العقلانية التقليدية والعقلانية الحديثة([1])

8 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
50 زيارة

العقلانية التقليدية والعقلانية الحديثة([1])

ـ القسم الأوّل ـ

د. أبو القاسم فنائي(*)

ترجمة: وسيم حسن

«الدِّينُ لا يُصْلِحُهُ إِلاَّ الْعَقْلُ» (الإمام عليّ×)([2]).

1ـ مدخلٌ ــــــ

سوف نعمد في هذا الفصل إلى إجراء مقارنة بين «العقلانية التقليدية» و«العقلانية الحديثة». فإن العقلانية الحديثة من أهمّ عناصر الحداثة، ومن هنا يستحيل التعرف على الحداثة دون التعرف على هذه العقلانية، واختلافها عن العقلانية التقليدية.

سوف نبدأ هذا الفصل ببيان خصائص العقلانية([3]) الجديدة، ونعمل على تحليل هذا المفهوم الواسع من الناحية الأنطولوجية والمعرفية. ثم نحدِّد موضوع النقد والتقييم العقلاني، لنقوم بعد ذلك بتعريف العقل وعلاقة العقلانية بالهوية الإنسانية، ونقسم العقلانية إلى: عقلانية نظرية؛ وعقلانية عملية. وإن دراسة أنواع العقلانية النظرية والعملية ستشكِّل الموضوع التالي. وبعد بيان اختلافات العقلانية الحديثة عن العقلانية التقليدية نصير إلى نقد النزعة العقلية، ونبيِّن مواطن ضعف هذه الانتقادات.

2ـ العالم الجديد عالم العقلانية الجديدة ــــــ

إن العقلانية الحديثة تمثِّل أحد أركان العالم الحديث، بل هي من أهمّ أركانها، أي إن العالم الجديد إنما يكون جديداً من خلال العقلانية التي تقوم عليها. ولذلك فإن المعرفة الدقيقة لهذه العقلانية تعدّ فريضة وأمراً واجباً للدخول في العالم الجديد، والعيش فيه، والحكم بشأنه، وإصدار الحكم بشأن نتائجه.

وقبل الخوض في بيان خصائص «العقلانية» الحديثة ومقارنتها بالعقلانية التقليدية يجب علينا أن نشير إلى بعض المقدّمات:

أـ فرضيات السؤال عن العقلانية ــــــ

إن السؤال عن عقلانية أمرٍ ما يشتمل في الحدّ الأدنى على فرضيتين، وهما:

أوّلاً: أن يكون ذلك الموضوع قابلاً للتقييم العقلاني، وقابلاً للاتصاف بوصف «العقلانية» و«غير العقلانية»، أو «المعقولية» و«غير المعقولية»، أو «العقلي» و«غير العقلي»، أو «المقبول عقلياً» و«غير المقبول عقلياً».

وثانياً: هناك معايير وضوابط تعتبر من مقتضيات العقلانية في مجال ذلك الموضوع.

إن الأمور التي نتعاطى معها يمكن تقسيمها من ناحية إلى مجموعتين: المجموعة الأولى تتشكّل من أشياء «غير عقلانية»([4]) أو «ما فوق عقلانية»، وإن السؤال عن عقلانيتها يكون سؤالاً غير ذي صلة، وفاقداً للمعنى؛ والمجموعة الثانية تتكوّن من أشياء «عقلانية»([5])، بمعنى أنها قابلة للاتصاف بهذه الصفة.

وتنقسم هذه المجموعة الثانية بدورها إلى مجموعتين أخريين: «عقلانية»؛ و«غير عقلانية»([6]). وبعبارةٍ أخرى: إن وصف «العقلاني» أو «المعقول» يشتمل على معنيين مختلفين، ويستعمل أحياناً في مقابل «غير العقلاني»، أو «ما فوق العقلاني»، ويستعمل أحياناً في مقابل «المناقض للعقلاني»، أو «غير المعقول». إن السؤال عن عقلانية شيء إنما يكتسب معناه إذا سلَّمنا قبل كلّ شيء بقابلية الموضوع مورد البحث على الاتصاف بوصف العقلانية أو غير العقلانية، وكذلك وجود معايير وقواعد نموذجية مناسبة للنقد والتقييم العقلاني لذلك الموضوع مسبقاً([7]).

فمثلاً: إن ذوق الأفراد في ما يتعلَّق بطعم المأكولات أو ألوان الثياب يعتبر موضوعاً «غير عقلاني»، وليس «لا عقلاني»، بمعنى أن العقل في ما يتعلَّق بهذه الأمور ليس لديه أيّ حكم أو اقتضاء، ولذلك لا يمكن السؤال عن عقلانية هذه الأمور، ولا يمكن توجيه النقد أو اللوم لشخصٍ؛ بسبب ترجيحه طعماً على طعم، أو لوناً على لون، فإن هذه الأمور في حدّ ذاتها غير قابلة للنقد والتقييم والدفاع العقلاني، ولذلك تخرج عن مقسم العقلانية، وهي بمعنى من المعاني «ما فوق عقلية».

إن رؤية بعض الإيمانيين([8]) والعارفين، التي تقوم على أن الأمور الإيمانية خارجة عن متناول العقل، وغير قابلة للكشف والتقييم العقلاني، يمكن تفسيرها على هذا الشكل. ربما أمكن القول: إن هؤلاء لا يقولون: إن المعتقدات الدينية «غير عقلانية»، بل يحتمل أن تكون دعوى بعض هؤلاء في الحدّ الأدنى هي أن هذه المعتقدات «غير عقلانية»، أو «تفوق العقل»، بمعنى أنها خارج متناول العقل، وبحَسَب المصطلح «متفلِّتة من العقل»، وليست «معادية للعقل»، وإن العقل ليس له حكمٌ اقتضائي بشأن هذه الموارد، لا على نحو السلب، ولا على نحو الإيجاب([9]).

ب ـ العقلانية مقولة تشكيكية ــــــ

إن العقلانية من المفاهيم المشكِّكة وذات الدرجات والمراتب، ولذلك يمكن لموضوعٍ أو شخص ـ في ما يتعلَّق بموضوعٍ ما ـ أن يكون فاقداً لدرجة أو درجات من العقلانية، ومع ذلك يبقى عقلانياً. إن العقلانية ترتبط بـ «النسيج» و«المساحة» و«السياق»([10])، بمعنى أن حكم العقل ومقتضاه تابع للمساحة، وتابع إلى حدٍّ ما للأوضاع والظروف، وقد يتغير تبعاً لتغير الأوضاع والظروف. وإن هذا الادعاء بطبيعة الحال لا يؤدي إلى «النسبية» و«التشكيك»، أو «النزعة الذهنية» في باب العقلانية؛ إذ إن تقييد القواعد والمعايير العقلانية النموذجية بمساحتها وأوضاعها وأحوالها الخاصة لا يحول دون شموليتها. وبطبيعة الحال فإن العقلانية مقولةٌ «ما فوق دينية»، و«ما فوق تاريخية»، و«ما فوق ثقافية».

سوف نبحث في تَبَعيّة العقلانية للمساحة لاحقاً، وأما مرادنا من تبعية العقلانية للأوضاع والظروف فليس هو أن مقتضى العقلانية يختلف من مرحلة إلى مرحلة أخرى، أو من ثقافة إلى ثقافة أخرى، أو من دين إلى دين آخر، أو من شخص إلى شخص آخر.

ومن الأفضل أن نوضح مرادنا عبر المثال التالي: إن مقتضى العقلانية في ما يتعلَّق بشخصٍ أمّي قد يختلف عن مقتضى العقلانية في ما يتعلَّق بشخص متعلِّم؛ لأن الأشياء التي في متناول الثاني من الناحية المعرفية لا تكون في متناول الأول، ولذلك لا يمكن ولا ينبغي تقييم متبنَّيات وأفعال الشخص الأول بالمعايير والضوابط الموجودة في متناول الثاني حَصْراً. إن توقعاتنا من عقلانية الأشخاص، سواء في مجال اختيار العقيدة، أو انتخاب غايات الحياة، أو في مجال اتّخاذ القرار والسلوك، يجب أن تتناسب مع قدراتهم العقلية، ومستوى فهمهم وشعورهم، وخلفيتهم الثقافية والتعليمية وتجاربهم. وإن هذا التناسب في حدّ ذاته يعدّ واحداً من مقتضيات العقلانية. وعلى هذا الأساس فإن الذهاب إلى اعتقاد خاص قد يكون مبرَّراً ومعقولاً بالنسبة إلى شخص، ولا يكون مبرَّراً ولا معقولاً بالنسبة إلى شخص آخر؛ إذ إن المسؤولية العقلانية للأشخاص تابعةٌ لظرفيّتهم العقلية، وقد ورد في الحديث الشريف: «إنما يداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا»([11]).

وبطبيعة الحال لا تأثير في البين للاختلاف في الخصوصيات الفردية، كأنْ يكون الشخص زيداً أو عمراً، أو كونه ابن فلان أو فلان، أو في الخصوصيات التاريخية والجغرافية والدينية والثقافية، من قبيل: أن يكون الشخص إيرانياً أو غير إيراني، أو مسلماً أو مسيحيّاً في حدّ ذاته. وإن مقتضيات العقلانية لا تتأثَّر بهذه الأمور أوّلاً وبالذات، وإنْ كانت قد تتأثَّر بها ثانياً وبالعرض، حيث تؤدّي إلى اختلافات أخرى تؤدّي إلى تغيير مقتضى العقلانية.

فعلى سبيل المثال: يمكن أن نفترض حصول الإيرانيين في مورد قضية خاصة على معلومات لا تتوفر لدى غيرهم، ومن هنا قد يختلف مقتضى العقلانية في قبول أو رفض تلك القضية في ما يتعلَّق بالإيرانيين وغيرهم. وعلى أيّ حال يجب في باب العقلانية:

1ـ الفصل بين الخصائص «ذات الصلة» والخصائص «غير ذات الصلة».

2ـ القول بقابلية كلا نوعي الخصائص للتعميم والشمولية([12]).

لو سمح لشخصٍ بعينه من الناحية العقلانية أن يعتنق قضيةً خاصّة فسوف يكون اعتناق تلك القضية مسموحاً لجميع الأشخاص الذين يشتركون مع ذلك الشخص في الأوصاف «ذات الصلة عقلاً» أيضاً، وهكذا.

ج ـ العقلانية من الزاوية الوجودية ــــــ

إن من بين الأسئلة التي تجب الإجابة عنها في باب «الوجود العقلاني» السؤال التالي: «ما هو الشيء أو الأشياء التي لها قابلية الاتصاف بالعقلانية؟». هل الناس هم الذين يتصفون بوصف العقلانية، أم المتبنيات، أم العواطف والأحاسيس، أم المطالب، أم الأقوال، أم الأفعال، أم الأحداث، أم المسارات، أم القرارات، أم النوايا، أم الأهداف، أم الوسائل، أم الدوافع، أم الحوافز، أم الشخصيات، أم الطبائع، أم…، أم بعض هذه الأمور، أم كلّها مجتمعة؟([13]).

في مقام الإجابة عن هذا السؤال نضطر إلى الفصل بين «العقلانية الناظرة إلى الغاية والنتيجة»([14]) و«العقلانية الناظرة إلى المسار والأسلوب»([15]). إن موضوع العقلانية من النوع الأول هو «محتوى» أو «متعلق» المتبنيات والعواطف والمشاعر والمطالب والأفعال والقرارات والنوايا والأهداف والوسائل والدوافع، بغضّ النظر عن «أساليب» الوصول إلى هذه الأمور. أما موضوع العقلانية من النوع الثاني فهو عبارة عن «المسارات» و«الأساليب» المؤدّية إلى هذه الأمور، بغضّ النظر عن النتيجة التي توصلنا إليها.

إن العقلانية الناظرة إلى النتيجة تمثل جواباً عن السؤال القائل: «لماذا الذي يتّخذ القرار بفعل شيء ـ متعلق القرار أعمّ من الأفعال الجسدية أو النفسية ـ عليه أن يقوم بهذا الشيء؟».

إن اهتمام هذا النوع من العقلانية ينصبّ على السؤال عن «الأسباب». أما العقلانية الناظرة إلى الأسلوب فهي تهتمّ بالسؤال عن «الكيفية». وفي هذا النوع من العقلانية يكون السؤال مورد البحث دائراً حول «كيف» يجب على صاحب القرار أن يعمل على طبق قراره؟

وبعبارةٍ أوضح: إن العقلانية الناظرة إلى الأسلوب تتحدّث عن «المسار»، في حين أن العقلانية الناظرة إلى النتيجة تتحدث عن «النتائج والثمار».

في العقلانية الناظرة إلى الأسلوب تنقسم مسارات اتخاذ القرار إلى: عقلانية؛ وغير عقلانية؛ ومخالفة للعقلانية. وإن عقلانية الثمار تستنتج من عقلانية المسار.

فعلى أساس هذا النوع من العقلانية ـ مثلاً ـ يتمّ تعريف الإيمان العقلاني على النحو التالي: الإيمان الذي يتوصل إليه الشخص من «طريق معقول» أو «من خلال الاستفادة من أسلوب معتبر»، سواء أكان مضمون ومحتوى ذلك الإيمان صادقاً (بحَسَب الواقع) أم كاذباً. وأما في العقلانية الناظرة إلى النتيجة والثمرة فإن الموضوع مورد البحث، بغضّ النظر عن الأساليب والمسارات الموصلة إليها، تتّصف بصفة العقلانية والمعقولية أو غير العقلانية أو المخالفة للعقلانية واللامعقولة.

وبعبارةٍ أخرى: يمكن القول: إن الموضوع الذي يتصف أوّلاً وبالذات بصفة العقلانية وغير العقلانية والمخالفة للعقلانية عبارة عن «اتخاذ القرارات» في مورد الفعل أو عدم الفعل، أو القول بقضية وعدم القول بها. وفي الحقيقة فإن اتّخاذ القرار هو الفعل الإرادي والاختياري الوحيد الذي يقع أوّلاً وبالذات تحت سيطرة واختيار «العامل» و«الفاعل»([16])، (أو العاملين والفاعلين)، ويكون مسؤولاً عن ذلك، وعرضة للنقد في ذلك المقدار فقط، إلاّ أن نفس العامل يتّصف بهذه الصفات أيضاً. وإن متعلّق اتخاذ القرار يشمل جميع الأعمال الإرادية والاختيارية التي يستطيع العامل والفاعل القيام بها من الناحية العملية. ومع ذلك فإن الحكم بشأن ما إذا كان قرارٌ بعينه عقلانياً أم لا يمكن تصوُّره والتنبُّؤ به على أساسين مختلفين: أحدهما على أساس أسلوب أو مسار اتخاذ القرار؛ والآخر على أساس النتيجة والثمرة([17]).

