السلم الإجتماعي وخطر التمييز المذهبي

5 مايو 2018
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
179 زيارة

السلم الإجتماعي وخطر التمييز المذهبي

إيمان شمس الدين

التمييز كقيمة سلبية حينما تمارسه الدولة بين مكونات المجتمع، فهي تدفع باتجاهات خطيرة اجتماعيا والمتضرر منها المجتمع أولا وأخيرا.

استخدام السلطة لسلاح التمييز ضد الأقليات على أساس مذهبي أو طائفي يخلق شعور نفسي بالظلم، وهو ما ينعكس على قيم التسامح والتعايش التي هي قيم نفسية وليست شعارات و مقولات للاستهلاك ولا إعلانات مدفوعة الثمن.

فلكل من التسامح والتعايش مقومات هامة إذا ما توفرت فإنها تعمل على اعتدال النفوس وانتظامها اجتماعيا.

ومن أهم مقومات التعايش والتسامح هي المساواة والعدالة.

فالمساواة والعدالة قيم سلوكية فعلية تطبيقية تظهر أثارها على المجتمع بشكل كبير في النهضة والتنمية.

فهي ترتب الأولويات وتوجه الطاقات في حال تحققت في المجتمعات، وتهيئ القابليات لقيمتي التعايش والتسامح ليصبحا شعورا ذاتيا لا يحتاج دفع أو تعليم.

فيتقوم المجتمع بهما وبالتالي تصبح انشغالات المجتمع وأولوياته تنصب على التعليم والإبداع والتنمية والنهضة، بدل انشغاله بالتناحر الداخلي المذهبي والطائفي الذي يستهلك النفوس في الحقد والكراهية ويشغلها عن دورها في نهضة الوطن وتنمية موارده .

فالتمييز المذهبي والطائفي نوع من أنواع الإرهاب الفكري الذي ينتج مجتمعا منافقا .

تقنين قوانين تكرس من التمييز كممارسة سلوكية ضد الأقليات، يدفع ببعض مكونات المجتمع وأفراده، بإظهار قناعات مختلفة، بعضها مزيف والبعض الآخر حقيقي، والمزيف هو ما تظهره هذه المكونات من قناعات ناتجة إما عن الإعلام الموجه، أو الشعوبية التي تضغط باتجاه تبني قناعات من لون واحد تناسب قناعاتها الخاصة حتى لو كانت قناعات فاسدة ومضرة، هذه القناعات قد تكون تشكلت في ظل ظروف سياسية أو اجتماعية، يكون فيها للأكثرية الفصل في تبني الرأي وفرضه على باقي مكونات المجتمع إما بالإرهاب الفكري، أو باستغلال القوانين فيما لم تقنن له، من خلال ثغرات قانونية وضعها المشرع كي ينفذ إليها القانوني ويوظفها باتجاهات معينة ليس من بينها مقاصد التنمية والنهضة، وإنما غالبا الفتنة وإشغال المجتمع داخليا بقضايا فرعية ليست ذات قيمة حقيقية، لتتفرغ السلطة وتتحكم في مؤسسات الدولة بعيدا عن رقابة المجتمع أو متابعته.

فيظهر المكون المضطهد قناعات ظاهرية تتناسب وروح المجتمع، لكنه داخليا لديه قناعات مغايره، وقد يكرس ذلك حالة النفاق الاجتماعي، وعدم شعور المضطهدين بالقدرة على الاندماج والتعايش، وتغيب قيمة التسامح نتيجة توظيف القوانين في الانتقام والرصد.

التمييز القائم على العصبيات المذهبية والطائفية ينتج عنه غياب العدالة وبالتالي تحقق الظلم بحق مكون من مكونات المجتمع. و ظهور تأثيرات واقعية على هذا المكون أهمها:

– انكفاء المكون المضطهد على ذاته، وظهور شعور بالغبن الاجتماعي، و يتنامى لديه الشعور بالانتماء لمذهبه على حساب شعوره بالانتماء للوطن، ويؤدي ذلك إلى بروز حالات التطرف والتشدد التي قد تنعكس على السلوك الاجتماعي وتؤثر في التسامح والتعايش الاجتماعي لغياب العدل، وفقدان الشعور بالانتماء والأمان.

– هجرة بعضهم إلي الخارج، وهو ما يجعل المجتمع لونا واحدا يفقده عناصر قوته الكامنة في التنوع، وقد يشعر الفرد المغبون اجتماعيا بالانفصال عن وطنه واللجوء لجغرافيا تنصفه وتشعره بالأمان الاجتماعي.

– التمترس بالقبيلة والمذهب واللجوء لقوانينها وعدم الاكتراث بالدولة نتيجة تمييزها وازدواجية معاييرها، وهو ما يدفع باتجاه الخندقة الاجتماعية، وازدياد منسوب العصبيات وغياب دولة القانون والمؤسسات.

من يمارس ضده التمييز سواء كانت أقليات أو أفراد قد يخلق لديهم رد فعل نفسي يتمثل في رفض الآخر، بالتالي التمسك بالإنتماء الخاص فيكرس ما لديه من معتقدات أو قيم فاسدة، فالعدالة تحقق عند الفرد رغبة في الاندماج والانخراط بالمحيط دون هواجس، وهي فرصة ذهبية لتبادل المعارف وتصحيح المعتقدات وتوجيه القيم.

التسامح والتعايش قيم نفسية شعورية ذاتية تتولد كنتاج للعدالة الاجتماعية والاقتصادية ، وتحقيق نظرية تكافؤ الفرص للجميع، والتمييز التنافسي الذي يدفع باتجاه تطوير الفرد وينهض بالمجتمع والدولة، والتمييز التنافسي يعني تكافؤ الفرص ، لكن نتاج كل فرد وكفاءته هي من تحدد حقانيته بالمميزات وبالمرتبة والمنصب، أي يكون تمييزه وهذا يفتح باب التنافس بين أفراد المجتمع لتحقيق الأحسن، وتطوير القدرات والنتاجات بما يحقق النهضة.

أما التمييز التناحري، هو الذي يكون على أساس الانتماء سواء القبلي أو المذهبي، أو القرابة النسبية، أو تقصير الدولة بواجباتها مما يجعل من النواب ممثلين الأمة سعاة خدمات لتحقيق عدد أكبر من الأصوات حتى لو على حساب دولة القانون والمؤسسات.

إضافة لخلق طبقية تفاضلية على أساس عصبوي، يكرس حالة الانقسام نفسيا وسلوكيا، ومهما رفعت الدولة من شعارات التعايش والتسامح، وقننت قوانين تعاقب أي محاولات للفتنة، فإن ذلك لن يحل عمق المشكلة، ولن يزيل الحواجز النفسية التي صنعتها الدولة بالتمييز وخلقت جوا من التناحر بين مكونات المجتمع كافة.

هذا بذاته يكرس الفساد والتقسيم الاجتماعي، ويخلق حواجزا نفسية نتيجة الإحساس بالغبن، أو التفوق بغير وجه حق، فيجعل من المجتمع طبقات، ومن الصعب في المجتمع الطبقي أن تجد قيم التسامح والتعايش متحققة إلا في الإعلانات والشعارات.