العقل الدامي

27 ديسمبر 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
103 زيارة

العقل الدامي

جولةٌ في المدرسة الفكريّة للشهيد الصدر

ـ القسم الثاني ـ

أ. محمد رضا الحكيمي(*)

ترجمة: حسن علي الهاشمي

 

13ـ الإسلام رائد الحياة ــــــ

إنّ عظمة فكر الشهيد الصدر، وحرّيته الفكريّة، وشجاعته في إظهار الرأي، تتجلّى بأروع صورها في كتابه «الإسلام يقود الحياة». عندما كنا نعدّ القسم الاقتصاديّ من كتاب «الحياة» (الجزء الثالث إلى السادس)، قلتُ للإخوة المحترمين: لا تأتوا بأيّ كتاب أو مقالة في موضوع «الاقتصاد» حتّى «الاقتصاد الإسلاميّ» في محيط عملنا، فننشغل بقراءتها، فتكون هناك خشية من أن نخضع تحت تأثير ما ورد فيها ـ أو المدرسة التي تنتمي لها ـ عند بيان مسألة من المسائل العامّة أو الخاصّة، فنشذّ عن الفضاء الخالص للفهم القرآنيّ، والإدراك التفقّهيّ الحديثيّ، وتعقّل الصفاء السماويّ للكتاب والسنّة. وهكذا كان، حتّى بلغنا «فصل الزكاة» (وهو الفصل الأربعون)، من الباب الثاني عشر، في الجزء السادس. وهنا توصَّلنا بأنفسنا بعد تمحيص «روايات الزكاة» إلى نتيجة مفادها أنّ أخبار وأحاديث الزكاة ترى وجوب تساوي جميع أفراد وأسر المجتمع الإسلاميّ في الاستهلاك، أي إنّ الإسلام وإنْ كان يؤمن إلى حدٍّ ما بالتفاوت في الملكية، وحرّية التصرّف فيها؛ طبقاً للضوابط والقيود الشرعية، إلاّ أنّه في ما يتعلَّق بالاستهلاك يذهب إلى وجوب أن يتساوى الجميع في التمتُّع بمستوى واحد معقول من العيش الكريم؛ (لأنهم جميعاً من البشر، وكلّ أسرة هي مثل الأسرة الأخرى، وليس لابن الأمير معدة أوسع من ابن الفقير، وكلاهما يتساوى بدرجة واحدة في الاحتياجات المادّيّة والثقافيّة والدينيّة والدنيويّة). وإذا حصل استثناء في بعض الموارد ـ طبقاً للدين ومنطق الحياة ـ وجب لحاظه في حدود هذه الدائرة الاستثنائيّة.

هذه هي النتيجة التي توصَّلنا إليها في الحقيقة؛ استناداً إلى الآيات والروايات، ولكنّنا آثرنا عدم تدوين ما توصَّلنا إليه من ضرورة تساوي الجميع في الاستهلاك صراحةً، وخاصّة أنّ الإخوة المحترمين كانوا يصرّون على الابتعاد عن تدوين ما من شأنه أن يحمل صورة الفتوى.

تصرّمت هذه الأيام، وانتهى العمل من أربعة أجزاء من قسم الاقتصاد من كتاب «الحياة» (بعد حوالي سبع سنوات من العمل، باستثناء الأعمال السابقة في الأعوام المنصرمة في جميع الكتاب)، وأصبح جاهزاً ليأخذ طريقه إلى صفّ الحروف. وفي هذا الأثناء كنت متوجِّهاً من قم المقدَّسة إلى طهران؛ لأتابع عمل طبع هذه الأجزاء، فقلتُ للإخوة عندها: لا مانع الآن من أن تأتوا بكتابٍ أو مقالةٍ جديرة بالقراءة في حقل الاقتصاد، لنتصفَّحه ونقرأ فيه. فكان من جملة الكتب التي جاء بها الإخوة كتاب «الإسلام يقود الحياة». فوجدتُ أثناء قراءتي في هذا الكتاب أنّ السيد الشهيد الصدر؛ واستناداً إلى «روايات الزكاة»، يقول بصراحة: إنّ مستوى حياة جميع الناس في المجتمع الإسلاميّ يجب أن تكون متكافئة ومتساوية.

حقاً إنّ هذا الفهم الفقهيّ الرفيع، والتفقُّه الجعفريّ السامي، وهذا الشعور القرآنيّ الساطع، وهذا الإدراك الجماهيريّ السليم، وهذا الوجدان الإنسانيّ الحرّ، وهذه الشجاعة المشهودة في إظهار الرأي، يعتبر بالنسبة لنا ـ نحن الذين توصَّلنا إلى ذات النتيجة من خلال الروايات ـ جليلاً وساطعاً، وحاكياً عن الروح الإسلاميّة الراقية التي يتحلّى بها هذا الشهيد العظيم. من هنا فقد اغتنمنا رأي سماحته، وأدرجناه في كتاب «الحياة»، رغم أننا قلّما اعتمدنا فيه على الأقوال من خارج دائرتنا المصغَّرة. وهنا يجدر بنا أن ننقل ما ذكرناه في كتاب «الحياة» عن السيد الشهيد الصدر في هذا الشأن؛ إحياءً لشهداء الإسلام، وتخليداً للإسلام الشهيد، وهو كالتالي: «بعد أن وصلنا؛ إثر مطالعاتنا في التعاليم القرآنيّة والحديثيّة وملاحظاتنا، إلى أنّ الإسلام إنّما يدعو الناس لتبنّي مبدأ المساواة، ولتركيز مستوىً معيشي «متساوٍ» أو «متقارب» للكلّ، وحمل الناس على قبول هذا المبدأ والجري عليه، بعد ذلك كلّه وقفنا على كلام الفقيه المتفتِّح الذهن، والعالم المفكِّر، الشهيد السيد محمد باقر الصدر، فرأينا أن ننقله هنا؛ إيقافاً للقرّاء عليه. يقول الشهيد الصدر ـ أعلى الله درجته في الشهداء ـ: «إنّ نصوص الزكاة صرَّحت بأنّ الزكاة ليست لسدّ حاجة الفقير الضروريّة فحسب، بل لإعطائه المال بالقدر الذي يُلحقه بالناس في مستواه المعيشي، أي لابدّ من توفير مستوى من المعيشة للفقير يُلحقه بالمستوى العامّ للمعيشة، الذي يتمتَّع به غير الفقراء في المجتمع. وهذا معنى أنّ توفير مستوى معيشيّ موحّد أو متقارب لكلّ أفراد المجتمع هدفٌ إسلاميّ، لابدّ للحاكم الشرعي من السعي في سبيل تحقيقه»([1])»([2]).

ويقيناً إنّ أهمية هذا الرأي لا تقلّ عن أصل الاهتمام بموضوع الاقتصاد، وضرورة البحث فيه، ودراسة مختلف المذاهب الاقتصاديّة، وتأليف كتاب «اقتصادنا». هذا هو مقام العقل والنبوغ الفقهيّ الذي نشأ وترعرع في حوزة النجف الأشرف، أي الحوزة التي تسكن إلى جوار «صاحب نهج البلاغة»، وتأكل من خير «صاحب نهج البلاغة»، لكنها ـ في الغالب ـ مغيَّبة عن المحتوى والمضمون الاقتصاديّ والإنسانيّ والمعيشي والسياسيّ والعدليّ لـ «نهج البلاغة»، بل قد لا يشكِّل «نهج البلاغة» لها مسألة تشغل تفكيرها… حتّى يصل الأمر إلى ضرورة أن يصدر التعبير الذي يسدّ الخافقين «الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة» من مداد أديب مسيحيّ شريف، ويملأ به خمسة مجلّدات، ليعمّ صداه الصاخب مسامع العالمين، وليأتي بعد ذلك أديب مسيحيّ آخر ليكتب شيئاً قريباً من هذا المضمون؛ إذ يقول: «إنّه لممّا يدعو إلى العجب أن يجتمع نهج البلاغة والظلم في مكانٍ واحد!». إنها مفارقة تحمل البعيد والقريب في موضع واحد!

