الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

6 يناير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬932 زيارة

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

ترجمته (سفرنامه) للرّحالة ناصر خسرو

ناصر خسرو

تعريب: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

تقديم وتحقيق وتعليق: عماد الهلالي

مقدّمة: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294 ـ 1373هـ) ــــــ

الإنسان أفكاره وآراؤه، لا صورته وأعضاؤه.

حياته ــــــ

ولد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في مدينة النجف سنة 1876م. أمّا والده فهو المرحوم الشيخ علي بن محمد رضا بن موسى بن جعفر كاشف الغطاء(1350هـ).

درس المقدّمات في محلّ ولادته (النجف) على يد علمائها المعروفين آنذاك.

أخذ يحضر دروس علم الأصول عند الشيخ الآخوند الخراساني(1329هـ)، وحضر عنده ستّ دورات في هذا العلم.

حضر دروس الفقه عند الشيخ رضا الهمداني(1318هـ)، والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي(1337هـ).

درس الأخبار والأحاديث عند المحدث الكبير الميرزا حسين النوري(1320هـ)، وحصل منه على إجازةٍ برواية الأحاديث.

درس الرياضيات والفلسفة وعلم الكلام عند كلٍّ من: الشيخ أحمد الشيرازي(1332هـ)، والميرزا محمد باقر الإصطهباناتي(1326هـ)، والميرزا محمد رضا النجف آبادي(1332هـ)، والشيخ مصطفى آغا التبريزي(1337هـ)، و…([1]).

بعد وفاة السيد اليزدي عام (1337هـ) أخذ الناس في العراق بتقليد الشيخ أحمد كاشف الغطاء (أخ الشيخ محمد حسين). وفي 1338هـ أخذ كثير من أهالي العاصمة بغداد بالعدول في تقليدهم إلى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. وشيئاً فشيئاً ذاع صيته بين أوساط المقلِّدين في العراق، حتّى أحرز المرجعية الدينية العليا.

وفي عام 1931م سافر إلى القدس، وحضر المؤتمر الإسلامي الذي عُقد فيها، وبعد أن أقيمت صلاة الجماعة في المسجد الأقصى قام بإلقاء محاضرة تاريخية على أسماع مئة وخمسين ممثِّلاً من الأقطار الإسلامية المختلفة، وبحضور عشرين ألف مشارك، تحدَّث فيها عن أمورٍ تهمّ الإسلام والمسلمين، وعلى رأسها: وحدة المسلمين واستقلالهم([2]).

 

وفاته ــــــ

مرض شيخنا الجليل محمد حسين كاشف الغطاء في أواخر حياته، فأدخل على أثر ذلك إلى مستشفى الكرخ في بغداد، ولكنّ صحته لم تتحسَّن، فقرَّروا نقله إلى مدينة (كِرند) في غرب محافظة كرمانشاه الإيرانية؛ لغرض النقاهة، أملاً في شفائه، وبعد وصوله بثلاثة أيام توفّي الشيخ، وذلك بتاريخ 1954م([3]).

وقد نقل جثمانه إلى العاصمة بغداد، ثم إلى مدينة النجف الأشرف، وبعد تشييعه دفن في مقبرة وادي السلام الشهيرة في مدينة النجف.

يقول عنه المؤرِّخ الكبير، ورائد القصّة العراقية، الأستاذ جعفر الخليلي(1985م): لقد كان الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء نسيجاً وحده، علماً، وأدباً، وفنّاً، وكان زعيماً روحياً فذّاً، ومصلحاً كبيراً، سيظلّ التاريخ زمناً طويلاً يبحث عن نظيرٍ له بين جماعة الروحانيّين فلا يوفَّق. وقلَّما شوهد شخصٌ يجمع بين عددٍ غير قليل من زعاماتٍ انفرد بها في العالم الإسلامي والعالم العربي. فقد كان زعيماً روحياً، واسع الاطلاع، تخرج الكثير من العلماء على يده، وكان منهم: السيد محسن الحكيم، المرجع الروحاني الأكبر اليوم. وكان خطيباً قلَّ نظيره من حيث بلاغة الكلام، وفصاحة اللفظ، ونفوذ معانيه إلى قلوب مستمعيه. وكان زعيماً من أكبر الزعماء في عالم الأدب([4])، شعراً ونثراً([5]).

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والأدب الفارسي ــــــ

يقول الشيخ محمد حسين في عقود حياته: ومما اجتهدتُ في تحصيله في العقدين الثاني والثالث تعلم اللغة الفارسية تكلُّماً وكتابةً. وكان أكثر الشيوخ والأساتذة الذين نقرأ عليهم ونتباحث معهم من الفرس، سواء في العلمين المتداولين (الفقه والأصول) أو في غيرهما. وكانت النجف يومئذٍ تغصّ بألوف الطلاب والعلماء والمدرّسين، وكلّهم من الفرس. لذلك أتقنتُ تلك اللغة، وعنيتُ عناية خاصة بآدابها، وشغفت بأشعارها، وقرأتُ دواوين مشاهيرها، كديوان الخواجة حافظ، وسعدي، ومثنوي جلال الدين الرومي، ويوسف وزليخا، للجامي.

فقد قرأتُ هذه الكتب قراءة تحقيقٍ وإتقان، وترجمت بعض الكتب الى العربية كـ (فارسي هيئت)([6])، وكتاب (حجّة السعادة في حجة الشهادة)([7])، لصنيع الملك([8])، الذي ألَّفه لناصر الدين شاه القاجاري(1896م)، وجمع فيه حوادث سنة إحدى وستين هجرية (61هـ)، وهي سنة واقعة الطفّ، وذكر الواقعة من أتقن مصادرها، من كتب المسلمين وغيرهم، وقد ترجمتُ أكثر الكتاب([9]).

ويضيف الشيخ قائلاً: وبعد وفاة أستاذنا الطباطبائي([10]) أعلى الله مقامه بسنةٍ واحدة رجع إلينا جماعةٌ من المؤمنين من أهالي بغداد، وطلبوا منا تعليقاً على التبصرة؛ ليكون عملهم عليها. فعلَّقنا حواشي، وطبعت في هامش الكتاب، مع حاشية الأستاذ قدّس سرّه.

وخلال هذا ترجمنا عدّة كتب من الفارسية إلى العربية كـ (فارسي هيئت) ، و(حجّة السعادة)، ورحلة (ناصر خسرو)([11]).

وفي عام 1933م توجّه إلى إيران عن طريق كرمانشاه، ورجع عن طريق البصرة، ومكث هناك نحو ثمانية أشهر، متجوِّلاً في المدن المهمة، يدعو الإيرانيين إلى التمسُّك بالدين الإسلامي، وإلى ضرورة التفاهم مع الأقطار الإسلامية والشرقية، والاتّحاد معها. وكان موضع الحفاوة والتبجيل في كلّ مدينةٍ يحلّ بها. وقد خطب في كلٍّ من المدن التالية باللغة الفارسية: كرمانشاه، همدان، طهران، شاهرود، خراسان، شيراز، المحمرة، عبادان([12]).

وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنّه يدلّ على تمكّن وعبقرية سماحة الشيخ كاشف الغطاء وتسلّطه على اللغة الفارسية الحديثة. فكيف بالفارسية القديمة؟ وعلى الخصوص لغة ناصر خسرو، الإسماعيلي المذهب.

ناصر خسرو وسفرنامه([13])ــــــ

مقدّمة ــــــ

هو أبو المعين ناصر خسرو بن الحارث، القبادياني مولداً، البلخي موطناً، المروزي معيشةً، اليمفاني منفىً وموتاً([14]).

خطا ناصر خسرو (حدود سنة 470هـ) خطوات واسعة في طيّات عدّة. كتب في الشعر والرحلات والفلسفة والسِّيرة، والتاريخ الاجتماعي والديني المناوئ، والأنطولوجيا الأدبية والجغرافيا. لقد كتب عدّة مجلّدات ذات قيمة في الموضوعات الثلاثة الأولى، وقد وضعه التراث ضمن الأنواع الأخرى من التأليف([15]).

ناصر خسرو ومراحله الفكرية الأولى ــــــ

عندما سيطر السلاجقة على خراسان، على حساب الغزنويين، ترك ناصر خسرو خدمة الغزنويين، وقصد مقرّ السلطان أبي سليمان جفري بيك سنة 437هـ، فأكرمه السلطان، وعيَّنه مشرفاً على أمور خزانته وأعماله السلطانية في مَرْو، ومن هنا قيل له: المروزي([16]).

استطاع ناصر خسرو أن يتفوَّق على أقرانه في عمله، ويرضي السلطان. وبدا أنه قانعٌ بما يدرّ عليه عمله من مالٍ. وهو في شغله في الدواوين كان يعمل على تثقيف نفسه؛ فدرس القرآن الكريم، والحديث الشريف، واطَّلع على الكتاب المقدَّس في عهدَيْه: القديم؛ والجديد. وكان يجادل رجال الدين اليهودي والمسيحي الموجودين في خراسان. كما قرأ كتاب المجوس (الزرادشتيين) المقدَّس (الأفستا)، وتعمَّق في فلسفة الفارابي(339هـ) وابن سينا(428هـ).

واستهواه علم الفلك، فغرق فيه، حتّى توسعت آفاق معرفته به، واشتدّ اعتقاده بالتنجيم. بدا ذلك لنا في تضاعيف كتابه «سفرنامه»؛ فكثيراً ما يذكر أنه قرّر السفر مع برج كذا، وأنه حلّ في بلدة كذا حين اقتراب النجمين، وإلى غير ذلك. ولعل علمه بالفلك هذا ساعده في أسفاره، أو أقلقه في أفكاره، أكثر ممّا هو قلق.

 هذا النوع من المطالَعات يدلّ على أن ناصر خسرو يصارع في نفسه القلق الذي يشاهده في عصره؛ ذلك أنه لم يُرِدْ أن يكون منساقاً، كما لم يُرِدْ أن يعتقد بما يعتقد به أبناء جيله من غير قناعةٍ عقلية، بل يريد أن يهتدي بفكره إلى سبيلٍ صحيح يريحه من هذه المعاناة النفسية التي يحياها، وتقلق نومه وراحته.

وكان بين هذا وذاك يسمع بأنباء الدعاة إلى المذهب الفاطمي، وهم يطوفون أنحاء خراسان، ويسمع بالبويهيّين الشيعة والزيديين في جنوبي العراق وفارس، ويعمل في كَنَف السلاجقة الأتراك المتعصِّبين لمذهبهم السنّي.

الأربعون… البواكير المعرفية ــــــ

وتأزَّمت به الحال حين بلغ الأربعين؛ قمّة النضج العقلي، فازداد قلقه؛ لأنه لم يكتشف بعدُ الحقيقة التي يتبنّاها. فاعتراه الذهول، وصمَّم أن يفعل شيئاً يريحه مما هو فيه، فلم يجِدْ سبيلاً إلاّ إدمان الخمرة، فظلَّ يشربها شهراً حتّى يسلوَ ما هو فيه.

وذات ليلة من الليالي القلقة غفا وهو على سُكْره، فجاءه في المنام مَنْ نهره على ارتكاب المعاصي، وشرب المحرَّم، وحالة الذهول التي اعترَتْه، وأنه إذا كان يبحث عن الحقيقة فطريقه غير ما هو فيه من الخوض في الذنوب، وأنه إذا كان فيلسوفاً فعليه أن ينشد الصواب بعقله، وأن يكون يقظاً لكلّ ما يجري حوله؛ لأن الخمرة تضلّه وتفقد اتّزانه. ولما سأل محدِّثه في نومه عن السبيل للوصول إلى الصواب؛ لأن الحكماء الذين ناقشهم لم يقنعوه، ولم يخفِّفوا من حسراته، ما كان من محدِّثه إلاّ أن أشار إليه بأن يتَّجه نحو القبلة.

استيقظ ناصر خسرو مذعوراً، ومن نشوته وخمره مبهوراً، وعزم على زيارة الحجاز.

وعقد العزم أخيراً على السفر، وقرَّر أن يصحو الصحوة الكبرى. ووضع خط سيره الذي يوصله إلى هدفه المنشود، وهو مكّة المكرَّمة ومصر. فصمَّم أن يساير الأنهار وشواطئ البحار؛ ليضمن السلامة. لكنّه لم يحمل من الزاد إلاّ القليل؛ لزهده أو قصر باعه، وبعض الكتب، والورق، والألوان التي سيكتب بها. ورافقه في رحلته أخوه الصغير، وغلامٌ هندي يخدمهما.

الرحلة المعرفيّة (سفرنامه) ــــــ

دامت رحلةُ ناصر خسرو سبع سنوات، طاف فيها بلاداً عديدة، وجاب أمصاراً إسلامية وغير إسلامية. لكنّه لم يتَّجِهْ مباشرةً إلى الحجاز، ولم يكن في رحلته سريع التنقُّل؛ فقد كان يقيم في بعض البلدان الأسابيع والأشهر.

ففي كتاب سفرنامه، يبدو لنا خسرو رجلاً ذا اهتمام وجداني بالطريقة التي تتحصَّن بها المدن، وكيفية معالجة شؤونها الإدارية. فيركِّز ناصر على إيراد المعلومات التي تدور حول عدد أبواب كلّ مدينة، وسماكة أسوارها، ومن أين تصلها الماء؟ وكذلك طول وعرض المدينة([17]).

 ورأينا أن نقسِّم رحلته إلى خمس مراحل رئيسة:

الأولى: زار فيها مناطق في خراسان وشمال إيران، كآذربيجان، وأرمينيا، وسمنان، والريّ، وشِمران، وقزوين. ثم اتَّجه جنوباً، ليدخل بلاد الشام سنة 438هـ .

الثانية: دخل بلاد الشام عبر حرّان ـ أوّل مدينة عربية ـ، مارّاً بعدد من المدن الشامية، كحلب، ومعرّة النعمان، وطرابلس، وبيروت، وصيدا، وصور، وعكّا، وبيت المقدس، حيث أمضى فيها شهرين وبضعة أيام.

الثالثة: دخل القاهرة في السابع من شهر صفر سنة 439هـ . وادَّعى في كتابه أنه ما كان ينوي فيها طول الإقامة، لكنَّه مكث ثلاث سنوات، حجَّ فيها مرَّتين. وهو في كلّ مرّة يحج يعود إلى مصر مباشرة. وأطال في وصف معالم مصر كثيراً. ويبدو أنه لقي الخليفة المستنصر بالله، وحضر دروسه ودروس داعي الدُّعاة، وترقّى في مناصب مذهبية عدّة، حتى بلغ مرحلة «الحجّة» في المذهب الفاطمي، فكان واحداً من اثني عشر حجّةً في البلاد الإسلامية.

