الصدر ونظريّة الاستقراء قراءة تحليلية نقدية في الأصول والمكوّنات

22 مايو 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
739 زيارة

الصدر ونظريّة الاستقراء قراءة تحليلية نقدية في الأصول والمكوّنات

الشيخ مهدي هادوي الطهراني(*)

ترجمة: علي آل دهر الجزائري

 

مقدمة ــــــ

الاستقراء عبارةٌ عن كل استدلال يكون السير فيه من الخاصّ إلى العامّ. وبعبارة أخرى: متى ما انتقلنا من مشاهدة عدة ظواهر طبيعيّة أو مختبرية إلى تعميم يشمل مصاديق تضاف إلى الموارد المشهودة أيضاً، سمي هذا الاستدلال «استقراءً».

ويعدّ الاستقراء اليوم من الأسماء المعروفة في الفروع المختلفة للعلوم التجريبيّة، وله تاريخٌ طويل.

ورغم ظنِّ بعضهم أن أرسطو أول مَنْ استفاد من الاستقراء([1])، لكن بعض العبارات المنقولة عن أفلاطون([2]) تحكي عن اهتمامه بهذا النوع من الاستدلال.

ومن جهة أخرى فإنّ أرسطو لا يرى الاستقراء من ابتكاراته([3]). ومع ذلك فإلى زمان غير بعيد، حيث لم تكن العلوم التجريبيّة قد بدأت تطوُّرها، لم يلحظ ذاك الهاجس والحيرة في حقيقة الاستقراء، ولا البحث والتحقيق عن ماهيّته. وقد هيّأ النمو السريع لتك العلوم الأرضيّة للتأمُّل والنظر في ذلك الموضوع، ممّا سمح بطرح الآراء والنظريّات الواحدة تلو الأخرى.

وربما لم يكن متوقَّعاً من عالمٍ دينيّ، وأحد علماء الحوزة، التي ليس لها تلك المعرفة بالعلوم التجريبيّة وحساب الإحصاء، أن يضع قدمه في ذلك الميدان، أو ـ إذا دخل ذلك المجال ـ أن يقدِّم رأياً يُعتدّ به. ومع ذلك فقد دخل الفقيه الأصوليّ والمفكِّر المدقِّق الشهيد السيد محمد باقر الصدر هذا الحقل العلميّ، ولم يكتفِ ـ بفضل ما يتمتَّع به من نبوغٍ استثنائيّ وذهن وقّاد ـ بدراسة نقديّة لآراء العلماء في مجال الاستقراء، بل توصَّل في بحثه إلى نتائج جديرةٍ بالدراسة والتمحيص. ويعتبر كتاب «الأسس المنطقيّة للاستقراء»([4]) تقريراً لهذا الجهد العلميّ الدقيق.

 

معضل الاستقراء ــــــ

ما يحدث في الاستقراء مبنيٌّ على الاعتراف بثلاثة أمور:

1ـ كلّ حادثة مثل (ب) تحتاج إلى علّة مثل (أ).

2ـ علّة (ب) هي الشيء الذي يشاهَد دائماً مقترناً بها، أي (أ).

3ـ كلّما تحقَّقت علّة (ب)، يعني (أ)، فإنّ (ب) تتحقَّق أيضاً.

و لهذا السبب فإنّ الدليل الاستقرائيّ يواجه ثلاثة أسئلة أساسيّة:

أـ لماذا يجب افتراض علّةٍ لكلّ ظاهرة، واستبعاد الاحتمال المحض؟

ب ـ إذا كانت هناك علّة، مثل (ب)، لظاهرةٍ ما، لماذا يجب افتراض أنّ العلّة المذكورة هي ذلك الأمر الذي يقترن معها دائماً، أي (أ)؟ لماذا كان احتمال الاتفاق نسبيّاً، وننفي ارتباط (ب) ـ في الحقيقة ـ بـ (ت).

ج ـ إذا استطعنا من خلال الاستقراء التأكيد على أنّ (أ) علّةٌ لـ (ب)، فكيف صحّ لنا تعميم تلك النتيجة، والادّعاء أنّ (أ) سبب تحقُّق (ب) في كلّ الحالات المشابهة([5]).

 

الاستقراء في رأي المنطق الأرسطيّ ــــــ

يقسّم المنطق الأرسطيّ الاستقراء إلى نوعَيْن: الاستقراء التامّ؛ والاستقراء الناقص.

والاستقراء التامّ هو الاستقراء الذي يتمّ فيه فحص كلّ الجزئيّات. وهو خارج عن موضوع البحث.

والاستقراء الناقص هو الذي يتمّ فيه فحص بعض الجزئيّات. وكلّ اهتمام هذا البحث منصبٌّ على هذا النوع من الاستقراء([6]).

ويجيب المنطق الأرسطيّ على السؤال الأوّل بقوله: إنّ الاتّفاق المحض محالٌ؛ لأنّ كلّ شيء لا يخرج عن ثلاث حالات: إمّا أن يكون الوجود ضروريّاً له، فلا يعدم إطلاقاً؛ أو أن يكون العدم ضروريّاً له، فلا يوجد على الإطلاق؛ أو لا شيء منهما، فيعدم أحياناً ويوجد أحياناً أخرى. والظواهر من هذا القبيل؛ لأنها تعدم حيناً وتوجد في حين آخر. إنّ هكذا أشياء (ممكنات) لا تقتضي الوجود، ولا تطلب العدم. ولكي تتحقَّق فهي بحاجة إلى شيء يسدّ عليها كافّة أبواب العدم، ويجعل الوجود واجباً بالنسبة لها. هذه الأشياء هي (العلّة). إذاً الاتّفاق المحض ـ أي تحقُّق الشيء من دون علّةٍ ـ محالٌ.

وهذا الجواب المستند إلى المباني الفلسفيّة ـ في الواقع ـ يغني الأرسطوئيّين عن جواب مستقلّ عن السؤال الثالث([7])؛ لأنه إذا كانت (أ) علّة (ب)، فكلّما وجدت (أ) يجب أن تتحقَّق (ب)؛ لأن (ب) لا طريق لها سوى الوجود عند تحقُّق (أ).

أما السؤال الثاني فيجاب عنه بالاعتماد على قاعدة فلسفيّة أخرى تقول: «إنّ الاتّفاق لا يكون أكثرياً، ولا دائمياً»؛ لأنّه إذا اقترن (ب) بـ (أ) في موارد متعدّدة فلا بدّ أن يكون هذا الاقتران غير اتّفاقي، وكاشفاً عن ارتباطٍ عِلِّي بين الأمرين([8]). ومن هذا المنطلق فإنّ كثرة الاقتران بين هذين الأمرين يكشف عن ربط عِلِّي بينهما، بأن يكون (أ) علّة لـ (ب)، أو تكون (ب) علّة لـ (أ) أو يكونا معلولاً لعلّة ثالثة. وعلى أيّة حال فإنّ تحقُّق كلٍّ منهما سيستلزم تحقُّق الأخرى.

وبناءً على ذلك فالمنطق الأرسطيّ يتوصَّل إلى حلٍّ لمشكلة الاستقراء من خلال القبول بالقضايا التي لم تثبت عن طريق الاستقراء.

والقضايا المذكورة عبارة عن:

1ـ كلّ ممكن محتاج إلى العِلّة (قضيّة العِلَيّة).

2ـ كلّما تحقّقت العِلّة يتحقَّق المعلول (قضيّة الشيوع).

3ـ الاتفاق ليس أكثريّاً، ولا دائميّاً (قضيّة نفي الاتفاق).

والقضيّتان الأوليان صحيحتان بلا شكّ، ويكفي تصوُّر أجزائهما في الحكم بمفادهما، وإنْ كان الشهيد الصدر يرى استحالة الاستدلال عليهما بواسطة المنطق الأرسطي، وأن الطريق الوحيد لإثباتهما هو الاستعانة بمنطق الاستقراء([9]). ولكي يدلِّل على ذلك فإنّه يذكر استدلالين من أتباع المنطق الأرسطيّ، ويناقشهما.

الدليل الأول، وهو المنقول عن صدر المتألهين، بهذا الشكل: إن كلّ حادثة ممكنة الوجود، ومعنى الإمكان أن الوجود والعدم بالنسبة إليها متساويان. فلكي توجد الحادثة لابدّ أن يترجَّح وجودها على عدمها، ولا بدّ في رجحان الوجود على العدم من مرجِّح؛ لاستحالة ترجُّح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجِّح، وهذا المرجِّح هو العلّة. إذاً فكلّ حادثةٍ لها عِلّة([10]).

يقول الشهيد الصدر: إنّ قضيّة (الرجحان يحتاج إلى مرجِّح) هو تعبيرٌ آخر عن قضيّة (كلّ حادثة تحتاج إلى عِلّة)، فيكون المطلوب قد أخذ في الدليل في هذا الاستدلال([11]).

أما الدليل الثاني فقد نقل عن العلاّمة الطباطبائيّ، وهو: كلّ ماهيّة ممكنة بذاتها، ولا توجد ما لم يجب وجودها. فالوجود إذاً مساوقٌ للوجوب. وكلّ ماهية ممكنة لا يمكن أن تجب إلاّ بسبب خارجيّ. إذاً كلّ ماهيّة خارجيّة لا توجد إلاّ بعامل خارجيّ([12]).

يقول الشهيد الصدر: وهذا الاستدلال يواجه نفس الخلل المنطقيّ الذي اكتشفناه في الحجّة السابقة؛ لأن الفيلسوف العقليّ يستدلّ على قضيّة (الماهيّة الممكنة لا توجد ما لم يجب وجودها) بقوله: إنّ الماهيّة الممكنة إذا وَجَدَتْ علّتها موجودة فإما أن تكتسب منها الوجوب؛ وإما أن لا تكتسب، ورغم ذلك توجد. والأول هو المطلوب، والثاني يعني أنّ الماهيّة الممكنة من الجائز أن توجد بدون عِلّتها رأساً؛ إذ لو جاز أن توجد في حالة وجود العلّة، مع تساوي نسبتها إلى الوجود والعدم، جاز أن توجد في حالة عدم وجود العِلّة أيضاً، مع تساوي نسبتها إلى الوجود والعدم. وهكذا نلاحظ أن البرهان الذي استُخدم لاثبات الفقرة الأولى القائلة: «إنّ الماهيّة الممكنة لا توجد بدون وجوب» قد افترض بصورةٍ مسبقة مبدأ العِلّيّة، وحاجة الشيء الممكن إلى العِلّة([13]).

لكنّ الإشكال على الاستدلال الثاني غير وارد؛ لأنّه يمكن تقرير الدليل بهذا النحو: «الماهيّة الممكنة عندما توجد عِلّتها فإنْ لم تكتسب الوجود، ولم توجد، فسيكون لازم ذلك أنها تكون معدومة حال وجودها، وهذا يعني القبول باحتمال اجتماع النقيضين، بينما من المَحال أن يجتمع النقيضان». وعليه يمكن إثبات أصل العِلّيّة بالاستناد إلى أصل امتناع اجتماع النقيضين([14])، ولا حاجة إلى الاستقراء في هذه الحالة.

ومن جهة أخرى؛ نظراً للنقطة التي أُشير إليها في الدليل الثاني، أي أخذ المعلول الوجوب من علّته، يتَّضح أنّ أصل الشيوع، وأنّه كلّما تحقَّقت العِلّة يتحقَّق المعلول أيضاً، ثمرةٌ طبيعيّة لأصل العِلّيّة.

وبناءً عليه فالإشكال في القضيّتين الأوليين، وإمكان استخراجهما من أصل عدم التناقض، لا وجود له.

أما القضيّة الثالثة فليست بذلك الوضوح؛ لأنه يبدو في أول وهلة أن لا استحالة أن يحدث أمران في حالات كثيرة دون أن يكون بينهما ارتباط عِلّيّ([15]وإن كان لكلٍّ منهما عِلّته التي لا يتحقَّق بدونها، وكلّما وجدت فإنه يوجد أيضاً.

ويوجد هنا حلٌّ فلسفيّ، وهو أنّ كل عالم الوجود مرتبطٌ مع بعض بعلاقات علّية. فإذاً لا يمكن حصول أمرين ما لم يكن بينهما ارتباطٌ عِلّيّ.

لكن هذا الجواب يأتي بنتيجة أوسع ممّا يراد؛ لأنه بالتسليم به لابدّ من التسليم بأنّه ما من حادثتين إلاّ وبينهما علاقة عِلّيّة، حتّى لو كان تقارنهما لمرّة واحدة. بينما نشعر بالوجدان وجود التفاوت بين إدراكنا لوقوع أمرين إلى جنب بعضهما في حالاتٍ قليلةٍ والموارد التي تستمر تلك المعيّة في خطّ طويل.

 

الاستقراء من وجهة نظر ستيورات ميل ــــــ

يعتقد (جون ستيوارت ميل) ـ كالأرسطوئيين ـ أن الاستقراء مفيدٌ لليقين، ويحتاج إلى قضايا العليّة والشيوع، لكن هذين القضيتين ـ مثل سائر المدركات البشريّة ـ أمورٌ تجريبية، ومستندة إلى الحسّ والاستقراء، وتنكر كل إدراك مستقلّ عنهما. ومن جهة أخرى فهو لا يقبل تعبير الأرسطوئيين في مسألة نفي الاتفاق، ويقول بدلاً من ذلك: «إن ظاهرةً ما إذا وُجدت عقيب ظاهرة أخرى مرّة واحدة فسوف يستمر هذا التتابع بينهما دائماً». ثم يتعرّض لتوضيح الأساليب التي يمكن في ضوئها إحراز هكذا أمر، ويرى أن مجموع هذه الأساليب ينحصر في أربع طرق: 1ـ طريقة الاتفاق أو التوافق؛ 2ـ طريقة الاختلاف؛ 3ـ طريقة التغيُّرات المتقارنة؛ 4ـ طريقة البواقي([16]).

ولا يستطيع (ميل) ـ حاله حال الأرسطوئيين ـ الإتيان بدليل قطعي على نفي الاتفاق النسبي، وما يقدّمه لا يأتي بأكثر من تقوية الظنّ بالعلية([17]).

بالإضافة إلى ذلك فإنه يعتبر قضيّتي العِلّيّة والشيوع نتيجةً للاستقراء، بينما يرى الاستقراء مستنداً إليهما، ولذلك فإنّه يقع في دورٍ واضح.