وإذا ظهر شخصٌ مثل السيد الشهيد الصدر، ليؤلِّف كتاب «اقتصادنا»، و«الإسلام يقود الحياة»، أو «المدرسة القرآنيّة»، أو مثل العلامة الجعفري(1377هـ.ش) الذي يفني عمره في تأليف شرح تفصيليّ على «نهج البلاغة» (في حوالي ثلاثين مجلداً) ـ كما هو الحال بالنسبة إلى سائر أعماله وأبعاده الفكريّة ـ، يكون مجرّد استثناء. وأما الآخوند الخراساني(1329هـ)، والميرزا النائيني(1355هـ)، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(1373هـ)، والعلامة الأميني(1390هـ)، والشيخ آغا بزرگ الطهراني(1389هـ)، والشيخ محمد جواد البلاغي(1352هـ)، فيبدو وكأن النساء قد عقمت حتى الآن عن أن يلدْنَ مثلهم!

 

14ـ الفهم التوحيدي للاقتصاد ــــــ

إنّ من المسائل الجذرية في تعاليم الإسلام السامية، والتي هي على أهمّية قصوى في بناء الفرد والمجتمع، الارتباط التامّ والمنيع لـ «العدل» في الاعتقاد التوحيدي بـ «العدالة الاجتماعيّة» (الأعمّ من الاقتصاديّة والقضائيّة). يغفل الكثير الكثير من المسلمين العلماء والمثقّفين والعاديين عن هذا الموضوع الهامّ، وهو أنّ العدل يُعدّ في مذهبنا الركن الثاني من أصول الدين؛ إذ نرى الله عادلاً؛ حتّى أخذنا نعرف بالعدليّة، والقول بالعدل الإلهيّ في الأمور التكوينية والتشريعيّة. وعليه يجب أن يشكِّل تطبيق العدالة الاجتماعيّة جزءاً من الأحكام الجذريّة، ويدخل في نسيج إسلامنا، كما هو كذلك. وهذا ما ذكّر به مؤلّفو كتاب «الحياة» في العديد من مواضعه. كيف يكون الله عادلاً ويرضى بالظلم، بمعنى أن لا يكون تطبيق العدالة واجباً في دين الله؟!. إنّ في الرضا بالظلم ظلمٌ. وكيف لنا أن نتَّهم الله ـ الذي أثبتنا عدله بالبديهيات العقليّة والنقلية ـ بالظلم؟! إذاً الشرع الإلهيّ هو من أكبر دعاة تطبيق العدالة. وإنّ تطبيق العدالة ليس مجرّد فضيلة أخلاقيّة، بل هو واجبٌ وتكليف شرعيّ.

وإنه لمن حسن حظّنا أن نرى السيد الشهيد الصدر قد التفت في كتابه «الإسلام يقود الحياة» إلى هذا الموضوع الإسلاميّ الهامّ والجوهري، وجاء على ذكره صراحةً؛ إذ قال: «وينبغي أن نشير هنا إلى أنّ العدل الذي قامت على أساسه مسؤوليّات الجماعة في خلافتها العامّة هو الوجه الاجتماعيّ للعدل الإلهيّ الذي نادى به الأنبياء، وأكَّدت عليه رسالة السماء، كأصلٍ ثانٍ من أصول الدين، يتلو التوحيد مباشرة.

ولم يكن الاهتمام على هذا المستوى بالعدل الإلهيّ، وتمييزه كأصل مستقلّ للدين من بين سائر صفات الله تعالى ـ من علمٍ وقدرةٍ وسمعٍ وبصرٍ وغير ذلك ـ، إلاّ لما لهذا الأصل من مدلول اجتماعيّ، وارتباط عميق بمغزى الثورة التي يمارسها الأنبياء على صعيد الواقع.

فالتوحيد يعني ـ اجتماعيّاً ـ أنّ المالك هو الله، دون غيره من الآلهة المزيّفة. والعدل يعني أنّ هذا المالك الوحيد ـ بحكم عدله ـ لا يؤثِر فرداً على فرد، ولا يمنح حقاً لفئةٍ على حساب فئة، بل يستخلف الجماعة الصالحة ككلّ، على ما وفّر من نعم وثروات»([3]).

 

15ـ العرفان الإسلاميّ ــــــ

إنّ «العرفان الإسلاميّ» جزءٌ من التراث الثقافيّ والحضارة الإسلاميّة الغنيّة. وهناك في موضوع هذا العرفان ـ وفي شعبتيه: (العرفان النظريّ)؛ و(العرفان العمليّ) ـ الكثير من الآثار والمؤلَّفات التي أغنت المكتبات البشريّة، بجميع اللغات الإسلاميّة ـ وخاصّة العربيّة والفارسيّة ـ، لا يمكن الحصول على مثيل لها ولعمقها في تاريخ العرفان لدى أيّ شعبٍ من الشعوب. وقد قرأتُ الكثير من هذه الآثار ـ على المستوى الشخصي ـ مراراً وتكراراً. وقد كتبتُ لنفسي عدّة مجموعات مختارة من الآثار والأقوال والمباني لكبار العرفاء، ومنها: مختارات كتبتُها قبل ما يقرب من أربعين سنة من ديوان ابن الفارض المصري(632هـ)، ولكنها ضاعت للأسف الشديد. ومن بين القصائد التي انتخبتُها لابن الفارض الهمزيّة، التي تبدأ بالمطلع الذي يقول فيه:

أرج النسيم سرى من الزوراء

 

سَحَراً، فأحيا ميّت الأحياء

والجيمية التي يقول في مطلعها:

ما بين معترك الأحداق والمهجِ

 

أنا القتيلُ بلا إثمٍ ولا حرجِ

ومن ضمن مختاراتي العرفانيّة اخترت أيضاً «القصيدة الموصليّة» لمرتضى ابن الشهرزوري(بعد عام 520هـ)، التي تشير إلى بعض رموز العرفان العمليّ، وهي تبدأ بهذا المطلع المدوّر:

لمعت نارهم وقد عسعس الليـلُ

 

وملّ الحادي، وحارَ الدليلُ([4])

كما سنحت لي فرصة تصحيح ديوان حافظ الشيرازي من أوّله إلى آخره، ولم أوفّق إلى طبع النسخة المصحّحة.

والمقامات التي بدأتُ بكتابتها على أسلوب «مقامات الحريري»، وأسميتُها «مقامات الحكيمي»([5])، قد اشتملت على بعض الإشارات الفلسفيّة والعرفانيّة. وللأسف الشديد فإنّ هذا المؤلَّف لم يكتمل، ثمّ ضاعت النسخة في واحدة من انتقالاتي المتكرِّرة من منزل إلى آخر.

إنّ الحقائق العميقة والمفعمة بالدقائق الموجودة في العرفان الإسلاميّ غنيّة عن التعريف. بيد أنّ الحقيقة الهامّة والتي لم تخفَ عن أنظار المحقِّقين في «المعارف العالية» هي أنّ هذا العرفان قد تأثَّر بعرفان الشعوب السابقة على الإسلام (من الهنديّة، والغنوصية([6])، وعرفان ما بين النهرين، وما إلى ذلك)، وقد استعار مادّة وجذر القول بـ «وحدة الوجود» ـ وهو مفهوم بعيدٌ كلّ البُعد عن القرآن الكريم ـ من تلك المدارس، وإن عمد فيما بعد إلى الحصول من التعاليم الإسلاميّة والآيات القرآنيّة على بعض المواد الغنيّة، ولكنّها على أيّ حال لا تنطبق انطباقاً كاملاً على المعرفة الإلهيّة القرآنيّة والتعاليم الإلهيّة لأهل البيت^ ـ لا في البعد النظريّ، ولا في البعد العمليّ والسلوكيّ ـ كما صرّح بذلك العلاّمة الحلي(726هـ) في كتاب «نهج الحقّ»، والكثير من العلماء الآخرين الموسوعيّين، من أمثال: العلاّمة الطباطبائي في «تفسير الميزان»([7]). كما ذهب العلاّمة السيد أبو الحسن رفيعي قزويني إلى القول بأنّ وحدة الوجود الإطلاقية ـ التي تمثّل أصل العرفان ـ كفرٌ محض، وإنّ القول بـ «المعاد المثالي» ـ المطروح في الفلسفة العرفانيّة ـ، مخالفٌ ومباينٌ لآيات القرآن والسنّة المعتبرة([8]).

