الشهيد محمد باقر الصدر رائد المشروع الوحدويّ

23 ديسمبر 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
134 زيارة

الشهيد محمد باقر الصدر رائد المشروع الوحدويّ

د. محمد صادق مزيناني(*)

ترجمة: محمد عبد الرزّاق

 

توطئةٌ ــــــ

كان لهجمات الغرب على العالم الإسلاميّ انعكاسات عديدة، فانبرى المفكِّرون والعلماء لمواجهة هذه التحدّيات عبر مشروع (وحدة الأمّة الإسلاميّة)، فدعوا كافة المسلمين إلى التضامن والاتحاد، باذلين الجهود من أجل تحقيق هذا الهدف المقدَّس، فكتبوا ونشروا العشرات من الكتب والمقالات، وأقاموا جملة من المؤتمرات أيضاً.

وكنا قد تطرَّقنا في مناسبات سابقة إلى جهود عدد من دعاة الوحدة الإسلاميّة. وهنا نودّ تسليط الضوء على شخصية أخرى سارت على المنهج ذاته؛ حيث كان الشهيد محمد باقر الصدر واحداً من دعاة الوحدة الحقيقيّين. فهو ـ كسائر المصلحين والمفكريّن في العالم الإسلاميّ ـ كان يحسّ بالمعاناة وتمزّق المجتمع الإسلاميّ وانقسام المسلمين على أنفسهم، فبقي الهمّ يراوده في إصلاح حال المسلمين. فوظَّف جميع الإمكانات المتاحة من أجل تحقيق هذا الهدف السامي، مستعيناً بجميع قدراته العلميّة والعمليّة في نيل المراد. فكانت أولى الخطوات مقالة في مجلة (الأضواء) تحت عنوان (رسالتنا يجب أن تكون قاعدة للوحدة)، حيث دعا من خلالها علماء الدين والأمة الإسلاميّة إلى التكاتف والأخوّة، مذكِّراً بأسس الوحدة ودوافع التفرقة، فحذَّر الأمة الإسلاميّة من مخاطر الفرقة والانشقاق.

ومنذ ذلك الحين وحتّى أواخر عمره الشريف ظلّ حريصاً على هذا الهدف المنشود، داعياً رجال الدين الآخرين إلى العمل على تحقيقه، وجعل موضوع (تاريخ الوحدة) أحد دروس المناهج في الحوزة([1]).

يرى الشهيد الصدر أنه ينبغي على الحوزويّين أن يتعاملوا مع (مشروع الوحدة) بوصفه ظاهرة تاريخيّة، وأن يعملوا على دراستها؛ للاطلاع على السوابق ونقاط القوة والضعف فيها، وعلى ما انتهجه دعاة الوحدة في الماضي([2])؛ كي يؤدّوا رسالتهم الدينيّة على أتمّ وجه.

لم يبارح هذا الهدف المقدَّس ذهن الشهيد الصدر طرفة عين أبداً. وحين كان محاصراً في أواخر أيامه من قبل البعثيّين أصدر ثلاث رسائل صوتية خاطب بها الشعب العراقيّ، ودعا خلال خطابه الأخير جميع أطياف الشعب، من شيعة وسنّة، وعرب وأكراد، إلى تحمُّل المسؤوليّة في خضم الأوضاع المتدهورة، والاتحاد صفّاً إلى صف في مواجهة الظلم والاستبداد. وقد جاء في خطابه: «وإني مذ عرفت وجودي ومسؤوليّتي في هذه الأمّة بذلت هذا الوجود من أجل الشيعيّ والسنّي على السواء، ومن أجل العربي والكردي على السواء، حيث دافعت عن الرسالة التي توحِّدهم جميعاً، وعن العقيدة التي تضمّهم جميعاً، ولم أعِشْ بفكري وكياني إلاّ للإسلام، طريق الخلاص وهدف الجميع»([3]).

نعم، لم يقتصر جهد السيد الصدر على إصلاح وتنمية المجتمع الشيعيّ فقط؛ لأنّه كان مصلحاً ومجدِّداً بمعنى الكلمة. فالمصلح الإسلاميّ لا يمكنه تجاهل سائر المسلمين، مهما كان انتماؤه ومذهبه. وهذا ما فهمه الكتّاب من المسلمين وغيرهم حيث نعتوا السيد الشهيد بأنه أحد دعاة الوحدة الإسلاميّة، كما جاء على لسان (جويس وايلي) في كتابها (الحركة الإسلاميّة لشيعة العراق)، فكتبت تقول: «لم تنحصر حركة الشهيد الصدر في العراق في المكوّن الشيعيّ، فهو صاحب فكرة راسخة، وحركته جزء من الظاهرة الإسلاميّة التي نشاهدها في مختلف البلدان الإسلاميّة، كما أنّ كتاباته لا تحمل أيّ صبغة طائفية»([4]).

أما الكاتب الإنجليزي (ييكي) فكان قد عقد في كتابه (تجديد القانون الإسلاميّ) مقارنةً بين فكر السيد الشهيد السياسيّ وكتابات الإمام الخميني، ثم خصَّص فصلاً عن التضامن الإسلاميّ وتاريخه، واصفاً الشهيد الصدر بالمصلح المؤمن بوحدة المسلمين. وكان هذا الكاتب قد بحث في مؤلَّفات الشهيد الصدر ـ (فلسفتنا)، (اقتصادنا)، (البنك اللاربوي في الإسلام)، و(الأسس المنطقية للاستقراء) ـ، ونقدها. وتوصَّل في المحصلة إلى أن هذه المؤلَّفات دليل قاطع على دفاع الشهيد الصدر عن مبدأ الوحدة الإسلاميّة؛ لأنه اعتمد في كتاباته على مصادر الشيعة والسنّة على السواء([5]).

 

حقيقة مفهوم الوحدة ــــــ

تصوّر البعض أنّ معنى (الوحدة الإسلاميّة) هو اختيار أحد المذاهب الإسلاميّة زعيماً لسائر المذاهب، ودعوة الفرق الأخرى إلى اتّباعه والانصياع لقراراته، أو أن يتم دمج جميع المذاهب فيما بينها، بأن تستخرج المشتركات، وتلغى المختلفات([6]).

ومعلوم أنّ مراد العلماء والمصلحين ومفكّري الإسلام من مفهوم الوحدة الإسلاميّة ليس هو المعنى الأول، ولا الثاني أيضاً؛ ذلك لأن هذا النوع من الوحدة ـ كما يعبر أحد المفكّرين المصلحين ـ غير ممكن عقلاً، وغير مناسب عمليّاً([7]).

إن المراد من مؤدّى الوحدة الإسلاميّة هو التقارب ما بين أتباع المذاهب الإسلاميّة، واتحادهم في مواجهة أعداء الإسلام، مع الحفاظ على كيان واستقلالية كلّ طائفة([8]).

وبما أن هذا المعنى هو ملاكنا في تفسير الوحدة الإسلاميّة لن تكون هناك تنافرات أو تناقضات مع الوحدة في أبحاثنا وكتاباتنا عن المذهب. من هنا كان العديد من دعاة الوحدة ـ أمثال: مير حامد حسين الهنديّ، العلاّمة شرف الدين، كاشف الغطاء، العلاّمة الأميني، العلاّمة محسن الأمين، الإمام الخميني، والشهيد الصدر ـ، وخلافاً للسابقين، يرون أنّه لا ضير على الوحدة من الخوض في المسائل الخلافية ونشرها، بل هي قضيّة ملحة أيضاً، طالما أنها تنتهج المنهج العلميّ، وتراعي الأخلاق الإسلاميّة، وتحترم مقدَّسات الآخرين، أو أنّ الضروري من ذلك الالتزام بما رسمه الإسلام لنا في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125). فبالمعرفة والفهم الصحيح لعقائد بعضنا البعض يمكن التغلُّب على البغضاء والمهاترات والافتراءات، وتحقيق الوحدة الحقيقيّة.

وتأسيساً على ذلك فإن كان السيد الشهيد قد كتب (فدك في التاريخ)، وتناول خلاله قضية فدك التاريخيّة، واستدل على حقّ فاطمة÷، أو أثبت حقّ عليّ× بالخلافة بعد رسول الله|، وردّ على الشبهات المطروحة، أو أكَّد على دور الأئمة^ ونضالاتهم ضدّ الحكام (دور الأئمّة في الحياة الإسلاميّة)، أو بحث وحقَّق في موضوع الإمام المهديّ# (بحث حول المهدي)، أو درس موضوع الحكومة الإسلاميّة في الفكر الشيعيّ (الإسلام يقود الحياة)، وغير ذلك من الأمثلة، فإن جميع هذه الكتابات والأبحاث لا تتعارض مع أصل الدعوة إلى الوحدة؛ كي يدَّعي بعض الكتّاب، أمثال: شبلي ملاط، أنّ الصدر يفرِّق بين الإسلام الشيعيّ والإسلام العامّ([9])، أو أن هذه المؤلّفات تتناقض مع خطاباته الأخيرة.

ويتَّضح من محصّلة كلام هؤلاء أنّهم لا يمتلكون تصوُّراً صحيحاً عن مفهوم الوحدة الإسلاميّة. فهم لم يطالبوا الشهيد الصدر بالامتناع عن تناول عقائد الشيعة وحسب، بل طالبوه بالاعتراف بعقائد الطرف الآخر. لذا جاء في نقد الكتاب (فدك): «لكنّ السيد الصدر لم يتعرَّض في كتابه لشرعيّة خلافة الشيخين، وإنما ذكرهما باحترام»([10]).

