العراق ومخاضات التغيير

19 سبتمبر 2015
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
708 زيارة

العراق ومخاضات التغيير

صراعات مستديمة ومطامع إقليمية

الاصلاح مطلب إنساني كون طبيعة المجتمعات متحركة وديناميكية تتفاعل مع المتغيرات المحيطة وتنفعل بها ، وللإنسان مطالب واقعية حياتية من الضرورات وليس كماليات .

وجاءت الدولة كوسيلة نظمية تحدد العلاقة بينها وبين الشعب بحيث يفوضها الشعب بإدارة الدولة ونظمها وتلتزم هي اتجاهه وفق دستور صوت الشعب عليه بأداء واجباتها سواء من الناحية الخدماتية أو من ناحية الأمن والرخاء والرفاه ومتعلاقتهما .

التقصير من جهة الدولة لابد أن ينتج سخط شعبي خاصة حينما يتعلق بيومياته المعاشة وتفاصيلها وتفشي الفساد والمحسوبيات والطبقية في الدولة والمجتمع .

ينتفض الشعب العراقي اليوم تحت ضغط الحاجة الملحة لأبسط مقومات الحياة التي كان يهنأ بها في العهد البائد لصدام حسين.

انتفاضة معاشية نتيجة الثغرات المتراكمة التي أحدثتها عدة عوامل بعد سقوط صدام ، هذه الثغرات هي نتاج تقصير داخلي أحد أوجهه النزاع على السلطة والصراع بين طبقات السلطة المختلفة في المذهب والدين والايديولوجيا على مقدرات العراق وثرواته وعلى مواقع النفوذ فيه ، وأيضا هو نتاج صراعات إقليمية كانت جغرافيا العراق سببا محوريا في جره إليها .

اليوم الشعب انتفض ونحتاج وقفة تأمل في المشهد لتوضيح بعض الأمور :

١- كان الشعب ينعم بالكهرباء والماء في عهد صدام نعم لكن في ذات الوقت كان محكوم بالحديد والنار وكانت كثير من مناطق العراق وخاصة الجنوبية منها ترزح تحت خط الفقر، وتحولت مساحات أراضيها لقبور مفتوحة جاهزة لكل من يحاول أن يحدث نفسه حتى بمعارضة الطاغية صدام ، وهذا طبعا لا يبرر تقصير الدولة الآن ولكن هي مجرد إضاءة تبين المفارقة في المقارنة بين عيش الذل والقهر بوجود أدنى متطلبات الحياة التي هي من واجبات الدولة البديهية ، وبين أن نكون في مرحلة انتقالية قد تطول نتيجة تكالب الداخل من أغلب أبناء العراق وعقوقهم لوطنهم وشعبهم ، والخارج من أعدائه والطامعين فيه ، ولكن هنا يملك الشعب كامل حريته في مواجهة هذه الأخطار وأن يقول كلمته وتستجيب الدولة لها بدعم من المرجعية الدينية ، بينما هو لايفكر حتى في عهد الطاغية بأن يحدث نفسه بالتغيير هذا فضلا على أنه لو فكر لن يجد له داعما لا من الحوزة ولا من أي جهة كانت ، بالتالي في عهد صدام كان الداخل والخارج ضده ولا يملك أي وسيلة لا عقلية ولا عملانية للتغيير ، بينما الأن هو حر ويملك قراره ويستطيع تغيير الفساد بل يملك أدواته العقلية والعملانية ودعم المرجعية التي تعتبر من أهم المؤسسات الدينية في المنطقة وتملك ثقلا عالميا يحسب له ألف حساب .

فيكون هنا الشعب قادرا على إحداث انزياحات حقيقية في الواقع لكن شريطة أن يتحرر من حسابات الأحزاب والتيارات وكل أولئك الذين استغلوه لأجل مصالحهم .

