العقلانية العلمانية والعقلانية الفقهية – قراءة تقويميّة مقارنة

25 مايو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
984 زيارة

العقلانية العلمانية والعقلانية الفقهية – قراءة تقويميّة مقارنة

ترجمة: حيدر حب الله

تمهيد

قبل الشروع في موضوعنا الرئيس هنا، يلزم الإشارة إلى نقطتين هما:

النقطة الأولى: إنّ نقد العقلانية الفقهية، وبشكل كلّي وعام، نقد الآراء والنظريات الفقهية وغير الفقهية للفقهاء، أمرٌ يختلف عن نقد شخصياتهم.

النقطة الثانية: إنّ نقد النظريات والآراء الفقهية غير نقد الشريعة؛ ذلك أنّ الدين شيء والمعرفة الدينية شيء آخر.

يدّعي فقهاء الشيعة أنّ الفقه الشيعي قائم على أسس وبناءات عقلانية، ونهدف هنا لدراسة هذه المسألة، وهي: هل تنسجم العقلانية الفقهية مع معايير العقلانية أم لا؟ فالعقلانية لها أنواع وأقسام، كما لها مدّعيات قابلة للنقد والتقويم العقلانيين، ويمكن تقسيم العقلانية إلى: 1 ــ عقلانية تقبل العقل. 2 ــ عقلانية تفرّ من العقل. 3 ــ عقلانية تحارب العقل، وهذا التقسيم الثلاثي، يمكن تطبيقه على <الأحكام الشرعية> و<الفتاوى الفقهية>؛ وبناء عليه يمكن القول بأنه يوجد:

1 ــ حكم شرعي وفتوى فقهية تقبل العقل وترحّب به، وهي تلك الأحكام أو الفتاوى التي يتوافر لصالحها دليل عقلي أو تجريبي مستقل.

2 ــ حكم شرعي أو فتوى فقهيّة تحاول تجنّب العقل والفرار منه، وهو الحكم أو الفتوى التي لا تملك دليلاً عقلياً أو تجربياً يقف لصالحها أو ضدّها.

3 ــ حكم شرعي أو فتوى فقهية تخاصم العقل وتواجهه، وهي الفتوى أو الحكم الذي قام دليل عقلي أو تجريبي مستقلّ على ضرره.

وبناءً عليه، فمواجهة العقل من جانب حكمٍ أو فتوى، إنما كانت بسبب عدم انسجام تلك الفتوى أو الحكم مع المسارات العقلانية النظرية أو العملية، إلا أن البرهان العقلي يدلّنا على استحالة وجود أحكام من هذا النوع في الشريعة المحفوظة في اللوح المحفوظ؛ فالساحة الإلهية منزهة عن جعل أو إصدار أحكام من هذا النوع، نعم، وجود مثل هذه الأحكام في <النصوص الدينية> وكذا صدور مثل هذه الفتاوى من جانب الفقهاء أمرٌ ممكن وواقع.

كيف نوفّق بين عقلانية التشريع الواقعي ولا عقلانية بعض النصوص والفتاوى؟

والسؤال المهم هنا: لماذا كان هناك مثل هذه الأحكام والفتاوى في النصوص الدينية وآراء الفقهاء رغم أن الشريعة في اللوح المحفوظ لا تحوي ــ إطلاقاً ــ مثل هذا النوع من التشريعات؟

بعبارة أخرى، يمكن تفكيك السؤال إلى استفهامات ثلاثة هي:

1 ــ لماذا استحال وجود أحكام مخالفة للعقل في اللوح المحفوظ؟

2 ــ لماذا احتوت النصوص الدينية أحكاماً غير عقلانية؟

3 ــ لماذا جاءت بعض الفتاوى الفقهية مخالفةً للعقل؟

ويرتبط السؤال الأول بـ<أخلاق التشريع>؛ وجوابه ــ إجمالاً ــ أنّ الله تعالى حكيم؛ والحكيم هو من يبني أعماله على العقلانية، وعليه فالشريعة في اللوح المحفوظ مصفّاة عن مثل هذه الأحكام، وبعبارةٍ أخرى: إن جعل حكم من هذا النوع أو صدوره من جانب مقنّنٍ ما إنما يكون عن جهلٍ منه أو عن حاجة أو حبّ للذات وطلب المنفعة أو عن ظلم أو سائر الرذائل الأخلاقية، والساحة الإلهية المقدّسة منزّهة عن تمام النقائص والرذائل.

إن وصف الحكمة والعدالة اللذين يوصف بهما الله تعالى من الأوصاف الأخلاقية الثابتة له، وهما مقدّمان على وصف كونه مشرّعاً؛ من هنا، خلت الشريعة ــ بوجودها في اللوح المحفوظ ــ عن أحكام غير عقلانية وغير حكيمة، بل انسجمت هذه الشريعة تمام الانسجام مع العقلانيّتين: النظرية والعملية، بمعنى أنّها لا تنقضها أو تواجهها، لا بمعنى أنه لابد أن تنبثق منها دوماً على نحو اللزوم.

أما السؤال الثاني، فيمكن القول في جوابه: إذا عثرنا على حكم مناهض للعقل في النصوص الدينية فإنّما ذلك بسبب كون هذه النصوص التي اتّسمت بذلك مجعولةً مدسوسة، أو أنها فرضت على الدين من الخارج، أو لأنّ هذا الحكم كان مؤقتاً.

وبعبارة أخرى: هناك حالتان متصوّرتان في الأحكام اللاعقلانية في النصوص الدينية هما:

1 ــ أن ينافي هذا الحكم العقلَ مطلقاً.

2 ــ أن ينافي هذا الحكم العقل لا مطلقاً، بل في دنيانا الجديدة.

أما في الحالة الأولى، فهناك فرضيّتان تفسّران منشأ وجود هذا الحكم في النصوص الدينية، وهما فرضيّتان مختلفتان عن بعضهما:

الفرضية الأولى: أن يكون هذا النصّ الحاوي لهذا الحكم مجعولاً (التحريف)، وهذا الفرضية ــ باعتقاد تمام المسلمين ــ يمكن طرحها في مورد الروايات لا القرآن.

