الشعائر الحسينيّة بين الشرعيّة والعقلانيّة

30 أبريل 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
230 زيارة

الشعائر الحسينيّة بين الشرعيّة والعقلانيّة

د. الشيخ محمد أمين أحمدي(*)

 

 1ـ هويّة البحث ــــــ

في عالم اليوم، الموسوم بالحداثة والعقلانية، تُقيَّم أي ظاهرة بشكلٍ أساس من زاوية العقل، بما في ذلك من رؤى وأفكار ومواقف وأعمال؛ فإنْ كانت من الأولى عُمِد إلى دراسة صحّة بنيتها واستحكامها، بالاستعانة بالشواهد والقرائن. وإنْ كانت من الثانية استند الحكم على عقلانيّتها أو عدم عقلانيّتها إلى ما يتحصّل منها من فائدة ونفع، أو إلى تناسب ذلك العمل وانسجامه مع القِيَم الأخلاقيّة الإنسانيّة، كحدٍّ أقصى.

وعلى أساس ذلك تطرح الشعائر الحسينيّة مجموعة من التساؤلات، مثل: إلى أيّ منظومة اعتقاديّة أو قيميّة تستند هذه الشعائر؟ وكيف يمكن تبرير هذه القيم والمعتقدات؟ وإلى أيّ مدى تقع تحت دائرة العقل؟ وما هي المنفعة التي تعود منها على الإنسان؟ أو ما هو الضرر الذي تدفعه عنه؟ وهل يعَدّ توقّع الحصول على المنافع المعنويّة والدنيويّة ـ التي يؤمن المعتقدون بهذه الشعائر بإمكان نيلها منها ـ أمراً معقولاً ومقبولاً بحكم العقل؟ وهل يمكن أساساً أن نعدّ هذه الشعائر أمراً دينياً، لا مجرّد سلسلة من الخرافات التي تنسجها الأوهام والظروف والعوامل النفسيّة والاجتماعيّة المختلفة؟

ولتقديم حلول لهذه القضايا، والإجابة عن هذه التساؤلات، نجد لزاماً علينا القيام بما يلي:

أوّلاً: إلقاء الضوء على حقيقة وماهيّة هذه الشعائر. وإلى أيّ منظومة اعتقاديّة وقيميّة تستند في إحيائها؟ وكيف يمكن أن تعدّ من الأمور الدينيّة؟ وما هو الدور الذي تلعبه ثقافة القيِّمين على هذه الشعائر، وفنونهم، وآدابهم القوميّة والوطنيّة والحضاريّة، في تبلورها، من حيث الشكل والمضمون؟

ثانياً: كيف وعلى أيّ أساس يمكن تفسيرها؟

 

 2ـ تقرير توصيفيّ ـ تحليليّ للشعائر الحسينيّة ــــــ

أـ مراسم وشعائر العزاء ــــــ

تختلف أشكال الشعائر الحسينيّة التي تقام في أيام مختلفة؛ إحياءً لذكرى سيّد الشهداء الحسين بن عليّ’، وخصوصاً في الأيام العشرة الأولى من شهر محرّم. فهي تعدّ في الواقع أحد ألوان الثقافات الشعبيّة واسعة الانتشار، ويتمّ إحياؤها في جوٍّ يكثر فيه البكاء، ومجالس الوعظ والخطابة، وإلقاء المراثي، والإبكاء والبكاء، والنواح، واللطم على الصدور، وقراءة المقتل، وغير ذلك من مظاهر الإحياء. ولهذه المراسم أماكن خاصّة تُقام فيها. ولذا أسِّست لها مبانٍ تتَّسم بالقداسة، تحمل اسم (الحسينيّات)، أو (التكايا). كما صار للأيام العشرة الأولى من شهر محرّم الحرام، وأخيرها على وجه الخصوص، شأن متميِّز لدى القيِّمين على هذه المراسم، فأضحت تمثّل الفترة الزمانيّة الخاصّة بإقامة مراسم العزاء. ولهذا فهي تمثّل عنواناً للذكرى، وهي تثير ـ بما تحمل من إشاراتٍ عن الحادثة الأساس ـ الوجدان الدينيّ للمشاركين فيها. وبطبيعة الحال فإنّ إحياء هذه المراسم يحتاج إلى مَنْ يديرها، ويخطّط لها بما يتناسب مع حجمها، وكثرة المشاركين فيها، وتعقيد رسومها، وتكاليفها، ودقّة ولطف شعائرها. وقد ظهرت للاضطلاع بهذا الدور تشكيلات دينيّة غالباً ما تكون على صورة هيئات، ومخطِّطين، ومنفِّذين، من خطباء وقرّاء للمراثي والمصائب والمواعظ واللطميات. ويتطلّب كلّ عمل من هذه الأعمال مهارة خاصّة (وتدريباً)، وفنّاً (في كيفيّة القراءة والإلقاء وما شابه…)، ويعدّ مهنةً شبه رسميّة، لكنّها مع ذلك تتَّسم بالقداسة. وبصورة عامّة يعمل كلّ هؤلاء في هيئات تشبه في شكلها مؤسّسة دينيّة ـ اجتماعيّة. وفي نفس الوقت يدرك الأشخاص المؤمنون وظائفهم الدينيّة، فيؤمِّنون تكاليف هذه الهيئات، من خلال التبرّع بالنذور والهدايا، التي يعدّونها عملاً مقدَّساً من الناحية الدينيّة، ولهم عليها الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.

وعليه فإنّ مكوِّنات وعناصر شعائر العزاء هي عبارة عمّا تحويه من مضامين ومحتويات، والرسوم الشكليّة للعزاء (قوالب وأشكال الإحياء)، والأيّام والأماكن، والقائمين على تنظيمها والمشاركين فيها.

ويمكن بيان كلّ واحد من هذه العناوين في ما يلي :

1ـ تشتمل مضامين ومحتويات العزاء على الوعظ والخطابة، والمصيبة (الرثاء، وقراءة المقتل)، ومتن الخطبة والشعر التمثيلي، والأدعية والزيارات.

ويبدو أنّ الثقل الديني لهذه الشعائر يكمن في ثنايا ومحتويات الكلمات والخطب؛ حيث إنّ ما يُقال عادةً في الوعظ والخطابة يتعلّق بفضائل الأئمّة^ وأتباعهم المخلصين، وسيرتهم وتديُّنهم، وحبّهم للشهادة، وشهادتهم في سبيل حفظ الدين، وبيان أحكام الشريعة، والتعاليم الأخلاقيّة، والمعتقدات الدينيّة.

وكذلك تتضمّن قصائد الرثاء والعزاء ذكر فضائل الأئمّة المعصومين^، والظلم والمصائب التي لحقت بهم، والتبرّي من أعدائهم.

ولا يفوتنا الالتفات إلى أنّ مضامين الكلمات والخطب التي تُطرح في مراسم العزاء الخاصّة بالإمام الحسين×، وسائر الأئمة المعصومين، ليست بمستوى واحد عند جميع الأفراد والخطباء والمنشدين، من حيث المحتوى والمضمون، بل يخضع الأمر لمجموعة من العوامل، منها: لغة الخطيب والمنشد، وما في حوزته من المعارف والعلوم الدينية والتاريخيّة، وكذلك طبيعة نظرته والذوق الفنّي الذي يتمتَّع به هو ومخاطَبوه. ومن هنا فقد تتّصف بالضعف والنقصان، أو القوّة والانسجام، بل وحتّى بالمشروعيّة وعدم المشروعيّة (من منظار شرعيّ). ويزداد هذا البُعْد في ذكر المراثي والشعر التمثيلي، الذي يعرض بشكلٍ مسرحي. ويرجع ذلك إلى أنّ واقعة كربلاء تُعرَض من خلال سردٍ يكتنفه ـ نوعاً ما ـ جانب من التخيُّل، يشترك فيه الخطيب والمنشد والسامع على حدٍّ سواء، والهدف من وراء ذلك زيادة التأثير في نفس المخاطب، وجعله وسط الجوّ الروحي والعاطفيّ المناسِب لطبيعة العزاء.

2ـ تخضع المراسم الشكليّة للعزاء ـ كما سيأتي ـ للذوق الفنّي، والقدرة الرمزيّة، والبعد الثقافي والحضاري لمختلف الناس المقيمين لهذه المراسم. ولهذا السبب نجد لهذه المراسم صوراً متنوّعة ومتعدّدة.