إن السؤال الهامّ الذي تجب الإجابة عنه فيما نحن فيه هو: لو أن مقتضيات هذين النوعين من العقلانية قد اختلفت في بعض الموارد، فما هي العقلانية التي يجب اتّباعها؟

ربما أمكن القول في الجواب: إن على «الشخص العامل» أن يتبع العقلانية الناظرة إلى النتائج، بينما يجب على «الشخص الناظر» أن يتبع العقلانية الناظرة إلى الأسلوب. وفي الحقيقة إن عقلانية مقام الأداء (عقلانية العامل، والعقلانية من زاوية الشخص الأول) غير عقلانية مقام النظر (عقلانية الناظر، والعقلانية من زاوية الشخص الثالث). في مقام الأداء يجب على الشخص العامل أن يحرز صدق القضية التي ينوي اعتناقها، أو صحة السلوك الذي يسعى إلى القيام به؛ في حين أن الشخص الناظر، بمعنى الشخص الذي يحكم بشأن عقلانية الإيمان بقضية أو القيام بفعل من قبل الآخرين (وكذلك ذات الشخص عندما يريد الحكم بشأن قضيةٍ سبق له أن آمن بها، أو بشأن عمل سبق له أن قام به)، يجب عليه أن يتبع العقلانية الناظرة إلى الأسلوب. في هذا المورد يكون معيار الحكم بشأن ما إذا كان القول بتلك القضية أو القيام بذلك الفعل في تلك الأوضاع والأحوال عقلانياً ومعقولاً أم لا عبارة عن الطريق والأسلوب الذي يطرقه العامل، والمراحل والمقدّمات التي توصله إلى ذلك الحكم أو القرار الذي يتّخذه، وحدود مسؤوليّته بشأن الخطأ الذي يرتكبه ويستحقّ اللَّوْم والمؤاخذة عليه. في هذا المقام لا يكفي مجرّد كذب القضية من زاوية الشخص الناظر لإثبات عدم معقولية الإيمان بها من قبل الشخص العامل، أو مخالفتها للعقلانية، أو اعتبار ذات العامل غير عاقل أو ضعيف العقل. فعلى الناظر أن يرى ما إذا كان لدى العامل دليلٌ وجيه على إيمانه بتلك القضية الكاذبة أم لا، وهل بذل مجهوداً حقيقياً وصادقاً من أجل إحراز صدق وكذب تلك القضية أم لا؟

إن ضوابط ومعايير العقلانية صفات معيارية تترتّب على سائر صفات الموضوع مورد البحث، وهي تنبثق من صلب تلك الصفات، فهي بحَسَب المصطلح «عَرَض مع الواسطة». ولذلك فإنها لا تختلف عن سائر الصفات المعيارية من هذه الناحية. إن الأوصاف المعيارية «تَبَعيّة» و«فرعية»، ولذلك فإن الموضوع الذي يتصف بهذه الصفات يجب أن يكون مشتملاً على صفة أو صفات «أصلية» أيضاً، وهي عبارة عن صفة أو صفات معيارية أو غير معيارية تقوم عليها الصفات المعيارية مورد البحث.

ومن الجدير لإيضاح هذه النقطة الهامّة جدّاً أن نذكر مثالاً لذلك. لنأخذ مثلاً وصف الجودة بنظر الاعتبار. متى يحقّ لنا أن نقول: «إن هذه الحافلة جيّدة»؟ الجواب: عندما تتّصف هذه الحافلة بصفةٍ أو صفات أخرى غير الجودة، وإنما صحّ منّا أن نصف تلك الحافلة بالجودة لاتصافها بتلك الصفات. ويمكن بيان تلك الصفات على النحو التالي: «قلّة استهلاكها للوقود»، و«كونها آمنة»، و«كونها فارهة»، و«كونها سريعة»، و«كونها مريحة»، و«كونها صديقة للبيئة»، وما إلى ذلك من الصفات. وعليه نحن لا نستطيع أن نقول: إن هذه الحافلة جيِّدة دون أن تكون متّصفة بأيّ صفة أخرى، أو أن جودتها منفصلة عن الصفات الأخرى. إن اتصاف الحافلة بالجودة تابع لاتصافها بصفات أخرى، وهي: (الصفات الداعية إلى الجودة). من هنا نحن لا نستطيع أن نأخذ حافلتين متكافئتين في الأوصاف، ونقول: هذه الحافلة جيدة، وتلك الحافلة غير جيدة([18]).

وهذ الشيء يصدق في باب العقلانية أيضاً. فإنما يمكن القول: «إن شراء هذه الحافلة عمل عقلائي» إذا كانت تلك الحافلة والشاري والبائع والأوضاع والأحوال الاقتصادية ذات صفات وخصائص يمكن من خلالها أن ننتزع صفة العقلانية من هذا العمل، وخلعه عليها. وعلى هذا الأساس فإن الصفات المعيارية تنبثق من صلب الصفات غير المعيارية بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وتعتبر تابعة لها. من هنا فإننا عندما نسعى إلى تبرير توصيفاتنا وأحكامنا المعيارية نستند إلى مجموعة من الأوصاف غير المعيارية في الموضوع مورد البحث، ممّا يعتبر من وجهة نظرنا ومن وجهة نظر مخاطبينا ذات صلة. فإذا قيل لنا مثلاً: «لماذا تصفون هذه الحافلة بأنها جيدة»؟ قلنا: «لأنها قليلة الاستهلاك للوقود»، وهكذا. وإذ قيل لنا: «لماذا كانت هذه الحافلة أفضل من سائر الحافلات الأخرى»؟ كان الجواب: «لأن استهلاكها للوقود أقلّ من استهلاك الحافلات الأخرى». وإذا أردنا المقارنة بين حافلتين قد نقول: إن هذه الحافلة أفضل من الحافلة الأخرى؛ لأنها أقلّ استهلاكاً للوقود منها، وإن الحافلة الأخرى أفضل من الأولى؛ لأنها أكبر حجماً منها. وعلى أيّ حال إن جودة ورداءة الحافلة تابعةٌ لسائر الصفات والحيثيات التي تتّصف بها. وإن سائر صفات وخصائص الحافلات تنقسم إلى: صفات ذات صلة أو محسّنة أو مقبّحة؛ وصفات غير ذات صلة أو سلبية وحيادية. وإن الصفات غير ذات الصلة أو الحيادية هي التي لا تلعب دوراً في اتصاف الشيء مورد البحث بالجودة وغير الجودة. وإن اتصاف الأفكار والمعتقدات والقرارات والسلوكيات بالعقلانية وغير العقلانية، أو المعقولية وغير المعقولية، تتبع هذا النوع من المعايير العامة أيضاً.

إن ربط الصفات المعيارية وغير المعيارية في الأشياء ببعضها أمرٌ نظري وقائم على النظريات، ولذلك يمكن اعتبار التقييم وقيمة الحكم منبثقاً عن النظريات. وإن هذا القول يصدق أيضاً بشأن القيم والمعايير الأخلاقية، وبشأن القيم والمعايير المعرفية، وفي باب المعايير العقلانية أيضاً. وهذا طبعاً بشرط اعتبار العقلانية شيئاً وراء الأخلاق والمعرفة. وعلى أيّ حال فإن المعقولية ليست وصفاً «مستقلاًّ» و«أساسياً»، بل هي وصف يترتَّب على سائر صفات الموضوع والفرد المنشود. إن معايير العقلانية تعمل في الحقيقة على بيان علاقة الصفات العقلانية بسائر صفات الموضوع، وتخبرنا ما هي الصفة أو الأوصاف ذات الصلة بالعقلانية؟ وما هي الأوصاف والخصائص التي يجب علينا أن نأخذها بنظر الاعتبار في التقييم العقلاني للأشخاص والموضوعات، وفي وصفها بالعقلانية أو غير العقلانية أو مخالفة العقلانية؟ وما هي الأوصاف والخصائص التي يجب تجاهلها وغضّ الطرف عنها؟

د ـ العقلانية من الزاوية المعرفية ــــــ

إن ربط الصفات المعيارية بالصفات غير المعيارية ربط «ميتافيزيقي» أو «وجودي». وإن هذا الربط مع وجود «الحائل المنطقي» بين العلوم غير المعيارية (من قبيل: العلوم التجريبية والميتافيزيقية) والعلوم الاعتبارية والمعيارية (من قبيل: علم الأخلاق والمعرفة والفقه والحقوق وما إلى ذلك) متناغمٌ ومنسجم؛ لأن اكتشاف هذا الربط لا يتمّ عبر الاستنتاج المنطقي. إن الربط «الوجودي» بين الصفات الاعتبارية والصفات غير الاعتبارية سيؤدّي إلى الارتباط «المعرفي» بين هاتين المجموعتين من الصفات. إن لأسلوب كشف وتوجيه النظريات الاعتبارية قصّة مؤثِّرة لا يتَّسع المجال لشرحها. وباختصار يمكن القول: إن النظريات التي تبين ربط الصفات الاعتبارية وغير الاعتبارية إنما يمكن كشفها وتبريرها من قناة «التجربة الذهنية» و«الشهود العقلاني»([19]). إن هذه النظريات تقيم صلة معرفية بين العلوم الاعتبارية والعلوم التوصيفية البحتة، ويمكن من خلالها، بواسطة التركيب بين «المقدمات الاعتبارية» و«المقدمات غير الاعتبارية»، أن نبطل أو نثبت «النتائج» الاعتبارية وغير الاعتبارية من الناحية المنطقية.

هـ ـ ما هو موضوع النقد والتقييم العقلاني؟ ــــــ

في العقلانية الناظرة إلى النتيجة يكون الموضوع مورد النقد والبحث عبارة عن مضمون ومتعلق القرار والشعور والعاطفة والهدف والوسيلة وما إلى ذلك. وأما في العقلانية الناظرة إلى الأسلوب يكون موضوع النقد والتقييم العقلاني عبارة عن «أسلوب» الوصول إلى معتقد، و«أسلوب» و«مسار» اتخاذ القرار، وليس «مضمون» و«متعلق» المعتقد، أو «نتيجة» اتخاذ القرار.

وإن هذه القاعدة، كما تصدق بشأن المعتقدات والقضايا، تصدق بشأن الأشخاص والسلوكيات أيضاً. فإن الاعتقاد والقرار المعقول مثلاً هو الذي يتوصل إليه الشخص من «الطريق» الصحيح. وبعبارةٍ أخرى: لكي يكون الاعتقاد بـ «أ» معقولاً، أو لكي يكون القول بـ «أ» من قبل شخص «ب» أمراً معقولاً، ليس من اللازم أن تكون تلك القضية صادقة ومطابقة للواقع «حقّاً». وهكذا لكي يكون اتخاذ القرار معقولاً ليس من اللازم أن تترتَّب عليه نتائج حَسَنة وصحيحة؛ لأن الصدق الحقيقي لقضيةٍ ما، والحُسْن والصحّة الحقيقية لنتائج القرار، تتأثّر بالعديد من العناصر التي هي في الغالب لا تخضع لسيطرة الفرد.

ولذلك لا يمكن مؤاخذة شخص بسبب اعتقاده بقضايا كاذبة، أو لأن نتائج قراراته غير صائبة، أو وصف القول بتلك المعتقدات أو اتخاذ تلك القرارات من قبله بأنه أمرٌ غير عقلاني، إلاّ إذا لم يبذل جهداً صادقاً وكافياً لتوجيه متبنياته وقراراته، ففي هذه الحالة تكون مؤاخذته بسبب عدم صدقه أو عدم جدّيته، وليس بسبب عدم صدق القضية التي آمن بها، أو عدم صوابية النتائج المترتِّبة على القرار المتَّخذ من قبله([20]).

وعليه فإن العقلانية الناظرة إلى الأسلوب رهنٌ بـ «إحراز» الصدق والصواب، وليست رهناً بـ «الصدق» أو «الصواب» الواقعي. فلو كان لدى «أ» دليلٌ وجيه أو مقنع لصالح المعلومة «ب»، أو صحة فعل «ج»، فإن الإيمان بـ «ب»، أو ارتكاب «ج»، سيكون من قبله معقولاً، حتّى وإنْ اتّضح بعد ذلك كذب «ب»، أو عدم صوابية «ج» أو قبحه على المستوى الواقعي.

إن معيار الحكم على ذكاء الأشخاص أو مقدار ذكائهم رهنٌ بمدى سعيهم «الصادق» و«الجادّ»، واستفادتهم لـ «الأسلوب» الصحيح للكشف عن الحقيقة والصدق، أو اتخاذ القرار الصائب والمدروس، أو اختيار الهدف الصالح أو الوسيلة الصحيحة. وبعبارة أخرى: إنّنا في ما يتعلَّق بالعقلانية الناظرة إلى الأسلوب مأمورون بأداء التكليف، دون تحقيق النتائج([21]). إن الصدق والكذب الواقعي هنا ليس هو معيار الحكم على المعتقد، وإنّما المهمّ هو:

1ـ هل بذل الفرد ما بوسعه من أجل «كشف» صدق وكذب ذلك المعتقد أم لا؟

2ـ هل كان لديه «دليلٌ» وجيه ومقنع على إيمانه بذلك المعتقد أم لا؟

3ـ هل كان إيمانه «مستنداً» إلى ذلك الدليل، أم كان «الدافع» و«المحرِّك» له نحو الإيمان بذلك المعتقد شيء آخر؟([22]).

نحن مسؤولون تجاه «الأسلوب»، وتجاه «فضائلنا» و«رذائلنا» العقلانية والأخلاقية. فلو أن أسلوباً صحيحاً أدّى بنا إلى نتيجةٍ خاطئة لن نكون مسؤولين عنها، ولن نستحقّ اللوم والعتاب عليها؛ لعدم ارتكابنا أيّ تقصير أو قصور في القيام بما يمليه علينا الواجب. وأما إذا سلكنا وسيلةً خاطئة، فتوصَّلنا إلى نتائج صحيحة، فإننا سنبقى مَلُومين في مثل هذه الحالة([23]). إن صوابية الأسلوب لا تضمن صوابية النتيجة بالضرورة. كما أن صوابية النتيجة لا تثبت أننا قد عملنا بمسؤوليتنا العقلانية. كما أن الثواب والعقاب في يوم القيامة لا يترتَّب على صحّة وبطلان «مضمون» العقيدة، وإنما هو رهنٌ بطريقة المواجهة، وأعمال الإنسان تجاه الحقّ الواضح والمستدلّ. فإن مؤاخذة ومعاقبة العباد على بطلان عقيدتهم معاقبة جائرة وغير عادلة، إلاّ أن مؤاخذتهم على عدم صدقهم وجدِّيتهم هي عين العدل.

ولهذا نجد القرآن الكريم لا ينتقد المشركين على مجرَّد شركهم، إنما ينتقدهم ويؤاخذهم على عدم امتلاكهم دليلاً وجيهاً على ذهابهم إلى اعتناق الشرك، بمعنى أنهم لو كانوا يمتلكون دليلاً وجيهاً ومقنعاً على شركهم ما كان بإمكان الله أن يؤاخذهم أو يعاقبهم، بل إنهم في مثل هذه الحالة سيكونون مستحقّين للمكافأة والثواب أيضاً؛ لأنهم في مثل هذه الحالة إنما يعملون على طبق ما تقتضيه إنسانيتهم وفطرتهم الآدمية، والعدالة تقول بأن مثل هذا الشخص يستحقّ المدح والمكافأة([24])، وقد ورد في الحديث عن النبيّ الأكرم| أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، وإنّما ينظر إلى قلوبكم»([25]).

وكما سبق أن ذكرنا فإننا في العقلانية الناظرة إلى النتائج نتعامل مع المتعلق ومضمون العقائد، والقرارات والميول والرغبات وما إلى ذلك. والمهمّ في البين عبارة عن صدق وكذب المعتقد مورد البحث، وصوابية العمل الذي نريد عقد العزم على فعله أو تركه، وقيمة أو عدم قيمة الشيء الذي نرغب فيه، وهكذا.

ولكنْ كما هو واضحٌ فإن الطريق الوحيد الماثل أمامنا إلى إحراز صدق أو صوابية وقيمة شيء ما هو أن نعمل ما أمكننا على رفع الموانع الداخلية والخارجية التي تحول دون حصولنا على المعرفة، وأن نتّبع أسلوباً معتبراً ومقبولاً.

وعليه يبدو أن علاقة العقلانية الناظرة إلى المسار والعقلانية الناظرة إلى النتائج علاقة ذات طرفين.

فعلى سبيل المثال: إننا من جهةٍ؛ لكي يكون سلوكنا الذهني في القول بأمر ما عقلانياً، لا بُدَّ لنا من مناقشة الأدلّة المتوفرة بين أيدينا لما هو صالح وغير صالح في صدق مضمون ومتعلَّق ذلك الأمر؛ ومن جهةٍ أخرى فإن «الأسلوب» الذي نتّبعه في هذا البحث هو المعيار الوحيد الذي نتمكن بواسطته أن نحكم بشأن صدق وكذب ذلك الأمر.