الفرضية الثانية: أن يكون هذا الحكم من العرضيات التي جرى تحميلها على الشريعة من الخارج، وليس جزءاً من ذاتيات الشريعة نفسها (التحميل)، وهذه الفرضية يمكن طرحها حتى على صعيد القرآن الكريم.

وأما في الحالة الثانية، فيُعلم أنّ هذا الحكم مؤقت وليس بأبدي، أي أن النص الديني الذي احتوى هذا الحكم لا يملك دلالةً على أبدية هذا الحكم الذي أعطانا إياه ، هذا في صورة وجود هكذا دلالة، أو أنّ هذه الدلالة ساقطة عن الحجية والاعتبار (التعميم).

أما السؤال الثالث، فلابد من القول بأن منشأ ظهور الفتاوى المعارضة للعقل هو منهج الاستنباط الفقهي، والركن الخارجي للمعرفة الدينية، ذلك أنه لو كان منهج الاستنباط ــ وهو منهج الحكم ــ كاملاً، فلا محالة تكون فيه مقدّمات تحديد ثمّ إبطال أيّ حكم غير عقلاني.

بُنيات العقلانيتين: الفقهية والعلمانية، مقارنة ورصد

ويلزمنا هنا المقارنة بين المفروضات والخلفيات والبنيات التحتية للعقلانية الفقهية مع مثيلاتها في العقلانية العرفية العلمانية، فيما يتعلّق بموضوعنا.

تقول العقلانية الفقهية:

1 ــ الله حكيم، والشريعة بوجودها في اللوح المحفوظ لا تعارض العقل أبداً في أيّ حكم.

2 ــ يستحيل ظهور أحكام لا عقلانية في النصوص الدينية، إلا أن الاعتماد على الظنّ لا يمكّننا من رفع اليد والتخلّي عن نص ديني يحتوي حكماً من هذا القبيل أو عدم العمل به، أي أن النصوص الدينية تفقد اعتبارها في حالةٍ واحدة، وهي أن يحصل لنا علم ويقين بمناهضتها للعقل ومعارضتها له.

3 ــ إنّ الأحكام التي تكون معارضةً للعقل من وجهة نظر التفكير العلماني من الممكن أن لا تكون كذلك في واقع الأمر؛ وعليه:

4 ــ لا يمكننا الحكم بأنّ تشريعاً ما مناقض للعقل إلا إذا حصلنا على يقين بذلك.

5 ــ إننا عقلاء، لكن الشارع سبحانه سيّد العقلاء ورئيسهم، ومن الطبيعي أن يعرف رئيس العقلاء أشياءً لا يعرفها العقلاء أنفسهم.

6 ــ إنّ تحديد مناقضة التشريع للعقل من شؤون الله تعالى، لا البشر.

أما العقلانية العلمانية، فتقول:

1 ــ الله حكيم، والشريعة في اللوح المحفوظ فاقدةٌ للأحكام المناقضة للعقل.

2 ــ إن ظهور الأحكام اللاعقلانية في النصوص الدينية محال، إلاّ أنه يمكن الاعتماد على الظنّ لرفع اليد عن تشريع لا عقلاني موجود في النص الديني، ومن ثم ترك العمل به؛ ومعنى ذلك أن النصوص الدينية تفقد اعتبارها حينئذٍ.

3 ــ إنّ الأحكام التي يراها العقل العلماني لا عقلانيةً يمكن أن تكون عقلانيةً في واقع الأمر، إلا أن صرف احتمال خطأ العقل في تحديد عقلانية وعدم عقلانية حكمٍ ما ليس دليلاً متيناً على ضرورة تعطيل العقل؛ وعليه:

4 ــ يمكننا الاعتماد على الظن للحكم بلا عقلانية حكم ما، نعم، في هذه الحالة لا يمكن القول على نحو البتّ والجزم بلا عقلانية هذا الحكم، لكننا قادرون على ادّعاء الظنّ بذلك.

5 ــ لا يوجب اختلاف العقلاء عن رئيسهم أيَّ تغيير في موضوع البحث هنا.

6 ــ إنّ تحديد عقلانية أو عدم عقلانية الشريعة بيد الله تعالى، إلا أنّ تحديد ذلك على مستوى <فهم الشريعة>، بيدنا نحن أيضاً.

وبناءً عليه، تتفق العقلانية الفقهية والعقلانية العلمانية فقط في الفقرات (1) و (2)، إلا أنّه من المناسب السؤال: ما هي التبريرات المعطاة والممكنة للمبادئ التي أدرجت في الفقرات (2) و (3) و (4).

أسباب المواقف المتباينة بين العقلانيتين: الفقهية والعلمانية

إن هذه المبادئ يمكن تفسيرها عبر سبيلين:

السبيل الأول: أن نقول: إنّ العقلانية تريد منّا العمل بالظنّ الأقوى عند تعارض الظنون، والتخلّي عن الظنّ الأضعف، ومن هذه الجهة لا فرق أبداً بين الظنون العقلية والظنون النقلية، ويستدعي تطبيق هذا المبدأ ــ فيما نحن فيه ــ أن نتخلّى عن العمل بالنصّ الديني الذي يكون عندنا ظنّ بلا عقلانيته أقوى من الظنّ الحاصل من النص الديني بمجموع سنده ومتنه.

السبيل الثاني: أن نقول: إنّ السيرة العقلائية في مورد حجيّة خبر الواحد وحجية الظهور ليست مطلقةً، فلا تشمل الموارد التي نتحدّث عنها هنا، ومعنى ذلك أن العقلاء عندما يعملون بنصّ ما، سواء كان دينياً أو غير ديني، يزيّنون مضمون هذا النص مع الخط العقلائي، فإذا وجدوه غير عقلاني فلا يعملون به، وحيث قام بناء العقلاء على ذلك وجرت عليه سيرتهم، فلا يكون هناك إمضاء من الشارع للعمل بهذه النصوص؛ لأن ذلك سيكون من السالبة بانتفاء الموضوع.

ليس عند العقلاء سيرة على العمل بالمنقولات الشرعية وغيرها إلا إذا حصل يقين بلا عقلانيّتها على مستوى المضمون، بل سيرتهم هنا على العمل على طبق الظنّ الأقوى، وهذه السيرة ــ بهذا الشكل ــ هو ما أيّده الشارع وأمضاه.