وبطبيعة الحال فإنّي إنّما ذكرت هذا العنوان (15)، والعنوان التالي (16)، ليشكِّلا مقدّمة للعنوان (17)، الذي سنتحدّث فيه عن سبب إحجام السيد الشهيد الصدر عن ذكر «العرفان الإسلاميّ» في مؤلَّفاته، فلم يرِدْ على ذكره أبداً؟!

كما أنّها تشتمل على التذكير بهذه النقطة، وهي أنّ سعة الاطّلاع على الفلسفة والعرفان، وحتّى إعداد المختارات الفلسفيّة والعرفانيّة، لا ينافي الانتساب إلى مدرسة التفكيك العلميّة و«المنهجيّة»؛ وذلك لأنّ المنهجيّة تقتضي التمييز بين «المعارف الالتقاطية والمشوبة»([9]) و«المعارف السماويّة الخالصة»، وعدم اختلاطهما ببعضهما، فلا نتنزّل بالوحي الإلهيّ إلى مستوى معطيات العقول المختلفة والبحوث الخلافية([10])، ولا نخدش في ثراء واستغناء المعارف القرآنيّة؛ كي لا يتمكَّن بعض المستشرقين، أو من كان على شاكلة برتراند راسل، من التفوُّه بشأن المعارف الإسلاميّة بما لا يليق([11]).

 

16ـ حجيّة الكشف ــــــ

نعلم جميعاً أنّ الطرق التي سلكها الإنسان للوصول إلى معرفة الحقائق والحصول على المعارف هي بشكل عامّ لا تخرج عن ثلاث:

الأوّل: طريق الوحي، والاتّباع العقليّ لرسالة السماء.

والثاني: طريق الفلسفة، حيث يحصل كلُّ مفكِّر على مقدار من معرفة الواقع في ضوء ما يُسعفه فهمه.

والثالث: طريق الرياضة العرفانيّة والفهم القائم على الارتياض الشخصيّ.

طريق الوحي ـ كما أشرنا ـ يقوم على الفهم العقلانيّ للوحي. وإنّ القرآن الكريم مفعم بعبارة ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ومثيلاتها. وقد روي عن الإمام علي× أنه قال في وصف الأنبياء ومهامهم الرسالية: «وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ»([12]). وإنّ تأكيد الأئمة الأطهار^ على توظيف العقل ـ في فهم الوحي ـ واعتباره «حجّة باطنية» لله عزّ وجلّ، كما أنّ الأنبياء^ حجّة ظاهريّة، أشهر من أن يذكر([13]). وإن حديث «جنود العقل والجهل» العظيم من أكثر المعارف التربويّة لأهل البيت^ مدعاة إلى الفخر والاعتزاز.

وطريق الفلسفة هو الطريق الذي اختطّه عدد من المفكِّرين منذ حوالي أربعين قرناً، وأبدعوا من خلاله عشرات المدارس والمذاهب الفلسفيّة، التي تختلف فيما بينها اختلافاً جذرياً وجوهريّاً. بل حتى في المدرسة الفلسفيّة الواحدة قلّما نجد اتفاقاً حول مسألة واحدة ـ كما أشار الخواجة نصير الدين الطوسي إلى ذلك في بداية «شرح الإشارات» ـ، وقد أشرنا إليه أكثر من مرّة لأهميّته. مضافاً إلى ذلك فقد صرّح كبار الفلاسفة ـ من الشرق والغرب ـ بعدم كفاية العقل لوحده في فهم الحقائق والوصول إلى المعارف([14]).

وطريق العرفان هو من الأساس قائمٌ على الكشف والارتياض. وبعبارة أخرى: إنّ «العرفان النظريّ» يقوم بذاته، ويتفرّع عن «العرفان العمليّ». وإنّ المادّة الرئيسة للعرفان العمليّ هي الارتياض والرياضة الروحيّة التي تفرز ـ بعد صحّة المقدّمات والشرائط، وضرورة السلوك، والارتياض لسنوات ـ كشف بعض الحقائق للشخص المكاشف والمرتاض، على فرض صحّة الكشف.

وهنا يجب التنويه إلى أنّ حاصل كشف المرتاض المكاشف إنّما هو حجّة على المكاشف نفسه، دون غيره. وإنّ الاستدلال بالمعطيات الكشفية والارتياضية ليس استدلالاً. وإنّ كلّ مسألة فلسفيّة يُستدلّ عليها بالكشف ـ سواء بالاستدلال الصريح المتضمّن للاستدلال بالكشف، أو يكون مآلها إلى الكشف ـ تخرج عن ماهيّتها الفلسفيّة؛ لأنّ الاستدلال الفلسفيّ يجب أن يكون عقليّاً حتّى يقبله الجميع. والكشف ليست له حجّيّة عامّة، كما هو واضح. يقول العلامة الطباطبائي: «إنّ فهم هؤلاء السادة (الذين يدّعون الكشف) أيّاً كان إنّما هو حجّة عليهم، دون غيرهم، وإنّ الادعاء إذا لم يستند إلى دليلٍ لا قيمة له»([15]). يتَّضح من هذا الكلام أنّ الكشف ليس دليلاً، وإنّ ادّعاء الكشف لأمر مثل: «وحدة الوجود» ادّعاء فاقدٌ للدليل. وإذا كان الكشف صحيحاً فإنّما يكون حجّة على المكاشف نفسه فقط، وإذا أذعن له الآخرون كانوا مجرَّد مقلِّدين له. ولا يجوز التقليد في المعارف والعقائد، كما هو معروف.

أورد بعض المعاصرين المغرَمين بالفلسفة عدّة انتقادات على «الحكمة المتعالية»، وقال في نقده الثاني: «إنّ صدر المتألّهين في الكثير من المواطن، [بل يجب القول: إنه في الأصول الرئيسة لفلسفته: الحكمة المتعالية]، قد استند إلى مشاهداته الباطنية ومكاشفاته القلبية، وإلى البراهين المنطقيّة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن في النظام الفلسفيّ المنسجم الاستناد إلى هذين المصدرين في عرض بعضهما، وعلى نسق واحد؟»([16]).

في هذا المقام قيل كلامٌ ناعم ومؤدَّب، وهو أمرٌ تجب رعايته في مقام الكبار، كما أنّني راعيته على الدوام، بل ألَّفت كتاب «المعاد الجسماني في الحكمة المتعالية» في الدفاع عن الفيلسوف الكبير صدر المتألّهين. بيد أنّه في ما يتعلق بالمسائل العلميّة والفلسفيّة المرتبطة بمشاعر النُخَب في المجتمع، وازدهار الثقافة، يجب أخذ التصريح بالحقائق بنظر الاعتبار، وخاصّة في مقام النقد. ولم يكن نقد آراء الكبار يوماً ما ليُنقص من عظمتهم. وعليه فإنّ الإجابة هي بالنفي، بمعنى أنه لا يمكن الاستناد في النظام الفلسفيّ المنسجم على المشاهدات الباطنية والمكاشفات الشخصية. وإنّ مثل هذا الاستناد سيُنقص ـ حتماً ـ من انسجام النظام الفكريّ الفلسفيّ، ويحوّل الفلسفة إلى عرفان؛ لكونها غير مبرهنة. وعلينا ـ وفاءً لحقّ أساتذتنا ـ أن نذكّر بأنّ هذا النوع من الانتقادات وما هو أكثر وأقوى منه ـ وإنْ كان هذا النقد أصوليّاً وقويّاً إلى حدٍّ كبير ـ قد سمعناه قبل ما يقرب من نصف قرن في الدروس الفلسفيّة التحقيقيّة والانتقاديّة والاجتهاديّة من أستاذنا العلاّمة، جامع فنون الظاهر والباطن، الحاج الشيخ مجتبى القزويني&.