وفي الوقت نفسه فإن النقطة الجوهرية هي أن النسبة المنطقية القائمة بين الأحكام الصادرة على أساس هذين النوعين من العقلانية هي «العموم والخصوص من وجه».

فمثلاً: على أساس العقلانية الناظرة إلى النتائج فإن الاعتقاد بالقضية القائلة: «الشمس تدور حول الأرض» اعتقاد غير معقول أو مناف للعقلانية؛ لأن مضمون هذا الاعتقاد غير مطابق للواقع. ولكنْ لا يمكن القول بأن الاعتقاد بهذه القضية من قبل أسلافنا الذين كانوا يعيشون قبل عشرة قرونٍ لم يكن معقولاً أيضاً؛ لأن المعلومات التي نمتلكها اليوم لم تكن متوفِّرة آنذاك، وإن أسلافنا كانوا يقدِّمون دليلاً ملموساً على اعتقادهم بتلك القضية، حيث كانوا يرَوْنها ماثلة أمامهم رأي العين (المشاهدة الحسِّية)، إلا أن الذين يعيشون في القرن الحادي والعشرين إذا اعتقدوا وآمنوا بهذه القضية يكونون قد ارتكبوا عملاً غير عقلاني؛ إذ يتوفَّر بين أيديهم دليل مقنع يثبت أن مشاهدتهم الحسِّية خاطئة، وعليهم عدم الوثوق بها والاعتماد عليها.

وهذا الكلام يعني أنه في مقام تطبيق قواعد هذين النوعين من العقلانية قد يتغيَّر حكم الموضوع. ولذلك من المهمّ الفصل بين المورد الذي يجب فيه اتّباع العقلانية الناظرة إلى الأسلوب عن المورد الذي يجب فيه اتّباع العقلانية الناظرة إلى المضمون. وقد سبق أن قلنا: إن المساحة العقلانية الناظرة إلى المسار عبارة عن «مقام المشاهدة»، وإن المساحة العقلانية الناظرة إلى النتيجة عبارة عن «مقام التمثيل».

و ـ تعريف العقل ــــــ

لكي ندرك الاختلاف بين العقلانية الجديدة والعقلانية القديمة بشكلٍ أفضل وأعمق نضطرّ إلى التريُّث قليلاً ريثما نقدِّم تعريفاً عن العقل والعقلانية، ونعطي رؤية شاملة عن أنواع العقلانية.

وعليه نبدأ أوّلاً من تعريف العقل. يبدو أن لا خلاف في أن العقل هو الفصل المميِّز للإنسان عن سائر الحيوانات. إلاّ أن تعريف الإنسان بـ «الحيوان العاقل» إنما هو تعريف «بالقوّة»، وليس تعريفاً «بالفعل»، وإن الإنسان إنما هو إنسانٌ بمقدار استفادته من عقله، واتّباعه لأحكامه. وعليه فإن المراد من العقل ليس مجرّد وجود القوة العاقلة، بل يشترط أن تكون هذه القوّة فاعلة أيضاً. فإن القوّة التي لا تلعب دوراً في حياة الفرد سيكون وجودها وعدمها سواء.

وعليه من الأفضل أن نعرّف الإنسان بالحيوان المتعقِّل والمفكِّر، وأن نعرّف التفكير والتعقُّل من خلال «تقييم المدَّعى أو الهدف أو السلوك، على أساس المعيار المناسب والدليل المعقول».

إن للتعقُّل أنواعاً؛ فمن زاويةٍ يمكن القول: إن التعقُّل إمّا هو ناظرٌ إلى كشف الحقيقة؛ أو ناظر إلى تشخيص الحقّ والتكليف([26]). إن تعقُّل النوع الأول من شؤون العقل النظري، وتعقُّل النوع الثاني من شؤون العقل العملي([27]). وعليه يمكن تعريف الإنسان بأنه «حيوان أخلاقي» أيضاً([28])، شريطة أن يكون مرادنا من الأخلاق هي الأخلاق بالمعنى العام للكلمة، الشامل لأخلاق الإيمان وأخلاق التفكير والبحث والتحقيق أيضاً. فالإنسان ـ كما سنرى ـ حيوانٌ يتّبع في مقام التفكير وفي مقام العمل نظاماً معيارياً وقيمياً، أو يجب أن يتبعهما، وإن سلوكه في كلا المقامين عرضة للنقد والتقييم الأخلاقي. إن أخلاقية الإنسان لا تنحصر داخل حدود سلوكه الجسماني، بل تشمل حتّى نشاطه الذهني والروحي والنفسي أيضاً، ما دامت هذه الأنشطة بطبيعة الحال إرادية واختيارية.

كما يمكن لفهم دور وآلية العقل بشكلٍ أفضل أن نسمِّيه بـ «النبيّ الباطني»([29]).

إن اتّصاف العقل بهذا العنوان يأتي من حيث إن للعقل شأن الأنبياء، وإن الولاية وحقّ الطاعة الثابت للأنبياء ثابتٌ للعقل أيضاً، بمعنى أن العقل ـ أوّلاً ـ مثل الأنبياء الظاهريين يبلِّغ رسالة الله إلى الناس، وثانياً: إن العقل مثل الأنبياء الظاهريين يحمل أوامر وضرورات ومحظورات، وثالثاً: إن إطاعة العقل واجبة، مثل: إطاعة الأنبياء الظاهريين.

وبعبارةٍ أخرى يمكن القول: إن العقل مركز الهداية والسيطرة والإدارة لوجود الإنسان، أو يجب أن يُعطى هذا الدَّوْر، بمعنى أن الإنسان المثالي هو الذي يكون زمام تفكيره وسلوكه تحت سيطرة من عقله.

وإن هذه المسألة ـ كما سنرى قريباً ـ تستنبط من تحليل «الهوية النظرية» و«الهوية العملية» للإنسان.

ز ـ علاقة العقل والعقلانية بالهويّة الإنسانية ــــــ

إن لدينا نحن البشر هويات مختلفة، من قبيل: الهوية الوطنية، والدينية، والجنسية، والفردية، والجماعية، وما إلى ذلك. وإن لكل واحدة من هذه الهويات اقتضاءات معيارية وغير معيارية.

بَيْدَ أن الإنسان من حيث كونه إنساناً يتوفَّر على نوعين من الهويّة: النظرية؛ والعملية([30]). وإن هذه الهويّات مقدَّمة على كلّ هويّة أخرى، بما فيها هويته الدينية، أو يجب أن تكون متقدِّمة عليها.

إن هوية الإنسان النظرية منشأ للمعايير والإلزامات المعرفية، وإن هويته العملية منشأ للمعاير والإلزامات الأخلاقية([31]). وإن المعايير والإلزامات المعرفية تمنع الفرد من الإيمان ببعض المعتقدات، وتلزمه بالإيمان ببعض المعتقدات الأخرى. كما أن المعايير والإلزامات الأخلاقية تمنعه من القيام ببعض الأعمال، وتلزمه بالقيام ببعض الأعمال الأخرى.

إن اختلاف الإنسان عن الحيوان في البعد النظري يكمن في أن مذاهب الحيوان ومسالكه تابعةٌ لعواطفه وأحاسيسه ومشاعره بشكلٍ كامل. فالحيوان يؤمن بكلّ ما يراه ويسمعه، بمعنى أن معتقد الحيوان تابعٌ لـ «العلة»، وإن نقطة الضعف هذه هي التي تمهّد الأرضية لهيمنة الإنسان على الحيوان واستخدامه. إلاّ أن عقائد الإنسان ـ ما دامت هويته الإنسانية بطبيعة الحال فاعلة وثابتة وراسخة ـ تابعةٌ لـ «الدليل»، دون «العلة».

إن «العلم الحيواني»([32]) و«العلم الإنساني»([33]) لا يختلفان من الناحية الكمية والموضوعية فحَسْب، بل إن اختلافهما الأصلي والجوهري يكمن في الناحية الكيفية.

إن هذين النوعين من العلم يختلفان في «أسلوب» تحصيل المعرفة واكتسابها، وإن هذا الاختلاف يكمن حتّى في المعلومات الحسِّية المشتركة بين الإنسان والحيوان أيضاً([34]).

إن الإنسان من حيث هو إنسان؛ كي يعتنق عقيدة أو يتخلَّى عنها، بحاجة إلى دليل يبرِّر له اعتناقه لتلك العقيدة أو تخلِّيه عنها.

يعمل العقل الإنساني على غربلة المعطيات والمعلومات التي تدخل إلى ذهنه من طريق الحواسّ الظاهرية والباطنية، بمعنى أنه يقارن بين هذه المعطيات، ويعمل على تقييمها من خلال المعايير والموازين المنطقية والمعرفية، حيث تقول له تلك المعايير: متى، وأين، وتحت ظلّ أيّ ظروف، يحقّ أو يُسمح له أو يجب عليه أن يعتنق شيئاً، أو أن يتخلّى عنه أو يرفضه؟ وكيف يعمل على حلّ التعارض إذا حصل بين المعلومات الداخلة إلى ذهنه من مختلف القنوات والمصادر؟

ومن هذه الناحية لا فرق بين المعتقدات الدينية والعلمية والفلسفية والأخلاقية والفقهية وغيرها وبين القنوات والمصادر المعرفية المختلفة، ومعنى ذلك أن هناك شريعة باسم «شريعة العقل» متقدّمة من الناحية المنطقية على «شريعة النقل»([35]).

أما الاختلاف الآخر بين الإنسان والحيوان فيكمن في «الهوية السلوكية» لهما.

فالحيوان في سلوكه تابعٌ لغرائزه، أما الإنسان ما دام متمسكاً بمقتضياته الإنسانية فإنه يبحث عن مبرِّر معقول لتصرُّفاته وسلوكياته.

إن السلوك الإنساني وإنْ كان يبدو في ظاهره شبيهاً بسلوك الحيوانات ـ كما هو الحال بالنسبة إلى الأكل والشرب ـ، إلا أن هذا السلوك يصدر عن منشأ ومبدأ متفاوت، وهو ما يُسمّى بالعقل والعقلانية العملية. من هنا فإن الهوية العملية للإنسان تكون منشأً للقيم والمعايير والإلزامات التي تفصل السلوك الإنساني عن السلوك الحيواني، وإن الإنسان لا يحافظ على هويّته الإنسانية إلاّ بمقدار تبريره وتنظيمه لسلوكه على أساسٍ من تلك المعايير، التي هي في الحقيقة معايير أخلاقية بالمعنى الخاصّ للكلمة. ولذلك فإن الذين ينظِّرون للعنف والجريمة باسم الدين يضطرّون قبل كلّ شيء إلى تجريد الناس عن هويتهم العملية؛ كي يتمكنوا بعد ذلك من حثِّهم على ارتكاب العنف والجريمة. كما أن الذين يروِّجون للخرافات والأساطير تحت لواء الدين يضطرّون بادئ ذي بدء إلى إضعاف الهويّة النظرية للأفراد؛ كيما يتمكَّنوا من إعدادهم لتقبُّل تلك الخرافات باسم الدين([36]).

لا مدخليّة لمضمون العقيدة والسلوك في إنسانية الإنسان. إنما المهمّ، والذي يُعدّ من لوازم وذاتيات الهوية الإنسانية، هو «أسلوب» تبرير العقيدة والسلوك، و«منهج» الوصول إلى العقيدة واتخاذ القرار.

وبطبيعة الحال لا يمكن تبرير كل عقيدة وسلوك بالمعايير العقلانية، إلاّ أن الإنسان لا هو كائن خارق، ولا هو معصوم، وإنما هو كائن ضعيف، ويجوز عليه الخطأ. فالإنسان مسؤول عن «الأسلوب»، وليس عن «نتيجة» توظيف ذلك الأسلوب. إن الإنسان إنما يكون إنساناً ما دام يتَّبع المعايير والضرورات والمحظورات العقلانية في اعتناق عقائده أو التخلّي عنها، وما دام ينظم سلوكه على أساس تلك المعايير.

وعلى هذا الأساس فإن الذي يميِّز الإنسان من سائر الحيوانات هو «اتّباع» المعايير العقلانية، أو إطاعة تعاليم وأوامر «شريعة العقل»، لا «نتيجة» هذه التبعية، ولا مجرَّد وجود قوّة باسم القوّة العاقلة، التي يمكن أن تجتمع مع تعطيل العقل أيضاً.

فلو أن شخصاً آمن بعقيدة صحيحة (مطابقة للواقع) على أساس معايير غير عقلانية يكون قد سلك طريقاً مخالفاً للعقل، ومنافياً لهويته (النظرية) الإنسانية، في حين أن الذي يعتنق عقيدةً باطلة حقاً (مخالفة للواقع)، على أساس المعايير العقلانية التي تقول له: إن هذه العقيدة ليست باطلة، لا يكون عاملاً على خلاف هويته الإنسانية.

إن صحّة أو بطلان مضمون العقيدة والسلوك في حدّ ذاته لا يُعَدُّ معياراً للإنسانية، إنّما المهمّ هو «كيفية» أو «منهج» اعتناق العقيدة والسلوك.

من هنا فإنّ مدح وذم العقلاء، ومنح الثواب والعقاب الإلهي، والنجاة والفلاح الأخروي، رهنٌ بـ «المسار» و«المنهج»، وليس رهناً بـ «النتيجة».

إن الله يحكم بين عباده على أساس المعايير العقلانية الناظرة إلى الأسلوب، وليس على أساس المعايير العقلانية الناظرة إلى المضمون والمحتوى([37]). إن العدالة تقتضي من الله عند الحكم بين العباد أن لا يأخذ بنظر الاعتبار ذلك الجانب من المعلومات المرتبطة بصدق ومضمون المعتقدات إذا لم تكن في متناول أيديهم.

إن الكافر من وجهة نظر القرآن هو غير الكافر من وجهة نظر الفقه.

إن الكافر من وجهة نظر القرآن هو الذي يدرك صحّة وصوابية عقيدة أو دعوى أو كلام، ويعلم أن هذه العقيدة وتلك الدعوى وذلك الكلام حقّ، ولكنّه مع ذلك يكابر في إنكارها عناداً وحَسَداً وعصبية واتّباعاً للهوى وحبّ الدنيا وعبادة للأنا([38]). إن الكفر في القرآن يعني إنكار حقٍّ واضح وثابت للمُنْكِر([39]). وعليه فإن إنكار الحقّ الذي خفي على المُنْكِر، أو شهد على عدم صدقه دليلٌ معتبر، لا يُعَدُّ كفراً من وجهة نظر القرآن.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى إظهار الشكّ من قبل الشخص بشأن الحقّ الذي لم يثبت له بدليلٍ مقنع، لن يكون شكّه كفراً.

وإن الذي يستند إلى دليلٍ وجيه، ولم ينطلق في إنكاره لعقيدةٍ عن هوى أو عصبية أو حبّ الذات وعبادة الدنيا، لن يكون كافراً من وجهة نظر القرآن، حتّى لو كانت تلك العقيدة صحيحة في واقعها، بل يستحقّ الثواب والمكافأة أيضاً([40]).

إن الذي يؤمن بحقٍّ عن عناد وعصبية وتمسّكاً بالهوى مثل الذي ينكر الحقّ لنفس الأسباب، بلا فرق بينهما. فإن الكفر المستند إلى العلّة لا يختلف عن الإيمان المستند إلى العلّة، سواء بسواء. كما أن الكفر المستند إلى الدليل المعقول ـ إذا أمكن تسمية مثل هذا الأمر كفراً ـ هو عين الإيمان المستند إلى الدليل المعقول.