ويمكن أن نذكر من جملتها: اللطم على الصدور، والضرب بالسلاسل، وتمثيل الواقعة، وشجّ الرؤوس (التطبير)، والعبور على النار، وغير ذلك.

والمهمّ في هذا النحو من المراسم أنّها تحتوي على جانب شكلي. ولذلك ينبغي التعرُّض لها بالدراسة والتحليل.

3ـ كما أشرنا فإنّ لعنصر الزمان أثراً في إقامة هذه المراسم؛ حيث تمتاز بعض الأيام بأهمّيّة ومعنى خاصّين في إقامة العزاء، وتذكّر الأحداث والوقائع العظيمة. ومن هنا تكتسب بعض الفترات الزمانيّة قدسيّة خاصّة. وأهمّ هذه الأيام على الإطلاق هي الأيّام العشرة الأولى من شهر محرّم، والأيام العشرة الأخيرة من شهر صفر، والأيام الفاطميّة، والليالي الواقعة ما بين التاسع عشر إلى الثالث والعشرين من شهر رمضان، لكنّ هذه الأيام لا توازي في الأهميّة يوم عاشوراء؛ من حيث إنه يوم ذكرى أعظم واقعة دينيّة تراجيديّة لدى الشيعة. إنّ هذا اليوم لا يمثِّل لدى الشيعة ذكرى عميقة الألم ومليئة بالمعاني والعِبَر فحَسْب، بل صار لإحيائه من المعاني ما يجعل تلك الحادثة تتكرَّر مرّات ومرّات في هذا اليوم من كلّ عامٍ، ولكأنّ عالم الخلق بجميع ما فيه يتزلزل لمشهد أحداثه.

4ـ نظراً لأهمّية العزاء، ومراسمه المفعمة بالمشاعر والأحاسيس، والتي تُعدّ الأساس في إقامتها، فإنّها تحتاج إلى محلٍّ ومكان تقام فيه. من هنا أسّس المؤمنون أماكن خاصّة، تُسمّى بـ «الحسينيّة»، أو ما شابه. والمهمّ في هذه الأماكن اكتسابها قداسة خاصّة، بحيث يُعدّ تأسيسها عملاً دينيّاً يثاب عليه في الآخرة.

يكتسب البعض في القيام بهذه المراسم دوراً رسمياً أو غير رسمي؛ وذلك جرّاء امتلاكهم لمعلومات حول الدين، أو مهارات خاصّة. والمهمّ في هذه المجموعة من الأفراد أنّهم يجتمعون في إطار تشكيل ديني ـ اجتماعي، بحيث تكتسب مهاراتهم نوعاً من القداسة، ويعدّ تأمين معيشتهم (والذي يعدّ من لوازم تقسيم العمل، وكسب المهارات، وتنفيذ بعض الأدوار في النواحي الاجتماعيّة) عملاً مقدّساً، يتمّ عن طريق الأموال الشرعيّة.

إنّ جميع مكوّنات العزاء تتركّز، في الواقع، حول أصلٍ واحد، وهو إظهار الغمّ والحزن، والبكاء والإبكاء، في المصيبة العظمى التي ألمَّت بالإمام الحسين× وأهل بيته وأصحابه. ويمكن أن نتخذ من ذلك عنواناً أساسيّاً للعزاء.

 

ب ـ التحليل التوصيفي للعزاء ــــــ

والمراد من التحليل التوصيفي لمراسم عزاء الإمام الحسين× هو دراسة الأساس الاعتقادي والقِيَمي الذي تبتني عليه هذه المراسم، بما تشمله من مقدّمات ولوازم (أماكن ومنفِّذين)؟ وما هي نسبتها إلى الدين؟ وكيف تُعَدّ جزءاً من ساحته المقدّسة؟

لا شكّ أنّ إقامة هذه المراسم، في نظر عامّة المشاركين في العزاء، والمساعدة على إقامتها، يُعَدّ من الشعائر الدينية والأمور العباديّة، وهم يتقرَّبون إلى الله تعالى بذلك. ويستند هذا الاعتقاد إلى الإيمان بمقام الإمامة ومنزلة أهل بيت رسول الله| عند الله، وخصوصاً الإمام الحسين×؛ حيث يعتقد الشيعة أنّ لأئمة الهدى^ من مقام القرب من الله ما يجعلهم الوسطاء إليه، والشفعاء الحقيقييّن عنده، والقادرين بإذنه على إمداد الناس بما يوصلهم إلى تحقيق مآربهم المعنويّة والدنيويّة. وعلى هذا المنوال فهم يعتقدون أنّ قادة الدين ـ وهم رسول الله والأئمّة المعصومون ـ قد أكَّدوا على إقامة العزاء والبكاء والنحيب على مصيبة سيّد الشهداء الحسين بن عليّ’، وأنّهم وعدوا في مقابل ذلك بالثواب الجزيل والأجر العظيم.

وكما تبيّن من تقريرنا التوصيفيّ حول شعائر عزاء الإمام الحسين فإنّ البُعد الأبرز فيها هو البُعد الثقافي والتاريخي. فلم تتحدَّث الروايات المعتبرة حول تعيين شكل خاصّ لإقامة العزاء، إلاّ أنّ همّها الأكبر هو الإشارة إلى فضيلة البكاء، والإبكاء، والتباكي، والحزن، وقراءة المراثي على مصيبة سيّد الشهداء، وإلى ما يوجبه ذلك من الأجر والثواب الأخرويّين([1]). وقد أفتى فقهاء الشيعة؛ بناءً على هذه الروايات، بفضيلة واستحباب العزاء، ولم يعيِّنوا له شكلاً خاصّاً([2]).

وأبرز أشكال العزاء، والذي وردت الإشارة إليه في الأخبار المأثورة، هو قراءة الرثاء([3]). ولم تكن الإشارة إلى هذا الشكل في الروايات لخصوصيّة له في العزاء من وجهة نظر الدين، بل نظراً إلى عادة الناس في العزاء في ذلك الزمان؛ حيث كان أكثر المسلمين آنذاك من العرب، وقد جرت العادة عندهم على إنشاء الرثاء، نثراً وشعراً، عند فقد الأعزّاء. وبهذا يمكن تفسير بعض التوصيات الواردة في بعض الروايات عن الأئمّة^ بخصوص هذا النوع من أشكال العزاء، إذا ما ثبت صدورها([4]).

وقد خرجت مراسم العزاء إلى حيِّز الوجود بشكلها الرسمي وواسع النطاق في القرون الأخيرة، وعلى الأخصّ في عصر سلاطين الشيعة من آل بويه([5])، واتَّخذت المراسم أشكالاً متنوِّعة بنحو تدريجيّ، سرعان ما انتشر في إيران إبّان العهدَيْن الصفويّ والقاجاري([6]).

وفي الحقيقة ترجع الأشكال المختلفة للعزاء بشكل رئيس إلى العوامل الثقافيّة والتاريخيّة. ولهذا السبب فإنّ العديد منها صار موضوع سجالٍ من حيث الجواز والحرمة من الناحية الشرعيّة. فعلى سبيل المثال: أعلن الشيخ النائيني، في فتواه التي خاطب بها أهل البصرة ونواحيها، أنّ المسيرات والمواكب التي تنطلق في الأزقّة والطرق بجماهير المعزّين هي عملٌ جائز، بل يعدّ راجحاً شرعاً (وقد أكّد بالطبع على حرمة التزيُّن والبهرجة). وكذا في ما يتعلّق باللطم على الصدور، حتّى وإنْ أدّى إلى احمرار الجلد أو اسوداده، والضرب بالسلاسل وإنْ أفضى إلى خروج الدم، وشجّ الرأس (التطبير) إنْ لم يوجب الضرر، وتجسيد الواقعة بشكلٍ تمثيلي، والضرب على الطبول، حيث عدَّ جميع ذلك من الأمور الجائزة، وأصدر فتوى بذلك([7]). وفي المقابل أفتى فقهاء آخرون بعدم جواز بعض أشكال العزاء، ومن جملتها: التطبير([8]).