وهنا يوجد أمرٌ آخر أيضاً، وهو أنّ الكشف يفتقر إلى إثبات، مثل: البرهان. وقد تقدم أن ذكرنا كلام ابن سينا وشيخ الإشراق في هذا الشأن، تحت العنوان التاسع من هذه المقالة؛ وذلك لأنّ الكشف بعد صحّة الشرائط والاستقامة في آداب السلوك وما إلى ذلك قد تطرأ عليه أخطاء كبيرة، عبَّر عنها محيي الدين بن عربي بـ «الخواطر الشيطانيّة»، وعبّر عنها علاء الدولة السمناني بـ «أغلاط المكاشفين». من هنا فقد عمدتُ إلى تقسيم السلوك إلى قسمين، هما: «السلوك الإلهيّ»؛ و«السلوك الصناعيّ». والسلوك الإلهيّ هو الذي يكون من خلال اتّباع المعصوم× اتّباعاً كاملاً، وليس مجرّد إظهار المحبّة والمودّة، بل اتّباعه حتّى في جزئيّات الأحكام المأثورة عن المعصوم، من قبيل: (الوضوء) مثلاً؛ لأنّ السالك الحقيقيّ ـ كما نقرأ في الزيارة الجامعة المعتبرة: «مَنْ أراد اللهَ بدأ بكم» ـ يجب أن يتعلَّم جميع الآداب من المعصوم×. إنّ السلوك الذي يُفترض به أن يوصل إلى النتائج الهامّة دقيق للغاية، ولا يعلم بهذا الطريق غير المعصومين^. و«باب الله» هو المعصوم فقط. ولا يمكن الوصول إلى الغاية دون الطريق، ولا يمكن ولوج الدار من غير طرق الباب. من هنا كان السلوك الإلهيّ منحصراً باتّباع المعصوم×، دون أدنى التقاط، لا في العقائد ولا في العمل. وإنّ هذا السلوك هو الذي يوصل الإنسان إلى «القرب الجبروتي»، بعد أن يعبر به من «القرب الملكوتي»، ثم ينال «القرب الولائي». ونحن نعلم أنّ الولاية غير إظهار المحبّة والمودّة. فإنّ لازم الولاية هو الاتّباع، حتى في الأمور الجزئيّة. وإنّ الذي لا يكون فقهه فقه المعصوم، ولا يأتي بجزئيّات أعماله على طبق أحكام المعصوم (المتَّخذة من اللوح المحفوظ، وسرّ الأسماء العلميّة، والمصالح الخفيّة)، لا يكون واصلاً لخواصّ الأعمال. وإنّ خواص الأعمال من أركان السلوك والارتقاء. مضافاً إلى ذلك كيف يمكن لشخصٍ أن يصل إلى «القرب الإلهيّ» قبل أن يصل إلى «القرب الولائي»؟ (مَنْ أراد اللهَ بدأ بكم). وكيف يمكن لشخص أن ينال «القرب الإلهيّ» دون أن تكون أعماله وطاعاته مقبولة؟! (بموالاتكم تُقبل الطاعة المُفتَرضة)([17]). وهل يعتبر غير المتّبع لفقههم، ولم يجعلهم واسطة بينه وبين الله ـ في تلقي الأحكام الإلهيّة ـ ملازماً لهم، أم أنه يُعتبر مقصِّراً في حقّهم؟ (اللازم لكم لاحقٌ، والمقصِّر في حقّكم زاهقٌ). وربما لأجل هذه الملاحظات قال العلاّمة الطباطبائي في معرض حديثه عن «الشيخ الأكبر»: «كيف يمكن اعتبار محيي الدين من أهل الطريقة؟…»([18]). وهل يُمكن لشخص أن يعتبر كلام عَلَم مثل: العلامة الطباطبائي ـ في مثل هذه الموارد الجوهرية ـ كلاماً بسيطاً، ولا يلتفت إليه ويتدبَّر فيه؟ ومع ذلك يسمّى مَنْ ينكر ذلك خبيراً ومختصّاً في الفلسفة والعرفان؟!

وأما «السلوك الصناعي» فهو الناشئ عن التعميات اليونانيّة والهنديّة وتصوّف ما بين النهرين ـ منذ ما قبل الإسلام ـ، وامتزج ببعض الآداب والعبادات الإسلاميّة. وقد سلك هذا الطريق أفراد من جميع المذاهب الإسلاميّة، ولم يكونوا مقيَّدين بقبول الولاية الكاملة (التكوينية والتشريعيّة) للمعصوم×. وحتّى من بين الشيعة كان هناك أشخاص دخلوا في هذا النوع من السلوك ـ أي السلوك الصناعي ـ، ولا زالوا، وخاصّة عند المتصوِّفة من الشيعة. وهذا السلوك بدوره إذا طبّق بشكل صحيح، واستوفى كامل شرائط الارتياض، سيعمل على تحرير بعض الطاقات النفسية الكامنة، وبالتالي فإنّ السير في هذا الطريق لسنواتٍ متواصلة، سيؤدّي بالإنسان إلى مراحل من عالم الملكوت لا أكثر. وإنّ ما قاله أصحاب هذا السلوك، والأمور الممتعة التي كتبوها نظماً ونثراً، والخوارق والكرامات التي صدرت وتصدر عن بعضهم، هي في الأعمّ الأغلب مرتبطة بهذا السلوك الميسور لأهل السنّة والشيعة على السواء، ولكنّه لا يرقى إلى سلوك الأساطين، الذين كانوا ـ بحكم العقل والنقل ـ محض تابعين للمعصوم، من أمثال: الميرزا الإصفهاني، أو السيد موسى الزرآبادي، أو الشيخ مجتبى القزويني، أو السيد محمد تقي الإشكوري، أو الشيخ علي أكبر إلهيان التنكابني. فإنّ الفرق بين ما يتوصّل إليه أولئك السالكون وبين ما يحصل عليه هؤلاء السالكون كالفرق بين من يتَّبع المعصوم والذي لا يتَّبع المعصوم، أي مثل «الفرق بين الثرى والثريا».

إذاً فالمسائل العرفانيّة مسائل تقوم على الكشف، والكشف يقوم على السلوك، وللسلوك أقسام، يمكن لبعضها أن يمتزج بالأوهام الشيطانية، والتمييز بين هذه المراحل والأقسام ليس من اختصاص كلّ مَنْ هبّ ودبّ. وإنّ اجتراح بعض العجائب والغرائب، كما شوهد من بعض المرتاضين الهنود، لا يقوم دليلاً على شيء. فالنفس الإنسانيّة إذا ارتاضت اجترحت أموراً تبدو على أهمّية كبيرة في أنظار العامّة، ولكنها لا تُفقد الخبير توازنه.

كنتُ في صدد أن أكتب مقالة أو رسالة في هذين النوعين من السلوك: «الإلهيّ»؛ و«الصناعيّ»، ولكنّي أحجمت عن ذلك؛ إذ أدركت أنني إذا أردت أن أفي الموضوع حقّه في بيان الفرق بين هذين السلوكين، وهاتين المجموعتين من السالكين، أيّاً كان موقعهم، وزيّهم، حتّى في الحوزات العلميّة، تعيّن عليّ التصريح ببعض المفاهيم، وذكر بعض الأمثلة، التي لا يصلح نشرها على الملأ، بل لربما كان ضررها ـ على بعض الأشخاص ـ أكثر من نفعها؛ إذ سيجنح إلى الإفراط أو التفريط؛ فيكون مذبذباً، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

كانت هذه الأمور مقدّمة لاستبيان السبب الذي جعل مفكِّراً مثل: السيّد الشهيد الصدر يُحجم في مؤلَّفاته عن ذكر العرفان والعرفانيّات بالمرّة.

 

17ـ العرفان في مؤلَّفات السيد الشهيد الصدر ــــــ

قال المختصّون بتراث السيد الشهيد الصدر: «لم يعتنِ السيد الشهيد بالمنهج العرفانيّ للمعرفة على الإطلاق، ولم يُشِرْ إليه في كتاباته، وهذا أمرٌ مُلفت للنظر، ولا ندري لمَ لم يتناوله السيد في كتاباته حول نظريّة المعرفة»([19]).