أما فيما يتعلّق بالمبدأ الخامس المذكور سابقاً، فلابد من القول:

أولاً: إن مسؤولية أيّ عاقل إنما تكون على قدر عقله، ومسؤولية رئيس العقلاء ــ وهو صاحب العقل الأكمل ــ على قدر عقله أيضاً، كذا مسؤولية سائر العقلاء دونه، نعم، لو تعارض في موردٍ ما حكمُ رئيس العقلاء مع حكم أحدهم، فإنّ عقل أيّ عاقل يحكم حينئذٍ بلزوم العمل على طبق حكم الأعقل؛ ذلك أن احتمال التقرّب إلى الحقيقة بذلك يظلّ أكبر، أما عندما ننسب حكماً إلى العقلاء من حيث هم عقلاء، فسيكون رئيسهم من بينهم لا محالة، وإذا ما تعارض حكم أكثرية العقلاء مع حكم رئيس العقلاء، فإن رئيس العقلاء حينئذٍ إما يعمل على طبق رأي الأكثرية أو سيسعى بالشواهد المقنعة كي يرشد العقلاء إلى خطئهم وسببه ومنطلقه، وفي هذه الحالة لا يطلب العقلاء تعطيل عقولهم في مقابل عقلٍ آخر.

ثانياً: إن بحثنا هنا يدور حول كشف حكم رئيس العقلاء ومعرفته، أي أننا نبحث في حالة حكم العقل بشكل ظني بأن رئيس العقلاء لم يحكم بذلك، فيما تنقل لنا الآيات والروايات ــ وبشكل ظني أيضاً ــ أنه قد حكم بذلك فعلاً، فرئيس العقلاء وعامّتهم يحكمون هنا بلزوم العمل على طبق الظنّ الأقوى، أي أننا هنا نواجه حالةً من حالات تعارض العقل والنقل، لا تعارض حكم العقلاء مع حكم رئيسهم، من هنا كان حكم العقلاء غير مختلف عن حكم رئيسهم وبالعكس، كما أن اختلاف مستوى عقله وعلمه عنهم لا يغيّر من حكم الموضوع هنا شيئاً.

وبناءً عليه، فإذا كان هناك نصّ ديني غير عقلاني، فإما أن يزول ظهوره بذلك، أو أن تسقط حجية دلالته، أو أن تسقط حجية سنده، وعلى أية حال، فالظنّ العقلي بلا عقلانية مضمون نص ديني يشكّل قرينةً معتبرة على أنّ هذا النص إما مجعولٌ مدسوس، أو أن المراد الجدي منه شيء آخر، أو أنه لا إطلاق ولا عموم زماني فيه، ومعه فمفاد هذا النص لا يمكن تسريته إلى الحياة المعاصرة التي يرى أهلُها أنه غير عقلاني فيها.

انبثاق لا عقلانية الفتوى من لا عقلانية منهج الاستنباط

وعلى خلاف التصوّر السائد، فإن مجرّد وجود حكم في النصوص الدينية ليس دليلاً كافياً لعدم كونه غير عقلاني، فالأمر المهم هنا، أن استنباط مثل هذه الأحكام من النصوص الدينية يقع في سياق السيرورة العقلانية الفقهية، أي أنه من دون هذه الاتجاهات التي تقع المفروضات الخارج ــ دينية على رأسها، لا يمكن استنباط أحكام من هذا النوع، فإذا ما تبدّلت هذه البنى التحتية الفكرية التي تقوم عليها عمليات الاستنباط، وحلّت مكانها بُنى مقرّ بها لدى عقلاء العالم، فإن هذه النصوص نفسها سوف تفقد دلالتها على هذه الأحكام غير العقلانية.

من هنا، يمكن ادّعاء:

1 ــ إن الفتاوى اللاعقلانية ناتجة عن منهج الاستنباط، لا عن مصدره.

2 ــ لابد من وزن الفتاوى الفقهية لاحقاً مع معايير العقل والعقلانية.

3 ــ إن النقد العقلاني للفتاوى الفقهية حقّ لعموم المؤمنين، بل وظيفة.

لكنّ الكثير من أنصار العقلانية الفقهية يقولون: إن الفتاوى الفقهية مستندة ــ حصراً ــ للكتاب والسنّة، وإنّ البناءات العقلانية لا تأثير لها عليها البتة، وإنّ فهم الدين لا يقوم على أيّ عنصر خارجي، وإذا ما خالف أحدٌ هذه الفتاوى يكون قد أنكر كلام الله وسنّة النبي 2، كما أن مخالفة الفقهاء مخالفةٌ لإمام الزمان، ومخالفته مخالفة للنبي2، ومخالفته مخالفةٌ لله تعالى، والحال أن التفسير الصحيح الواقعي لأركان فهم الشريعة يدلّل على أن فهمها يقوم على ركنين:

1 ــ الركن الداخلي: (المصدر) = القرآن والحديث.

2 ــ الركن الخارجي: (المنهج) = القبليات العقلانية + المفروضات المسبقة حول معرفة الله، والعالم، والإنسان، والمجتمع و..

وبناءً عليه:

1 ــ الشريعة صامتة([1]).

2 ــ إن الفتاوى اللاعقلانية تنشأ عن <منهج الاستنباط> والركن الخارجي.

3 ــ لتصحيح منهج الاجتهاد لابد من الرجوع إلى العقل العلماني العرفي؛ ذلك أنّ عدم صحّة المنهج القائم ناشئ من الخطأ في تحديد الأحكام والبناءات العقلانية الدنيوية العلمانية.

4 ــ إنّ الاختلاف بين منهج الاجتهاد الفقهي وبناءات العقل العلماني، لا ربط له إطلاقاً بالاختلاف بين الإسلام والكفر، أو بين المدارس الإلحادية والإلهية، أو الغزو الثقافي.

5 ــ إن الاستعانة بسيف التكفير و.. لحلّ هذا النوع من الاختلافات يمثل استغلالاً للدين نفسه([2]).

6 ــ إنّ مخالفة آراء الفقهاء في 1 ــ منهج الاجتهاد. 2 ــ البناءات العقلانية. 3 ــ الفتاوى اللاعقلانية القائمة على العقلانية الفقهية، ليست مخالفةً لحكم الله، كما لا توجب الارتداد والخروج عن الإسلام([3]).