إن الذي يؤثر في إنسانية الإنسان، وتبعاً لذلك في كماله وسعادته ونجاته وفلاحه، ليس هو الاعتقاد والسلوك «الحقّ» (المطابق للواقع)، بل «الأخلاق» التي يتَّبعها الإنسان في تبرير عقيدته وسلوكه.

إن الإنسان إنما هو إنسان بمقدار ما تكون عقائده وأفعاله مستندة إلى الأدلة العقلانية المبرّرة، وهو بعيدٌ عن الإنسانية، وقريب من الحيوانية، بمقدار ما تكون عقائده وأفعاله تابعة لـ «العلل» و«الأدلّة» غير المبرّرة وغير العقلانية.

إن معيار الكمال والسعادة والفلاح والثواب والعقاب يتمثَّل في «أخلاق التفكير»، أو «أخلاق البحث» و«أخلاق السلوك»، حيث ينبثقان كلاهما عن العقل والهوية النظرية والعملية للإنسان، وهي من مقتضيات هاتين الهويتين.

وخلاصة القول: إن العلم الإنساني والإرادة والقرار والسلوك الإنساني يتوقَّف على تأييد وتصويب العقل([41])، وإن عمل العقل ـ أو أهمّ أعماله ـ هو «التروّي»([42]) و«التدبُّر»، أو «التعمُّق» الفكري([43]).

إن الدين والتعاليم الدينية لا يمكنها تجاهل الهويّة النظرية للإنسان، ولا يمكنها أن تغفل مقتضيات هذه الهوية، أو أن تعمل على إضعافها أو إزالتها، وإحلال الهوية الدينية محلّها؛ إذ في هذه الحالة سيتمّ استرداد الصورة الإنسانية للإنسان، والتنزُّل به إلى مستوى الحيوانية. إن المخاطب بالدين هو الإنسان بما هو إنسان، ولذلك فإن الدين يفترض إنسانية الإنسان. من هنا فإن العقائد والأحكام الدينية إنما تكون معتبرة ما دامت منسجمةً مع الهوية الإنسانية والضوابط والمعايير المنطقية والمعرفية والأخلاقية المنبثقة عن هذه الهوية. إن العقلانية نقيضٌ للخرافة والتفكير الخرافي، وإن الهوية النظرية للإنسان تمنعه من اعتناق الخرافات. ولذلك فإن الذين يرومون فرض فهمهم الخرافي لنصوص الدين على الآخرين باسم الدين يسعَوْن أوّلاً إلى تفريغ الناس من إنسانيتهم، ويحلّون الهوية الدينية محلّ الهوية الإنسانية، ويعملون على تعطيل عقولهم وترهيبها؛ لجعلهم مستعدين لتقبّل الخرافات.

ح ـ تعريف العقلانية وأنواعها ــــــ

وفي ما يلي نقدِّم تعريفاً للعقلانية، فنقول: إن «العقلانية» تعني ببساطة اتباع «شريعة العقل» (مجموع التعاليم والضرورات والمحظورات العقلية)، أو اتباع مجموع «القيم» و«المعايير» التي تنبثق عن العقل. من هنا يمكن لنا أن نستنتج أن «العقل» مقدَّمٌ على «الدين»، ومعنى تقدُّمه هو أن «شريعة العقل» متقدِّمة على «شريعة النقل»؛ لأن فهم الدين بشكلٍ صحيح، والعمل بأحكامه وتعاليمه، رهنٌ باستخدام العقل، واستخدام العقل ليس إلاّ اتباع التعاليم والقواعد العقلية([44]).

إن أهمّ العلوم المتكفِّلة بمعرفة شريعة العقل عبارة عن: «نظرية المعرفة»([45])، و«المنطق»، و«الفلسفة»، و«فلسفة الأخلاق»([46])، و«الفكر النقدي»([47]).

إن العقلانية تنقسم إلى: عقلانية «نظرية»([48])؛ وعقلانية «عملية»([49]). والعقلانية العملية تنقسم بدورها إلى نوعين أيضاً، وهما: العقلانية العملية «الآلية»([50])؛ والعقلانية العملية «غير الآلية»([51]). كما تنقسم في تقسيمٍ آخر إلى: عقلانية عملية «أخلاقية»([52])؛ وعقلانية عملية «اقتصادية»([53]).

إن العقلانية النظرية تعني العقلانية الناظرة إلى التفكير والاعتقاد والإيمان، والعقلانية العملية هي العقلانية الناظرة إلى السلوك والعمل.

وإن موضوع العقلانية النظرية هو «الإيمان» أو «العقيدة»، أو بتعبير أفضل: «أسلوب» الإيمان والعقيدة. وإن موضوع العقلانية العملية هو «العواطف» و«المشاعر» و«القرارات» و«السلوكيات» الاختيارية، أو بعبارة أفضل: «أساليب» اتخاذ القرار.

تقوم فرضية العقلانية النظرية على القول بأن المتبنيات والأفكار تنقسم إلى: أفكار «معقولة»؛ وأفكار «غير معقولة»، أو إلى: أفكار «مبرّرة»؛ وأفكار «غير مبرّرة».

كما تقوم فرضية العقلانية العملية على القول بأن القرارات والسلوكيات تنقسم إلى: سلوكيات «معقولة»؛ وسلوكيات «غير معقولة»، أو إلى: سلوكيات «مبرّرة»؛ وسلوكيات «غير مبرّرة».

وعلى هذا الأساس فإن المسؤولية العقلانية تقتضي منا رفض أيِّ فكرةٍ أو رأي ما لم نحرز معقوليته، وما لم نحرز المعقولية العملية لأمرٍ ما لا نبادر إلى ارتكابه. إننا لكي نعتنق عقيدةٍ ما، أو نقوم بعملٍ ما، علينا أن نستأذن العقل، بوصفه دالاًّ على إنسانيتنا، وإنّما يحقّ لنا أو يؤذن لنا الاستجابة إلى ميولنا ورغباتنا أو ميول الآخرين وإملاءاتهم إذا أجاز لنا عقلنا ذلك.

ط ـ تعريف العقلانية النظرية ــــــ

لقد تمّ تعريف العقلانية النظرية بأنها «التناسب بين الدليل والمدَّعى». إلاّ أن مفردتا «التناسب» و«المدَّعى» في هذا التعريف بدورهما بحاجةٍ إلى تعريف وتوضيح.

إن «التناسب» يعني إجمالاً عدم إمكان إثبات أو تأييد كل مدَّعى بأيّ دليل، ولكلّ شخص، وفي كلّ مجال. إن «التناسب مفهوم «نسبي»، و«تشكيكي»، بمعنى أنه تابعٌ لـ «المجال»، و«مضمون وأهمّية المدَّعى»، و«المقدرة الذهنية للمدَّعي»([54])، و«المقدرة الذهنية للمخاطب»([55])، و«الوقت»، و«الإمكانات». إن الإنسان العاقل بالمقدار الكافي، والذي «يتمتَّع بالمسؤولية»، و«ينزع إلى الفضيلة» على المستوى المعرفي، يقدِّم لكلّ دعوى دليلاً «مناسباً».

وأما «الدليل» فهو عبارةٌ عن جميع الملاحظات أو الخصائص والشروط المرتبطة من الزاوية المعرفية بصدق وكذب القضية أو المدَّعى، ويعمل على «تقليل» احتمال الخطأ في إدراك تلك القضية أو ذلك المدَّعى، أو يعمل على «رفع» احتمال صدق تلك القضية أو ذلك المدَّعى. إن المراد من الدليل هنا هو المعنى المعرفي للكلمة، الأعمّ من الدليل بالمعنى السائد في المنطق الأرسطي.

ينقسم الاستدلال في المنطق الأرسطي إلى ثلاثة أقسام، وهي: «القياس»؛ و«الاستقراء»؛ و«التمثيل». وينقسم الدليل إلى ثلاثة أقسام، وهي: الدليل «القياسي»؛ والدليل «الاستقرائي»؛ والدليل «التمثيلي».

يقوم هذا المنطق على الأصولية المعرفية التقليدية، التي يتمّ على أساسها تقسيم القضايا والمتبنّيات أو الدعاوى إلى مجموعتين: «بديهية» مطلقاً؛ و«نظرية» مطلقاً.

والبديهيات مبرّرة تلقائياً، ولا تقبل التشكيك. وإن تبريرها واستنتاجها إما مستحيل؛ أو أنها لا تحتاج إلى مثل هذا التبرير.

وأما النظريات فهي قابلةٌ للتبرير بشرط إمكان «استنتاجها» من خلال الاستدلال بالبديهيات بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.

وقد تعرَّض هذا التقسيم إلى الكثير من النقد من قبل علماء المعرفة المعاصرين. فهؤلاء حتّى إذا أذعنوا للنزعة الأصولية لا يؤمنون بوجود حدود حاسمة وأبدية بين البديهيات والنظريات، بمعنى أنهم يؤمنون بإمكان تحوّل البديهيات إلى نظريات، أو تحوّل النظريات إلى بديهيات، كما يؤمنون بإمكان تعزيز وإضعاف المرتبة التبريرية التي تتمتَّع بها البديهيات في حدِّ ذاتها.

وخلاصة القول: إن «التبرير»([56]) يحلّ محلّ «الاستدلال»([57]) في المعرفة الحديثة، وينقسم إلى قسمين: «استنتاجي»([58])؛ و«غير استنتاجي»([59])([60]).

إن «الاستدلال القياسي» إنّما هو مجرّد نوعٍ خاصّ من التبرير الاستنتاجي، وإن للتبرير الاستنتاجي أنواعاً أخرى أيضاً. وإن التبرير غير الاستنتاجي تبرير نحصل عليه من طريق المشاهدة والتجربة، والمشاهدة والتجربة بدورهما أعمّ من المشاهدة والتجربة الحسيّة والعقلية والقلبية. وعلى هذا الأساس فإن المقوِّم للعقلانية هو «التبرير»، وليس «الاستدلال» بالمعنى الأرسطي للكلمة، الذي هو نوعٌ خاصّ من التبرير. إن للتبرير مناشئ متعدِّدة، وليس الاستدلال الأرسطي سوى واحدٍ منها. وفي الحقيقة يمكن القول: إن الاستدلال هو المصدر الثانوي للتبرير؛ لأن الاستدلال إنّما يؤدّي إلى مجرّد «انتقال» التبرير من المقدّمات إلى النتيجة.

تنقسم الأدلة إلى: «أدلّة مبرّرة»؛ و«أدلة غير مبرّرة». والدليل المبرّر هو الدليل الذي «يتناسب» مع المدَّعى، ويدلّ على صدقه، أو أن يرفع من احتمال صدقه، و«يكفي» لتبرير المدّعى في النسيج والسياق المنشود.

إن الإنسان الذي يكون عاقلاً بالمقدار الكافي، والذي يتّبع المعايير العقلانية في قبول أو رفض الدعاوى، لا يكون تابعاً لـ «العلّة»، وإنّما هو تابعٌ لـ «الدليل». وهذا هو مكمن الفرق بين الإنسان والحيوان في البُعْد النظري.

يُضاف إلى ذلك أن هذا الشخص تابعٌ للدليل «المناسب» أيضاً، وهذا هو مكمن الفرق بينه وبين الشخص الذي لا يكون عاقلاً بالمقدار الكافي.

وكما تقدَّم فإن الحيوانات ـ في مقام المعرفة ـ تابعةٌ للعلة، بمعنى أن كل ما يدخل في ذهنها من طريق الحواسّ يتمّ تبويبه على شكل معتقد، ليشكل القاعدة للتعاطي والتعامل مع ما يحيط بها. كما أن العلة «الأنطولوجية» للصور الإدراكية لدى الحيوانات تلعب الدور «المعرفي» أيضاً، إلاّ أنها ليست كذلك بالنسبة إلى الإنسان؛ فإن الإنسان حيث يمتلك عقلاً فإنه بحاجةٍ إلى «مصادقة» و«تأييد» هذا العقل، كي يقبل المرئيات والمسموعات وسائر المعلومات التي تدخل إلى ذهنه من مختلف القنوات الإدراكية. وإن تأييد ومصادقة العقل رهنٌ بوجود «الدليل» المناسب والمقنع لصالح احتمال صدق المعلومات المنشودة، بمعنى أن العلة الوجودية للصور الإدراكية غير كافية للتصديق بالنسبة إلى الإنسان، وإنّما «الدليل» هو وحده الذي يجب أن يلعب دور «العلة» المعرفية.

إن الدليل هو الشيء الذي يبرِّر المدَّعى بشكلٍ عقلاني، ويوجد التصديق والاعتقاد به في ذهن الشخص العاقل. إن للتبرير أنواعاً([61]). وإن من أهمّ أنواع التبرير: «التبرير السلبي»([62]) أو «التبرير المسوّغ»([63])؛ و«التبرير الإيجابي»([64]) أو «التبرير المؤيِّد»([65])؛ و«التبرير الروتيني»([66])؛ و«التبرير العلمي»([67])؛ و«التبرير الفلسفي»([68])؛ و«التبرير الابتدائي»([69])؛ و«التبرير النهائي»([70])؛ و«التبرير الفردي»([71])؛ و«التبرير الجمعي»([72]).

وفي ما يتعلَّق بـ «المدَّعى» يجدر التذكير بأمرين: الأوّل: في مجال أنواع المدَّعيات؛ والآخر: في مجال تناسب المدَّعى مع نوع العقلانية.

ي ـ أنواع المدَّعيات من الزاوية العقلانية ــــــ

تنقسم المدَّعيات من ناحيةٍ إلى ثلاث مجموعات:

1ـ العقلية([73]).

2ـ الحيادية العقلية([74]).

3ـ المخالفة للعقل([75]).

يقوم مدَّعى المجموعة العقلية على وجود دليلٍ مبرّر ومناسب لصالح صدق المدَّعى. ويقوم مدَّعى المجموعة غير العقلية على عدم وجود دليل مبرّر ومناسب لصالح صدق المدَّعى أو ضدّه. ويقوم مدَّّعى المجموعة المخالفة للعقل على عدم وجود دليل مبرّر ومناسب لصالح صدق المدَّعى.

إن القول بالادّعاءات المخالفة للعقل مغاير للعقلانية، والقول بالادّعاءات العقلية عين العقلانية. وأما في ما يتعلق بالقول بالادعاءات الحيادية عقلياً فهناك جَدَلٌ ونقاش في موافقته أو مخالفته للعقلانية.

وأرى أن القول بالادّعاءات الحيادية المقبولة عقليّاً بالقوّة، وطبقاً للقواعد([76])، ينسجم مع العقلانية ضمن إطار ومساحة خاصة، مشروطة برعاية الشرائط الخاصة. وفي الحقيقة لا مناص من القول بهذه الادّعاءات([77]).

ك ـ أنواع العقلانية النظرية ــــــ

يجب تقييم كلّ مدَّعى بميزانٍ «مناسب» له. وهذا في حدّ ذاته من مقتضيات العقلانية. وإن تقييم الادّعاءات التجريبية بالموازين والمعايير غير التجريبية مخالف للعقلانية، بمقدار مخالفة تقييم الادّعاءات غير التجريبية بموازين التجربة والمعايير التجريبية([78]). ومرادنا من التجربة هنا هو خصوص التجربة الحسِّية، وإلاّ فإن تقييم كلّ مدَّعى بالتجربة المناسبة هو عين العقلانية. وأساساً فإنّه لا طريق إلى تقييم الادّعاءات إلاّ من خلال التجربة، بالمعنى العامّ للكلمة، بمعنى أنه لا بُدَّ من تقييم الادّعاءات العرفانية بميزان التجربة العرفانية، والادّعاءات الفلسفية بميزان التجربة الفلسفية، والادّعاءات الدينية بميزان التجربة الدينية، والادّعاءات الأخلاقية بميزان التجربة الأخلاقية، والادّعاءات العلمية بميزان التجربة الحسِّية، وهكذا. وإنّ هذا الأمر يستنبط من تعريف العقلانية النظرية؛ لأن تناسب الدليل مع المدَّعى يعني أن الدليل المعتبر في خصوص مجال العلم هو الدليل العلمي، كما يعني أن البحث عن الدليل العلمي خارج مجال العلم ـ من قبيل: مجال الفلسفة والدين والعرفان وما إلى ذلك ـ مخالفٌ للعقلانية.