أما الشهيد الصدر ـ وكما تقدَّم ـ فإنّه يرى أنّ القضيتين المذكورتين نتيجةٌ للاستقراء، لكنّه لا يعتقد أنّ الاستقراء مبنيٌّ عليهما، ومن جانب آخر فهو يعترف بأن للإنسان إدراكات مستقلّة عن التجربة([18]).

 

ديفيد هيوم ومسائل الاستقراء ــــــ

حاول (هيوم) تحليل الاستقراء وفكّ معضله. ويرى في معالجته أنّ الحجر الأساس للاستقراء هو أصل العلّية. ولهذا يسعى جاهداً لإيجاد تفسير تجريبي لعلاقة العلّية. ويصل في نهاية المطاف إلى النتيجة القائلة: إنّ «الضرورة التي تمثِّلها فكرة العلّة والمعلول هي شيء قائم في الذهن، وانطباعٌ نفسيّ، ليس إلاّ، تحصل بسبب تكرُّر التقارن بين أمرين».

فالذي يقوم بالاستقراء عند المشاهدة المتكرِّرة لتقارن (أ) و(ب) ينتهي إلى انطباعٍ بأنّ بينهما ضرورةٌ وعِلّيّة، بحيث يقدم على تعميم الحكم إلى الحالات التي لم يختبرها([19]).

ويعتقد الشهيد الصدر أن (هيوم) ليس لديه شكٌّ في نتائج الدليل الاستقرائيّ، وإنّما يختلف عن الآخرين في أنّه، بدلاً عن التفسير الموضوعيّ والواقعيّ لليقين، يتّخذ اتّجاهاً ذاتيّاً وذهنيّاً يفسِّر الاستقراء على أساس العادة والنزعة النفسيّة، بدلاً عن القوانين الواقعيّة([20]).

ويصرِّح بأنه مع (هيوم) في أنّ أصل العِلّيّة لا يكتسب ولا يستنبط من أصل عدم التناقض؛ لأنّه لا تناقض في فرض حادثة من دون سبب([21])، ومن جهةٍ أخرى فإنّه يعتقد ـ مثل هيوم ـ بأنّ هذا الأصل ليس قضية عقليّة بديهيّة، بحيث تكون مستغنية عن الاستدلال([22]).

والاختلاف بين الشهيد الصدر وهيوم يكمن في نقطتين:

الأولى: إنّه، وخلافاً لـ (هيوم)، يرى أنّ أصل العِلّيّة يمكن إثباته بالتجربة([23]).

والثانية: أنّ هيوم يعتبر اليقين الحاصل من الاستقراء أمراً شخصيّاً ومعبِّراً نفسيّاً عن الحالة الروحيّة للفرد (اليقين الذاتيّ)، بينما يرى الشهيد الصدر هذا اليقين مرتبطاً بعناصر موضوعيّة وشروط عينيّة (يقين موضوعيّ)([24]).

 

الشهيد الصدر ومعضل الاستقراء ــــــ

يبني الشهيد الصدر نظريّته حول الاستقراء على ثلاث نقاط:

1ـ لا شكّ أن الاستقراء في بعض الموارد يفيد اليقين.

2ـ إن المبادئ المسبقة التي يطرحها المنطق الأرسطيّ لتبرير حصول اليقين بواسطة الاستقراء (القضايا الثلاث) هي بذاتها قضايا استقرائيّة، وعليه لا تصلح أن تكون مبادئ للاستقراء. ولهذا السبب فإنّ تفسير (جون ستيوارت ميل) ليس صائباً أيضاً.

3ـ ليس اليقين الحاصل من الاستقراء يقيناً ذاتيّاً وشخصيّاً. كما أنّه ليس يقيناً مبنيّاً على الحقائق الخارجيّة، بحيث يمكن الاستدلال عليه منطقيّاً (اليقين المنطقيّ) أيضاً. بل إنّه سنخٌ آخر من اليقين (اليقين الموضوعيّ).

وبهدف توضيح النقطة الأخيرة يفصِّل الكلام في أقسام اليقين، ويقسِّمه إلى ثلاثة أنحاء([25]):

1ـ اليقين المنطقيّ أو الرياضيّ: وهذا اليقين عبارةٌ عن العلم بالقضيّة، مقروناً بالتصديق بأنّه من المحال أن لا تكون القضية المذكورة بالنحو الذي أُدركت. وعليه فهذا اليقين مركَّب من عِلمَيْن، وما لم ينضمّ التصديق الثاني لا يحصل التصديق الأوّل. وهذا اليقين ثمرة القياسات المنطقيّة والاستدلالات الرياضيّة.

2ـ اليقين الذاتيّ أو الشخصي: وهذا اليقين عبارةٌ عن جزم الإنسان وقطعه بقضية، بحيث لا يشكّ أو يحتمل خلافها، مثل الفرد الذي يرى خطّاً شبيهاً بخطّ صديقه، ويتيقن أنّه خطّ صديقه. لكن في نفس الوقت لا يشعر بأيّة استحالة في أن يكون هذا الخطّ لشخصٍ آخر، بالرغم من أن هكذا أمر لا يعدّ محتملاً؛ لأنّ عدم كونه محتملاً يعني عدم استحالته.

3ـ اليقين الموضوعيّ: ولمعرفة معنى هذا اليقين لابدّ من التمييز بين أمرين في كلّ يقين:

أـ القضيّة التي حصل اليقين بها.

ب ـ المرتبة التصديقيّة التي يشير إليها اليقين.

إذاً عندما تدرك في نفسك اليقين بموت جارك فإنك تواجه قضية تعلَّق بها اليقين، وهي أنّ (فلاناً مات)، ومن جهة أخرى ستواجه درجة خاصّة من التصديق، يكون هذا اليقين معبِّراً عنها؛ لأنّ التصديق له درجاتٌ تمتدّ من أقلّ درجات الاحتمال إلى الجزم، واليقينُ يمثّل أعلى درجات تلك السلسلة.

وعندما نميّز بين القضية التي تعلَّق بها اليقين ودرجة التصديق المبيِّن لها يمكننا إدراك نوعين من الصحّة والسقم في المعارف البشريّة:

1ـ الصحّة والسقم من الجهة الأولى يعني القضيّة التي تعلَّق بها اليقين، والتي يكون ملاكها تطابق وعدم تطابق القضيّة مع الواقع الخارجيّ.

2ـ الصحّة والسقم من الجهة الثانية يعني درجة التصديق الحاصلة.

وربما كان اليقين صحيحاً من الجهة الأولى، ولكنه ليس صائباً من الجهة الثانية. وعلى سبيل المثال: لو علمنا أنّ كتاباً ناقص الصفحات موجودٌ في مكتبة تحتوي على مئة ألف كتاب، ثمّ نظرنا إلى كتاب معين، وجزمنا أنه ذلك الكتاب، فإننا نواجه ـ وإنْ كان هو ذلك الكتاب في الواقع ـ الاعتراض القائل: لماذا حصل لنا هكذا يقين؟ ونواجه السؤال عن رأينا بالكتاب الثاني والثالث؛ لأنّ احتمال النقص في صحفات أيّ كتاب في الحقيقة تساوي 1/100000.

ومن هذا الباب نصل إلى فكرة التمييز بين اليقين الذاتيّ واليقين الموضوعيّ.

فاليقين الذاتيّ تصديقٌ في أعلى درجته الممكنة، سواء كان هناك مجوِّز لذلك الاعتقاد أم لم يكن.

بينما يمثِّل اليقين الموضوعيّ التصديق في أعلى درجاته الممكنة، بشرط أن تكون تلك الدرجة من التصديق مطابقة للدرجة التصديقية التي تسمح بها المبرِّرات العينية للتصديق. وبتعبير آخر: إنّ اليقين الموضوعيّ هو أن تصل الدرجة التي تقتضيها المبرِّرات العينيّة إلى الجزم.

وعليه فقد يحصل اليقين الذاتيّ دون اليقين الموضوعيّ، كما في المثال المذكور، وعندما يتحقَّق اليقين الموضوعيّ دون اليقين الذاتيّ فهذا يعني أن الدرجة التي يجب أن تحصل على ضوء المبرِّرات الموضوعيّة والمجوِّزات العينية هي درجة الجزم، والإنسان الخاصّ لا يحصل له الجزم فعلاً؛ بسبب الجوّ غير الطبيعيّ الذي حصل له.

ولهذا ندرك أن لليقين الموضوعيّ خصلة موضوعيّة مستقلّة عن الحالة النفسيّة والمحتوى السيكولوجي الذي يعيشه هذا الفرد أو ذاك، لكن اليقين الذاتيّ يفصح عن الجانب السيكولوجيّ للمعرفة.

فالاستقراء في بعض الحالات مفيدٌ لليقين الموضوعيّ (لا الذاتيّ أو المنطقيّ). والآن يُطرح هذا السؤال: ما هي تلك الحالات؟

وفي الإجابة عن هذا السؤال يأخذ الشهيد الصدر مرحلتين من الاستقراء بنظر الاعتبار:

 

1ـ مرحلة التوالد الموضوعيّ ــــــ

في تلك المرحلة، وعلى أساس قواعد حساب الاحتمالات، تزداد درجة الاحتمال في القضية الاستقرائية بصورة طرديّة، بشرط أن يوجد مفهوم للوحدة والاشتراك بين الموارد المستقرأة([26]).

إن نموّ الاحتمال يحدث في هذه المرحلة بأسلوب رياضيّ وعينيّ، دون الارتباط بالحالة النفسيّة للفرد. ولهذا يتصدّى الشهيد الصدر لدراسة حساب الاحتمالات، ويجعل من أولويّاته البحث عن حقيقة الاحتمال.

 

حساب الاحتمالات ــــــ

في هذا القسم، وبعد بيان بديهيّات نظريّة الاحتمال وقضاياه الأصلية([27])، يتعرَّض السيد الصدر للتحقيق حول حقيقة الاحتمال([28])؛ لكي يتمكَّن من تقديم جوابٍ صحيحٍ للسؤال القائل: هل إنّ الاحتمال صفة حقيقيّة وخارجيّة للشيء المحتمَل أم أنه حالةٌ نفسية وانطباعٌ شخصيّ للشخص المحتمِل؟ وبعبارة أخرى: هل أن الاحتمال ناظرٌ إلى الواقع (المحكيّ) أم إلى القضيّة (الحاكي)؟ يعني عندما نقول: عند قذف قطعة نقديّة فإن احتمال وقوع كلٍّ من وجهيها هو 1/2، فهل المقصود أنّ احتمال صدق هذه القضية هو ذلك المقدار أو أنّه احتمال الوقوع الخارجيّ لهذه الحادثة؟

ولمّا كانت الإجابة عن هذا السؤال قد أوجدت مدارس مختلفة في حساب الاحتمال فقد عرض الشهيد الصدر أمّهات هذه المدارس، يعني مذهب (لابلاس) التقليدي، ومذهب التواتر المتناهي([29]). ويخلص في الختام إلى تقديم نظريّة متقَنة لحلّ ذاك الإشكال.

 

مذهب (لابلاس) التقليديّ ــــــ

يعرّف التقليديون الاحتمال بـ «تقسيم عدد الوجوه المقصودة على كلّ الوجوه متساوية الإمكان»([30])، ويقولون: إذا قذفنا قطعة نقود لتقع على الأرض فإنّ احتمال ظهور الصورة يساوي عدد ظهور الكتابة في كلّ الوجوه المتساوية الإمكان (الصورة والكتابة)، أي إنّها ستعادل 1/2.

والإشكال الذي يرِد على ظاهر هذا التعربف هو كونه دوريّاً([31])؛ لأنّه قد استُفيد فيه من مفهوم (الإمكان)، الذي لا يعني شيئاً سوى (الاحتمال)([32]).

وقد طرح بعضهم في الجواب عن هذا الإشكال بداهة مفهوم (الاحتمال) مع (تساوي الاحتمالات)([33]). وهذا عذرٌ أقبح من الذنب!

والاعتراض الآخر الذي يواجهه هذا التعريف هو العجز عن تفسير الاحتمال في بعض الموارد؛ لأنّ هذا الكلام في مثال القطعة النقديّة السليمة ينتهي إلى نفس نتيجة القطعة النقديّة غير السليمة، بينما تتغلَّب مرات الصورة مثلاً في تلك القطع على الأخرى([34]).

 

مذهب التكرار في الاحتمال ــــــ

لكي يتخلَّص هذا المذهب من الإشكالين المذكورين فقد تمسَّك بتحليل تجريبي للإمكان، وبدلاً من الحالات الممكنة فإنّ نظره إلى الحالات الواقعة.

وفي بيانه لهذا المذهب يوضِّح الشهيد الصدر (نظريّة التكرار المتناهي)([35])، ويشرحها من خلال مثال: «من قبيل فئة من العراقيّين وفئة أذكياء، فهناك فعلاً عراقيّون، وهناك فعلاً أذكياء، وهناك فئة ثالثة مركَّبة، وهي فئة العراقيّين الأذكياء، تشتمل على الأعضاء الداخلين في كلتا الفئتين فعلاً، فما هي درجة احتمال أن يكون الفرد الذي نختاره عشوائيّاً من فئة العراقيّين منتمياً إلى فئة الأذكياء. ومفادُ هذا التعريف أن درجة احتمال ذلك هي عدد أعضاء الفئة الثالثة المركَّبة ـ أي فئة العراقيّين الأذكياء ـ مقسوماً على العدد الكلّيّ لأعضاء فئة العراقيّين»([36]).

وهذا التعريف في رأي الشهيد الصدر «يفي ببديهيّات الاحتمال المتقدّمة، كما أنّه يتخلَّص من الاعتراضات التي أثرناها ضد التعريف السابق… لكنّ هذا التعريف يواجه اعتراضاً جديداً، وهو أنه لا يشمل كلّ المجالات التي يمكن للاحتمال الرياضيّ أن يمتدّ إليها»([37]).

ويقسِّم هذه الموارد في ضوء التمييز بين احتمالين: واقعيّ؛ وفرضيّ([38]) إلى ثلاث مجموعات أساسيّة:

1ـ مجموعات ذات عضو واحد، أو تلك التي يحتمل كونها ذات عضو واحد.

2ـ مجموعات يكون اشتراكها مع المجموعة الأخرى غير واضح.

3ـ المجموعات التي يكون اشتراكها معلوماً، إلاّ أنّ نسبة التكرار فيها غير مشخَّصة([39]).

ومن بين كلّ تلك الفروض فقد أشار الآخرون إلى القسم الأوّل من الطائفة الأولى([40]).

