العلاّمة معرفت وحجِّية خبر الواحد في التفسير

21 أغسطس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
263 زيارة

العلاّمة معرفت وحجِّية خبر الواحد في التفسير

السيد محمد علي أيازي(*)

ترجمة: حسن علي مطر الهاشمي

المقدّمة ــــــ

لا شَكَّ في أن العترة جاءت بوصفها عِدْلاً للقرآن الكريم في حديث الثقلين المتواتر. كما أن العترة هي المصدر الأول لتفسير القرآن وفهمه، وإرجاع متشابهاته إلى محكماته، ومخصّصاته إلى عموماته، ومفصّلاته إلى مجملاته. ومع أن النبي قد تكفل بمسؤولية تبيين الكتاب ـ بصريح القرآن ـ، لا تفسيره فحَسْب([1])، فقد شجَّع أصحابه وأهل بيته على فهم القرآن واستنباط الأمور منه؛ ليكونوا بذلك أسوة للأجيال القادمة.

إن من بين الأبحاث المطروحة في مجال التفسير الاستفادة من أخبار الآحاد في تفسير القرآن الكريم. وعلى الرغم من اتفاق كلمة علماء الإسلام في ما يتعلّق بحجِّية السنّة ومقامها الشامخ، إلاّ أنهم قد اختلفوا في سعة دائرة السنّة في مقام التفسير. ويعود هذا الاختلاف إلى اختلافهم في تحليل آياتٍ، مثل: قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44).

وإن الروايات المأثورة في مقام بيان منزلة أهل البيت^، وأسلوب الجمع بينها، قد أدّى بالبعض إلى القول بأن الفهم الصحيح للقرآن إنما يكون في إطار الروايات. وحيث لم تُرْوَ جميع هذه الروايات من الطرق المعتبرة والمتواترة، وإن جلّها من أخبار الآحاد، فقد تمّ السعي ـ خلال التوسُّع في الاعتماد على هذه الروايات ـ إلى التغلّب على هذه المشكلة، وذلك من خلال القول: إن هذه الأخبار وإنْ كانت ظنية إلاّ أنها تتمتع بالكاشفية، وعليه قد نلتمس فيها طريقاً للحلّ، من خلال القول بحجِّيتها واعتبارها.

وتأتي أهمّية دراسة موقع وحجِّية خبر الواحد في التفسير من حيث تحديد ما إذا كان بالإمكان الاستناد إلى خبر الواحد لفهم ما يمكن فهمه من الآية، أو الوصول إلى نكتة مذكورة في الحديث ولم تدلّ عليها القرائن الأدبية والسياق والشواهد القرآنية وغير القرآنية المورثة للاطمئنان، بحيث لولا تلك الرواية لما أمكن الحصول على أيّ دليل أو شاهد آخر لفهم تلك الآية.

وقد حدث الكثير من الخلط في هذا الموضوع، ولم يتمّ تنقيح المسألة بشكلٍ جيد. فقد تحدث البعض بالموافقة على موضوع، في حين أن ذلك الموضوع لم يكن هو محطّ أنظار المخالفين، ولم يتردّد أحدٌ في توظيف الروايات التفسيرية في تلك الموارد. كما تحدّث البعض بالمخالفة لموضوع، في حين أنه لم يكن موضوعاً للموافقين. فما هو الحلّ؟

الحلّ يكمن في توضيح نقطة البحث، وتنقيح المباني؛ لكي نعلم ما هو الموضوع الذي تتمّ الموافقة عليه؟ أو ما هو الموضوع الذي نختلف بشأنه؟

وعليه فإن الهدف من كتابة هذا المقال هو بيان نظريات الموافقين والمخالفين لحجِّية الروايات التفسيرية في مساحة معيّنة. إن هذا المقال ليس في مقام التشكيك بمنزلة وشأن السنّة بالقياس إلى القرآن، أو إنكار توظيف الروايات في معرفة هذا الكتاب([2]).