وقد كانت حجته الأولى التي انطلق فيها بحراً في العام الذي منع فيه المسلمون من الحجّ؛ للقحط الذي اجتاح الحجاز، ورافق فيها رسولَ الخليفة، حاملاً كسوة الكعبة.

الرابعة: وهي طريق العودة إلى خراسان؛ إذ خرج من القاهرة بعد أن أدّى صلاة العيد في 14 ذي الحجّة سنة 441هـ . لكنَّه لم يخرج من جنوب مصر إلاّ سنة 442هـ، حيث قصد الصعيد، ووصل أسوان والبجه، ثمّ اتَّجه شرقاً ليعبر إلى جدّة بحراً؛ ليحجّ ثالثة.

نراه في طريق عودته يجتاز مدناً غير المدن التي مرَّ بها في ذهابه. وهو رأيٌ سليم؛ لأنه رحالة، ويجب أن يطَّلع على أكثر ما يمكن من معالم البلاد، إلاّ إذا وجهه الخليفة هذه الوجهة، أو حبّه لقاعدة المذهب الفاطمي دفعه إلى طواف مصر كلّها.

ومكث في مكّة ستّة أشهر مجاوراً وداعياً. ثم زار الطائف، وفلج، واليمن، واليمامة، و…، وقصده الأحساء موطن القرامطة.

الخامسة: وتبدأ بدخول البصرة، وتنتهي في بلخ. وقد دخل البصرة في العشرين من شعبان سنة 443هـ . ومنها عبر إلى فارس، يزور مدنها واحدةً تلو الأخرى. ثم اتَّجه صعداً إلى أصفهان التي أذهله جمالها، فقاين، فمرو الروذ، وسرخس، ومازندران. ودخل بلخ سنة 444هـ . وكان أخوه عبد الجليل ـ أحد رجال دولة السلاجقة ـ بانتظاره في «دَسْتْكَرْد»، واجتمع فيها الإخوة الثلاثة، وتابعوا جميعاً مسيرتهم إلى بلخ. وتوفّي سنة 481هـ (1088م) في وادي بمكان، التابع لمدينة بدخشان، الواقعة في أقصى شمال دولة أفغانستان الحالية.

ويبقى كتاب «سفرنامه» وثيقة تاريخية وسياسية واجتماعية في غاية الأهمية. وكما يؤكِّد الدكتور يحيى الخشّاب قائلاً: وهو ـ سفرنامه ـ المصدر الأساسي والأصيل لتاريخ الفاطميّين المذهبي، وبغيره لا تفهم الدعوة الفاطمية على حقيقتها([18])؛ لأمانته في مشاهداته، ونقله عمَّنْ يثق به، وكتاب تراجم معاصرة مفيدة لمؤرِّخ القرن الخامس الهجري.

منهج التحقيق ــــــ

اعتمدنا في التحقيق النسخة الأصلية التي كتبها المؤلِّف بخطّ يده، والموجودة في خزانة مخطوطات مدرسة ومكتبة الإمام كاشف الغطاء العامّة في مدينة النجف الأشرف.

قمنا بمقابلة الترجمة مع النصّ الفارسي لناصر خسرو، وأشرنا بـ «» إلى كلام الشيخ كاشف الغطاء؛ لمنع الالتباس مع النصّ المترجَم.

والهوامش كلّها من وضع المحقِّق، حيث حاولت توثيق الأعلام والأماكن الجغرافية المهمة، التي يصعب على القارئ تحديد مكانها سابقاً وحاضراً.

مواصفات المخطوطة ــــــ

تقع النسخة ضمن مجموعة أدبية ـ عربية وفارسية ـ كتبت في بياضٍ بخطّ يده، محلّها يقع بين الصفحات (152 ـ 183)، كتبها (المترجم) الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والمجموعة خالية من تاريخ النسخ (ابتداءً وانتهاءً)، سوى تاريخ واحد كتبه في سنة 1352هـ في رحلته إلى شيراز. وذكر الشيخ في أول تعريبه للرحلة أن تاريخ طباعة أصل الرحلة الفارسية كان في سنة 1312هـ، علماً أن ولادته كانت في سنة 1295هـ، فيكون تاريخ تعريب الرحلة محصوراً بين سنتي (1312 ـ 1352هـ).

النسخة كانت مختلفة السطور، وقياسها 11.5 × 18 سم، وعدد أوراقها 16، وتسلسل المجموعة في خزانة مخطوطات المكتبة العامة هو 1160.

وفي الختام أتقدَّم بجزيل الشكر والعرفان لسماحة الشيخ أمير كاشف الغطاء، رئيس مكتبة الإمام كاشف الغطاء العامّة، صاحب الخُلق الرفيع، الذي وضع المخطوطة بين أيدينا بكلّ رحابة صدرٍ ودماثة خلق؛ والأستاذ الفاضل والباحث في التراث النجفي محمد رضا القاموسي، الذي لولاه لما أنجز هذا المجهود في تحقيق هذا النصّ المهمّ؛ والأستاذ والباحث الفاضل خالد محمد عبده، من مصر الحبيبة، الذي رفدني ببعض المعلومات القيِّمة عن ناصر خسرو و«سفرنامه»؛ وسماحة الأستاذ القدير الشيخ حيدر حب الله، رئيس تحرير مجلة (نصوص معاصرة)؛ لموافقته على نشر هذا النصّ في مجلَّته القيِّمة.

ومما يجدر الإشارة إليه أن هذا النصّ يُنْشَر لأوّل مرّة، وترجمته تسبق ترجمة الدكتور يحيى الخشّاب& الذي نشرها في القاهرة عام 1943م.

 

النصّ المحقَّق ــــــ

مقدّمة المعرِّب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ــــــ

«ناصر خسرو القبادياني([19]) المروزي([20]) الحكيم الفيلسوف العلوي، له رحلةٌ من بلخ وخراسان إلى مكّة المشرفة، وجدت في بعض مكاتب أوروبا، وترجمت إلى عدّة لغات من الفارسيّة، وطبعت في برلين على ما بلغني، ولها شأنٌ بليغ عندهم، وقد طُبعت بالفارسية في إيران سنة 1312([21]). وقد أحببْتُ أن أورد هنا ترجمة المهمّ منها إلى العربية؛ كي لا يُحْرَم أهل هذا اللسان من فوائدها. يقول في أوّلها:»

أنا رجل كنتُ كاتباً (دبير بشيه)، ومن جملة المتصرفين في الأموال والأعمال السلطانية. وكنتُ أشتغل في عمل الديوان. ومضت مدة عليَّ وأنا مشتغلٌ بذلك، حتّى اكتسبتُ بين أقراني شهرة فائقة([22]).

 وفي ربيع الآخر سنة 437، وكان أمير خراسان حينئذٍ أبا سليمان جفري بيك داوود بن ميكائيل بن سلجوق، ذهبتُ من (مرو) بشغل ديواني إلى القرى الخمس من (مرو الروذ)([23]). وكان في ذلك اليوم قران الرأس والمشتري، الذي يقولون: مَنْ سأل الله تبارك وتقدّس حاجته فيه قضاها له، فذهبتُ إلى زاويةٍ وصلّيتُ ركعتين، وسألته تعالى أن يعطيني قوّة وقدرة حقيقية. وحين أتيتُ أصحابي كان أحدهم يقرأ بيت شعر فارسي، فخطر لي أبيات أردت أن أكتبها له؛ ليقرأها علينا، فلما كتبتها في الورق، وقبل أن أدفعها له، أخذ يترنَّم بتلك الأبيات من قِبَل نفسه، فتفأّلتُ بهذا تفؤُّلاً حسناً، وقلتُ في نفسي: إن الله سبحانه قد قضى حاجتي، وبعد أن ذهبت إلى (جوزجان)([24])، وبقيتُ فيها ما يقرب من شهر، ومتصلاً كنتُ مشغولاً بشرب الشراب (الخمر).

 والنبيُّ| يقول: «قولوا الحقّ ولو على أنفسكم»([25]).

وفي ذات ليلةٍ رأيت في المنام يقول لي: إلى كَمْ تريد أن تبقى على شرب هذا الشراب الذي يزيل العقل؟ أليس بقاؤك على شعورك خير لك؟ فكان جوابي له: إن غاية ما عند الحكماء في العذر عن هذا العمل أن الشراب يخفِّف من الإحساس بآلام الدنيا وأحزانها. فأجابني: إن عدم العقل وفقدان الشعور لا راحة فيه، ولا يصحّ أن يسمّى حكيماً مَنْ يدل الناس على الخلاعة وفقدان العقل، بل اللازم على الحكيم أن يدلّ الناس على ما فيه زيادة العقل وقوّة الشعور. فقلت: من أين أحصل على هذا؟ فقال: مَنْ طلب أصاب، ومن جدَّ وجد، ثمّ أشار إلى جهة القبلة، ولم يقُلْ شيئاً.

 واستيقظتُ من منامي، وأنا أحفظ كلَّ هذا الحديث، وقد أثَّر في نفسي أثراً بليغاً، وقلتُ في نفسي: قد استيقظتُ الآن من نوم هذه الليلة، ويلزم أن أستيقظ أيضاً من نوم أربعين سنة. وتفكرت أنه ما لم أبدِّل جميع أفعالي وأعمالي لا أحصل على الفرج. وفي يوم الخميس سادس جمادى الآخر سنة 437 اغتسلتُ، وحضرتُ الجامع، فصليتُ فيه، وطلبت المعونة من الحقّ (جلَّ شأنه) أن يوفِّقني للقيام بالواجب، وترك ما نهى عنه كما أمر وأراد، ثمّ مضيت إلى (شبو دغان)([26])، ونمت ليلتي في قرية (بادياب)([27])، ومنها على طريق سنكلان وطالقان أتيت إلى (مرو الروفه)، ثمّ عدتُ إلى (مرو)، واستعفيت من العمل الذي كان بعهدتي من عمل السلطان([28])، وقلتُ لهم: إنّ لي عزم السفر إلى (القبلة)([29])، وأدّيت جميع ما كان عليَّ من الحساب، ونفضتُ يدي من جميع ما كان لي من الدنيا، إلاّ قليل من الضروري. وفي اليوم الثالث والعشرين من شعبان عزمتُ على الرحيل إلى (نيشابور)، فخرجتُ من (مرو) إلى (سرخس)، وبينهما (ثلاثون فرسخاً)، ومنها إلى نيشابور أربعون فرسخاً، ويوم السبت حادي عشر شوال وصلت إلى (نيشابور)، ويوم الأربعاء آخر الشهر كسفت الشمس، وحاكم الوقت طغرل بيك محمد، أخو جفري بيك. وبعده أول ذي القعدة خرجتُ من نيشابور بصحبة (خواجة موفق)، الذي كان خواجة السلطان، ومن طريق (كوان) وصلنا (قومس)، وزرنا الشيخ (بايزيد البسطائي)([30]).

 ويوم الجمعة ثامن ذي القعدة رحلنا منها إلى (دامغان)، وغرّة ذي الحجّة وصلنا (سمنان)، وأقمْنا فيها مدّة، وطلبت أهل العلم فيها فأرشدوني إلى رجلٍ يقال له الأستاذ (علي النسائي)، فقصدتُه، فكان شابّاً يتكلَّم بالفارسية بلسان الديلم، وله شعر مرسل، ويحضر عنده جمع (إقليدس) وجمع (طبّ) وحساب، ويكرّر في أثناء كلامه: كذا سمعت من أستاذي (أبي علي بن سينا)([31])، وكذا قرأتُ عليه، غرضه إظهار أنه من تلاميذه.

وحسبت المسافة من (بلخ)([32]) إلى (الريّ)([33]) ثلاثمائة وخمسين فرسخاً، ويقال: من الريّ إلى (ساوة) ثلاثون فرسخاً، ومنها إلى همدان ثلاثون، ومن الريّ إلى أصفهان خمسون، وإلى (آمُل) ثلاثون، وبين الريّ وآمُل جبل (دماوند) مثل القبّة، ويقال له: (لواسان)، ويقال: إن في رأسه بئر يحصل منها النوشادر والكبريت، والناس يلبسون جلد البقر، ويستخرجونها.

وفي خامس محرم سنة 438 توجَّهنا إلى جهة (قزوين)، ووصلنا إلى قرية (قوهه)، وكان فيها قحطٌ من الخبز بدرهمين. ووصلنا (قزوين) تاسع محرم، وفيها بساتين كثيرة، لا سياج لها ولا حائط عليها، ولا مانع من دخول واحدةٍ منها، ووصف سورها وأسواقها وقلّة مائها، ورئيسها شخصٌ علوي، وأكثر ما يصنع فيها (الخفّ).

و12 محرّم خرجنا منها إلى قرية (خرزويل)([34])، وكان معي أخي، ومعنا غلامٌ من الهند، وثم ذكر بقال (خرزويل)، ومنها إلى (يزد الخير) من مضافات (طارم)، وذكر أن فيها جملة قنوات تصبّ كلّها في بحر (آسكون)، يبلغ عددها ألفاً وأربعمائة قناة. ويقال: إن مساحة دورة بحر (آسكون) تبلغ ألفاً ومائتين فرسخاً. ووصف قلعة حصينة هناك، وعليها أميرٌ من أمراء الديلم، وهي في غاية الأمن، والعدلُ شاملٌ جميع أهاليها، يدخلون مسجد الجمعة للصلاة، وينزعون نعالهم خارج المسجد بغير حارس، ولا يفقد منها شيءٌ، ويكتب أميرها في إمضائه (مرزيان الديلم خيل جيلان أبو صالح مولى أمير المؤمنين)، واسمه (جستان إبراهيم)([35]).