 

تعريف الشهيد الصدر للاحتمال، التعريف الإجمالي ــــــ

يستعين الشهيد الصدر بالعلم الإجماليّ([41]) لتعريف الاحتمال. فالعلم له معلوم، والمعلوم قد يكون معلوماً مشخَّصاً ومحدَّداً، كما إذا علمت بأن الشمس طالعة، ويسمى هذا العلم علماً تفصيليّاً. ويكون مرتبطاً بشيءٍ واحد، وليس في كيان ذلك العلم مجالٌ للشكّ والاحتمال….

وفي المقابل قد يكون المعلوم غير محدَّد، ولا مشخَّص، كما إذا علمت بأنّ أحد أصدقائك الثلاثة بدون تعيين سوف يزورك، فالعلم في تلك الحالة علمٌ إجماليّ، وهو يرتبط بأمر غامض غير محدَّد، أي زيارة أحد أصدقائك الثلاثة([42]).

والعلم الإجماليّ على نحوين:

1ـ العلم الإجماليّ الذي تكون أطرافه متنافية، أي لا يحتمل أن يجتمع اثنان منها في وقت واحد، كما إذا كنتَ تعلم أنّ واحداً فقط من أصدقائك الثلاثة سيزورك.

2ـ العلم الإجماليّ الذي تكون أطرافه غير متنافية، أي إن من المحتمل اجتماع اثنين منها، كما إذا علمت أنّ واحداً على الأقلّ من أصدقائك الثلاثة سوف يزورك، ويحتمل أن يزورك اثنان منهم، أو الثلاثة جميعاً([43]).

والمراد في هذا البحث بالعلم الإجماليّ هو العلم الإجماليّ من القسم الأوّل([44]). ويفهم ممّا تقدَّم أنّنا نواجه في حالة كلّ علم إجماليّ أربعة أمور:

أولاً: العلم بشيء غير محدَّد (كلّي).

ثانياً: مجموعة الأطراف التي يعتبر كلّ عضو فيها ممثِّلاً احتماليّاً للمعلوم.

ثالثاً: مجموعة الاحتمالات التي يطابق عددها عدد مجموعة الأطراف.

رابعاً: التنافي بين أعضاء مجموعة الأطراف.

ولابدّ من الالتفات إلى أنّ قيمة مجموعة الاحتمالات تساوي قيمة العلم([45]).

وبعد اتّضاح هذه المقدّمة يمكن تعريف الاحتمال بهذا النحو: الاحتمال عبارةٌ عن نسبة عدد العلم على عدد أطراف العلم([46]).

وبعبارة أخرى: الاحتمال هو التصديق بدرجة معينة ناقصة من درجات الاحتمال، والتي تمّ الحصول عليها من بديهيّات نظريّة الاحتمال بشكل منطقيّ ورياضيّ([47]).

وعلى سبيل المثال: إذا ألقيت في حقيبة عشر كرات متساوية مرقَّمة من واحد إلى عشرة فاحتمال خروج الكرة التي كتب عليها عدد زوج يساوي نسبة عدد العلم على عدد أطرافها، يعني سيكون نسبة أعداد الزوج من واحد إلى عشرة على مجموع تلك الاعداد (5/10=1/2).

وفي تعبيرٍ آخر: يرى الشهيد الصدر أنّ الاحتمال هو نسبة عدد ما تحتلّه الكرات من مراكز في مجموع أطراف العلم الإجماليّ على عدد أعضاء مجموعة أطراف العلم الإجماليّ([48]). ويسعى لتبيين أن كلا البيانين يمكِّنه من الإجابة عن بديهيات نظريّة الاحتمال بصورة جيّدة([49]).

 

صعوبات أمام التعريف الإجمالي ــــــ

والصعوبة التي يواجهها الشهيد الصدر في هذا الطريق هي أسلوب تعيين أعضاء مجموعة العلم الإجماليّ. فمثلاً: إذا علمنا أن واحداً فقط من ثلاثة أشخاص، بأسماء: محمد، عليّ، محمود، سيأتي، فما هو احتمال أن يكون الشخص المذكور (عليّاً)؟

إنّ عدد أعضاء هذه المجموعة ـ في الظاهر ـ هو ثلاثة، واحتمال مجيء أيٍّ منهم، وبضمنهم (عليّ)، يساوي 1/3، بينما إذا قسَّمناهم إلى مجموعتين: المجموعة التي تكون أسماؤهم مبدوءة بـ (م)، وهم: محمد ومحمود، والمجموعة التي تخلو من حرف (م)، وهو عليّ، فالاحتمال المذكور سيكون 1/2([50]).

ويقترح الشهيد الصدر طريقين للخروج من هذه المشكلة.

الطريق الأول لحلّ المشاكل ــــــ

يتكوَّن تعيين أعضاء مجموعة أطراف العلم الإجماليّ من جزأين:

1ـ إذا كان أحد الأطراف واجداً لصلاحية التقسيم، وأمكن مشابهه في الأطراف الأخرى، فلابدّ أن يعمل التقسيم في كل الأطراف أو يترك في جميعها، ويجب أن لا يكتفى بتقسيم بعض الأطراف([51]).

2ـ إذا كان أحد الأطراف واجداً لصلاحية التقسيم، لكن الأطراف الأخرى ليس فيها إمكان صلاحية التقسيم المشابه، فيجب تقسيم المحلّ الذي فيه الصلاحية.

وفي المثال المذكور لمّا أمكن تقسيم مجموعة الذين تبدأ أسماؤهم بـ (م)، بينما لا يمكن تقسيمٌ مشابه في مجموعة الذين لا تبدأ أسماؤهم بـ (م)، فيجب تقسيم المجموعة الأولى، وعندئذ سوف يكون عدد أعضاء مجموعة أطراف العلم الإجماليّ يساوي ثلاثة([52]).

ومع ذلك فإنّ الشهيد الصدر لم يقتنع بهذا الطريق، ويقول: «وإنْ بدا هذا الطريق تامّاً، لكنّ استمرار البحث في نظريّة الاحتمال أدّى إلى كشف حقائق أظهرت نواقص هذا الأسلوب»([53]).

وقد وضّح تلك الحقائق من خلال أبحاث مفصَّلة، تُنبئ عن حقيقة أنّ تلك الطريقة مبنيّة على القضايا الشرطيّة، التي لا تتمتَّع بواقع معيَّن ومحدَّد في حالة صدق الشرط([54]).

 

طريق الحل الثاني ــــــ

إذا أمكن تقسيم أحد أطراف العلم الإجماليّ، دون إمكان التقسيم المشابه للطرف الآخر، فكلّ واحدٍ من الأفراد الحاصلة من هذا التقسيم سيكون عضواً من مجموعة أطراف العلم الإجماليّ، إذا كانت أصليّة، ولا يكون كذلك إذا كانت فرعية([55]).

وبناءً على ذلك ففي المثال المذكور تقبل مجموعة الأفراد الذين يبدأ اسمهم بـ (م) التقسيم، وتكون أقسامها أصليةً، وعضواً في مجموعة أطراف العلم الإجماليّ، وبالتالي سيكون لهذا العلم ثلاثة أطراف.

بينما إذا فرضنا في نفس هذا المثال أنّ لمحمد أربع بدلات، فتكون صور مجيئه بلحاظها أربع صور، فإنّ أطراف العلم الإجماليّ سوف لن تكون ستّة؛ لأنّ هذا الاهتمام الرباعيّ فرعيّ، وليس له دورٌ في تعيين الفرد الذي من المفترض أن يحضر([56]).

فالقسم إنّما يكون أصليّاً إذا كان له دورٌ في تعيين وتحقُّق المقسَّم، وإلاّ سوف يكون فرعيّاً. وفي المثال المذكور سوف يكون لمجيء محمّد دورٌ في تعيين الصداقة، لكن لن يكون هناك أيّ أثرٍ لنوع البدلة التي يرتديها.

وبذلك ترتفع المشكلة الأولى، وهي تعيين أطراف العلم الإجماليّ، لكنْ في بعض الحالات قد نصل إلى نتائج غريبة، وإنْ أعملنا هذه الطريقة في التعميم بشكلٍ صحيح.

فمثلاً: في مورد كلّ امرأة حامل يمكن القول: إن احتمال كون الولد ذكراً أو أنثى أو خنثى تساوي 1/3، بينما لا شكّ أن ولادة المرأة لخنثى أقلّ بكثير من الصورتين الأخريين.

والنكتة في ذلك الخطأ تكمن في الغفلة عن علم إجماليّ أوسع؛ لأننا عندما نقطع علاقتنا مع الخارج لا تُتصوَّر أكثر من ثلاث صور للولد، لكن عندما نتَّجه للتجربة والاستقراء نجد أن نسبة ولادة الخنثى إلى سائر المواليد هي 1/11.

وبناء على ذلك ففي ضوء الاستقراء يتولَّد علمٌ إجماليٌّ جديد في ما يخصّ العوامل الداخلة في جنسيّة الولد، وندرك ـ في المثال ـ أنّه إذا كان لأحد عشر عاملاً ـ فرضاً ـ دخلٌ في تكوين هوية الولد فإنّ عشرةً منها تعمل على نفي احتمال كونه خنثى، وواحدٌ منها يدعم كونه خنثى. ولهذا السبب يُحتمل في مورد المرأة الحامل بنسبة  1/11 أن يكون وليدها خنثى. ومن هنا يظهر أنّ معلوماتنا الاستقرائيّة إلى أيّ حدٍّ تتدخَّل في تكوين مجموعة العلم الإجماليّ، وتحقيق الاحتمال([57]).

وممّا تقدَّم نصل إلى أن استقراء الاحتمالات يقرِّبنا من الحقيقة.

لكنّ هذا لا يعني أن درجة الاحتمال لها رابطة مباشرة مع التكرار. إنّ الاحتمال يقوم دائماً على العلم الإجماليّ، وإن الاستقراء ـ من خلال تعميق وتوسيع العلم الإجماليّ ـ يقرِّب الاحتمال إلى الحقيقة([58]).

إن نتائج دراسة الدليل الاستقرائيّ في المرحلة االأولى في نظر الشهيد الصدر ـ والتي أسماها المرحلة الاستنباطيّة ـ عبارةٌ عن:

أـ يمكن اعتبار هذه المرحلة تطبيقاً دقيقاً لنظريّة الاحتمال بالتعريف الذي اخترناه. والدليل الاستقرائي في هذه المرحلة لا يحتاج إلى أيّ أصل مسبقٍ، ما عدا أصول نظريّة الاحتمال.

ب ـ على الرغم من كون المرحلة الاستنباطية مستغنية عن أيّ أصل مسبَقٍ، ما عدا أصول نظريّة الاحتمال، فإنّها مبنيّة على عدم الدليل على نفي الارتباط العِلّيّ بمفهومه العقليّ([59]). وهذا الأمر لا يؤدّي بالدليل الاستقرائيّ إلى إثبات هكذا أصل ابتداءً؛ لأن النفي بحاجة إلى دليلٍ، بينما لا يحتاج عدم النفي إلى دليل([60]). وعليه فالذين ينكرون علاقة العِلّيّة بمفهومها العقليّ تماماً([61]) لا يمكنهم تبرير الدليل الاستقرائيّ في مرحلته الاستنباطيّة.

ج ـ يمكن للدليل الاستقرائيّ بذاته أن يثبت علاقة العِلّيّة العدميّة بمفهومها العقليّ، يعني استحالة الصدفة المطلقة([62]).

 

شروط المرحلة الاستنباطيّة ــــــ

يعتقد الشهيد الصدر أن المرحلة الاستنباطيّة تتطلَّب ميزتين؛ لكي تكون ناجحة وموفَّقة في نتيجتها.

الأولى: أن تتوافر المجموعة التي يجري فيها الاستقراء على مفهومٍ واحد وخاصية مشتركة، وأن لا يكون اجتماعها تجمُّعاً عشوائيّاً غيرَ واعٍ.

الثانية: أن لا يتمايز الأفراد الذين شملتهم التجربة عن سائر الأفراد بخاصّيّة مشتركة أخرى.

فمثلاً: لو اخترت عشوائيّاً إنساناً من كلّ بلد في العالم، وتكوّنت بذلك مجموعة من الناس، ولاحظت أن عدداً من أفراد هذه المجموعة بيضٌ، فلا يمكنك أن تستنتج من ذلك أنّ كلّ أفراد تلك المجموعة بيض؛ لأنّ هذه المجموعة فئة مصطنعة، لا تعبِّر عن وحدة مفهوميّة. وبالعكس إذا كوّنت مجموعةٌ من الزنوج فئةً واحدةً فإن بإمكانك أن تعمِّم استقرائيّاً، وتقول: إنّ كلّ زنجيّ أسود؛ لأنّ الفئة هنا ذات خاصّيّة مشتركة.

وفي نفس هذا المثال لا يمكنك أن تعمِّم الحكم من مجموعة الزنوج، وتقول: إنّ كلّ الناس سودٌ؛ لأن سائر الناس يشتركون مع الزنوج في الإنسانيّة، لكنّ وجود خاصّيّة مشتركة لفئة من الزنوج، بحيث تميِّزها عن غيرها، يجعل أيّ تعميم من هذا القبيل غير منطقيّ([63]).

وبهذا يتَّضح أنّ الاستقراء يزيد احتمال القضيّة المستقرَأة، دون أن يكون للحالة النفسيّة للفرد أيّ دور في ذلك، بل إنّ التصاعد يكون بنحوٍ منطقيّ ورياضيّ.

 

2ـ مرحلة التوالد الذاتيّ ــــــ

يبيِّن الشهيد الصدر في هذه المرحلة الشروط التي فيها يتبدَّل الاحتمال المتراكم الحاصل في المرحلة السابقة إلى يقين. وهو يذعن أن لا سبيل للوصول إلى (يقين منطقيّ) من هذا الطريق، ولا قيمة لليقين الذاتيّ أيضاً. وبالنتيجة لابدّ من القبول باليقين الموضوعيّ.

وبناءً على ذلك فالشهيد الصدر يبحث عن الحالة التي تكون النفس فيها مضطرةً للانتقال من الاحتمال المتراكم إلى الجزم واليقين([64]).

وفي بداية هذه المرحلة لابدّ من القبول بأصل مسلَّم، وهو أنّ بعض درجات التصديق الموضوعيّ بديهيّة، وتحصل للنفس بنحو أوّليّ؛ لأنّ كلّ تصديق موضوعيّ إما أن يمكن استنباطه من تصديقات أخرى؛ أو لا يمكن. وفي الحالة الأولى لابدّ أن تنتهي سلسلة الاستنباطات إلى تصديق مستغنٍ عن الاستنتاج([65]).

