العقل بين الاعتقاد والإيمان

19 أبريل 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
183 زيارة

العقل بين الاعتقاد والإيمان

إيمان شمس الدين

لا يمكن أن يتم الإيمان بدون عقل، فالعقائد ليست تعبدية بل تحرز عقليا، فلو لم أثبت وجود جهة قادرة وقدرتها تفوق قدرة البشر بالأدلة العقلية، لن أستطيع بالتالي أن أُسَلّم وأتعبد بالأحكام التي لم يصل العقل الى إدراك مقاصدها ، لأن عدم الادراك لا يعني عدم القدرة عليها ، بل يعني لم يستطع العقل الإنساني إلى اليوم وفق تراكمه المعرفي الوصول واقعا إلى إدراك ذلك، كون المقدمات لإدراكه لم تتوفر لديه ، أو لم يصل لها وفق تراكمه المعرفي.

والإيمان ليس سابقا على العقل بل هو خطوة لاحقة لأن التفكر عمل عقلي …

فادراك المبدأ و النبوة و المعاد عقلي، وهي مقدمات ضرورية عقلية ليحصل الاذعان القلبي أو الإيمان.

فالإيمان هو التصديق والتصديق مقدماته عقلية … والايمان له متعلقات هي العقل والتجربة،كون الإيمان يزداد وينقص، فبالتالي نقصانه وازدياده متعلق بالعقل والتجربة التي تنعكس على الحالة المعنوية للإنسان.

لذلك حينما أدرك عقلا بوجود الخالق، وأن هذا الخالق قادر وهو المنشأ ، في تلك اللحظة سأبحث عما يقربني ، وحتى النبوة إثباتها عقلي لأنني لا يمكن أن أذعن لما جاء به هذا النبي إلا إذا ثبت لدي نبوته بالدليل العقلي القطعي الذي يكسب اطمئنانا قلبيا..

فحينما أعتقد عقلا بوجود خالق فإن عقلي سيطرح تساؤلا حول كيفية الوصول لهذا الخالق، وكيف خلقني ولم يوضح لي معالم الطريق ؟ هنا وفق قاعدة اللطف العقلية يبدأ البحث عن ضرورة وجود مرشد ودليل إليه .

أما التفاصيل مثلا في كيفية الصلاة والوضوء هي مرتبة لاحقة على إدراك النبوة عقلا. فإدراك يتبعه تصديق وإيمان وفق منهج سليم في الاستدلال سيقود حتما للتسليم والاتباع.

فادراك الأصول عقلي والتسليم بالفروع يتبع هذا الادراك ..

وما هو منتشر بين الناس وحتى عند كثير من العلماء من منهج، يشوبه خلل كثير.

أما قضية تقسيم الناس وفق إيمانهم، فهذه ليست مسألة تخص البشر، كون النبي بذاته أُمِر أن يتعامل بالظاهر، والايمان مسألة قلبية وإدراكاتها عقلية إذا هي عملية باطنية.

فاذا مثلا لم يتوصل الانسان بعد أن بذل جهدا عقليا في إثبات قضية عقائدية ما، فهذا يفترض أن لا يعطي لأحد الحق في تصنيفه، لأنه بذل جهدا عقليا في قضية عقائدية لم يجد لها وفق بحثه برهانا، بالتالي هو أمر مسؤول عنه وليس غيره ، ولا يحق لأحد تصنيفه أو ممارسة دور الله معه .

نعم هناك أمور قد يسلم لها الانسان من باب السلامة وليس التسليم …

فإن أصابت كان في موقع السلامة وإن لم تصب لم يخسر شيئا، وهذه قاعدة أيضا عقلية وهي درء المفسدة وجلب المصلحة والحسن والقبح العقليين.

أما مسألة الانضباط السلوكي بما يحقق الأمن والاستقرار الاجتماعي وقيم كالعدالة والحرية والكرامة، فكلها مدركات عقلية متاحة لكل البشر عملية أدراكها بالعقل، لتبعيتها كقيم لقاعدة القبح والحسن العقليين.

وهناك أمور نسلم لها حبا للخالق كوننا أدركنا وجوده عقلا وأذعنت قلوبنا له، فاتباع بعض الأمور كمسلمات في حال عدم قدرة العقل على إدراكها، يكون نابعا من الحب وعبودية الطاعة والحب لمن نحب ، فالمحور هنا الحب وليس الاكراه والجبر البيئي أو الاجتماعي أو التراثي.

المشكلة أنني لاحظت الخلط الحقيقي بين منهج كثير من العلماء وممارساتهم وممارسات الناس وبين واقع الامر.

فالتدين والتقرب والقربى والعقيدة إن لم تكن مقدماتها محرزة عقليا، لا يمكن أن تؤتي أكلها، خاصة عند الهزات والشبهات ، وفي عصرنا ما أكثرها ..

نعم المعجزات كانت موجودة في عصر النبوة، وهي لذلك العصر والا كيف تكون معجزة الا برؤيتها، فهي خاصة بأهل زمانها ووفق حيثيات وظروف زمانية ومكانية وموضوعية مختلفة .. وهذا يحتاج شرح وتدقيق..

بعدنا عن عصر التشريع يجعل منظار الأمور وطريقتها مختلفة تماما من حيث الحجية والدليل ، فمن عاصر الأنبياء تكون الحجية عليه مختلفة عنها عن الحجية علينا في عصرنا ..

أولئك مصادر إيمانهم حسية وعقلية وشهودية كونهم رؤوا بأعينهم وأدركت عقولهم واطلعت قلوبهم، فهل تعتقد من العدل أن تكون هذه بتلك عند الله ؟؟

لا يوجد في الاسلام إرهاب ، وما يمارس اليوم من إرهاب هو صنيعة البشر سواء على مستوى الاعتقاد أو على مستوى الأفكار..

أما ما أفهمه من سلوك النبي ص مع نصارى نجران فهو الرضا حتى بالمناظرات مع المختلف عقائديا رغم قوة نفوذ النبي وسلطته المادية والمعنوية آنذاك ، إلا أنه لم يلجأ لها بل لجأ للمباهلة والمناظرة والمحاورة في الشأن العقائدي كون المسألة تتعلق بإدراك العقل وضرورة الادراك العقلي فيها لما سيستتبعه من إذعان قلبي وإيمان راسخ وسلوك جوارحي مطابق لإرادة الخالق، وأيضا سلوك الأئمة حتى مع الملحدين.

لذلك لا قداسة للمعرفة البشرية ولا للمناهج المتبعة للتعرف على العقيدة في عصرنا ،، بل للعقل حق في أن يبحث ولكن ليس بسفسطائية جدلية .. وإنما بشك إيجابي يدفع العاقل نحو البحث عن الحقيقة وفق منهجيات موضوعية علمية ، لا تغيب أي من مصادر المعرفة البشرية وفق الأسس المنطقية للاستقراء وقانون الاحتمال .. كالتجربة والوحي وهما الأكثر جدلا في مصادر المعرفة كون الجميع متفق على الحس والعقل نظريا وعمليا،

إلا أن التجربة والوحي جدلية بين من يؤمن بها نظريا دون التطبيق العملي كالتجربة ومن لا يؤمن بها كمصدر معرفي كالوحي.