ونشرع الآن بذكر بعضٍ من أهم نقاط الاختلاف بين العقلانية الفقهية والعقلانية العلمانية، كما يلزم هنا التمييز بين موارد الاختلاف على مستوى العقلانية النظرية، وتلك التي تقع على مستوى العقلانية العملية، بادئين بالعقلانية النظرية.

1 ــ العقلانية النظرية

يتلخّص رأي العقلانية الفقهية في هذا المجال في أن المكلّف ــ من ناحية معرفية ــ يكون على إحدى حالات ثلاث: إما اليقين، أو الظن، أو الشك، وحكمه في كلّ من الحالات الثلاث على الشكل التالي:

1 ــ حالة القطع، وهنا يكون القطع ــ مطلقاً ــ حجّة.

2 ــ حالة الظن، وهنا: أ ــ الظن النقلي ضمن شروط خاصّة يكون حجة. ب ــ الظن النقلي المعتبر يكون محكوماً بحكم القطع. ج ــ لا حجية للظن العقلي والحسي.

3 ــ حالة الشك، وهنا: أ ــ لابد من الرجوع إلى الأصول العملية. ب ــ إنّ الظنون العقلية والحسية ــ وكذا الظنون النقلية غير المعتبرة ــ كلّها محكومة بحكم الشك. ج ــ إنّ الفقه يحلّ محلّ الأخلاق. د ــ إن الفقه يحلّ محلّ القانون والحقوق.

أما رأي العقلانية العرفية العلمانية في هذا المجال فهو:

1 ــ حالة القطع: أ ــ إن القطع المنطقي القائم على الدليل مغاير للقطع النفساني القائم على أسباب وعوامل. ب ــ إنّ القطع القائم على دليل مناسب ومبرّر غير القطع الناشيء عن معطيات غير مناسبة ولاموضوعية. ج ــ القطع المنطقي القائم على دليل موضوعي مناسب هو وحده الذي يكون حجةً. د ــ إنّ القطع المنطقي القائم على دليل مناسب ومبرّر لا يمكن حصوله إلا في مجالي المنطق والرياضيات.

2 ــ حالة الظن: أ ــ إنّ الظن النقلي حجّة ضمن شروط خاصة. ب ــ إن الظنون العقلية والحسية معتبرة أيضاً ضمن شروط خاصّة. ج ــ عند تعارض الظنون يقدّم الظن الأقوى. د ــ إن الظنون المعتبرة لا هي في حكم القطع ولا في حكم الشك.

3 ــ حالة الشك: أ ــ لابد في حالة الشك من الرجوع إلى الأصول العملية. ب ــ إن الظنون العقلية والحسية المعتبرة ليست في حكم الشك. ج ــ إن الأصول العملية الترخيصية تنفي فقط الوجوب والحرمة، لكنها لا تنفي الإلزام الأخلاقي أو الحقوقي. د ــ الفقه لا يقوم مقام الأخلاق. ج ــ الفقه لا يقوم مقام القانون والحقوق.

إننا نعتقد أن الفهم الخاطئ لحجيّة الظن يؤدي إلى الدوغمائية والتفكير الجافّ، كما أنّ القول بعدم حجية الظنون العقلية والحسية يفضي إلى الجمود والتحجّر.

بين الفقه والأخلاق والحقوق

وقبل أن نواصل بحثنا، من الضروري أن نبسط القول في النقاط المذكورة أعلاه؛ فعندما يرجع فقيهٌ ما إلى القرآن والسنّة، ولا يجد دليلاً على ثبوت شيء باسم: <حق التأليف> أو <الملكية المعنوية>، فإنّه يرجع إلى الأصول العملية، ويفتي ــ كما تمليه عليه تلك الأصول ــ بأنّ الإسلام لا يعرف حقّ التأليف ولا الملكية المعنوية، إلا أن عدم وجود مثل هذه الحقوق في <الشريعة الإسلامية> مع انسجامها مع <العرف> و<الأخلاق>، لا يبرّر للفقيه الاستناد إلى الأصول العملية لنفي الإلزامات الأخلاقية والعرفية المترتبة على هذه الحقوق؛ ذلك أن حجيّة العرف والأخلاق ليست متوقفةً على إمضاء الشارع، بل صرف سكوته في موردها كافٍ.

وبناءً عليه، لا عقلانية بعض الفتاوى الفقهية إنما نشأ من الفهم غير الصائب لماهية الفقه، وقيامه مقام علم الأخلاق والحقوق، فعلم الفقه وعلم الأخلاق وعلم الحقوق ثلاثة علوم تختلف عن بعضها في الموضوع، والمنهج، والغاية، رغم تغطيتها مجالات متشابهة، وهي قادرة ــ طبيعةً ــ على اشتمال مرافق الحياة الإنسانية من المهد إلى اللحد، كما أنها تعطي تصوّرها لعلاقات الإنسان من أول حياته إلى منتهاها مع نفسه، والله، وأخيه الإنسان، وسائر الموجودات الأخرى.

إلا أنّ الأمر الهام والأساس هنا، أنّ أياً من هذه العلوم الثلاثة لا يسدّ الثغرة التي يسدّها العلم الآخر، أي أنّ علم الفقه لا هو بعلم الأخلاق ولا بعلم الحقوق، وإن أمكن ــ ببعض التسامح ــ أن يُطلق عليه علم الحقوق الإسلامي، كما أن علم الأخلاق يبيّن <شريعة العقل>، وعلم الحقوق يبيّن <شريعة العرف>، وهاتان الشريعة تختلفان ــ من حيث المصدر والأساس والمنهج والتبرير ــ مع <شريعة الوحي>.