وبناءً على ذلك يمكن أن نستخلص من هذا البحث نتيجة مفادها أنّ أصل العزاء ـ أي إظهار الغمّ والحزن والبكاء والعويل على الإمام الحسين× ـ بدون تحديد طريقةٍ خاصّة له هو في حدّ ذاته من الأمور المطلوبة في الشريعة. ومن هنا فإنّ أشكال العزاء وطرقه المختلفة منشؤها ذوق الناس وثقافتهم. والسؤال الآن هو: كيف استقرّت هذه الشعائر ـ والتي من جملة سماتها الخاصّة مكان العزاء وسائر أشكاله ولوازمه… ـ داخل الإطار المقدَّس للدين؟ وكيف ينشأ لدى المشاركين والقيِّمين على العزاء شعور ديني جرّاء إقامتهم لمراسمه؟ وكيف يمكن الدفاع عن معقوليّة هذه الأعمال، وعن معقوليّة توقّع سلسلة من الآثار الدنيويّة والمعنويّة والأخرويّة عليها؟

وتحتاج هذه الأسئلة في الحقيقة إلى بيان حقيقة العزاء. لذا كان لا بدّ من تقديم نظريّة بمقدورها الجواب عن هذه الأسئلة من وجهة نظر فلسفيّة. وهذا هو موضوع المحور التالي من هذا المقال.

 

 3ـ بيان وتفسير حقيقة الشعائر الحسينيّة ــــــ

يبدو أنّ لدى مفكِّري الشيعة قراءتين اثنتين لثورة عاشوراء، والشعائر التي تُقام في ذكراها.

أما القراءة الأولى فلا تبالي كثيراً بالتحليل العقلانيّ للواقعة، والنتائج الناجمة عن شعائر العزاء. وهي ترى أنّه من غير المقدور للإنسان العاديّ أن ينال الحكمة من وراء أصل الواقعة.

بينما تتعرّض القراءة الثانية للتحليل العقلانيّ لأصل الواقعة، ونتائج مراسم العزاء، على مختلف الأصعدة الدينيّة والسياسيّة والدنيويّة.

وإضافةً إلى وجهة نظر كاتب هذه المقالة في تحليل ونقد هاتين القراءتين، فهو يعتقد بأنّ أصل واقعة كربلاء؛ باعتبارها انعكاساً لأمر قدسيّ، تتضمَّن رؤيتين اثنتين: إحداهما: عقلانيّة؛ والأخرى: فوق عقلانيّة. وعلى هذا الأساس يمكن تفسير كيفيّة ظهور «الأمر القدسيّ» في إطار الشعائر والمراسم ذات الطابع الثقافي.

 

3 ـ 1ـ القراءة التقليديّة لواقعة كربلاء، وللشعائر الحسينيّة ــــــ

يُنظَر إلى عاشوراء ـ حسب هذه القراءة ـ كحادثةٍ كان الإمام الحسين× يعلم بوقوعها([9]). ومن هنا فهم يرَوْن في تبريرها أنّ أحداث شهادة الإمام وأصحابه ووقوع أهل بيته في الأسر كانت هدفاً في حدّ ذاتها، وأمراً له موضوعيّته([10]). وقد كانت هذه النظرة سبباً في ظهور نحوٍ من التعامل مع هذه الواقعة الدمويّة وأسر أهل البيت^، بشكلٍ يلائم ما يقع وراء دائرة التحليل العقلي، وما لا تناله يد الإدراك.

ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ اتّجاه التحليل العقلانيّ للوقائع والحوادث هو اتّجاه جديد. فلم يكن في الفكر التقليدي اهتمامٌ بهذا النوع من التحليل للظواهر، وخاصّة إذا كانت على صلة بساحة الدين المقدَّسة. ومن هنا فلا يمكن الادّعاء بأنّ التقليديّين كانوا يفتقدون القدرة على فهم وتحليل هذه الثورة. فهم ـ على سبيل المثال ـ يرَوْن إمكان إدراك سرّ امتناع الإمام عن بيعة يزيد، والعمل على إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء المعايير الشرعيّة([11])، ولكنْ مع ذلك تبقى هذه الثورة غير قابلة لأن يقتفي أثرها الآخرون، فهي ـ بحسبهم ـ لا تقتضي الحكم بوجوب السعي في ساحة الأمر بالمعروف ـ والذي من جملته: تشكيل الحكومة الإلهيّة ـ وكذلك النهي عن المنكر إلى حدِّ بذل الروح والمال؛ حيث يحتملون أن يكون لمثل ثورة الإمام الحسين بعض الخصوصيّات المانعة عن تعميمها([12]).

وهكذا، وبنفس أسلوب التقليل من شأن تحليل أصل الواقعة، فإنّ التقليديّين لا يتعرّضون كذلك إلى التحليل العقليّ لشعائر العزاء، وإلى بيان موقعها ووظيفتها، وينصبّ اهتمامهم فقط على أنّ إقامة العزاء على مظلوميّة سيّد الشهداء هي أمرٌ عباديّ؛ استناداً إلى الأخبار الواردة. والمؤمنون مطالبون بأن يُظهروا علامات الحزن والأسى والبكاء والنحيب بأيِّ نحوٍ ممكن، بشرط عدم ارتكاب المحرّمات([13]).

وعليه فإنّ كلّ الموارد التي ينطبق عليها العنوان الكلّي لهذا النحو من شعائر العزاء سيشملها الحكم باستحباب إقامة العزاء. وفي هذا النوع من التعاطي لا نلاحظ جهداً يُبذَل من أجل الرؤية العقلانيّة للأدوار والوظائف التي تؤدّيها هذه الشعائر، وكذلك من أجل جعلها ظاهرةً مفهومة لدى الناس.

ويبدو؛ من خلال هذا النوع من التعاطي، أنّ إقامة العزاء على سيّد الشهداء له موضوعيّة وأهميّة في حدّ ذاته، ولا ينظر إليه بنحو الطريقيّة. لذا فهو لا يقدِّم جواباً واضحاً لمَنْ يبحث عن عقلانيّة عملٍ ما بالنظر إلى فوائده وثماره؛ إذ ما هو الأثر الديني لنفس البكاء والنحيب؟! وما الحكمة الكامنة وراء ذلك؟!

نعم، للمدافعين عن هذه النظريّة أن يجيبوا بأنّ هذا النحو من إقامة العزاء يُعدّ عبادةً، ويهيّئ أسباب القرب من الله سبحانه وتعالى.

 

3 ـ 2ـ القراءة الجديدة لواقعة كربلاء، وللشعائر الحسينيّة ــــــ

يلاحَظ أنّ الشيخ المفيد والسيد المرتضى ـ واللذين هما من علماء الشيعة المتقدِّمين ـ لا يؤكّدان بصورةٍ واضحة، في عرضهم ودراستهم لواقعة عاشوراء، على قضية العلم المسبَق للإمام باستشهاده بعد خروجه، وأنّه× توجّه إلى كربلاء والكوفة لمجرّد نيل الشهادة. وهما يقدِّمان تحليلاً لسير الوقائع يظهر منه أنّ الإمام تحرّك باتجاه الكوفة طبق علمه العاديّ، قاصداً إجابة دعوة أهلها لتولّي زمام أمور المسلمين، وأنّه كان مطمئنّاً لنجاحه في ذلك([14]).

إذا كان هذا النحو من النظر والتحليل هو الملاك فستصبح عاشوراء واقعة عاديّة قابلة للفهم. ومن ناحية أخرى سعى الكثيرون في الفترة الأخيرة إلى تحليل هذه الواقعة على أساس الأهداف الدينية والسياسية والاجتماعية الملموسة، والتي هي في متناول فهم الجميع([15]). فنظراً لما يتّسم به هذا العصر من عقلانيّة سعى العديد من المفكِّرين المسلمين ـ الذين كانوا يبحثون عن تكوين مدرسةٍ ملهمة تسعى نحو الإصلاح الاجتماعي المستند إلى الأصول الإسلاميّة ـ إلى تحليل حادثة عاشوراء على ضوءالأهداف المتقدِّمة. هذا مع أنّ الكثيرين منهم ـ بمَنْ فيهم الشهيد مطهّري ـ كانوا يعتقدون بعلم الإمام السابق بشهادته. ومن هنا فإنهّم لم يكونوا ينظرون إليها كواقعة فريدة لا تقبل الاقتداء، بل كانوا يعدّونها منتميةً إلى تيّار عامّ، وقاعدة كليّة، وتكليف شامل، لا بدّ على أساسه من المقاومة والصمود حتّى آخر رمق؛ في سبيل إعلاء كلمة الحقّ. ولهذا السبب فقد تمّ التأكيد فيها قبل كلّ شيء على ضرورة معرفة الدافع الكامن وراء ثورة الإمام الحسين×، والذي يُمكن للجميع استيعابه، والاقتداء به، حسب هذه القراءة. كما تمّ في هذا الإطار التعرُّض لنقد النظرة التقليديّة بشكل عامّ، والخُطباء الذين أَوْدَعوا هدف الإمام الحسين× في وادي النسيان بشكلٍ خاصّ([16]).