ثم رحل منها إلى (شميران). يقول: رأيت فيها رجلاً من أهالي (دربند)([36]) اسمه أبو الفضل خليفة بن عليّ الفيلسوف. وقد وجدنا الكلام والكرامات. وفي يوم ستّ وعشرين محرّم رحلنا من شيمران. وفي رابع عشر صفر وصلنا (سراب) وخرجنا منها. في السادس عشر منه مررنا على سعيد آباد. وفي عشرين صفر وصلنا إلى بلد (تبريز)، وهي عاصمة (آذربيجان). والدعاء لسلطانها في الخطبة هكذا: «الأمير الأجلّ سيف الدولة وشرف الملّة أبو منصور وهودان بن محمد مولى أمير المؤمنين». نقلوا لنا أنّه في سنة أربعة وثلاثين وأربعمائة يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول وقعت زلزلة في هذا البلد في الأيام المشرقة بعد صلاة العشاء، هلك فيها أربعة آلاف نسمة، وخرب منها مقدار من البلد. ورأيت فيها الشاعر المعروف بـ (قطران). وفي رابع عشر ربيع الأول انصرفنا من تبريز على طريق مرند إلى (خوي)، ومنها إلى (يركري) . وفي 12 جمادى الأول وصلنا إليها، ثم منها إلى (وان)([37]) و(سطان)، ورأينا فيها لحم الخنزير يُباع كما يُباع لحم الغنم، والنساء والرجال يجلسون في الدكاكين يشربون الخمر بغير تحاشٍ. ومنها وصلنا إلى بلد (أخلاط)([38])، 18 جمادى الأولى، وهي الحدّ بين المسلمين والأرامنة، ومن (يركري) إليها تسعة عشر فرسخاً، وفيها أمير يُقال له: (نصر الدولة)، يقال: إنه تجاوز عمره المائة سنة، وله عدة أولاد، جعل كلّ واحد منهم على ولاية، ويتكلَّم بعض أهاليها بالفارسية، وبعض بالعربية، وبعض بالأرمنية. ولعله لذا سمِّيت: أخلاط. ومنها وصلنا إلى بلد (بطليس)([39])، واشترينا منها عسلاً بمائة دينار، ويقال: إن فيها رجلاً يحصل له في السنة ثلاثمائة أو أربعمائة ظرف عسل. ومنها ذهبنا إلى قلعة تسمى: (قِفْ وانظُرْ)، ومررنا منها إلى مكانٍ فيه مسجد يُقال: إن أويس القرني([40]) قد بناه، ووجدنا جماعة يتجوَّلون في الجبال، ويقطعون أشجاراً كشجر السرو، فسألتهم ماذا يصنعون به؟ فقالوا: يضعون طرفاً منه في النار فيخرج من طرفه الآخر القطران، يجمع في ظروف ويرسل إلى الآفاق. وهذه الولايات بعد (أخلاط) تعد من (ميافارقين). ومنها رحلنا إلى (أرزن)([41])، وهي بلدةٌ جميلة، فيها فواكه ومياه كثيرة، مائتان من ثمر العنب في دينار، ثمّ وصف قلاعها وحصونها المبنيّة بالأحجار العظيمة البيضاء، كلّ صخرة وزنها خمسمائة طنّ، لها أبواب من حديد، وإلى شمالها بلدة أخرى مثلها في الحسن وكثرة البساتين والفواكه، يقال لها: (مُحدَثة). وسلطان تلك الأيالات يُدعى له في الخطبة هكذا: الأمير الأعظم عزّ الإسلام سعد الدين نصر الدولة وشرف الملّة أبو نصر أحمد، وهو ابن مائة سنة. وهذا الأمير بنى على رأس أربع فراسخ من ميافارقين بلدة سماها (نصرية). ومن آمد إلى ميافارقين تسع فراسخ، ومن أخلاط إلى ميافارقين ثمانية وعشرين فرسخاً، ومن بلخ إلى ميافارقين في الطريق الذي سلكناه خمسمائة واثنان وخمسون فرسخاً.

 ثم وصف بلدة آمد، وأنها قطعة صخور منحوتة، ولها أربعة أبواب من حديد، كل واحدة إلى جهةٍ من جهات العالم؛ من الشرق باب دجلة، ومن الغرب باب الروم، ومن الشمال باب الأرمن، ومن الجنوب باب التلّ، محاطة بعدة أسوار، فيها حصون مسلحة، وفي وسط البلد عين ماء تنبع من الصخر الأصم في غاية العذوبة، وحكامها أولاد نصر الدولة المتقدّم. وقد رأيت كثيراً من البلاد الحصينة والقلاع المستحكمة في بلاد العرب والعجم والهند والترك، ولكنْ ما رأيت مثل آمد على وجه الأرض، ولم أسمع من أحدٍ بمثلها، ثم وصفت جامعها المبني من الصخرة السوداء والحوض الذي في وسطها من صخرة واحدة أيضاً، وجميع الصخور التي بنيت منها آمد سوداء برّاقة، والتي بنيت منها ميافارقين بيضاء لامعة، وإلى جنب المسجد كنيسة عظيمة بنيت من تلك الصخور، وأرضها مرخَّمة بالنقوش. ومن بلد آمد إلى حران طريقان:

أحدهما: قفر لا ماء ولا كلاء ولا عمارة فيه، ومسافته أربعون فرسخاً.

وثانيهما: فيه عمارة وقرى كثيرة، وأكثر أهاليها نصارى، ولكنّه ستون فرسخاً. ونحن مع قوافل التجارة سرنا على الطريق العامر، وهو صحراء في غاية الاستقامة والاعتدال، لكنه كثير الصخور، بحيث لم يكَدْ يضع النعل [الرجل] نعله على غير صخرة، وفي خمس وعشرين جمادى الآخر 438 وصلنا (حرّان)([42])، ومنها إلى (قردل)([43]). أضافنا رجلٌ شاب. وفي 2 رجب جئنا إلى (سروج)([44]). وفي اليوم تجاوزنا عبرنا (الفرات) إلى (فيج)([45])، وهي أوّل بلد من بلاد الشام، وهواها في غاية الحسن. ومنها أتينا إلى (حلب)، ومن ميافارقين إلى حلب مائة فرسخ.

«ثمّ وصف حلب وقلعتها، إلى أن قال:» وهي متوسطةٌ بين بلاد الشام والروم وديار بكر ومصر والعراق. ومن جميع هذه البلاد يتردّد إليها التجار والكبار. ولها أربعة أبواب: باب اليهود، باب الله، باب الجانّ، باب أنطاكية. ومنها إلى جهة الجنوب عشرون فرسخاً إلى (حماة)، وبعدها حمص، وإلى دمشق خمسون فرسخاً، ومن حلب إلى أنطاكية اثني عشر فرسخاً، وهذا المقدار إلى (طرابلس)، ويقال: إنه إلى (قسطنطينية)([46]) مئتي فرسخٍ. ويوم 11 رجب خرجنا من حلب، وإلى ثلاثة فراسخ توجد قرى كثيرة يُقال لها: (قنسرين)، وبعد ستة فراسخ وصلنا إلى (سرمين). وبعد ستة فراسخ وصلنا إلى (معرّة النعمان)، وهي بلدٌ عامرة، وعلى بابها أسطوانة عليها كتابة يقولون: إنها طلسم الأفاعي والعقارب، ولذا لا يوجد منهما في هذا البلد شيءٌ، وإذا أتي بهما من الخارج يفرّان من البلد. ومسجد الجمعة على محلٍّ مرتفع في وسطها من كلّ جانب، يصعد إليه ثلاث عشرة درجة، وأكثر زراعتها الحنطة، ويكثر فيها شجر التين والزيتون واللوز والفستق والعنب. وماؤها من الأمطار والآبار. وفي هذا البلد رجلٌ يُقال له: (أبو العلاء المعرّي)، بصير، وهو رئيس البلد، وله نعمةٌ وافرة وجاهٌ عظيم وخدم وحَشَم، بل كلّ أهل البلد يعدّون أنفسهم خَدَماً له، ولكنْ هو قد اختار طريق الزهد، لبس الصوف، وانزوى في بيته، وبنصف منٍّ من الشعير يصنع له خبزاً يقنع به ليلاً ونهاراً، ولا يذوق غيره أبداً، وهو صائم النهار، قائم الليل، ولا يشتغل بشيءٍ من أشغال الدنيا، ونوّابه وملازموه يدبِّرون أمر البلد، ويراجعونه في الأمور المهمّة، ونعمته وأمواله مبذولةٌ لكلّ أحدٍ، وهو في الشعر والأدب بمنزلة يعترف له بالفضل جميع أفاضل الشام والعراق والمغرب، وقد صنع كتاباً سمّاه (الفصول والغابات)([47])، وفيها رموز وغوامض، بألفاظ بديعة وأسرار غريبة، لا يعرف المقاصد منها إلاّ مَنْ قرأه عليه. وقد اتَّهموه بأنه قد صنعه لمعارضة القرآن، ولا يزال على الاتّصال أكثر من مئتي طالب من الأطراف يقرؤون عليه الشعر والأدب. وسئل أن الله سبحانه أعطاك هذه النعمة، فما السبب أنك تبذلها للناس، وتمنع نفسك منها؟ فقال: ليس لي إلاّ الذي أكلت([48]).

«يقول ناصر خسرو:» لمّا وصلت البلد كان حيّاً موجوداً. وفي خامس عشر رجب وصلنا (الكريحات)([49])، ومنها إلى (حما)([50])، وهي بلدة جميلة العمارة، واقعة على شاطئ نهر العاصي، ويُقال له: العاصي؛ لأنه يذهب إلى طرف الروم، يعني يذهب من بلد الإسلام إلى بلد الكفر، وعليه دواليب كثيرة. ومن هنا ينشعب الطريق إلى جهتين: إحداهما من جانب الساحل، وهو غربيّ الشام؛ وآخر يذهب إلى جنوبي دمشق. ونحن ذهبنا من الساحل، ورأينا في جبلٍ هناك عين ماء يُقال: إنها كلّ سنة بعد نصف شعبان يجري منها الماء ثلاثة أيام، ولا يخرج بعد منها قطرة واحدة إلى السنة الآتية، والناس يزورونها ويتبرَّكون بها. ثمّ جئنا إلى بلدٍ يقال لها: (عرقه)([51])، وبعد أن جزنا عنها بفرسخين وصلنا إلى ساحل البحر، ثم سرنا إلى طرف الجنوب خمسة فراسخ، فانتهينا إلى (طرابلس)([52]) خامس شعبان، وأطراف البلد كلّها مزارع وبساتين تشتمل على أنواع الفواكه من النارنج والأترج والموز والليمون والتمر وقصب السكر. وللبلد ثلاثة أبواب على البحر، بحيث يلتطم الموج على سورها، وباب على البرّ، والكل من حديد، وعليها عرادات ومقاتلات وأسلحة، وخوفهم من الروم الذين يقصدونها من البحر بالسفن. ومساحة البلد ألف ذراع في ألف، وارتفاعها أربع وخمس، بل ستّ طبقات، وشوارعها وأسواقها حَسَنة ونظيفة جدّاً، كان واحد من بيوتها قصراً منظماً، وكل فاكهة وطعام ومأكول كان في العجم وجدته فيها، بل أكثر بمائة درجة. وفي وسط البلد مسجد عظيم في غاية الحسن والنظافة والتحصين، وفي ساحة المسجد قبّة وتحتها حوض من الرخام في وسطه فوّارة، فيها خمس نوافير يخرج منها الماء، يستقي الناس منه، ويذهب الفاضل إلى البحر، ويقال: إن عدد نفوسها ذلك الوقت عشرين ألف رجل، وتتبعها قرى ورساتيق كثيرة، ويصنع فيها الورق الجيِّد، مثل: الورق السمرقندي، بل أحسن، والبلد تتعلَّق بسلطان مصر، ويقال: إن جيشاً من الروم قصد فتحها مرّة فحاربوه وغلبوا عليه، فرفع السلطان الخراج، وجعل حامية من الجند لا تزال مقيمةً هناك؛ للمحافظة. وفيها محلّ كبير (كمرك) لاستيفاء الرسوم من سفن التجارة الواردة على الدوام من أطراف الروم والإفرنج والأندلس والمغرب، التي يلزمها أن تدفع العشر للسلطان، وهي أرزاق للجند المحافِظ هناك. وللسلطان أيضاً سفن تبحر إلى الروم وصقلية([53]) والمغرب. وكلّ أهالي هذه البلد شيعةٌ إماميّة. وللشيعة في كلّ بلد مساجد بديعة الصنع. وقد صنعوا هناك بيوتاً ومنازل على أمثال الرباطات، ويسمّونه المشهد. ورحلنا منها على ساحل البحر جهة الجنوب قدر فرسخ فرأينا قلعةً يقال لها: (قلمون) ([54])، ثم وصلنا بعدها إلى (طرابزون)، ومن طرابلس إليها خمس فراسخ، ثم منها إلى بلد (جبيل)، وهي بلدة مثلَّثة، زاويتها إلى البحر، ولها سور عالٍ حصين، وأطراف البلد كلّها نخيل التمر. ومنها ذهبنا إلى (بيروت)، ثم وصف فيها جنّة فرعون أو بستان فرعون، وأساطين الرخام التي فيها، وأطواق الصخور التي يقدر كلّ واحدة منها بسبعة آلاف منّ، إلى غير ذلك من العجائب التي لا يوجد شيء منها في ذلك البلد الآن حَسْبَ ما رأينا، فسبحان مَنْ لا يبقى إلاّ وجهه.

«وقد بالغ السائح في كثرة أساطين الرخام المطروحة في تلك النواحي التي هي على أشكال مختلفة هندسية، من مدوَّر ومربَّع ومسدَّس ومثمَّن، وهي من الصخر الصلب الذي لا يؤثر فيه الحديد، على حين أنه ليس في تلك الجهات جبال يظنّ أنها منحوتة منها، ولا يعلم بشر من أين جاؤوا بها؟ وكيف كانت؟ إلى أن قال»: وفي نواحي الشام خمسمائة ألف أسطوانة مع رأسها، وكعبها المقرنص المخرم، كلها ملقاة في الصحراء، ثمّ قال: وبعد هذا وصلنا إلى (صيدا)، وعلى شاطئ البحر كثير من قصب السكر قد زرع، ولها ثلاثة أبواب، ومسجد جمعة، فيه روح بديع، مفروش بالحصر المنقوشة، وأسواق جميلة كأنّها مزيَّنة لاحتفالٍ ظننت أنه قد وردت عليهم بشارة قدوم سلطان، ولما سألتُهم قالوا: إنها طول السنة بهذه الصفة، وحولها بساتين وأشجار كأنّ ملكاً من الملوك قد صنعها لنفسه، وكلّها كانت مثمرة.