هناك آراء مختلفة بشأن كيفية توظيف التجربة في تقييم صحّة وسقم الادّعاءات، يتمّ بيانها في فلسفة العلم تحت عنوان «ربط نظرية المشاهدة». بَيْدَ أني أذهب إلى الاعتقاد بعدم وجود خصوصية للنظريات العلمية في هذا الشأن. كما لا خصوصية للتجارب الحسيّة.

وإنّ ذات الربط والنسبة القائمة بين النظريّة والمشاهدة في مجال العلم قائمة بين النظريات الفلسفية والعرفانية والدينية من جهة، وبين التجارب الفلسفية والعرفانية والدينية والأخلاقية من جهةٍ أخرى أيضاً.

وعليه فإن الفصل بين العلم والفلسفة على هذا الأساس ينطوي على شيءٍ من المسامحة. إن العقلانية في كلا الموردين تقتضي من النظريات أو القضايا العامة والقضايا الجزئية المستندة إلى التجربة ذات الصلة أن تكون منسجمة ومتناغمة مع بعضها، ومع النظريات الأصلية وذات الصلة. وإنّ هذا الانسجام والتناغم هو شرط التبرير والاعتبار المعرفي لكلَيْهما.

إن التجربة العلمية ـ بطبيعة الحال ـ هي غير التجربة الفلسفية، بَيْدَ أنه لا يوجد أيّ فرق بين العلم والفلسفة في أصل الرجوع إلى التجربة، وضرورة توظيفها في تبرير النظريات. إن التجربة الحسِّية تنتهي إلى الشهود (الإدراك المباشر وغير المباشر) الحسِّي، كما تنتهي التجربة الفلسفية إلى الشهود الفلسفي أو العقلاني، وتنتهي التجربة العرفانية إلى الشهود العرفاني، وتنتهي التجربة الدينية إلى شهودٍ ديني، وتنتهي التجربة الأخلاقية إلى شهودٍ أخلاقي. وعلى هذا الأساس فإن أسلوب العلم والفلسفة والعرفان والأخلاق ليس سوى أسلوبٍ واحد، وإن الفروع المعرفية المختلفة إنما تفترق عن بعضها في «نوع» التجربة، وليس في أصل الرجوع إلى التجربة. وإن الاستفادة من الاستدلال أمرٌ شائع في جميع فروع المعرفة، رغم أن اعتبار الاستدلال في كلّ فرع ـ بسبب وجود الحائل المنطقي بين مختلف فروع المعرفة ـ رهنٌ بوجود قضية أو عدد من القضايا التجربية أو الشهودية في خصوص ذلك الفرع الذي يمكن اكتشافه وتبريره من غير طريق الاستدلال.

وكما تقدّم أن ذكرنا فإن الاستدلال هو المصدر الثانوي للمعرفة والتبرير والعقلانية؛ إذ من دون التجربة والمقدّمات التجربية (غير الاستدلالية) لا يغدو الاستدلال ممكناً، وإن الاستدلال يعمل على مجرَّد نقل تبرير المقدّمات إلى النتائج.

وعلى هذا الأساس إذا عرَّفنا العقلانية النظرية بأنها تعني «التناسب بين الدليل والمدَّعى» أمكن لنا تعريف العقلانية العلمية بأنها «التناسب بين الدليل العلمي والادّعاء العلمي»، والعقلانية الفلسفية بأنها «التناسب بين الدليل الفلسفي والادّعاء الفلسفي»، والعقلانية الدينية بأنها «التناسب بين الدليل الديني والادّعاء الديني»، والعقلانية العرفانية بأنها «التناسب بين الدليل العرفاني والادّعاء العرفاني»، والعقلانية الرياضية بأنها «التناسب بين الدليل الرياضي والادّعاء الرياضي»، والعقلانية الأخلاقية بأنها «التناسب بين الدليل الأخلاقي والادّعاء الأخلاقي»، والعقلانية التاريخية بأنها «التناسب بين الدليل التاريخي والادّعاء التاريخي»؛ فإن جميع هذه الأمور أنواع خاصة للعقلانية النظرية، ولكلّ واحدةٍ منها توظيفٌ في مجالٍ معيَّن. إن اتّباع كلّ عقلانية في دائرتها الخاصّة هو ما يقتضيه تعريف العقلانية بـ «التناسب بين الدليل والمدَّعى»، وكلّ ما هو خارجٌ هذه الدائرة مخالف للعقلانية. وإن تناغم المتبنّيات ذات الصلة بكلّ مجال ـ بطبيعة الحال ـ مع المتبنّيات ذات الصلة بسائر المجالات الأخرى هو أحد مراتب العقلانية، إلاّ أن اختزال العقلانية النظرية في نوعٍ خاصّ من هذه العقلانية ـ من قبيل: العقلانية العلمية أو الفلسفية ـ، واعتبار المتبنّيات التي تقبل التقييم بموازين ومعايير ذلك النوع الخاصّ مخالفة للعقل، هو في حدِّ ذاته مخالفٌ للعقلانية.

إن العقلانية النظرية ليست رهناً بـ «الوجود»، وإنما هي رهنٌ بـ «العينية» و«الواقعية». بَيْدَ أن كلّ واقعيّة إنما يمكن اكتشافها وإثباتها أو تأييدها وإبطالها من خلال تجربةٍ خاصّة وأدلّة قائمة على تلك التجربة. ولذلك يمكن القول: إن الشيء المعقول من زاوية العقلانية النظرية هو وحده الذي تمكن تجربته بالمعنى العامّ للكلمة، أو الذي يكون افتراض وجوده ضرورياً بالمعنى العامّ للكلمة.

وعلى هذا الأساس فإن العقلانية العلمية تقول: إن الشي «المقبول» وحده هو الشيء الذي يكون: 1ـ قابلاً للتجربة «الحسيّة»؛ أو 2ـ الذي يكون افتراض وجوده لتبيين التجارب «الحسّية» ضروريّاً.

إلاّ أن نفس هذا الادّعاء غير قابل للتجربة الحسِّية، وافتراضه لتبيين التجارب الحسِّية ليس لازماً. وعلى هذا الأساس لا بُدَّ من إضافة قيد «من الناحية العلمية» أو «في دائرة العلم» إلى بداية هذا التعريف، والقول: من الناحية العلمية أو في مجال العلم إنما يكون الإيمان بشيء معقولاً إذا كان ذلك الشيء في حدّ ذاته: 1ـ قابلاً للتجربة «الحسيّة»؛ أو 2ـ الذي يكون افتراض وجوده لتبيين التجارب «الحسِّية» ضرورياً.

وهكذا يمكن تعريف الأنواع الأخرى من العقلانية النظرية على هذا المنوال، والقول على سبيل المثال:

إن العقلانية العرفانية تعني أنّه من الناحية العرفانية أو في دائرة العرفان إنما يكون الإيمان بشيء معقولاً إذا كان ذلك الشيء في حدّ ذاته: 1ـ قابلاً للتجربة العرفانية (المشاهدة العرفانية)؛ أو 2ـ الذي يكون افتراض وجوده لتبيين التجارب العرفانية ضرورياً.

والعقلانية الفلسفية تعني أنّه من الناحية الفلسفية أو في دائرة الفلسفة إنما يكون الإيمان بشيء معقولاً إذا كان ذلك الشيء في حدّ ذاته: 1ـ قابلاً للتجربة الفلسفية (المشاهدة الفلسفية)؛ أو 2ـ الذي يكون افتراض وجوده لتبيين التجارب الفلسفية ضرورياً.

والعقلانية الأخلاقية تعني أنّه من الناحية الأخلاقية أو في دائرة الأخلاق إنما يكون القول بوصف أو بحكم أخلاقي معقولاً إذا كان ذلك الوصف أو الحكم في حدّ ذاته: 1 ـ قابلاً للتجربة الأخلاقية (المشاهدة الأخلاقية)؛ أو 2 ـ الذي يكون افتراض وجوده لتبيين التجارب الأخلاقية ضرورياً.

والعقلانية الدينية تعني أنّه من الناحية الدينية أو في دائرة الدين إنما يكون الإيمان بشيء معقولاً إذا كان ذلك الشيء في حدّ ذاته: 1ـ قابلاً للتجربة الدينية؛ أو 2ـ الذي يكون افتراض وجوده لتبيين التجارب الدينية ضرورياً.

إن ضوابط ومعايير الأنواع الخاصة من العقلانية النظرية هي في الحقيقة ذات الضوابط والمعايير العامة في العقلانية النظرية التي تمّ تطبيقها على المجال الخاصّ، إلاّ أن فصل الأنواع الخاصة من العقلانية النظرية عن بعضها يتوقَّف على أن نعترف بوجود القيمة والاعتبار المعرفي لمختلف أنواع التجربة، بمعنى أن نقبل بالفرضيتين التاليتين:

1ـ إن التجربة «العرفانية» أو «الفلسفية أو «الدينية» أو «الأخلاقية» أو… هي غير التجربة الحسِّية.

2ـ إن هذه التجارب تعتبر من الناحية المعرفية ذات قيمة، ويمكن الاهتمام بها، والاعتماد عليها، بمعنى أنها تحظى بدرجةٍ عالية من القبول وإظهار الواقع.

ل ـ تعريف العقلانية العملية ــــــ

في ما يلي نبحث في العقلانية العملية. يتمّ تعريف العقلانية العمليّة عادةً بـ «التناسب بين الغاية والوسيلة». إلاّ أن هذا التعريف ليس دقيقاً؛ لأنّه لا يشمل إلاّ «العقلانية الآلية» التي هي مجرَّد نوع خاصّ من العقلانية العملية. وفي الحقيقة فإن «تناسب الغاية والوسيلة» إنما هو تعريف لـ «العقلانية الآلية»، وليس تعريفاً لـ «العقلانية العملية»، وإن الذين يعرِّفون العقلانية العملية بهذا التعريف إنّما يختزلونها في العقلانية الآلية، سواء علموا ذلك أو لم يعلموا.

إن الإنسان بما هو إنسانٌ إنما يتبع «الدليل» في مقام اتخاذ القرار، ولا يتبع «العلة». وإن الذي يشكِّل حوافزه ودوافعه هو الأدلّة، دون العلل. وهذا هو مكمن اختلاف الإنسان عن الحيوان في البُعْد العملي. فإن الحيوان في مقام الإرادة والعمل تابع للعلة، أما الإنسان فبمقدار ما هو عاقلٌ في هذين المقامين فإنّه يتبع الدليل، ولا يكون خاضعاً للعلّة.

إن الحيوانات لا تكون ـ في مقام الإرادة والعمل ـ تابعةً لأيّ قيمةٍ أو معيار، ولا تحتاج إلى تبريرٍ في ما تقوم به من التصرّفات أو تتّخذه من القرارات؛ لأن التبرير هو من نشاط العقل، ولإقناع العقلاء. إن سلوك الحيوانات وقرارها قابلٌ لـ «التبيين»، ولكنه غير قابل لـ «التبرير»؛ إذ يمكن القول: إن الحيوان فعل هذا الشيء أو ذاك أو يفعله بسبب هذه «العلّة»، ولكنْ لا يمكن القول: إن «دليله» للقيام بذلك الفعل هو هذا؛ لأنه… في حين أن الأمر في ما يتعلَّق بالإنسان ليس كذلك، حيث إنه يحتاج إلى تأييد العقل في مقام العمل واتّخاذ القرار، وهذا بدوره يتوقَّف على وجود دليلٍ مناسب يبرّر ذلك العمل أو ذلك القرار من الناحية العقلانية.

فإن مجرَّد الجوع ـ على سبيل المثال ـ يدفع الحيوان إلى البحث عن الطعام وأكله. أما بالنسبة إلى الإنسان العاقل فإن مجرَّد الجوع لا يشكِّل دليلاً مناسباً لذلك، فالإنسان يلتفت إلى كيفية وكمِّية الطعام، وإلى طريقة الحصول عليه، وما يترتَّب من التَّبِعات على أكله وعدم أكله، كما يلتفت إلى حُسْن وسوء أو صوابية وخطأ هذا الأمر، وكلّ ذلك يلعب دَوْراً في القرار الذي يتَّخذه من أجل تناول ذلك الطعام أو عدم تناوله. ومضافاً إلى ذلك قد تكون هناك أمور أخرى تمنع الإنسان من تناول الطعام في بعض الموارد الخاصّة، من قبيل: أن يؤثر الوالدان أولادهما على نفسَيْهما في أكل الطعام عندما تكون هناك ندرةٌ أو أزمة غذائية، أو أن يمتنع المريض عن أكل طعام يضرُّه، أو أن يقوم المسلم بالإمساك عن الطعام في شهر رمضان، أو أن يمتنع الناسك والزاهد عن لذيذ الطعام أو الأكل إلى حدود الامتلاء والتخمة.

وكلّ هذه الأمور تثبت أنه بين الجوع وأكل الطعام بالنسبة إلى الإنسان هناك توسُّط للقيم والمعايير التي تبرِّر الأكل (أو عدم الأكل)، وكيفيته وطريقته للفرد، ويستتبع ذلك تأييد العقل وتبريره (أخلاق الأكل والشرب).

وباختصارٍ: إن سلوك الحيوانات تابعٌ لأحاسيسها ومشاعرها، أما قرار الإنسان وسلوكه فهو تابعٌ لعقله. وإن اتّباعه لأحاسيسه ومشاعره وعواطفه مشروطٌ بتأييد العقل. وهكذا فإن الإنسان العاقل بالمقدار الكافي، والذي يشعر بالمسؤولية، يعمد في مقام اتّخاذ القرار والعمل إلى اتّباع الدليل «المناسب»، لا الدليل «غير المناسب»، وهذا هو فرقه عن الإنسان الذي لا يكون عاقلاً بالمقدار الكافي، أو الذي لا يتحلَّى بالمسؤولية([79]).

م ـ أنواع العقلانية العملية ــــــ

كما تقدَّم أن ذكرنا فإن العقلانية العملية ناظرة إلى «اتخاذ القرار» و«العمل»، وتبعاً لذلك فإن أنواع اتخاذ القرار تنقسم إلى نوعين: «العقلانية الآلية»([80])؛ و«العقلانية غير الآلية»([81])([82]).  كما أن اتخاذ القرار ينقسم بدوره إلى نوعين أيضاً، وهما:

1ـ انتخاب «الغاية».

2ـ انتخاب «الطريق» و«الوسيلة» المناسبة للوصول إلى ذلك «الهدف».

إن انتخاب الهدف رهنٌ بـ «مقارنة» و«تقييم» مختلف الأهداف، وإن انتخاب واختيار الطريق والوسيلة المناسبة رهنٌ بـ «مقارنة» و«تقييم» الطرق والوسائل المختلفة([83]). وعلى هذا الأساس فإن العقلانية العملية تنقسم إلى: «العقلانية الناظرة إلى الأهداف»([84])؛ و«العقلانية الناظرة إلى الوسائل».

يتوقَّف تقييم الغايات والوسائل على وجود «معيار» و«ضابط»، وتنقسم «المعايير» و«الضوابط» إلى: عقلانية؛ وغير عقلانية.

وتنقسم المعايير والضوابط العقلانية بدورها إلى: «أخلاقية» (إيثارية)([85])؛ و«اقتصادية» (أنانية)([86])؛ و«مصلحية».

وعلى هذا النسق تنقسم العقلانية العملية إلى: عقلانية «أخلاقية»؛ وعقلانية «اقتصادية» أيضاً.