وأمّا في ما يخصّ طبيعة هدف الإمام الحسين× من نهضته فليس بين أيدينا فهمٌ كامل الانسجام؛ حيث يُصرّ البعض بشكلٍ كبير على أنّه× كان يسعى نحو إقامة حكومة إسلاميّة([17]). غير أنّ هذا لا يتلاءم أبداً مع علمه السابق بشهادته. ومن هنا فقد عدّ بعضهم نفس الشهادة هدفاً من وراء نهضته×، وفسّروا ذلك بأنّ الشهادة التي تقع في سبيل هدف رفيع وقضيّة عادلة هي في حدّ ذاتها هدف له موضوعيّته. والشهادة في سبيل المبادئ السامية وترجيحها على الحياة تحت نير الظلم هي هدفٌ يُمكن للجميع اتّباعُه، والانضواء تحته([18]). وعليه تُعدّ الشهادة في حدّ ذاتها بمثابة مبدأ يُمكن التأسّي به على مستوى اجتماعي؛ للجهاد في سبيل الوصول إلى أهداف اجتماعيّة. وتكون هذه النظرة متميّزةً من هذه الناحية عن النظرة التقليديّة، التي تعتقد بدورها بتوفُّر الشهادة على نحوٍ من أنحاء الموضوعيّة أيضاً.

وأمّا النظريّة الثالثة فقد استخدمت في تحليلها لهذه الحادثة مجموعةً من الأهداف القابلة للفهم، من قبيل: الامتناع عن مبايعة حكومة يزيد ـ والتي تُعدّ في الحقيقة بمثابة كفاحٍ سلبي ـ؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حبّ الشهادة؛ وما يماثل ذلك…([19]).

وبصورة عامّة تقدِّم لنا هذه النظريّة تفسيراً عقلانيّاً عن الواقعة، ممكن الفهم، ويتكّئ على مجموعة من الأهداف الشرعيّة والعقلانيّة ذات طابع دينيّ وسياسيّ واجتماعيّ. وتستند إلى هذا التفسير محاولاتٌ تسعى إلى تقديم رؤية معقولة ومفهومة لمختلف مظاهر العزاء([20]).

ويُصرّ بعض التجديديّين ـ فوق كلّ شيء ـ على مسألة فهم نهضة الإمام وأهدافها التعليميّة. ويرَوْن أنّ انشغال الناس بإقامة مختلف مراسم العزاء يُفضي إلى عدم إدراك أهداف الإمام الحسين× وتعاليمه. غير أنّ عدّةً آخرون فَنَّدوا هذه النظريّة([21])، واعتقدوا بتوفُّر العزاء ـ الذي يقبلون بجنبته العباديّة ـ على بعض المظاهر الإيجابيّة، والتي باستطاعتنا أن نلخّصها في ما يلي:

1ـ إقامة العزاء هي العنصر العاطفيّ في ارتباط الناس بالإمام الحسين× وأهدافه.

2ـ ينتج عن إقامة العزاء تجمّع دينيّ ثوريّ، لا يُوجب تثبيت إيمان الناس بالإسلام والتشيّع فحَسْب، بل يؤدّي كذلك إلى الرفع من مستواه؛ وبذلك سيبقى الإسلام مصوناً.

3ـ لإقامة العزاء أساسٌ تنظيمي بسيط، لكنّها تشتمل على نطاق دينيّ واسع، يُمكننا الاستفادة منه في سبيل إحداث ثورة دينيّة وشعبيّة ضدّ الظلم والطغيان.

4ـ من شأن إقامة العزاء أن تُؤدّي إلى انتقال ثقافة الشهادة من جيلٍ إلى آخر في الوسط الشيعي، أو سيكون بإمكانها التوفُّر على مثل هذه الوظيفة إذا ما كانت مصحوبةً بالتعرُّف على الأهداف الكامنة من وراء نهضة الإمام الحسين× وتضحيته.

وكما لا يخفى فإنّه ليس بمقدورنا عدّ هاتين القراءتين (التقليدية والتجديدية) منفصلتين تمام الانفصال، بل هما في الحقيقة بمثابة رأسَيْن لتيّار فكريّ واحد؛ حيث يتمّ في إحداهما (القراءة الأولى) التعرُّض بنحوٍ أقلّ لدراسة الجانب العقلانيّ، الذي يُمكن أن يفهم من واقعة عاشوراء، بينما يتمّ التأكيد في الأخرى (القراءة الثانية) على جوانبها السياسيّة والاجتماعيّة، دون الاعتناء بجانبها فوق العقليّ. وإذا ما تمّت الإشارة فيها إلى بعض جوانبها العرفانيّة فقد سُعي إلى تقديم تفسيرٍ قابل للفهم، لا أثر فيه لعنصرٍ من العناصر الغامضة والمحيّرة.

وفي ما يخصّ مظاهر العزاء يُمكن القول: إنّها تحظى بالتأييد الشرعيّ في كلتا القراءتين، ما دامت تُعدّ من مصاديق إقامة العزاء.

وأمّا التساؤل حول كيفيّة اكتسابها ـ في ذاتها، وفي أعين مقيميها ـ صبغةً وحياة دينيّين (معنويّين)، مع ما يطغى عليها من صبغة ثقافيّة وتاريخيّة؟ وحول كيفيّة غرسها لذلك الإحساس الخاصّ الذي يتَّسم بالقداسة فيهم، ممّا يجعلهم يشعرون أنّهم يحيون في حقل الجاذبيّة المقدَّسة للإمام الحسين×؟ فالجواب عن ذلك هو الوجه المميِّز للاتّجاه الثالث عن الاتّجاهين السابقين. وعلينا الآن أن نرى كيف أجاب هذا الاتجاه عن ذلك؟

3 ـ 3ـ الاتّجاه التأويلي: الدين، المقدّّس، وحادثة عاشوراء ــــــ

جاء في القرآن الكريم: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا [آيات الله وعلاماته] فِي الآفَاقِ [أي في السماء والأرض، الحجر، الخشب، النجوم وفي كلّ شيء] وَفِي أَنْفُسِهِمْ‏ [والتي يُمكننا أن نعدّ منها الظواهر والحالات الذهنيّة، والمواقف، والشعائر، والأفعال الإنسانيّة] ﴾ (فصّلت: 53).

وفي هذا التجلّي يتّضح للإنسان المعنى الحقيقي والباطني للآيات القرآنيّة ـ والذي يُطلق عليه بحسب الاصطلاح القرآني اسم «التأويل» ـ، وبه تتّحد قوّةُ الإنسان العاقلة مع قواه الباطنة، فيُدرك وجوده الخاصّ كآيةٍ من آيات الله تعالى، ويتجلّى له عالم الوجود، وتتجسّد له الظواهر الطبيعيّة ـ كما ورد في القرآن الكريم ـ على أنّها آياتٌ إلهيّة.

لا ريب أنّه لو أردنا أن نبحث عن النموذج الكامل لهذا التجلّي في «الآفاق» و«الأنفس» لعثرنا عليه في روح «النبيّ|» وأوليائه الحقيقيّين، الذين يُعدّون بمثابة روح العالم كلّه. وفي هذا المجال يُعتبَر الإمام الحسين× بحقٍّ من المصاديق البارزة لتجلّي الأمر الإلهي، وبعبارة أخرى: لتجلّي الأمر المقدَّس؛ حيث يمثِّل، وفقاً للروايات المأثورة، روح العالم، وتمثِّل حادثة عاشوراء التي عاشها أكبر آثاره الوجوديّة، وأدومها خلوداً، كما أنّها تعدّ في حدّ ذاتها منشأً ومقدّمةً لسلسلة حيويّة وفعّالة من التجارب والحالات القدسيّة والمعنويّة، وكذلك لظهور بعض الشعائر المقدَّسة وسط الشيعة. كيف لا؟! وهي التي ينعتها بعضُ المفسّرين بمصداق «الذبح العظيم».