وقد صرح الشهيد الصدر في هذا الكتاب بأنّ حرية البحث لا تتعارض مع مبدأ الوحدة، طالما أنها تراعي الشروط والحيثيّات([11]).

 

المنطلق الصحيح للوحدة ــــــ

بات العالم اليوم محموماً بعقد الاتفاقيات والمعاهدات بين الدول والشعوب، فالمصالح السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة بحاجة إلى الاتّحاد، على أنّ منطلقات هذه الاتفاقيات ليست واحدة، فبعض يتَّحد على أساس العرق واللون، وبعضٌ على أساس اللغة، وهكذا دواليك.

وبعض المعاهدات قد تكون سياسيّة أو اقتصاديّة، أو قد تخشى دولة تعدّي الدول الأخرى عليها فتعقد معاهدات دفاعيّة مع دولٍ حليفة لها؛ حيث إن اتفاقيات الدفاع المشترك في عصرنا الحاضر هي نموذجٌ آخر للاتّحاد والمعاهدة.

لا شك أن جميع هذه الأشكال والدوافع ستؤدي إلى خلق نوع من التضامن والاتحاد. لكن هذا النوع من الوحدة ليس هو الاتحاد الراسخ من وجهة نظر الشهيد الصدر، ففي أيّ لحظة قد يتلاشى، أو يتعارض مع مصالح أخرى أهمّ فلا تبقى له من باقية. بل إن الشراكة الدينيّة والإيمانيّة هي أبرز وأقوى الدوافع والمنطلقات التي تحفِّز الشعوب على الوحدة والتضامن فيما بينها([12]).

يعقد الشهيد الصدر مقارنة خلال دراسته بين منطلقات الوحدة في الإسلام وبين رأي المدارس الوضعية، كالرأسماليّة والماركسية. وقد رأى أن منطلقات الإسلام هي الأسمى والأنبل بينها، وقال بأنه، وعلى الرغم من اتحاد المجتمع الرأسماليّ في الظاهر، وانطلاق هذه الوحدة من مبدأ المصالح الشخصية والحزبية، إلاّ أنّ صورة هذه الوحدة قد تتلاشى؛ بمجرّد وقوع طارىء، وتعارضه مع المصلحة الضيِّقة، وسرعان ما يقع الخلاف وتتَّسع الهوة بين الأفراد. وهنا يتّضح أن الوحدة المزعومة لم تكن إلا سراباً زائلاً. ولعل أبرز أمثلة ذلك هزيمة فرنسا أمام الألمان، حيث دبّ التنازع في جسدها في أخطر مرحلة تمرّ بها، فخسرت كلّ شيء خلال ساعات قلائل([13]).

كما أشار الشهيد الصدر في هذا الصدد إلى المجتمعات المنحرفة والفاشية، وكذلك الماركسية، فذكر بأن وحدتها أيضاً ليست وحدة أصيلة راسخة؛ لأنها قائمة على إلغاء القيم الإنسانيّة، يسيِّرها الجبر والقسر، وليس الاختيار، وإن الدافع وراءها هو ديكتاتورية الدولة، وليس إحساس الشعب وإرادته. وهذا النوع؛ لأنّه غير مرتكز على جذور ذاتيّة، لن يدوم طويلاً. لكنّ الوحدة الإسلاميّة هي من النوع المتأصِّل والراسخ. وقد علَّل الشهيد الصدر ذلك بطبيعة الدافع الذي يقف وراءها، وهو الحاجة الروحيّة الملحّة التي تربط بين الأفراد، وتجمعهم على المحبة والوئام. وليس هناك عنصر يتمتَّع بهذه الخاصّية سوى الدين. فالوحدة الدينيّة تنبع من القلب، ولها جذور تاريخيّة أيضاً، ومهما كانت مصالح الأفراد والأحزاب والفئات فإنّها لن تتزعزع؛ لأنّها الوحدة المنطلقة من مبدأ راسخ يؤمن به الجميع([14]).

عندما نلقي نظرة على صفحات التاريخ سنجد أنّ هذه الوحدة أكثر عمقاً من سائر الدوافع وأقواها؛ لأن الصلة الدينيّة بين الأفراد هي السبب في خلق هكذا وحدة وتضامن، تسخَّر من أجلها جميع دوافع الوحدة، بحيث تجد الفرد يضحّي بوجوده من أجل أخيه المسلم. وعلى العكس لو حصل الخلاف في المعتقد فإنك تجد الهوّة تتَّسع حتّى بين الأب وابنه، ليس على مستوى العلاقة الحميمية والحنان، بل يتعداها إلى المواجهة في ساحة الحرب والمنازلة. وحروب صدر الإسلام زاخرة بهذه النماذج. وهكذا في الوقت الحاضر، حيث قد يؤدّي الاختلاف في العقيدة داخل الأسرة الواحدة إلى مقتل أحد أفرادها.

تتمتَّع الوحدة الدينيّة بعراقة وصلابة قلّ نظيرها. فحتّى الصهاينة عندما عزموا على احتلال فلسطين، وإنشاء دويلتهم، أكَّد زعمائهم على عامل الوحدة الدينيّة من أجل الظفر بالمراد. وهنا يضرب الشهيد الصدر هذا المثال تحديداً عن مجموعة من الأفراد لا تربطهم مع بعضهم الآخر مشتركات في الوطن أو اللغة أو الثقافة والتقاليد، جاؤوا من أنحاء العالم، ومن مختلف القارات، وهدفهم واحد، هو أن يكوِّنوا لأنفسهم كياناً مستقلاًّ يقوم على أساس الدين والمعتقد، وليس على سواه. ولذا سعوا جاهدين إلى إضفاء الصبغة الدينيّة على جميع معالم وجودهم، متَّخذين من هذا العنصر المشترك رمزاً لهم([15]).

 

ميادين الوحدة ــــــ

يزعم بعض العلماء من الشيعة والسنّة أن المذاهب التي تقتصر خلافاتها على الفروع هي وحدها المشمولة بموضوع الوحدة، كالشافعية والحنفية والحنبلية، وهم الذين بإمكانهم الوقوف جنباً إلى جنب في مواجهة التحدّيات. أمّا بالنسبة للمذاهب التي تختلف مع بعضها على نطاق الأصول فلا يمكنها الاتحاد بأيّ حال من الأحوال. وكما يقول أحد العلماء الكبار([16]) فإنّ الأصول من وجهة نظر هذه الجماعة هي عبارة عن منظومة مترابطة، أو كما يعبِّر الأصوليّون: الجزء كالكلّ، فإذا اعتراه خللٌ أخلّ بالكلّ أيضاً. وعليه فإذا تعرّض أصل الإمامة في التشيّع، أو خلافة الخلفاء، إلى الرفض فإنّ الوحدة لا مجال لها مطلقاً.

وردّاً على شبهة هذه الجماعة حدَّد المصلحون ودعاة الوحدة حدود الوحدة وميادينها، ومنها: إن المسلمين يلتقون جميعاً في جملة من الأصول، والعديد من الأحكام العمليّة. فالجميع يوحِّد الله، ويشهد بنبوّة محمد|، ومؤمن بوجود الجنّة والنار و…، وإن كتاب الجميع هو القرآن، وقبلتهم الكعبة، وهم لا يختلفون في صلاتهم وصيامهم وحجّهم وزكاتهم وغير ذلك من الفروض، سوى على مستوى الجزئيّات البسيطة. ثم إنّ عدوّهم مشتركٌ دائماً.

من المؤكَّد أن من شأن هذه الميادين المشتركة أن تكون أساساً لقيام الوحدة الراسخة بين المسلمين. وعليه ليس هناك دليلٌ على وصف أصول المذاهب بالمنظومة المترابطة، بل لدينا الدليل على عكس ذلك. ولعلّ سيرة الصحابة، ولا سيما عليّ×، وسيرة علماء السنة والشيعة على مر التاريخ، هي خير دليلٍ وخير درس في ذلك. وهنا يؤكِّد الشهيد الصدر على أن قادتنا، وفي مقدّمتهم الإمام علي×، بذلوا قصارى جهودهم من أجل الحفاظ على الوحدة والتضامن والاتّحاد([17]).

على الرغم من اختلاف الصحابة بعد الرسول| في العديد من الأحكام والقضايا، كالخلاف على زعامة المسلمين، وغير ذلك من المسائل الفرعية، كالمسح أو الغسل في الوضوء، أو النزاع الدائر حول الإرث في الزواج المؤقَّت، فإنّ ذلك كلّه لم يؤثِّر على وحدتهم وتعاضدهم. فكان الجميع يصلّي خلف إمام واحد. وهذا هو دين عليّ×. فعلى الرغم من أنّه لم يتوانَ أبداً عن المطالبة بحقّه، وبذل كل ما في وسعه من أجل إحياء أصل الإمامة، لم يرفع شعار (إما جميعها أو لا أريدها) أبداً. بل على العكس من ذلك بقي متعاوناً مع الجميع. وهذا ما لفت إليه في إحدى رسائله إلى مالك الأشتر، عندما تطرّق إلى اختلاف المسلمين حول الخلافة، وتخلّيه عنها لصالح غيره، فقال: «…فأمسكت يدي، حتّى رأيت راجعة الناس عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد|، فخشيتُ إنْ لم أنصر الإسلام وأهله أنْ أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم، التي إنّما هي متاع أيام قلائل، فنهضت في تلك الأحداث (مع أبي بكر) حتّى زاح الباطل وزهق»([18]).