وقبل مواصلة البحث لا بُدَّ من توضيح هذه النقطة، وهي أن «العقلانية الأخلاقية» يمكن استعمالها بوصفها تسمية لنوع خاص من العقلانية النظرية، كما يمكن استعمالها بوصفها تسمية لنوع خاص من العقلانية العملية.

وفي الحالة الأولى تكون العقلانية الأخلاقية عبارةً عن تناسب الدليل الأخلاقي مع المدَّعى الأخلاقي.

وأما في الحالة الثانية فالعقلانية الأخلاقية عبارةٌ عن تناغم أو عدم مخالفة ما يمثِّل موضوع التقييم الأخلاقي مع المعايير الأخلاقية.

إن العقلانية الأخلاقية النظرية تسمية أخرى لمعرفة الأخلاق، وأما العقلانية الأخلاقية العملية فهي تسميةٌ أخرى لـ «الأخلاق المعيارية»([87]). وأمّا مرادنا من العقلانية الأخلاقية في هذا القسم فهو نوعٌ خاصّ من العقلانية العملية.

1ـ العقلانية الأخلاقية ــــــ

إن العقلانية الأخلاقية الناظرة إلى الهدف والغاية عبارةٌ عن تقييم الأهداف المتنوّعة، واختيار أفضلها من «الزاوية الأخلاقية»، وعلى أساس «المعايير» الأخلاقية. وإن فرضيّة هذا النوع من العقلانية هي:

ـ تنقسم الغايات من «الزاوية الأخلاقية» إلى: «حسنة»؛ و«قبيحة».

إن العقلانية الأخلاقية الناظرة إلى الوسيلة عبارةٌ عن تقييم الوسائل المتنوّعة، واختيار أفضلها وأصوبها من «الزاوية الأخلاقية»، وعلى هذا الأساس «المعايير» الأخلاقية. إن هذا النوع من العقلانية يمثِّل الفرضيتين الهامّتين:

1ـ تنقسم الوسائل من «الناحية الأخلاقية» إلى: «حسنة»؛ و«قبيحة»، و«صائبة»؛ و«خاطئة».

2ـ «الغاية لا تبرِّر الوسيلة».

لو كانت الغاية تبرّر الوسيلة لكان مجرّد حُسْن أو معقولية الغاية كافياً لإثبات حُسْن أو معقولية الوسيلة. وأما إذا كانت الغاية لا تبرِّر الوسيلة سنضطّر ـ مضافاً إلى تقييم الأهداف والغايات ـ إلى تقييم الوسائل المؤدِّية والموصلة إلى تلك الغايات.

وعلى هذا الأساس إذا كانت طرق الوصول إلى الغاية الحسنة متعدِّدة علينا أن لا نختار سلوك الطرق القبيحة والخاطئة؛ للوصول إلى تلك الغاية الحسنة. ولو انحصر طريق الوصول إلى الغاية الحسنة بطريقٍ قبيح وخاطئ فإن قبح وخطأ ذلك الطريق سيسري إلى الغاية، ويطغى على حُسْنها. وفي هذا المورد سوف نواجه نوعاً خاصّاً من التعارض الأخلاقي.

2ـ العقلانية الاقتصادية أو العقلانية المصلحية ــــــ

كما تنقسم «العقلانية الاقتصادية» بدورها إلى نوعين: العقلانية الناظرة إلى الغاية؛ والعقلانية الناظرة إلى الوسيلة.

والعقلانية الاقتصادية الناظرة إلى الغاية عبارةٌ عن تقييم الغايات المتنوّعة، واختيار أفضلها من «الناحية الاقتصادية»، وعلى أساس الربح والخسارة.

وفرضية هذا النوع من العقلانية عبارةٌ عن:

1ـ إن الغايات «من الناحية الاقتصادية» تنقسم إلى: «حسنة»؛ و«قبيحة».

2ـ إن العقلانية الاقتصادية الناظرة إلى الوسيلة عبارةٌ عن تقييم الوسائل المتنوّعة، واختيار أفضلها وأصوبها من «الناحية الاقتصادية»، وعلى أساس الربح والخسارة الشخصية. ولهذا النوع من العقلانية فرضيتان هامّتان أيضاً، وهما:

1 ـ تنقسم الوسائل من «الناحية الاقتصادية» إلى: «حسنة»؛ و«قبيحة»، و«صائبة»؛ و«خاطئة».

2 ـ «الغاية لا تبرِّر الوسيلة».

وعلى هذا الأساس إذا كانت طرق الوصول إلى الغاية الحسنة متعدِّدة علينا أن لا نختار الطرق القبيحة أو الخاطئة. ولو انحصر طريق الوصول إلى الغاية الحسنة بطريقٍ واحد قبيح أو خاطئ فإنّ قُبْح وخطأ ذلك الطريق سينعكس على الغاية، ويطغى على حُسْنها([88]).

3ـ العقلانية الآلية ــــــ

في ما يتعلَّق بالعقلانية الآلية لا بُدَّ من التذكير بعدّة أمور:

الأوّل: قيمة وأهمِّية العقلانية الآلية ــــــ

إن العقلانية الآلية ـ على أيّ حال ـ نوعٌ من العقلانية، وهي، مثل سائر أنواع العقلانية، من مقوِّمات الهوية الإنسانية، ومن لوازم ومظاهر الكرامة الإنسانية، وتعتبر من موقعها فصلاً مميِّزاً للإنسان.

وعلى هذا الأساس تكون الاستهانة بالعقل والعقلانية الآلية بمعنى من المعاني استهانةً بالإنسان. وإن المذموم والجدير بالشَّجْب ليس هو العقل والعقلانية الآلية، وإنما المذموم هو:

1ـ اختزال العقل والعقلانية العملية في العقل والعقلانية الآلية.

2ـ اللجوء إلى العقل والعقلانية الآليّة في خارج الأطر المناسبة لها.

وبعبارةٍ أخرى: إن القبيح والمذموم هو الرؤية الآلية البحتة إلى جميع الأمور، ومن بينها المتعلّقة بأفراد الإنسانية الآخرين، والسعي إلى الاستفادة الآلية من الأمور التي تعدّ في حدّ ذاتها هَدَفاً، ويكون لها قيمة ذاتية، وليس قيمة آلية. أما الرؤية للأمور التي هي ليست بآلةٍ فهي ليست حصيلة ومقتضى العقلانية الآلية. هناك الكثير من الأمور التي تحظى بقيمة ذاتية، ولا يمكن توظيفها بوصفها أداةً للوصول إلى أهداف أخرى. إن النظر الآلي إلى الأمر الذي لا يكون آلةً في واقعه لا يُعَدُّ قبيحاً من الناحية الأخلاقية، إنما القبيح هو النظر نظرة آلية إلى الأمور التي هي «غاية» في واقعها، وليست وسيلة.

أما العقل والعقلانية الآلية فلا تحدِّد موضوعها، وحدود دائرتها، ولا تقول للإنسان أيّ شيء هو الغاية، وأيّ شيء هو الوسيلة. إن تعيين الأشياء التي يمكنها أن تكون وسائل، والأشياء التي يمكنها أن تكون غايات، هي من افتراضات العقلانية الآلية، وليس موضوعها.

إن التوظيف الآلي للموارد التي لا ينبغي الاستفادة منها استفادة آلية إنما ينبثق عن إنكار العقل والعقلانية الأخلاقية وغير الآلية، وهذا في حدِّ ذاته نوعٌ من التوظيف الآلي للعقل والعقلانية الآلية. إن مقولة «الغاية لا تبرِّر الوسيلة» لا تعني مجرَّد أن «الغاية الحَسَنة لا تبرِّر توظيف الوسيلة القبيحة» فقط، وإنما تعني كذلك «ليس كلّ شيء وسيلة». وعليه فإن التوظيف الصحيح والصائب للعقل والعقلانية الآلية رهن بإحراز الشروط الثلاثة التالية:

1ـ أن يكون الشيء الذي يُراد توظيفه بوصفه وسيلة وآلة قابلاً لكي يكون وسيلةً وأداة من الناحية الأخلاقية، وتكون له منزلة وشأنية آلية.

2ـ أن يكون الشيء الذي يُراد توظيفه ليكون وسيلة وآلة وسيلة وأداة صالحة وحَسَنة من الناحية الأخلاقية.

3ـ أن لا تكون قيمة الشيء الذي يُراد توظيفه بوصفه وسيلة وأداة أكبر من قيمة الغاية التي يُراد تحقيقها من خلال هذه الوسيلة.

وعلى هذا الأساس فإننا من الناحية الأخلاقية لا يحقّ لنا توظيف «الغايات» بوصفها «وسائل»، ولا يحقّ لنا أن نعمل على توظيف الوسائل السيِّئة والقبيحة([89])، ولا يحقّ لنا أن نستفيد من الأشياء التي تصنَّف ضمن الوسائل للوصول إلى غاياتٍ هي أدنى قيمة من هذه الوسائل نفسها.

إن المنزلة الأخلاقية لبعض الأمور تمنعنا من توظيفها توظيفاً آلياً؛ فإنما يحقّ لنا الاستفادة الآلية من الأمور إذا كان ذلك منسجماً مع منزلتها الأخلاقية.

وعلى هذا الأساس لا ينبغي تحميل وزر النظرة الآلية للأهداف والغايات وتوظيفها توظيفاً آلياً على العقل والعقلانية الآلية([90]).

كما لا ينبغي لسوء استغلال الآخرين للعقل والعقلانية الآلية أن يحملنا على إنكار قيم هذا النوع من العقل والعقلانية، أو التقليل من شأنها والاستهانة بها.

إن العقلانية الآلية ـ كما هو واضحٌ من تعريفها ـ تبدي وجهة نظرها بشأن «التناسب» بين الغاية والوسيلة، وليس بشأن «ذات» الغاية والوسيلة، وليس بشأن ما يمكنه أن يكون غايةً، وما يمكنه أن يكون وسيلة. وبعبارةٍ أخرى: إن معايير العقلانية الآلية مشروطة أبداً، وإن مضمونها على النحو الآتي: لو كان (أ) غاية، وكان (ب) واحداً من الطرق والوسائل الموصلة إلى ذلك الهدف، فإن (ب) سيكون حَسَناً فيما إذا:

1ـ كان الوسيلة الأفضل للوصول إلى (أ).

2ـ أن لا تكون قبيحةً في حدِّ نفسها.

3ـ أن لا تكون قيمة (ب) أكبر من قيمة (أ).

إن هذه العقلانية لا تساعدنا على تحديد وتعين (أ) و(ب).

من هنا فإن الغائية والآلية أمر «نسبي»، وليس «مطلقاً»، بمعنى أن الوسائل تتوفَّر على درجات متفاوتة من القيم، ولذلك فإن توظيف الوسيلة التي تتمتَّع بالدرجة العليا من القيمة؛ لتحصيل أمرٍ يتمتَّع بدرجةٍ أدنى من القيمة، ليس سائغاً من الناحية الأخلاقية.

إن الدين ـ على سبيل المثال ـ وسيلة. وإن الاستفادة من هذه الوسيلة من أجل «التخلُّق بالأخلاق الحسنة والفاضلة» و«إعمار الآخرة» و«التقرُّب من الله» يُعَدُّ أمراً حَسَناً. وأما توظيف الدين من أجل الوصول إلى السلطة أو الثروة (الارتزاق من خلال الدين) فهو قبيحٌ من الناحية الأخلاقية؛ لأن قيمة الدين أكبر من قيمة الثراء والسلطة، ولذلك لا يحقّ لنا من الناحية الأخلاقية أن نستفيد من الدين بوصفه وسيلةً للوصول إلى السلطة أو الثروة، أو البقاء في السلطة والمحافظة على الثروة. بل الأمر على العكس من ذلك تماماً؛ إذ علينا توظيف السلطة والثروة بوصفها وسيلةً للحفاظ على الدين، والعمل بتعاليمه.

وهذا يعني أن الوسائل المتنوِّعة التي نمتلكها ليست على درجةٍ واحدة من القيم، بل إن منها من حيث القيمة ما يكون هَدَفاً لما هو دونها. وعلى هذا الأساس عندما يتمّ الحكم على «التوظيف الآلي للدين» بوصفه عملاً خاطئاً من الناحية الأخلاقية فإنّ المراد من ذلك توظيف الدين بوصفه وسيلة للوصول إلى الغايات التي هي أدنى قيمةً من الدين، من قبيل: السلطة والثروة والمنصب والمكانة والمنزلة الدنيوية. أما توظيف الدين للوصول إلى الأهداف المعنوية السامية والمتعالية فهو في الحقيقة توظيف مناسب ومطلوب من هذه الوسيلة، وأساساً فإن هذه هي الفائدة المنشودة من الدين.

الثاني: الوسائل قد تكون صانعةً للغايات ــــــ

إن الوسائل تترك تأثيرها على شخصية الفرد وذهنه وطريقة تفكيره وحياته وحالته الروحية والنفسية، بمعنى أن على المرء أن يحدث تغييرات مناسبة في هذه الأمور؛ كيما يمكنه توظيف وسيلةٍ ما بالشكل المناسب. إن الوسائل ليست طوع إرادتنا تماماً، بل إنها تحمل على عاتقها ثقافة خاصة، وإن توظيفها قد يُسقط تلك الثقافات علينا. إن الوسائل تصنع الغايات أحياناً، وقد تتحوَّل بنفسها إلى غايات([91]). وعلى هذا الأساس فإن فصل الغايات ـ بمعنى من المعاني ـ عن الوسائل ليس مطلقاً، ولا يمكن رسم حدٍّ فاصل حازم وقطعي بين هذين المفهومين. ففي ذات الوقت يمكن لـ «اختيار» الغاية و«اختيار» الوسيلة أن يكون من الأفعال الإرادية والاختيارية، ولذلك فإنّ كلاًّ من هذين الاختيارين يكون عرضةً للنقد والتقييم الأخلاقي والعقلاني.

الثالث: نسبية الوسائل ــــــ

إن الوسيلة التي توصلنا إلى غايةٍ خاصّة في ظلّ ظروف وعالم خاصّ قد تبعدنا عن تلك الغاية في ظلّ ظروف وعالم آخر. ولذلك فإن بعض أحكام الدين قد تكون نسبية، وتاريخية، وتابعة للمتغيِّرات الزمانية والمكانية؛ لأن «أحكام الدين» ما هي إلاّ وسائل للوصول إلى «أهداف الدين»، وإن إطلاق الأهداف الدينية لا يستلزم إطلاق الأحكام الدينية أبداً.

فعلى سبيل المثال: يمكن لحكم في المجتمع القبلي والقروي والزراعي أن يكون عادلاً، ولكنّه يعتبر جائراً بالنسبة إلى المجتمع المدني والصناعي. ولذلك إنما يمكن تعميم ذلك الحكم على المجتمعات القبلية والزراعية والقروية فقط، وليس على جميع المجتمعات.

وعليه فإن القول بنسبية الوسائل هو عين العقلانية؛ لأن القول بإطلاق الأمور النسبية خطأٌ وقبيح وغير مبرَّر وغير مشروع، بمقدار خطأ وقُبْح القول بنسبية الأمور المطلقة.

ومن ناحيةٍ أخرى فإن تقديس الوسائل، وإضفاء الأصالة عليها، مخالفٌ للعقلانية، بمقدار المخالفة العقلانية للرؤية الآليّة للغايات.

إن العقلانية تقتضي أن ينظر الفرد إلى الغايات بوصفها غاية، وإلى الوسائل بوصفها وسيلة، وإلى الوسائل النسبية بوصفها نسبية، وإلى الوسائل المطلقة بوصفها مطلقة. وعليه فإن تحويل أو تحوّل الوسائل إلى غاياتٍ يعكس نقص أو ضعف العقلانية.

