الشهادة والخلود وثقافة الانتظار

23 مايو 2016
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
237 زيارة

الشهادة والخلود وثقافة الانتظار

كما لعالم السياسة منازلاته ولعالم العسكر ميدانه فإن لعالم المعرفة ساحاته العقلية وفضاءاته التي يمكنها أن تتحول لسلاح فتاك في وعي الأمة وتقدمها وازدهارها .

فالمصطلحات الفكرية والمعرفية دخلت بعد العولمة إلى ساحة المعارك الإقليمية كوسيلة لتغيير الهوية ومن ثم الانتماء ، عن طريق تغيير مكونات الهوية أي الثقافة والوعاء لكل المفاهيم والأفكار والمصطلحات الناتجة عنها وفي بيئتها، في حرب صناعة العقول وفق مشاريع الهيمنة والاستعمار الجديدة.

فعصرنا شبيه إلى حد كبير بالعصر الذي عاش به الامام الحسين عليه السلام ولم يجد فيه مخرجا وحلا وبدا إلا بثورة شاملة خالدة ، فانقلاب المفاهيم والمصطلحات وتغيير أوعيتها وبيئتها الحاضنة وقولبتها بقالب جاهلي بعد كل تضحيات النبي ص بإخراجها منه، كانت أبرز سمات ذلك العصر حيث تمت الهيمنة على العقول والقلوب ومسارات الحياة وتم رسم مسارات معينة للامة من يختار سلوك غيرها يكون مصيره الموت.

فقدم كثر مصلحتهم على الحقيقة ، ومال حب البقاء والخلود ببعده المادي على التضحية والبذل كقيم تم حرفها وتعريضها للتشويه والطمس كونها ارتبطت في الذهنية العامة بالفناء.

فالبقاء والخلود بات يعني النأي بالنفس وتقديم مصلحة الأنا على كل الحسابات بما فيها حساب الحقيقة، وقيمتي التضحية والبذل لأجل مبدأ الاصلاح وجلاء الحقيقة تم ربطهمها بالفناء والزوال في الثقافة العامة.

فالبيئة الحاضنة للبقاء والخلود كانت بيئة قرآنية تراعي فيها بعدي الإنسان المادي والمعنوي،وترسم له مسارات حياة متعددة تترك خيار أمثلها وأكملها له بعد أن تلامس فطرته في حب الخلود وتمظهر وتجلي الطريق الأقصر والأمثل المحقق له تلك الأبدية.

حيث جعلت من الآخرة حاجة عقلية تشكل ضابطة للإنسان في الدنيا من جهة ، وتشبع لديه حاجة الخلود والبقاء من جهة أخرى كون الدنيا لا بقاء فيها لأحد .

وتأسست كل المعارف البشرية والحياة الإنسانية على هذه الكلية المهمة ، فرسمت الشريعة مسارها في هذه الدنيا على ضوء هذه الحقيقة ، ومن ضمن تجليات هذه الرسمة المثالية والمحققة للخلود قيمتي التضحية والبذل ، إذ ربطتهما بالخلود وليس بالفناء ليشكلا مقومات مهمة في مبدأ الاصلاح والنهضة وعل أكمل نموذج جلى هذا الاتصال وهذا الربط هو الثورة الحسينية .

الخلود مطلب فطري في الإنسان بل جزء من كينونته وغاية من غايات وجوده ، يطمح له دوما .. بل يسعى إليه سعيا .

لكنه كمفهوم تختلف مصاديقه وتمظهراته باختلاف القاعدة الفكرية والفلسفية التي ينطلق منها .

لذلك هذا الاختلاف التأسيسي نجد صداه في الدنيا يختلف أيضا .

فخلود السماء يختلف عن خلود الأرض ، كون الأول لا يلغي السعي في خلود الجسد والروح لكنه يحفز الجسد ويرسم له معالم الخلود الحقيقي المنشود ، بينما الثاني يعتبر جل خلوده مادي فيسعى دوما لإبقاء ذكراه عامرة عبر التاريخ ، في ذات الوقت يمعن في إشباع غرائزه التي يرى فيها شيئا من خلوده .

ومع تعميم المفهوم الفلسفي المادي لمفهوم الخلود باتت قيم كالتضحية والإيثار والبذل  لا موقع لها في حياة أمم كثيرة ، كونها تتعارض مع ميلهم نحو الخلود الذي رسمت لهم معالمه تلك المبادئ المادية.

لكنها في المشروع الالهي تعتبر هذه القيم في طول مفهوم الخلود بل مكرسة ومحققة له في واقع الأمر ، ترتبط به ارتباطا محوريا وغائيا .