منزلة الرواية التفسيرية ــــــ

هناك في هذا الشأن بعض الأمور الجديرة بالذكر قبل الدخول في صلب البحث، ويمكن بيانها على النحو التالي:

الأمر الأول: لا شَكَّ في أن أخبار الآحاد المذكورة في الكتب التفسيرية تخضع للكثير من التقسيمات، ولها من الناحية النظرية العديد من المراتب والدرجات، فهي لذلك بحاجةٍ إلى معيار يحدّد المعنى الذي ترمي إليه، وهل هي ناظرة إلى بيان إحدى قرائن الكلام؟ وهل إيضاح الحديث يرشدنا إلى القرينة الظاهرة أو المستترة في الكلام أم لا؟ وما هي حدود هذه الأحاديث؟ وما هي دائرة الأحاديث المستندة إلى ذاتها، ولا توافقها دلالة المتن أيضاً؟

الأمر الثاني: الذين يتحدَّثون عن مكانة السنّة في التفسير، ما هو مدى استنادهم إلى الواقعيات الروائية؟ هل بحثوا في جميع الآيات، البالغ عددها 6236 آية تفسيرية، وأحاطوا بجميع المسائل المتعلقة بها، ولا سيَّما منهم الذين يصرّون على فهم القرآن من طريق السنّة، ولا يرَوْن طريقاً آخر غير السنّة لفهم القرآن؟ وما الذي يقولونه بشأن الآيات التي لم يبلغنا تفسير بشأنها؟

الأمر الثالث: لا شَكَّ في أن هناك الكثير من الآيات التي لم ترد بشأنها رواية في تفسيرها. وإن التي وردت فيها روايات لم تكن بأجمعها في تفسير وبيان وإيضاح الآية، وإنما هي واردة بشأن تأويلها وبيان معناها الباطني. وإن بعضها الآخر بصدد بيان المصداق أو المصداق الأتمّ. وإن الذي ذكر منها في بيان وتوضيح الآية ليس من سنخ بيان المعاني، وإنما هو إشارةٌ إلى الاحتمالات. وعليه لا بُدَّ من تحديد الموقف تجاه هذه الآيات. والأمر هنا لا يعدو إحدى حالتين؛ فإمّا أن يُقال: إن الآيات التي لم ترد في تفسيرها رواية يجب التخلّي عنها، وترك فهمها لعددٍ خاصّ من الأشخاص؛ أو يقال: إذا لم ترد رواية في تفسيرها أمكن التوجّه إليها مباشرةً؛ بغية التوصّل إلى فهمها وتفسيرها.

الأمر الرابع: إن التفسير الروائي إنما يكون هاماً عندما يغطي جميع المعنى، ولا يترك موضعاً للمعاني الأخرى؛ إذ في غير هذه الحالة عندما تتحدّث الرواية عن تفسير الآية لا يعني ذلك أن يكون ذلك المعنى الذي تتحدَّث عنه الرواية هو المعنى الحصري للآية، بحيث لا يكون بمستطاع الآخرين أن يتوصّلوا بأدواتهم الخاصة إلى معانٍ أخرى للآية، وفي هذه الفرضية يكون فهم الكلام في الحقيقة مستنداً إلى القرآن الكريم نفسه، ولن تكون الرواية سوى شاهد ومؤيِّد للآية، وكأن الرواية في مثل هذه الحالة تنطوي على ناحية تعليمية، لا غير.

الأمر الخامس: في ما يتعلق بالتفسير وبيان المعنى هناك عدّة فرضيات يمكن تصوّرها، وذلك بأن يقال: عندما يُفسِّر المعصوم آية، ونفهم بدورنا ذات المعنى من الكلام بأنفسنا، وإنْ كان فهمنا يلي بيان المعصوم ـ أو مع شيءٍ من الصعوبة ـ، فحيث يكون تفسير المعصوم قائماً على أساس القواعد اللغوية وأصول التحاور لا يكون هناك نزاعٌ في البين.

