكلٍ سابق على تحريره جسدياً، فكان العبيد لذلك يشعرون بالمساواة المعنوية بينهم وبين الأحرار، حتّى في أثناء فترة العبودية الجسديّة، حتّى إذا تمّ تحريرهم وعتقهم لم يشعروا بفرقٍ كبير بينهم وبين الآخرين. وهكذا فقد شهدت المجتمعات الإسلامية طبقات من العلماء والفقهاء والمدرسين وأئمّة الجماعات والأمراء [والقادة العسكريين] من بين العبيد. فكان هؤلاء لا يشعرون بفارقٍ كبير بعد أن ينالوا حرِّياتهم.

سؤالٌ وجواب

_ في ما يتعلَّق بعقد المكاتبة ذكرتُمْ أنه يجب أن لا يكون هناك إجحافٌ في البين. فهل لما ذكرتموه سندٌ شرعي؟

^ إن هذا حقٌّ مطلق لحاكم المسلمين. هناك بحث بين الفقهاء في دلالة صيغة الأمر في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (النور: 33)، وما إذا كانت تدلّ على الوجوب أو الاستحباب؟ وقد ذهب الكثير ـ بطبيعة الحال ـ إلى الوجوب. وظاهر الآية يدلّ على الوجوب أيضاً، بمعنى أن العبد إذا أراد المكاتبة وجب على السيد أن يستجيب لطلبه. أما الذي يقول بدلالة هذه الصيغة على الاستحباب فإنه يحتاج إلى الكثير من القرائن الخارجية ليثبت الاستحباب. وفي حالة القول بالوجوب هناك حقٌّ للحاكم في الإشراف بشأن مطلق الواجبات، بل يجب عليه أن يقوم بالإشراف. وعندما يكون الأمر واجباً لا يضطرّ العبد لتحصيل حرِّيته إلى تبليط البحر([4])، ممّا يعني على المستوى العملي أنه لن يصل في مسعاه إلى مبتغاه. ويكون حال العبد حينها شبيهاً بذلك الأعرابيّ الذي فقد بعيره، فساءه ذلك، ونذر بيعه بدرهمَيْن إنْ هو عثر عليه! وبعد بحثٍ طويل وشاقّ تمكن من العثور عليه، ولمّا نظر إلى قوامه الجميل ندم على نذره بأن يبيعه بدرهمين، في حين أن قيمته الواقعية 500 درهم، فكان من جهةٍ يريد الوفاء بنذره، ومن جهةٍ أخرى لا تطاوعه نفسه ببيعه بثمنٍ بَخْس، فاحتال لذلك بأن علَّق سنّوراً على رقبة البعير، وأخذ يدور بهما في الأسواق، وهو ينادي عليهما: مَنْ يشتري البعير بدرهمين؟ فاجتمع عددٌ كبير من الناس يطلبون شراءه، حتّى تفاجأوا بأنّه لا يبيع البعير إلاّ لمَنْ يشتري السنّور أيضاً، واشترط على مَنْ يشتري السنّور أن يدفع خمسمئة درهم.

هذا احتيالٌ. فلو أراد شخصٌ أن يطيع أمر الله في هذه الآية فهذا يعني أن العبد إذا أراد المكاتبة وجب على السيد مكاتبته، وأن لا يضع عليه من الشروط التي تجعل وصوله إلى الحرِّية ضَرْباً من المحال، كأن يفرض عليه مقداراً من المال لا يستطيع أن يجمعه لو كدح في العمل طوال حياته، الأمر الذي يعني إلغاء تعاليم القرآن. هذا ما عنيناه بعدم الإجحاف. ولكي لا يحصل مثل هذا الإجحاف وجب على الحاكم الشرعي أن يشرف على عملية المكاتبة.

_ في ما يتعلَّق بالأئمة، حيث لم تكن يدهم مبسوطة، لا نستطيع الإشكال عليهم بعدم الاعتراض على قيام الحكام بأعمال الاستعباد؟

^ حتّى في عصر خلافة أمير المؤمنين كانت هناك حروبٌ، ومع ذلك صرّح الإمام عليّ× بأنه لا يقوم بهذه الأعمال. وبطبيعة الحال كان هناك فرقٌ، وهو أن الطرف الآخر في تلك الحروب وإنْ كان كافراً من الناحية العملية؛ لأن الذي يحارب إمام المسلمين كافرٌ من دون شَكٍّ؛ فإنّ «الخارجي» يعني الخارج على إمام زمانه، إلاّ أنه مع ذلك لم يُجِزْ استباحة أموالهم، ولا أسرهم. وفي حرب الجمل أراد بعض الأصحاب أخذ بعض الأموال غنيمةً من أصحاب الجمل، وأن يأسروا الأفراد من الجيش المعتدي، بَيْدَ أن الإمام منعهم من ذلك، ولم يستجِبْ لهم حتى بعد اعتراضهم عليه.