وبعد القبول بهذا الأصل فإن دور البحث العلميّ في مرحلة التوالد الذاتيّ عبارةٌ عن:

1ـ صياغة الشكل والقالب الأصلي الذي يحتاجه الدليل الاستقرائي في المرحلة الثانية؛ لكي يمكن تفسير حصول الجزم.

2ـ البرهنة على الشروط التي يجب تحقُّقها؛ لكي تضمن صحّة الأصل المذكور. وليس المقصود البرهنة على نفس الأصل، بل البيان الاستدلاليّ على الموارد التي تفقد فاعليّتها.

3ـ البرهنة على تحقُّق الشروط المذكورة في الموارد التي لوحظت في المرحلة السابقة([66]).

 

قالب الأصل ــــــ

الأصل الذي يتطلَّبه الدليل الاستقرائيّ في المرحلة الثانية لا يرتبط بالواقع الخارجيّ، ولا يحكي عن حقيقة عينيّة، وإنّما يرتبط بالمعرفة والعلم البشريّ. يقول هذا الأصل: «كلّما تجمّع عددٌ كبير من القيم الاحتماليّة في محور واحد، فحصل هذا المحور نتيجة لذلك على قيمة كبيرة، فإنّ هذه القيمة الاحتماليّة الكبيرة تتحوّل ـ ضمن شروط معيّنة ـ إلى يقينٍ، فكأنّ المعرفة البشريّة مصمَّمةٌ بطريقة لا تتيح لها أن تحتفظ بالقيم الاحتماليّة الصغيرة جدّاً، فأيّ قيمة احتماليّة صغيرة تفنى لحساب القيمة الاحتماليّة الكبيرة المقابلة، وهذا يعني تحوّل هذه القيمة إلى يقينٍ. وليس فناء القيمة الاحتماليّة الصغيرة نتيجةً لتدخُّل عوامل بالإمكان التغلُّب عليها والتحرُّر منها، بل إنّ المصادرة تفترض أنّ فناء القيمة الصغيرة، وتحوّل القيمة الاحتماليّة الكبيرة إلى يقين، يفرضه التحرُّك الطبيعيّ للمعرفة البشريّة»([67]).

«إنّ مردّ المصادرة ـ على ضوء هذا التحليل ـ إلى أنّ محوراً معيّناً قد يمتصّ الجزء الأكبر من قيمة علم عن طريق تجمّع القيم الاحتماليّة التي تمثّل ذلك الجزء فيه، وهذا يعني حصوله على قيمة احتماليّة كبيرة، وتتحوّل هذه القيمة إلى يقين. وأمّا القيمة الاحتماليّة الصغيرة المضادّة التي لم يمتصّها فتفنى؛ لضآلتها، أمام تلك القيمة الاحتماليّة الكبيرة»([68]).

«في مثال المكتبة الذي استعنّا به لتوضيح مفهوم اليقين الموضوعيّ فإنّ العلم في هذا المثال ينقسم إلى مائة ألف قيمة احتماليّة متساوية، وفقاً لنظريّة الاحتمال. ومجموع هذه القيم يمثّل القيمة الكاملة للعلم. وكلّ قيمة من تلك القيم الاحتماليّة المتساوية تساوي 1/100000، وترتبط بكتاب معيَّن من كتب المكتبة؛ بوصفه عضواً في مجموعة أطراف العلم الإجماليّ. والقيمة الاحتماليّة المرتبطة بكلّ كتاب تثبت ـ بالدرجة التي يُتاح لها ـ أنّ ذلك الكتاب هو الكتاب الناقص، وبنفس الدرجة تنفي النقصان عن سائر الكتب الأخرى. ولذلك فإنّا إذا أخذنا أيَّ كتاب من كتب المكتبة فسوف نجد أنّ القيم التي تنفي النقصان عنه هي عبارة عن مجموع القيم الاحتماليّة المرتبطة بسائر الكتب الأخرى، أي تسعة وتسعين ألف وتسعمائة وتسع وتسعين قيمة احتماليّة من مجموع مائة ألف قيمة احتماليّة، وهذا يعني أنّ هذا الكتاب الذي أخذناه يشكِّل محوراً لتجمُّع عددٍ كبير من القيم الاحتماليّة يستوعب كلّ قيم العلم الاحتماليّة، سوى قيمة واحدة. ولكنّ هذا التجمُّع ـ رغم ذلك ـ لا يمكن أن يؤدّي إلى تحوُّل القيمة الاحتماليّة الكبيرة الناتجة عنه إلى يقين، وفناء القيمة الاحتماليّة الصغيرة المضادّة؛ لأنّ هذا التجمّع ليس في الحقيقة إلاّ تعبيراً عن الجزء الأكبر من قيمة علمنا المفترض بوجود نقصان في كتابٍ واحدٍ من كتب المكتبة. وكلّ كتاب في المكتبة يحظى احتمال عدم النقصان فيه بجزءٍ من قيمة هذا العلم، يساوي ذلك الجزء تماماً؛ لأنّه يشكّل محوراً لتجمُّع مماثل. ففي هذه الحالة لا يمكن لذلك الجزء من العلم الذي يمثّله التجمّع ـ مهما كان كبيراً ـ أن يؤدّي إلى فناء القيمة الاحتماليّة الصغيرة المضادّة لمحور التجمّع؛ لأنّه إذا أدّى إلى ذلك في أيّ محور من محاور التجمّع فإمّا أن يؤدّي إلى فناء القيمة الاحتماليّة الصغيرة المضادّة لجميع محاور التجمّع، أو يؤدّي إلى ذلك في محور دون محور. وكلاهما مستحيل…. فلكي تكون المصادرة معقولة، ويتحقّق الشرط الذي وضعناه لها، يجب أن نفترض علمين إجماليّين، وذلك بأحد الشكلين التاليين:

الشكل الأوّل: أن يوجد لدينا علمان إجماليّان: (علم إجماليّ1)؛ و(علم إجماليّ2). وتتجمّع القيم الاحتماليّة في محورٍ واحدٍ. وهذا المحور الواحد يمكن أن نعبِّر عنه تعبيراً سلبياً فنقول: إنّه يتمثّل في نفي طرف محدَّد من أطراف (العلم الإجماليّ1)، ويمكن أن نعبّر عنه تعبيراً إيجابياً فنقول: إنّه يتمثّل في إثبات طرف محدَّد من أطراف (العلم الإجماليّ1)، وأمّا نفس القيم الاحتماليّة المتجمّعة في ذلك المحور فهي تنتمي إلى (العلم الإجماليّ2)، وتستوعب الجزء الأكبر من القيم التي يعبِّر عنها، ولا تنتمي إلى نفس (العلم الإجماليّ1) الذي اتّخذت أحد أطرافه محوراً لها.

فليس محور التجمّع ونفس التجمّع منتميين إلى علمٍ واحد، بل المحور طرف لعلم، والتجمّع يعبِّر عن جزء كبير من قيمة علم آخر. فإذا أدّى التجمّع إلى إيجاد اليقين في ذلك المحور، وإفناء قيمة من القيم الاحتماليّة التي يمثّلها (العلم الإجماليّ1)، فهذا يعني أنّ (العلم الإجماليّ2) أفنى بعض القيم الاحتماليّة في (العلم الإجماليّ1)، لا أنّه أفنى قيمةً من قيمه الاحتماليّة نفسها.

ولنطبّق هذا الشكل على سببيّة (أ) لـ (ب) في ضوء علمين إجماليّين، هما:

أوّلاً: العلم الإجماليّ الذي يحدّد الاحتمال القبليّ لسببيّة (أ) لـ (ب). فإذا افترضنا أنّنا كنّا نعلم مسبقاً بأنّ لـ (ب) سبباً، وأنّ هذا السبب هو (أ) أو (ت)، فسوف يكون هذا العلم محتوياً على عضوين. ولنعبّر عنه بـ (العلم الإجماليّ1).

ثانياً: العلم الإجماليّ الذي اتّخذناه في المرحلة السابقة أساساً لتنمية احتمال السببيّة، وهو العلم الذي يستوعب محتملات (ت) في التجارب الناجحة. ولنعبّر عنه بـ (العلم الإجماليّ2).

فإذا كانت التجارب الناجحة عشراً كان عدد الحالات التي تمثّل أطراف (العلم الإجماليّ2) (1024) حالة، وحالة واحدة من هذه الحالات حيادية تجاه العضوين المحتملين في (العلم الإجماليّ1)، وكلّ الحالات الأخرى في صالح أحد العضوين (للعلم الإجماليّ1)، وهو سببيّة (أ) لـ (ب).

وهذا يعني أنّ (العلم الإجماليّ2) يضمّ (1024) قيمة احتماليّة، وأنّ 1/2 (1023) قيمة احتماليّة منها تشكّل تجمُّعاً إيجابياً في محور محدَّد، وهو سببيّة (أ) لـ (ب)([69]) ـ أي أحد العضوين في (العلم الإجماليّ1) ـ، ويؤدّي هذا التجمّع إلى اكتساب هذه السببيّة قيمة احتماليّة كبيرة، كما رأينا في دراسة المرحلة الاستنباطية من الاستقراء. وفي هذه الحالة يمكن تطبيق المصادرة المفترضة للمرحلة الثانية من الدليل الاستقرائي، فنفترض أنّ هذا التجمُّع يسبِّب اليقين بالسببيّة وإفناء القيمة الاحتماليّة الصغيرة المضادّة لسببيّة (أ) لـ (ب)، ولا يؤدّي هذا الافتراض إلى أيّ تناقض؛ لأنّ التجمّع المسبِّب لذلك يمثّل الجزء الأكبر من قيمة (العلم الإجماليّ2)، والقيمة الاحتماليّة التي تسبَّب هذا التجمّع في إفنائها ليست من القيم الاحتماليّة المتساوية التي يضمّها (العلم الإجماليّ2)، بل هي قيمة احتماليّة تنتمي إلى (العلم الإجماليّ1)، فلا نواجه مشكلة إفناء العلم لنفسه، أو إفناء العلم لبعض قِيَمه الاحتماليّة المتساوية دون بعض بدون مبرِّر.

وهكذا يتحقَّق الشكل الأوّل لتطبيق المصادرة: كلّما تجمَّع عددٌ كبير من القيم الاحتماليّة للعلم في محور خارج نطاق ذلك العلم، وتسبّب لإفناء قيمة احتماليّة، لا تنتسب إلى نفس العلم الذي تنتسب إليه القيم المتجمّعة نفسها.

 

شرط استخدام الشكل الأوّل ــــــ

ويجب أن يتوفّر شرطان أساسيان؛ لكي يُتاح استخدام الشكل الأوّل لتطبيق المصادرة:

الأوّل: أن لا تكون القضية التي يراد إفناء قيمتها الاحتماليّة عن طريق تجمُّع القيم الاحتماليّة في محورٍ واحد ملازمةً لأحد أطراف (العلم الإجماليّ2)، الذي تنتمي القيم المتجمِّعة الاحتماليّة إليه. ففي مثال السببيّة إذا كان نفي سببيّة (أ) لـ (ب) ملازماً لحالة وجود (ت) في كلّ التجارب الناجحة، وكنّا نعلم بأنّ (ت) إذا كانت موجودة في كلّ المرّات فـ (أ) ليس سبباً لـ (ب) حتماً، فهذا يجعل الشكل الأوّل لتطبيق المصادرة متعذِّراً؛ لأنّ نفي سببيّة (أ) لـ (ب) في هذه الحالة سوف يصبح بنفسه طرفاً من أطراف (العلم الإجماليّ2)؛ لأنّه ملازمٌ لأحد أطرافه، وملازمُ الطرف طرفٌ. فإذا أدّى التجمّع المنتمي إلى (العلم الإجماليّ2) إلى إفناء القيمة الاحتماليّة لنفي السببيّة فهو يفني ـ بطبيعة الحال ـ القيمة الاحتماليّة لوجود (ت) في جميع المرّات؛ نظراً إلى التلازم بينهما، وبذلك يصبح العلم سبباً في إفناء قيمة من قِيَمِه الاحتماليّة المتساوية، وتواجه المصادرة ـ حينئذٍ ـ مشكلة إفناء العلم لبعض قِيَمه المتساوية دون بعض بدون مبرّر، أو مشكلة إفناء العلم لنفسه.

فلا بدّ ـ إذاً ـ؛ لكي ينجح الشكل الأوّل لتطبيق المصادرة، أن نفترض أنّ القضية التي يُراد إفناء قيمتها الاحتماليّة ليست ملازمةً لأحد أطراف (العلم الإجماليّ2)، كما هو الواقع بالنسبة إلى نفي سببيّة (أ) لـ (ب)، فإنّ هذا النفي ليس ملازماً لوجود (ت) في جميع التجارب؛ لأنّ (ت) قد تكون موجودة في جميع التجارب، ومع هذا تكون (أ) سبباً لـ (ب)، فلا يعني إفناء (العلم الإجماليّ2) للقيمة الاحتماليّة لهذا النفي إفناءه لإحدى القيم الاحتماليّة المتساوية التي يمثّلها.

الثاني: أن لا يكون محور التجمّع للقيم الاحتماليّة مصطنعاً. ونريد بالمحور المصطنع أن لا تكون هذه القيم الاحتماليّة المتجمِّعة متَّجهة كلّها لإثبات قضيّة واحدة بصورة مباشرة، بل يتَّجه بعضها لإثبات قضيّة، وبعضها لإثبات قضيّة أخرى، ثمّ تُنتزع من القضيتين معاً قضيةٌ ثالثة، يجعل منها المحور الذي تتجمّع فيه القيم الاحتماليّة([70]).

الشكل الثاني: كنّا في الشكل الأوّل لتطبيق المصادرة نواجه علمَيْن: أحدهما: هو الذي يفني القيمة الاحتماليّة لأحد أطرافه، وهذا هو (العلم الإجماليّ1)؛ والآخر: هو الذي يسبّب هذا الفناء عن طريق تجمُّع عددٍ كبير من قيمه الاحتماليّة في محورٍ واحد. وبذلك تفادينا فرضيّة إفناء العلم لإحدى قِيَمه الاحتماليّة المتساوية.