إنّ سبب عدم اهتمام فيلسوف ومفكِّر مستقلّ مثل: السيد الشهيد الصدر، وتجاهله للعرفان والعرفانيّات بشكل عامّ؛ بالالتفات إلى ما تقدَّم أن ذكرناه في العنوانين السابقين، ليس خافياً؛ ذلك أنّ السيد الشهيد الصدر لم يكن مقلِّداً في المعارف، فلم يكن مقلِّداً للمنطق والفلسفة، ولم يكن مقلِّداً للعرفان، خلافاً للكثير ـ حتّى من كبار الماضين ـ، من الذين كانوا في هذه المقولات مقلِّدين ومجرَّد مقرِّرين من الناحية العلميّة. وقد استفاد في كتاب «فلسفتنا» من الفلسفة الحديثة إلى حدّ كبير، وكان رأيه يقوم على «المواجهة العميقة والشاملة للمذهب الماركسي الإلحاديّ، الذي كان في حينها قد ضرب بجرانه الثقيلة على كاهل الأقطار الإسلاميّة». أجل، لقد كان السيد الشهيد مؤمناً بالمنهج العقليّ إلى حدٍّ كبير، وذلك على نحو مستقلّ.

كان الكثير من المفكرين والعلماء في العالم الإسلاميّ لا يوافقون العرفان والتوحيد العرفانيّ القائم على وحدة الوجود، ولم يؤمنوا باعتبار الكشف دليلاً عامّاً، ويرونه خاصّاً بصاحب الكشف، كما أوضحنا ذلك سلفاً. من هنا فإنّ العلماء الكبار، من أمثال: الفارابي، وابن سينا، والخواجة نصير الدين الطوسي، والميرداماد، كانوا يقولون بالتوحيد العلّي والصدور، دون التجلي والتطوّر. وحتى شيخ الإشراق السهروردي وأتباعه كانوا كذلك أيضاً؛ لأنّ المعرفة الإشراقية هي غير المعرفة العرفانيّة. وإنّ توجيه تهمة الاعتقاد بـ «وحدة الوجود» إلى شيخ الإشراق لا تناسبه؛ لأنّه يقول بأصالة الماهيّة، كما يقول الشهيد مطهري: «عندما يصرِّح شيخ الإشراق نفسه بأنّ هذا النوع من التمايز في الماهية جائزٌ، ولذلك يقول: على الرغم مما قاله المشّاؤون فإنّني أقول بالتشكيك في الماهية، لا يسعنا أن نؤوِّل كلامه، ونقول: إذاً كلّ ما يقوله الفلاسفة القائلون بأصالة الوجود([20])، وقاله العرفاء أحياناً في باب حقيقة الوجود، يتطابق مع كلام شيخ الإشراق! كلا، إنّ هذا لا يصحّ»([21]).

 

18ـ نظريّة المعرفة ــــــ

نعلم أنّ البحث عن «المعرفة» بشكل مستقلّ هو من بحوث العلم والفلسفة، ويعود بجذوره إلى سابقة عريقة عند الإغريق، تنتمي إلى عصر السفسطائيين. كما يعود إلى أقدم مراحل ظهور الفلسفة في الإسلام، أي إنها تعود إلى عهد يعقوب الكندي(حوالي260هـ)، حيث عدّد طرقاً للمعرفة([22]).

وأما في الغرب فإنّ هذا البحث يعود إلى ما يقرب من ثلاثة قرون، حيث بدأه جان لوك(1704م) الفيلسوف الإنجليزي المعروف. وقد بيّن نظريّته في كتابه الذي يحمل عنوان «تحقيق بشأن قوّة الإدراك عند الإنسان»، حيث أنكر هناك الفطريات والمفاهيم اللدنية، وذهب إلى القول بأنّ «أصل المعرفة الإنسانيّة يقوم على الحسّ والتعقّل، ومراده من التعقّل مشاهدة الحالات الباطنية»([23]).

وبطبيعة الحال ترد على فلسفته بشأن «المعرفة» الكثير من الإشكالات. فعندما نقول: «إنّ أصل المعرفة الإنسانيّة يقوم على الحسّ والتعقّل» نكون قد قسّمنا المعرفة نفسها إلى قسمين، وهما: المعرفة الحسّيّة،؛ والمعرفة التعقّليّة. وعليه لا تكون المعرفة الإنسانيّة منحصرة بـ «المعرفة الحسّيّة»([24]). مضافاً إلى أنّ عطف الحسّ والتعقُّل على بعضهما ـ وهما مقولتان ممتازتان عن بعضهما ـ لا يحلّ شيئاً. وإنّ تعريف التعقّل بمشاهدة الحالات الباطنية غير صحيح؛ إذ في الكثير من الأحيان يبادر الإنسان إلى التعقّل في موضوع، مع أنّ ذلك الموضوع لا يكون من حالاته الباطنية. وإنّ تعريف التعقّل من وجهة نظره هو نفس تعريف الحسّ، غاية ما هنالك أن الحسّ الباطني في قبال الحسّ الظاهريّ.

وبعبارة أخرى: إذا كان مراد جان لوك من مشاهدة الحالات الباطنية هو الإحساس والشعور بتلك الحالات كان ذلك هو الحسّ، وليس شيئاً زائداً عليه؛ وأما إذا كان مراده المحسوسات الخارجيّة فإنّها ليست من حالات الإنسان الباطنية. وكذلك مشاهدة الحالات الباطنية إذا كان المراد منها المشاهدة البحتة والخالصة كانت واحدة من شُعب التعقُّل، ولم تكن من الحسّ في شيء؛ وإذا كان المراد هو المحسوسات المستبطنة، مع حفاظها على الخصائص الحسّية، لم تكن باطنيّة بحتة.

أمّا السيد الشهيد الصدر فقد بحث مسألة «المعرفة» في كتابه «الأسس المنطقيّة للاستقراء» وبعض كتبه الأخرى بدقة فلسفيّة وعلميّة. وقد أشرنا إلى ذلك. وقد طرح مسائل جديدة في تحقيقاته حول «المعرفة الاستقرائيّة»، واستعرض نظريّاته الخاصّة بقوّة في مواجهة المنظّرين الغربيّين. وفي هذه البحوث تبرز نظريّاته الاجتهادية في أبعاد المعرفة والمنطق والفلسفة القديمة والحديثة بوضوح([25]).

 

19ـ الاتجاهات التفكيكيّة ــــــ

في هذا المقام وجدتُ من المناسب، بل من الواجب، أن أشير إلى الأبعاد التفكيكيّة في أفكار ومؤلَّفات الشهيد الصدر؛ بغية الإسهام في تجذير الاجتهاد في الفلسفة، وكسر حاجز التقليد في التفكير، والاستقلال الفكريّ، والنزعة العلميّة والمنهجيّة، وحذف «التعبُّد في التعقُّل».

وعلينا أن نضيف هذه الملاحظة أيضاً، وهي أننا عندما نتحدّث ونقول: إنّ هذا الفيلسوف أو المفكِّر أو المنظِّر من القائلين بالتفكيك، أو إنّ له اتجاهاً تفكيكيّاً، لا نعني بذلك أنّه من أصحاب المدرسة التفكيكيّة في خراسان ضرورةً، وإنّما المراد هو المفهوم الأعمّ من «التفكيك الاصطلاحي» لـ (أصحاب خراسان)، أو «التفكيك المناطقي» (من كلّ مكان ومنطقة أو من الحوزة أو الجامعة). وإنّما يكفي أن يعتقد الفيلسوف ويلتزم بهذا الاعتقاد (وهذا النوع من المعرفة)، ويرى أنّ الفلسفة فنٌّ علميّ، وأنّ هناك بين معارف الوحي والمعارف الفلسفيّة والعرفانيّة ـ بشكل عامّ أو في بعض الموارد الهامّة ـ تفاوتاً واختلافاً في المستوى، وأحياناً يكون هناك اختلاف في الرؤية، وفي بعض الموارد (بما في ذلك: المعاد المثالي، وكون الإرادة من صفة الفعل، وحدوث العالم، وروحانية حدوث النفس)، والمعطيات الفلسفيّة والعرفانيّة، لا تتطابق في الأصل والأساس مع الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة وتعاليم المعصومين^، يكون هذا النوع من الفلاسفة والمفكِّرين ـ الذين هم كُثر خارج المدرسة التفكيكيّة الخراسانية (في الحوزة العلميّة والجامعة) ـ تفكيكيّاً بتنقيح المناط، وإنْ لم يكن تفكيكيّاً بالمعنى المصطلح في حوزة خراسان، أو أن يكون عالماً بمباني التفكيك في خراسان، بل هو تفكيكٌ بتنقيح المناط ونفس الأمر.