أما المجموعة الأخرى من الروايات فهي تلك التي تنظر إلى شرح وتوضيح الآية، وتعمل على بيان مفهوم يدخل في مجال التفسير، ولكنّه لا يُفْهَم من الآية، ولا تكون هناك قرينةٌ على صحّته، وإنما يجب القبول به ـ على فرض صحّته ـ من باب التعبُّد الروائي. وفي هذه الحالة رغم كون جميع هذه الروايات ناظرةً إلى القرآن بوصفها روايات تفسيرية، إلاّ أنها من حيث الحجِّية لا تكون على وتيرةٍ واحدة. وإن الذين تحدّثوا عن حجِّية خبر الواحد قد تمسّكوا بأدلة تستوعب جميع هذه الموارد، في حين أنها من حيث الحكم ليست على وتيرةٍ واحدة.

الأمر السادس: إن الذي يزيد الكلام وضوحاً هو موقع الذين يستفيدون من خبر الواحد. وهذا يعدّ من الأبحاث التحقيقية الهامشية بشأن الاستناد إلى خبر الواحد في التفسير. ومن هنا فإنه يشمل حتّى أولئك الذين يستندون إلى الفهم الذاتي للقرآن، من أمثال: العلامة الطباطبائي، حيث قدّم رؤيةً مغايرة عن تلك التي قدّمها الآخرون في هذا الشأن؛ إذ يقول: لا يكفي لفهم وتفسير القرآن مجرّد التفصيل وبيان مراتب التأويل وذكر الحقائق فقط، فإن هذا الكتاب في حدّ ذاته نور ومبيِّن وتبيان، وإلاّ لما كانت هناك من فائدةٍ لدعوة الناس إلى التفكُّر والتدبُّر في آياته، ولما قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ (النساء: 82). وهذا يعني أن بإمكانهم أن يدركوا عدم وجود الاختلاف فيه، وهذا الفهم يستند إلى ذات القرآن، وليس اعتماداً على الروايات.

وعلى هذا المبنى يتمّ عرض الروايات على القرآن، فلو لم يكن القرآن قابلاً للفهم لما كان هناك للدعوة إلى عرض الروايات على القرآن محلٌّ من الإعراب. كما يمكن التشكيك عندها في فصاحة وبلاغة هذا الكتاب، مع افتراض عدم إمكان فهمه؛ إذ إن الفصاحة والبلاغة من بين وجوه إعجاز القرآن، فإذا احتجنا في فهمه إلى شيءٍ آخر لم يَعُدْ هذا الكلام فصيحاً وبليغاً([3]).

وعليه إذا دار الكلام بشأن الروايات التفسيرية يكون الكلام ناظراً إلى جميع فرضيات المسألة واحتمالاتها، سواء أكان الشخص من القائلين بأننا نحتاج إلى غير القرآن في تفسيره أم كان من القائلين بإمكان فهم القرآن دون الرجوع إلى الروايات وفهمها. فليس الأمر بأن يكون المراد نظرية خاصة بعينها.

الأمر السابع: إن حجِّية خبر الواحد في التفسير إنما تحتاج إلى بحثٍ مستقلّ فيما إذا لم يكن الخبر متعارضاً مع الكتاب؛ وأما إذ كان معارضاً للقرآن سيتمّ تجاهله من البداية. وهكذا الأمر فيما لو كان مضمون الخبر لا يبيِّن واحداً من المعاني المحتملة في الآية على غير الحصر، حيث سيكون هناك متَّسع للبحث في إمكان الاستناد إلى مثل هذا الخبر الواحد في التفسير أم لا.

الأمر الثامن: إن خبر الواحد إنما يكون مورداً للبحث إذا كان موثوق الصدور. وبعبارةٍ أخرى: إن الخبر ـ مضافاً إلى وثاقة الرواة ـ يجب أن يكون بنفسه موثوقاً أيضاً، بمعنى أن يشتمل متن الرواية على شاهد يشهد على صحته، رغم كون الخبر ظنياً. وعليه إذا كان الخبر معلوم الكذب، أو اشتملت سلسلة سنده على ضعاف، فإنه لا كلام في تركه، حتّى من وجهة نظر القائلين بحجِّية خبر الواحد.