_ عندما تكون للمكاتبة دلالةٌ على الوجوب ففي الحرب الراهنة يتمّ تأسير الأفراد، ثمّ يأخذون الفدية

^ يستبدلونهم. وكان (فيدل كاسترو)([5]) يأخذ جَرّاراً عن كلّ أسير.

_ إذن كان الاسترقاق جائزاً، وليس واجباً، وهذا الجواز إنّما يعود إلى الحاكم الشرعي والدولة الإسلامية.

^ أجل [هو كذلك].

_ هناك أحكامٌ خاصّة، من قبيل: عدم فرض الحجاب على الأمة؛ كي لا يكون هناك عُسْر ومشقّة، إلاّ أنه من الصعب القبول بهذا التعليل، فحبَّذا لو أمكن العثور على أسباب هذا النوع من الأحكام.

^ لو أردنا العثور على جميع هذه الأمور لاستغرق ذلك منّا وقتاً طويلاً، ولم يعُدْ في الوقت متَّسع. وبطبيعة الحال يمكن لشخصٍ أن يعثر على بعض الأشياء من خلال الفروع الفتوائية التي لا يمكن حلُّها، ولا نجد ضرورة للعثور على وجه فتاوى المحقِّق الحلّي على سبيل المثال.

أما موضوع الحجاب والاختلاف فيه بين الأمة والحُرّة ـ كما سبق لنا أن ذكرنا ذلك ـ فهو موجودٌ بالنسبة إلى الغلام أيضاً، دون فرق في ذلك. وقد عزَوْنا ذلك إلى الضرورة والتسهيل؛ فلا يجب على المرأة أن تغطّي شعرها من غلامها. وكأنّ الفتوى في هذا الشأن قليلةٌ جدّاً، حيث لا نجدها إلاّ عند المتقدِّمين من الفقهاء، حيث أفتوا بعدم وجوب الحجاب على المرأة من غلامها، وعدم ستر ذلك المقدار الذي تستره عن غير المحارم بطبيعة الحال.

فقد روى الشيعة وأهل السنّة أن النبيّ قد استأذن في الدخول على ابنته فاطمة الزهراء÷، فأذنَتْ له وكان عليها ساترٌ قصير، إذا وضعَتْه على رأسها بانت قدماها، وإنْ هي سترت به قدمَيْها بان رأسُها، فوضعت ذلك الساتر على رأسها، واعتذرت لأبيها بأنها لا تملك غيره، فقال لها رسول الله: لا بأس، «إنّما هو أبوك وغلامك»([6])؛ إذ لم يكن في البيت غير رسول الله‘، وذلك الغلام الذي كان مِلْكاً للسيدة الزهراء÷. الأمر الذي يثبت أن عدم فرض الحجاب على الأمة في مقابل الحُرّة لم يكن بدافع امتهان الأمة واحتقارها، بل كانت الغاية منه التسهيل ورفع الحَرَج. نعم، لو كان الحكم مقتصراً على الأمة فقط ربما أمكن حمله على الاحتقار، ولكنْ حيث إنه يعمّ الغلام أيضاً يتَّضح أن الغاية منه هي التسهيل ورفع الحَرَج والمشقّة.

إن التشدُّد الذي نراه حالياً لم يكن موجوداً في السابق، حيث كانت الجواري يأتين ويخدمْنَ في المجالس. وكانت هذه الظاهرة منتشرة، حتّى في مجالس الأئمة، حيث يفِدْنَ الجواري ويقمْنَ بأعمال الخدمة([7]). فلو كان يجب على الإماء أن يحتجبن، كما تحتجب الحرائر، لواجَهْنَ الكثير من العَنَت والشدّة. بل حتّى في بحث الوجه والكفَّيْن ذكرنا ذلك [في بحوث «مسألة الحجاب»]، حيث قلنا: إن العلة الموجودة في ستر المرأة سائر أجزاء جسمها موجودةٌ في ستر الوجه من بابٍ أولى، ومع ذلك نجد الأحكام تستثني ستر الوجه؛ إذ لا يقتصر الأمر على هذا الشيء فحَسْب، بل يُضاف إلى ذلك العُسْر والحَرَج والضِّيق؛ لما في ذلك من التقييد الذي قد يشلّ نشاط المرأة ويعيق حركتها. وعليه لا شَكَّ في أن الحكمة من وراء استثناء الوجه تكمن في التسهيل؛ إذ لو وجب ستر الوجه، كما يستر الظهر والصدر وما إلى ذلك ممّا يسهل ستره، لأدّى ذلك إلى التضييق. من هنا قالوا بعدم وجوب ستر الوجه. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الكفَّيْن، فاستثناؤهما من وجوب الستر واضحٌ أيضاً؛ إذ لا بُدَّ من أن يكون الكفّان مكشوفين كي تقدر المرأة على استعمالهما.

_ يمكن لها أن تستعملهما من وراء القفاز.

^ وهذا هو التضييق. نعم، يمكنها ذلك من الناحية العقلية، ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة إلى الوجه، حيث تستطيع أن تضع على وجهها قناعاً مشتملاً على نظّارةٍ سوداء خاصّة تمكِّنها من أن ترى من خلالها، ولا تُرى [لتغطي بذلك جميع أجزاء جسمها]. إلاّ أن الشريعة السهلة السمحة لا تفرض على الناس مثل هذه القيود الضيِّقة.