من هنا عندما نرى العلاّمة الطباطبائي يقول بصريح العبارة: من المحال ـ كالاستحالة الرياضيّة في تغيُّر درجة زوايا المثلَّث ـ أن تتطابق طرق المعرفة الثلاثة (الوحي؛ والفلسفة؛ والعرفان)، سنعتبره تفكيكيّاً بتنقيح المناط؛ لأنّ «مدرسة التفكيك» لا تريد أكثر من هذا. بل إنها تقول ما هو أخفّ من ذلك؛ لأنّ المدرسة التفكيكيّة لا تقول: إنّ النسبة بين معطيات الوحي من جهة والمعطيات الفلسفيّة والعرفانيّة من جهة أخرى هي نسبة «التباين الكلّي» أبداً، في حين أنّ صريح كلام العلامة الطباطبائي في «الميزان»، الذي هو من أهمّ إنجازاته العلميّة، يقول بـ «التباين الكلّي»([26]). بينما كلّ ما تقوله المدرسة التفكيكيّة هو أنّ النسبة بين هاتين الفئتين من المعطيات ليست «التساوي الكلّي»([27]). وإنّ الكثير من الفلاسفة والمطَّلعين على الفلسفة من غير المدرسة الخراسانية، من الذين يعرفون الفلسفة، ويعرفون «القرآن الكريم» والمباني السماويّة إلى حدٍّ ما، يذهبون إلى هذا الرأي أيضاً([28]).

وحيث إنّ غايتنا الرئيسة منذ عشرة أعوام؛ إذ بدأنا بالترويج لـ «المدرسة التفكيكيّة»، تقوم على تقريب أذهان المفكّرين في خراسان وغيرها، والتوفيق بينهم، وتوضيح هذه النقطة، وهي أنّ هذين التيّارين الفكريّين الإسلاميّين لو تدبّرا في كلام بعضهما، ولم يتسلَّلْ السطحيّون من الذين يستهويهم النقد من خارج دائرتهم، لأدركوا أنّ النقاط الخلافية بينهم ليست كبيرة. وإذ كانت نيّتنا هي تقديم خدمةٍ في هذا الاتجاه وجدنا أنفسنا وجهاً لوجه أمام إعادة طبعات متعدّدة ومتنوِّعة للكتب والمؤلَّفات التفكيكيّة، والكثير من رسائل الشكر والتشجيع. والأهمّ من ذلك أننا تعرّفنا إلى الكثير من الفضلاء العقلاء الناشطين الذين توصَّلوا إلى ضرورة التجديد والتحقيق في المعارف الدينيّة، بما فيها المعارف الحديثيّة؛ ليحصلوا بذلك على فوائد غير مسبوقة. ونسأل الله أن يسدِّد خطواتهم في هذا المجال.

ولهذه الغاية المذكورة، أي التقريب بين الأذهان، بدأنا كلّما عثرنا على مفكِّر يميل في مؤلَّفاته إلى الاتجاه التفكيكيّ نعمل على نشره. من هنا فقد أردنا في هذه المقالة الخاصّة بالسيد الشهيد الصدر ـ والتي أطنبنا فيها إلى حدٍّ ما، ومع ذلك لم نفِ بجميع مؤلَّفاته، فإنّ التدقيق فيها بأجمعها يحتاج إلى كتاب مستقلّ ـ أن نشير إلى اتجاهاته وآرائه التفكيكيّة على النحو التالي:

1ـ إنّ عدم اهتمام السيد الشهيد الصدر بـ «العرفان الإسلاميّ»، وعدم تعرُّضه المطلق للمفاهيم العرفانيّة، حتّى في بحث المعرفة، يحكي عن أنّه لم يكن يؤمن بالمعطيات العرفانيّة، وتوحيد وحدة الوجود، وأمثال ذلك أبداً. وكان يرى أنّ التوحيد الصحيح هو التوحيد القرآنيّ (الإيجادي)، وليس التوحيد الوجوديّ (العرفانيّ).

2ـ كما يمكننا أن نحدس بوضوح أنّ السيد الشهيد الصدر بدقّته العقليّة، حتّى في مثل بحث الاستقراء في المنطق، كان يمنع نفسه من الاستناد إلى «الكشف العرفانيّ»، الذي هو مجرّد حجّة شخصيّة، وإذا اتَّبع شخصٌ أمراً قائماً على كشف غيره كان مقلِّداً مدَّعياً للكشف. وهذا التوجّه ينفي عنه الاعتقاد بالعرفان.

3ـ إنّ تأليف كتاب «المدرسة القرآنيّة»([29])، وتأكيده على العودة إلى القرآن الكريم (والفهم القرآنيّ) في أوساط الحوزة العلميّة، من الأدلّة الأخرى على انتمائه الخالص للقرآن. وإلاّ فإنّ فهم القرآن المشوب بالفلسفة والعرفان كان موجوداً ولا يزال عند البعض من المنتسبين إلى الحوزة العلميّة على الدوام.

4ـ قال السيد الشهيد الصدر في كتاب «دستور الأخلاق»، بعد البحث في سلسلة من مسائل الأخلاق المقارنة بين الشرق والغرب، والقول بأنه يسعى إلى عدم إصدار أيّ أحكام مسبقة، وإنّما ينطلق في ذلك بما يمليه العقل: «الذي استولى في النهاية على إعجابنا هو ما رأيناه من التباين المذهل بين الطريقة التي يقدِّم بها القرآن إجاباته عن هذه الأسئلة([30]) وطريقة غيره. ففي حين أنّ هذه الحقائق الأساسيّة قد برزت إلى الوجود في ضوء القرآن اللامع منذ أربعة عشر قرناً نجد أنّ مجتهدي المفكّرين ـ ممَّن يبحثون عن هذه الحقائق خارج ضوء القرآن ـ يصدرون دائماً عن تردُّد وارتياب، ولا يصلون إلى أبعاض منها إلاّ بعد جهد جهيد، دون أن يتوقّوا الوقوع في أخطاء فادحة»([31]).

5ـ إنّ الأمر الآخر الذي هو على درجة عالية من الأهمّية، والذي يجعل السيد الشهيد الصدر ضمن المتألّهين القرآنيّين، غير المتأثِّرين بالمدارس والمذاهب الدخيلة، هو رفضه لمبدأ العلّيّة، الذي يؤدّي إلى القول باضطرار المبدأ الفاعل المتعالي، وكونه مجبراً. لقد عمد السيد الشهيد من خلال ما قاله إلى نسف النظام الفكريّ لدى المشّائين؛ إذ أنكر علّيّة العلم الأزليّ. وبهذا البيان يتمّ رفض الفلسفة العرفانيّة أيضاً؛ إذ يرد إشكال الجبر في المبدأ المتعالي على التجلّي أيضاً؛ لأنّ التجلي الذاتيّ هو ذات التجلّي. مضافاً إلى ذلك فإنّ التجلّي ينفي الخلق من العدم، وإنّ الخلق من العدم هو عين توحيد القرآن الكريم والمعصومين^ (التوحيد الإيجادي).

كما أنّ السيد الشهيد الصدر يخالف مسلك المشّائين بشكلٍ كامل، وينكر القول بأنّ العلّيّة هي منشأ حدوث العالم([32]).