الأمر التاسع: هناك إرادتان في دلالة اللفظ على المعنى، وهما: الإرادة الاستعمالية؛ والإرادة الجديّة. وفي ما يتعلَّق بالنسبة بين القرآن والروايات ـ ولا سيَّما في باب عرض الروايات على الكتاب ـ يقال: إن الروايات إنما تكون حجّة إذا لم تخالف الكتاب. بَيْدَ أن عدم المخالفة هذه على أنحاء؛ فالمخالفة إنما تضرّ بحجِّية الروايات إذا كانت مخالفة للإرادة الجدّية، من هنا إذا كان الخبر من قبيل: التخصيص، بمعنى إذا كان خبر الواحد مخصِّصاً للآية، أو مقيِّداً لها، أو كانت النسبة بين الآية والخبر نسبة العموم والخصوص من وجه، كان الخبر خارجاً عن موضوع المخالفة.

وكذلك إذا كان معنى الرواية بحيث تكون الآية ساكتة عنه، أو إذا كانت دلالة الرواية من قبيل: الاستناد إلى أصالة الحلّ، أو أصالة الصحّة، أو عمومات من هذا القبيل، فإن الروايات في جميع هذه الموارد، حتّى إذا كانت من قبيل: آيات الأحكام، فإنها تحتاج إلى بحثٍ مستقلّ؛ لنصل إلى الجواب عن السؤال القائل: هل يمكن تخصيص أو تقييد الآية بخبر الواحد أم لا؟

الأمر العاشر: إن هذه المسألة تشترك في الأصل مع بحث حجِّية قول اللغوي أو المؤرِّخ، وخبر الواحد في العقائد؛ لأنها تندرج بأجمعها في دائرة التعبُّد بكلامهم. ومن هنا فإنها في الموارد المذكورة تحظى باستدلالٍ مشترك.

حتّى هذه اللحظة تمّ إيضاح موضع البحث إلى حدٍّ ما، ولكنْ تبقى هناك موارد أخرى من محلّ النزاع يجب توضيحها.

وعلى هذا الأساس فإن موضوع بحث خبر الواحد التفسيري رواية تحتوي على الخصائص التالية:

أـ أن تكون واردة في المصادر الروائية والتفسير. وهي بشكلٍ عام تأتي في سياق الكشف عن معنى الكلام الإلهي.

ب ـ أن لا تكون منقولةً على نحو التواتر.

ج ـ أن يكون الخبر ـ مضافاً إلى كونه خبراً واحداً ـ مفتقراً إلى قرينةٍ تثبت صدوره عن المعصوم، وتدلّ على صحّة الكلام.

د ـ أن لا تكون هناك دلالةٌ من خارج الحديث على صحّته، وأن لا يكون هناك شاهدٌ على صدق مضمونه ومحتواه من القرآن الكريم.

هـ ـ أن لا يكون هناك دليلٌ عقلي على صحّة التفسير الروائي؛ ليخرج ذلك الخبر من الصورة الظنية، وأن يكون الاستناد إلى الخبر على أساس الرواية تعبُّدياً.

من هنا فإن هذا الخبر التفسيري ـ المنقول عن المعصوم أو الصحابة، والذي قد يُخبر عن فهم المعصوم ـ حتّى إذا كان موقوفاً إذا لم يكن مشتملاً على واقعية تعبُّدية فإنه يخبر عن الفهم السائد في ذلك العصر.

الأمر الآخر أن هذه الروايات التفسيرية تشتمل على واحد من الخصائص التالية في مجال التفسير:

1ـ أن تقوم الرواية بشرح مفهوم الكلمة، من قبيل: الرواية التي تفسّر كلمة «البغي» بالزنا الخفيّ([4]). غير أن الفرض يقوم على أن هذه الرواية إنما تدلّ لوحدها على معنى حصري، إلى الحدّ الذي يقول معه السامع في عصره منبهراً: «والله هذه فتوى هاشميّة»!