والسؤال الرئيس هنا: عندما تتعارض أحكام هذه العلوم الثلاثة، ما الذي ينبغي فعله؟

أعتقد أنّ بين هذه العلوم الثلاثة تراتبية طولية، بمعنى أنّ علم الأخلاق مقدّم على علم الفقه وعلم الحقوق، كما أنّ علم الفقه مقدّم على علم الحقوق، وتجدر الإشارة إلى أمرين يتعلّقان بتقدّم علم الفقه على علم الحقوق هما:

الأمر الأول: تنبثق القوانين والمقرّرات الحقوقية من العرف، إلا أنّ العرفيات نفسها تتعدّد مناشيء ظهورها وتكوّنها، وتعدّ الأخلاق واحدةً منها، لهذا فليس تقدّم علم الفقه على علم الحقوق مطلقاً؛ أي أنه لا يشمل تلك المجموعة من القوانين والمقررات الحقوقية التي تهدف حماية القيم الأخلاقية، بل يختصّ بشموله للقوانين والمقررات العرفية غير القائمة على القيم الأخلاقية، وهذا الاستثناء إنما جاء على طبق تقدّم الأخلاق على الفقه.

الأمر الثاني: إذا تعارضت الفتاوى الفقهية مع القوانين والمقرّرات العرفية الحقوقية فلابد من الالتفات إلى أنّ الشرع الذي يعارض العرف هو شرع تأسيسي، أو أن العرف الذي يعارضه الشرع كان في برهةٍ من الزمان مؤيداً بالشرع، ويمكن هنا ادّعاء أن الكثير من المعارضات القائمة بين الشرع والعرف ليست في واقع الأمر تعارضاً بين الشرع والعرف، وإنما تعارض بين العرف القديم والعرف الجديد، وطبقاً لما سيأتي، فإنّ مجرّد إمضاء الشارع للعرف القديم في فترة زمنية معينة ليس دليلاً كافياً على ترجيح العرف القديم على العرف الجديد؛ ذلك أن إمضاء الشارع تابع ــ في الأحكام الإمضائية ــ للعرف، لا العكس، ومع تغيّر العرف سيغدو إمضاء الشارع بحكم السالبة بانتفاء الموضوع.

وبناءً عليه، فتقدّم الفقه على علم الحقوق إنما يمكن قبوله عندما تكون الفتوى الفقهية التي نتحدّث عنها من الأحكام التأسيسية للشرع، وليس كلّ حكم تأسيسي؛ ذلك أن هذا النوع من الأحكام على قسمين أيضاً، ثابت، ومتغيّر، لذا كان تقديم الحكم الفقهي على القانون العرفي، وإلغاء الثاني استناداً إلى الأول مشروطاً بشرطين: أحدهما تأسيسية الحكم الشرعي، وثانيهما ثباته وأبديته وما فوق تاريخيته، ولا يمكن إحراز هذين الشرطين عن طريق العموم أو الإطلاق الزماني في الأدلّة النقلية؛ ذلك أنه مع فرض وجود تعارض من هذا النوع يفقد الدليل الدالّ على الحكم الشرعي ظهوره العرفي، ومن ثم لا تكون للعقلاء سيرة على العمل بالإطلاق والعموم في مثل هذه الحالات، وعليه، فتعميم الأحكام الشرعية الإمضائية للأزمنة المتأخرة عندما لا تنسجم هذه الأحكام مع القوانين العرفية الجديدة، يحتاج إلى دليل خاص، وشاهد أقوى من مبرّر تلك القوانين العرفية، رغم أنه في غير حالات التعارض بين الشرع والعرف والأخلاق يمكن الاعتماد على الإطلاق الزماني أو العموم لتسرية الحكم إلى العصور اللاحقة.

وبمعرفة العقلانية النظرية، يمكن ادعاء أنّ لا عقلانية بعض الفتاوى الفقهية إنما جاء بسبب عدم انسجامها مع تعريف العقلانية النظرية، وتوضيح ذلك: إنه لابد من رعاية ثلاثة أنواع من التناسب في العقلانية النظرية في الفقه وهي: 1 ــ تناسب الحكم والموضوع. 2 ــ تناسب الحكم والسند. 3 ــ تناسب النص (Text) والأرضية (context).

وقد تمّت مراعاة تناسب الحكم والموضوع ــ إلى حدّ ما ــ في الفقه التقليدي، وكذا ــ بنحو أقلّ ــ مراعاة تناسب المتن والأرضية، أما تناسب الحكم والسند فلم يراع أساساً.

والمقصود بتناسب الحكم والموضوع ليس تناسب أيّ حكم مع أيّ موضوع، ولذلك قد يكون الموضوع الواقعي لحكمٍ ما أعم أو أخصّ مما جاء في النصّ الديني نفسه بوصفه موضوعاً، فكثير من رواة الأحاديث طرحوا أسئلتهم ضمن فرض خاص على الأئمة (، فسألوا مثلاً: <صلّى شخص على هذه الطريقة، فهل صلاته صحيحة أم لا؟> وفي هذه الحالة يقضي تناسب الحكم والموضوع عدم تأثير جنس المصلّي في صحة الصلاة وبطلانها، وأنه ذكر أو أنثى، لهذا يشمل الحكم المذكور في الرواية النساء أيضاً.

إلاّ أنّ هذا التناسب لم يراع دائماً مع الأسف؛ فلكشف حكمٍ شرعي في المجال السياسي، وتحديد مواصفات أولئك الذين لهم حقّ التصدّي للعمل السياسي والاجتماعي، لا يتم فرز الخصوصيات ذات الصلة وتلك التي لا صلة لها.

تناسب الحكم والسند وبطلان حجية الآحاد والظهور في مطلق الأحكام

أما تناسب الحكم والسند، فيُقصد به أنه لا يمكن إثبات أو تبرير أيّ حكم بأيّ دليل، أما على أساس قواعد العقلانية الفقهية، فإنّ حجية الظن تعني تنزيله منزلة القطع، لهذا فأيّ حكم، بأيّ درجة من الأهمية كان، يمكن الاستناد ــ من وجهة نظر أنصار العقلانية الفقهية ــ إلى الظنون المعتبرة النقلية، كظهور الكلام وخبر الواحد؛ لإثباته.

إن اختلاف العقلانية الفقهية هنا عن العقلانية العلمانية، يمكن تلخيصه في الأصول التالية:

تقول العقلانية الفقهية:

1 ــ إنّ خبر الواحد حجّة مطلقاً، أي أنه يمكن إثبات أيّ حكم بخبر الواحد، فإذا صار دليلٌ ما معتبراً من وجهة نظر الشارع فيمكن إثبات أيّ حكم به.