٢- عدد نواب مجلس البرلمان العراقي ٣٢٨ نائبا توزع مقاعدها على المحافظات وفق عدد سكانها و ٨ مقاعد كوتا للأقليات . ولو قمنا باستقراء عدد الاسلاميين والعلمانيين وجدناها أيضا موزعة وإن رجحت كفة الإسلاميين لطبيعة التقسيمة الدينية والمذهبية للمحافظات العراقية . وأي فشل سياسي وخدماتي لا يتحمله ففط الاسلاميين – مع عدم إخلاء مسؤوليتهم المضاعفة –  بل يتحمله البرلمانيين والحكومة مجتمعة كونهم جميعا مسؤولين عن الدولة والمواطن ، والسؤال هنا هل فقط انتخب الشعب العراقي الاسلاميين ؟ أم أيضا انتخب من كافة المشارب الإيديولوجية ؟ حتى ترفع شعارات تحارب الدين والمرجعية الدينية والعلماء وكأن العراق دولة دينية وليست مدنية ؟

 السؤال هذا لا يعفي مسؤولية الأحزاب الإسلامية ولا يعفي مسؤولية العلماء في أنهم من خلال سلوكهم السياسي الغير ناضج غالبا أوصلوا الشعب إلى تبني هذه القناعات ، أو  إحداث ثغرات حقيقية يستطيع المتربصين بالدين استغلالها والنفوذ منها لضربه في العمق وضرب المؤسسة الدينية وإضعافها ، وهي تاريخيا كانت مستهدفة ويراد لها أن تبقى ضعيفة لما تمثله من ثقل سياسي وديني وتربوي في لاوعي أغلب الشعب العراقي لأنها تمثل مظلة موحدة لجميع أطياف الشعب العراقي ، أي صمام أمان العراق . نعم لا ننكر أن هناك من يستغل الدين ومن المعممين لأجل مصالحه إما الشخصية أو الحزبية أو حتى العائلية ،  فتاريخيا هناك صراع عائلات على قيادة الساحات خاصة الساحة الشيعية ، وللأسف لم يدرك هؤلاء مرتدوا العباءة الدينية أن طبيعة العقل البشري تعميمية ، ولا تفصل غالبا بين المنهج ومن بتبناه ليطبقه  ، وبذلك أي سلوك من قبل هؤلاء غير سوي سينسب ليس للشخص بل لما يتبناه من دين ومذهب وفكر . ولن يسقط الشعب شخصه فقط ، بل سيسقط منظومته الفكرية ومرجعيته الدينية والمذهبية برمتها .

وهنا نحن لا ننكر سوء استغلال الدين من قبل كثيرين ممن ينتسبون له ، لكننا أيضا لا يمكن أن نرضى بالشعارات المعادية للدين لعدم انصافها ولتعميماتها الغير منطقية ، وهنا نسأل : ماذا قدم العلمانيون للعراق ؟ وهل هم بمعزل عن الفساد وما يحدث ؟ ما هو مشروعهم للدولة وما الذي قدموه غير الشعارات والتنظيرات وهل أيديهم نظيفة من الفساد حتى ترفع شعارات تؤيدهم ؟ وهل فسادهم يدفعني لرفع شعارات ترفض العلمانية برمتها ؟

اليوم من يحكم العراق أشخاص وأحزاب باجتهاداتهم ولا يمكن أن نعمم فشل البعض أو الأغلب على الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية ، لأن ذلك سيدخلنا في الفوضى الحقيقية ، علينا أن نحاسب الأحزاب والأفراد ولا نحاسب معتقداتهم كون عبر التاريخ لم يكن للمعتقدات مدخلا في الصراعات السياسية ، بل كانت تستغل كوسيلة في  الصراعات لتحقيق السلطة وتمكين أصحابها و كل وفق ظروفه ، لذلك أي انتفاضة عليها أن لا تنجر لهذا الفخ لأن الاصلاح لا يمكن أن يكون بالاقصاء والرفض للآخر بل يكون بالاندماج معه ومحاولة تعديل مساراته .