وفي هذا الشكل الجديد لتطبيق المصادرة نفترض أنّ العلم الذي يمارس إفناء القيمة الاحتماليّة الصغيرة عن طريق تجمُّع عددٍ كبير من قِيَمه الاحتماليّة في محور واحد هو نفس العلم الذي تفنى القيمة الاحتماليّة لأحد أطرافه. وهذا يعني أنّ العلم يفني القيمة الاحتماليّة لأحد أطرافه. ولكنْ رغم ذاك لا يؤدّي بنا هذا إلى افتراض أنّ العلم يفني نفسه، أو يفني بعض قِيَمه الاحتماليّة المتساوية دون بعض بدون مرجِّح؛ وذلك لأنّنا نفترض ـ في هذا الشكل لتطبيق المصادرة ـ أنّ الطرف الذي أفنى العلم قيمته الاحتماليّة من بين أطرافه لم تكن قيمته الاحتماليّة مساوية للقيمة الاحتماليّة لسائر أطراف هذا العلم، بل أصغر من سائر القيم الأخرى. وفي هذه الحالة لا يواجه تطبيق المصادرة أيّ استحالةٍ، من نوع الترجيح بلا مرجّح، أو إفناء العلم لنفسه؛ لأنّ بالإمكان افتراض أنّ المصادرة تؤدّي إلى إفناء العلم لتلك القيمة التي هي أصغر قِيَمه الاحتماليّة، دون غيرها من القيم، فلا يترتّب على ذلك الترجيح بلا مرجِّح؛ لأنّ المرجِّح الذي خصَّ الفناء بتلك القيمة دون غيرها من القيم هو كونها أصغر من القيم الأخرى، وهذا يعني أنّ تجمّع القيم الاحتماليّة المضادّ لها من قيم العلم أكبر من التجمُّع المضادّ من قيم ذلك العلم الذي يواجهه أيّ طرف آخر من أطرافه. ولا يترتّب أيضاً أنّ العلم يفني نفسه؛ لأنّنا افترضنا أنّ العلم لا يفني إلاّ قيمة واحدة من قِيَمه، وهي القيمة التي تمثِّل أصغر كمّيّة في تلك القِيَم.

وتظلّ نقطة واحدة جوهرية بحاجة إلى تفسير، وهي: كيف اختلفت القيم الاحتماليّة لذلك العلم، وأصبح طرفٌ معيّنٌ من أطرافه يملك قيمة احتماليّة أصغر من قيم سائر الأطراف، مع أنّ قيمة العلم تنقسم دائماً على الأعضاء الأصليّة في مجموعة أطرافه بصورة متساوية، كما عرفنا سابقاً في نظريّة الاحتمال؟

وهذا يدلّ على أنّ هذا الاختلاف في القيم الاحتماليّة للعلم الواحد يجب أن يفسَّر على أساس تدخُّل علم إجماليّ آخر([71]).

ومثال ذلك: ما إذا ألقيت قطعة النقد عشر مرّات، ففي كلّ مرّة من المحتمل أن يظهر وجه الكتابة، ومن المحتمل أن لا يظهر. وهذان الاحتمالان متساويان. وبضرب الاحتمالين الممكنين في كلّ رمية لقطعة النقد بالاحتمالين الممكنين في الرميات الأخرى نحصل على (1024) حالة محتملة. وهذه الحالات تشكِّل مجموعة الأطراف لـ (العلم الإجماليّ1).

ولو كان هذا العلم منفرداً بالتأثير لوزَّع قِيَمه الاحتماليّة على هذه الحالات بالتساوي. فمثلاً: حالة أن يظهر وجه الكتابة في المرّة الأولى والرابعة والتاسعة والعاشرة فقط وحالة أن يظهر وجه الكتابة في جميع المرّات يجب أن تكونا متساويتين في قيمتهما الاحتماليّة، ما دمنا نتكلّم في نطاق (العلم الإجماليّ1). ولكنْ رغم ذلك نعلم جميعاً بأنّا إذا لاحظنا فعلاً وقوع الحالة الثانية من هاتين
الحالتين فسوف نستغرب ذلك بدرجةٍ كبيرة، بينما لا نجد في نفوسنا أيّ استغراب إذا لاحظنا فعلاً وقوع الحالة الأولى. ومعنى هذا أنّ هناك عاملاً آخر يجعل قيمة احتمال الحالة الثانية أصغر من قيم احتمالات سائر الحالات الأخرى. وهذا العامل هو الذي يمثّل تدخُّل (العلم الإجماليّ2) في تحديد قِيَم (العلم الإجماليّ1). فما هو هذا العامل؟

إنّ هذا العامل هو الذي دعا المنطق الأرسطيّ إلى الاعتقاد بأنّ اجتماع عدد كبير من الصدف المتماثلة مستحيلٌ. فقد رأى المنطق الأرسطيّ نفسه يرفض إمكانيّة تكرُّر الصدفة بصورة متماثلة في عددٍ كبير من التجارب. فلا يستسيغ ـ مثلاً ـ أن يظهر وجه الكتابة في ألف رمية متتابعة لقطعة النقد. وهذا جعله يتصوَّر أنّ هناك مبدأً عقليّاً قبليّاً يحكم بأنّ تكرُّر الصدفة بصورة متماثلة في عددٍ كبير من المرّات المتتابعة أمرٌ مستحيل([72]).

وبهذا البحث يحاول الشهيد الصدر أن يوجد بديلاً مناسباً للقاعدة الأرسطيّة: (إنّ الصدفة لا تتكرَّر بصورة متماثلة ومتتالية)، ويسميها بـ (قاعدة عدم التماثل)([73]).

وبعد أن يسعى الصدر لتوضيح المبادئ المنطقيّة للاستقراء، وتوضيح شروطه وصوره المنتجة، ينتقل إلى البحث المعرفيّ للمذهب الذاتيّ، والذي لا يسعنا تفصيله في هذا المقال([74]).

 

نظريّة الشهيد الصدر، قراءة نقديّة ــــــ

تلخَّص ممّا سبق أن الاستقراء من وجهة نظر الشهيد الصدر يمرّ بمرحلتين؛ بهدف الوصول إلى نتيجة:

1ـ مرحلة التوالد الموضوعيّ.

2ـ مرحلة التوالد الذاتيّ.

وفي كلّ واحدةٍ من هاتين المرحلتين تلزم بعض الشرائط والخصوصيّات؛ لكي تسير العمليّة بشكلها الصحيح.

وتتّجه بعض النقود التي وجّهت للنظريّة إلى المرحلة الأولى، فيما تتّجه الأخرى إلى المرحلة الثانية.

 

1ـ نقد مرحلة التوالد الموضوعيّ ــــــ

لاحظنا أن الشهيد الصدر يرى ضرورة شرطين لمرحلة التوالد الموضوعيّ، والتي على أساس قواعد حساب الاحتمالات تزداد قيمة احتمالات القضية المستقرأة فيها. وأوّلهما: اشتراك الأفراد في مفهوم أو خاصّية معيّنة. ومع ذلك فقد صرَّح بعض الباحثين قائلاً: «حقّاً كيف يمكن أن تكون جميع صفات الشيء موضع تجربة معلومة لنا، بحيث نجزم بأنّ الخصوصية المعينة غير منعزلة عنه؟ وهل أن دور العلم أمر آخر غير أن يسعى دائماً لاكتشاف أو فرض صفات جديدة للأشياء؟ إن جميع أولئك الذين حسبوا أن مشكلة الاستقراء يسيرة على الحلّ كانوا يذهبون إلى الاعتقاد السطحيّ بأننا إذا أجرينا التجربة على الإنسان أو الخشب يمكن أن نعمّم نتيجتها على كل إنسان أو كلّ خشب، حيث إنّنا نعرف هذه المفردات بشكلٍ جيّد، فالإنسان إنسان، والخشب خشب، أو غصن الورد يعطي ورداً، في كلّ مكان، وغفلوا عن أن اعتبار موجودٍ ما إنساناً أو خشباً أمرٌ استقرائيٌّ بنفسه»([75]).

ثم يقول: «من هنا يتّضح لنا أنّه على الرغم من الدقة المنطقيّة والرياضيّة التي تمتَّع بها الشهيد الصدر، والتي تستحق التقدير، فالشرط الذي اشترطه للاستقراء السليم شرطٌ لا يتحقَّق، وبذلك تتزلزل نتائج كلّ الجهود اللاحقة، التي افترض سلامتها. وتكمن مشكلة الاستقراء ـ أساساً ـ في عدم إمكانية التعرُّف على طبائع الأشياء، ووحدتها المفهومية، وصورتها النوعية المشتركة. وحيث إن الأمر كذلك فلا يمكن لأية إبرة مهما دقّت أن ترقع الاستنتاج الاستقرائيّ. نعم، محاولة الشهيد الصدر محاولة عظيمة ومعقَّدة ومبدعة، إلا أنّ المؤسف حقّاً أن الدار خربة من الأساس»([76]).

ولا يفوتنا الإشارة إلى أن الاستقراء في مرحلة التوالد الموضوعيّ إنما ينتهي إلى الظنّ القويّ، والذي يذكر في هذه المرحلة بوصفه شرطاً، بهدف الوصول إلى هذا الهدف. وبالالتفات إلى تلك النقطة لو ألقينا نظرةً على الاعتراض المذكور سنجد أنه لا أثر في هذا الكلام للاعتراض على نفس الشرط ولزومه في هذه المرحلة، بل جاء الاعتراض على تحقُّق الشرط، بعد القبول بأصل الشرط.

والنتيجة الحتمية للالتزام بهذا الاعتراض ستكون التسليم بعجز الاستقراء حتّى في إفادة الظنّ، وتقوية احتمال القضية المستقرأة، يعني يجب الاعتراف بأنّ كثرة التجارب وانضمام الشواهد لا أثر لها في تقوية احتمال. وحالُ تلك القضية لا يختلف قبل وبعد التجارب المذكورة.

وبذلك الاعتراض ينهدم الأساس الذي قامت عليه العلوم التجريبيّة المبنيّة على الاستقراء. وسوف لن تكون الأحكام الصادرة من قبل أصحاب تلك العلوم غير يقينيّة فحسب، بل سوف لن تكون ظنّيّة أيضاً.

فهل أن قيمة القضية: (الفلزات تنبسط بالحرارة)، التي تؤيِّدها مئات التجارب، ستكون مساويةً للقضية: (يوجد أحياء على سطح المريخ)، التي لا يوجد أيّ شاهدٍ لها يمكن الاعتماد عليه؟!

بناءً على ذلك ستكون جهود العلماء التجريبيين في العثور على شواهد تجريبية على قضية ما هباءً، وتكون أفكارهم سراباً.

إن الأرضيّة السبخة لهذا الاعتراض تبتلع كلّ قطرة ظنٍّ، ولا تسمح بأية فرصة لتكوين ظنٍّ أقوى.

وبكلمة مختصرة: إن طوفان هذا الإيراد يلغي أساس كلّ العلوم التجريبية، ويحولِّها إلى تلٍّ من الشكّ والاحتمال، بينما يبقى أساس العلوم العقليّة التي لا تستند إلى الاستقراء على قوّته ومتانته. فكيف يلتزم الكاتب المعترض بهذا الإشكال، ويوكل في موضعٍ آخر مصير المعارف الدينيّة إلى العلوم التجريبيّة؛ بهدف تقوية الأسس الإيمانيّة، ويراها مضطرةً للعبور من هذا الممر الضيق للعلوم التجريبيّة، ويقول: «بين المعارف الدينيّة والمعرفة العلميّة والفلسفيّة والعرفانيّة هناك حوارٌ دائم، وكلٌّ منها يتقبَّل الآخر، ويكسبه معنى وجلاءً. ودائماً ما يكون اليقين الأوّل الذي يستقرّ في قلوبنا شعاع شكّنا، يلقي باليقين على سائر معارفنا. فلذا يمكن للمعارف البشريّة أن تكتسب مضموناً ومعنى جديداً في ضوء المعارف الدينيّة واليقين بها، ومع ذلك فما هو مقدَّم عقلاً وعملاً، وأول ما يظهر ويرسم جغرافيا المعرفة، هو المعارف البشريّة، يعني أن الإنسان يجب أوّلاً أن يكون لديه تصوُّر عن العالم والإنسان؛ لكي يمكنه أن يضع للنبيّ مكاناً فيه، أي إن التصوُّر البشريّ للعالم هو الذي يعطي الإذن بالدخول وجواز الاعتبار للتصوُّر الدينيّ عن العالم، لا العكس»([77]). حقّاً عندما لا يمكن الحكم بكون الشيء إنساناً أو خشباً، حتّى بنحو ظنّيّ، كيف يمكن التوافر على تصوُّرٍ عن العالم والإنسان؛ لكي يكون للنبيّ موضعٌ فيه؟!

وحينئذ لماذا التفوُّه بالاعتراض، والتأسُّف على «عدم الإنصاف، بل الجفاء، الذي حدث ويحدث في الحوزات الدينيّة العلميّة تجاه العلوم والمعارف البشريّة الجديدة»([78]). والشكوى من أنّه «لا لعلم التاريخ منزلة، وليس له صدارة، وليس هناك من خبر عن علم الطبيعة وعلم الإنسان وعلم الاجتماع ونظريّة المعرفة الجديدة»([79]).

أَوَليس كلّ هذه مستندة إلى التجربة والاستقراء؟ أَوَليس الاستقراء يزيد شيئاً على الشكّ؟ فكيف تحصل تلك المعارف الجديدة البشريّة على هكذا قدر وقيمة، بحيث إنّ النبيّ والوصيّ أيضاً يجب أن يستحصلوا منها على اعتبارهم ومنزلتهم، وأحياناً تتنزل في حضيض المذلّة والتحقير، بحيث تبقى عاجزةً حتى عن تحصيل الظنّ أيضاً.

ومن جهة أخرى فهذا المعترض عندما يكون في صدد البحث عن طريقٍ لإثبات صحّة نظريته الدينية يتمسَّك في موضع آخر بأمرين: المنطق (أي المعرفة الدقيقة بكيفية ارتباط الأفكار مع بعضها)؛ والتاريخ (أي العلم الاستقرائيّ بماضي المعارف الدينيّة وغير الدينيّة)([80]).

كيف يكون الاستقراء عاجزاً عن حكمٍ كلّيٍّ حول الخشب، ولكنّه ببساطة، وببعض الشواهد، يثبت قانوناً عامّاً حول المعرفة البشريّة ـ والتي أمرها أحدّ من الشعرة، وأعمق من المجرّة ـ؟! وعندما يكون المنطق عاجزاً عن إنقاذ (نظريّة تكامل المعرفة الدينيّة) يُكتفى بالاستقراء فقط، بوصفه مؤيِّداً، وذلك في بعض الموارد المعرفيّة، ويصرّح بأنّه «على فرض بطلان ذلك الاستدلال المنطقيّ (الموسوم بتناقض التأييد) لا يوجب خللاً في استدلالنا، ولا تنقص ذرّة من قوّة ذلك المدَّعى الذي يرى التوافق بين المعرفة البشريّة والمعرفة الدينيّة»([81]).