 ومنها رحلنا إلى (صور)، وهي بلدة على ساحل البحر، ليس أكثر من مائة ذراع في الأرض، وباقيها في البحر، وأبنيتها من الصخور المنحوتة، وما بينهما مدروز بالقير؛ كي لا يؤثِّر عليها أمواج البحر. وهي خمس طبقات أو ستّة بعضها فوق بعض، وفيها نوافر (فوارة) كثيرة، ونعمها وافرة، وأسواقها جميلة، وهي معروفة بالمال والقوّة بين البلاد الساحلية. وأكثر أهاليها شيعة. وقاضيها رجل سنّيّ، يقال له: ابن أبي عقيل، رجلٌ قويّ البنية، حسن المنظر. وعلى باب البلد مشهد فيه أفرشة وقناديل من الذهب والفضّة. وهي واقعة على مرتفع، وماؤها يجري من الجبل، وعلى باب البلد أساطين عليها قناطر وأطواق يجري عليها الماء إلى البلد. وفي ذلك الجبل باب مقابل البلد، والذاهب إلى جهة المشرق منها يصل إلى دمشق بثمانية عشر فرسخاً. ولما بعدنا عنها بسبع فراسخ وصلنا إلى بلد (عكّا)، وهي بلدةٌ على مرتفع، وما لم يكن المكان في الساحل مرتفعاً لا تكون عليه بلد؛ خوف غلبة الماء. ومسجد الجمعة في وسطها في أعلى مكانٍ منها، أساطينه من الرخام، وفي خارجه على اليمين قبر النبيّ صالح×، وصحن المسجد مفروش بعضه بالصخور، وبعضه مزروع. ويقولون: إن آدم× زرعه. وقد ذرعت البلد فكان طولها ألفي ذراع، وعرضها خمسمائة، في غاية الهندسة، والبحر في الجانب الغربي والجنوبي، وفيه المينا، وهو محلٌّ صنعوه لحفظ السفن، كالاصطبل، ظهره إلى البلد وجدرانه إلى البحر، وله باب سعتها خمسون ذراعاً بغير حائط، ولكنْ عليه سلسلة بين الحائطين إذا أرادوا دخول السفينة أرخوا السلسلة حتّى ترسب في الماء، وتمرّ السفينة عليها، ثم يشدّونها حتّى ترتفع وتمنع من الدخول. وعلى الباب الشرقي عين ماء ينزل إليها في ستّ وعشرين درجة، حتّى يصل إلى الماء، ويقال لها: عين البقر، ويقولون: إن آدم× قد استخرجها وسقى بقرته منها. وإلى شرقيّها جبلٌ فيه مراقد جملة من الأنبياء، وقبر عكّ، وهو باني عكّا، رجل من الصلحاء. وقرية (بردة)([55])، وفيها قبر عيش([56]) وشمعون وحضارة (دامون)([57])، وفيها قبر ذي الكفل. وقرية (اعبلين)([58])، وفيها قبر هود× وعزير×. وإلى سَمْت الجنوب قريةٌ يقال لها: (الحظيرة)([59])، وفي غربيّها وادٍ فيه عين ماء تنبع من الصخر، وعلى صخرة هناك مسجد وبيت من الصخور، فيه قبران متّصلان: أحدهما: قبر شعيب×؛ والثاني: قبر بنته الصغرى وزوجة موسى. ومنها وصلنا إلى قرية (داريل)([60])، وفيها جبل في وسطه حظيرة، فيها أربعة قبور من أولاد يعقوب إخوة يوسف. ومنها ذهبنا إلى تلٍّ فيه غار في وسطه قبر أمّ موسى×، ومنها ذهبنا إلى وادٍ ظهرت لنا في آخره بحيرة، وعلى ساحلها بلد (طبرية)([61]). وطول البحيرة بالمقياس ستّة فراسخ في عرض ثلاثة، وماؤها عذب سائغ، والبلدة في غربيّها، ومنه يشرب أهاليها، ويجري إلى حماة، ثم يعود الفضلة إلى البحيرة مع جميع قاذورات البلد. وسمعت أنّ بعض الأمراء أمر بسدِّ مجاري تلك القذارات عن البحيرة، فلما سدَّتْ تعفَّن ماء البحيرة ولم يصلح للشرب، فعادوا إلى فتحها فعاد الماء إلى عذوبته. وعلى دور البلد جدارٌ حصين، سوى جهتها التي إلى البحيرة، وبنيت في الماء بيوتٌ كثيرة من الأحجار على أساطين الرخام المركوزة في الماء. وفي هذه البحيرة سهلٌ (سمك) كثير. وفي مسجد الجمعة وعلى بابه عين ماء، وعلى رأسه حمّام يُقال: إنه من بناء سليمان×، وحرارة مائه لا تطاق إلاّ بأن تمتزج بكثيرٍ من الماء البارد. وفي طبريّة مسجدٌ يقال له: مسجد الياسمين، فيه مصطبة كبيرة، (وكان) فيها محاريب، وحولها شجر الياسمين، ولها رواق من جانب المشرق فيه قبر يوشع بن نون×، وتحت البركان قبر سبعين نبيّ قتلهم بنو إسرائيل. ومن جانب جنوب البلد بحيرة لوط، وماؤها مُرٌّ مالح، وفيها يصب ماء طبرية. وبلدة لوط على شاطئه لكنْ لم يبقَ منها أثرٌ، سمعتُ من شخص أنّه يكوّن من زبد بحيرة لوط شيء مثل البقرة، كقطعة الصخر الأسود، ولكنْ ليس بتلك الصلابة، يأخذه الناس ويقطعونه ويحملونه إلى الأطراف، فإذا وضعت قطعة منه في أصل الشجرة حفظتها من الحشرات والديدان ومن كلّ آفةٍ. والعهدةُ على الراوي. والعطّارون يدفونه ويضعونه في الأدوية فلا تفسد، ولا يضرّ بها الدود والحشرات. وفي الجانب الغربي جبل فيه صخرة مكتوب عليها بالعبرانية: إن وقت هذا الكتابة كانت في الثريا في رأس الحمل. وفي خارج طبرية قبر أبي هريرة من جهة القبلة، ولكنْ لا يمكن لأحدٍ الذهاب إليه؛ لأن أهاليه شيعةٌ، وجهّالهم وأطفالهم قد يؤذون الغريب، وقد يضربونه بالأحجار، ولذا لم أجسر على زيارته. ولمّا رجعت من هذا الموضع وصلت إلى قرية يقال لها: (كفركنة)([62]). وفي جنوبها، وتقع في رأسه، صومعةٌ إلى جنبها قبر يونس×، وعلى بابها بئرٌ ماؤها طيب. ثم رجعت إلى (عكا)، وكنت خلفت متاعي ودراهمي فيها؛ خوف التلف في تلك الأماكن الموحشة. ومنها رحلنا إلى قريةٍ يقال لها: (حيفا) ، وكان في الطريق رملٌ كثير من الرمل الناعم الذي يستعمله الصيّاغون، ويقال له: الرمل المكّي، وهي على ساحل البحر، وفيها نخيل وأشجار كثيرة، وفيها يصنعون السفن التي يقال لها: الجودي. ومنها أتينا إلى قريةٍ أخرى يقال لها: (الكنيسة)([63])، ومنها انحرف الطريق عن البحر إلى الجبل من جهة المشرق، ثمّ إلى صحراء صخرية يقال لها: وادي التماسيح، وبعد مسيرة فرسخين رجع الطريق إلى ساحل البحر ثانياً. وهنا رأينا عظام الحيوانات البحرية العظيمة معجونة بين التراب والطين، حتّى استحجرت من تلاطم الأمواج عليها، وبعده وصلنا إلى بلد يقال لها: (قيسارية)([64])، من عكا إليها سبع فراسخ، وهي بلدةٌ جميلة، فيها مياه جارية ونخل كثير وأشجار نارنج وأترج، ولها سور منيع وباب حديد، وعيونها تجري في البلد، ومسجد جمعة تجلس في ساحته فيكون البحر أمامك في منظرٍ بديع، وفيها جثٌ من رخام مثل: فرفوري الجيني، يسع مائة منّ من الماء. ويوم السبت سلخ شعبان المعظم خرجنا على الرمل المكّي قدر فرسخ، فرأينا ثانياً أشجار التين والزيتون، وبعد مسيرة كم فرسخ وصلنا إلى بلدٍ يقال لها: (كفر سابا)([65]) و(كفر سلام)([66]). ومنها إلى (الرملة)([67]) ثلاثة فراسخ، وكلّ الطريق أشجار. ويوم الأحد غرّة شهر رمضان المبارك وصلنا (الرملة)، ومن القيارية إليها ثمانية فراسخ، وهي بلدةٌ كبيرة عليها سور حصين من الصخر والجصّ وأبواب حديد، ومنها إلى البحر ثلاثة فراسخ، وماؤها من الأمطار، وفي كلّ بيتٍ مخزن ذخيرة للماء، وفي مسجد الجمعة حياضٌ كبيرة تمتلئ بالماء، فيأخذ مَنْ شاء. ومساحة دورة المسجد ثلاثمئة خطوة في مئتين، ومكتوبٌ على الصفة أنه في سنة 425 وقعت زلزلة قوية خربت منها عمارات كثيرة، ولم يتلَفْ أحدٌ من الناس. ويكثر في هذه البلد الرخام، وجميع بيوتهم مرخَّمة ومنقوشة، يقطعونه بالمناشير طولاً، لا عرضاً، ويعملونه ألواحاً كألواح الخشب. وفيه من جميع الألوان، الأحمر والأخضر والملمع والأسود والأبيض وغير ذلك. وفيها نوع من التين لا يوجد نظيره في العالم. وهذه البلد لها نسبة إلى ولاية الشام والمغرب وفلسطين، وفي ثالث رمضان خرجنا من رملة إلى قرية يقال لها: (الخاتون)، ومنها إلى قرية يقال لها: (قرية العنب)، ثم سرنا بحيث يخيَّل لنا أننا صاعدون إلى جبلٍ، فما ارتفعنا قليلاً حتّى بدَتْ لنا صحراء عظيمة، وعلى رأس جبل فيها قد وضعت بلدة بيت المقدس. ومن طرابلس التي هي من السواحل إلى بيت المقدس ستّة وخمسون فرسخاً، ومن بلخ إلى بيت المقدس ثمانمئة وستّة وثمانون فرسخاً، وفي خامس شهر رمضان سنة 438 صِرْنا في بيت المقدس، وقد مضى علينا من خروجنا من بيتنا سنةً شمسيّة كاملة، ولم نجِدْ ما دمنا في السفر راحةً تامة.

(بيت المقدس). وأهل الشام وأطرافه يعبِّرون عنه بالقُدْس، ومَنْ لا يحج من أهل تلك الأطراف يأتي إليه، فيجتمع في كلّ موسمٍ ما يزيد على العشرين ألفاً من الخلائق في أوائل ذي الحجّة الحرام، ويأتون بأولادهم فيجرون لهم (السنّة)، أي الختان. ويأتي من بلاد الروم وغيرها من بلدان النصارى واليهود؛ لزيارة كنيسة القيامة وغيرها من الكنائس، التي سوف نصفها في مواضعها، خلائق لا تحصى، سواء بيت المقدس ورساتيقه كلّها جبال زراعية، وفيها أشجار التين والزيتون على البئر من غير ماء، ونعمها وافرة ورخيصة، وكلّ صاحب ضيعة أو بستان يحصل له في السنة خمسون ألف منّ من الزيت، يجمعها في آبار وحياض، ويحملها إلى أطراف العالم، ويقال: إنه لا يقع قحطٌ في بلاد الشام.

والآن نصف لك بيت المقدس: هي بلدة واقعة على جبل، ولا ماء لها إلاّ من الأمطار. وفي الرساتيق عيون ماء ليس في البلد منها شيء. ويستدير على البلد سور حصين من الحجر والجصّ وأبواب حديد. وقريب البلد لا يوجد شجر؛ لأنها صخرية. والبلد كبيرة تشتمل في هذا الوقت الذي رأيتها فيه على عشرين ألف رجل. وأسواقها جميلة، وأبنيتها عالية. وأرض البلد بأجمعها مفروشة بالصخور. وكل مكان مرتفع من جبل ونحوه قد قلع وسوّي مع الأرض باعتدالٍ، وإذا هطلت السماء غسلت الأرض كما يغسل الأناء. وفي البلد صنّاع كثيرون، وكلّ صنف على حدة. وسور البلد الشرقي هو سور الجامع. وإذا تجاوزت الجامع فهناك صحراء واسعة مستوية يقال لها: (الساهرة)، ويقال: إنها هي عرصة القيامة التي يحشر الله فيها الخلائق، ولذا نزح إليها كثيرٌ من الناس من أطراف العالم، وصنع كلّ واحد له مقاماً فيها… وفي طرف تلك العرصة مقبرة واسعة عظيمة، وفيها مواضع مقدّسة يصلّي الناس فيها وتطلب حوائجها. وبين الجامع وتلك العرصة (الساهرة) وادٍ عظيم عميق، كالخندق، وفيه أبنية. ورأيت فيه قبة منحوتة من الصخر موضوعة على بيت. وهذا أمرٌ لا شيء أعجب منه، كيف رفعوها من الأرض ووضعوها في ذلك المحلّ؟! ويدور على الأفواه أنه بيت فرعون، وأن الوادي وادي جهنم. سألتُ: مَنْ وضع له هذا اللقب؟ قالوا: أيام خلافة عمر(رضي الله عنه) نزل الجند في الساهرة، ولما نظر إلى الوادي قال: هذا وادي جهنم. والعوامّ يقولون: كلّ مَنْ يضع رأسه في الوادي يسمع الأصوات فيه، وهي أصوات أهل جهنم، وأنا وضعت رأسي فلم أسمَعْ شيئاً. وإذا توجَّهت من البلد إلى سَمْت الجنوب نصف فرسخ تنتهي إلى منحدرٍ فيه عين ماء تنبع من صخر يقال لها: (عين السلوان)، وعلى رأسها عمارات، ويقال: كل مَنْ يغسل رأسه وبدنه بتلك العين تزول أسقامه وأمراضه المزمنة، وقدّامها أوقاف كثيرة. وفي بيت المقدس مستشفى جميل، وله أوقاف واسعة، وفيه جمعٌ كثير من المرضى، وأطبّاء متعدِّدون، لهم جرايات ورواتب من تلك الأوقاف. ومسجد الجمعة في طرف البلد من الشرق، وأحد حيطان المسجد على طرف وادي جهنم، وفي صدره صخور عظيمة بعضها فوق بعض، ليس بينها طين ولا جصّ. وفيه صخرةٌ عظيمة بني المسجد عليها، وهي تلك الصخرة التي أمر الله نبيَّه موسى أن يجعلها قبلة، ولم يلبث إلاّ قليلاً حتّى أدركَتْه الوفاة إلى أيّام سليمان بن داوود، فأمر ببناء المسجد حولها، وجعلها في وسط المسجد، وهي محراب الحلّي إلى عهد نبيّنا|، فكانت أيضاً هي قبلته التي يصلّي إليها، إلى أن أمره الله سبحانه بالتوجُّه إلى الكعبة، التي سيأتي وصفها في محلّها.