أو أن تقدّم عن «الغُنْم» معنى مختلفاً عن الغنيمة الحربية وأعمّ منها، بمعنى أرباح المكاسب. وفي هذه الصورة تكون الرواية بمنزلة قول اللغوي. فإذا كانت الرواية تتحدَّث عن كلمة ناظرة إلى المعنى المشهور والمعنى المتّفق عليه بين أهل اللغة، أو كانت هناك قرينةٌ أو شاهد على صحتها، تكون خارجة عن محل البحث.

2ـ إذا اشتملت الآية على احتمالات كثيرة، وكانت الرواية تبيِّن واحداً من بين تلك الاحتمالات، مع إبطالها ونفيها لسائر الاحتمالات الأخرى، أو تحدَّثت عن معنى خاص على نحو حصري، ولم تكن هناك قرينةٌ على هذا المعنى من خارج الكلام، ففي مثل هذه الحالة تكون داخلةً في محل البحث.

3ـ أن تذكر الرواية قراءةً تغيِّر معنى الآية، وأن لا تكون تلك القراءة بالغةً حدّ التواتر، وأن تكون بحكم خبر الواحد، كما جاء على سبيل المثال بشأن قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: 104) روايةٌ تقول: إن القراءة الصحيحة هي: «ولتكن منكم (أئمّة) يدعون إلى الخير»([5]).

وبطبيعة الحال قد تنقل الرواية أحياناً قراءةً ناظرة في الغالب إلى التفسير، وإن القرائن تساعد عليها؛ أو أن تشتمل القراءة على توجيهٍ وجيه، كأنْ يُقال ـ مثلاً ـ بشأن هذه القراءة المتقدّمة: إن الآية في مقام تحديد مَنْ تقع عليه مسؤولية الأمر بالمعروف، وأنهم عددٌ معيَّن من الأشخاص، كما هو الحال بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف: 159)، فهو موضوعٌ خاصّ، ولم يقُلْ: «على أمّة موسى، ولا على جميع قومه»([6])، ففي مثل هذه الصورة تكون خارجةً عن محل البحث.

4ـ أن تكون الرواية البيانية في تعيين المصداق أحياناً، وأن يكون هذا البيان المصداقي خارجاً عن المفهوم الظاهري للكلام؛ لأنه قد تمّ بيانه على سبيل الحصر، ولا يقبل الكلام توسيع المعنى، ولا يوجد هناك شاهدٌ أو قرينة من نصّ الكتاب أو التاريخ يورث الاطمئنان بها. وفي هذه الحالة يجب الحديث بشأنها.

فإنْ كانت الرواية ناظرةً إلى التأويل والمعنى الباطني غير المستند إلى اللفظ؛ إذ إنه لو كان مستفاداً من اللفظ، أو كان منسجماً مع المنظومة متعدّدة المعاني وتقبل التوسعة([7])، أو اشتمل الكلام على قرينة تساعد على التأويل، خرجت عن محل البحث، ولا يكون هناك مجالٌ للتعبّد بالرواية.

5ـ إذا كانت الرواية في هامش الآية ناظرةً إلى بيان وتفصيل الأحكام، أو كانت تتحدّث عن مفهوم ناظر إلى علل وملاكات الأحكام، أو كانت تتحدّث عن قراءة قد تغيِّر الحكم، من قبيل: «يطهُرْن» و«يطَّهَّرن»، وإنْ كانت تحتاج بدورها إلى تبويب آخر، إلا أنها تكون خارجة عن محلّ البحث أيضاً؛ لأن هذا الصنف من أخبار الآحاد يندرج تحت دائرة الأحكام.

وعلى هذا الأساس فإن الخبر التفسيري والتأويلي في جميع هذه الصور، يعتبر نوعاً من القول بالمعنى والمفهوم والمصداق، وترجيح الاحتمال الحصري من بين سائر الاحتمالات المختلفة الأخرى للكلمة والعبارة. وبطبيعة الحال ستغدو من مقولة الالتزام والاعتقاد والقول بالمعنى، وبمثابة الخبر الاعتقادي، بمعنى أن هذه الطائفة من الروايات تقول: حيث أقول يجب عليك القبول.