2 ــ إنّ حجية أحد الأخبار إنما تقع في إطار انسجامه مع سائر الروايات.

3 ــ إن ظهور الكلام حجّة مطلقاً، أي يمكن به إثبات أيّ حكم كان.

أما العقلانية العلمانية، فتقول:

1 ــ لا يعمل العقلاء في القضايا الهامّة بخبر الواحد، أي أنّ حجية خبر الواحد ليست مطلقةً، فكلّما كان الحكم أكثر أهمية وخطورة وحساسية، طالب العقلاء بدليل أقوى لإثباته.

2 ــ من الشروط التي يراها العقلاء، أن يكون مضمون الخبر (=النقل) منسجماً مع المعطيات المتوفرة من سائر مصادر المعرفة، أي الحسّ، والعقل، والشهود، وانسجام مضمون الخبر مع سائر الأخبار وإن كان أمراً لازماً لكنه ليس بكافٍ.

3 ــ لا يعمل العقلاء في الأحكام والموضوعات الهامة بظاهر الكلام، ومعنى ذلك أن الظهور في هذه الحالات ليس بحجّة.

4 ــ يوازن العقلاء بين الظنون الحاصلة من ظاهر الكلام وتلك الحاصلة عبر سُبُل أخرى، وإذا ما تعارضت فهم يعملون بالظنّ الأقوى.

وبناءً عليه:

أ ــ تختلف شروط ودائرة حجية خبر الواحد وحجية الظهور بين العقلانيتين: الفقهية، والعلمانية، وهذا هو سبب لا عقلانية بعض الفتاوى الفقهية.

ب ــ تقول العقلانية الفقهية: إن خبر الواحد وظهور الكلام حجّة إلا مع القطع بالخلاف، أما العقلانية العلمانية فتقول: إنّهما حجة إلا مع وجود ظنّ مساوي أو أقوى على الخلاف، فضلاً عن القطع.

ولا اختلاف ــ من وجهة نظر العقلانية الفقهية ــ بين الأحكام الفردية والأحكام الاجتماعية، أو بين الأحكام السياسية والأحكام العبادية، فتمام هذه الأحكام مما يمكن إثباته عبر ظاهر الكلام أو أخبار الآحاد، والحال أنه لا وجود لمثل هذه السيرة بين العقلاء في عصرنا.

أما عدم تناغم العقلانيّتين في مجال تناسب النص مع أرضيته ومناخه وسياقه، فهو من جهات:

تناسب النصّ والسياق بين العقلانيتين: الفقهية والعلمانية

1 ــ تعميم ظاهر النصوص الدينية دون ممارسة ترجمة ثقافية لها.

2 ــ الفصل ما بين الجذور والثمار في إطار معرفة حكم مستحدثات المسائل.

3 ــ تجزءة الموضوعات المركّبة، وممارسة تجزءة لما لا يقبل التجزءة.

4 ــ اعتبار الأحكام التاريخية ما فوق تاريخية.

5 ــ الغفلة عن الظروف التاريخية وشأن نزول الأحكام الشرعية.

ويعني تناسب النصّ وسياقه، أنّ لكل حكم مناخه ومجاله الخاصّين، وأنّ هناك بعض الأحكام الشرعية مطلقة وما فوق تاريخية، والمراد من السياق هنا ما هو أعمّ من صدر الكلام وذيله، بما يشمل المناخات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، والمعيشية.. أيضاً، كما أن تحديد هذا التناسب والانسجام إنما يأتي عبر المعلومات التي يملكها الإنسان بوسائل غير دينية، فمثلاً المعلومات الاختصاصية التي يملكها فقيهٌ ما في مجال علم الاقتصاد قد توصله إلى أنّ تحريم الربا في صدر الإسلام، كان يراد منه الربا الاستهلاكي، وهو مغاير للربا المعروف اليوم في دنيانا المعاصرة، أي المشاركة الحاصلة من أرباح رأس المال، وإذا صحّ مثل هذا الادّعاء فإنّ معناه أن تعميم حرمة الربا لمعاملات العصر الحاضر إنما نشأ عن الغفلة عن السياق والمناخ الذي أحاط صدور تشريع حرمة الربا، فصار من الممكن للتحريم المطلق للربا في ظلّ مناخ خاص، مثل المجتمع القبلي في صدر الإسلام، والذي كان يساهم في إقرار العدالة الاقتصادية وتقليص الفارق الطبيعي، أن يساعد اليوم على حصول ركود اقتصادي، ونموّ في البطالة والتضخم، وفي النهاية حصول فارق طبقي أو تزايده، مما يصيّره مانعاً أمام قيامة العدالة الاقتصادية.

وعلى ذلك، فإذا أراد شخص أن يراعي التناسب بين النصّ ومناخه، فلا يمكنه أن يستنبط الأحكام الشرعية المرتبطة بالتجارة الدولية من روايةٍ تتحدّث عن أجرة البغل أو إجارته، أو يسعى لوضع السّيَر والمواضعات العقلائية الجديدة السائدة في العالم المعاصر تحت عناوين كانت لها السيادة في العصر القديم، ليستخرج ــ عبر ذلك ــ حكمها.

وعلى أية حال، لا عقلانية بعض الفتاوى الفقهية إنما تنشأ من التغافل عن هذه الأنواع الثلاثة للتناسب بين النصّ وسياقه، وهي من شروط ومقدّمات كسب المعرفة، من هنا كانت مهمةً معرفياً، كما كانت مراعاتها جزءاً من مستلزمات العقل النظري ومستتبعاته.

أصالة التأسيسية وأصالة الاشتراك وأصالة التأبيد، وقفات فاحصة

المنشأ المهم الآخر لعدم عقلانية بعض الفتاوى الفقهية هو سوق تمام الأحكام الشرعية مساقاً واحداً وإجراء قانون واحد عليها، وتوضيح هذه النقطة أنّ الأحكام الشرعية تنشطر إلى مجموعتين: التأسيسية، والإمضائية، وكلّ واحدة من هاتين المجموعتين تنقسم إلى: ثابت، ومتغيّر، وهذا التقسيم قائم على أساس الفرض المنطقي والعقلي، ولا يوجد أيّ دليل يرشد إلى استحالة وجود هذه الأنواع في الشريعة.