فعلى سبيل المثال: إن نظام الحكم من وجهة نظر العقل العرفي وعرف العقلاء «وسيلة» لتحقيق العدالة، وإن المقدَّس والذي له قيمة هو «العدالة»، دون «الحكم»، وعليه فإن الحكم بوجوب المحافظة على الحكم مهما كان الثمن، والقول بأن المحافظة على الحكم من أوجب الواجبات، مخالفٌ للعقل والعقلانية؛ لأن هذا الحكم والادّعاء قائمٌ على تحويل الوسيلة إلى غاية([92]).

ـ يتبع ـ

الهوامش

(*) أحد الباحثين البارزين في مجال الدين وفلسفة الأخلاق، ومن المساهمين في إطلاق عجلة علم الكلام الجديد وفلسفة الدين.

([1]) سبق أن نشرنا خلاصة أبحاث هذا الفصل في مجلة (مدرسة)، انظر: فنائي، مباني اجتهاد: تأثير معرفت بشري در معرفت ديني، مجلّة نقد ونظر، العدد 3 ـ 4: 284 ـ 293.

([2]) غرر الحكم ودرر الكلم: 50، الحكمة رقم: 315.

([3]) rationality.

([4]) non – rational.

([5]) rational.

([6]) irrational.

([7]) إن افتراض وجود المعايير والقواعد العقلانية النموذجية يشكِّل مجرد ضرورة للبدء في التحقيق والحكم في باب العقلانية. إلاّ أن هذا الأمر لا يعني ثبات وخلود هذه المعايير والقواعد النموذجية، بمعنى أن هذه المعايير قد تتغيَّر في أثناء التحقيق، وتترك مكانها لصالح المعايير النموذجية الجديدة، أو تكتسب تفسيراً وتنسيقاً جديداً. وإن هذه الخصوصية ـ كما سنرى ـ تمثِّل أهمّ خصائص العقلانية الانتقادية.

([8]) the fideist.

([9]) وبطبيعة الحال فإن أموراً من قبيل: الطعم واللون وأمثالهما من الأمور الأنفسية (subjective)، في حين أن المدَّعيات الإيمانية هي من الأمور الآفاقية (objective). إلا أن هذا الاختلاف لا ينفي قابلية المدَّعيات الإيمانية باعتبارها ما فوق عقلانية.

([10]) context.

([11]) الكافي 1: 11. في المثال المذكور في النصّ لا يعود اختلاف حكم العقل في ما يتعلَّق بهذين الشخصين إلى اختلاف خصائصهم الفردية أو الخصائص «العقلية غير ذات الصلة» بينهما، وإنما تعود إلى اختلافهما في امتلاك وعدم امتلاك خصائص يكون حكم العقل رهناً بها، ومع تغييرها يتغير الحكم. وإنّ تغيُّر الحكم تَبَعاً لتغيُّر الموضوع (contextualism) غير تغيُّره تبعاً لتغيُّر الأفراد أو الثقافات (relativism).

([12]) universalisability.

([13]) مع الشكر الجزيل للأستاذ مصطفى مَلَكْيان على بيان هذا السؤال الهامّ والجوهري.

([14]) substantive rationality.

([15]) procedural rationality.

([16]) agent.

([17]) يبدو أنه يجب التفريق بين العقلانية الناظرة إلى الأسلوب والعقلانية الآلية، وإنْ كان يبدو من تعريف بعض الفلاسفة أنهم يستعملون هذين التعبيرين للإشارة إلى نوعٍ واحد من العقلانية. وللتفريق بين تعريف وفصل العقلانية الناظرة إلى الأسلوب والعقلانية الناظرة إلى النتيجة انظر:

– Hooker, B. & Streumer, B. (2004) “Procedural and Substantive Practical Rationality”, in Alfred R. Mele, & Piers Rawling (eds.) The Oxford Handbook of Rationality, (Oxford: Oxford University Press), pp. 57 – 74.

– Striling, W. C. (2003) Satisficing Games and Decision Making (Cambridge: Cambridge University Press). pp. 1 – 9.

وعلى أيّ حال فإن الإيضاحات الواردة في نصّ الكتاب تقوم على فرضيّة التفريق بين هذين النوعين من العقلانية، وعدم اعتبارهما شيئاً واحداً.

([18]) اقتبسنا هذا المثال من هذا المصدر:

– Hare, M. R. (1960) The Language of Morals, (New York: Oxford University Press).

([19]) تحدّثنا حول هذا المورد في الفصل الثامن من كتابنا «أخلاق تفكُّر أخلاقي» (أخلاق التفكير الأخلاقي) بالتفصيل.

([20]) إن «الصدق» في هذا المقام يعني امتلاك الدافع إلى الحقيقة والرغبة في البحث عن الحقيقة، و«الجدّية» تعني السعي في حدود الإمكان والقدرة. ولا بُدَّ من إضافة أن هذا لا يعني عدم مسؤوليتنا في إبداء الحساسية تجاه صدق وكذب متبنّياتنا، ولا يعني عدم ضرورة الاهتمام بالنتائج والتبعات المترتّبة على قراراتنا. إن القول بمعتقدٍ أو قرار إنما يكون عقلانياً إذا كان لدى الفرد تبرير مقبول ومقنع، وإن هذا التبرير في الحقيقة ليس سوى الدليل الذي يثبت أن احتمال صدق القضية المنشودة أكبر من احتمال كذبها، وأن ذلك القرار المتَّخذ لا يؤدّي إلى نتائج غير مطلوبة، وغير مقبولة، على المستوى الأخلاقي.

([21]) يجب أن لا يفهم هذا الكلام بأننا غير معنيين بالنظر إلى نتائج العمل في مقام تحديد التكليف واتخاذ القرار. إنما هذا الكلام يعني أن الفرد إذا بذل جهده وسعيه بشكلٍ جادّ وصادق، وسلك طريقاً موثوقاً لتحديد التكليف ـ وإن الطريق الموثوق يشمل دراسة وتقييم نتائج العمل أيضاً؛ لأن نتائج العمل واحدة من العناصر المؤثِّرة في حُسْن وسوء أو صوابية وعدم صوابية وضرورة وعدم ضرورية ذلك الطريق ـ، واتّخذ قراره على هذا الأساس، وعمل على طبق هذا القرار، وأدّى سلوكه بعد ذلك إلى نتائج غير مطلوبة أو غير سعيدة وغير حميدة أو غير متوقَّعة، لن يكون ملوماً أو مسؤولاً عن تلك النتائج. إلاّ أن تجاهل النتائج المتوقَّعة أثناء اتخاذ القرار مخالف للعقلانية، بل يُعَدُّ نوعاً من الحماقة والبلاهة، وقد تبلغ حدَّ الجنون أحياناً. ولا يمكن تبرير ذلك بحجّة العمل بالتكليف، بمعنى أن الأفراد مسؤولون عن نتائج أعمالهم المحتملة والمتوقَّعة، ويمكن مؤاخذتهم عليها. إن بعض المسؤولين في الدولة لا يلتفتون إلى نتائج القرارات التي يتَّخذونها، فإنْ أدَّتْ قراراتهم إلى نتائج إيجابية وحميدة وضعوها في ميزان حكمتهم وتدبيرهم وذكائهم، وإنْ أدَّتْ إلى نتائج خاطئة وسيِّئة وضعوها على شمّاعة الأعداء أو القضاء الإلهي، وقالوا: إننا مأمورون بأداء التكليف، دون تحقيق النتائج. في حين أن ملاحظة النتائج والعواقب في الأمور التي يمكن توقُّعها أثناء اتّخاذ القرار هي من بين التكاليف أيضاً.

([22]) تترتَّب على هذه الرؤية نتائج وثمار نظرية وعملية عامة. من باب المثال: إن القول بهذه الرؤية يجعل الحكم بإعدام المرتدّ أمراً مرفوضاً وغير معقول بالمرّة.

([23]) كما أن الحكم بشأن العقلانية تابعٌ لملاكات ومعايير أخرى أيضاً. وإن بذل الجهد بمقدار الوسع إنما يلزم في مساحاتٍ خاصة، وبشأن موضوعات خاصة. فلا ضرورة لهذه الجهود في ما يتعلَّق بالحياة اليومية والموضوعات الروتينية والمستهلكة. فلو أراد الفرد منح شخص يظهر الفقر ديناراً واحداً لا ضرورة إلى أن يقوم بالفحص والتحقيق للتعرُّف على ما إذا كان فقيراً حقّاً أم لا، وأما إذا أراد أن يتصدَّق عليه بمليون دينار فلا بُدَّ من القيام بمثل هذا الفحص والتحقيق.

([24]) انظر في هذا الشأن: (آل عمران: 151؛ الأعراف: 33؛ الحجّ: 71؛ الروم: 35). ورد في هذه الآيات قيد ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ أو ما يشبه ذلك، وفي مورد واحد أضاف إلى هذا القيد قيداً آخر، وهو ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، في ما يتعلَّق بموضوع بحثنا، وهو الشِّرْك. وعليه فإن مجرّد الكفر والشِّرْك لا يجرِّد الإنسان عن هويته الإنسانية، كما أن مجرَّد الإيمان لا يشكِّل دليلاً على إنسانية الإنسان. إن الكفار والمشركين، الذين هم ـ من وجهة نظر القرآن ـ أضلّ من الأنعام، هم الذين يستند كفرهم إلى الرذائل العقلانية، ولم يبذلوا مجهوداً في الوصول إلى الحقيقة، دون الذين بذلوا الجهود بصدقٍ، وعلى نحوٍ جادّ، ولكنْ حالَتْ الظروف دون وصولهم إلى الحقيقة. قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت: 8)، وقال أيضاً: ﴿هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (الكهف: 15).

([25]) بحار الأنوار 67: 248.

([26]) طبقاً لروايات خاصّة عن الواقعية الأخلاقية فإن الحقوق الأخلاقية والواجبات والمحظورات المترتِّبة على هذه الحقوق وغيرها تمثِّل جزءاً من سدى ولحمة العالم العيني، الواقع خارج ذهن الإنسان. من هنا فإن التفكير الناظر إلى تشخيص الحقّ والتكليف مصداق للتفكير الناظر إلى كشف الحقيقة. بَيْدَ أننا؛ كي نحافظ على حيادنا تجاه مختلف قراءات الواقعية الأخلاقية، من الضروري أن نفصل بين هذين القسمين من التفكير. وقد تقدَّم أن بحثنا أنواع الواقعية الأخلاقية في الفصل الأول من كتابنا: «أخلاق تفكُّر أخلاقي» (أخلاق التفكير الأخلاقي) بالتفصيل.

([27]) لو اعتبرنا الحقّ والتكليف بنحوٍ من الأنحاء ناشئاً عن حكم العقل ففي هذه الصورة يجب القول: إن شأن العقل العملي (إصدار) الحكم، وشأن العقل النظري المعرفة بنحوٍ مطلق، الشاملة لأحكام وأوامر وضرورات ومحظورات العقل العملي أيضاً.

([28]) أخذت هذا التعريف عن الدكتور سروش. (انظر في هذا الشأن: نصّ محاضرة له في موضوع المجتمع المدني والمجتمع الأخلاقي).

([29]) ويستفاد هذا التعريف من مضمون رواية في أصول الكافي تقول: يا هشام، إن لله على الناس حجتين: حجّة ظاهرة؛ وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء؛ وأما الباطنة فالعقل. (الكافي 1: 15).

وعن الإمام عليّ× أنه قال: العلم علمان: مطبوع؛ ومسموع. ولا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع. (نهج البلاغة، قصار الحكم، الحكمة رقم: 338).

([30]) لقد أخذت هذه الرؤية إلى الهوية الإنسانية من (كريستين كرسغارد)، أحد أبرز مفسِّري فلسفة أخلاق (كانْت). انظر في هذا الشأن كتابه القيِّم:

– Korsgaard, C. M. (1996) “Skepticism about Practical Reason”, Journal of philosophy 83, 5 – 25.

([31]) إن الهوية الإنسانية هي ذلك الشيء الذي يتمّ التعبير عنه في النصوص الدينية بالفطرة أو الخلق الخاصّ للإنسان، والذي استحقّ على أساسه الكثير من التبجيل والتكريم.

([32]) animal knowledge.

([33]) reflective knowledge.

([34]) إن الفصل بين العلم الحيواني والعلم القائم على التأمُّل والتعمُّق في المعلومات من جملة أفكار العالم المعرفي المعاصر أرنست سوزا (Ernest Sosa). انظر في هذا الشأن:

– Sosa, E. (1991) Knowledge in Perspective: Selected Essays in Epistemology, (Cambridge: Cambridge University Press).

– Sosa, E. (1997) “Reflective Knowledge in the Best Circles”, The Journal of Philosophy, 96, pp. 410 – 30.

يشترك الإنسان والحيوان في امتلاك العلم من النوع الأول. أما العلم من النوع الثاني فهو في متناول الكائنات التي تتمتَّع بالقدرة على التأمُّل والتعمُّق الفكري العقلاني حصراً. وإن علم النوع الثاني في الحقيقة مقرونٌ بـ (العلم بالعلم).

([35]) إن المعتقدات المباشرة أو الأساسية المستندة إلى المشاهدة الحسِّية أو العقلية أو العرفانية أو الأخلاقية وما إلى ذلك مبرَّرة من تلقاء نفسها، وفي بادئ النظر، بمعنى أن المشاهدة مورد البحث تبرِّر الاعتقاد المستند إليها، إلاّ إذا قام دليلٌ أقوى منها على خلاف ذلك الاعتقاد، أو قام دليلٌ معتبر على خطأ تلك المشاهدة وتأثُّرها بأمور تمنع من حصول المعرفة. إننا في ما يتعلَّق بالإيمان والاعتقاد بهذه الأمور لا نحتاج إلى دليلٍ مستقلّ. إلاّ أنّنا حتّى في مثل هذه الموارد نستطيع تصوُّر إشراف العقل العامّ على مسار الإيمان، رغم إمكان القول بكفاية سكوت العقل في اكتشاف موافقته على الإيمان بالمعتقد مورد البحث ومعقوليته.

([36]) إن تمخُّض المعايير والإلزامات المعرفية والأخلاقية من رحم الهويّة الإنسانية ليست مصداقاً لمغالطة (الكَوْن) و(الوجوب)، وخلط (الحقيقة) و(الاعتبار)؛ لأن علاقة الهوية الإنسانية بهذه المعايير والإلزامات تكتشف من طريق التأمُّل والتعمُّق الفكري والشهود، لا من طريق الاستدلال القياسي.

([37]) إن الشواهد المؤيِّدة لهذا الادّعاء في النصوص الدينية كثيرة. قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (النجم: 39).

([38]) قال الله في القرآن: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل: 14).

([39]) إن المراد من الوضوح هنا ليس هو البداهة، وإنما المراد هو الأعمّ منها، فإن صدق المعتقد يثبت في الحدّ الأدنى من طريقين مختلفين، وهما: البداهة؛ والاستدلال.

([40]) هناك نوعٌ من الإجحاف في توظيف معنى الكفر. إن إدراك الحقيقة والكشف عنها نوع نعمة تستحقّ الشكر، وشكر هذه النعمة يترجم من خلال اعتناق الفرد لتلك الحقيقة، والاعتراف بصحّتها. وعلى هذا الأساس فإن الكافر وغير الشاكر هو الذي ينكر الحقيقة الواضحة والمعلومة، وأما الذي يكون من الناحية النفسية والروحية مستجيباً للحقيقة إذا قام عليها الدليل لا يمكن أن يكون كافراً وجاحداً، حتّى إذا لم يعتنق العقيدة الواضحة لنا، إذا لم تكن واضحةً بالنسبة له.

([41]) reflective endorsement.

([42]) deliberation.

([43]) reflection.

([44]) وهذا هو السرّ في تأكيد النصوص الدينية على أهمِّية العقل وقيمته. انظر في هذا الشأن كتابنا: «دين در ترازوي أخلاق» (الدين في ميزان الأخلاق)، الفصل الخامس، الفقرة رقم: (5 / 12).