من هذا المنطلق يترك الإمام× الاعتراض جانباً، ويعمل على مساعدة خلفاء زمانه، فيحضر صلاة الجماعة، ويقدِّم العون والمشورة لهم. بل نجده أحياناً يتصرَّف كمستشار عسكريّ تماماً، كما أنّ أصحابه× كانوا يتقبَّلون بعض المناصب لدى الخلفاء؛ عملاً بتوصياته([19]).

تطرّق الشهيد الصدر في خطابه الأخير إلى موضوع الحرب المفروضة على إيران من قبل العراق، فقال: «وأريد أن أقولها لكم، يا أبناء عليّ والحسين، وأبناء أبي بكر وعمر: إنّ المعركة ليس بين الشيعة والحكم السنّي، إنّ الحكم السنّي الذي مثله الخلفاء الراشدون، والذي كان يقوم على أساس الإسلام والعدل، حمل عليٌّ السيف للدفاع عنه؛ إذ حارب جنديّاً في حروب الردّة تحت لواء الخليفة أبي بكر…»([20]).

لقد كان هدف الشهيد الصدر من استعراض العلاقات المتبادلة بين عليّ× والخلفاء، وطبيعة سيرته×، هو تقديم نموذج عمليّ للمسلمين، ولا سيما رجال الدين، وتفنيداً للقول القائل باستحالة إقامة اتحاد بين الشيعة والسنة؛ لأن سلوك عليّ× وأصحابه مع الخلفاء لم يكن سلوكاً فرديّاً، وحالة خاصّة بهم([21])، فهل يمكن أن يدَّعي أحدهم أن تعاون الإمام وأصحابه مع الخلفاء كان بداعي الخوف أو التقية؟([22]).

وبعد تذكيره بسيرة عليّ× وتعامله مع الخلفاء يصل الشهيد الصدر إلى هذه النقطة، فيقول: «هذا خطٌّ عامّ سار الأئمة^ كلّهم عليه…»([23]).

لقد حرص الأئمة^ على دعوة الناس إلى المشاركة في الفعاليات الجماعية للمسلمين، كالحج وصلاة الجمعة وصلاة الجماعة، مع التأكيد على التزام الأخلاق الإسلاميّة في التعامل مع أتباع المذاهب الأخرى([24]). كما أنهم من جهة أخرى وقفوا موقفاً حازماً إزاء الفكر المتطرِّف والمتعصِّب لدى بعض الشيعة([25]). بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فعندما كان المجتمع الإسلاميّ يتعرَّض لبعض التحديات التي تمس هيبة الإسلام، وتعجز الحكومة من معالجة المشكلة، تجد الأئمة^ في الطليعة؛ من أجل التصدي للعدو وإعادة الأوضاع إلى نصابها. فمثلاً: عندما أرسل ملك الروم رسالة إلى عبد الملك بن مروان، وعجز الأخير عن الردّ، انبرى له الإمام السجاد×، وكتب الردّ عليها([26]).

كذلك في عهد هشام بن عبد الملك عندما عزمت حكومة الروم على نزع السيادة والاستقلال عن الدولة الإسلاميّة ـ ولو في الظاهر ـ، وفرض العملة الرومية في أسواق المسلمين، حضر الإمام الباقر×، واقترح على هشام ضرب العملة الإسلاميّة([27]).

يضيف الشهيد الصدر على هذه الأدلّة استشهاده بسيرة علماء السنة والشيعة، والعلاقة الطيبة التي كانت تجمعهم في السابق، فيستنتج وجوب المساندة ودعم الحركات الإسلاميّة من قبل جميع المذاهب الأخرى، كما حدث عندما أفتى كبار علماء السنّة بالجهاد مع الحركات الشيعيّة والعلوية: «هناك علماء من أكابر علماء السنّة أفتوا بوجوب الجهاد وبوجوب القتال بين يدي ثوّار آل محمّد|»([28]).

وعلى سبيل المثال: كان أبو حنيفة قد أفتى في بادىء الأمر بوجوب الجهاد والمشاركة في الثورات العلويّة، كما اشترك بنفسه في إحداها([29]). وهذا هو دين علماء السنّة والشيعة على مرّ التاريخ.

خلال الأعوام 1914 ـ 1918م، وعندما دخل البريطانيون الأراضي العراقيّة، واحتلوا البصرة، كان موقف علماء الشيعة واضحاً بالوقوف إلى جانب الحكومة السنّية، وأفتوا بالجهاد ضدّ المحتل([30]). كما أنّ بعضاً منهم كان قد حضر في ساحة المعركة أيضاً.

يقول الشهيد الصدر في هذا الصدد: «إن الحكم السنّي الذي كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة ـ قبل نصف قرن ـ بوجوب الجهاد من أجله، وخرج مئات الآلاف من الشيعة، وبذلوا دمهم رخيصاً من أجل الحفاظ على راية الإسلام، ومن أجل حماية الحكم السنّي، الذي كان يقوم على أساس الإسلام»([31]).

يذكر أنّه كان من بين المشاركين في سوح القتال نخبة من كبار الشخصيات الدينيّة، أمثال: السيد مصطفى الكاشاني، وابنه السيد أبو القاسم الكاشاني، والسيد محمد تقي الخوانساري، وشيخ الشريعة الإصفهاني، والسيد علي الداماد، والسيد محسن الحكيم، والسيد محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ النائيني.

لقد كان رأي جميع هؤلاء هو تقديم الحكومة المسلمة على غير المسلمة تحت أيّ ظرف كان. وبما أن الصراع بين العثمانيين والإنجليز على السلطة في العراق فإن واجب الشيعة والسنّة هو الدفاع عن الحكم العثماني تحديداً.

كان الشهيد الصدر قد تنبَّه لقضية الشيعة والسنة قبل أن يثيرها الاستعمار وحزب البعث في العراق بشكلها الطائفي؛ من أجل تفريغ الحركة الإسلاميّة من محتواها، فقال: «إنّ الحكم الواقع ليس حكماً سنّياً، وإنْ كانت الفئة المتسلِّطة تنتسب تاريخيّاً إلى التسنُّن؛ فإن الحكم السنّي لا يعني حكم شخص واحد ولد من أبوين سنّيّين، بل يعني حكم أبي بكر وعمر، الذي تحدّاه طواغيت الحكم في العراق اليوم في كلّ تصرفاتهم، وهم ينتهكون حرمتهم»([32]).

يرى السيد الشهيد أنّ حكّام العراق لا يسيرون على نهج عليّ وعمر، وأنهم انتهكوا حرمة عليّ وعمر، فاستبدلوا الشعائر الدينيّة بالخمور والفجور، ومارسوا أشدّ أنواع الظلم والطغيان ضدّ الشعب، ثم عمدوا إلى احتكار السلطة عشائريّاً، فعذَّبوا وقتلوا.

هكذا استرسل الشهيد الصدر في خطابه، حتّى ختم بدعوة الشيعة والسنّة إلى الاتّحاد والتضامن من أجل القضاء على حكم البعث، وإزالة هذا الكابوس عن صدر العراق([33]).

 

السبل الكفيلة بتحقيق الوحدة ــــــ

بعد بيان مفهوم الوحدة وميادينها نصل هنا إلى طرح هذا السؤال: لماذا تلاشت الوحدة بين المسلمين على الرغم من وجود كلّ هذه المشتركات بين المذاهب الإسلاميّة؟ فما هي الدوافع والموانع للوحدة؟ وما هو السبيل إلى تحقيقها فعلاً؟

يستعرض الشهيد الصدر هيبة المسلمين واقتدارهم في السابق تحت ظلّ الوحدة والتضامن، ثم ينتقل إلى البحث عن أسباب تلاشي وحدة المسلمين.

وقد رأى أنّ البداية كانت بسبب ابتعاد المسلمين عن فحوى الإسلام الأصيل، والعودة إلى الجاهليّة والتخلُّف.

وهنا يلفت إلى أنّ الاستعمار والنزعة الصليبية هما المثير لهذه الفكرة الرجعيّة؛ من أجل التسلط على العالم الإسلاميّ. ورغم أنّ الكلام عن الدوافع والعوامل المساعدة على خلق التفرقة هو من القضايا الملحّة، وأنّ دراسة مجريات التحوّل الداخليّ للمجتمع الإسلاميّ والعالم الإسلاميّ من الوحدة إلى التنازع ـ ولا سيما على الصعيد السياسيّ ـ لها ما لها من العبر والدروس المفيدة، وتؤكِّد لنا نصّاً كيف كان المسلمون أعزّاء مقتدرين في وحدتهم، وكيف أصبحوا متأخِّرين ضعفاء في انشقاقاتهم، فإنّ ما يعنينا هنا هو ما هي السبل الكفيلة بتحقيق الوحدة، وإنْ كنا قد نشير خلال البحث إلى الدوافع وأسباب التفرقة الحاصلة عرضاً؟

 

تعزيز الأواصر بين علماء المسلمين ــــــ

إن أحد السبل المساعدة على خلق التفاهم والوحدة بين المسلمين هو تعزيز الأواصر بين علمائهم ومفكّريهم. وهذا ما حرص عليه الشهيد الصدر. فكما كان مهتمّاً بشأن علماء الشيعة في العراق وخارجه، وعلى اتّصال دائم بهم، ويعمل على نشر أفكاره الإصلاحيّة بشكل مباشر أو غير مباشر، كذلك كان مع علماء أهل السنّة أيضاً. ولعل خطابه الأخير خير دليل على ما يربطه من علاقات طيبة مع علماء إخواننا السنّة. وهذا ما أكَّده الدكتور محمد التيجاني خلال زيارته الشهيد الصدر، حيث ذكر أنّه دخل على السيد الشهيد في بيته، وكان مكتظّاً بطلاب العلم، حيث قام سماحته مرحِّباً به وبمَنْ معه، ثم عرَّفنا للحضور وأجلسنا إلى جنبه، وسرعان ما سأله عن أحوال تونس والجزائر وعلمائها البارزين، أمثال: الطاهر بن عاشور…([34]).