_ يحقّ للرجل أن يضاجع أمته، فهل يحقّ للمرأة أن تضاجع غلامها؟

^ كلا، لا يجوز لها ذلك.

_ يمكن الإشكال على هذا الحقّ، وعليه لا بُدَّ من التفكير في أصل منشئه، فهل هناك مثل هذا الحقّ أصلاً؟

^ هذا لا يختلف عن أصل الاستعباد؛ إذ إن لازم كلّ عبودية أن يكون اختيار العبد بيد مولاه، فإنّ [المولى] بمنزلة وليّه.

_ تمّ المنع من الكثير من المزايا من وجهة نظر الشرع

^ أوافقك الرأي في ذلك. أحياناً تصدر عن الأوروبيّين بعض الانتقادات على الإسلام في هذا الشأن ـ في حين أن العكس هو الصحيح ـ، حيث قالوا: إن المسلمين ينتهكون عصمة الإماء، ويبيِّنون الأمور بشكلٍ وكأنّ الإسلام لا يضع قيوداً وشروطاً لتنظيم العلاقات الجنسيّة بالنسبة إلى الإماء، في حين أنّ هناك قيوداً تنظم العلاقة الجنسيّة مع الأمة، فلا يحقّ للأمة أن تعاشر غير رجلٍ واحد، مع رعاية شروط العدّة وما إلى ذلك. فإنْ زوَّجها مالكها إلى رجلٍ غيره لم يَعُدْ بإمكانه وطأها بملك اليمين، وإنْ لم يزوِّجْها من غيره ووطأها بملك اليمين لن يعود بإمكانه تزويجها من غيره، إلا بعد أن تمسك العدّة وتستبرئ.

_ ألا يشترط الرضا في البين؟

^ لا يشترط الرضا في ما يتعلَّق بمسألة العبودية. نعم، لو راعى ذلك شخص من الناحية الأخلاقية لكان هذا بحثٌ آخر. من ذلك ما يُعرف من أن المأمون أرسل إلى الإمام الرضا× جاريةً، وكان الإمام قد ناهز الخمسين في حينها، وقد وخطه الشيب. وحيث تصوَّرت الجارية أنها قد أُرسلت إلى شابٍّ فقد بان عليها عدم الرضا عندما نظرت إلى الشيب في رأس الإمام وعارضَيْه، فامتنع الإمام عن قبولها، ورَدَّها إلى المأمون، مع صحيفةٍ كتب فيها هذه الأبيات الحِكْمية في الموعظة، وقد خاطب بها نفسه الشريفة، والتي يقول فيها:

نعى نفسي إلى نفسي المشيبُ *** وعند الشيب يتعظ اللبيبُ

وراع الغانيات بياضُ رأسي *** ومن مُدّ البقاء له يشيبُ

وهيهات الذي قد فات منه *** تمنيني به النفس الكذوبُ

فإن يكن الشباب مضى حبيباً *** فإن الشيب لي أيضاً حبيبُ

سأصحبه بتقوى الله حتى *** يُفرّق بيننا الأجل القريبُ([8])

وهنا توجد مسألة أخرى، وهي لو أن السيد لم يكن بمقدوره أن يشبع جاريته أو أمته من الناحية الجنسية، فهل يجوز له إمساكها أم لا؟ لدينا روايات في هذا الشأن تقول بأنه إذا لم يستطع أن يشبع حاجتها لم يجُزْ له إمساكها. وهكذا الأمر بالنسبة إلى ظاهرة (الحريم)، حيث يشتري الشخص مئة جارية، ويأتي بهنَّ إلى بيته! واضحٌ أنه لا يستطيع ذلك. وفي العادة يفتي الفقهاء في هذه الموارد بالكراهة. ولكنْ هناك منعٌ في الروايات، فإذا دلّ هذا المنع على الحرمة كان في ذلك جواب عن إشكالك تقريباً، ولكنْ ليس هناك من إجابةٍ قاطعة.

_ هل يمكن القول: إن الإسلام يخالف الاستعباد من الأساس؟

^ لا شَكَّ في أن الإسلام لم يكن يصرّ على أن يكون هناك استعبادٌ في البين أبداً. وقد سبق لي أن ذكرْتُ بأن فقهاءنا ـ لحسن الحظّ ـ قد فتحوا في الفقه باباً تحت عنوان «باب العتق»، ولم يفتحوا باباً بعنوان «باب الرقّ»؛ لأنّ الذي خطَّط له الإسلام هو التحرير، دون الاستعباد. فكل التعاليم الواردة إلينا في الإسلام تتحدَّث عن تحرير وعتق العبيد. وهذا هو الموضوع الذي بقي مغلقاً ومبهماً، حيث لا نجد في أبواب علم الفقه أو علم الحديث منذ القدم باباً تحت عنوان الرقّ، بل كلّ ما هنالك هو العتق والتحرير.