6ـ رغم أنّ السيد الشهيد الصدر في محاولة إقناع المادّيّين لم يكن بوسعه الاستدلال بـ «الوحي» صراحةً، ولكنّه مع ذلك أعطى «القرآن الكريم» مساحة محوريّة واسعة، وذكر الكثير من أدلّة القرآن الحسّية والعقليّة على إثبات الصانع.

7ـ إنّ من جملة الأمور الهامّة التي استند إليها الشهيد الصدر فهم «القرآن الكريم» بشكلٍ عميق وكامل (استكناه ذخائر القرآن). ومن الواضح أنّ هذا «الفهم العميق» يعود في المرتبة الأولى إلى «الفهم الخالص»، بل هو متوقِّف على هذا النوع من الفهم. وإلاّ فإنّ الفهم المخلوط والمستورد لا ينسجم مع التعمُّق في الفهم كثيراً. وهذا الأمر (نفي استيراد الأفكار من الخارج للتعمّق في الفهم القرآنيّ) يؤيّد بالتعبير الجميل والعميق الذي استعمله السيد الشهيد، والذي تقدَّم ذكره، أي (استكناه ذخائر القرآن) مئة بالمئة.

8 ـ من خلال التتبُّع في أفكار السيد الشهيد الصدر ندرك أنّه كان يسعى إلى تأسيس فلسفة جديدة تختلف اختلافاً كبيراً عن الفلسفة الإسلاميّة التقليديّة المهيمنة على الحوزات العلميّة والجامعات حاليّاً([33]). وإنّ هذه الفلسفة؛ بالالتفات إلى التوجُّه العميق والتفصيلي للسيد الشهيد إلى «القرآن الكريم»، كانت دون أدنى شكّ إما فلسفة قرآنيّة وقائمة على معارف أهل البيت^ بالمطلق، أو أنها لا تحتوي على أدنى مخالفة لظواهر الآيات والروايات، وعدم اللجوء إلى الاستيراد والتأويل، وإلاّ فإنّه إذا أبدع فلسفة إسلاميّة تأويليّة ومستوردة لن يكون مؤسِّساً لمنظومة فلسفيّة جديدة.

 

20ـ العقل الدامي ــــــ

نصل إلى تسمية هذا المقال: «العقل الدامي»([34]). الحقيقة أنّني لا أرى نفسي عاجزاً في ما يتعلق باختيار العناوين. وهذا واضحٌ من خلال تسمية بعض مؤلَّفاتي وكتبي. وكثيراً ما تردَّد عليّ بعض الأفاضل لكي أنتقي لهم تسميةً لكتاب أو مجلّة أو صحيفة أو مكتبة أو مراكز علميّة أو ثقافيّة، أو يستشيرونني في تسمية انتخبوها بأنفسهم، كي أبدي رأيي فيها.

ومع ذلك خطر على ذهني تسمية هذه المقالة بـ «العقل الدامي»، مستعيراً إيّاه من شيخ الإشراق شهاب الدين السهروردي(587هـ). فلم أرَ في ذلك بأساً، وخاصّة أنه يستدعي إحياء ذكر الشيخ السهروردي. وإنّ شيخ الإشراق نفسه ـ رغم اختلافه الكبير مع المشّائين والفلسفة المشّائية ـ نقل الكثير من التعبيرات عن الشيخ ابن سينا، مصرِّحاً بهذا النقل.

أعتقد لو أنّ الشيخ شهاب الدين السهروردي قد التقى بالسيد الشهيد الصدر لكان قد شمله بآيات التكريم والاحترام والتبجيل، على نحو ما كان تبجيله واحترامه لأستاذه الشيخ مجد الدين الجيلي، وكذلك الفخر الرازي، أو أكثر([35]).

لقد صنَّف شيخ الإشراق السهروردي العديد من الكتب والرسائل باللغتين العربيّة والفارسيّة، وهي مشهورة عند أصحاب العلم والفضيلة. ومن بين أعماله باللغة الفارسيّة عدد من الرسائل تحت عنوان: «برتو نامه»([36])، و«لغت موران»([37])، و«صفير سيمرغ»([38])، و«آواز بر جبريل»([39])، و«عقل سرخ»([40]).

لقد عمد شيخ الإشراق السهروردي في رسالة «العقل الدامي» ـ كما هو حاله بالنسبة إلى أغلب قصصه الفلسفيّة والعرفانيّة ـ إلى رسم موقف وسيرة يمكن للإنسان من خلاله الخلاص من الأفخاخ المنصوبة في طريقه، وأن يفيق من سباته، ويلتمس طريقه إلى الغاية والهدف، لينتهي بالتالي ويصل إلى حقيقة «سراج الليلة الظلماء» و«شجرة طوبى». ويعلم أنّ هناك على الدوام عنقاء ترعى بين أحشائها وجوداً يقطر بالعلم والحكمة (إذا تمّ التعرُّف عليه جيّداً).

وكذلك عليه أن يتعرّف على الحصار الجسديّ المحيط بروحه، ويسعى إلى تخليص نفسه منه. وأن يعلم أيضاً أنّ «سكرات الموت» ستضع حدّاً لكلّ هذه القيود، وتحطّم جميع السدود. بيد أنّ ذلك سيكون عسيراً على بعض، ويسيراً على آخرين. وعلى الإنسان مسبَقاً أن يرمي بنفسه في ظلمات البلاء، كي يصل إلى ينبوع الحياة والعلم والمعرفة (من خلال العمل والسلوك والرياضة)؛ كي يتخلّص من صدمات الموت (وصعوبات نزع الروح من الجسد).

وإنّ الشهيد الصدر بعد مقامه العلميّ الشامخ، وشرف انتسابه إلى أهل بيت الوحي والنبوة والرسالة، وما قدَّمه من الخدمات الجليلة للإسلام والإنسانيّة، قد وصل إلى ينبوع الحياة المتمثِّل بالشهادة، بعد أن تجاوز الحياة الملْكية والملكوتية، وبلَغ الحياة الجبروتية: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169).

 

الهوامش

_________________________

(*) صاحب كتاب (الحياة)، أهمّ شخصيّة تفكيكيّة معاصرة، له كتب عدّة، منها: علم المسلمين، المدرسة التفكيكيّة، الاجتهاد والتقليد في الفلسفة، و….

([1]) السيد محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة: 45، ط2، طهران، 1403هـ.

([2]) الحياة 5: 165، مكتب نشر الثقافة الإسلاميّة، ط1، طهران.

وهل نعثر اليوم على مثل هذا الحاكم الشرعي، أو أن نجد مسؤولاً في الدولة، يفكِّر في هذا الأمر، بمعنى أن يعتزل الرأسماليّين، ويخرج من قلبه حبّ الأموال والثروات والقصور، ويجهد من أجل تحقيق أصل (المساواة) الإسلاميّ، وبناء المجتمع القرآنيّ بعيداً عن الاختلاف والتفاوت الطبقي، وأن يجعل من العمل على إنقاذ (المستضعفين) فلسفة لحياته.

([3]) السيد محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة: 33 ـ 34، ط2، طهران، 1403هـ.

([4])النجوم الزاهرة 5: 231؛ شذرات الذهب 4: 124؛ الوافي بالوفيات 17: 304 ـ 404.

([5]) كان بطل المقامات التي ألفتها (الشيخ نجم الدين المغاربي)، و(أبو سعد الفزاري)، بدلاً من (أبي الفتح الإسكندري) و(عيسى بن هشام) في (مقامات بديع الزمان الهمداني)، و(أبي زيد السروجي) و(الحارث بن همّام) في (مقامات الحريري).

([6]) الغنوسطية أو الغنوصية: مذهب العرفان: مذهب عقلاني نشأ في نطاق المسيحيّة خلال القرن الأوّل للميلاد، وازدهر بخاصّة خلال القرن الثاني للميلاد، أكَّد أصحابه على المعرفة الروحيّة أكثر ممّا أكدوا على الإيمان، والقول بأنّ المادّة شرٌّ، وأنّ الخلاص يأتي من طريق المعرفة الروحيّة. وقد حاول القائلون بهذا المذهب التوفيق بين تعاليم المسيح والفلسفات الإغريقية والشرقية، وأنكروا التفسير الحرفي للكتاب المقدّس. ومن أجل ذلك اعتبرتهم الكنيسة من الهراطقة. والتعبير مشتقّ من اللفظة اليونانية (gnosis)، ومعناها المعرفة. (انظر: منير البعلبكي، المورد (قاموس إنجليزي ـ عربيّ): 392، 2005م؛ موسوعة المورد 4: 225.