لقد كان الشهيد الصدر على علاقة وطيدة مع إخواننا السنّة، إلى حدّ أن العديد منهم كانوا يستشيرونه في ما أشكل عليهم([35]).

يذكر أن (جويس وايلي)([36])، وخلال دراستها أفكار الشهيد الصدر، أكَّدت في نتائجها على شمولية الحركة في العراق، ومشروع زعيمها (الشهيد الصدر) الوحدوي. وإليك نبذة من حديثها: يتّضح من طبيعة الحركة الإسلاميّة في العراق، وتعاونها مع الحزب الإسلاميّ، ووجود علاقات طيِّبة بين روّاد الحركة الإسلاميّة السنّيّة، مثل: الشيخ أمجد الزهاوي والشيخ عبد العزيز البدري في بغداد والنجف، والأكبر من هذا تأسيس حزب تحت عنوان (الحزب الإسلاميّ) في العام (1960) من قبل الإخوان المسلمين وحزب الدعوة، وكان الدكتور نعمان عبد الرزّاق السامرائي رئيساً له، والسيد الشهيد مهدي الحكيم مموِّلاً له([37]).

ويذكر الكاتب عبد الرحيم حسن أنّه سأل الأستاذ السامرائي ـ وهو من مؤسِّسي الحزب الإسلاميّ ـ عن الكلام المتقدِّم، فقال: لم تكن القضية ماليّة، وإنّما إجراء التعاون بين الجانبين، وهذا ما وافق عليه كلٌّ من السيد مهدي الحكيم والشهيد الصدر([38]).

لا شكّ أنّ لهذه الأنشطة دوراً كبيراً في مدّ جسور الثقة وتعزيز الأواصر بين المسلمين. وليس هذا ممّا يؤيّده كبار المراجع ـ الحكيم والصدر ـ وحسب، إنّما هو من مدعاةُ سرورٍ للجميع.

ويحدونا الأمل في أن تستمرّ هذه المبادرات من قبل علماء ومفكّري الشيعة والسنّة؛ كي يكون من الممكن تحقيق ما هو أهمّ أيضاً.

 

إحياء الشخصية الإسلاميّة ــــــ

من المؤكَّد أنّ ابتعاد المسلمين عن مبادىء الإسلام الأصيل، وتغلغل الخرافات والبدع، هي من جملة العوامل المؤثِّرة في خلق الفتن والتفرقة بينهم. فما دام المسلمون يحافظون على هويّتهم وشخصيتهم الإسلاميّة، ويعملون بتعاليم الإسلام في جميع مفاصل حياتهم، فإنّهم سيبقون موحَّدين، يتقدَّمون إلى الأمام بكلّ عزّة واقتدار. لكن الابتعاد عن الإسلام وتعاليمه النيِّرة، وتغلُّب الأهواء عليهم، سيؤدي ـ بطبيعة الحال ـ إلى استضعافهم وتخلُّفهم. وعليه فإذا كان المسلمون يفكِّرون في المجد والرفعة، كما في السابق، فلابدّ أن يعودوا إلى الإسلام، ويعملوا على إحياء الهوية الإسلاميّة.

وكان الشهيد الصدر في أولى مقالاته المنشورة في مجلة (الأضواء) قد بحث في موضوع الحركات التحرُّريّة، وتوصَّل هناك إلى أنّ سرّ نجاح كلّ حركة يكمن في ثلاثة شروط:

1ـ أن يكون لديها المبدأ الصالح، فيكون المحفِّز في العمل الثوري.

2ـ أن يدرك الناس حقيقة هذا المبدأ.

3ـ الإيمان بالمبدأ، وأن يسير الجميع على نهجه([39]).

وبعد أن يتناول تفاصيل هذه الشروط يذهب الشهيد الصدر إلى تقييم واقع الحركات الإسلاميّة من خلالها، مؤكِّداً على أنّ الإسلام هو المبدأ والدافع الرصين في الحركات الإسلاميّة. وعليه فإذا كان المسلمون قد سكتوا عن مطامع المستعمر والحكومات المستبدّة فإنّ ذلك لأنهم لم يدركوا معنى الإسلام بشكل صحيح، ولم يعملوا بتعاليمه. لذا يتحتَّم على علماء الدين في بلاد المسلمين أن يدركوا مفهوم الإسلام جيّداً، ثم ينقلوا هذ المعرفة إلى الناس، وأن يوضِّحوا لهم القيمة العليا في الإسلام، ويدعوهم إليها؛ كي يستعيد المسلمون بريق هويّتهم، ويعملوا من أجل العالم الإسلاميّ، ويدافعوا عن مقدَّساتهم([40]).

يؤكِّد السيد الشهيد في مقالٍ آخر، تحت عنوان: (رسالتنا والشخصية الإسلاميّة)، على أن الشخصية الإسلاميّة لم تتضرَّر وحسب، وإنّما قد تلاشت بالكامل، فبدل أن يتكلَّم الإنسان المسلم كلامه ويسير في طريقه بات يقتبس منهاجه من الآخرين. لقد بات المسلم مهتمّاً بهويته العربيّة والفارسيّة والتركية و… أكثر من اهتمامه بهويّته الإسلاميّة. وهذا ما نتج عنه التفرقة، وتسلُّط الحكومات المستبدّة([41]).

يعتقد الشهيد الصدر بأنّ ثمة ترابطاً وثيقاً بين وحدة المسلمين ومسألة إحياء الشخصية الإسلاميّة. فلو أيقن المسلمون حقيقة الإسلام الأصيل ونظموا حياتهم وفقاً لتعاليمه الحنيفة، فلا شكّ أنّ الوحدة ستعود إلى المجتمع المسلم. انطلاقاً من ذلك يدعو الشهيد الصدر المسلمين إلى التحلّي بثلاثة عناصر، هي: الروح؛ العقل؛ الأخلاق، والتي تستمد ترابطها من منشأ العقيدة والإيمان؛ كي تتحوَّل (التيّارات الفكريّة) إلى (تيّار موحَّد) و(صورة متناسقة)؛ لأن الاسلام لا يقف عند حدود جغرافيّة أو قوميّات بعينها، بل تمتدّ حدوده إلى جميع أنحاء العالم وسائر الشعوب المختلفة. فإذا تبلورت الشخصية الإسلاميّة فعلاً فستكون فاعلية الإسلام قويّة في إطار تيّار موحَّد للأفكار، يدوي صداه في جميع أنحاء العالم الإسلاميّ، وسيمنح الوجود الإسلاميّ صورة متناسقة وموحَّدة لا نظير لها. لكنّ المؤسف أنّه ليس هناك وجود للشخصيّة الإسلاميّة في الوقت الحاضر، بل هناك وجود للتيّارات الفكريّة المتنافرة، ينتمي كل واحد منها إلى مجتمعٍ ما، الأمر الذي يشكِّل حاجزاً بين المسلمين، يصدّ عن نيل المعرفة بالحقائق، وينتج عنه ولادة كيانات متعدِّدة للإسلام، يفصل بعضها عن البعض جملة من الحواجز الوهميّة، وهو وهم مصطنع لا يؤيِّده الإسلام أبداً([42]).

ورغم تعاون العديد من الحكومات المتظاهرة بالإسلام مع الاستعمار في إثارة الفرقة والفتن بين المسلمين، وباتت التبعيّة تستحوذ على أفكارها وقراراتها، فإنّ الأمل موجودٌ في نهضة أبناء الإسلام في العراق وإيران وسائر الدول الإسلاميّة، ممَّن كشف حقيقة هذه الألاعيب وزيفها، وما زال مؤمناً برقيّ الثقافة الإسلاميّة وتفوّقها أمام الثقافة الغربيّة الهزيلة، أولئك الذين يدركون حقيقة الغرب الساخرة والمستترة خلف قناع حقوق الإنسان ومسمّيات الديمقراطية والحرّية، فعقدوا العزم على إحياء هويّتهم الإسلاميّة، وإرشاد الآخرين إلى تحقيق ذلك أيضاً.

فجذوة هذه الشخصية الإسلاميّة ما زالت حاضرة في بعض الدول الإسلاميّة لدى بعض المسلمين الحقيقيّين. وإنّ أهم رسالة تقع على عاتق أرباب الفكر الإسلاميّ في بلاد المسلمين هو العمل على إحياء هذه الشخصيّة([43]).

 

العدوّ المشترك ــــــ

ما زل المستعمر يبحث عن سبيل للسيطرة على الدول الإسلاميّة وشعوبها. فمن شعاراتهم القديمة مقولة: (فرِّقْ تَسُدْ). وفعلاً وظَّفوا هذا الشعار في إسقاط الخلافة العثمانية، وقسَّموا العالم الإسلاميّ إلى أشلاء متناثرة. وهنا يرى الشهيد الصدر بأن الاستعمار والإمبريالية هي من أبرز عوامل التفرقة، وأهم الحواجز التي تعيق مشروع وحدة المسلمين. وقد أكَّد& على أنّ أعداء الإسلام ـ ولا سيما الاستعمار والحكومات الجائرة ـ وخطورة (الابتعاد عن الإسلام الأصيل) هما قضيّتان في عرض واحد؛ لأنه إذا كان الابتعاد عن الإسلام، وتغلغل الخرافات والبدع، هي السبب في وقوع الفتن والتفرقة، فإنّ منشأ هذا الابتعاد في الأغلب هو الاستعمار والأيادي الخائنة في الدول الإسلاميّة([44]).