كيف يمكن «لصاحب نظريّة معرفة أن يتوصَّل بالاستقراء إلى أنّ فهم العلماء عن الشريعة مسبوقٌ بمعلوماتهم الأخرى»([82])، ولكنّ الفيزيائيّ لا يستطيع من هذا الكمّ من التجارب التوصُّل إلى تلك المعلومة البسيطة، وهي أنّ (الفلزات تنبسط بالحرارة)([83])؟!.

وباختصارٍ إننا عندما اشترطنا اشتراك الأفراد في مفهوم أو خاصّيّة، واعتبرنا تحقُّقها غير ممكنٍ، فلابدّ أن نعترف أنّ الاستقراء لا يفيد حتّى الظنّ، ولا يتجاوز مرحلة الشكّ. وإذا كان كذلك فكيف لجأنا إليه في أكثر المعارف البشريّة تعقيداً، ألا وهي نظريّة المعرفة؟!

ولا يفوتنا القول: إنّه بقليل من التأمُّل يتّضح إمكان التحقُّق من الشرط المذكور، والاستفادة من الاستقراء، وإنْ استلزم دقّة أكثر ومجالاً أوسع؛ لكي يتبيَّن بطلان الاستفادة منه لإثبات حكم عامّ حول المعرفة البشريّة.

 

2ـ نقد مرحلة التوالد الذاتيّ ــــــ

لقد واجهت نظريّة الصدر اعتراضاتٍ أكثر في مرحلة التوالد الذاتيّ، التي توضِّح الانتقال من الاحتمال المتزايد إلى يقين.

اكتفت بعض هذه الإشكالات بكلامٍ كأنّ فيه إغماضاً عن شرح الشهيد الصدر وتوضيحه لهذه المرحلة. فاكتفى بعضهم بالإشكال: «وإنْ كانت كثرة التجارب تؤدي إلى تضعيف احتمال الخلاف، لكنّ هذا الاحتمال، وإنْ كان ضعيفاً، سيكون مانعاً من حصول اليقين»([84]).

بينما يعترف الشهيد الصدر بنفسه بأنّ احتمال الخلاف مانعٌ من حصول (اليقين المنطقيّ). والذي يُدَّعى الوصول إليه هو (اليقين الموضوعيّ)، وليس ذلك في جميع الموارد والحالات، وإنّما في حالة وجود شروط معينة.

فهل يمكن إنكار أنّ هناك بعض القضايا اليقينية والجزمية، والتي لم يمكن التوصل إليها إلاّ عن طريق التجارب اليومية، أي عن طريق الاستقراء، وإنْ كانت بنحوٍ لا شعوريّ؟ فهل هناك إنسان يشكّ أنه إذا أدخل يده في النار فإنّها تحترق؟ وهل يوجد إنسان يدخل يده الباردة في ماء شديد البرودة وقريب من الانجماد لكي يدفّئها؟ فلماذا لا تحدث هكذا أمور؟ ومن أين عرفنا أنّ النار تحرق، والماء القريب من الانجماد يبرِّد؟ هذه الأمور الجزمية، ومئات الحالات من اليقين المشابهة لها، التي تقوم عليها حياة الإنسان والعلوم التجريبية، لم تحصل إلاّ عن طريق الاستقراء؟

والبعض الآخر من الإشكالات مرّت بالقرب من أبحاث الشهيد الصدر، وحاولت تقييمها من زوايا مختلفة. ولذا يجب أن نتعرض لكلِّ واحدٍ منها على حدة، ونقوم بدراسته وتحليله.

ومن أهم تلك الإشكالات:

أـ عدم التمييز بين المنطق وعلم النفس.

ب ـ الاستقراء الدوريّ.

 

أـ عدم التمييز بين المنطق وعلم النفس ــــــ

أُشكل أحياناً على الشهيد الصدر أنّه أخذ الضرورة السايكولوجيّة بدلاً من الضرورة المنطقيّة([85])، وجعل هذا التصوُّر أساساً لادّعاء أكبر، وهو أنّ (آخر اختراق يجب على الفلسفة التخلُّص منه هو البحث السايكولوجيّ)([86]).

وهنا لابدّ قبل كلّ شيء أن نعيِّن الحدّ الفاصل بين المنطق وعلم النفس، ثم نتصدّى للحكومة في أنّ الشهيد الصدر هل أخذ علم النفس بدلاً عن المنطق؟ ثم نبحث أنّه على فرض وقوع هكذا أمر فما هو الخلل والضعف الذي يرافقه؟.

 

الحدّ الفاصل بين المنطق وعلم النفس ــــــ

التصوُّر الرائج أنّ التفاوت بين المنطق وعلم النفس هو أنّ «في المنطق أيضاً، كما في علم النفس، حياة عقليّة، ويُبحث عن التصوُّرات والأحكام والاستدلالات، مع تفاوتٍ هو أنّ علم النفس يكتفي بتوصيف الحوادث فقط، والغرض منه إثبات كيف يفكِّر الإنسان، بينما يعين المنطق في كيف يجب على الإنسان أن يحكم ويستدلّ، ويميِّز أيضاً بين أحكامه واستدلالاته الصحيحة والخاطئة. والخلاصة أنه يميِّز بين أحكام واستدلالات الإنسان من حيث القيمة والقدر والمرتبة، وليس نظر المنطقيّ إلى ما هو موجودٌ، بل إلى ما يجب أن يكون، ويقرِّر ما هو الأفضل»([87]).

إنّ هكذا تصوُّر يرى أن علم النفس علماً توصيفياً، يعنى بتحليل الظواهر الفكريّة، ويصف عمليّة التفكير، بينما يكون المنطق من هذا المنظار علماً معياريّاً، مهمّته تبيين ما يجب أن يكون.

والذين يقبلون بهكذا تصوُّر لم يلحظوا إلاّ ظاهر الأبحاث المنطقيّة، وفي مستواها الابتدائي. فهذا العلم مجموعة من (ما يجب) و(ما لا يجب). لكنّهم لو نظروا بعمقٍ أكثر لوجدوا أن (ما يجب) المنطقيّ هو ترجمان لـ (ما هو موجودٌ) في الفكر والذهن.

وبعبارة أخرى: المنطق أيضاً علمٌ توصيفيّ، لكنّه يصف نفس الفكر وذاته، خلافاً لعلم النفس الذي يتولّى تحليل الفعاليات الروحيّة، ودراسة النفس الإنسانيّة في حالاتها المختلفة، ومنها: الفكر والإدراك. فعلم النفس يدرس (العاقل)، والمنطق يدرس (العقل). علم النفس يحلِّل الذهن، والمنطق يحلِّل الذهنيات. وباصطلاح أهل الفنّ فإن المنطق يتحدَّث عن المعقولات الثانية، وعلم النفس عن المعقولات الأولى.

إذا وجد في المنطق (يجب) فهذا الوجوب خلاصة وعصارة لما قدَّمه المنطق من (ما هو موجود). ولذا يقال: «من أجل الحصول على الحدّ التامّ لشيءٍ ما فلابدّ من التوافر على الجنس القريب والفصل القريب. وهذا القانون في الحقيقة توصيفٌ لحقيقة ذهنيّة، هي أنّ معرفة كنه (تصوّر نظريّ) لا يحصل إلاّ في ضوء معرفة أجزائه ـ أي الجنس والفصل القريب ـ»([88]).

 

الإجابة عن السؤال السايكولوجي في نظريّة الصدر ــــــ

هل أنّ نظريّة الشهيد الصدر بحثٌ سايكولوجيّ أم تحقيقٌ منطقيّ؟

في الإجابة عن هذا السؤال لابدّ أن نتعرَّف على ماهيّة دور البحث العلميّ في مرحلة التوالد الذاتيّ، وعندها يمكن أن نميِّز هل أنّ البحث تحليلٌ سايكولوجيّ أم تحقيقٌ منطقيّ؟

يرى الشهيد الصدر ـ كما سبق ـ أنّ دور البحث العلميّ في مرحلة التوالد الذاتيّ هو بيان الإطار الأساسي الذي يحتاجه الدليل الاستقرائيّ في تلك المرحلة، والبرهان على شروط ذلك الأصل، وعلى تحقُّق الشروط المذكورة في الموارد التي تدرس ضمن مرحلة التوالد الذاتيّ([89]).

وبناءً على ذلك فإنه في مرحلة التوالد الذاتيّ، بعد القبول بالأصل القائل: إن بعض درجات التصديق الموضوعيّ بديهيّة، يبحث عن الحالة التي يتبدَّل فيها الاحتمال المتراكم إلى الجزم. وعندما تعرف تلك الحالة يمكن من خلال دراستها التعرُّف على شروطها، وذلك بعد تحقُّق تلك الشروط في الحالات التي اختبرت في مرحلة التوالد الذاتيّ.

وقد انبرى الشهيد الصدر في هذه المرحلة لتحليل عمل الذهن، وجعل همّه العثور على الضابطة الصحيحة لحصول اليقين من الظنّ المتنامي.

ولذا فكما يبحث المنطق التقليدي عن طرق تحصيل اليقين المنطقيّ فإنّ منطق الاستقراء يبحث طرق الوصول إلى اليقين الموضوعيّ.

فإذا عرّفنا المنطق بأنّه «المعرفة الدقيقة بكيفيّة ترابط الأفكار فيما بينها»([90]) فإن هذا التعريف سيصدق على منطق الاستقراء كصدقه على المنطق التقليديّ والمنطق الرمزيّ.

وبناءً على ذلك فإن الشهيد الصدر في كتاب (الأسس المنطقيّة للاستقراء) كان باحثاً بحقٍّ عن الأسس المنطقيّة للاستقراء. ولا ينبغي الظنّ أنّ «اسم الكتاب بذاته يمكن أن يصبح أساساً لظنون خاطئة»([91]). ومن غير اللائق الادّعاء أن «سعي المؤلِّف المحترم في كلّ أنحاء الكتاب اتَّجه إلى إثبات عدم وجود أسس منطقيّة لمشكلة الاستقراء»([92]).

نعم، لو كان المنطق مقتصراً على المنطق التقليديّ ـ وليس هو كذلك ـ لكان هناك مجالٌ لمثل تلك التخرُّصات.

ولو كانت نظريّة الشهيد الصدر بحثاً سايكولوجيّاً فما هو الضعف والخلل الذي يلازمها؟

فلو فرضنا أنّ ما قام به الشهيد الصدر يقع ضمن وظيفة علماء النفس فبحقٍّ ما هو الضير في ذلك؟

هل أن الاعتراض عليه لأنه أطلق على ذلك البحث اسم (المنطق)؟ لا شكّ أن هكذا مؤاخذة ـ والتي هي، بتعبير المشهور، مشاحّة في الاصطلاح ـ ليست مقصودة.

وربما كان الخطأ الكبير الذي لا يغتفر هو الخلط بين (علم النفس) والقيمة (المنطقيّة)، والخلط بين (ما هو كائن) و(ما ينبغي أن يكون)، تلك اللوثة التي يجب على الفلسفة التنزُّه عنها.

ومع ذلك إذا غضضنا الطرف عن أصل دعوى الانفصال، التي يصرّ عليها (كارل بوبر) وأتباعه، وأرجأنا إثبات أن (ما ينبغي أن يكون) الحقيقيّة ـ أخلاقيّة أم فقهيّة ـ نتيجة منطقيّة لـ (ما هو كائن) إلى فرصة أخرى، فلابدّ أن نؤكِّد مرة أخرى على نقطة أساسيّة هي أن المنطق علم توصيفي، وليس علماً أمريّاً، و(ما ينبغي) فيه هي ترجمة لـ (ما هو كائن).

وعليه فلا يوجد خلطٌ بين العلم والقيم، و(ما هو كائن) و(ما ينبغي أن يكون)، وإنْ كان (ما هو كائن) في علم النفس غير (ما هو كائن) في المنطق. وبعبارة أخرى: إن (المنطق) علمٌ بالمعنى الممصطلح ـ أي مجموعة من الحقائق العلميّة ـ وليس قواعد عمل ومجموعة من القيم.

وربما يقال: إن الشهيد الصدر، بدلاً من تحصيل سندٍ منطقيّ لتلك الفكرة، أتى بدليلها السايكولوجيّ([93]).

والمراد بذلك: هل أنّ مجرد إحصاء عوامل وبواعث حصول حالة ذهنية ـ نفسية يمكن أن يكون مسوِّغاً منطقيّاً، ودليلاً على صحّة تلك الحالة؟

فبنو الإنسان يعتقدون الكثير من الخرافات أيضاً، ويمكن وفق النهج النفسي العثور على مبررات الاعتقاد بتلك الخرافات، ونشخِّص طبيعة الأحداث التي تدفع إلى التمسُّك بهذه الأفكار الوهميّة، إلاّ أنّه من البطلان بمكانٍ أن نحسب أن العثور على تلك العوامل وإحصاءها ـ وإن كان بطريقة علميّة وعينية، وعلى حدّ تعبير الشهيد الصدر: موضوعيّة ـ يسمح لنا بالاعتقاد بتلك الخرافات. ومهما حلَّلنا ودرسنا بواعث الحالات لا يمكن أن نستحصل منها على مسوِّغٍ لصحّة تلك الحالات؛ لكي يمكن أن نعطي حقّاً للشخص الذي يؤمن بالخرافات، يعني يمكن أن ننتهي إلى النتيجة التالية: إن ذلك الشخص الذي كان يعيش تلك الظروف الذهنيّة والموضوعيّة لم يكن أمامه من سبيل إلاّ الاعتقاد بتلك الخرافة، وإن حركة ذهنه الطبيعيّة ـ على حدّ تعبير الشهيد الصدر ـ هي التي أدَّت به إلى الاعتقاد بتلك الخرافة. ورغم ذلك ليس حقّاً، ولا مناسباً، أن نحسب تلك الخرافة التي تولَّدت بشكل متناسب حقّاً وأمراً مبرَّراً([94]).