([7]) العلاّمة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 5: 305 ـ 306، طبعة آخوندي، ط2، طهران، 1390هـ؛ وطبعة بيروت: 282 ـ 283، 1390هـ.

([8]) غوصي در بحر معرفت: 128، 166، إعداد: أحمد سيّاح، انتشارات إسلام، طهران، 1376هـ.ش.

([9]) قال صدر المتألّهين& في مقدّمته على (الأسفار الأربعة): «…وأصنّف كتاباً جامعاً لشتات ما وجدته في كتب الأقدمين، مشتملاً على خلاصة أقوال المشّائين، ونقاوة أذواق أهل الإشراق من الحكماء الرواقيين، مع زوائد لم توجد في كتب أهل الفنّ…».

([10]) في ما يتعلق باختلاف الفلاسفة وتضارب الآراء الفلسفيّة فحيث كان المنشأ الأساس للفلسفة هو العقل، والوهم يتدخّل في شأن العقل على الدوام، فإنّ فهم الحقائق بمجرّد العقل يقترن على الدوام بالاختلاف الفاحش. (راجع الكلام الهامّ للغاية الذي قاله الخواجة نصير الدين الطوسي في بداية (شرح الإشارات)، وقد تقدم أن ذكرناه في نهاية العنوان (11) من هذه المقالة).

([11]) تاريخ فلسفة الغرب 2: 223 ـ 224، طهران، 1351هـ.ش.

([12]) نهج البلاغة، الخطبة 1.

([13]) تحف العقول، حديث هشام بن الحكم عن الإمام موسى بن جعفر×.

([14]) انظر: مقالة (حد گرایی در علم وفلسفه)، في كتاب (اجتهاد وتقليد در فلسفه).

([15]) مجموعة مقالات 2: 214؛ وكذلك: اجتهاد وتقليد در فلسفة: 218.

([16]) نيايش فيلسوف: 451، من دار نشر دانشكاه علوم إسلاميّ رضوي، مشهد (1377هـ.ش).

([17]) إنه لممّا يدعو إلى الأسف أن يجهل بعض فضلاء وعلماء الشيعة هذا الأصل التوحيدي الكبير (البدء بالولاية)!

([18]) روح مجرّد: 411، طبع انتشارات حكمت، طهران، 1414هـ؛ اجتهاد وتقليد در فلسفة: 221.

([19]) الفكر الإسلاميّ: 305؛ لمحات من الفكر الفلسفيّ.

([20]) بطبيعة الحال إنّ مسألة (أصالة الوجود) في تلك الحقبة لم يكن لها ذلك الحضور في المنطق والفلسفة العقليّة؛ لأنّ هذه المسألة ليست فلسفيّة من الناحية الذاتيّة.

([21]) شرح مبسوط منظومه 1: 220، انتشارات حكمت، طهران، 1404هـ.

([22]) بطبيعة الحال فإن موضوع المعرفة في الإسلام ـ سواء في التعاليم القرآنيّة أو السنّة الشريفة ـ، وطرق حصولها أو موانعها، كانت مطروحة وفقاً للآليّات والأدوات الإسلاميّة قبل سنوات من تسلل الفلسفة الإغريقية إلى الكيان الإسلاميّ. (يمكنكم ملاحظة هذا البحث في كتاب (الحياة)، الباب الأول، ضمن 82 فصلاً رئيساً وفرعياً).

([23]) ليس التعقُّل بالعقل النوري (الفطري، الكامن)، بل توظيف لعمق العقل دون ظواهره القشرية، وقد توصَّل الإنسان إلى هذه المرحلة السامية من (التعقُّل) بفضل الهداية الإسلاميّة.

([24]) وكما أنّ المعرفة الإنسانيّة لا تنحصر بـ (المعرفة الحسّية)، ولا تقف عند هذا الحدّ (وإنّ الذين توقَّفوا عند هذا الحدّ هم بحكم الأطفال الصغار الذين لا يدركون شيئاً ممّا يحيط بهم)، فإنها لا تنحصر بـ (المعرفة العقليّة) أيضاً. بل إنّ منـزلة الإنسان ومقدرته العقليّة الكامنة والمودعة فيه بحيث تصل إلى ما هو أرقى من ذلك، أي إنها تصل إلى مراتب (المعرفة السماويّة والإلهيّة)، حيث يقول تعالى: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89). وإنّ هذه المعرفة لا حدود لها. فأين العلوم البشريّة ـ سواءٌ منها التجريبية أو الفلسفيّة ـ من التبيان (البيان الكامل للحقيقة)؟ تعلمون أنّ كلمة (تبيان) مصدر من (باب التفعيل)، وتستعمل للتأكيد. (للاطلاع على اعترافات كبار الفلسفة والعلم ـ من القديم والحديث والشرقي والغربيّ ـ بالجهل بالحقائق راجع كتاب (الاجتهاد والتقليد في الفلسفة)، وكتاب (المعاد الجسماني في الحكمة المتعالية)).

([25]) في هذا الشأن راجع: مقالة (نظريّة المعرفة في فلسفة الشهيد الصدر) القيّمة، مجلة الفكر الإسلاميّ: 235 ـ 294، تأليف: الدكتورة عائشة يوسف.

([26]) لقد أبرز العلاّمة الطباطبائي تصريحات هامّة أخرى في مؤلَّفاته وأعماله الأخرى بشأن البحوث الاختلافية بين الوحي والفلسفة، وهي مباحث رئيسة، ومن صميم مباني المدرسة التفكيكيّة. (انظر: مقالة: (آزادگي علمي) في كتاب (اجتهاد وتقليد در فلسفه).

([27]) ولسنا نتصوّر فيلسوفاً فاهماً للقرآن الكريم، ويقول مع ذلك بالتساوي التامّ بين معطيات الوحي والمعطيات الفلسفيّة (في مختلف الفلسفات). وعليه فإنّ التفكيكيّين يعتقدون بقيمة (الفلسفة)، ولكن ضمن حدودها، وأما المعارف السماويّة فهي من مقولة ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم: 5)، ولا يمكن قياس معطيات المعارف البشريّة بمعطيات الوحي أبداً، مضافاً إلى اختلاف الفلسفات الذي لا حدّ له.

([28]) سنذكر هذا البحث بالتفصيل في كتاب (إلهيّات إلهي وإلهيّات بشري) إن شاء الله تعالى.

([29]) إنّ نفس اختيار السيد الشهيد لهذا العنوان يشكِّل دليلاً صارخاً على أنه كان يرى (مدرسة المعارف القرآنيّة) و(المباني السماويّة) مدرسة مستقلّة وغنيّة، ومختلفة عن سائر المدارس والنِّحَل الدخيلة الأخرى.

([30]) المراد منها الأسئلة التي سبق للسيد الشهيد أن ذكرها في كتابه حول المباني والمسائل الأخلاقيّة وما إلى ذلك.

([31]) دستور الأخلاق: 17، نقلاً عن مجلة الفكر الإسلاميّ: 70.

([32]) الفكر الإسلاميّ: 305.

([33]) المصدر السابق: 306، مقالة (لمحات من الفكر الفلسفيّ).

([34]) التسمية في الأصل الفارسيّ (عقل سُرخ).

([35]) إنّ من بين المسائل الهامّة في آراء السيد الشهيد مسألة (إصلاح المرجعيّة)، ولكن حيث طالت المقالة، وقد تحدَّثت حول أوضاع الحوزة العلميّة مراراً وتكراراً، أرى الإحجام عن طرق هذا البحث أولى.

([36]) شعاع الرسالة.

([37]) لغة النمل.

([38]) سجع العنقاء.

([39]) نغمة ريشة جبرئيل.

([40]) العقل الدامي.