أردت أن أذرع مساحة المسجد فقلت: يلزم أن أعرف جيداً هيئة المسجد، فطفقت أتردَّد في نواحيه وأنظر، إلى أن وقع نظري في الجانب الشمالي، قريباً من قبة يعقوب×، على طاقٍ مكتوب عليه أن طول هذا المسجد سبعمائة وأربعة أذرع (أرش)، «والأرش بلسان الفرس يطلق تارة على ذراع اليد؛ وأخرى على الباع، يعني من أصابع اليمنى إلى أصابع اليسرى عند مدّهما»، وعرضه أربعمائة وخمسة وخمسون بذراع الملك، الذي يقال له في خراسان: ذراع شايكان، وهو أقلّ من ذراع ونصف بقليلٍ.

وأرض المسجد مفروشة بالصخور ودروزها بالقلع. والمسجد في الطرف الشرقي من البلد والسوق. فالذاهب من السوق إلى المسجد يتوجَّه إلى المشرق. وله بوابة عظيمة، وإيوان ارتفاعه ثلاثون ذراعاً، وعرضه عشرون. ولها جناحان، وجههما ووجه الإيوان منقوش بالمينا الملونة بنحوٍ بديع، يظل البصر خاسئاً مارّاً فيه، وعليه كتابة بالمينا فيها لقب سلطان مصر، فإذا ضربت عليه أشعة الشمس يظلّ العقل متحيِّراً فيه. وعليه قبة غاية في الكِبَر من الصخر. وهناك بابان تكلفوا في صنعهما ووجههما من البرنج الدمشقي كأنّه الذهب، وفيهما نقوش بديعة، عرض كل واحدة ثمانية أذرع، وارتفاعها خمسة عشر ذراع [ذراعاً]، ويقال لهذا الباب: (باب داوود). وإذا دخلت منه تجد على اليمين رواقين كبيرين في كلّ واحد تسع وعشرون أسطوانة رخام ملوّن، دروزها من القلع، وعلى رأس كلّ واحدة طاق معقود بآخر، كلّ واحد مركب من أربع صخور أو خمس، والرواقان ممتدّان إلى المقصورة. وإذا دخلت من الباب تجد على اليسار رواقاً مستطيلاً فيه أربعة وستّون طاقاً على الأساطين الرخامية، وباب أخرى في هذا الجدار يقال لها: (باب الشقر). وفي طول المسجد من الشمال إلى الجنوب ساحةٌ مربّعة. والقبلة في الجنوب. ومن جانب الشمال بابان أيضاً متّصلان، عرض كلّ واحد سبعة أذرع في اثني عشر ذراعاً في الارتفاع، ويقال لهما: (باب الأسباط)، وإذا تجاوزتها إلى المشرق تجد ثلاثة أبواب متقاربة على قدر باب الأسباط، والجميع من الحديد والبرنج، مصنوعة أتقن صنع بحيث لا يوجد أحسن منها، ويقال لتلك الباب المشتملة على ثلاثة: (باب الأبواب)؛ بسبب أن سائر الأبواب زوج زوج، سوى هذا الباب. وما بين تلك الأبواب قبة مرتفعة على دعائم مزيَّنة بالقناديل يقال لها: قبّة يعقوب×، كانت موضع مصلاّه. وفي عرض المسجد رواق، في حائطه باب، في خارجه خانقاه، فيه محاريب جميلة، وهو منزل جماعة من الصوفية، لا يزالون مجاورين فيه لا يخرجون منه إلاّ يوم الجمعة؛ للصلاة في المسجد. وفي الركن الشمالي من المسجد رواق جميل، وقبة كبيرة مكتوب عليها: هذا محراب زكريا النبيّ. وفي الحائط الشرقي في وسط المسجد باب عظيم كأنّه منحوت من صخرة واحدة، في ارتفاع خمسين ذراعاً، وعرض ثلاثين، منقوش ومنقور، وصنعت فيه عشرة أبواب صغار بفاصلٍ قليل، مزينة بأبدع زينة من الحديد والبرنج الدمشقي والأوتاد والحلق، ويقال: إن هذا الموضع صنعه سليمان لأبيه داوود. وإذا دخلت في تلك الساحة متوجِّهاً إلى المشرق فهناك على اليمين بابان: باب الرحمة؛ وباب التوبة، يقال: إن الله سبحانه قبل توبة داوود هناك. وتجد ثمّة مسجداً لطيفاً، كان دهليزاً فصيَّروه مسجداً، مفروشاً بأنواع الفرش الثمينة، وله خدّام مختصّون به، والناس يكثرون التردُّد إليه، والصلاة والتبرُّك به، والتوبة من المعاصي فيه، ويقال: إن داوود حين وضع قدمه جاءه الوحي بقبول التوبة، وقد صلَّيْتُ فيه وتبت إليه تعالى ورجوتُ منه قبول توبتي. وعلى الجدار الشرقي منتهياً إلى الزاوية الجنوبية، والقبلة في الضلع الجنوبي أمام الجدار الشمالي من المسجد، سردابٌ ينتهى إليه بدرجات كثيرة، عشرون ذراع في خمسة عشر، وسقفه من الصخر، قائم على دعائم من رخام، وقد وضع فيه مهد عيسى×، وهو واسع كبير، والناس يصلّون هناك، وهو مهد عيسى أيام طفولته الذي يكلِّم الناس فيه، وقد وضعوا المهد مكان المحراب. ومحراب مريم أيضاً في هذا المسجد في جانب المشرق. وهناك محراب آخر لزكريّا مكتوبٌ عليه الآيات الواردة في حقّ زكريا ومريم، ويقال: إن مولد عيسى في هذا المسجد. وفي صخر بعض أساطينه موضع أصبعين، كأنّ شخصاً وضع أصابعه فيه، يقال: إن مريم وقت وضعها كبست أصابعها عليه، ويعرف هذا المسجد بـ (مهد عيسى)، وفيه قناديل كثيرة معلَّقة من فضة وغيرها، تسرج في أكثر الليالي. وإذا تجاوزت هذا المسجد أيضاً في الجدار الشرقي، إذا وصلت إلى زاوية المسجد، مسجد آخر كبير، ضعف مسجد عيسى، ويقال له: (المسجد الأقصى)، وهو الذي عرج النبيّ| منه ليلة الإسراء، كما في الكتاب المجيد، وفيه عمارات تكلَّفوا في تزويقها وهندستها، وأفرشة نظيفة، وخدّام مختصّون به. وإذا رجعت إلى الجدار الجنوبي تجد مقدار عشرين ذراعاً في الزاوية ساحة مكشوفة، والمسقوف من المسجد الكبير أربعمئة وثمانية أذرع طولاً. والمقصورة على طرف اليمين في الجدار الجنوبي، والمسقوف من الغربي أربعمئة وخمسة أذرع. وفيه مائتان وثمانون أسطوانة رخام، وعلى كل واحدة طاق حجري. وجميع الأساطين منقوشة ودروزها محشوّة بالقلع، بحيث لا تجد أتقن منها. وبين كلّ أسطوانتين ستّة أذرع مفروش بالرخام الملوّن مدروز بالقلع. والمقصورة التي في وسط الجدار الجنوبي كبيرة، بحيث إن فيها ستة عشر أسطوانة، وقبّة عظيمة كبيرة منقوشة بالمينا، وقد فرشت بالحُصُر المغربية، والقناديل والسرج معلقة بالسلاسل، وفيها محراب كبير منقوش بالمينا، وعلى جانبي المحراب عمودان من الرخام بلون العقيق الأحمر، وأفريزها رخام ملون، وعلى اليمين محراب معاوية. وعلى اليسار محراب عمر، وسقف المسجد مستورٌ بالأخشاب منقوش بتكلُّف. وللمقصورة على الساحة خمسة عشر [خمس عشرة] بوابة، ارتفاع كلّ واحدة عشرة أذرع في عرض ستّة. ومن جملة تلك الأبواب باب مصنوعة من البرنج في غاية الهندسة والإبداع، كأنها من الذهب الإبريز، وعليها اسم المأمون، يقال: إنه أرسلها من بغداد. وإذا فتحت جميع الأبواب يضيء المسجد حتّى كأنَّه لا سقف عليه، وإذا سدَّت كان الضياء من الشبابيك والروازن. ومن خارج السقف على الجدار الكبير رواق فيه اثنان وأربعون طاق، وجميع أساطينه رخام ملوّن، وداخل السقف حوض مساوٍ للأرض إذا وضع غطاؤه عليه لم يبق له أثر، يجري ماء المطر إليه من السطوح. وفي الجدار الجنوبي متوضّأ؛ لأنه لو خرج محتاج التجديد فاتت عليه الصلاة من جهة اتّساع المسجد، وجميع السطوح قد صبّ عليها القلع والرصاص. يجري ماء المطر إلى حياض كبيرة وكثيرة في أرض المسجد، التي هي جبل صخري، فلا يتلف من ماء المطر قطرة، والميازيب مصنوعة من القلع، ملصوقة بالجدران، موصولة بالحياض، بحيث لا يصيب الماء أدنى قذر أو كدر. والناس تستسقي وتشرب منه. وفوق بثلاثة فراسخ من البلد رأيت مخزن ماء عظيم يأتي إليه الماء، وفتحوا له مجرى تحت الأرض إلى المسجد. وأكثر ماء البلد في المسجد. وفي جميع البيوت حياض ومخازن لماء المطر من سطح داره. وكل مائهم من الأمطار. والحياض التي في الجامع لا تحتاج إلى عمارة؛ لأنها من الصخر الأصمّ، يقال: إن سليمان× صنعها. ورأس الحوض ضيِّق كالتنّور، وغطاؤه صخرة عظيمة. وماء هذه البلد أطيب وأنظف من مياه جميع البلدان، وأقلّ مطر إذا نزل جرى سريعاً إلى الميازيب والحياض. قلنا: إن بلد بيت المقدس على رأس جبل وأرضه غير ممهّدة، ولكن أرض المسجد مسوّاة ومسطحة، وخارج المسجد كلّ مكان منخفض. فجدار المسجد عالٍ وكل مرتفع في الجدار منخفض على النسبة، فتكون أضراس الجبل جزء من الجدران، والبيوت المنخفضة عن المسجد نحتوا لهم طريقاً وجعلوه باباً إلى المسجد. فمن تلك الأبواب (باب النبيّ)، وهي من جانب القبلة، عرضها عشرة أذرع وارتفاع عشرين درجة، وفي موضع خمسة أذرع، يعني أن سقف هذا الممرّ في بعض المواضع عشرون ذراعاً ارتفاعه. وهذا الممرّ في غاية من القوة والإتقان، بحيث إنه قد وضع على ظهره بناء عظيم ولم يؤثِّر شيئاً فيه. وهناك صخور لضخامتها لا يقبل العقل أنّ القوة البشرية تستطيع نقلها وتحويلها، ويقال: إنها من عمارات سليمان×. ونبيّنا المصطفى| ليلة المعراج دخل إلى المسجد من هذا الباب، وهو من جانب طريق مكّة، وقريباً من الباب شكل على قدر المغفر (المجنّ) في وسط صخرة، يقال: إن حمزة بن عبد المطلب جلس متَّكئاً هناك ومجنّه على ظهره، فبقي أثره على الصخر. وهناك بابٌ ذو مصراعين، الغرض من وضعه أن لا يحتاج أهل هذه المحلّة التي إلى هذا الضلع من المسجد أن يمرّوا على محلّة أخرى إذا قصدوا المسجد. وعلى باب المسجد من اليمين في الجدار صخرة، ارتفاعها خمسة عشر ذراع في عرض أربعة، وهي أعظم صخرة في هذا المسجد. أمّا الصخور التي هي بقدر خمسة أذرع أو ستّة، الموضوعة في الجدران، فهي كثيرة…

وفي عرض المسجد باب شرقي يقال لها: (باب العين)، يخرج منها إلى منخفض فيه (عين السلوان)، وباب آخر منخفضة في الأرض يقال لها: (باب حطّة)، ويقال: إنها هي الأبواب التي أمر الله بني إسرائيل أن يدخلوا منها إلى المسجد: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 58)، وباب ثالث يقال له: (باب السكينة)، وفي دهليزها مسجد فيه محاريب كثيرة. وفيه باب لا يزال مسدوداً لا يمكن لأحد دخوله يقال: إن فيه تابوت السكينة الذي ذكره سبحانه في كتابه، وإن الملائكة تحمله. وجميع أبواب جامع البيت المقدس من الأعلى والأسفل تسعة أبواب، حسْبَ ما وصفناها.

«صفة البناء الذي في وسط ساحة المسجد، وفيه الصخرة التي كانت هي القبلة قبل الإسلام»:

ويعبر السائح عن ذلك البناء (الدكان)، أي المصطبة، وعن الدعامة المربعة المصنوعة بالبناء (ستون) فارسية، وعن الدعامة المدوَّرة المنحوتة من صخرة واحدة (أسطوانة)، معرّبة أو عربية، وقد صنعوا هذا الدكان من أجل أن الصخرة كانت مرتفعة ولا يمكن سترها، فوضعوا هذا البناء بعرض ثلاثمائة وثلاثين ذراعاً في ثلاثمائة، وارتفاعه اثني عشر ذراعاً، وصحنه مسوّى ومسطّح بالرخام، وكذلك جدرانه ودروزه من القلع، وجوانبه الأربعة من الصخور الرخامية، مثل: الحظيرة، وهو بنحوٍ لا يمكن الدخول من غير المسالك التي وضعت له. ومَنْ يعلو ذلك البناء يشرف على سطوح المسجد. وفيه حوض قد صنع تحت الأرض يجري إليه ماء المطر. وماء هذا الحوض أنظف وأطيب من مياه جميع الحياض، وفي هذا البناء (الدكان) أربع قباب، أكبرهنّ (قبة الصخرة). وقد بني المسجد بنحوٍ يكون الدكان في وسطه، وقبة الصخرة في وسط الدكان، والصخرة في وسط القبّة. وهذه القبة عبارة عن بيت مثمَّن، كلّ ضلع من الثمانية ثلاثة وثلاثون ذراعاً، وله أربعة أبواب من الجهات الأربع، الشرق والغرب والشمال والجنوب، وبين كلّ بابين ضلع، وجميع الجدران من الصخر المنحوت قدر عشرين ذراعاً، ودور الصخرة قدر مائة ذراع، وليس لها شكل معين، من مدور أو مربع ونحو ذلك، بل هي صخرة غير متناسبة الهندام، كسائر الصخور الجبلية التي تقطعها الحوادث الطبيعية. وفي جوانبها الأربع قد بني أربع أسطوانات على ارتفاع جدران ذلك البيت، وبين كلّ أسطوانتين عمودان من رخام قائمان، وعلى رأس هذه الأعمدة والأساطين الاثني عشر بنيت قبّة الصخرة تحتها، ودورها مائة وعشرون ذراعاً. وبين حائط هذا البيت وتلك الأعمدة والأساطين ستّة أساطين أخرى أيضاً من الصخر المهندم (أي مهندس)، وبين كلّ أسطوانتين ثلاثة أعمدة من الرخام ملوَّنة بقِسْمة معتدلة. وكما في الصف الأول بين كل أسطوانتين عمودان، فهنا بين كلّ أسطوانتين ثلاثة أعمدة، وفي رأس كلّ أسطوانة أربعة شعب، على كلّ شعبة قد ركبوا طاقاً، وفي رأس كلّ عمود شعبتان ركّب عليهما طاقان، وتلك القبّة العظيمة على تلك الأساطين الاثني عشر قريبة من الصخرة، بحيث ترى القبة من بعد فرسخ كرأس جبلٍ شامخ، حيث إنّه من تخومها إلى رأسها ثلاثون ذراعاً، وعلى رأس العشرين ذراعاً وضع جدار البيت والأساطين، والبيت موضوع على (الدكان)، وارتفاعه اثني عشر ذراعاً، فمن أرض ساحة المسجد إلى رأس القبة اثنان وستون ذراعاً. وسطح هذا البيت وسقفه مغطّى بالنجارة، وعلى رأس الأعمدة والأساطين بنحو يعز أن يوجد نظيره، ومقدار ارتفاع الصخرة عن الأرض أكثر من قامة إنسان، وعليها مثل الحظيرة من الرخام مستديرة، بحيث لا تصل يد أحدٍ إليها، ولونها قاتم.