وهذا الاعتراض إنما يَرِدُ على الشهيد الصدر لو كان حقّاً قد تناول البحث سايكولوجيّاً. أي إنه لو كان السيد الشهيد قد توصَّل في بحثه عن العاقل والمفكِّر إلى أن بعض الجزوم تحصل في ظروف معينة لكان هناك مجالٌ للاعتراض عليه إذا أثبت حقّانية فكرة ومضمونها بهكذا تحليل. لكنْ ـ كما قلنا سابقاً ـ فإنّه بدراسة نفس الفكر وذاته كان في صدد تبيين الظروف التي ينتقل فيها الذهن من الاحتمال المتزايد إلى الجزم. والحقّ أنّه شبيهٌ بالمنطق التقليدي الذي يحاول بالتأمُّل في الفكر أن يبيِّن شرائط التوصُّل إلى نتيجة جديدة من المعلومات السابقة. وكما أن المنطق التقليدي لا يتعهَّد بحماية الفكر من الخطأ، بل إن ذلك متوقِّف على رعاية شروط معيَّنة في هيئة الفكر، والاستفادة من المادّة الصحيحة، فكذلك يرى (منطق الاستقراء) أنّ صحّة الانتقال من الظنّ المتراكم إلى الجزم واليقين متوقِّف على رعاية جملة من الشروط، ولا يدَّعي أنّ مجرّد العلم بهذه الشروط كافٍ في صحّة الانتقال.

والخلاصة أنّ (منطق الاستقراء) ـ مثل (المنطق التقليديّ) ـ يبيِّن كيفية الارتباط بين الأفكار.

 

ب ـ الاستقراء الدوريّ ــــــ

الإشكال الآخر أنّ نظريّة الشهيد الصدر هي بذاتها قضية استقرائيّة؛ لأنّ (ما يقوله من أنّ «الجميع على يقين أنّه إذا تناولوا الغذاء فإنهم سيشبعون» هو بذاته ادّعاء استقرائيّ. ولا شكّ لدينا أنّه يتمتَّع بهكذا يقين، لكن من أين حصل له اليقين أنّ الآخرين يشاركونه بهكذا يقين؟ لعلّ هناك أشخاصاً لم يصلوا إلى تلك الدرجة من اليقين، وعدم اعتبار هؤلاء الأشخاص أسوياء ومتوازنين إخراجٌ للمنافس من الميدان بأسلوب لا ينسجم مع قواعد اللعبة. ففي تلك المباراة يُخرج اللاعبون منافسيهم بسلاح المنطق، لا باتّهامهم بالمنخوليا والهوس العقليّ»([95]).

وقد تعجَّبت عندما رأيتُ هذا الإشكال، وخطر ببالي الكلام القائل: (الصالح والطالح جادوا بما عندهم) في مقابل نظريّة تكامل المعرفة الدينيّة، ويختلف بالتمام حساب المحسنين وطاهري الذات، الذين عرفوا حرمتها؛ لتواضعهم العلميّ، واجتهدوا في نقدها وتبيينها وتهذيبها، عن حساب مرضى القلوب والحاقدين والمتكسِّبين بلا رأس مال، الذين بمقتضى عادتهم أو طبعهم صقلوا سلاح الاتّهام، وتذرَّعوا بالسباب، ولم يألوا جُهْداً في نشر كلّ فساد وافتراء. وكلامنا مع ذوي العقول لا مع سبّابٍ عديم الحياء، الذي أوكَلْنا حسابَه إلى الكرام الكاتبين([96]).

صحيحٌ أنّ الشهيد الصدر اعتبر أنّ إنكارَ العلم واليقين بأنّ مَنْ يتناول الطعام يشبع إفراطٌ في الاعتقاد([97])، أمّا مَن لا يرى أن استقراء بعض الشواهد من هنا وهناك كافٍ لإثبات نظريّة عامّة باسم (تكامل المعرفة الدينيّة) فليس من المحسنين وطاهري القلوب، بل هو مريض القلب، وحاقد، ومتكسِّب بلا رأس مال، ومفتر، وناشر للفساد، وسبّاب عديم الحياء. هل هذه هي قواعد اللعبة؟ اسمعها وتجاوزها.

وفي الإجابة عن الإشكال بأنّ النظريّة هي استقرائيّة من الضروريّ التأكيد على أنّنا في أيّ بحث علميّ مضطرّون للقبول ببعض القضايا كمسلَّمات؛ لكي نتمكَّن من الشروع في البحث والتفحُّص. وتلك المسلَّمات لابدّ أن تكون أموراً واضحة لا مجال للشكّ فيها، ولا الترديد. فلو أنكر شخص (أصل الواقعيّة) لا سبيل لهدايته بأدوات الحكمة، وكما أنّ الاعتراف بـ (أصل الواقعيّة)، أو (استحالة اجتماع النقيضين)، لا يمكن إثباتها بدليلٍ فإنّ اليقين بأنّ كلّ مَنْ يتناول الطعام يشبع لا يمكن الاستدلال عليها أيضاً، وليست بحاجةٍ إلى الاستدلال أصلاً؛ لأنّها أمرٌ واضحٌ لا يقبل الإنكار والشكّ.

ولهذا فإنّ الشهيد الصدر يرى منكر هذه الأمور (مفرطاً في الاعتقاد)، ويعتبره نظيراً للفيلسوف المثالي الذي ينكر الواقعيّة([98]). أي إنّه يرى أنّ أمثال هؤلاء الأفراد يفرطون في الشكّ والترديد في ما لا ينبغي الشكّ والترديد فيه. وهي تلك الحالة التي يسمّيها الحكماء المسلمون (الجربزة)، وقالوا في تعريفها: «الجربزة هي خروج القوة العقليّة من حدّ الاعتدال إلى الإفراط»([99]).

وبعبارة مختصرة: إنّ الشهيد الصدر يَعُدّ التوقُّف في القبول ببعض الجزوم الاستقرائية ـ كالسفسطة ـ إفراطاً في الاعتقاد، لا منخوليا أو هوساً عقليّاً.

وربما قيل: «هناك بعض الأفراد لا يحصلون على هذا اللون من اليقين بيسر، بل إن أحد التحوُّلات النفسية البديعة التي حصلت لدى العلماء النابهين المعاصرين هي أنّهم لا يحصل لديهم اليقين إلاّ قليلاً، وفقدوا جرأة الاعتماد على التعميمات الاستقرائيّة، ويقولون مع أبي العلاء المعرّي:

أما اليقين فلا يقين وإنّما أقصى اجتهادي أنْ أظنَّ وأحدسا»([100])

فإذا وصل الكلام إلى هذا الحدّ أغلق الباب على أيّ نوعٍ من الاستدلال.

والآن كيف يمكن ـ مع هكذا شكٍّ ـ القول: «إنّ عالم المعرفة عندما فهم عن طريق الاستقراء أنّ فهم العلماء بالشريعة ـ سواء كان صواباً أم خطأً ـ مسبوقٌ بمعلوماتهم السابقة انبرى للتحقيق في سرّ ذلك الأمر؛ لكي يعرف السبب وراء ذلك»([101])، فلا بدّ أن يُسأل: هل أنّك لم تقف على ذلك التحوُّل النفسي البديع الذي طرأ على علماء العصر الواعين، ولهذا تعلَّقت بالتعميم الاستقرائيّ؟!.

ولا يخفى أنّ هكذا تحوُّل بديع لا يختص بعلماء هذا العصر، أمثال: (بوبر)، بل كان الكثير من حكماء اليونان القدماء ينكرون الواقعيّة، أو إدراكها، ويلقون أنفسهم بلا تردُّد في بحر الشكّ. وهؤلاء هم الذين حكم ابن سينا ـ سلطان الاستدلال والبرهان ـ بكيِّهم وضربهم([102])؛ لأنّهم يعتقدون أنْ لا فرق بين الأشياء وعدمها! فهل أنّ ما يقولونه حقٌّ؟!

وربما يقال: «فمن الحسن بمكان أن نجري هذا التعميم في موضع آخر، ونقول: حيث إننا نجد في أنفسنا حضوراً وشهوداً بأنّ الاستقراء يفيد اليقين فهذا كافٍ لنحكم بأنّ لدى كلّ فردٍ يقيناً من هذا القبيل، وعندئذٍ لا حاجة لكلّ تلك البراهين المعقَّدة والرياضيّة والمعرفيّة للتدليل على الاستقراء»([103]).

والحقيقة أنّ الشهيد الصدر قد سار على ذلك المنهج، وعمل بهذه الإشارة. وكما سبق فقد اعترف بأنّ الاستقراء في بعض الموارد ينتهي إلى الجزم، وكانت كلّ مساعيه لتوضيح الشروط والحالات التي يكون فيها ذلك الانتقال مبرَّراً، على أساس منطق الاستقراء طبعاً.

 

عدم تعيُّن نقطة الانتقال من الظنّ المتراكم إلى اليقين ــــــ

وقد يقال أحياناً: «إنّ الحدّ الكثير في نظريّة السيد الصدر غير محدَّد، يعني ليس واضحاً متى وأين يفنى الاحتمال الصغير في الاحتمال الأكبر، وبعبارة أخرى: ما هو الحدّ الاكبر وحجمه؛ لكي نضحّي بالحدّ الأصغر من أجله»([104]).

لقد كان الشهيد الصدر ملتفتاً إلى تلك النقطة، وقال في الإجابة عنها: «وليس من الضروريّ للمصادرة ـ التي يحتاجها الدليل الاستقرائيّ ـ أن تحدَّد درجة التراكم التي تؤدّي إلى تلك النتائج، بل يكفي ـ لكي تؤدّي المصادرة مهمّتها ـ أن تقرّر من حيث المبدأ أنّ تراكم القيم الاحتماليّة في محورٍ، وامتصاصه لجزء أكبر فأكبر من قيمة العلم، يصل إلى درجة تؤدّي إلى تحوّل القيمة الاحتماليّة الكبيرة الناتجة عن هذا التراكم إلى يقين، وفناء القيمة الاحتماليّة الصغيرة المضادّة، وإنّ هذه الدرجة موجودة في تراكم القيم الاحتماليّة في محور القضية الاستقرائيّة في الاستقراءات المتَّفق على نجاحها»([105]).

وباختصارٍ فإنّه ليس من المحتَّم تعيين حدٍّ بعينه للانتقال من الظنّ المتراكم إلى اليقين، بل المهمّ تثبيت وجود هكذا حدٍّ، وتحقُّقه في حالاتٍ معيَّنة. ولا ينقضي العجب من المطالبين بتعيين حدٍّ بعينه من الآخرين وهم لا يلتزمون بذلك، ويظنّون أنّ الإتيان ببعض الشواهد المتناثرة يكفي لإثبات ما قاله الآخرون، وتصويره بعنوان نظريّة جديدة وفكر إبداعيّ([106]).

 

ظنّية جامعيّة المجموعة ــــــ

والاعتراض الآخر على نظريّة الشهيد الصدر هو ظنّية جامعيّة المجموعة، أي عدم تميُّز أطراف العلم الإجماليّ.

وقد قيل في تقرير هذا الإشكال: عرَّف الشهيد الصدر الاحتمال على أساس العلم الإجماليّ، وذهب إلى أن أعضاء مجموعة العلم الإجماليّ تكتشف عن طريق المشاهدة والاستقراء، ويقول: إننا في البدء نحصل على أعضاء المجموعة عن طريق التقسيم العقليّ، أو الدراسة التجريبية، وحينما نحكم يقيناً على أحد أعضاء المجموعة سوف يوزَّع هذا اليقين على جميع الأعضاء، ويصيب كلَّ عضوٍ سهمٌ على السويّة من الاحتمال، ويكون مجموع هذه الاحتمالات حتماً مساوياً على الدوام لرقم اليقين (الواحد)، والاستفهام المهمّ هنا هو: هل يمكن الاعتماد على التجربة والاستقراء، والاطمئنان بأنّ جميع أعضاء المجموعة قد حصل بأيدينا؟»([107]).

ثم أجابوا عنه بقولهم: «لكنّ المؤسف حقّاً أن لا يكون لدينا اطمئنان في كلا هذين الأمرين بنحو التعيين، فالاستقراء ذاته، الذي نعاني من عدم كفايته، ونريد بألف حيلة وخيال أن نقيمه على ساق، يتكفَّل عدم إنجاز هذه المهمة، أي أن يحصل لنا على مجموعة جامعة…»([108]).

وقد أشار الشهيد الصدر نفسه إلى هذا الإشكال أيضاً، واعترف بأنّ تعيين مطلق القيمة الاحتماليّة لعضوٍ واحد من مجموعات العلوم الإجماليّة، التي لم نطَّلع على عددها، غير ممكن. ومع ذلك فإنّ تعيينها النسبيّ ـ أي معرفة أنّ قيمتها مساوية أو أكبر أو أصغر من قيمة الأخرى ـ ممكن([109]). وعندها بحث تلك المسألة بنحوٍ دقيق ومفصَّل في حالاتها المختلفة([110])، ممّا يجدر الرجوع إليه.

 

الضعف قبال المغالطة ــــــ

قيل: إنّ الشهيد الصدر لم يقدّم أيّ قاعدة يمكن من خلالها أن نحترز من خطر (أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات)([111]).

هنا يتطلَّب (ما بالذات) توفير ملاك ومعيار، ولكنْ عندما يوجَّه الاعتراض بأنّ الإتيان ببعض الأمثلة لا يكفي لإثبات نظريّة التكامل النظريّ للمعرفة الدينيّة (البسط والقبض النظريّ للشريعة) يُجاب بـ «أنّ تلك مصاديق بالذات، والإتيان بمصاديق بالذات يكفي لإثبات المطلوب»([112]).

وعلى أيّ تقديرٍ فالمعيار لما بالذات وما بالعرض ـ وكما بُيِّن في المنطق التقليدي ـ واضحٌ ومميَّز، وهو أنّ «هذا الشرط يمكن رعايته ما دام الأمر مرتبطاً بالخواصً المعلومة والمشاهدة. فيمكن ـ مثلاً ـ تجنُّب تعميم نتيجة استقراء السود على البيض، أما اذا كانت الخصوصية الفارقة غير مشهودة، ولا معلومة، فما الذي ينبغي عمله إذا كانت المجموعة موضع التجربة واجدة لعدّة صفات وراثية خاصّة، إذا كانت معدَّلات الكولسترول في الدم كلّها أعلى من حدِّ معين، إذا كانت قوّة المجال المغناطيسيّ في النقطة موضع التجربة متفاوتة استثناءً مع النقاط الأخرى، وكذا آلاف المتغيِّرات الأخرى التي يمكن أن تكون داخليّة ومؤثِّرة، والتي لم تخطر حتى الآن ببال أحد؟.