أهمِّية البحث ــــــ

حيث كانت عمدة الروايات التفسيرية من قبيل: أخبار الآحاد، وإنه بالاستناد إلى هذه الروايات يتمّ استنباط المسائل التاريخية والعقائدية المثيرة للجدل، ويتمّ الاستشهاد بالقضايا الواردة فيها بشأن التفسير والكلام والفلسفة، فإن لإثبات أو نفي حجِّية هذه الأخبار في محل النزاع تأثيراً ملحوظاً في اتّخاذ المواقف وطريقة الاستدلال. وبلحاظ أسلوب التفسير إذا كانت هذه الروايات هي مبنى التفسير بعد القرآن الكريم وجب تحديد الموقف العام تجاه أخبار الآحاد هذه، ولا سيَّما بالنسبة إلى أولئك الذين يرَوْن الروايات هي الطريق الوحيد لانكشاف المعنى عند الرجوع إلى الكتاب.

والعجيب أنه لا يتمّ بحث حجِّية أخبار الآحاد إلاّ في الكتب الأصولية، وذلك بشكلٍ خاصّ في محور الأحكام، أو أدلتهم الناظرة إلى موارد العمل. وقلَّما تحدّث المفسِّرون في هذا الشأن، باستثناء: الشيخ الطوسي في تفسير التبيان، والسيد الخوئي في تفسير البيان، والشيخ معرفت في التفسير الأثري الجامع. من هنا يجدر تناول هذا البحث على نحوٍ جادّ، وبشكلٍ مستقلّ، وتحديد موارد النزاع بشأنه.

جذور البحث ــــــ

تعود جذور البحث بشأن حجِّية خبر الواحد في العالم الإسلامي إلى المراحل المتقدِّمة الأولى.

ومن بين علماء أهل السنّة ذهب الكثير منهم، ولا سيَّما الحنابلة، إلى القول: إن خبر الواحد إذا تلقَّته الأمّة بالقبول، وحصل الإجماع عليه، فسوف يوجب العلم والعمل. وقال بعضهم: إن إفادة العلم هنا لا تأتي من الإجماع، فلو دلَّت عليه القرائن الخارجية كان حجّةً، وإنْ لم يكن هناك إجماعٌ في البين، أو أنه يوجب الوثوق والاطمئنان وسكون النفس في الحدّ الأدنى.

بَيْدَ أن أكثر علماء الأصول منهم ذهب إلى القول: إن خبر الواحد في الأمور الاعتقادية وغير الأحكام الشرعية إذا لم يتَّصل بقرينةٍ لا يكون حجّةً؛ لعدم إفادته العلم. وقد تمّ التأكيد على ذلك، كما جاء في شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب.

وبطبيعة الحال هناك بين المتأخِّرين منهم مَنْ سعى جاهداً إلى تصحيح الأخبار الواردة في صحيح البخاري في إثبات الصفات التشبيهية لله، استناداً إلى خبر الواحد في كتب العقائد([8]). وهناك في المقابل مَنْ عارض حجِّية خبر الواحد في إثبات العقائد([9]). وبطبيعة الحال لم أعثر على مَنْ كتب صراحة بشأن خبر الواحد في التفسير، رغم أن معيارهم في تبويب الخبر التاريخي والاعتقادي واحد.