لقد كانت وما زالت تعاليم الإسلام الحقّة تشكِّل تهديداً لأعداء الإسلام، ولا سيما على صعيد الفكر السياسيّ الإسلاميّ؛ لأن فكر الإسلام يرفض مبدأ الاستعمار والقوّة بجميع أشكاله، ويحث المسلمين على الثورة ضدّ المستعمرين، فهو يطالب بتحرُّر الشعوب على جميع الأصعدة الاجتماعيّة من القيود والعبوديّة. ومن واجب المسلمين دعم الحركات التحرُّرية بما يستطيعون من دعم ومساعدة([45]). لقد سعى عدو الإسلام إلى إبعاد المسلمين عن معين التعاليم الربّانيّة، مستبدلاً إيّاها بالثقافة الغربيّة، التي لعبت دوراً كبيراً في القضاء على هويّة الأمّة الإسلاميّة. ومن المؤسف أنّ أعداءنا نجحوا إلى حدٍّ ما في تحقيق هدفهم. فلقد استطاع الاستعمار تسيير الحياة المعاصرة ـ في العديد من المجتمعات الإسلاميّة ـ على أسس فكريّة وعاطفيّة تدعو إلى الرجوع عن الإسلام، والعودة إلى الجاهليّة. ولقد أحيا بذلك العديد من أصنام الجاهليّة بين أفراد بعض المجتمعات الإسلاميّة. وبهذا تمكَّن من صدّهم عن فهم الإسلام بصورته الصحيحة([46]).

لقد أسهمت بعض الأفكار والنزاعات ـ كالقوميّة ـ في إحياء وإثارة النعرات القومية والعرقية، والعزف على نغمة الاستعمار القديمة في فصل الدين عن السياسة. وقد أكَّد الشهيد الصدر كثيراً على دور الاستعمار في غزو المسلمين ثقافيّاً، وحذَّر أبناء الاسلام من خطورة الانزلاق وراء الفكر الغربيّ، داعياً العلماء إلى شحذ الهمم في مقارعة هذا الخطر: «غزا العالم الإسلاميّ سيل جارف من الثقافات الغربيّة… فكانت تمدّ الاستعمار إمداداً فكريّاً متواصلاً في معركته التي خاضها للإجهاز على كيان الأمة… وكان لابدّ للإسلام أن يقول كلمته في معترك هذا الصراع المرير، وكان لابدّ أن تكون الكلمة قوية عميقة، صريحة واضحة، كاملة شاملة للكون والحياة والإنسان والمجتمع والدولة والنظام؛ ليتاح للأمة أن تعلن كلمة (الله) في المعترك، وتنادي بها…»([47]).

كان الشهيد الصدر قد عقد العزم على محاربة الأفكار الغربيّة الملحدة، فكتب (فلسفتنا)، وأثبت من خلاله تفوُّق الإسلام على سائر المدارس الفكريّة. وكان على تعاون تامّ مع(جماعة العلماء)، التي تأسَّست للغرض ذاته([48]). ونظراً إلى دائرة عمل هذه الجماعة المحدودة فكَّر الشهيد الصدر، وبمعيّة طلاّبه، بتأسيس (حزب الدعوة الإسلاميّة)([49])؛ كي يتسنّى له العمل على نطاقات أوسع في مقارعة المستعمر والأيادي الخائنة. وعلى الرغم من خروجه عن تنظيم حزب الدعوة فيما بعد([50])، إلاّ أنّه ظلّ يواصل نضاله السياسيّ. وكان يطالب رجال الدين أن لا يكتفوا بالنهي عن صغائر المنكرات، وينسوا الكبائر؛ لأنه كان يعتقد بأنّ هيمنة الأجنبي على المسلمين هي من أقبح المنكرات؛ لأنه يستبيح الثروات المادّيّة والمعنويّة، وطالما أن هذا الوضع هو السائد فلا أمل في ظهور مجتمع إسلاميّ واقعيّ([51]). ومن هذا المنطلق كان يحثّ طلبة الحوزة على قراءة حياة العلماء المناضلين ضد الاستعمار([52])، معتبراً النضال ضدّه هدفاً من أهداف الدولة الإسلاميّة([53]).

لقد دعا الشهيد الصدر علماء الشيعة والسنّة والشعب العراقيّ إلى الالتحاق بالحركة الإسلاميّة، والانتفاض في وجه حكومة البعث، مؤكِّداً على أن قضية الشيعة والسنّة هي من مؤامرات البعثيين والاستعمار: «إن الطاغوت وأولياءه يحاولون أن يوحوا إلى أبنائنا البررة من السنّة أن المسألة مسألة شيعة وسنّة؛ ليفصلوا السنّة عن معركتهم الحقيقيّة ضدّ العدوّ المشترك»([54]). لم يكن الشهيد الصدر ليكتفي بإطلاق الشعارات والهتافات، بل كان يقدِّم حلولاً وآليات، فرأى أنّ السبيل الوحيد هو اتّحاد الشيعة والسنّة، والنضال على جميع المستويات. من هنا أفتى بتحريم العمل مع حزب البعث وحكومته([55])، ونهى المؤمنين عن الصلاة خلف الأئمّة المتعاونين مع البعث([56]).

عندما تآمر الاستعمار والعملاء؛ من أجل الوقوف في وجه الثورة الإسلاميّة في إيران وكانوا بين الفينة والأخرى يطلقون بعض الحملات الإعلاميّة الهادفة إلى الانتقاص من الثورة، وصرف الأنظار عنها، وتجنيب المسلمين السير على نهجها، وطبَّلوا بأنّ إراقة هذه الدماء غير جائزة، كان الشهيد الصدر أوّل المبادرين، فأصدر بياناً لفت فيه إلى أنّ الذين يدافعون في إيران عن الإسلام والمسلمين، ويقتلون، هم شهداء، وأنّ الله سيحشرهم مع الإمام الحسين×([57]).

أثارت هذه الفتوى الرعب لدى قادة البعث، واعتبروها تهديداً لمستقبلهم في الحكم. وقبل أن يفيقوا من هذه الصدمة أصدر الشهيد الصدر أمره بالثورة المسلَّحة ضدّهم([58])، فجاء خطابه الأخير يدعو السنّة والشيعة إلى الاتحاد، كما اتحدوا في الحرب العالميّة الأولى، مطالباً الأمة الإسلاميّة بالوقوف ضدّ حكومة البعث وجهاً لوجه: «يا إخوتي وأبنائي، من أبناء الموصل والبصرة، من أبناء بغداد وكربلاء والنجف، من أبناء سامراء والكاظمية…، من أبناء العراق في كلّ مكان: إني أعاهدكم بأنّي لكم جميعاً، ومن أجلكم جميعاً، هدفي في الحاضر والمستقبل: فلتتوحَّد كلمتكم، ولتتلاحم صفوفكم تحت راية الإسلام، ومن أجل إنقاذ العراق من كابوس هذه الفئة المتسلِّطة، وبناء عراق حرّ كريم، تحكمه عدالة الإسلام…»([59])؛ فإنّ حاصل الوحدة والنضال هو سقوط حزب البعث وحكومته: «…وتسوده (العراق) كرامة الإنسان، ويشعر فيه المواطنون جميعاً ـ على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم ـ بأنهم إخوة، يساهمون في قيادة بلدهم، وبناء وطنهم، وتحقيق مثلهم الإسلاميّة…»([60]).

هنا خطَّط حزب البعث بالتعاون مع أسياده للقضاء على الشهيد الصدر؛ بذريعة (الوقاية من خميني العراق)، والسيطرة على الحركة الإسلاميّة في العراق، فاستشهد محمد باقر الصدر مع أخته المناضلة المؤمنة على يد مجرمي حزب البعث.

 

الاحترام المتبادل ــــــ

إن من جملة السبل الكفيلة بتحقيق الوحدة هو الابتعاد عن الإساءة، والتزام الأخلاق في الكلام والتأليف؛ اذ ينبغي على علماء المذاهب احترام عقائد الطرف المقابل، وأن يتكلَّموا ويكتبوا بما لا يجرح مشاعر الآخرين؛ لأنّه (ربّ حربٍ جنيت من لفظة)([61]).

لقد كان الشهيد الصدر حريصاً كل الحرص على احترام مشاعر أهل السنّة، سواء على الصعيد العلميّ والفقهيّ أو غيره، وكان يرفض رفضاً قاطعاً المساس بعقائدهم. لذا طالما كان يذكر الخلفاء باحترامٍ تامّ في كتاباته. فعلى سبيل المثال: عندما يذكر اسم الخليفة الأوّل في أولى صفحات كتاب (فدك أهل البيت) كان يعقب عليه بعبارة (رضي الله عنه)([62]). وهذا ما درج عليه في جميع صفحات الكتاب أيضاً([63]).

يذكر السيد حسين الصدر في هذا الصدد: لم تكن أبحاثه تحمل أيّ نوع من المشاحنات أو الطعن بإخواننا السنّة، بل كانت الصورة المشرقة للمذهب والفكر الإسلاميّ الأصيل. ولهذا السبب كان سماحته يحظى بقبول علماء أهل السنّة، حتّى كانوا يستشيرونه في بعض الحالات المستعصية([64]).