فالاقصاء يخلق لدينا مشكلة جديدة وثغرات جديدة تشكل مع التراكم بذور لثروات قادمة تفقد العراق استقراره وهدوءه الاجتماعي .

٣- ما رفع من شعارات ضد الدين والمعممين يكشف لنا واقعا على الدولة والمؤسسة الدينية الالتفات له ، وهو إنشاء مشروع خاص بالمعمين للمراقبة والمحاسبة سواء الذين يتصدون للتبليغ بكافة أشكاله وأدواته ، أو الذين يتصدون للعمل السياسي لخطورة الموقع والوظيفة التي يقوم بها هذا المعمم . ولطبيعة عقل الجمهور التعميمي وهو ما يفرض على المؤسسة الدينية خطوات اصلاحية ناظمة للحوزة ولمنتسبيها تتوازي مع خطوات الاصلاح بالدولة .

خاصة أن المؤسسة الدينية في العراق عبر التاريخ شكلت ثقلا وازنا وفاعلا في الحراك السياسي والديني ، وكانت دوما تشكل صمام الأمان للعراق ولعبة التوازنات الداخلية والخارجية فيه ، والثورة الشعبية الأخيرة وما وقع فيها من شعارات ضد الدين والمعممين بغض النظر عن مصدرها وتفاصيلها تكشف لنا ثغرات حقيقية يجب علينا إعادة النظر فيها ومواجهتها ومعالجتها .

فقول الحقيقة لحفظ مكانة الدين وعالميته في عقول وقلوب الناس أوجب بكثير من المحاباة للجمهور والسلطات بحجة المداراة والتقية .

فحينما تتصدى المرجعية لتغطية مطالب الشعب بالاصلاح ومواجهة الفساد فإنه من باب أولى أيضا أن تلتفت لأوجه الفساد في جسد المؤسسة الدينية وتعمل على إعادة النظر في البنية التنظيمية ، لتضع في الحسبان نظم منتسبيها وآليات المحاسبة فيها فالمستهدف هو الدين وهو أكبر من أي محسوبيات شخصية وانتماءات حزبية ولم يعد مقبولا السكوت عن فساد كثير من المعممين ، فالعمامة لباس له ثقله ووظيفته الخطيرة في المجتمع وهو ما يجعل الشخص تحت مسؤولية كبيرة تحتاج رقابة ونظم من قبل مؤسسات ناظمة ومراقبة ومحاسبة لهم .

٤- لا يمكننا اغفال وجود اختراقات للحراك الشعبي وهو أمر وارد كون الثغرات كثيرة والفساد كبير يسمح للطامعين والطامحين واللاعبين في ساحة العراق الداخلية والإقليمية الدخول من خلال هذه الثغرات واستغلالها لأجل تحقيق مطامعها بعد فشلها في ذلك من طرق أخرى ، وهذا لا يعني الركون لنظرية المؤامرة ولكن أيضا لا يعني استبعادها .

بل يعني الحذر والترقب والاستفادة من تجارب الآخرين ، حتى لا يتم مصادرة آهات الناس وحاجاتها وعذابتها من خلال ثلة مارقة على العراق وشعبه لإضعاف الدولة ومن ثم تقويض نظامها والمجيء بنظام انبطاحي عميل لأمريكا وأدواتها ، وقد شاهدنا نموذج صدام الذي كان ورقة خسيسة في يد أمريكا ودول الجوار ، وشاهدنا حينما جاءت أمريكا إلى العراق تحت شعار الديموقراطية أي دمار حل بالعراق وآثاره وحضارته وشعبه.

لذلك على نخب العراق والشعب العراقي الحذر من الاختراقات وعدم التسليم لكل الشعارات والتركيز على الاصلاح الذي يعني البناء لا الهدم والشراكة لا التهميش والاقصاء.