إن ما حدث في العالم الراهن من تشريع قانون إلغاء الرقّ لا يُعَدّ من وجهة نظر الإسلام أمراً يدعو إلى الأسف. إن هذا الأمر بالنسبة إلى الإسلام شبيه بتعاليم الإسلام وأحكامه في باب الماء القليل ومسائل الكرّ. فكما أن استخدام مياه الأنابيب، التي ألغَتْ موضوع الماء القليل، لا يدعونا إلى الأسف، والقول: واإسلاماه! لقد أدّى ظهور ماء الإسالة إلى هجران شطرٍ لا بأس به من أحكام الإسلام الفقهية! فالإسلام لا يقول بضرورة أن يبقى الناس يعيشون على المياه القليلة والآسنة؛ لتبقى أحكام المياه القليلة إلى يوم القيامة، وإنما يقول: إذا كان هناك ماءٌ قليل فقط فهذه هي أحكامه، وأما إذا لم يكن هناك ماءٌ قليل، وحلّ محله الماء الجاري أو مياه الإسالة، فبها ونعمت. فهذا ليس بالأمر الذي يدعو من وجهة نظر الإسلام إلى الأسف، بل على العكس من ذلك، فإنه يدعو إلى الارتياح. [وهكذا الأمر بالنسبة إلى زوال حكم العبيد].

ولكنْ في الوقت نفسه فإن ما سبق لي أن ذكرته بالنسبة إلى العبودية بالشكل الذي أجازه الإسلام، لو تمّ التعامل مع العبيد طبقاً لتعاليم الإسلام فإنّ ذلك سينطوي على مصلحةٍ لكلٍّ من العبد والمجتمع البشري. والإشكال الوحيد في ذلك سيكمن في التطبيق. ولا شَكَّ في أن ما قام به بعض المنتسبين إلى الإسلام لم يكن من تعاليم الإسلام في شيءٍ. وعلى الرغم من ذلك فإن تاريخ العبودية في الإسلام تاريخ ناصعٌ ومشعّ، إلى الحدّ الذي لا يمكن لنا مقارنته بتاريخ الاستعباد الذي شهده أيُّ شعبٍ من شعوب العالم أبداً.

_ هل الفداء الذي يؤخذ لتحرير العبيد يجب أن يكون رأساً برأس؟

^ إن هذا يعود إلى [القرار] الذي يتَّخذه وليّ أمر المسلمين في هذا الشأن، طبقاً لما تقتضيه مصلحة [المجتمع الإسلامي]. فأحياناً تكمن المصلحة في الاستبدال رأساً برأسٍ، وتارةً قد لا تكمن المصلحة إلاّ في مبادلة رأسٍ بعشرة.

_ هل إن مقدار المال الذي يُفتدى به العبد المكاتب من بيت المال هو من قبيل: الدين والقرض الحسن، أم هو هبة غير معوّضة؟

^ بل هو هبة غير معوَّضة.

 

القرآن الكريم وأسرى الحرب

إن بحثنا في هذا اليوم هو تتمّة للبحوث المتقدّمة. فحيث تحدّثنا عن العبودية في المحاضرات السابقة وصل بنا البحث إلى موجبات الاستعباد في العالم القديم، وقلنا بأن الإسلام لم يعترف من بين تلك الأسباب والموجبات إلاّ باستعباد أسرى الحرب. ثم قلنا في هذا الشأن: إن الفقه الإسلامي يخوّل وليّ أمر المسلمين بأن يختار واحداً من بين أربع خيارات بشأن الأسرى الذين يتمّ القبض عليهم في ساحة المعركة؛ فإمّا أن يطلق سراحهم دون قيد أو شرط؛ أو يأخذ الفداء والبدل (والبدل إمّا أن يكون نقدياً أو يستبدل بأسير من المسلمين)؛ أو أن يقتل الأسير إذا انحصرت المصلحة في قتله؛ أو الاستعباد.

ثمّ قلنا: إن القرآن الكريم لم يذكر من بين هذه الخيارات الأربعة سوى اثنين منها: التحرير دون قيد أو شرط؛ والفداء. ولكنْ لا وجود للشكّ في جواز الخيارين الآخرين في الفقه الإسلامي. وحيث وصل بنا المطاف إلى هذه النقطة وجدنا من الأفضل أن نعقد بحثاً يتعلَّق بوجهة نظر القرآن الكريم بشأن موضوع أسرى الحرب؛ لنرى ما هي الآيات القرآنية الواردة بشأن هؤلاء الأسرى الذي يعتبرون من بين الغنائم الحربية؟ كي لا نكون قد أغفلنا رأي القرآن في ما يتعلّق بأسرى الحرب.

 

آيات القرآن الكريم بشأن أسرى الحرب

1ـ آيات سورة البقرة

إن الآيات التي تأتي على ذكر الأسير أو الأسرى في الحرب لا تتجاوز الأربعة موارد. وبعض هذه الموارد تشتمل على آيتين أو ثلاث، لا أكثر. وحيث إننا نروم الاستقصاء، وذكر جميع الموارد القرآنية التي تحدَّثت عن الأسرى، فسوف نذكر حتّى الموارد التي لا ترتبط كثيراً بموضوع بحثنا.