لكن قبل ذلك يُطرح علينا تساؤل مفاده: كيف يُمكن أن نعدّ الشعائر الحسينيّة ومراسم إقامة عزاء الإمام الحسين× نوعاً من أنواع التجلّيات الإلهيّة في «الأنفس»؟ وجواباً عن ذلك ـ واستناداً إلى الارتباط الحيويّ بين الوجدان الشيعي، الذي هو جزء من الجاذبيّة القدسيّة للإمام الحسين×، وبين هذه الشعائر ـ يُمكن الادّعاء بأنّ هذه الشعائر ظهرت من خلال هذا الوجدان الحيّ، وأنّها تلعب دوراً خلاّقاً، وتنهض بعبء تفعيل هذا الوجدان. ولكنْ رغم ذلك، إذا أردنا تحليل هذه المسألة ـ ذات الجذور القرآنيّة ـ بشكلٍ مفصّل وواضح فيمكن أن نفيد من التحليلات التي قدّمها بعض الباحثين الدينيّين، الذين انصبّت دراساتهم على تحليل طبيعة الأمر القدسيّ، وطريقة إعادة إنتاجه في قالب شعائر ومناسك دينيّة([22]).

وبحسب الظاهراتيّين (الفينومينولوجيّين) يحتوي الدين ـ الذي هو من جنس «الأمر القدسيّ» ـ على جانبين اثنين: أحدهما: عقلانيّ؛ والآخر: فوق عقلانيّ([23]). فهناك العديد من التعاليم الدينيّة نستطيع إدراكها وفهمها وتحليلها بواسطة العقل، بل حتّى تعريفها وتفسيرها، وذلك بالاستعانة بمجموعة من الصفات والمفاهيم. وفي الحقيقة فإنّ هذا الجانب من الدين هو ذو طبيعة عقلانيّة، أي إنّه لا يعلو على فهم الإنسان وإدراكه، ولذلك يتمّ الاعتقاد به، ويمكن الوصول إليه، وإنْ أمكن أن يختلف تفسير هذه السلسلة من العقائد عن التفسير الاعتقادي المتَّبع في العلوم الدقيقة وأمثالها. وقد بحث فلاسفة الدين مفصَّلاً في تفسير الاعتقاد بالتعاليم الدينيّة ومعقوليّته. وفي الواقع لو أفرغنا الدين من بُعده المعرفيّ والعقلانيّ، الذي يمنحه تصوّرات مفهوميّة، ويجعل منه موضوعاً للاعتقاد، فسنكون قد هبطنا به إلى مستوى الشعور المحض، والأسماء الفارغة، التي لا تعدو كونها مجموعةً من الصور المبهمة.

لكنْ، ومع ذلك، من الخطأ أن نعتقد بأنّ في مقدورنا إدراك الدين وتصوُّره تصوُّراً مفهوميّاً في جميع أبعاده ـ بما فيها الذات الإلهيّة ـ تصوُّراً جامعاً مانعاً، ضمن إطار مجموعة من المفاهيم المأنوسة لدى العقل. وكمثال على ذلك: تدلّ القضيّة القائلة: «لا يُمكننا تحديد الله بالصفات والمفاهيم التي ننعته بها» على أنّه تعالى موجودٌ فوق العقل، وأنّ جميع النظُم المفاهيميّة المتَّبعة لفهمه وإدراكه بشكلٍ كامل هي ناقصة وقاصرة، ومع هذا يلزم أن يكون له تواجدٌ على مستوى بواطن عقولنا وإدراكاتنا؛ بمعنى أنّه لا ينبغي عدُّه منفصلاً تماماً عن عقل الإنسان وإدراكه، وإلاّ لما استطعنا أن نقول عنه أيَّ شيء. وبناءً على ذلك فسيتحوّل العرفان والتجربة الدينيّة إلى أمورٍ تأبى البيان، ولا يُمكن شرحها أو تصويرها عبر المفاهيم.

وبحسب بعض الظاهراتيّين، نظير: «رودلف أوتو»، يمثِّل هذا البُعد من الدين الجهة القدسيّة منه، والتي تتوقَّف عليها حياته([24]). وهو أمرٌ فوق نطاق العقل (وليس مضادّاً له، ولا مناقضاً)، وفي الوقت نفسه له نحوٌ من أنحاء الحضور على مستوى الباطن، وذلك في مرحلة سابقة ومتقدِّمة على جميع الإدراكات العقليّة والتجارب المعنويّة.

ولتفسير واقعة عاشوراء بالاستعانة بـ «الأمر القدسيّ»، وكيفيّة إعادة إنتاجه في قالب شعائري ومراسمي، نحتاج في البداية إلى تعريفه بشكلٍ دقيق، وكذلك إلى بيان كيفيّة توقُّف حياة الدين عليه. كما ينبغي توضيح كيفيّة بيان هذه الأمور والمنهجيّة المتَّبعة في ذلك.

 

ما هو الأمر القدسيّ؟ ــــــ

من أجل بيان حقيقة الأمر القدسي سنسعى إلى تقديم تقرير مختصر حول نظريّة اثنين من أبرز الظاهراتيّين:

1ـ كما سبقت الإشارة يرى «أوتو» أنّ للأمر القدسي بُعدين: أحدهما: عقلانيّ؛ والآخر: ما فوق عقلانيّ. والجانب الأهمّ والأكثر إحكاماً هو ما فوق العقلانيّ؛ حيث تتوقّف عليه حياة الدين. وبهذا البعد يُعدّ الأمر القدسي أمراً «مغايراً تماماً»، يأبى عن التعريف، ويخرج عن المجال الإدراكي والتصوّري والمفهومي للإنسان، ولا يُمكن فهمه أو الإشارة إليه إلاّ من خلال تعاليم وأشكال رمزيّة. ومن هنا فإنّه يُعتبر أمراً مُحيِّراً وغامضاً، بحيث تعرض للإنسان عند مواجهته لهذه الحالة (أي الحقيقة القدسيّة) تجربة وشعور خاصّان، لا يُمكن الاستعاضة عنهما بأيّ حالة أو شعور آخرين. وفي هذه الصورة يشعر بالعظمة المهيبة القاهرة التي يتّصف بها ذلك الأمر المكتنف بالأسرار؛ فمن جهة أولى يبعث فيه ذلك الجلالُ والعظمة الإحساسَ بالمخلوقيّة والارتهان المطلق؛ ومن جهة أخرى يتجلّى فيه المقدَّس في أوج العظمة والسطوة والتعالي بكلّ ما للكلمة من معنى([25]).

وبحسب هذا الرأي فإنّ وظيفة تلك التوصيفات الكنائيّة والتمثيليّة ـ التي تُشير إلى الحقيقة القدسيّة بشكلٍ رمزي ـ تكمن في إعانة الآخرين على تكرار تجربة الأمر القدسي، والمساعدة في إعادة تشكيل الظروف التي تُفضي إلى تبلور هذه التجربة. وتتميّز مجموع الشعائر والمراسم الدينيّة بامتلاكها لمثل هذا المضمون [الوظيفي]([26]).

والإشكال الذي يواجه تفسير «أوتو» للأمر القدسي هو أنّه إذا ما خرجنا شيئاً ما ـ على حدّ زعمه ـ عن دائرة الخصائص المعرفيّة، التي لا يُمكن أن تتعلّق بها معرفة الإنسان أبداً، فكيف يتسنّى لنا أن نستخلص الحقائق والتعاليم الدينيّة من الأمر القدسي؟! وإذا ما رُمنا وصفه من خلال الاستعانة بالتمثيل فإنّ مثل هذا التوصيف مستلزمٌ في نفسه للكون على معرفة ـ ولو يسيرة ـ بهذا الأمر القدسيّ، ولذا كان بمقدور الإنسان أن يعرف أيّ الأوصاف مناسبة لتلك التجربة والحقيقة القدسيّة([27]).

ومع التسليم بهذا الإشكال على تفسير «أوتو» للأمر القدسي ـ والذي يبدو أنّه واردٌ فعلاً ـ فهو يدلّ على ضرورة إدراك الإنسان بنحوٍ من الأنحاء للحقيقة القدسيّة، لكنّنا لا نستطيع في الوقت نفسه أن ننفي عنها البُعد ما فوق العقلاني، الذي يستعصي على العقل تحليله وفهمه.

2ـ وفي سبيل تتميم نظريّة «أوتو» يلجأ «ميرسيا إلياد» بدوره إلى تقسيم الأشياء إلى: مقدّسة؛ وغير مقدسّة (مدنّسة)([28]).

ويرتبط المقدّس ـ حسب اعتقاده ـ بمجال ما فوق الطبيعة، ويُنظر إليه عادةً كأمر خارقٍ للعادة، خطير، أبديّ، قادر، قاهر، ومُفعم بالقوّة، بحيث يشعر الإنسان عند مواجهته بأنّه قد اتّصل بشيءٍ مرتبط بعالم آخر، ومختلف تماماً عن واقعيّات الحياة؛ بينما يتعلّق المدنَّس ـ والذي لا يمتلك مثل هذه الصفات ـ عادةً بمفردات الحياة اليوميّة وضروريّاتها وشواغلها([29]).