يذكر أنّ السيد الشهيد، وفي خطابه الأخير، كان قد وصف الخلفاء بالراشدين([65])، وهو يخاطب السنّة والشيعة على حدٍّ سواء: «فأنا معك يا أخي وولدي السنّي بقدر ما أنا معك يا أخي وولدي الشيعي… إن الطاغوت وأولياءه يحاولون أن يوحوا إلى أبنائنا البررة من السنّة أنّ المسألة مسألة شيعة وسنّة»([66]).

لا شكّ أنّ هذا النمط من الخطاب الصادر من مرجعٍ بوزن الشهيد الصدر قد أدّى دوراً كبيراً في توحيد الصفوف، وتعزيز الوحدة بين أبناء المجتمع.

إذا رجعنا إلى التاريخ وجدنا أن من بين المؤلَّفات الناجحة والمجدية هي تلك التي تراعي جانب الأخلاق، ولا تتخطّى حدود الاعتدال، من قبيل: كتاب (المراجعات)، وسلوك الشهيد الصدر مع الدكتور التيجاني، الذي قال: «وأنست بحديثه… وتيقَّنت أيضاً من أنّ الشيعة مسلمون، يعبدون الله وحده، ويؤمنون برسالة نبينا محمد|»([67]).

بعد أن كان التيجاني يميل إلى عقائد الوهّابية تأثر هذه المرّة بأسلوب واعٍ وودّي، جعله يشكِّك في عقائده السابقة، ويتيقن بإسلام الشيعة، حتّى قال: «وأحسست بأني لو بقيت معه شهراً واحداً لتشيَّعت؛ لحسن أخلاقه وتواضعه وكرم معاملته، فلم أنظر إليه إلاّ وابتسم، وابتدرني بالكلام، وسألني: هل ينقصني شيء…»([68]).

يذكر أنّ التيجاني كان قد أقام عند الشهيد الصدر أربعة أيّام سأله خلالها عمّا بدا له من شبهات، من قبيل: قول «أشهد أنّ عليّاً وليّ الله» في الأذان، ومراسم العزاء، وتزيين قبور الأئمة والأولياء بالذهب والفضّة، والتوسُّل والتبرُّك، وعن عقيدة الشيعة بالصحابة.

فما كان من السيد الشهيد إلاّ أن يجيب عن أسئلته بالدليل والبرهان، دون التعرُّض والمساس بعقائد الآخرين([69]).

من المؤسف أن يكون هناك من العلماء المتطرِّفين مَنْ يرى من واجبه أن يزيد على بيان آراء مذهبه أو تفنيد الرأي الآخر، فيظهر مشاعره وعواطفه الجيّاشة تجاه مذهبه، وكأنّه في ساحة حرب، ويدعو مَنْ ينازله؛ فإنّ هذا النوع من الأساليب لن يعود علينا إلاّ بالتعصُّب وزيادة الخلافات وإثارة الضغائن والعداء. وبالتالي ينشأ النزاع تلو النزاع. ولعلّ أحداث الماضي المؤلمة هي خير شاهد على ذلك.

ينبغي لنا السير على نهج علي× مع الخلفاء، وكذلك تعامل الأئمة^ مع أبناء عصرهم، وصولاً إلى سيرة العلماء الكبار، أمثال: السيد شرف الدين، والشيخ كاشف الغطاء، وغيرهما من المصلحين والمجدِّدين الشيعة، وكيف كانوا يتعاملون مع علماء المذاهب الأخرى. فعلى سبيل المثال: كان مالك بن أنس ـ إمام المذهب المالكي ـ على علاقة طيِّبة مع الإمام الصادق×، وكان معجباً بتعامل الإمام معه([70]).

لم يكن الإمام× مهتمّاً باحترام علماء أهل السنّة وحسب، بل كان يقف بحزم في وجه الجماعة المتعصِّبين من الشيعة ضد السنّة([71])، وكان يرفض إثارتهم عن طريق الإساءة إلى الخلفاء. وفي إحدى المرات استشهد بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 108)، ونهى الشيعة عن السبّ، ولعن مَنْ يعصي أمره في ذلك([72]).

يعقِّب الشيخ الصدوق على هذه الرواية فيقول: «والتقية واجبة، لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم#، فمَنْ تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله، ودين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمّة»([73]).

هذا هو دين عامّة نوّاب الأئمّة وخواصّهم. فقد روي عن الحسين بن روح نائب الإمام الحجّة# أنّه كان يمنع الإساءة إلى أهل السنّة، حتّى أنّه ذات مرّة لعن أحد أتباعه معاوية، فطرده، ولم يقبل شفاعة أحدٍ في حقّه([74]).

 

تأسيس مؤتمر إسلاميّ عالميّ ــــــ

لطالما دعا العديد من العلماء المجدِّدين ودعاة الوحدة إلى فكرة توحيد المسلمين في مؤتمر عالميّ خلال موسم الحجّ، فهي المناسبة التي تجمع العديد من المسلمين وعلمائهم من أجل أداء مراسم الحجّ العباديّة السياسيّة، وإن توظيف هذا الحدث الكبير بات قضية ملحّة، ولا سيّما في وقتنا الحاضر.

من هذا المنطلق يعتقد الشهيد الصدر أنّ من واجب المسلمين التعرُّف إلى بعضهم البعض في هذه الأجواء؛ تعزيزاً للتقارب الفكريّ والمعنويّ والأخويّ بينهم. ولابدّ لهم أن يحضروا في هذا المؤتمر الكبير كأمّة واحدة، يتباحثون همومهم؛ بحثاً عن الحلول([75]).

يتساءل الشهيد الصدر عقب تفسيره وتحليله ظاهرة الحجّ: لماذا لم يحقِّق المسلمون هذه الأهداف في مراسم الحجّ؟ لكنّه يردّ فيقول: إذا كان المسلمون لم يتمكَّنوا من تحقيق أهداف هذا الاجتماع الكبير فإنّ ذلك لا يقلِّل من شأن الحجّ؛ لأنّ هذا الخلل بسبب الظروف السياسيّة والفكريّة الحاكمة، وليس بسبب الحجّ([76]).

إنّ ممّا يؤسَف له أن الحجّ لا يقام كما أمر الإسلام. فالمسلمون غير ملتفتين إلى فلسفة الحجّ وأهداف هذه الفريضة العظمى. كما أن الحكومات العميلة ترى بقاءها في إبقاء الناس على جهلهم. لذا تحاول هذه الحكومات إثارة بعض القضايا المضلِّلة؛ كي لا يلتفت المسلمون إلى أسرار الحج الواقعيّة، فيقودهم إلى الاتحاد والانتفاض في وجه الظلم.

ويرى الشهيد الصدر أنه إذا وعى المسلمون أداء هذه الفريضة كما يجب، وابتعدوا عن مسبِّبات التفرقة والانشقاق والعداء، فلا شكّ أنهم سيحقِّقون جميع تلك الأهداف.

في هذا المضمار دعا السيد الشهيد إلى تأسيس اجتماع من أجل نيل المستحقّات الكامنة وراء الحجّ. فذكر أنه لو كان للمسلمين مجلسٌ يعقد كلّ عام بهذه المناسبة؛ بعيداً عن الأغراض والأهواء الخاصّة، لكان بإمكانهم تداول قضايا دينهم ودنياهم؛ بحثاً عن الحلول لمشاكل حياتهم. ولعل عبارة: «بعيداً عن الأغراض والأهواء الخاصّة» هي تعريضٌ بالمؤتمرات التي كانت تقام من قبل الحكومات المستبدّة، ولا يُدعى إليها سوى وعّاظ السلاطين؛ فإن هكذا نوع من الاجتماعات لا يمكنها تحقيق الأهداف المنشودة.

لقد كانت التعصُّبات القومية على أساس اللغة أو العرق واللون سبباً في تفرُّق المسلمين، وهي السبب في ظهور بعض الاتجاهات، من قبيل: (القومية العربيّة)، (القومية التركيّة)، (القومية الإيرانيّة)، التي استقطبت الشعوب، دون أن يدركوا حقيقة الإسلام وموقفه من ذلك. فقد كانت العصبية القومية في العصر الجاهليّ، ورفضها الإسلام، واستبدلها بكلمة الإسلام وتعاليمه الحقّة. يقول الرسول الأكرم|: «أيها الناس، إن ربّكم واحد، وإن أباكم واحد. كلّكم من آدم، وآدم من تراب. لا فضل لعربيّ على عجميّ، إلاّ بالتقوى»([77]).

يعتقد الشهيد الصدر أن إثارة النعرات القومية والعرقية إنّما هي من مؤامرات الاستعمار. وكان يرى أن الأمة الإسلاميّة لا تتوحَّد على أساس العرق واللون؛ لأن الوحدة الإسلاميّة تشمل جميع الأعراق والأمم. كما أنها لا تتوحّد على أساس جغرافيّ؛ لأن أفراد الأمة هم من شتّى البقاع، ولا على لغة بعينها؛ لأنها تشمل شعوباً متعدّدة اللغات([78]).

كان بنو أمية قد دعموا الحسّ العربيّ على حساب الطابع الإسلاميّ. وهذا ما بدأت تتعامل به بعض الدول الإسلاميّة في القرون الأخيرة على نحو كبير، فأخضعوا الإسلام وقيمه الفذّة للعصبيات القبليّة. وإنّما هذا عودةٌ إلى الوراء، إلى عصور الجاهليّة. ولابدّ من الالتفات إلى هذا الموضوع وإصلاحه من قبل المفكّرين الإسلاميّين.