٥- اليوم العراق أمام مسارين : أحدهما عسكري وهو مواجهة داعش وتخليص العراق منها ، والآخر مواجهة الفساد الداخلي والمؤامرات الخارجية ، وهو ما يتطلب تظافر جهود المخلصين سواء من الداخل العراقي أو من خارج العراق ، لأن الحمل ثقيل والخطر كبير بل أكبر من طاقة العراق ، خاصة مع الضرر الاقتصادي الذي يسببه نزول أسعار النفط لاقتصاد العراق والعجز عن القيام بكثير من الأعباء والتزامات الدولة داخليا وخارجيا .

لذلك العراق يحتاج دعم الداخل ويحتاج دعم الدول الجارة الصادقة في رغبتها باستقرار  العراق ومصالحه ، بل خاصة الدول التي لها جغرافيا مع العراق حيث استقراره يعد من عمق أمنها القومي ، لكن دعما مبني على الندية والشراكة واحترام خصوصيات العراق واستقلاليته ، ولا يفرض إملاءاته ولا شروطه في على بنية الدولة السياسية والداخلية ، أو حتى الدول الغير جارة ولكن أيضا التي لا يكون لها مطامع ومطامح لها في العراق وثرواته .

ليس معيبا أن يحتاج العراق لمساندة دولا أخرى ، لكن المعيب هو أن يكون هذا السند لأجل الهيمنة وليس المساعدة ، ولأجل تدمير العراق وليس لأجل نهضته .

٦- على العراقيين معرفة أن ما حدث بعد سقوط صدام ليس بالأمر السهل ، فوفق سنن التاريخ الناظمة للمجتمعات ، فالانتقال من حكما استبداديا ظلاميا حكم عقود ونشأت في ظله أجيال ، يحتاج  لمراحل ومخاضات خصوصا أن من يحكم العراق اليوم أشخاص وأحزاب كان بعضها يملك نظريات عن الدولة لكن تطبيقاتها يحتاج قابليات ومقومات لا يملكها العراق بعد سقوط الطاغية صدام ، وتهيأة الأرضيات للتطبيق يحتاج مخاضات كبيرة كون التعاطي مع البشر ليس كالتعاطي مع الحجر في موضوع التنمية والنهضة ، خاصة مع وجود تحديات كبيرة جدا أمام العراق والعراقيين ، تحديات داخلية وتشكل أرضيات للتحديات الخارجية الكبيرة أيضا .

لذلك أخذ هذا بحسبان المسيرة الإصلاحية مهم جدا ، وخاصة أن العراق رغم مدنيته الظاهرية إلا أنه داخليا مازال يتحرك وفق العقل العشائري ويقود كثير من المخاضات السياسية والعسكرية أيضا بحسابات عشائرية ، وهذا يحتاج زمن طويل كي يتخلص العراق من العقلية العشائرية بسلبياتها لا بإيجابياتها ، بل يحتاج تدرج في الانتقال من هذه العقلية عبر رؤى سياسية تنظم العشائر ضمنها ، ولكن تخلصها من النزعات العشائرية وتطورها لنزعة المواطنة والانتماء الوطن ،

 فالاصلاح ومن ينادي فيه عليه أن يعلم أن المذهبية والقومية والعصبيات بكافة أشكالها لا تمت للاصلاح بصلة ، كونها عبر التاريخ وسائل فساد ودمار وتفتيت للمجتمعات والدول ، والتاريخ خير شاهد وشهيد على ذلك .

فأول خطوة للاصلاح تكون بالتخلص من كل هذه العصبيات والنهوض بالعراق تحت مظلة المواطنة ومصلحة العراق والعراقيين ، مصلحته ليس بمعزل عن مصلحة الأمة وهمومها والمخاطر المحدقة بها كونه جزءا منها جغرافيا وتاريخيا يتفاعل معها وينفعل بها ، فلا يمكن أن ينهض العراق بمعزل عنها وعن تاريخه .

العراق اليوم هو القلب الذي يدفع الدم لشرايين المنطقة ويمدها بالحياة ، فإما ينبض بدماء حمراء تحمل أوكسجين الحياة لها ، وإما تكون الدماء محملة بثاني أكسيد الكربون السام والقاتل .