 

كيف يتسنّى لنا تفسير المقدَّس؟ ــــــ

يرى «أوتو» أنّ الحقيقة القدسيّة؛ حيث كانت تصعب على الفهم المنطقي والتصوّري، فإنّها تأبى كذلك عن النقل والانتقال، وينحصر إمكانها في الانبعاث والوجود والظهور. ويتحقَّق ظهور الحقيقة القدسيّة في التجربة الإنسانيّة من وجهة نظر «أوتو» من خلال صورتين: تتجلّى الأولى في الوحي الباطني من قِبل روح القدس؛ والثانية في نوع من أنواع الوحي الخارجي.

والمراد من الوحي الخارجي هو الآيات والعلامات التي تُجلّي قدسيّة الله([30]). وقد تكون هذه الآيات عبارة عن حوادث تأبى عن التفسير بحسب قوانين الطبيعة([31])؛ كما ربما تكون أشخاصاً يمتلكون أسلوباً في الحياة يدفعنا إلى أن نعثر بدورنا ـ عن طريق الشهود والإحساس ـ على قدرة تجلّي وحضور الألوهيّة([32])؛ وقد تكون أيضاً مجموعة من الشعائر والمراسم الدينيّة ـ سواءٌ كانت مناسك شرعيّة أو كانت من وضع البشر ـ تُتيح للآخرين تكرار تجربة الأمر القدسيّ([33]). وبصورة عامّة فإنّ من شأن هذه الآيات والعلامات ـ بحسب «أوتو» ـ أن تُتيح للناس الوصول إلى حالة وإحساس معنويّين، قد يختلفا شدّةً وضعفاً، وأن تُمكِّنهم من تجربة الحقيقة القدسيّة، والإحساس بها، ولو بمستوى ضعيف.

ويقدِّم «ميرسيا إلياد» إجاباتٍ واضحة عن تلك التساؤلات، التي تتمحور حول كيفيّة تفسير الأمر المقدّس؟ وكيف يتسنّى إعادة إنتاجه بأشكال متعدِّدة؟ وكيف يمكن بذلك أن تحوز بعض الأماكن والأشخاص والأشياء و… بُعداً قدسيّاً؟ وما هو الدور الذي يلعبه الدين في هذا المجال؟

وفي اعتقاده فإنّ جميع الأشياء: الزمان، المكان، الإنسان، الحيوان، الحجر، والخشب، تمتلك القدرة على أن تكشف من ذاتها ـ في اللحظة المناسبة وعلى إثر تجربة دينيّة ورؤيا ومكاشفة ـ عن علامة تُعدّ ـــ بحسب نظرة شخصٍ ما أو فهم مجموعة من الأشخاص ـ بمثابة تجلٍّ للأمر القدسي، وآية على الله الدائم الأزلي وخالق جميع الأشياء. لكنْ ما إنْ يتحقّق الأمر القدسيّ حتّى تتشكّل تبعاً لذلك مجموعة من الأمور والأفعال المقدّسة، بحيث تصير جميع الأشياء المرتبطة به متمتّعةً بهذه القداسة. وأمّا المهمّة المناطة بالدين فتكمن في «تهيئة ظروف الاتّصال بالأمر القدسيّ وتنميتها»([34]).

إذاً علينا ـ والحال هذه ـ أن نرى كيف يُمكننا بيان وتفسير حادثة عاشوراء، ومراسم العزاء المرتبطة بها، من خلال فكرة الأمر القدسيّ، والتوضيحات التي ذكرناها.

 

العلامات الحاكية عن تجلّي الأمر القدسيّ في حادثة عاشوراء ــــــ

تعتبر عاشوراء واقعةً فريدة من نوعها، وغامضةً من عدّة جهات. ولهذا بإمكاننا أن نعدّها آية واضحة من آيات تجلّي الأمر القدسيّ. كما أنّها تعدّ تجربة من تجاربه؛ فقد كان كلام الإمام كلّه مشحوناً بذكر الله، تشهد على ذلك الحالات النفسيّة والمعنويّة التي كان يعيشها هو وأصحابه. وأمّا من ناحية السلوك والمواقف فإنّنا نلحظ في هذه الحادثة تجلّياً لأكثر الأفعال أخلاقيّةً ومعنويّةً؛ حيث يقوم× في سبيل نيل رضوان الله تعالى بترجيح شهادةٍ شبه جماعيّة، وأسر أهل بيته، مع ما يفرضه ذلك من شدائد ومصاعب من حيث الحياة اللاأخلاقيّة، التي تُعدّ ـ بنحوٍ من الأنحاء ـ تأييداً للظلم والعدوان.

وقد خيضت تجربة هذه الواقعة كأمرٍ قدسيّ في الماضي والحاضر؛ حيث تشير العديد من الروايات إلى ظهور بعض الآيات غير الطبيعيّة في السماء والأرض، تحكي عن تأثّرهما بها([35])، بالإضافة إلى حكاية بعض الروايات عن طروّ تغييرات خارقة للعادة على السماء والأرض، وتأثّر الطبيعة في يوم عاشوراء بعد انقضاء سنوات عديدة على شهادته×([36]). وبغضّ النظر عن صحّة هذه الروايات أو سُقمها فإنّها تحكي عن اعتقاد وتجربة بعض المؤمنين، الذين تعاملوا مع حادثة عاشوراء كأمر قدسيّ، وعاشوا تجربتها بهذا الشكل.

وتوجد بين أيدينا العديدُ من القضايا حول أصحابه×، التي تؤيِّد حضور هذه التجربة بينهم. ومن باب المثال: في نفس الوقت الذي كان فيه زهير بن القَيْن متأكِّداً من استشهاد الإمام× فقد تغيَّر حاله ومساره إلى درجة أنّه غادر الحزب الأمويّ، وانفصل عن أهله وأولاده، والتحق بالإمام×، ليصمد ويستميت حتّى آخر رمق. وعلى ضوء بعض الروايات المنقولة، وإثر حوار مُفعَم بالوفاء والإخلاص، فقد تمَّ رفع الحجب عن أعين أصحاب الإمام، ورأَوْا مواضعهم في الجنّة([37]). وتُمثِّل هذه الموارد نماذج حيّة على هذه التجربة.

وكما ذكرنا سابقاً فإنّ الأمر القدسيّ يحتوي على وجهين: الأوّل: عقلاني؛ والآخر: ما فوق عقلاني. ويُمكننا أن نُشاهد نوعاً ما هذين الوجهين في حادثة عاشوراء أيضاً؛ إذ تكتنف الأسرار هذه الواقعة من عدّة جهات. فمن باب المثال: تحكي لنا بعض الأخبار عن أنّ الإمام× كان مطَّلعاً على استشهاده في هذا السفر، وأنّ هذه الحادثة كانت معلومةً عند الأنبياء ونبيّ الإسلام وأهل بيته^ بشكلٍ مسبق، كما أنّ الإمام عزم على الرحيل بقصد الشهادة. وفي نفس الوقت الذي كان يعلم فيه بحصول هذه المسألة فقد حمل معه أهله أيضاً، وقد رأى في المنام الرسول الكريم يقول له: شاء الله أن يراك قتيلاً([38]).

وتُشكِّل مثلُ هذه النماذج العناصرَ ما فوق العقلانيّة لحادثة عاشوراء. ويبدو أنّ هذا البُعْد فيها هو المنبع والمنشأ الأساس لتجلّي الحيرة، وتحقّق حالة قدسيّة ومعنويّة، وقد أدّى بنفسه إلى المحافظة على هذه الحادثة حيّةً ومُفعمةً بالحياة الدينيّة.