وكما ذكرنا فإن الشهيد الصدر كان ينطلق من مبدأ الإسلام، بدلاً من القومية ونزعتها. فكان يرى نفسه مسؤولاً أمام جميع مسلمي العالم، ولم يكن للعرب والعجم والشيعة والسنّة معنى لديه. فعندما سُئل ذات مرة: هل أنت عربيّ؟ فلماذا تدافع عن الفرس والثورة الإيرانيّة؟ كان ردّه: لديّ مسؤوليّة تجاه جميع المسلمين، ولابدّ أن أعمل بواجبي إزاء الجميع([79]).

وإبّان حصار منزل الشهيد الصدر من قبل البعثيّين زاره في إحدى المرّات كلٌّ من (زيد حيدر) ـ من أعضاء حزب البعث وقيادة الثورة ـ، وعبد الرزاق الحبوبي ـ محافظ النجف ـ، وعندما جلسوا عنده أخذ يحدِّثهم عن دور الحوزة وعلماء الشيعة في تأسيس الحركات الإسلاميّة وقيادتها، معترضاً في الوقت نفسه على قمع سلطات البعث للشباب وعلماء الدين، فظلّ الاثنان يحدِّقان في السيد الشهيد بكلّ ذهول وصدمة دون تكلُّم، حتّى بادر الحبوبي مخاطباً صاحبه: انظر إلى كلام هذا الرجل العظيم ومنطقه البليغ…، يجب علينا أن نجعل منه عالماً وزعيماً روحيّاً لجميع البعثيّين([80])، فضحك الطلاّب، وابتسم الشهيد الصدر أيضاً، فسأل الحبوبي: لماذا تضحكون؟ فقال السيد الشهيد: أنا عالم للمسلمين، ولست مرجعاً للبعثيّين([81]).

وفي مناسبة أخرى جاء الشيخ عيسى الخاقاني إلى السيد الشهيد، مبعوثاً من قبل(صدام) شخصيّاً؛ ليطرح عليه مشروعين، هما:

1ـ إن عرب الأهواز يقبعون تحت وطأة ظلم الحكومة الإيرانيّة، وعلينا أن نفكر بطريق لخلاصهم.

2ـ لماذا يبقى قدر الحوزة العلميّة في النجف تابعاً لإشراف الإيرانيّين وسيطرتهم؟ فعلينا أن نؤسِّس لحوزة عربيّة، وأنت زعيمها الأوّل([82]).

فجاء في ردّ الشهيد الصدر: «إنّ ميزة النجف الأشرف التي يعتزّ بها النجف هي أنّها جامعة مفتوحة لكلّ الجنسيات والقوميات، يدرس فيها العربيّ والفارسيّ وغيرهما، فما معنى أن تكون الحوزة عربيّة فقط؟!»، ثم عرّج السيد الشهيد على الموضوع الآخر بامتعاض وغضب، مخاطباً مبعوث صدام، فقال: «هذا الكلام عارٍ من الصحّة، فعرب خوزستان يعيشون في ظلّ دولة إسلاميّة، لهم ما لغيرهم، وإنّما أنت تختلق ذلك بسبب عدائك لإيران، ثم حال عرب خوزستان أفضل بكثير من عرب العراق. كان عليكم أن تفكِّروا بتحرير الشعب العراقيّ من قيود البعث الأمريكي قبل التفكير بعرب خوزستان، عليكم أن تحزنوا على عرب العراق الذين سلبت ثرواتهم من قبل حكومتكم الجائرة، وتركتهم بالفقر والعراء»([83]).

لقد أثبت الشهيد الصدر ـ عبر مواقفه الشجاعة ـ أنّ وحدة الإيمان والعقيدة هي مبدأ الأمة الإسلاميّة، خلافاً لمنهج الأنظمة الغربيّة وسياستهم هذه الأيام.

وإن لهذا المبدأ دوراً كبيراً في خلق التقارب بين الأفراد، وكأنّهم إخوة؛ لأن وحدة الأهداف والطموحات والاتفاق في العمل على نيلها هي سبب في اتصال القلوب مع بعضها البعض.

بالإضافة إلى ذلك كان الشهيد الصدر مهتمّاً أيضاً بالإفادة من مصادر وكتب المذاهب الأخرى، والسعي إلى نشر الكتب التقريبيّة بينهم، والتعريف بالتشيُّع ونقل صورته الحقيقيّة إلى سائر المذاهب الأخرى، مع التأكيد على معالم الوحدة الواقعيّة، والردّ على الشبهات المخلّة بالتواصل والتفاهم مع الآخر، وغير ذلك من النشاطات الوحدويّة التي كان يعنى بها السيد الشهيد، وهي بحاجة إلى بحثٍ مستقلٍّ بذاته.

 

تأثُّر الشهيد الصدر بالعلاّمة شرف الدين ــــــ

من الطبيعيّ أن يتأثَّر كلّ مصلح مجدِّد بأفكار العظماء والمصلحين المعاصرين له، ويفيد من طروحاتهم. وليس الشهيد الصدر مستثنى من هذه القاعدة. وهناك من الأدلة والشواهد ما يؤيّد تأثّره ـ على صعيد مشروع الوحدة ـ بالعلاّمة شرف الدين أكثر من غيره؛ حيث إن طريقته في الدعوة إلى الاتحاد هي ذاتها طريقة السيد شرف الدين. فالاثنان يؤكِّدان على احترام عقائد أهل السنّة وعلمائهم، وأنه لابدّ من تقديم عقائد الشيعة بطريقة علميّة، وبكلّ عقلانيّة أيضاً، كما يتفقان على طبيعة السبل الكفيلة بتحقيق الوحدة والتقريب.

لقد كان السيد الشهيد كثير الاهتمام بمؤلَّفات السيد شرف الدين، وخصوصاً تلك التي تعنى بموضوع الوحدة الإسلاميّة، حتى أنّه قد أصدر أوامره بطباعتها ونشرها مجدَّداً، وكان أيضاً يقدِّم لبعضها، ويذكِّر بجهود السيد شرف الدين ونضاله ضد الاستعمار، وكان يصفه بالأنموذج القدوة على طريقة مشروع الوحدة. يذكر أنّه كان قد طلب من الشيخ حسين آل ياسين ـ أحد طلابه ـ أن يعمل تحقيقاً موسَّعاً لكتاب (المراجعات) وينشره، وبعد أن تمّ العمل أثنى عليه وشكره كثيراً، فأجابه الشيخ حسين أنّ ذلك لم يكن بالإمكان لولا اهتمامك ومساعدتك إيّاي([84]).

من كتب السيد شرف الدين الأخرى كتاب (النصّ والاجتهاد). وكان قد تناول فيه بحوثاً معمَّقة حول القضايا الخلافيّة بطريقة علميّة؛ من أجل تفنيد بعض الشبهات. وهذا ما أفاد منه الشهيد الصدر تماماً، ولا سيما على صعيد المنهجيّة والأسلوب المتَّبع في التعريف بالتشيُّع وردّ الشبهات([85]).

ويذكر أنّه عندما كان منزل الشهيد الصدر محاصراً، وجاء (زيد حيدر) و(عبد الرزاق الحبوبي) لزيارته، ودار الحديث بين الثلاثة، ركَّز الشهيد الصدر هنا على دور الحوزات العلميّة وعلماء الشيعة في الحركات الثورية ومقارعة الاستعمار، ثم تطرَّق أيضاً إلى الحديث عن العلاّمة شرف الدين ونضاله ضد الاستعمار الفرنسيّ([86]).

ويضاف إلى ذلك استشهاده بكلام السيد شرف الدين أو مواقفه، ومنها: ردّه على موضوع التبرُّك بقبور الأولياء وتقبيلها، حيث استشهد بموقف العلاّمة شرف الدين مع عبد العزيز آل سعود: «فإن السيد شرف الدين لمّا حجّ بيت الله الحرام في زمن عبد العزيز آل سعود، كان من جملة العلماء المدعوّين إلى قصر الملك؛ لتهنئته بعيد الأضحى ـ كما جرت العادة هناك ـ. ولما وصل الدور إليه، وصافح الملك، قدَّم إليه هديّة، وكانت مصحفاً ملفوفاً في جلد، فأخذه الملك وقبَّله ووضعه على جبهته؛ تعظيماً له وتشريفاً، فقال له السيد شرف الدين عندئذٍ: أيّها الملك، لماذا تقبِّل الجلد وتعظِّمه وهو جلد ماعز؟ أجاب الملك: أنا قصدت القرآن الكريم الذي بداخله، ولم أقصد تعظيم الجلد! فقال السيد شرف الدين عند ذلك: أحسنت أيها الملك، فكذلك نفعل نحن عندما نقبِّل شباك الحجرة النبويّة، أو بابها، فنحن نعلم أنّه حديد لا يضرّ ولا ينفع، ولكنّنا نقصد ما وراء الحديد وما وراء الأخشاب، نحن نقصد بذلك تعظيم رسول الله|، كما قصدت أنت القرآن بتقبيلك جلد الماعز الذي يغلِّفه.

فكبَّر الحاضرون؛ إعجاباً به، وقالوا: صدقتَ، واضطرّ الملك وقتها للسماح للحجاج أن يتبرَّكوا بآثار الرسول|، حتّى جاء الذي بعده، فعاد إلى القرار الأوّل»([87]).

 

 

الهوامش

___________________

(*) باحثٌ إسلاميّ.