ومن بين تلك الموارد سورة البقرة، في معرض تناولها الواقع الذي عليه بنو إسرائيل، وتتوجَّه بالنقد إلى هؤلاء اليهود، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 84 ـ 85).

حيث تقول هذه الآيات: إننا على الرغم من الميثاق الذي أبرمناه معهم، والذي يضمن اتحادهم، وأن لا يتقاتلوا فيما بينهم، ولا يطرد بعضهم بعضاً من أرضهم، كانوا يقومون بهذه الأمور. وها أنتم معاشر اليهود الذين تعيشون بين ظهرانينا تقرّون بذلك، وتشهدون على وجود هذا الميثاق، ولكنّكم مع ذلك تفعلون الشيء ذاته، من قتل بعضكم، وإخراجهم من ديارهم، وتتعاضدون على هذا الإثم والعدوان، وفي الوقت نفسه إذا جيء لكم بأسيرٍ من هؤلاء الذين أخرجتموهم تفتدوه بأموالكم، مع أن إخراجه كان محرَّماً عليكم منذ البداية، أفلا تكونون بذلك مصداقاً لمَنْ يؤمن ببعض الكتاب ـ التعاليم الواردة في التوراة ـ ويكفر ببعضٍ؟!

وكان الشطر الممدوح من أفعالهم، والذي يوافق الكتاب، هو افتداء الأسرى من أبناء دينهم، رغم معاداتهم.

وإنّما ذكرنا هذه الآية لمجرّد أنها من الآيات التي تتحدّث عن الأسرى والافتداء، ولا تحتوي على شيءٍ يرتبط بما نحن فيه. وقد أثنى القرآن الكريم على افتدائهم أسراهم؛ لكون ذلك يوافق الكتاب، أما سائر أفعالهم الأخرى فهي مخالفةٌ لتعاليم التوراة.

 

2ـ آيات سورة الأحزاب

ومن بين الآيات الأخرى التي تعرَّضت إلى ذكر الأسرى الآيات التي تتعلَّق باليهود أيضاً، في القضية المعروفة التي حدثت بين المسلمين وبين اليهود من بني قريظة. فقد كان في المدينة ثلاث قبائل يهودية، وهي: بنو قينقاع؛ وبنو النضير؛ وبنو قريظة، وكانت هذه القبائل اليهودية متعادية ومتخاصمة فيما بينها. وعندما هاجر النبي الأكرم‘ إلى المدينة عاهدهم؛ ليكونوا في ذمّة المسلمين. ولكنّ هذه القبائل الثلاث نقضت عهدها تباعاً، ولقي كلّ واحد منها مصيره. وكان أخطرها بنو قريظة، الذين كانوا من أذلّ اليهود، وعلى الرغم من الخدمة التي قدّمها الإسلام لهذه القبيلة، حتّى ساوى بينها وبين القبائل اليهودية الأخرى، إلاّ أنهم تنكَّروا لهذا المعروف الذي أسداه الإسلام لهم، وتعاقدوا سرّاً مع قريش في واقعة الأحزاب (أي حرب الخندق)؛ لاستئصال الإسلام، في مؤامرةٍ شديدة التعقيد.

وبعد أن اندحرت الأحزاب ـ المؤلَّفة من قريش ومختلف الجماعات المتحالفة معها، (ومن هنا يأتي مصطلح الأحزاب) ـ بشكلٍ معجز، وعادت إلى مواضعها، لم يضع النبي الأكرم‘ سلاحه حتّى نزل عليه الوحي يأمره بالتوجّه إلى بني قريظة، وإقامة صلاة العصر هناك، بعد تطهير الأرض منهم. وقد طلب منهم النبيّ‘ أن يخرجوا من تلك الأرض، ويهجروها إلى الأبد، فلم يقبلوا ذلك، حتّى آل الأمر إلى التحكيم، وقد اختاروا لذلك رجلاً من بين المسلمين، كان حليفاً لهم في قديم الأيام، وقد كان هذا الحَكَم طريح الفراش من جرحٍ أصابه في الحرب، وكان مشرفاً على الموت، فقال له قومه: ما أنت صانعٌ؟ إن هؤلاء حلفاؤنا فلا تغلظ عليهم القول، فقال: أنا في طريقي إلى الآخرة، وعليَّ أن أقول ما يرضي الله. فقالوا: وما هو؟ فأجابهم: ستعرفون في حينه. وعندما اجتمع الناس قال لرسول الله‘: أترضى بحُكْمي؟ فقال النبي: أرضى بحُكْمك، ثمّ سأل اليهود نفس السؤال، فقالوا: نرضى بما تحكم. فقال: يا رسول الله، إذا أردْتَ رأيي ـ وأنا على فراش الموت ـ فإنّي أرى المصلحة في عدم إبقاء أحدٍ من بني قريظة؛ لأنهم بأجمعهم يشكِّلون خطراً على وجود الإسلام.