([45]) epistemology.

([46]) ethics or moral philosophy.

([47]) critical thinking.

([48]) theoretical.

([49]) practical.

([50]) instrumental.

([51]) non-instrumental.

([52]) moral.

([53]) economic.

([54]) يقول العرفاء: «الطرق إلى الله بعدد أنفس [أنفاس] الخلائق». وهذا هو المضمون الأصلي لقصّة موسى والراعي الواردة في ديوان المثنوي، للمولوي جلال الدين الرومي. وانظر الشرح والتفسير الجميل العلمي للدكتور عبد الكريم سروش لهذه القصة في:

ـ سروش، «قصة موسى وشبان ورازهاي نهان، قمار عاشقانه»: 167 ـ 209، انتشارات صراط، طهران.

([55]) يقول الله سبحانه في القرآن الكريم: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286). وإن هذا الوسع مطلق يشمل حتّى الوسع العقلي أيضاً. وقد رُوي عن النبي الأكرم‘ أنه قال: «إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ» (الكافي 1: 23). كما قيل بشأن سلمان وأبي ذرّ: «وَاللهِ، لَوْ عَلِمَ أَبُو ذَرٍّ مَا فِي قَلْبِ سَلْمَانَ لَقَتَلَهُ» (الكافي 1: 401).

([56]) justification.

([57]) argument.

([58]) inferential.

([59]) non-inferential.

([60]) هناك جماعة من الفلاسفة ترى أن النـزعة الاستدلالية (evidentialism) من مقتضيات العقلانية. طبقاً لهذه الرؤية لا يمكن للمشاهدة والتجربة وأمور أخرى غير اليقين أن تكون دليلاً لصالح قضيةٍ ما. من هنا فإن القضايا الرئيسة؛ حيث لا يوجد لصالحها دليل بالمعنى الأخصّ للكلمة، لا تكون مبرَّرة.

وإن أحد الإشكالات التي ترد على هذه الرؤية هي أنها تنقض نفسها بنفسها؛ إذ ليس هناك من دليل ـ بالمعنى الأخصّ للكلمة ـ لصالحها. إن مرادنا من الدليل في نصّ الكتاب هو المعنى الأعمّ للكلمة، الشامل للتجربة والمشاهدة وأمور من هذا القبيل.

وبالالتفات إلى ما تقدَّم من التوضيحات يمكن الفصل بين قراءتين لـ «النـزعة الاستدلالية»:

1ـ القراءة الأولى عبارةٌ عن الرؤية التي تحصر «الدليل» (evidence) المبرّر لرأي (belief) في «رأي» آخر.

2ـ القراءة الثانية عبارة عن الرؤية التي تقول بأن الدليل أعمّ من الرأي. إن النـزعة الاستدلالية في النوع الأول أعمّ من النـزعة الاستدلالية في النوع الثاني. وعلى هذا الأساس لا إلغاء الأول يستلزم إلغاء الثاني، ولا القول بالثاني يستلزم القول بالأول. ولمزيد من التوضيح في هذا الشأن انظر:

– Wood, A. (2008) “The duty to believe according to the evidence”, in Eugene Thomas Long & Patrick Horn (eds.) Ethics of Belief: Essays in Tribute to D. Z. Phillips, (Springer: Netherlands) , pp. 7 – 24.

وخلاصة القول: إننا من أجل القول بالمتبنيات الأصلية الحسية والشهودية لا نحتاج إلى دليلٍ مستقلّ (الدليل بالمعنى الأخصّ للكلمة)، بمعنى أن المتبنيات المستندة إلى الحسّ والمشاهدة العقلانية مبرّرة في بادئ النظر. وعلى أيّ حال لو كان لدينا في مورد خاصّ دليل أقوى يثبت أن حسّنا أو مشاهدتنا في ذلك المورد قد جانب الصواب فعلينا حينها أن نرفع اليد عن ذلك المتبنّى الحسِّي أو الشهودي.

([61]) ذكرنا الشرح التفصيلي لأنواع التبرير في الفصل الثاني من كتابنا «أخلاق تفكُّر أخلاقي» (منهج التفكير الأخلاقي).

([62]) negative justification.

([63]) permissive justification.

([64]) positive justification.

([65]) supportive justification.

([66]) everyday justification.

([67]) scientific justification.

([68]) philosophical justification.

([69]) prima facie justification.

([70]) ultima facie or final justification.

([71]) private or personal justification.

([72]) public or collective justification.

([73]) rational.

([74]) non-rational.

([75]) irrational.

([76]) in principle.

([77]) للمزيد من البحث والتحقيق في هذا الشأن انظر: الفصل الأخير من كتابنا «أخلاق دينداري» (أخلاق التديُّن)، حول أخلاق التقليد.

([78]) يعمد الفلاسفة التجريبيين أو الحسِّيين ـ وخاصّة القائلين بالوضعية المنطقية ـ إلى حصر العقلانية في العقلانية العلمية والتجريبية، ويعملون على تقييم الادّعاءات الفلسفية والدينية والأخلاقية بهذا الميزان والمعيار، إلاّ أنّ حصر العقلانية النظرية في العقلانية العلمية والتجريبية ينطوي على الكثير من المفارقات؛ إذ إن ذات هذا الادّعاء لا يمكن إثباته أو تأييده إلاّ من خلال قناة التجربة والمنهج العلمي.

([79]) إن مرادي من «التأييد» هو المعنى العامّ، الشامل لـ «سكوت» العقل و«عدم مخالفته» لاتّباع المشاعر والعواطف والأحاسيس أيضاً. إن المراد هو أن لاتّباع الإنسان ـ بما هو إنسان ـ لعواطفه ومشاعره إطاراً عقلانياً. إننا نحن البشر؛ لكي نلبي بعض احتياجاتنا ـ وخاصّة الاحتياجات التي يعبِّر عنها علماء النفس بالحاجات الأساسية أو الفسيولوجية، من قبيل: الأكل والشرب والنوم ـ لا نحتاج إلى دليلٍ مستقلّ، وإن مجرّد سكوت العقل وعدم مخالفته يكفي في هذه الموارد. وبعبارةٍ أخرى: إن عدم تلبية هذه الاحتياجات بشكلٍ مطلق غير معقول. بَيْدَ أنّه حتّى في هذه الموارد لدى العقل ما يقوله بشأن «كيفية» و«أسلوب» تلبية هذه الاحتياجات، واتّباع العواطف والمشاعر والرغبات المنبثقة عنها، ويحدِّد أُطُراً معيَّنة تحدِّد بدورها ما هو الاتّباع المعقول لهذه العواطف والمشاعر والأحاسس، وما هو الاتّباع غير المعقول في هذا الشأن. وبعبارةٍ أخرى: إننا في «أصل» اتّباع العواطف والأحاسيس في ما يتعلَّق بهذه الموارد لا نحتاج إلى دليلٍ، بل نحتاج إلى الدليل في «كيفيّة» اتّباعها. أو بتعبيرٍ أفضل: إن مجرَّد وجود الحاجة في هذه الموارد يعتبر دليلاً عقلانياً لصالح تلبية هذه الحاجة. مع الشكر الجزيل للأستاذ مصطفى مَلَكْيان؛ حيث نبَّهني إلى ضرورة التنويه إلى هذه الملاحظة.

([80]) Instrumental rationality.

([81]) non-Instrumental rationality.

([82]) مثال للعقلانية الآلية: «انتخاب النموذج المناسب للتنمية لوحده ليس كافياً، إذ لا بُدَّ من الالتزام بطريق تحقيق تلك التنمية ومقدّمات تحقيقها أيضاً».

فمثلاً: لو قبل شخصٌ بالنموذج الصيني للتنمية سيضطرّ كذلك إلى القبول بالاستثمار الأجنبي (الشركات الغربية الكبرى)، واستقالة المتصدِّين للأمور قبل موتهم أيضاً، ويقدِّم تعريفاً جديداً للاستقلال الاقتصادي. وعلى هذا المنوال إذا أراد شخصٌ تحويل إيران إلى «يابان إسلامية» فإن الشرط اللازم والمقدّمة الضرورية لتحقيق هذه الغاية عبارةٌ عن «أيبنة الإسلام»، بمعنى أن الطريق الوحيد للوصول إلى هذه الغاية هو أن يقدِّم هذا الشخص تفسيراً وقراءة للإسلام تأخذ «الأخلاق» و«العقلانية» اليابانية بنظر الاعتبار، وأن تعمل العقلانية اليابانية على تأييد تلك القراءة والمصادقة عليها. بَيْدَ أن المحذور هنا هو أن الأخلاق والعقلانية اليابانية لا تختلف كثيراً عن الأخلاق والعقلانية الإيرانية. وعلى هذا الأساس فإن السعي إلى تحويل إيران إلى يابان إسلامية قد يفضي بنا في نهاية المطاف إلى الإسلام الأمريكي! وعلى أيّ حال فإنّ ممّا لا شَكَّ فيه أن «الإسلام الطالباني» لا يحوِّل إيران إلى «يابان إسلامية».

([83]) إن انتخاب وتعيين «الهدف» ليس مقدَّماً على انتخاب وتعيين الوسيلة دائماً؛ إذ في بعض الموارد الخاصّة يسري قُبْح الوسيلة إلى الهدف، ويطغى على حُسْنه، وعليه لا بُدَّ في مثل هذه الموارد من أخذ حُسْن وقُبْح الوسائل في مقام انتخاب الأهداف.

([84]) يذهب أنصار ديفيد هيوم، في ما يتعلق بالعقلانية العملية، إلى الاعتقاد بأن الأهداف خارجة عن مقسم العقلانية، وغير قابلة للتقيم العقلاني. يقول هيوم: «إن العقل عبد للرغبات، ويجب أن يكون كذلك». ومراده من ذلك أننا في مقام اختيار الهدف نتبع ميولنا وأذواقنا وأهواءنا، ويجب علينا ذلك، ولا نتبع المعايير العقلانية؛ إذ لا وجود لأي معيار عقلاني في هذا المورد. طبقاً لهذه الرؤية تختزل العقلانية العملية في العقلانية الآلية، والعقلانية الآلية ليست سوى تطبيق العقلانية النظرية على مورد العمل، ولذلك يعتبر موقف هيوم وأتباعه من وجهة نظر أنصار كانْت في الحقيقة نوعاً من «التشكيك» في مجال (وجود) العقل والعقلانية العملية، بمعنى أن جوهر مدَّعى هيوم وأنصاره هو عدم وجود مقولة باسم العقل والعقلانية العملية، لا أن يكون العقل والعقلانية العملية مختزلة في العقل والعقلانية الآلية. انظر في هذا الشأن:

– Heath, J. (1997) “Foundationalism and Practical Reason”, Mind, 106, 423, 451 – 473.

([85]) altruistic.

([86]) egoistic.

([87]) normative ethics.

([88]) لا بُدَّ من التذكير هنا بعدّة أمور:

الأمر الأوّل: إن العقلانية الاقتصادية في حدّ ذاتها ليست أمراً قبيحاً وسيِّئاً، إنما القبيح هو اختزال العقلانية العملية في العقلانية الاقتصادية. إن العقلانية الأخلاقية لا تنفي العقلانية الاقتصادية بشكل مطلق. إن تعقّب المصالح الشخصية، وتجنّب الضرر والخسارة في إطار القيم الأخلاقية، منسجمٌ مع العقلانية الأخلاقية، بل يمكن اعتبار هذا الأمر في حدّ ذاته بوصفه من المعايير الأخلاقية أو أحد المقاييس ذات الصلة من الناحية الأخلاقية. إن المهم من الناحية الأخلاقية هو أن لا يعمد الفرد إلى التخلي عن مسؤوليته الأخلاقية من أجل الربح والخسارة الشخصية، وأن لا يفرِّط في القيم الأخلاقية من أجل ضمان المصالح الشخصية. جاء في النصوص الإسلامية رواية تقول: «التِّجَارَةُ تَزِيدُ فِي الْعَقْلِ» (الكافي 5: 48)، أو «تَرْكُ التِّجَارَةِ يَنْقُصُ الْعَقْلَ» (المصدر السابق نفسه). ويحتمل أن يكون المراد من العقل في هذه الرواية هو العقل الاقتصادي والمصلحي.

الأمر الثاني: إن المراد من الربح والخسارة في العقلانية الاقتصادية ليس هو خصوص الربح والخسارة «المادية» و«الدنيوية»؛ فإن الربح والخسارة «المعنوية» و«الأخروية» يمكنها أيضاً أن تعتبر من عناصر هذه العقلانية الاقتصادية في معرض تقييمها، بشرط أن يؤمن الفرد في مرتبةٍ سابقة بوجود هذا النوع من الأرباح والخسائر. وعلى أيّ حال فإن العقلانية الاقتصادية حياديةٌ بالنسبة إلى نوع الربح والخسارة.

الأمر الثالث: إننا نستخدم مصطلح «العقلانية الاقتصادية» هنا بوصفه مرادفاً لـ «العقلانية المصلحية» و«الأنانية». ولكنْ يمكن لهذا التعبير أن يستعمل للإشارة إلى نوعٍ آخر من العقلانية أيضاً، وهو الذي يمثِّل وحدة قياس لذلك الربح والخسارة «الجماعية»، وليس الربح والخسارة «الفردية». وفي هذه الحالة سوف تقترب العقلانية الاقتصادية من العقلانية الأخلاقية، ويبتعد عن العقلانية الأنانية. وطبقاً للتفسير الذي يقدِّمه بعض فلاسفة الأخلاق عن العقلانية الأخلاقية وطبيعة القيم الأخلاقية تعتبر العقلانية الأخلاقية نوعاً من العقلانية الاقتصادية، التي تكون معايير حساباتها عبارة عن: اللذّة والألم الجمعي، أو الرفاه والسعادة والبؤس الجمعي، أو الربح والخسارة الجماعية.

([89]) يذهب (كانْت) وأنصاره إلى الاعتقاد بأن هذا الأمر يشكِّل أساساً ومحوراً للعقلانية الأخلاقية. يقول (كانْت) في واحد من تقريراته الثلاثة للأمر المطلق: «تصرّف مع الإنسانية ـ سواء في ذاتك أو في ذوات الآخرين ـ لا من منطلق كونها مجرَّد وسيلة بحتة، بل تعامل معها على الدوام كما لو كنت تتعامل مع غاية». انظر:

– Kant, I. (1987) Fundamental Principles of the Metaphysics of Morals, Trans. T. K. Abott (New York: Prometheus Books).

([90]) قارن ذلك بـ (سروش، «دين ودنياي جديد (2)، سنَّت وسكولاريسم»: 8 ـ 47، مؤسسه فرهنگي صراط، طهران. يقول الدكتور سروش: «إن النظرة التكنولوجية إلى العالم عبارة عن النظر إلى كل شيء بوصفه دابةً علينا أن نمعن في امتطائها. إن معنى العقلانية الآلية هو العقل الحديث، وهو أن ننظر إلى كلّ شيء بوصفه وسيلة وآلة. من وجهة نظر هذه العقلانية لا شيء يمثِّل غايةً لنفسه، ولا شيء ينتهي إلى ذاته، ولا يكون مطلوباً بالذات، بل هو وسيلة للوصول إلى مطلوبٍ آخر، وذلك المطلوب بدوره لا يقوم بتعريفه سوى الإنسان».

([91]) لقد استفدت صنع الوسائل للغايات من الدكتور سروش. انظر:

ـ سروش، «دين ودنياي جديد (2)، سنَّت وسكولاريسم»: 13 ـ 17، مؤسسه فرهنگي صراط، طهران.

([92]) سوف نتناول هذا الادّعاء بالنقد التفصيلي في كتابنا: «أخلاق دينداري» (أخلاق التديُّن).