أما تعامل العقلانية الفقهية مع الأحكام الشرعية، فكأنه يرى تمام هذه الأحكام تأسيسيّةً وأبدية، وعند الشك يكون مقتضى الأصل تأسيسيّتها وأبديّتها، والحال أنّه لا وجود لمثل هذا الأصل، لا في الشرع، ولا في السيرة العقلائية، بل الأمر على العكس؛ إذ حيث للأبدية والتأسيسية نتائج أثقل وأكبر فإنّ الشك في حكم له هاتين الخاصّيتين، وأنّه هل صدر من الشارع أم لا؟ من مصاديق الشك في أصل التكليف، ومقتضى ذلك جريان أصالة البراءة فيه، وعليه فعند الشك في تأسيسيّة وأبدية حكم ما ينبغي التعامل معه على أنه حكم مؤقت وإمضائي، والخروج عن هذه القاعدة يحتاج إلى دليل مقنع وموردي.

لم تتخذ هذه التقسيمات على نحو الجدّ في العقلانية الفقهية، بل ما كان فيها هو:

1 ــ عدم وجود معيار يحدّد ويفكّك الأحكام التأسيسية والأحكام الإمضائية.

2 ــ عدم وجود معيار يحدّد ويفكّك الأحكام المؤقتة والأحكام الدائمة.

3 ــ اعتبار الحكم المشكوك تأسيسياً أبدياً.

4 ــ عندما يحرز بالقطع واليقين بكون هذا الحكم إمضائياً أو مؤقتاً، ففي هذه الحالة فقط يعتبر الحكم منسوخاً.

أما إذا أردنا الحكم هنا على طبق الاتجاه العقلاني العلماني (=العقل السليم) فلابد لنا من القول: إنه لا يوجد دليل عام يثبت اشتراك المكلّفين في تمام الأحكام، وأنّ تعميم أيّ حكم جاء في صدر الإسلام إلى تمام الأزمنة والأمكنة الأخرى يحتاج إلى دليل خاص في كل مورد على حدة، ولكي نميّز ونحدّد، أيّ الأحكام تأسيسي وأيها إمضائي، أيّها مؤقت وأيها أبدي؟ لابد من الاستناد إلى القرائن التاريخية والعقلية، ولا تكفي الظنون المعتبرة العقلية والنقلية هنا، فإذا كان الحكم إمضائياً، فإنّ بقاء إمضاء الشارع له تابع لبقاء العرف الذي أمضاه الشارع واستمراره، فإذا زال هذا العرف وحلّ مكانه عرفٌ آخر فلن يكون هناك ــ في هذه الحال ــ شيء حتى يمضيه الشارع، وكثير من الفتاوى الفقهية اللاعقلانية تنبع من عدم الالتفات إلى هذه النقطة، وإنما تقوم على التعميم غير المبرّر لحكمٍ إمضائي من مجتمع صدر الإسلام إلى مجتمع آخر ليس فيه هذا العرف.

لا يمكن للشارع أن يبدّل حكماً هو في حدّ نفسه مؤقت وتاريخي بحكم أبدي ما فوق تاريخي، وهذه الخصوصية من ميزات <القانون> لا <المقنّن>، وكون المقنّن عالماً بالغيب لا يجعل الحكم الموقت والتاريخي مشتملاً على مصلحة أبدية وغيبية، وعلى سبيل المثال، الشكل السائد للدولة في المجتمع القبلي صدر الإسلام كان الخلافة والسلطنة، وقد أمضى الإسلام هذا البناء السياسي دون أن يقدّم نظريةً جديدة في الهيكلية السياسية للمجتمع، وأقصاه أن النصوص الدينية قسّمت السلاطين إلى: عادل، وجائر، إلا أنه لا يمكن أن نستنبط من النصوص التي جاء فيها استخدام هذه التعابير أن الإسلام يرى نظام الخلافة والسلطنة النظامَ الأنموذجي المنشود للدول في تمام الأزمنة والأمكنة، وأنّ كل الهيكليات التي ظهرت لاحقاً تعدّ غير شرعية، ومن ثم فالإسلام لا ينسجم مع الديمقراطية.

الإسلام والقومية، أنموذج اختلاف التفكير

إن فرض ثبات الأحكام الشرعية، والذي يجرّ إلى نوع من الشكلانية والقشرية والتحجّر، إنما هو فرض له ظروفه وعلله، لا أدلّته وبراهينه، أي أنه ينبع من حاجة المجتمع الديني إلى الهوية والديمومة، أكثر ممّا ينبثق عن الاعتقاد بالمصالح والمفاسد الغيبية، ففي العصر القديم كانت الهويات الدينية للمجتمعات غير منفصلة عن المجتمع نفسه، ولم تكن هناك هوية قومية أو عرقية، أو على تقدير وجودها فهي مغلوبة مستبعدة لصالح الهوية الدينية والعقائدية، أما اليوم فقد فقدت الهويات الدينية عملها السياسي السابق، وأخذت محلّها الهوية القومية، فصارت العلاقات السياسية قائمةً على ذلك وعلى المصالح القومية والوطنية.

لهذا، كانت واحدة من الإشكالات التي وقع فيها الفقه في العصر الحاضر مسألة تحديد تكليف المتدينين في حالة تعارض المتطلّبات الدينية مع تلك القومية، فالدول العلمانية حامية للمصالح القومية والوطنية، أما في الدول الدينية فتقدّم الاعتبارات الدينية على غيرها، حتى القومية، دون التفات إلى المستدعيات العقلانية في السياستين: الداخلية والخارجية. وقد غُفل هنا عن أن أقلّ شرط لتبرير مثل هذه السياسة في العلاقات الخارجية ــ من ناحية عقلانية ــ أن يكون الطرف المقابل مستعدّاً في حالة اللزوم لتقديم الهوية الدينية على القومية الوطنية، أما اعتماد هذه السياسة الخارجية عندما لا يكون الطرف المقابل مستعداً كذلك فليس أمراً عقلانياً، وهكذا الحال في السياسية الداخلية، فهذا المنهج لا ينسجم مع القيم الأخلاقية والاجتماعية (=حقوق الإنسان) ومع أصل العدالة كذلك.