«والبتّة لم يضع أحدٌ رجله عليها»:

 وفي طرف القبلة منها موضع منخفض منها، بحيث يحسب الرائي أن أحداً وضع رجله عليها، وكانت من طينٍ لين فأثَّر قدمه فيها، وبقي رسم أصابعه عليها([68]).

وقد سمعت أن إبراهيم× كان هناك، ومعه ولده إسحاق، وهو صغيرٌ، فقام عليها، فأثَّرت رجله فيها. ولا زال الناس يتعبَّدون ويترددون إلى بيت الصخرة. وهو مفروش بفرش الحرير والديباج، ومزيَّن بأحسن زينة، وفيه قناديل فضّة معلقة بسلاسل فضة مكتوب على كلّ واحد وزنه، وقد صنعها وأهداها سلطان مصر. وقد حسبنا فوجدنا مقدار ألف مَنّ من الفضة هناك من القناديل والآلات. ورأيت هناك شمعة كبيرة طولها سبعة أذرع، ودورتها ثلاثة أشبار، أشدّ بياضاً من الكافور، وكانت معجونة بالعنبر، وقالوا: إن سلطان مصر يبعث كلّ سنة شمعاً كثيراً إلى هذا المقام، منها: تلك الشمعة، ومكتوب على أسفله اسمه. وهذا المكان هو الموضع الثالث من بيوت الله المقدَّسة ومساجده المعظَّمة. والمعروف عند العلماء أن الركعة في بيت المقدس تقبل عند الله تعالى بخمسة وعشرين ألف ركعة، وفي مدينة الرسول بخمسين ألف ركعة، وفي مكّة المعظَّمة بمائة ألف. قلنا: إن جميع السطوح وباطن القبب مصبوب عليها القلع، وقد وضع على جوانب البيت الأربعة أبواب أربع ذات مصراعين من الخشب الصاج، ولا تزال هذه الأبواب مسدودة، وبعد هذه القبة قبة أخرى تُسمى (قبة السلسلة)، وهي التي علّقها داوود×، بحيث لا تصل إليها إلاّ يد صاحب الحقّ، أما الظالم والغاصب فتقصر يده عنها، وهذا المعنى مشهور عند العلماء. وهذه القبة قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام، وستّ أسطوانات من الصخر، وجميع جوانبها مفتوحة إلاّ جهة القبلة، وفيها محراب قد صنع بغاية الحسن، وفي ذلك الدكان قبّة أخرى أيضاً قائمة على أربعة أعمدة، وجانب القبلة منها مسدود أيضاً، وفيها محراب جميل ويقال لها: (قبة جبرئيل)، وليس فيها فراش، ولكنها مفروشة بالصخور الصغيرة التي مهدت بها أرضها، ويقال: إن البراق ليلة المعراج جيء بها إلى هذا الموضع، فركبها النبيّ|. ومن بعدها قبة أخرى يقال لها: (قبّة الرسول)، بينها وبين قبة جبرئيل عشرون ذراعاً، وهي أيضاً على أربع أساطين رخام، ويقال: إن النبيّ| ليلة المعراج صلَّى أوّلاً في قبّة الصخرة، ولما أراد الخروج نهضت الصخرة من الأرض إجلالاً له، فوضع يده عليها كي تستقرّ، وإلى الآن بقيت معلَّقة نصف تعليق، ثمّ جاء إلى القبّة المنسوبة إليه، وفيها جلس على البراق. وتحت الصخرة غارٌ واسع، ولا تزال تسرج فيه شمعة، ويقال: إن الصخرة لما تحرَّكت بقي أسفلها خالياً، ولما استقرَّت بقيت على هذه الصفة.

«صفة درجات طريق الدكان»:

الدكان الذي في ساحة الجامع الطريق إليه من ستّة مواضع، ولكل واحد اسم خاص. من جانب القبلة طريقان في درجات، بينهما ضلع الدكان؛ أحدهما على اليمين؛ والآخر على اليسار. يقال للذي على اليمين: مقام النبيّ|؛ والذي على اليسار: مقام الفوري. وفي مقام النبيّ| يقع الأذان، والنبيّ ليلة المعراج صعد إلى الدكان من تلك الدرجات، ومنها راح إلى قبّة الصخرة. وطريق الحجاز أيضاً من ذلك الجانب. وعرض الدرج في الحال عشرون ذراعاً، وكلّها من الصخر المهندم، بحيث إن كل درجة أو درجتين من صخرة واحدة قطعت مربعة، وقد وضعت بنحوٍ لو أراد الراكب أن يصعدها بدابّته لأمكنه ذلك، وعلى رأس الدرجات أربع أساطين من الرخام الأخضر شبيه بالزمرد، ولكنه ذو نقط كثيرة من ألوان مختلفة، وارتفاع كلّ عمود منها عشرة أذرع، ودورته تسع أن يحتضنها رجلان، وعلى رأس تلك الأعمدة الأربعة ثلاثة أطواق (طاق)، أحدهما مقابل الباب؛ والآخران من الجانبين. وخلف الطاق وأعلاه قد صنع له شرفات ومقرنصات حتّى يتراءى أنّها مربّعة. وكل تلك الأعمدة والأطواق منقوشة بالذهب والمينا، بنحوٍ لا يتصور أحسن منه. ودرابزين ذلك الدكان كلّه من الصخر الرخامي الأخضر المنقّط، يحسبه الرائي روضة تفتّحت أزهارها. ومقام الفوري أيضاً له ثلاث مسالك يدخل الناس منها؛ أحدها يحاذي الدكان؛ والآخران من جانبيه. وأعمدته وأطواقه ودرجاته وشرفاته بالنحو الذي تقدَّم بيانه، كلّ درجة من صخرة أو صخرتين منحوتة طولاً. ومكتوب على وجه الإيوان بالذهب كتابة لطيفة هكذا: (أمر به الأمير ليث الدولة نوشتكين غوري). وقالوا: إنّ ليث الدولة هذا هو غلام سلطان مصر، وهو الذي أمر بصنع تلك المسالك والدرجات، والجانب المغربي من الدكان أيضاً مسلكان، لهما درج وطريق تكلَّفوا في صنعه. وكذلك في الجانب الشرقي منه ويقال له: (المقام الشرقي)، وصنعوا له أيضاً أعمدة وأطواق وشرفات ومقرنصات (كنكرة). وفي الجانب الشمالي أيضاً مسلك أكبر وأعلى من الجميع، وله أيضاً أعمدة وأطواق ويقال له: (المقام الشامي). وقدّرت مخارج تلك المسالك الستّة بمائة ألف دينار ذهب، وفي ساحة المسجد ـ لا في الدكان ـ مسجد صغير على الجانب الشمالي، مصنوع من صخر منحور، شبه الحظيرة، وجداره لا يزيد على قامة إنسان، ويسمّى هذا بـ (محراب داوود×)، وبالقرب منه حظيرة من صخر بقدر القامة، ورأسها بقدر مطرح سجّادة صغيرة، وهي صخرة غير متساوية، يقال: إنها كرسيّ سليمان، أو موضع كرسيّه، الذي كان يجلس عليه أيّام عمارة هذا المسجد. وهذا المعنى كنت رأيته في (جامع بيت المقدس)، وقد صوّره كذلك، وقد نقلته في مذكّراتي اليومية (روزنامه).

ومن النوادر التي رأيتها في مسجد بيت المقدس شجرة جوز كانت فيه. وبعد زيارة بيت المقدس عزمت على زيارة إبراهيم الخليل، وفي يوم الأربعاء غرّة ذي القعدة سنة 438 توجّهت إلى ذلك المشهد، وأهالي الشام يسمّونه (الخليل)، والمسافة من بيت المقدس ستّة فراسخ إلى الجنوب. وفي الطريق قرى كثيرة ومزارع وبساتين وافرة، وأشجار التين والزيتون والسماق كلّها من نبات أنفسها لا نهاية لها. وعلى رأس فرسخين من البلد أربع قرى على عين ماء، حولها بساتين كثيرة يقال لها: (الفراديس)، وللنصارى محلّ على رأس فرسخ من بيت المقدس يعظِّمونه ويقدسونه، ولا يزال قوم مجاورين له، والزوّار له كلّ سنة كثيرون، ويقال له: (بيت اللحم)، وزواره منهم من الروم وغيرهم، يذبحون فيه القرابين، كان مبيتي تلك الليلة فيه، ومشهد الخليل في قرية يقال لها: (مطلون)، وله أوقاف كثيرة، وفيها عين ماء تنفجر من الصخر، ماؤها قليل يجري تحت الأرض إلى حوض مستور يجتمع فيه ذلك الماء حتّى يكفي لريّ أهل المشهد والزائرين، والمسجد على طرف القرية من الجنوب الشرقي. يتكوّن المشهد من أربعة جدران من الصخر، امتداده طولاً ثمانون ذراعاً في عرض أربعين، وارتفاع الجدار عشرون ذراعاً وثخنه ذراعان. وفي ثخنه صنعوا المحراب والمقصورة، وفيها محاريب أنيقة. وفي المقصورة قبران رأسهما إلى القبلة، وهما من الصخر المنحوت، كلّ قبر قدر قامة؛ الذي على اليمين قبر إسحاق؛ والآخر قبر زوجته، وبينهما قدر عشرة أذرع. وقد زيَّنوا الأرض والجدران بالفرش الثمينة والحصر المغربية التي هي أجمل وأبهى من الديباج. ورأيتُ في المصلى حصيراً يقال: إن أمير الجيوش غلام سلطان مصر بعث به إلى هذا المقام، ويقال: إن حصير هذا المصلّى قيمته في مصر ثلاثون دينار رومي من الذهب، بحيث لو كانت تلك الصغيرة من الديباج لما بلغت هذه القيمة، وما رأَتْ عيني مثله أبداً. فإذا خرجت من المقصورة إلى ساحة المشهد تجد قبال القبلة بيتين؛ الذي على القبلة قبر إبراهيم الخليل، وهو بيت واسع، وفي داخله بيتٌ آخر لا يمكن أن يدور أحدٌ عليه، وله أربع كوى (شبابيك)، ينظر الزائر من كلّ واحدة إلى قبر وأرض البيت. وجدرانه مفروش عليها الديباج، والقبر من صخرٍ بارز بمقدار ثلاثة أذرع، وفيه قناديل من فضّة كثيرة؛ والبيت الآخر على اليسار فيه قبر سارة زوجة إبراهيم، وبين المقامين مسلكٌ فيه مدخل لكلٍّ منهما مثل الدهليز. وفيه أيضاً قناديل ومسارج كثيرة معلقة. وبعد هذين المقامين قبران آخران متقاربان؛ على اليمين قبر يعقوب×؛ وعلى اليسار قبر زوجته. وبعد هذا بيوت الضيافة التي كانت لإبراهيم الخليل. ومجموع القبور في هذا المشهد ستة. ومن وراء هذه الجدران الأربع محلٌّ منخفض فيه قبر يوسف×، وقد بنيت عليه قبة جميلة، وبينها وبين الصحراء مقبرة عظيمة. ومن جميع الأطراف تحمل إليها الجنائز، فتدفن فيها. وعلى سطح المقصورة التي في ذلك المشهد بنَوْا حجرات للضيوف والزائرين الذين يَفِدُون إليه. وله أوقافٌ كثيرة من قرى وغِلاّت في بيت المقدس. وأكثر الزراعة هناك من الشعير، وقليل من القمح، والزيتون أيضاً كثير. ويقدِّمون للضيوف والزائرين والمسافرين الخبز والزيتون. وهناك مدارات للطحن كثيرة تُدار بالبقر والبغال، تشتغل كل يوم، وجوارٍ كثيرةٌ تعجن وتخبز. وكلّ قرص من خبزهم يبلغ وزنه منّاً، ويقدِّمون لكلّ نفرٍ قرصاً من الخبز وكاسة عدس مطبوخٍ بزيت، وأيضاً يعطونه مقداراً من الزبيب. وهذه العادة لا تزال من زمن الخليل إلى اليوم مستمرّة. ويتفق بعض الأيام خمسمائة نفر يحضرون دار الضيافة هناك، وطعام الجميع حاضر مهيّأ، ويقال: إن هذا المشهد لم يكن له بابٌ، والناس يزورونه من الخارج، إلى أن ملك المهديّ العلوي مصر فأمر بفتح بابه، وبنى حوله العمارات، ووضع الفرش فيه والآلات، وأجرى عليه الجرايات.