ليس باستطاعتنا أن ننظر إلى أبعاد هذه الواقعة بحذافيرها على أنّها فوق فهم الإنسان وإدراكه؛ إذ إنّها لا تستعصي بأجمعها على الفهم والتحليل في إطار الشريعة، وذلك من قبيل: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ الامتناع عن مبايعة الحكومة الفاسدة؛ ومن قبيل: بعض الأهداف نظير: المطالبة بالعدل؛ وحتّى إقامة الحكومة المعنويّة والإلهيّة ـ الإسلاميّة. فمن هذه الجهة تُعدّ عاشوراء حادثةً ملهِمةً وجديرةً بالتأسّي على مستوى العمل السياسيّ والاجتماعيّ والدينيّ. وعليه يكون هذا البُعد من واقعة عاشوراء قابلاً للفهم بالنسبة لنا، وغير معارض لبُعدها ما فوق العقلاني. لكنْ، وكما ذكرنا سابقاً، فإنّ الاعتماد على البُعْد العقلاني لهذه الحادثة ـ الذي يكون في متناول إدراكنا ـ فحَسْب لن يُمكِّننا من تفسير الحياة الدينيّة المفعمة بالحرارة والشوق التي تشتمل عليها؛ إذ إنّ الواقعة التي تُعدّ من الناحية العقليّة ضروريّة لسدّ الاحتياجات الدنيويّة والاجتماعيّة والدينيّة قد تُلاقي الترحيب الواسع ما دام ذلك الشعور بالحاجة موجوداً، لكنّه سيكون ترحيباً محدوداً ومؤقّتاً، لا ثابتاً ودائماً.

عند الاتّكاء على هذا النوع من التفسير لعاشوراء ومسألة الأمر القدسي سيسهل علينا الجواب عن التساؤل الذي يقول: كيف وعلى أيّ أساس يُمكننا عدّ مراسم العزاء دينيّةً وقدسيّةً؟ وكيف يُمكن للمؤمنين أن يعيشوا تجربتها بهذا الشكل؟ وما هي وظيفتهم في ذلك؟

فهذه المراسم تُعين المؤمنين الذين يُشاركون فيها على تكرار تجربة الأمر القدسيّ التي عاشها المؤمنون في كربلاء، وبالتالي نستطيع أن نُدرك جيّداً معنى كلام «إلياد» حول هذه الشعائر، والشبكة الواسعة من المقدّسات المرتبطة بها: «ما إن يتحقّق الأمر القدسيّ حتّى تتشكَّل تبعاً له مجموعة من الأمور والأفعال المقدّسة، بحيث تصير جميع الأشياء المرتبطة به متمتّعةً بهذه القداسة». وتُشير هذه النقطة بشكلٍ واضح إلى كيفيّة ظهور شبكة واسعة من المراسم والأمور المرتبطة بها ـ والتي مصدرها عاشوراء ـ، وكيفيّة استمدادها للقدسيّة منها. ويسعى المؤمنون عن طريق إقامة هذه المراسم إلى أن تتكرَّر بالنسبة لهم تجربة الأمر القدسيّ في أبهى حالاتها، فتُصبح عمليّة التأثُّر والتعلّم ـ تبعاً لتكرار تلك التجربة، والمشاركة فيها ـ مُتاحةً في الجانبين: العقلانيّ؛ والاجتماعيّ.

 

4ـ كيف يُمكننا نقد وإصلاح مراسم العزاء؟ وما هي الأسس المعتمدة في ذلك؟ ــــــ

كما بيّنّا سابقاً تمتلك مراسم العزاء، والشبكة الواسعة من المظاهر التي تُحيط بهذا المفهوم ـ من الناحيّة الشكليّة ـ، جانباً ثقافيّاً وتاريخيّاً، أوجده مقيمو العزاء، بحسب أذواقهم وسليقتهم الفنّية والثقافيّة والحضاريّة. ولهذا السبب، وفي نفس الوقت الذي تتموضع فيه هذه الشعائر في دائرة الأمر القدسي، فإنّها تقبل الأخذ والردّ، وتمتلك القدرة على الإصلاح والنقد. ومن هنا نرى أنّ الفقهاء والمصلحين الدينيّين تعرَّضوا لنقد هذه المراسم؛ فقد أبدى الفقهاء تردُّدهم في تجويز بعض أشكال مراسم العزاء، وعدّوها من مصاديق الفعل الحرام. ومن باب المثال: يُعدّ بنظر البعض كلٌّ من: التطبير، تمثيل المراثي، استعمال الطبل والناي، في مراسم العزاء من هذا القبيل. وبشكل عامّ فإنّ نقل الأخبار المكذوبة، والحطّ من شأن الإسلام، والإضرار بالنفس أو الغير، واستعمال الآلات المحرَّمة، هي عناوين تنطبق ـ بحسب بعض الفقهاء ـ على بعض صور وأشكال مراسم العزاء؛ ولهذا فإنّهم يُشكلون عليها من الناحية الشرعيّة.

ويبيّن «المحدِّث النوري» ـ وهو من المفكِّرين التقليديّين ـ في كتاب (اللؤلؤ والمرجان) بالتفصيل كيف أنّ مجموعة من المحرَّمات، وعلى رأسها الكذب، والرياء والسمعة، قد تسلَّلت بين الخطباء المنبريّين وقرّاء العزاء، وإلى مجالس العزاء. وقد سعى للإشارة إلى ضرورة تطهير هذه المجالس والمراسم من هذه الآفات؛ وذلك في سبيل المحافظة على درجة الإخلاص والأصالة التي تتمتَّع بهما واقعة عاشوراء. كما أكّد على أنّ قراءة العزاء لن تكون عبادةً إلاّ إذا اعتمدت على الصدق والأخلاق([39]).

ويعدّ المصلحون الدينيّون هذه المراسم قابلة للنقد؛ من ناحية أنّها معرّضة لخطر الخلط بينها وبين الخرافات. والظاهر أنّ تركيز الاهتمام على هذه المراسم قد أدّى إلى ظهور نوع من الشكليّة المتطرِّفة، بالنحو الذي تبدّلت معه هذه المراسم إلى هدف وغاية، وغابت عن الأذهان أهدافها، التي هي في متناول الفهم. وفي الحقيقة فقد انمحت صورة وجهها العقلاني([40]).

وبالالتفات إلى ما سبق يمكن نقد مراسم العزاء وإصلاحها؛ اعتماداً على ثلاثة أسس:

1ـ على أساس الشرع، بأنْ لا ينجرّ أيٌّ من مراسم العزاء إلى فعل الحرام. ويُعدّ الرياء والسمعة والكذب من هذا القبيل.

2ـ على أساس العقل، من جهة أن لا يكون مضمون الكلام فيها مخالفاً للمعرفة الإنسانيّة العقلانيّة. ونحن نعلم بأنّ ما فوق العقلانيّ لا يعني اللاعقلانيّة. وبعض المبالغات ـ نظير: الادّعاء بأنّ يوم عاشوراء استغرق سبعين ساعة، وأنّ الشمس توقَّفت عن الحركة؛ وذلك من أجل تفسير كيفيّة وقوع كلّ تلك الحوادث وذلك القتل الكثير في يومٍ واحد ـ هي من هذا القبيل.

3ـ على أساس الرغبة في إشباع الحسّ الجماليّ لدى الناس العاديّين؛ فصورة المراسم التي تكون مصحوبةً بالصوت والحركة ستكون جذّابة ومؤثِّرة في الحالة التي تؤدّي فيها إلى إشباع عواطف الإنسان وحسّه الجماليّ، وليس فقط حينما لا تتسبَّب في المسّ بذلك. ومن هذه الناحية ستكون المسيرات والحلقات المنضبطة لمواكب العزاء ـ التي يُقام فيها اللطم على الصدور، والضرب بالسلاسل، وقراءة الرثاء بصوت رخيم ـ مبرَّرةً، لكنْ بشرط مراعاة الشرطين السابقين، وإلاّ فإنّها ستفقد جماليّتها. وبالنظر الدقيق إلى هذا الأمر لم يُفتِ بعض الفقهاء بجواز التطبير؛ وذلك لأنّه سيُمهِّد الأرضيّة للاستهانة بالإسلام والتشيُّع، والحطّ من قدرهما في أنظار الآخرين.

وفي الحقيقة بإمكاننا أن نُضيف ملاكاً رابعاً، مفاده أنّ الشعائر والمراسم الدينيّة تبتني في أساسها على مجموعة من التعاليم المرتبطة بالصدق والكذب، والتي تُشكِّل البُعْد العقلانيّ للأديان. ولهذا فإنّ من شروط التبرير العقليّ للشعائر عقلانيّة هذه التعاليم. وعليه لو اعتمد الدين في جوهره وأساسه على اعتقادات فاسدة وغير متعقّلة فلن تستطيع الشعائر المرتبطة به أن تتوفَّر على جنبة عقلانيّة، رغم أنّها قد تُفضي إلى بروز حالةٍ وتجربة دينيّة.