إن احتمال تأثير هذه العوامل الخفيّة على نتيجة التجربة والاختبار، وتوجيهها صوب اتّجاه خاصّ قائم على حاله دائماً»([113]). فما الذي ينبغي فعله؟

الجواب واضحٌ. إننا عندما نكرِّر التجربة بالنسبة إلى عدّة أفراد متساوين في الظاهر، وفي خاصّية ومفهوم وحيد، فإنّنا مع كلّ تجربة ناجحة، والتوصل إلى نتيجة تشبه نتيجة التجربة السابقة، يقلّ احتمال التفاوت الخفيّ بين الأفراد مع بعضهم والأفراد المشابهين، إلى أن يصل ـ في ظروف معينة ـ إلى الصفر، والجزم بوحدة النتيجة وثبوتها، حتّى في الموارد التي لم تجرَّب، وكما بيَّنه الشهيد الصدر في نظريّته. وفي الحقيقة فإن أغلب جهود ذلك الرجل العظيم تتكفَّل بيان شروط هذا الانتقال وكيفيّته. وعليه فهذا الإشكال ليس شيئاً زائداً على أصل مشكلة الاستقراء.

وإنّ من غير الإنصاف أن يقال: «لو كان الجوّ هو الصيف دائماً فسوف تظهر الطبيعة بوجه خاصّ، وعندها ستصل العمليّات الإحصائية الخاصّة إلى قيمة احتماليّة كبيرة جدّاً، وتكتسب اليقين قطعاً… وهل ستبقى الأشجار والأشياء والبشر والليل والنهار كما هي الآن لو رفعنا المجال المغناطيسيّ من أطراف الأرض؟»([114]).

وهل ادّعى الشهيد الصدر أو أيّ عالم آخر أنّ قوانين الطبيعة تبقى ثابتة حتّى لو تغيَّرت الظروف؟! وهذا الكلام عجيبٌ جدّاً ممَّنْ يهاجم الآخرين، ويصفهم بالجهل بالعلوم التجريبيّة؛ لعدم شكرهم ريادته في مجال نظريّة تكامل المعرفة الدينيّة([115]).

 

الخلاصة ــــــ

إن الانتقال من الجزئيّات إلى الكلّيّات، والذي يسمى بالاستقراء، يواجه معضلة حقيقيّة.

وقد قام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه القيِّم (الأسس المنطقيّة للاستقراء)، ومن خلال بحث طويل ودقيق، بعد نقد الحلول المطروحة لهذه المشكلة، بتقديم حلٍّ جديدٍ وبديعٍ يمثِّل الطريق الوحيد لنجاة الاستقراء ـ والعلوم التجريبية تبعاً له ـ من تلك الورطة المهلكة.

وأفادت أبحاثه أنّ ظهور علوم جديدة لا ينحصر بالقياس والاستنباط بنمطه التقليدي، بل إن هناك طريقاً آخر هو الاستقراء، الذي يمكنه إنتاج علم جديد في ظروف معينة.

ولهذا فالكتاب المذكور يمكن اعتباره طليعة منطق جديد. ومن اللائق بالباحثين وطالبي الحقّ البحث والتأمُّل في أبحاثه، والعمل على توسعته وتسديده.

الهوامش:

(*) أستاذ البحث الخارج في الحوزة العلمية، وإحدى الشخصيات البارزة في البحث العلمي.

([1]) الدكتور زكي نجيب محمود، المنطق الوضعيّ: 157، ط 5، 1980، نقلاً عن: السيد عمار أبو رغيف، منطق الاستقراء: 27، الكتاب الأوّل، مجمع الفكر الإسلامي.

([2]) عبد الرحمن بدوي، أفلاطون: 140، نقلاً عن: المصدر السايق.

([3]) شهيد مفتح، روش أنديشه: 4، گنجينه خرد، لكاتب المقال، ويعتقد البعض أن سقراط هو المبتكر للاستقراء.

([4]) وقد ترجم السيد الفهري الكتاب إلى الفارسية بعنوان: (مباني منطقي استقراء).

([5]) الشهيد الصدر، الأسس المنطقيّة للاستقراء: 27 ـ 28.

([6]) المصدر السابق: 14، 17، 25.

([7]) المصدر السايق: 29.

([8]) المصدر السابق: 33 ـ 35؛ ابن سينا، منطق الشفاء، كتاب البرهان: 95 ـ 96.

([9]) منطق الشفاء، كتاب البرهان: 111 ـ 114.

([10]) صدر المتألهين، الأسفار 2: 131، نقلاً عن: الأسس المنطقيّة للاستقراء: 112.

([11]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 112.

([12]) العلاّمة الطباطبائي، أصول الفلسفة والمذهب الواقعي 3: 180، نقلاً عن: الأسس المنطقيّة للاستقراء: 113.

([13]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 113.

([14]) في هذا الاستدلال لا توجد المصادرة على المطلوب (أخذ المطلوب في الدليل)، ولا مجال هنا لتصوُّر ذكر القضية التكرارية (توتولوجي) بمنـزلة البرهان (لاحظ: د. عبد الكريم سروش، تفرج صنع: 432).

([15]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 48.

([16]) فروغي، سير حكمت در أوروبا 3: 141؛ الأسس المنطقيّة للاستقراء: 75 ـ 87.

([17]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 87.

([18]) المصدر السابق: 78 ـ 79.

([19]) المصدر السابق: 95 فما بعدها؛ سير حكمت در أوروبا 2: 145.

([20]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 101.

([21]) وقد أشرنا إلى ضعف هذا المطلب من قبل.

([22]) يرى البعض أنه مخالف لـ (هيوم) في هذه المسألة (لاحظ: الأسس المنطقيّة للاستقراء: 114؛ تفرج صنع: 432).

([23]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 114.

([24]) المصدر السابق: 356.

([25]) المصدر السابق: 356 ـ 362.

([26]) المصدر السابق: 145.

([27]) المصدر السابق: 146 ـ 167.

([28]) المصدر السابق: 168.

([29]) المصدر السابق: 176.

([30]) المصدر السابق: 168.

([31]) المصدر السابق: 168 ـ 169.

([32]) لأن المعاني الأخرى للإمكان، مثل: الإمكان الفلسفيّ، والإمكان المنطقيّ، والإمكان الاستعدادي…، لا مجال لها هنا (لاحظ: تفرج صنع: 346؛ الأسس المنطقيّة للاستقراء: 174 ـ 176).

([33]) هنري آل آلدر وإدوارد بي راسلر، مقدمه بر احتمالات وآمار (مدخل الاحتمالات والإحصاء): 72، ترجمه إلى الفارسية: عباس علي زالي وجمشيد جعفري شبستري، منشورات جامعة طهران.

([34]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 171.

([35]) هذه النظريّة تختلف عن نظريّة التواتر اللامتناهي، التي أبدعها فون ميسز (لاحظ: الأسس المنطقيّة للاستقراء: 176؛ تفرج صنع: 436).

([36]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 176 ـ 177.

([37]) المصدر السابق: 177 ـ 178.

([38]) المصدر السابق: 178، 181.

([39]) المصدر السابق: 181 ـ 185.

([40]) وعليه فالشهيد الصدر لم يكتفِ بتكرار الأشكال التقليدية! (لاحظ: تفرج صنع: 437).

([41]) للعلم الإجمالي ثلاثة اصطلاحات: أصوليّ؛ ومنطقيّ؛ وفلسفيّ. والمراد هنا هو اصطلاحه الأصوليّ (راجع: الأسس المنطقيّة للاستقراء: 187).

([42]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 188.

([43]) المصدر السابق: 188، 189.

([44]) المصدر السابق: 189.

([45]) المصدر السابق: 190.

([46]) المصدر السابق: 192.

([47]) المصدرالسابق: 191، بناء عليه فـ (الاحتمال) ليس رابطة واقعية بين حادثتين (كما ظنّ التقليديون)، أو مجرد تكرار وجود إحدى المجموعتين في الأخرى (كما يرى التواتريّون).

([48]) المصدر السابق: 193.

([49]) المصدر السابق: 194 ـ 200.

([50]) المصدر السابق: 209.

([51]) هنا كلام الدكتور سروش في ما يخصّ القسم الاول لهذا الحلّ ليس صحيحاً (لاحظ: تفرج صنع: 440)

([52]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 202 ـ 203.

([53]) المصدر السابق: 205.

([54]) المصدر السابق: 242 ـ 246.

([55]) المصدر السابق: 206.

([56]) المصدر نفسه.

([57]) المصدر السابق: 220 ـ 221.

([58]) المصدر السابق، 222.

([59]) المفهوم العقليّ للعِليّة هو الضرورة والتأثير، خلافاً لمفهومها التجريبيّ، والذي يُراد به التوالي الزمانيّ (لاحظ: الأسس المنطقيّة للاستقراء: 77)

([60]) ويتبين من طيات هذا البحث أن الشهيد الصدر لا يعتقد بوجود دليل عقليّ لإثبات أصل العِلّيّة، ولكنّه في نفس الوقت يرى كفاية عدم الدليل على نفي هذا الأصل في الاستفادة من الاستقراء في هذه المرحلة. وقد نوَّهنا في ما سبق بوجود دليلٍ معتبر على هذا الأصل.

([61]) أمثال: (جون ستيورات ميل) و(ديفيد هيوم) (راجع: الأسس المنطقيّة للاستقراء: 79، 115).

([62]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 301 ـ 302.

([63]) المصدر السابق: 343.

([64]) المصدر السابق: 363.

([65]) المصدر السابق: 361 ـ 362.

([66]) المصدر السابق: 366 ـ 367.

([67]) المصدر السابق: 368.

([68]) المصدر السابق: 369.

([69]) الحساب الذي ذكره الدكتور سروش في هذا المثال ليس صحيحاً؛ لأنه من جهة لا ينسجم مع كلام الشهيد الصدر، ومن جهة أخرى فهو غير صائب؛ لأنّ هذه الطريقة إذا كانت صحيحة فلابدّ بعد تجربة واحدة، والتقارن بين (ألف) و(ب)، أن يكون احتمال عِلّية (ألف) لـ (ب) يساوي 1/2، بينما الفرض هو أنّنا قبل كلّ تجربة كنّا نعلم أن العِلّة (ب) أو (ألف) أو (ت)، أي إن احتمال عِلّية (ألف) لـ (ب) قبل كلّ تجربة يساوي 1/2. وعليه فعلى ضوء مسلكه لا يكون للتجربة الأولى أيّ تأييد بالنسبة إلى أحد أطراف العلم الاجماليّ القبليّ (العلم الاجمالي1)! ونقطة الخطأ المذكور تكمن في الغفلة عن هذا العلم الإجماليّ (لاحظ: تفرج صنع: 451 ـ 452؛ الأسس المنطقيّة للاستقراء: 375).

([70]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 376 ـ 377.

([71]) المصدر السابق: 391.

([72]) المصدر السابق، 394 ـ 395.

([73])المصدر السابق: 398.

([74]) ويشكِّل هذا البحث القسم الرابع من كتابه (لاحظ: الأسس المنطقيّة للاستقراء: 413 ـ 508).

([75]) تفرج صنع: 445 ـ 446.

([76]) المصدر السابق: 446.

([77]) دكتر عبد الكريم سروش، بسط وقبض تئوريك شريعت (1)، كيهان فرهنگي، العدد 2: 16،  السنة الخامسة، أرديبهشت ماه 1367هـ.ش.

([78]) المصدر السابق: 17.

([79]) المصدر نفسه.

([80]) دكتر عبد الكريم سروش، نقدها رابود آيا كه عياري كيرند؟، كيهان فرهنگي، العدد 10: 11، السنة الخامسة، دي ماه 1367هـ.ش.

([81]) المصدر السابق.

([82]) المصدر السابق: 12.

([83]) الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي، تعليقة نهاية الحكمة، الرقم 370.

([84]) لاحظ: تفرج صنع: 460.

([85]) المصدر نفسه.

([86]) فلسين شاله، شناخت روش علوم يا فلسفه علمي، العدد1032: 23، ترجمه إلى الفارسية، يحيى مهدوي، انتشارات جامعة طهران.

([87]) المصدر نفسه.

([88]) تجد البحث عن كون المنطق علماً وصفيّاً في الأعداد 1 و2: مقالات (تفكُّر در تفكُّر).

([89]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 366 ـ 367.

([90]) نقدها رابود آيا كه عياري كيرند؟، كيهان فرهنگي، العدد 10: 11.

([91]) تفرج صنع: 427.

([92]) المصدر نفسه.

([93]) تفرج صنع: 460.

([94]) المصدر نفسه.

([95]) المصدر السابق: 461.

([96]) ونحن نصون المقام من ذكر تكملة هذا الكلام (لاحظ: دكتر عبد الكريم سروش، موانع فهم نظريّه كامل معرفت ديني، كيهان فرهنگي، العدد 4: 7، السنة السادسة، تير ماه 1368هـ.ش.

([97]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 91.

([98]) المصدر نفسه.

([99]) العلاّمة الطباطبائيّ، نهاية الحكمة، المرحلة السادسة، الفصل الخامس عشر.

([100]) تفرج صنع: 461.

([101]) نقدها را بود آيا كه عياري كيرند؟، كيهان فرهنگي، العدد 10: 12.

([102]) إلهيات الشفاء، المقالة الأولى، الفصل الثامن: 53 (طبعة مصر).

([103]) تفرج صنع: 461.

([104]) المصدر نفسه.

([105]) الأسس المنطقيّة للاستقراء: 370.

([106]) فنظريّة تكامل المعرفة الدينية أو القبض والبسط النظريّة للشريعة كانت قد طُرحت مراراً من قبل الدكتور علي شريعتي (لاحظ: دكتر علي شريعتي، اجتهاد ونظريّه انقلاب دائمي: 15، نشر نذير).

([107]) تفرج صنع: 461 ـ 462.

([108]) المصدر نفسه.

([109])الأسس المنطقيّة للاستقراء: 444.

([110]) المصدر السابق: 444 ـ 451.

([111]) تفرج صنع: 463.

([112]) ذكر هذا المطلب في الاسئلة والأجوبة في جلسة (حزب الله ـ قم) بتاريخ: دي ماه  1369هـ.ش.

([113]) تفرج صنع: 464 (بتصرُّف).

([114]) المصدر السابق: 464.

([115]) للدكتور علي شريعتي أحياناً كلامٌ عجيبٌ وغريب في ما يخصّ القضايا المتعلِّقة بالعلوم الطبيعيّة، فهو يقول في موضع: إنّ النسبيّة زلزلت قانون العِلّيّة، أو إن حساب الإحصاء أثبت المنطق الرياضيّ، و… (لاحظ: تفرج صنع: 376، الهامش).