ثمّ رجعْتُ إلى بيت المقدس. واتّفق أن جماعة من أهاليه كانوا عازمين على سفر الحجاز على أرجلهم فسِرْتُ معهم راجلاً. وكان دليلنا رجلاً جلداً قوياً، كان يمشي أمامنا راجلاً، وهو حسن المنظر، يقال له: أبو بكر الهمذاني. وفي سنة 438 خرجنا من القدس. وبعد ثلاثة أيام وصلنا إلى محلٍّ يقال له: (عرعر)([69])، فيه أشجار وماء جاري. ثم وصلنا إلى منزلٍ آخر يُقال له: (وادي القرى). ثم وصلنا إلى منزلٍ آخر. وبعد عشرة أيام وصلنا إلى مكّة. ولم يأتِ في هذه السنة قوافل للحجّ؛ لعدم وجود الطعام، فنزلنا في (سكّة العطّارين). ويوم الاثنين وقفنا بعرفات، وكان الناس في خَطَرٍ من الأعراب. ولما نزلنا من عرفات بقينا يومين في مكّة، ثم رجعنا من طريق الشام إلى بيت المقدس.

«يقول السائح العلوي: وسوف نصف مكّة والمسجد الحرام في الحجّ الثاني؛ لأنه بعد رجوعه إلى القدس بعد الحجّ ارتحل منها إلى مصر، وأطنب في وصفها ومحلاّتها ومساجدها وأسواقها ونيلها وسلطانها وحكومتها. وبقي فيها قريباً من سنة، ثمّ خرج مع الحاجّ المصري إلى الحجّ ثانياً، فوصف مكّة والمدينة وصفاً بليغاً، ثم رجع على البحر إلى البصرة، ومنها عاد إلى إيران على طريق خوزستان، ثم إلى أصفهان، وهكذا إلى أن عاد إلى وطنه بلخ بعد سبع سنواتٍ قضاها في رحلته. وبعد أن استوفى وصف مسجد القدس بما قدَّمنا ترجمته قال:»

 وللنصارى في بيت المقدس كنيسةٌ عظيمة تسمى (بيعة القمامة)([70]). وفي كل سنةٍ يحجّ عالم كبير من الروم وغيرهم، حتّى أن ملك الروم بنفسه يأتيها متخفّياً. وفي الأيام التي كان عزيز مصر الحاكم بأمر الله كان القيصر يأتيها مستوراً متنكراً، فعرف الحاكم ذلك، وأرسل إليه رسولاً لا يعرِّفه أن الحاكم مطَّلع عليه وعالم به، ويقول له: كُنْ آمناً مطمئناً، ولكنّ الحاكم أمر بتخريب تلك الكنيسة فخربت، ونهب ما فيها من النفائس. وبقيت خراباً مدّة سنين. وبعد ذلك أرسل القيصر هدايا وتحفاً إلى الحاكم، وطلب الصلح والإذن بعمارتها، فأذن له، فجدَّد عمارتها. وهي محلٌّ وسيع، تسع ثمانية آلاف نفر، وكلّها من الرخام الملوّن، وفيها نقوش وتصاوير كثيرة، وقد زيّنت بالذهب وماء الذهب والمينا والألوان بما يدهش العقول، ويطول المقام في وصفه. وفيها لعيسى ومريم صور مجسَّمة في غاية الحسن والجمال، منها: صورته وهو راكبٌ على حماره، وفيها أيضاً صور الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف. وفيها موضعٌ كبير قد صوِّرت فيه الجنّة والنار، وأهل الجنة ونعيمهم، وأهل النار وجحيمهم، كل إنسان مكانه بحسب عمله، أهل الجنة في طرف، وأهل النار في طرف آخر، وفيها من القسِّيسين والرهبان والخدم والأناجيل ما لا يمكن إحصاؤه.

«ثم خرج من بيت المقدس إلى مصر، من طريق البرّ إلى الرملة، ثم إلى عسقلان، ثم وصف وأطنب في جزيرة (تنيس)([71])، وما يصنع فيها من القصب (الزري) والبوقلمون، وأنّها تدفع إلى ملك مصر كلّ يوم ألف دينار ذهب، وبعدها دخل مصر ثمّ حجّ منها ثانياً، ورجع بحراً إلى البصرة، ثم عاد إلى إيران، ولم يدخل العراق، ولا ذكر المدينة، ووصل إلى وطنه بلخ سنة 444، وأمير خراسان يومئذٍ داوود بن ميكائيل بن سلجوق. والمسافة من بلخ إلى مكّة مع العود إليها، سوى الزيارات التي زارها في الأثناء، ألفان ومائتان وعشرون فرسخاً. والله العالم»([72]).

الهوامش

([1]) انظر في ذلك: الإمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، عقود حياتي (من العقد الأول إلى العقد الثامن): 67 ـ 61، تحقيق: أمير الشيخ شريف الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، منشورات مدرسة ومكتبة الإمام كاشف الغطاء العامة (1)، النجف الأشرف، 2012م.

([2]) انظر: المصدر السابق: 135.

([3]) انظر في ذلك: رحيم عبد الحسين عباس، محاولات إصلاح نظم التعليم في الحوزة العلمية في النجف الأشرف (جهود الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء أنموذجاً)، بحث مقدّم إلى قسم التاريخ، كلّية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة كربلاء، مقدّمة البحث، نقلاً عن: حيدر نزار عطية، الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ودوره الوطني والقومي، رسالة ماجستير غير منشورة مقدّمة إلى معهد التاريخ العربي، بغداد، 2002م.

([4]) نرى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء يكتب مقدمة الديوان الأول لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري(1997م) سنة 1928م. (انظر: جريدة الزمان ـ بغداد ـ لندن، العدد 4345: 14، تاريخ 5 ـ 11 ـ 2012م).

([5]) جعفر الخليلي، هكذا عرفتهم، خواطر أناس أفذاذ عاشوا بعض الأحيان لغيرهم أكثر ممّا عاشوا لأنفسهم 1: 251، مطبعة الزهراء، بغداد، 1963م.

([6]) تأليف عليّ بن محمد القوشجي(879هـ). من النصوص القديمة في علم الهيئة.

([7]) حجة السعادة في حجة الشهادة: كتابٌ باللغة الفارسية في بيان واقعة الطفّ بكربلاء (سنة 61هـ)، وسائر ما وقع في جميع الدنيا في تلك السنة من الوقائع التاريخية. فرغ من تأليفه سنة 1304هـ، وطبع في إيران سنة 1310هـ. (انظر في ذلك: محمد محسن آغا بزرگ الطهراني(1970م)، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 6: 261، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403هـ).

([8]) وهو صنيع الدولة اعتماد السلطنة محمد حسن خان بن الميرزا علي خان المراغي، المتوفّى سنة 1313هـ.

([9]) عقود حياتي (من العقد الأول إلى العقد الثامن): 75 ـ 74.

([10]) يقصد أستاذه السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، صاحب كتاب العروة الوثقى، المتوفّى سنة 1337هـ ـ 1919م.

([11]) انظر إلى مقدمة كاشف الغطاء على كتابه الفردوس الأعلى: 30، تعليق: السيد محمد علي القاضي الطباطبائي، تصحيح: السيد محمد حسين الطباطبائي، دار المحجة البيضاء / دار الرسول الأكرم، بيروت، الطبعة الأولى، 2001م؛ محمد حسين كاشف الغطاء، العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية، تاريخ المرجعية الدينية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين: 16، تحقيق: جودت القزويني، التوزيع: بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1998م.

([12]) العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية: 13.

([13]) نامه يعني الكتاب، وسفر نامه: كتاب السفر، أو كتاب الرحلة.

ونرجِّح أنه دوَّن هذا الكتاب على مرحلتين:

الأولى: ما كان يدوِّنه من مذكّراته في رحلته؛ إذ لا يمكن لمَنْ يقرأ الـ (سفر نامه) إلاّ أن يؤكد بأنه كتبه في أثناء رحلته؛ لما جاء من دقّة الوصف، وذكر الأسماء التي قابلها. غير أننا نستبعد أن يكون كتب كلَّ شيءٍ في سفره. ونرجِّح أن يكون سجَّل النقاط الأساسية التي ذكرناها، كالوصف الدقيق لدخول بيروت، أو ما رآه في صعيد مصر.

الثانية: أعاد تدوين كتابه بعد أن استقرّ به الحال في يمكان، مستفيداً من مذكَّراته الأولى التي كان يدونها. يدلّنا على هذا:

ـ التنسيق العلمي الوارد في كتابه.

ـ أسلوبه المشرق الفصيح، الذي لا يقلّ وضاءة عن أسلوبه الشعري.

ـ إضافته أشياء تمَّتْ بعد عودته، كذكره طغرل بك فاتح بغداد، أو نصر الدولة.

ـ استرساله في عرض بعض الآراء الدقيقة، كحديثه المفصَّل عن أبي العلاء المعرّي، وعن مكانته؛ أو حديثه عن وضع مصر وأخبارها ممّا يتطلَّب الدقّة والأناة.

ـ ذكره «هناك» وهو في الموقع المذكور. ففي حديثه عن مسجد صور يقول: «ويقال: إنّ آدم× كان يزرع هناك».

([14]) للمزيد حول ترجمة حياته انظر: المقدمة الرائعة التي كتبها الدكتور إبراهيم دسوقي شتا على ترجمته لكتاب (جامع الحكمتين)، لناصر خسرو، والذي نشر من قبل دار الثقافة في القاهرة.

([15]) أليس هنـزبيرغر، ناصر خسرو، ياقوته بدخشان: 13، ترجمة: سيف الدين قصير، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق ـ بيروت، الطبعة الأولى، 2003م.

([16]) كان القرن الخامس الهجري عصر الاضطراب السياسي والتقلب بين دولتين كبيرتين: الغزنوية؛ والسلجوقية. وكان عصر ضياع هيبة الخلافة العباسية. وكان عصر الدعاية للإمام الفاطمي في مصر، وكان بعد هذا كله عصر الشكّ. (للمزيد حول ذلك انظر: يحيى الخشّاب، ناصر خسرو: الرجل والحقيقة، المنشورة ضمن كتاب: يادنامه ناصر خسرو (الكتاب التذكاري لناصر خسرو): 642، مطبعة جامعة فردوسي، مشهد، 1976م).

([17]) أليس سي هنسبرغر، ناصر خسرو: مفكر فاطمي، ضمن كتاب: المناهج والأعراف العقلانية في الإسلام: 181، تحقيق: فرهاد دفتري، ترجمة: ناصح ميرزا، دار الساقي، لندن ـ بيروت، بالاشتراك مع معهد الدراسات الإسماعيلية، لندن، الطبعة الأولى، 2004م.

([18]) الخشّاب، ناصر خسرو: الرجل والحقيقة، المنشور ضمن كتاب: يادنامه ناصر خسرو (الكتاب التذكاري لناصر خسرو): 642.

([19]) القباديان: مدينة تقع الآن في الشمال من أفغانستان، قرب مدينة ترمذ الشهيرة، وشمال مدينة بلخ.

([20]) نسبة الى مرو، مدينة تقع في دولة تركمنستان الحالية.

([21]) هجريّة.

([22]) كان ناصر خسرو من رجال الديوان أيام محمود ومسعود، فلما أديل من الغزنويين إلى السلاجقة رأى بعض الرجال في الديوان يهرع للقاء السلطان الجديد، كما فعل الموفق صاحب الحديث، ورأى بعضهم يتردَّد كما فعل القاضي صاعد والسيد زيد نقيب العلويين. (الخشّاب، ناصر خسرو: الرجل والحقيقة، المنشورة ضمن كتاب: يادنامه ناصر خسرو (الكتاب التذكاري لناصر خسرو): 659، نقلاً عن تاريخ البيهقي).

([23]) أو مرو الرود. مدينة تقع في القرب من مدينة بلخ الشهيرة.

([24]) ولاية جوزجان، إحدی المحافظات الـ 34 بأفغانستان الحالية، تقع شمال البلاد بين مرو الرود وبلخ، وعاصمتها مدينة شبرغان (شبورغان). سکانها ما يناهز 441000 نسمة من الأوزبك والتركمان والبشتون والطاجيك. وتبلغ إجمالي مساحتها أکثر من 11798 کيلومتر مربَّع. تحدها ولاية بلخ شرقاً، سربُل جنوباً، فارياب غرباً، وترکمانستان شمالاً. تعدّ جوزجان من الأقاليم الأکثر هدوءاً واستقراراً في أفغانستان. يتحدّث معظم سکانها اللغة الأوزبکية والفارسية، بالإضافة إلی الباشتو.

وصفها ياقوت الحموي: اسم كورة واسعة من كور بلخ بخراسان، وهي بين مرو الروذ وبلخ، ويقال لقصبتها: اليهودية، ومن مدنها الأنبار وفارياب وكلاّر. (الحموي، كتاب معجم البلدان 2: 149، تحقيق وإشراف: وستنفيلد (FERDINAD WUSTENFELD)، لايبسك(LEIPZIG)، 1867م).

([25]) لم أجِدْ هذا الحديث في المصادر الحديثية المعتبرة القديمة. ولعلّه قولٌ مأثور، ثمّ نسب إلى النبيّ. وذكره الرازي في مفاتيحه (التفسير الكبير) 19: 119، بشكل مرسلٍ، ودون ذكر المصدر، المطبعة البهية، القاهرة.

([26]) يقصد المعرب مدينة (شبور غان). تقع هذه المدينة الأفغانية إلى الغرب من مدينة مزار شريف. تشتهر مدينة شبور غان بزراعة الحبوب والبقول والخضروات وأشجار النخيل والكروم.

([27]) أو بارياب، ويقال لها: فارياب أيضاً، حيث ينسب إلى هذه المدينة الفيلسوف الشهير الفاربي. تقع الآن ضمن دولة كازاغستان.

([28]) السلطان السلجوقي طغرل بيك محمد، أخ جفري بيك. وقد استولى على مدينة نيشابور الشهيرة سنة 429هـ.

([29]) مدينة مكّة المكرمة.

([30]) أبو يزيد طيفور بن عيسى بن شروسان البِسطامِي، هو صوفيّ مسلم من أهل القرن الثالث الهجري، يلقب بـ «سلطان العارفين»، يعرف بـ «بايزيد»، كما عرف كذلك باسم «طيفور». كان جده شروسان مجوسياً وأسلم، وله أخوان هما: آدم؛ وعلي. ولد سنة 188 هجرياً في بسطام في بلاد خراسان، في محلة يقال لها: محلة موبدان. روى عن إسماعيل السدي، وجعفر الصادق. توفّي سنة 261هـ، وقيل: سنة 234هـ.

قال البسطامي بوحدة الوجود، وله بعض الشطحات المشهورة، كقوله: «لا إله إلاّ أنا فاعبدوني»، وقوله «سبحاني ما أعظم شأني». يعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية.