لا يلغي المشروع الالهي الخلود الدنيوي أبدا ، لكنه يرسم معالمه وفق المقاييس الالهية .

وللخلود مراتب تختلف باختلاف مراتب الإنسان الوجودية ، وبالتالي تختلف باختلاف اختياراته النابعة من إرادته .

فقد يعيش الإنسان ويموت ولا ذكر له في الدنيا والآخرة ، وقد يعيش ويموت وله ذكرى في كليهما ، وقد يكون له ذكرى في الدنيا ولا ذكرى له في الآخرة.

إلا أن السعي نحو الكمال أيضا مغمور بعمق في فطرة الإنسان ، ويختلف الكمال باختلاف نظرة وفهم الإنسان له ، وللكمال دور محوري في رسم معالم الخلود ، وكلما كانت مقامات الكمال أرقى كلما كان الدفع نحو معالم الخلود أرسخ ليكون خلودا في الدنيا والآخرة.

دفعني حب الخلود ونشيد الكمال دفعا لتقديم العزاء في حماة الصلاة في الشرقية التي أحتضنت الحماة في جمعتها الدامية ، تلك المنطقة الوادعة في عمق الصحراء يحوطها شجر النخيل الذي يرسم معالم هويتها ويكتب تاريخها ، وما للنخيل من دلالات أهمها بقاءه شامخا رغم قسوة ظرفه البيئي، هذا الشموخ ليس خاصا بالنبات بل هي فطرة لخلق الله كافة تتجلى في مراتبها من خلق إلى خلق لكنها كقيمة واحدة اختلافها يكون في المراتب وفق المقامات.

كان الحزن ممزوج بفرحة تكسوه لحظات اندهاش، حدث استحضر الماضي لا ليزلزل المجتمع بالفتن المذهبية، بل استحضر التاريخ ليعيد النصاب للحمة والوحدة تحت شعار الشهادة التي كللتها قيمة التضحية وحب العطاء والبذل.

هو اتصال حركي بالحسين ع وموقف عاشوراء، ليجسد الصدق مصداقا لتلك العلاقة التي نسجها الشهداء في محرم، في تلك اللحظة الحاسمة اخذوا القرار دون تردد، وانطلقوا نحو السماء غير آبهين بالموت.

إنها الشهادة التي تجذب إليها القابليات المؤهلة للالتحاق، ليلتحق من تم اختياره في ركب الشهداء.

فالشهيد شاهد وقائد بل هو رافد معرفي عميق لمحيطه

هم عند ربهم يرزقون، أي هناك ديمومه في الرزق ونظرا للمقام العالي فهذا الرزق لا أعتقده ينحصر بالشهيد، بل لأن روحه باتت في أعلى درجاتها في كل صفاتها وفي أدق درجة من الشفافية يفيض من رزقه على المحيط القريب وخواص من يسكن قلبه.

وكلما اقتربنا من قيمه وروحه ومنهجه كلما رزقنا من رزق الله له.

لا ننكر أنهم كشهداء ليسوا في مرتبة واحدة من القرب، بالتالي تختلف أرزاقهم وحيثياتها باختلاف مراتبهم، لكن الرزق بذاته ليس محصورا بهم بل هم الفيض الذي يتلقى ذلك الرزق من مركز القرب ثم يفيض على الأقرب فالأقرب.

تتجلى أرزاقهم في بعديها المادي والمعنوي، وكثيرا ما شاهدنا كيف كان بعض الشهداء سببا في هداية محيطهم إلى طريق الله .. وهذا بذاته رزق أصيل يفتح أبواب رزق كثيرة في الدنيا والآخرة .

وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا

الجن – ١٦

فالشهيد  .. فيض مستديم ورحمة تبقى تسري في كل الجوانب  لتقودنا للسلام.

لكن هذا الفيض لا يتجلى إلا في القابليات الفاعلة الناهضة، ففيض الحسين عليه السلام على الجميع لكن تلقف هذا الفيض لا يكون إلا لتلك القابليات المهيأة لفيض الشهادة.

وحماة الصلاة تلقفوا الفيض ليصبحوا بذاتهم محلا للفيض على محيطهم، وهو ما يجعل السباق على قدم وساق لتلقي فيضهم للالتحاق وإكمال مسيرة الكرامة والعدالة، في مسيرة الحسين ع التي ابتدأت من عاشوراء كحركة تأسيسية لن تنتهي مساراتها وتكتمل إلا في النهضة المباركة التي ستملأ الأرض عدلا وقسطا.

لذلك كانوا حماة الصلاة مصداق الانتظار الواعي الذي أحكم السلسلة في الحركة التأسيسية لتتصل بمن سيليها حتى تصل لذلك الموعود المنتظر.

ف”سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ”

الرعد / ٢٤