وقد ذكرت بعض آيات سورة الأحزاب هذه القصة قائلةً: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (الأحزاب: 26 ـ 27).

حيث يصف واقعة الأحزاب، وكيف أن الله قد أنزل الذين دعموا كفّار قريش من أهل الكتاب من حصونهم، وقد استولى عليهم الخوف والفزع. وكيف قام المسلمون بقتل بعضهم، وأسر بعضهم الآخر، وكيف أن الله أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، والأراضي التي لم يكن المسلمون قد دخلوها من قبل.

هذا موردٌ آخر من الموارد التي تعرّض فيها القرآن إلى موضوع الأسرى، دون بيان التفاصيل، وما إذا كان المسلمون قد اتَّخذوا هؤلاء الأسرى عبيداً أم لا. ولم نحصل من كتب السيرة والتاريخ على ما يبيِّن لنا ما آلَتْ إليه أمور هؤلاء الأسرى من بني قريظة.

 

3ـ آيات سورة الأنفال

هناك آيتان أخريان في القرآن ترتبطان بذات الموضوع الذي نحن فيه؛ وإحداهما الآية 69 من سورة الأنفال، التي بدأنا تتمّة البحث بغية الوصول إليها، والآية التي تلوتها في المحاضرة السابقة.

تقول هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 67 ـ 71).

لقد نزلت هذه الآيات بعد وقعة بدر، حيث انتصر المسلمون فيها بشكل معجز؛ إذ انتصروا رغم قلّة العُدّة والعدد ـ ولم يكن هناك مَنْ يتوقع انتصار المسلمين في تلك الحرب غير المتكافئة ـ، بل تمكن المسلمون من أسر سبعين رجلاً من أهل مكة (من قريش). وكانت قريش هي قبيلة النبيّ الأكرم‘، بل من أشرف قبائل العرب، وأكبر مكانة ومنزلة بينها. ولم يسبق في التاريخ أن اندحرت قبل بدر في معركة، إلاّ في هذه المعركة، التي فقدت فيها عدداً من كبارها وشيوخها، وتمّ أسر البعض منهم، وكان من بين الأسرى عددٌ من أرحام النبيّ الأكرم‘، منهم: العباس عمّ النبيّ، وعقيل ابن عمّ النبيّ وأخو أمير المؤمنين، وآخرون من أبناء عمومة النبيّ.

بعد أن قبض المسلمون على الأسرى من المشركين استشارهم رسول الله‘ بشأن معاملتهم، فقال أغلبهم: إنهم أقاربك من قريش، ولا بُدَّ من أن نبقيهم أحياء، وأشاروا عليه بإطلاق سراحهم، وأخذ الفدية. ومال قلّةٌ منهم إلى القول بأن هؤلاء الأسرى هم من ألدّ أعدائنا وخصومنا، ولا مصلحة في تحريرهم، وقالوا بأن هؤلاء الأسرى لا يختلفون في شيء عن الذين قتلناهم في أرض المعركة، ولذلك علينا أن نقتلهم. فرجَّح النبي الأكرم‘ رأي الغالبية القائل بتحريرهم مقابل الفدية.

وقد نزلت الآية للقول بعدم وجود أيّ حقٍّ لنبيٍّ أن يأخذ أسرى إلاّ في ظلّ ظروف خاصة: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ (الأنفال: 67). نزلت هذه الآية للتعبير عن أن ما قام به النبيّ والمسلمون إنّما كان من اجتهادهم، فلم يكن لنبيٍّ، لا في الماضي ولا في الحاضر، أن يقوم بأسر الأعداء إلاّ بعد أن يُثْخن في الأرض، ويتمكَّن منها، بمعنى أنه لا ينبغي أخذ الأسرى في المراحل الأولى التي لم يتمكَّن النبيّ فيها من الأرض، ولم يبسط سلطته عليها. وكلمة «يُثْخن» تعبّر عن الانتصار على العدو والتمكُّن منه، وتكون له الغلبة المطلقة عليه.

ثمّ قال الله سبحانه وتعالى للمسلمين: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾، بمعنى أنكم تطلبون الدنيا بأخذ الفدية من الأسرى، ولكنّ الله يريد لكم الآخرة. ثمّ ينتقل إلى تحذيرهم وتهديدهم بالقول: ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، بمعنى أنه لو لم يسبق في علم الله الإبقاء عليكم لوقع عليكم عذابٌ عظيم؛ بسبب هذه الفدية التي أخذتموها. والمراد هنا بطبيعة الحال العذاب الدنيوي، وهو الاندحار في مواجهة العدوّ. ولكنّ الله عفا عنكم، وحيث فعلتم ذلك ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

وقال في الآية التالية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، فلا تبتئسوا ولا تحزنوا على ما أُخذ منكم، فإنّ الله سيعوّضكم خيراً ممّا أخذ منكم، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ فلا تبتئس أيضاً؛ ﴿فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

 