([31]) الفيلسوف الإسماعيلي الشهير، توفّي سنة 428هـ. اشتهر بموسوعتَيْه: الشفاء؛ والقانون في الطب.

([32]) من أهم مدن أفغانستان الحالية، ينسب إليها الكثير من العلماء.

([33]) من المدن القديمة، حيث لها شهرة في العالم الإسلامي، تخرَّج منها الكثير من العلماء، تقع اليوم في القرب من العاصمة الإيرانية طهران.

([34]) خرزويل، أو يقال له: هرزويل. مدينة صغيرة تقع على بعد كيلومترين من الشمال الشرقي لمنطقة (منجيل)، الواقعة في شمال إيران، والتابعة لمحافظة جيلان الشمالية.

([35]) هو من بني سالار، نصبه طغرل بك على ولاية الديلم وطبرستان سنة 430هـ.

([36]) دربند: أو باب الأبواب، ثاني كبريات المدن في دولة داغستان.

([37]) مدينة وان: هي عاصمة محافظة وان. تقع في شرق دولة تركيا.

([38]) أخلاط: مدينة تقع على الشمال الغربي وغرب بحيرة وان الشهيرة. كانت من أهم مدن أرمينيا قديماً، تقع الآن ضمن دولة تركيا.

([39]) بطليس، أو بدليس أو بتليس: مدينة قرب مدينة أخلاط، تقرب بالقرب من الأناضول الشرقية. تقع اليوم ضمن دولة تركيا.

([40]) أويس القرني: من التابعين والزهّاد، شارك إلى جانب عليّ بن أبي طالب في معركة صفين، وقتل فيها سنة 37هـ. ذكر ابن بطوطة أنه زار قبره في دمشق.

([41]) أرزن: من أشهر وأجمل مدن أرمينيا. تقع بين بطليس وميافارقين. دمرت هذه المدينة في القرن السابع الهجري، لم يشاهد ياقوت هذه المدينة، ولكنه قال بأن ظاهر المدينة خراب. لم نشاهد هذه المدينة اليوم على الخارطة التركية. (انظر: ناصر خسرو قبادياني مروزي، سفرنامه: 203، تصحيح وسعي: محمد دبير سياقي، مكتبة زوّار، الطبعة الثانية، 1984م).

([42]) حرّان: اسمٌ لعدة مدن وبلدات قديمة وحديثة، تنتشر في أنحاء مختلفة في سورية. لكنّ أشهرها تاريخياً وحضارياً مدينة حرّان الواقعة في أعالي الجزيرة السورية (جنوب تركيا اليوم). اسمها في المصادر الشرقية القديمة (Harranu)، وبالآرامية Hrn، عرفها الإغريق باسم كراي Karrhai. والرومان كذلك Carrhae. ودعاها آباء الكنيسة Hellenopolis أي (مدينة الهيلينيين).

وجاء ذكرها في التوراة مقترناً باسم إبراهيم الخليل، الذي مرَّ بها وأقام بها قادماً من أور في جنوب العراق، في أثناء رحلته إلى بلاد الشام. اشتهرت حرّان في العهود الإسلامية بأنها مدينة الصابئة، كما اشتهرت بفصاحة اللسان السرياني الذي كان يتكلّمه أهلها، ولكنّ شهرتها الكبيرة في العصر العباسي ارتبطت بذلك العدد الكبير من الفلاسفة والعلماء الذين نبغوا فيها، ومن أشهرهم ثابت بن قرة الحراني وأولاده وأحفاده، وكذلك البتاني وسواه، وقد نقل هؤلاء العلماء كثيراً من المؤلفات الإغريقية العلمية إلى اللغة العربية، وجعلوا من حرّان أحد أهم مراكز الترجمة والفكر في ذلك العصر. (الموسوعة العربية ـ السورية 8: 137ـ 138، بإدارة: سعيد محمد الحفّار، الطبعة الأولى، 2003م).

([43]) قردل أو قرول: من المحتمل أن تقع هذه المدينة في آسيا الصغرى، بحسب وصف ناصر خسرو، أي تركيا الحالية، ولكنْ لم يأتِ ذكر لهذه المدينة في كتب الجغرافيا القديمة، ولم نشاهدها في الخرائط الحالية. وكذلك من المحتمل أن يكون قد وقع تصحيف من قبل النساخ.

([44]) سروج: مدينة في القرب من مدينة حرّان الشهيرة، تقع اليوم على الحدود التركية، ومن المدن الخصبة والزراعية.

([45]) فيج أو فلج: مدينة صغيرة، لم يوجد لها أثر في العصر الحاضر. وما لدينا من معلومات في ذلك الوقت ما وصفها لنا ناصر خسرو في رحلته.

([46]) إسطنبول الحالية: سابقاً كانت تسمى القسطنطينية، وهي عاصمة دولة الروم الشرقية.

([47]) طبع هذا الكتاب لأول مرة بتحقيق الأستاذ محمود حسن زناتي سنة 1938م.

يقول الدكتور طه حسين(1973م) حول الكتاب: فكتاب الفصول والغايات من أعظم آثار أبي العلاء خطراً في تاريخ الأدب العربي. ولعله أن يكون أعظم هذه الآثار خطراً في تاريخ الحياة العلائية نفسها. وأوّل ما أحققه من ذلك هو أن كتاب الفصول والغايات يؤرِّخ لنا فلسفة أبي العلاء تاريخاً دقيقاً، وليس هذا بالشيء القليل. وهل أراد أبو العلاء في كتابه الفصول والغايات إلى معارضة القرآن؟! فأما أنا فأجيب عن هذا السؤال في غير تكلِّف ولا تعمُّل، فقد كان أبو العلاء أذكى قلباً، وأرجح عقلاً، وأنفذ بصيرة، وأشدّ تواضعاً، وأحسن علماً بطاقاته، من أن يحاول هذه المعارضة، أو يقصد إليها. (انظر: مقدمة طه حسين لكتاب الفصول والغايات، لأبي العلاء المعري(449هـ): أ، هـ، ضبطه وفسَّر غريبه: محمود حسن زناتي، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة ـ تونس).

([48]) لا يذكر ناصر خسرو أنه التقى أبا العلاء المعرّي فعلاً، ولكنّ اعجابه بفطنة الشاعر وسمعته وشخصيته يظهر من خلال التفاصيل الواردة في مدخله، كما هو الحال مع فخره بكونه موجوداً في المدينة بينما كان هذا الرجل حيّاً. (أليس هنـزبيرغر، ناصر خسرو، ياقوته بدخشان: 176). ولكنّ احتمال حصول لقاء بين هذين المفكّرين يتزايد عندما نأخذ في الحسبان قيام المعرّي بمكاتبة معلم ناصر المؤيّد(470هـ) بخصوص موضوع النباتية. (انظر في ذلك: فرهاد دفتري، الإسماعيليون، تاريخهم وعقائدهم: 348، ترجمة: سيف الدين القصير، دار الساقي، لندن ـ بيروت، بالاشتراك مع معهد الدراسات الإسماعيلية، لندن، الطبعة الأولى، 2012م).

وربما يكون ناصر خسرو قد قرأ كتاب الأمثال الذي يذكره وبعضاً من شعره بشكلٍ مؤكّد أكثر. إن طبيعتهما الشعريتين متشابهتان، فكثيراً ما يتحدّث المعري عن أهمية العناية بالحياة الروحية وإسقاط الحاجة للأشياء الزمنية لهذا العالم. وهذه موضوعات سيتكرَّر ذكرها في شعر ناصر خسرو المتأخِّرة الذي وضعه في المنفى.

([49]) الكريحات أو كويمات: لم تذكر في كتب الجغرافيا القديمة، وكلّ ما لدينا هي أوصاف ناصر خسرو في رحلته. ومن الممكن أنّه قد وقع تصحيف من قبل النساخ. (انظر: ناصر خسرو قبادياني مروزي، سفرنامه: 276).

([50]) يقصد مدينة حماة السورية. وهي الآن إحدى محافظات الجمهورية العربية السورية، تقع في الجزء الأوسط من سورية، متاخمة من الشمال لمحافظتي إدلب وحلب. تعتبر مدينة حماة من أقدم المدن السورية، حيث سكنها إنسان العصور الحجرية القديمة. ويعود تاريخها بحسب الموسوعة العربية إلى الألف الخامسة قبل الميلاد. (للمزيد حول ذلك انظر: الموسوعة العربية ـ السورية 8: 524 ـ 520).

([51]) عرقة: مدينة تقع الجانب الشرقي من مدينة طرابلس، وفي القرب من البحر المتوسط.

([52]) طرابلس: تقع هذه المدينة في سهلٍ يمتد في عرض البحر المتوسط على الساحل الشرقي له، وفي شمال لبنان الحالية. ويتميَّز موضعها بأنه منطقة غنية بمزارع الحمضيات والزيتون. وتحتفظ المدينة ببعض الآثار المسيحية. (انظر: الموسوعة العربية العالمية 15: 576 ـ 575، مؤسَّسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، 1999م).

([53]) صقلية: جزيرة إيطالية تقع في منتصف البحر الأبيض المتوسط. معظم سكان صقلّية من الروم الكاثوليك. ويقيمون احتفالات دينية متنوّعة على مدار السنة. توجد فيها آثار إغريقية في أغريجنتو، وسيراقوسة، وتورميا، وأماكن أخرى من صقلية. (انظر: الموسوعة العربية العالمية 15: 116 ـ 114).

([54]) حصن في بلاد الشام، تقع اليوم في جنوب طرابلس وشمال جبيل اللبنانيتين.

([55]) بردة أو بسرون: اسم قرية جبلية تقع ـ بحَسَب وصف ناصر خسرو ـ بين الطريق المؤدّي من عكا إلى الرملة. حيث فيها مدفن أنبياء بني إسرائيل. لم نجد لها ذكراً في الكتب الجغرافية أو التاريخية القديمة.

([56]) يقصد منه: عيسو من أنبياء بني إسرائيل.

([57]) دامون: مكان يقع بين الرملة وعكا من فلسطين الحالية. وبحسب ناصر خسرو يوجد هناك قبر النبي ذي الكفل، من أنبياء بني إسرائيل. في حين لم نجد لهذه المدينة ذكراً في الكتب القديمة. وفي نسخة أخرى من كتاب سفرنامه ضبطت كلمة (وامع). (انظر: ناصر خسرو قبادياني مروزي، سفرنامه: 236).

([58]) اعبلين، أو اعبليت: قرية تقع فوق الجبل، في الشرق من مدينة عكا والرملة. وبحسب عبارة ناصر خسرو يقع في هذه المدينة قبر النبيّ هود والنبيّ عزيز. ولكنْ في المصادر الجغرافية الموجودة بين أيدينا لم نجد قريةً بهذا الاسم، ولم نعرف هل أنّ هذه الكلمة قد ضبطت بشكلٍ صحيح أم لا؟

([59]) الحظيرة: قرية تقع فوق الجبل، في الجنوب من قرية اعبلين، وفي الوسط بين عكّا والرملة.

([60]) داريل: أي (إربل)، وفي نسخة أخرى: (إريل). وهي قرية في فلسطين، في جنوبها يوجد جبل، وفي وسط الجبل هناك مقبرة، يقال: دفن فيها أولاد يعقوب (إخوة يوسف). ولا أظن يقصد إربل، أي مدينة أربيل الحالية التي تقع في شمال العراق، وعاصمة إقليم كوردستان. أيضاً هذه المدينة عريقة، ومن مدن آشور المعروفة بعبادتها للآلهة عشتار، اسمها بالآشورية (أربا ـ إيلو)، واسمها باليونانية: أربيلا، وأربيل، وأربالس.

([61]) طبريّة: مدينة تشرف على بحيرة طبريّة، تقع في الشمال من فلسطين. وهي في الحقيقة فرع من نهر الأردن.

([62]) كفر كنه، أو كفر كنا: مدينة في داخل فلسطين، يوجد فيها مقامٌ للنبي يونس، وهناك قبرٌ يقال: إنّه يعود لابن النبيّ يونس.

([63]) الكنيسة: قرية تقع في الساحل بالقرب من مدينة حيفا الشهيرة.

([64]) قيسارية: مدينة تقع على ساحل البحر المتوسط، بين مدينة طبريّة وعكا. كانت مدينة كبيرة، ولكن في زمن ياقوت أصبحت قرية صغيرة، بحَسَب تعبيره.

([65]) كفر سبا: مدينة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، تقع بين نابلس وقيسارية، وثلاث فراسخ إلى مدينة الرملة.

([66]) كفر سلام: مدينة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، تقع بين نابلس وقيسارية، أربع فراسخ إلى قيسارية، وثلاث فراسخ إلى مدينة الرملة.

ملاحظة: ذكرها ناصر خسرو على أنها مدينة أو قرية واحدة، في حين يذكرهما ياقوت الحموي في معجم البلدان على أنهما بلدتين، ولكنْ بمواصفاتٍ قريبة جدّاً. أظن أنهما بلدتين متجاورتين تقعان في منطقة واحدة.

([67]) الرملة: بنيت هذه المدينة على يد سليمان، أخو الوليد بن عبد الملك في زمن خلافته (88 ـ 98هـ)، ومن ثم أصبحت مركزاً لخلافته. تقع الرمل اليوم في الجنوب الشرقي من مدينة تل أبيب الإسرائيلية.

([68]) نصّ العبارة الفارسية التي كتبها سماحة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. أي إن مساحتها بمقدار سبعة أقدام (قدم الإنسان العادي).

([69]) عرعر: اسم منطقة تقع بين بيت المقدس ووادي القرى، تقع على الطريق بين الشام ومكّة.

([70]) وتعرف عند المسيحيين اليوم بـ (كنيسة القيامة).

([71]) تنّيس: جزيرة في البحر المتوسط، تقع في القرب من فرما ودمياص. كانت هذه الجزيرة تشتهر بمصانع النسيج.

([72]) عاد ناصر خسرو إلى موطنه بلخ سالماً معافى برتبة الحجّة التي يتحدَّث عنها كثيراً في شعره. فهو (الحجّة) و(حجّة خراسان) و(حجّة المستنصر) و(حجّة ابن الرسول) و(حجة نائب الرسول) و(السفير) و(المأثور) و(أمين إمام الزمان) و(مختار إمام العصر). (انظر: ناصر خسرو أبو معين القبادياني المروزي، جامع الحكمتين: 42، ترجمه عن الفارسية وقدَّم له: إبراهيم الدسوقي شتا، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، نقلاً عن مقدّمة ديوان ناصر خسرو).