([1]) السيّد محمد الموسوي، زندگي نامه شهيد آيت اللّه صدر: 42، منشورات بشير، قم.

([2]) في عصرنا الحاضر هناك العديد من المؤسَّسات البحثيّة التي عنيت بهذا الموضوع وتناولته بالكشف والتحليل من جميع الجوانب. ومن ذلك ما صدر في العام 1986م من دراسة جديدة لـ (مدرسة التاريخ)، عن جامعة تل أبيب في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، تحت عنوان: (المؤتمرات الإسلاميّة، من تأليف (مارتن غرامر)، الذي عنون في المقدّمة: «رصد المساعي الأولى للمسلمين على أعتاب هذا القرن ـ العشرين ـ بغية مقارعة القوى الغربيّة وإحياء كلمة الإسلام عن طريق اتّحاد المسلمين». (مجلة (حوزه)، العدد 4: 20).

([3]) السيد كاظم الحائري، مباحث الأصول 1: 151، مكتب الإعلام الإسلاميّ، قم.

([4]) مجلة (الفكر الجديد)، العدد 6: 306 ـ 307، دار الإسلام للدراسات والنشر، بيروت.

([5]) المصدر السابق: 307.

([6]) مجلة (حوزه)، العدد 61: 130.

([7]) الشهيد مطهري، (كتاب وحدت)، مقال (الغدير ووحدت إسلاميّ): 384، منشورات الإرشاد الإسلاميّ.

([8]) انظر: الشهيد الصدر، رسالتنا: 55 ـ 61، مكتبة النجاح، طهران؛ مباحث الأصول 1: 151؛ الشهيد الصدر، أهل البيت: تنوّع أدوار ووحدة هدف (المجموعة الكاملة لمؤلَّفات السيّد الصدر) 11: 70، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.

([9]) مجلّة (الفكر الجديد)، العدد 6: 308.

([10]) المصدر نفسه.

([11]) أهل البيت: تنوّع أدوار ووحدة هدف (المجموعة الكاملة لمؤلَّفات السيّد الصدر) 11: 34 ـ 37.

([12]) رسالتنا: 57.

([13]) المصدر السابق: 56.

([14]) المصدر السابق: 56 ـ 57.

([15]) المصدر السابق: 60.

([16]) مقال (الغدير ووحدت إسلاميّ) : 385.

([17]) رسالتنا: 58.

([18]) نهج البلاغة، الرسالة 62.

([19]) المصدر السابق، الخطبة 134، 146؛ أهل البيت: تنوّع أدوار ووحدة هدف (المجموعة الكاملة لمؤلَّفات السيّد الصدر) 11: 67 ـ 68.

([20]) مباحث الأصول 1: 151.

([21]) أهل البيت: تنوّع أدوار ووحدة هدف (المجموعة الكاملة لمؤلَّفات السيّد الصدر) 11: 70.

([22]) كتب شرف الدين في (أجوبة مسائل جار اللّه) في تفسير اقتداء الإمام بالخلفاء يقول: «وأمّا صلاة عليّ× وراء أبي بكر وعمر فليست تقيّةً؛ إذ حاشا الإمام أن يجعل عبادته تقيّة، ويجوز للشيعيّ أن يقتدي بالسنّي». (العلاّمة شرف الدين، بيست پاسخ به موسى جار اللّه: 176، ترجمة: سيّد محمّد مختارشاهي، منشورات جهان آرا).

([23]) أهل البيت: تنوّع أدوار ووحدة هدف (المجموعة الكاملة لمؤلَّفات السيّد الصدر) 11: 65.

([24]) وسائل الشيعة 5: 381 ـ 382، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت.

([25]) أصول الكافي 2: 401، دار مصعب ودار التعارف، بيروت.

([26]) شهيد صدر، نقش پيشوايان شيعه در بازسازي جامعه إسلامي: 11، ترجمة: علي إسلامي، منشورات روز به، طهران.

([27]) المصدر نفسه.

([28]) أهل البيت: تنوّع أدوار ووحدة هدف (المجموعة الكاملة لمؤلَّفات السيّد الصدر) 11: 70.

([29]) المصدر نفسه.

([30]) كان العديد من العلماء قد أفتَوْا بالجهاد آنذاك، أمثال: السيد محمد كاظم اليزدي، والميرزا محمد تقي الشيرازي، وشيخ الشريعة الإصفهاني، والسيد مصطفى الكاشاني، و…، داعين شيعة العراق إلى الالتحاق بإخوانهم السنّة في الدفاع عن بلاد الإسلام.

([31]) مباحث الأصول 1: 152.

([32]) المصدر نفسه.

([33]) المصدر نفسه.

([34]) الدكتور السيد محمد التيجاني، آن گاه كه هدايت شدم: 82، ترجمة: سيد محمد جواد مهري، مؤسسة المعارف الإسلاميّة، قم.

([35]) ملحق صحيفة (جمهوري إسلامي)، بتاريخ: 19/1/1361هـ.ش، صفحة 10.

([36]) وكان قد فصل القول هنا عن الحركة الإسلاميّة في العراق.

([37]) (الفكر الجديد)، العدد 6: 306 ـ 307.

([38]) المصدر السابق: 328 (الهامش).

([39]) رسالتنا: 21 ـ 22.

([40]) المصدر نفسه.

([41]) المصدر السابق: 137 ـ 142.

([42]) المصدر السابق: 141.

([43]) المصدر السابق: 142.

([44]) رسالتنا: 59.

([45]) أصول الكافي 2: 164.

([46]) رسالتنا: 59 ـ 60.

([47]) فلسفتنا، المقدّمة.

([48]) لم يكن الشهيد الصدر عضواً في جماعة العلماء، لكنّ معظم كتابات هذه الجماعة كانت من تدوينه (انظر: زندگى نامه شهيد صدر: 49).

([49]) المصدر نفسه; مباحث الأصول: 87.

([50]) مباحث الأصول 1: 88 ـ 89.

([51]) أسبوعيّة (بعثت)، العدد 579، السنة الثانية عشرة.

([52]) المصدر السابق، رسالة الشهيد الصدر إلى السيد هادي خسروشاهي.

([53]) الشهيد الصدر، الإسلام يقود الحياة: 23، دار التعارف، بيروت.

([54]) مباحث الأصول: 151 ـ 152.

([55]) جاء في فتوى الشهيد الصدر: «يحرم على جميع أبناء الشعب الانتماء إلى حزب البعث، وإن الانتماء إليه يُعدّ إعانةً للظالم، ومشاركةً في القضاء على المسلمين».

([56]) من فتوى الشهيد الصدر: «يحرم على المسلمين حضور صلاة الجماعة خلف مَنْ لم يعيَّنوا من قبل مراجع المسلمين».

([57]) مصطفى قلي زاده، شهيد صدر بر بلنداي أنديشه وجهاد: 90، مؤسّسة التبليغ الإسلاميّ.

([58]) المصدر السابق: 95 ـ 96.

([59]) مباحث الأصول 1: 153.

([60]) المصدر نفسه.

([61]) الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم 4: 66، جامعة طهران.

([62]) أهل البيت: تنوّع أدوار ووحدة هدف (المجموعة الكاملة لمؤلَّفات السيّد الصدر) 11: 11.

([63]) المصدر السابق: 26، 44.

([64]) ملحق صحيفة (جمهوري إسلامي)، بتاريخ: 19/1/1361هـ.ش، صفحة 10.

([65]) مباحث الأصول: 151.

([66]) المصدر السابق: 151 ـ 153.

([67]) آن گاه كه هدايت شدم: 82 ـ 83.

([68]) المصدر نفسه.

([69]) المصدر السابق: 88 ـ 94.

([70]) إن من مفاخر مالك بن أنس قوله: «كُنْتُ أَدْخُلُ إلى الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ×، فَيُقَدِّمُ لِي مِخَدَّةً، وَيَعْرِفُ لِي قَدْراً، وَيَقُولُ: يَا مَالِكُ إِنِّي أُحِبُّكَ، فَكُنْتُ أُسَرُّ بِذَلِكَ، وَأَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ». (مجلّة حوزه، العدد 18: 88).

([71]) أصول الكافي 2: 401.

([72]) الصدوق، الاعتقادات: 107.

([73]) المصدر السابق: 108.

([74]) الطوسي، الغيبة: 386.

([75]) رسالت ما: 130.

([76]) المصدر السابق: 131.

([77]) ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول: 33، تصحيح: علي أكبر غفاري، منشورات الإسلاميّة، طهران. وانظر: رسالت ما: 131.

([78]) رسالت ما: 52 ـ 53.

([79]) مجلة (سروش)، العدد 45: 139.

([80]) مباحث الأصول 1: 55؛ مجلة (سروش)، العدد 45: 139; شهيد صدر بر بلنداي أنديشه وجهاد: 130.

([81]) المصدر نفسه.

([82]) مباحث الأصول: 161.

([83]) المصدر نفسه; شهيد صدر بر بلنداي أنديشه وجهاد: 131 ـ 133.

([84]) العلاّمة شرف الدين، المراجعات، تحقيق وتعليق: الشيخ حسين راضي، بيروت؛ شهيد صدر بر بلنداي أنديشه وجهاد: 105 ـ 106.

([85]) شهيد صدر، تشيُّع يا إسلام راستين: 60 ـ 84، ترجمة: علي أكبر مهدي پور، منشورات روز به، طهران.

([86]) مباحث الأصول 1: 54.

([87]) آن گاه كه هدايت شدم: 93 ـ 94.