ويبدو أن أول مَنْ بحث في حجِّية وعدم حجِّية خبر الواحد في التفسير، من المفسِّرين الشيعة، هو الشيخ الطوسي؛ وذلك إذ يقول في مقدّمة تفسير التبيان: «لا ينبغي لأحد أن ينظر في تفسير آية لا ينبئ ظاهرها عن المراد تفصيلاً، أو يقلِّد أحداً من المفسِّرين، إلا أن يكون التأويل مجمعاً عليه، فيجب اتّباعه لمكان الإجماع… ولا يجوز لأحدٍ [من المفسِّرين] أن يقلِّد أحداً منهم، بل ينبغي أن يرجع إلى الأدلّة الصحيحة؛ إما العقلية؛ أو الشرعية، من إجماعٍ عليه، أو نقل متواتر به عمَّنْ يجب اتّباع قوله، ولا يقبل في ذلك خبر واحد، خاصّة إذا كان ممّا طريقه العلم. ومتى كان التأويل يحتاج إلى شاهد من اللغة فلا يقبل من الشاهد إلاّ ما كان معلوماً بين أهل اللغة، شائعاً بينهم»([10]).

ويبدو أن جذور هذا الكلام تعود إلى ما قاله الشيخ المفيد بشأن الروايات الاعتقادية، في نقد كلام الشيخ الصدوق في «تصحيح الاعتقاد»؛ إذ يقول العلامة معرفت في هذا الشأن: «والأصل في ذلك ما ذكره الشيخ أبو عبد الله المفيد بشأن الروايات في باب الاعتقاديات، من أن حجِّيتها إنما هي من باب التعبُّد بها، ولا تعبُّد في ما سبيله العلم، ولا عمل هناك كي يمكن التعبُّد فيه. وشأن التفسير شأن أصول المعارف، حيث المطلوب فيه العلم المبتني على الفهم القاطع، دون الظنّ والاحتمال»([11]).

من هنا فإن الشيخ المفيد يقول مراراً بشأن أخبار العقائد: إن هذه الأخبار الآحاد لا توجب علماً، ولا عملاً([12]). وبعد الشيخ المفيد جاء دور السيد المرتضى في الرسائل في معرض كلامه في حجِّية خبر الواحد، لينكر خبر الواحد الذي ليس له شاهد أو قرينة، ولا يثبت غير الظنّ([13]).

ثم جاء دور أكثر الأصوليّين، لينكروا حجِّية خبر الواحد. واستمرّ الوضع على هذه الحالة حتّى المراحل المتأخِّرة والمعاصرة، حيث بدأ البعض يتردّد في عدم حجِّية خبر الواحد، وهو ما سنشير له عند ذكر أدلّة الموافقين، من أمثال: الشيخ النائيني، والسيد الخوئي.

إن نقطة أدلة الموافقين تكمن في التأكيد على التأثير الشرعي لأخبار الآحاد. فعلى سبيل المثال: يقول الشيخ النائيني: إن الخبر إنما يكون مشمولاً لدليل الحجية إذا كان له أثر شرعي([14]). كما ذهب الشيخ ضياء الدين العراقي إلى الاعتقاد بأن أدلة حجّية خبر الواحد إنما تخص الأحكام الشرعية فقط. ومن هنا فإنه يرفض حجية قول اللغوي([15]). وقال في موضع آخر: في صحة التعبّد بالخبر يجب أن يكون المخبر ـ بقطع النظر عن هذا الحكم ـ ذا أثر شرعي؛ ليكون الأمر بالتصديق بلحاظ ذلك الأثر الشرعي([16]). وبطبيعة الحال هناك مَنْ لم يطرح المسألة من زاوية الأثر، وإنما طرحها من زاوية إمكان التعبّد، أو حصول العلم بهذه الأخبار، وهو ما سنأتي على ذكره عند طرح الأدلة إنْ شاء الله.

أرضيّة الموافقات والمخالفات ــــــ

لا يمكن طرح الأفكار إلا في مناخها المناسب. وإن التيارات والمدارس الفكرية هي التي تخلق هذه المناخات. وفي الاستناد إلى خبر الواحد لا يمكننا تجاهل النزاعات الكلامية المحتدمة في القرن الثاني الهجري. وإن جانباً من هذه المستندات في العقائد والتفسير، في مسائل صفات الحقّ والتشبيه والتنزيه، ونقض الإمامة، وتيار المرجئة، والقدرية، ونفي الإرث من النبيّ، جاءت استناداً إلى خبر الواحد. ويستفاد من كلمات السيد المرتضى بوضوح أنه يتحدّث في مواجهة الخصوم بأسلوب جدلي، وإن كلامه ناظر إلى غير أخبار الأحكام، وكأنه في مقام الجواب عن شبهات أهل السنة، وما أفادوه في غير باب العقائد([17]). بل ذهب حتّى أمثال الشيخ النائيني إلى القول بأن مخالفة السيد المرتضى لخبر الواحد تأتي في إطار مستندات أهل السنّة في مجال العقائد.