تحليل هذه الآيات

ما الذي تريد هذه الآيات إيصاله، من خلال قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾؟ وعليه فإنّ ما قام به المسلمون من أخذ الأسرى في تلك الظروف([9]) كان عملاً مخالفاً لتعاليم الإسلام.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو السبب الذي يمنع المسلمين من أخذ الأسرى في بداية الأمر، حيث لم يصلوا إلى مرحلة التمكُّن والسيطرة؟ لأنهم كانوا يقبضون على الأسير لكي يحرِّروه. فهؤلاء لولا الطمع بالحصول على الفدية لقتلوا الأعداء في ساحة المعركة، إلاّ أنهم كانوا يتعمّدون القبض عليهم أحياءً؛ للحصول على الفدية. فالآية تقول: ما كان ينبغي لكم أن تأخذوا الأسرى طمعاً في الحصول على الأموال، بمعنى أنه كان عليكم قتلهم في ساحة المعركة، فحيث أسرتموهم أحياءً وجب عليكم إطلاق سراحهم، وحيث تطلقون سراحهم سيعودون إلى إثارة الفتن وحياكة المؤامرات.

والشيء الذي أريد قوله هنا هو: لو أن النقطة المقابلة لهذا الأمر [القتل في ساحة المعركة] والخيار الآخر كان هو الاستعباد من أوّل الأمر، وكان أسلوب المسلمين في الحرب إمّا هو قتل الأسير، أو إطلاق سراحه مقابل فدية أو مقابل لا شيء، أو إبقائه أسيراً [مستعبداً]، لما كان هناك موضعٌ لهذه الآية بين تلك الآيات؛ إذ لو [كان البناء على قتل الأسير في أرض المعركة لما كان يشكِّل خطراً]([10])، وإذا كان البناء على استعباد الأسير والمحافظة عليه لما كان فيه خطر من ناحيته أيضاً؛ لأنه رازح تحت أنظار المسلمين. إنما الخطر في إبقائهم على قيد الحياة يكمن في عدم قتلهم، أو استرقاقهم، بل تعيَّن إطلاق سراحهم سواء بفديةٍ أو من دون فديةٍ. وفي ما يتعلق بمعركة بدر لم يكن خيار مبادلة الأسرى بأسرى قائماً؛ لعدم وجود أسير من المسلمين بأيدي المشركين، فكان لا بُدَّ من أخذ الفدية مقابل تحريرهم.

الذي أريد قوله هنا: إن الذي نفهمه من هذه الآية هو أن السلوك المتَّبع تجاه الأسرى لا يخرج عن ذينك القسمين المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، دون القسمين الآخرين، وإلاّ لو كان لهما من وجودٍ لما كان هناك موضوع لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾؛ لأن هذه الآية تقول: لا يوجد في تشريعنا أن يأخذ النبيّ أسرى قبل أن يبسط سلطته بشكلٍ كامل، وذلك بقرينة قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾. لماذا لا يحقّ له أن يأسر قبل ذلك، ويحقّ له أن يأسر بعدها؟ لأنه بعد السيطرة حتّى إذا تمّ تحرير الأسير لا يُشكِّل خطراً على الإسلام، بخلاف ما لو تمّ أسره قبل سيطرة المسلمين، حيث يضطرون إلى إطلاق سراح الأسير، ليعود إلى ما كان عليه من خلق الفتن. وعليه كان الفرض قائماً على تحرير الأسرى لا غير. وحيث كان الأمر في البداية [أي في مرحلة ضعف المسلمين] قائماً على ذلك فمن الأفضل عدم أخذ الأسرى، وترك حالة القبض على الأسرى إلى الوقت الذي لا يعود الأسير يشكِّل خطراً على الإسلام إذا أُطلق سراحه.

هذا ما نفهمه من هذه الآيات. وهناك ما يؤيِّدها في الروايات المأثورة عن النبي الأكرم‘، حيث قال لأصحابه: إنكم إذا أخذتم الأسرى في الوقت الراهن ثم أطلقتم سراحهم فإنهم سيقتلون منكم بعدد ما تطلقونه من الأسرى. وكان جوابهم لرسول الله أن قالوا: لا بأس في ذلك ما دمنا نتوق إلى الشهادة، فاليوم نطلق سراحهم، ونأخذ الفداء، وليعودوا إلينا من غدهم، فالقتل بالنسبة لنا شهادةٌ في سبيل الله.

كانت هذه واحدةً من الآيات المتعلِّقة بحكم الأسير. ويبدو لي أنها من أهمّ الآيات في هذا الشأن. وعليه لا بُدَّ من التفكير فيها مليّاً، فإنّي لم أَرَ بين الذين بحثوا في مسألة الاستعباد مَنْ يركِّز على هذه الآية، في حين أن هذه الآية تستدعي الكثير من التأمُّل والتحقيق فيها.

 

4ـ الآية الرابعة من سورة محمد‘

أما الآية الرابعة، وهي الآية التي قرأناها في المحاضرة السابقة، فهي قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد: 4).