ويُمكننا القول بالفصل والتمييز بين مراسم العزاء وبين الآداب والمراسم المرتبطة بالأديان الأخرى؛ اعتماداً على هذه الملاكات الأربعة المتقدِّمة.

 

الهوامش

(*) أستاذٌ وباحث في الحوزة العلمية، متخصِّصٌ في الفلسفة الغربيّة، له مجموعةٌ من الكتب والمقالات، من أفغانستان.

([1]) نقل الشيخ عباس القمّي أربعين حديثاً، بسندٍ متصل، في كتاب (نفس المهموم)، في باب فضيلة وثواب البكاء على الإمام الحسين×. (انظر: الميرزا أبو الحسن الشعراني، دمع السجوم، ترجمة نفس المهموم: 12 ـ 27؛ بحار الأنوار 42: 278 ـ 296).

([2]) انظر: علي ربّاني خلخالي، عزاداري أز ديدگاه مرجعيّت شيعه (العزاء من وجهة نظر المرجعية الشيعيّة).

([3]) الشيخ عباس القمّي، نفس المهموم، ترجمة: أبو الحسن الشعراني، تحت عنوان دمع السجوم: 259 وما بعدها.

([4]) بحار الأنوار 44: 287.

([5]) الشيخ عباس القمّي، نفس المهموم: 276 ـ 277؛ وانظر: دائرة المعارف تشيّع (دائرة معارف التشيُّع) 4: 442.

([6]) دائرة المعارف تشيّع (دائرة معارف التشيُّع) 4: 242 ـ 244، تحت مفردة: تعزية.

([7]) انظر: علي رباني خلخالي، عزاداري أز ديدگاه مرجعيّت شيعه (العزاء من وجهة نظر المرجعية الشيعيّة).

([8]) انظر: جواد محدثي، فرهنگ عاشورا (ثقافة عاشوراء): 378 ـ 388.

([9]) هذه القراءة توجد في العديد من الكتب التي تعكس النظرة الرائجة لدى الشيعة. (انظر: ابن طاووس، الملهوف على قتلى الطفوف؛ صافي الگلبايگاني، الحسين×، الشهيد البصير.

([10]) صافي الگلبايگاني، الحسين×، الشهيد البصير وقائد نجاة الإسلام: 34.

([11]) المصدر نفسه.

([12]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 21: 373.

([13]) انظر: العزاء من وجهة نظر المرجعية الشيعيّة.

([14]) الشريف المرتضى، تنـزيه الأنبياء: 227 ـ 230. وانظر: بحار الأنوار 42: 257 ـ 285.

([15]) في هذا الخصوص يمكن تقديم كتاب الشهيد الخالد، تأليف: نعمة الله صالحي النجف آبادي، كمثال.

([16]) مرتضى مطهّري، حماسه حسيني (الملحمة الحسينيّة) 3: 75.

([17]) الشيخ نعمة الله صالحي النجف آبادي، شهيد جاويد (الشهيد الخالد): 292.

([18]) علي شريعتي، مجموعة الآثار 19: 189، 361 ـ 362.

([19]) مرتضى مطهّري، مجموعة الآثار 17: 138 ـ 155، 195 ـ 212.

([20]) المصدر السابق: 110 ـ 114.

([21]) راجع: جواد محدّثي، فرهنگ عاشورا (ثقافة عاشوراء): 338 ـ 340.

([22]) تُعدّ الاستفادة المحدودة من التحليلات التي قدَّمتها هذه المجموعة من الباحثين في القضايا الدينيّة مفيدةً عند التعرُّض لبيان المسألة المبحوث عنها؛ وذلك للأسباب التالية:

1ـ على فرض أنّنا لم نتمكّن من اعتبار نظريّتهم في مجال «الأمر القدسي» تُقدّم تفسيراً كاملاً لكيفيّة ظهور الأديان، غير أنّها ـ وكما سيأتي معنا في هذه المقالة ـ تستطيع مساعدتنا في بيان وجلاء المسألة المبحوث عنها، وذلك بالمقدار الذي لا يكون القبول بها موضعاً للتأمّل والنقاش، بالنسبة لنا على الأقلّ، نحن الذين نمتلك رؤية دينيّة.

2ـ لقد بلغ الإمام الحسين× وحادثة عاشوراء حدّاً من العظمة إلى درجة أنّه لا يُمكننا أن نحصر أيّ تحليل يتعرّض لهما في قالب مفاهيمي، ونظام لغوي وفكري وعاطفي معيّن، مقدَّم من طرف أتباعه×، بل ينبغي الإفادةُ في سبيل فهمهما من كلّ كلامٍ وفكر حصيف، وبذلك تصير الثقافة المنبثقة عن الدراسات العاشورائية أكثر غنىً.

3ـ المصنّف على وعي بأنّ وضع فرضيّة عامّة وشاملة في نطاق الدراسات الدينيّة الظاهراتيّة (الفينومينولوجيّة)، ومقارنتها بالشعائر والمناسك الشيعيّة المرتبطة بإقامة العزاء، من شأنها أن تُسلّط الضوء ـ من حيث المحتوى ـ على جهات الاختلاف بين هذه الشعائر والمناسك، وبين المناسك والشعائر المرتبطة ببقيّة الأديان والمذاهب. وللتخلّص من هذا المحذور فقد تعرّضنا في الفصل الأخير من هذا المقالة، وتحت عنوان «كيف يُمكننا نقد وإصلاح مراسم العزاء؟ وما هي الأسس المعتمدة في ذلك؟»، لذكر أربعة معايير، يستطيع كلّ واحد منها في الواقع أن يُجلّي لنا ـ بنحوٍ من الأنحاء ـ الجهات التي تختلف فيها هذه الشعائر عن المناسك والشعائر في المذاهب والأديان الأخرى.

([23]) رودلف أوتو، مفهوم أمر قدسي (مفهوم الأمر القدسي): 38 ـ 42، ترجمة: الدكتور همايون همّتي. أقول: تجدر الإشارة إلى أنّه صدرت للدكتور رضوان السيّد ترجمة لهذا الكتاب إلى اللغة العربيّة تحت عنوان «فكرة القدسي»، لكنّنا التزمنا بالمحافظة على الترجمة التي اختارها المؤلِّف لعنوان الكتاب. وقد ارتأينا أن نُنوِّه إلى هذا الأمر؛ لكي لا يحصل إرباك لدى القارئ عند الرجوع للترجمة العربيّة [المترجم].

([24]) مفهوم أمر قدسي (مفهوم الأمر القدسي): 41 ـ 42.

([25]) راجع: مجموعة من المؤلِّفين، خاستگاه دين، جستارهاى در كلام جديد (منشأ الدين، دراسات حول علم الكلام الجديد): 235، إعداد: أبي الفضل المحمودي.

([26]) المصدر السابق: 236.

([27]) مايكل بترسون وآخرون، عقل واعتقاد ديني (العقل والاعتقاد الديني): 43، ترجمة: أحمد النراقي وإبراهيم سلطاني.

([28]) «المدنّس» هو التعبير الذي اختاره عبد الهادي عبّاس عند ترجمته لكلمة The profane، التي تعني ما يُقابل المقدَّس. راجع: ميرسيا إلياد، المقدّس والمدنّس، ترجمة: المحامي عبد الهادي عبّاس. [المترجم].

([29]) راجع: خاستگاه دين، جستارهاى در كلام جديد: 239.

([30]) مفهوم الأمر القدسي: 246.

([31]) المصدر السابق: 267.

([32]) المصدر السابق: 284 ـ 386.

([33]) خاستگاه دين، جستارهاى در كلام جديد: 236.

([34]) المصدر السابق: 239 ـ 240.

([35]) الشيخ عباس القمّي، نفس المهموم، ترجمة: أبو الحسن الشعراني: 195، 279 ـ 287.

([36]) الشيخ عباس القمّي، منتهى الآمال 1: 927 ـ 928، تحقيق: صادق حسن زادة.

([37]) المصدر السابق: 89 ـ 90، 116 ـ 117، 121.

([38]) جمع هذه الروايات مؤلِّف كتاب الشهيد الواعي. (راجع: لطف الله الصافي، حسين×، شهيد آگاه ورهبر نجات بخش إسلام (الحسين×، الشهيد الواعي والقائد المنقذ للإسلام): 56 ـ 72.

([39]) المحدّث النوري، اللؤلؤ والمرجان في آداب أهل المنبر، الفصلان الأوّل والثاني.

([40]) راجع: جواد محدّثي، فرهنگ عاشورا (ثقافة عاشوراء): 113 ـ 116.