إن القومية تعارض الإسلام عندما يكون سائر المسلمين مستعدّين للتعامل معنا على أساس غير قومي، وعندما يحصل تعارض يقدّمون الهوية الإسلامية على الهوية العربية؛ فالإسلام لم يمنع مسلماً من المقابلة بالمثل مع سائر المسلمين، نعم، ظلم الآخرين خلاف الإسلام، إلا أنهم يأكدون أنه ليس بظلم، ولهذا لا يكون مخالفاً للإسلام.

مبدأ السادة والعبيد وتأثيراته على الفقه الإسلامي

إنّ واحدةً من الفرضيات المسبقة الكبيرة في الفقه المدرسي هو نظام السادة والعبيد، ونحن نشاهد آثار هذا النظام في العديد من الفتاوى الفقهية، وهو مصدر إلهام للفقهاء في اكتشاف الأحكام الشرعية وتنظيم علاقة الناس بالله تعالى، ويمكن القول: إن الكثير من الفتاوى التي تبدو في عصرنا الحاضر غير عقلانية تتخذ أصولها من هذا النظام، بمعنى أنه ومن دون ضمّ هذا النظام إلى الكتاب والسنّة لا يمكن استنباط هذه الأحكام.

2 ــ العقلانية العملية

ونتحدّث الآن عن اللا إنسجام بين العقلانية الفقهية والعقلانية العلمانية ضمن إطار العقل العملي.

أ ــ في نطاق العقلانية الفقهية، تتحوّل العقلانية العملية إلى تفكير مصلحي، وحكم العقل بالحسن والقبح تابع للمصالح والمفاسد، كما أنّ الحقّ تابع للمصلحة.

ب ــ إن لا عقلانية بعض الفتاوى ناشيء من عدم انسجامها مع العقلانية الأخلاقية، مثل الفتاوى الدالّة على التمييز في الحقوق بين المواطنين، وبين الرجل والمرأة، والفقيه وغير الفقيه، والمسلم وغيره، وبشكل عام الفتاوى غير المنسجمة مع حقوق الإنسان، وكذا جواز أو عدم جواز التفجيرات الانتحارية وغيرها.

ج ــ إنّ لا عقلانية بعض الفتاوى الفقهية مسبَّب عن تقديم العقلانية المصلحية على العقلانية الأخلاقية.

د ــ إن لا عقلانية بعض الفتاوى الفقهية مسبَّب عن عدم انسجامها مع الاتجاه العقلاني المصلحي <نحن مكلّفون بالعمل وتطبيق أحكام الإسلام ولو بلغ ما بلغ>، أو أنّ المسلمين مكلّفون بالوقوف ضدّ الفساد كيفما كان.

هـ ــ إنّ لا عقلانية بعض الفتاوى الفقهيّة ناتج عن عدم انسجامها مع العقلانية الأداتية، إن الأحكام الشرعية ليست هدفاً، إنها وسائل، وعندما يبتعد المجتمع ــ بعد تطبيقها ــ عن أهداف الشرع، فإنّ الإصرار عليها مخالف للعقلانية.

بين العقلانية والتراث

كلمة أخيرة: إن الإصرار على العقل والعقلانية لا ينبغي فهمه استغناءً عن التراث، فالتراث عصارة تجارب الماضي ومحصول تعاملهم مع القضايا النظرية والمشكلات العملية في مجالات الحياة المختلفة، والحفاظ على هذه التجارب والاستفادة الصحيحة منها من مستدعيات العقلانية نفسها([4]). إلا أنّ المهم هو منهج الاستفادة من التراث، فالقبول غير النقدي وغير المدروس والموزون له، والاتّباع الأعمى لمضمونه، يخالف العقلانية تماماً كما يخالفها إقصاء هذا التراث أيضاً.

إن الرجوع إلى التراث مصداق للرجوع للعقل الجمعي والفريضة الخطيرة على المصلحين في عصرنا هي إعادة قراءة هذا التراث قراءة عقلانية في العصر الحديث، إنّ الفهم التقليدي للدين ــ وكذا التدين التقليدي ــ جزء من التراث يشبه سائر الأجزاء الأخرى، بمعنى كونه خليطاً من الحقّ والباطل، والصواب والخطأ، والمعقول واللامعقول؛ من هنا كانت الحاجة كبيرة لنقد عقلاني، فقداسة الدين وحقيّته لا ينبغي تسريتها إلى فهمنا للدين وتصوّرنا له، وهكذا الحال في التوكيد على أمر العقل والعقلانية لا يعني الإعراض عن الحقّ، والاستغناء عنه وعن الدين، أو الإعراض عن الأنبياء، وعن العبودية لله سبحانه؛ فالعقل غير قادر على ملأ الفراغ الذي يملؤه الدين في حياة الإنسان، تماماً كما لا يتمكّن الدين من مليء الفراغ الذي يملؤه العقل في هذه الحياة، والمركّب المنشود للعقل والوحي موقوفٌ على إقامة علاقة وحوار عقلاني بين هذا القطبين.

إن الدين محصول العقل الإلهي والنبوي، والاستفادة من عقل الآخرين من شروط العقل نفسه، وهي عين العقلانية، والذي لا ينسجم مع العقلانية هو تعطيل عقل الذات أمام عقل الآخرين.

*     *     *

الهوامش



(*) أستاذ جامعي معروف، من الشخصيات البارزة في طرح مشروع علم الكلام الجديد، من إيران.



([1]) إنّ القول بأن الشريعة صامتة، وأن المعرفة الدينية مرتبطة بالمعرفة الخارج ـ دينية، من الأفكار والطروحات الهامة للدكتور عبدالكريم سروش.

([2]) من أبرز وجوه استغلال الدين سلبياً هو تحويل النـزاعات غير الدينية إلى نزاعات دينية.

([3]) إنّ التعاطي النقدي مع بعض الاستنتاجات والفتاوى الفقهية من مصاديق طلب العلم، وطلب العلم فريضة، يقول النبي 2: mطلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمةn، انظر: الكافي 1: 30.

([4]) يقول الإمام علي %: mالعقل حفظ التجاربn انظر: نهج البلاغة، الرسالة: 31.