إن هذه الآية تمثِّل دستوراً حربياً، حيث تقول: إذا دخلتم حرباً مع الكفار فاضربوا أعناقهم [كنايةً عن القتل]، حتّى تتغلبوا عليهم، وما دمتم لم تحقِّقوا النصر لا يحقّ لكم أن تأسروا منهم أحداً. فإذا تغلَّبتم عليهم أمكن لكم أن تأسروا منهم. وبعد أن تأسروهم تكونون بالخيار؛ فإمّا أن تمُنّوا عليهم بإطلاق سراحهم؛ أو أن تأخذوا منهم الفداء. والفداء يكون إمّا بتبادل الأسرى بأسرى؛ أو بأخذ المال. ويبقى هذا القانون سارياً حتّى تنتهي الحرب، وتضع أوزارها وتبعاتها.

وهناك بشأن قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ احتمالان: الأوّل: حتى تنتهي هذه الحرب القائمة بينكم وبين عدوّكم. أما الاحتمال الآخر ـ وهو الأقوى، وتؤيِّده الروايات ـ فهو أن هذه الآية تبيِّن قانون الحرب بشكلٍ عام، وأنه ما دام هناك حربٌ في الدنيا ـ والحرب قانون يحكم البشر ـ يكون هذا القانون قائماً وساري المفعول. نعم، إذا حدث وزالت الحروب من على وجه الأرض، ولم يعُدْ هناك من مبرِّر لها، لا يعود لهذا القانون من موضوعٍ. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾، بمعنى أن بمقدور الله أن يقضي عليهم مباشرةً، بأن ينزل عليهم العذاب فلا يبقى لهم من أثرٍ، إلاّ أن سنّة الله لم تقُمْ على ذلك، وإنما قامت على ابتلاء الناس ببعضهم، فيكون الكفار بذلك وسيلة لتمحيص إيمان المؤمنين وتخليصهم.

 

حديثٌ نبويّ

لقد رأيتُ حديثاً ملفتاً للانتباه في كتاب (صحيح مسلم). ومضمون هذا الحديث أن النبيّ الأكرم‘ ينقل قصّةً عن أحد الأنبياء السابقين ـ ويبدو من القرائن أنه يوشع بن نون، وصيّ النبيّ موسى× ـ وقال النبيّ الأكرم‘ في هذه الرواية: «فلم تحلّ الغنائم لأحدٍ من قبلنا([11])، ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيَّبها لنا»([12]).

الأمر الذي يعني أن الغنيمة كانت إجراءً مؤقّتاً، تفرضه حالة الضرورة. وعليه فلو كان هذا الحديث قائماً على دعامة محكمة ـ وأنا لم أطَّلع عليه من الناحية السندية ـ فإنه سيعني أنّ أخذ الغنيمة من الأعداء بشكلٍ عام تخالف سنن الأنبياء، وأنها إنّما أُبيحت للمسلمين في صدر الإسلام بسبب الظروف القاسية التي مرَّتْ عليهم. فإذا زال السبب، ولم يعُدْ المسلمون يعانون من الفقر، لن تحلّ لهم أموال الأعداء، حتّى على نحو الغنيمة، فما ظنُّك بالاستيلاء على نفوس الأعداء واستعبادهم.

_ هل يكون ذلك بمثابة أكل الميتة؟

^ تقريباً، مثل أكل الميتة([13]).

 

الهوامش

(*) مفكِّرٌ إسلاميّ كبير، وأحد أبرز رموز النهضة الحديثة في إيران. له عشرات المؤلَّفات والأعمال والنظريّات والأفكار. استشهد مطلع انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران.

([1]) بمعنى: (الولاية والحكم).

([2]) مكارم الأخلاق: 100.

([3]) مجمع البحرين 1: 326.

([4]) مثل يعني التعجيز عن فعل شيء.

([5]) الزعيم الكوبي المعروف.

([6]) تذكرة الفقهاء (الطبعة القديمة): 574.

([7]) أحد الحاضرين: لم يكن الرجال في حينها شياطين… الأستاذ: الرجال شياطين في كلّ حين (قهقهة الحضور). هذا لا يصلح دليلاً.

([8]) بحار الأنوار 49: 164.

([9]) حيث كان المسلمون في واقعة بدر يشكِّلون الأقلية، ولم يصلوا إلى مرحلة الهيمنة والسيطرة.

([10]) هناك بعض الفقرات والعبارات غير مسجَّلة في الشريط الصوتي.

([11]) ومن بين الغنائم أسر الأفراد؛ لأن الأسير يدخل ضمن ما يُغْنَم.

([12]) صحيح مسلم 3: 1366؛ الجامع لأحكام القرآن 6: 131.

([13]) هناك ملحوظات للأستاذ الشهيد مرتضى المطهري موجودةٌ في الجزء العاشر من ملاحظات الأستاذ المطهري، في الصفحات من 289 إلى 316، وكذلك في القسم الأخير من كتاب (بردگي در إسلام)، فلم نرَ ضرورةً لإدراجها هنا.