وفي المقابل هناك مَنْ استند في التفسير إلى أخبار متفرّدة في فهم القرآن، ونسبوا إليه معانٍ غريبة وعجيبة، أو أنهم سعوا من خلال ذلك إلى العثور على طريق لإثبات عقائدهم الكلامية. وعليه لا يمكن تجاهل جميع هذه الأمور في مناخ الموافقات والمخالفات.

أدلّة الموافقين لحجِّية خبر الواحد في التفسير ــــــ

كما سبق أن ذكرنا في معرض بيان سابقة البحث فإن طرح حجّية خبر الواحد في التفسير قد حدث في الآونة الأخيرة من قبل بعض الأفذاذ. وكان من بين الموافقين له  السيد الخوئي. من هنا فإننا ـ بغضّ النظر عن أسباب هذا الاتجاه ـ سنبدأ ببيان أدلة سماحته في هذا الشأن.

أدلة السيد الخوئي ــــــ

رغم أن السيد الخوئي قد قال في بداية بحثه، بشأن الاعتماد على الظنّ: لا شَكَّ في عدم جواز الاكتفاء بالظنّ عند وجوب المعرفة العقلية، من قبيل: معرفة الباري، أو المعرفة الشرعية؛ لعدم صدق العلم في الاعتماد على الظنّ. وإن تحصيل الظنّ لا يؤدي إلى الخروج من ظلام الجهل إلى نور العلم. ثم استطرد قائلاً: وكما أوضحنا في بحث القطع فإن الأمارات لا تقوم مقام القطع، كي تكتسب صفة وحالة العلم والمعرفة. ثم تساءل قائلاً: ما هو الحكم لو استحال الحصول على العلم والمعرفة اليقينية؟ وأجاب قائلاً: إذا كانت الاستحالة بسبب العجز فلا تكليف في البين، ويرد حكم العقل المستقلّ بقبح العقاب بلا بيان([18]). ثم عمد سماحته إلى طرح فرضية أخرى، وهي: إذا كان المراد تحصيل الظن في غير الموارد التي يجب فيها تحقق المعرفة العقلية أو الشرعية، وإنما هي من الأمور التي يكفي فيها التوافق والعقد القلبي والتسليم والانقياد، من قبيل: تفصيلات مسائل البرزخ، وجزئيّات أحداث القيامة، وأحوال الصراط والميزان، وما إلى ذلك من الأمور التي لا تجب فيها المعرفة، بَيْدَ أن إدراكها يدخل في مجال المعارف الشرعية، ففي هذه الصورة إذا كانت الرواية والظنّ الخاص ـ الذي لم تثبت حجّيته بدليل الانسداد ـ معتبراً وحجّة أمكن الاستناد إلى مثل هذه الأخبار، والقول: إن مثل هذا الخبر لا يمنع من الالتزام بمتعلّقه، ويجوز عقد القلب عليه؛ إذ يثبت بالتعبُّد الشرعي؛ لإمكان التعبُّد بهذه الأخبار. كما يمكن التعبّد بهذه الوقائع والأحداث أيضاً. وفي هذا التحليل لا فرق بين أن تكون الحجّية من باب الطريقية أو من باب الجعل والمعذّرية.

وأما إذا كان الظنّ متعلقاً بالأمور التكوينية أو التاريخية، من قبيل: دلالة الأمارة الظنية على وجود شيء أثري تحت الأرض، أو الإخبار عن أحداث الأمم السالفة، وطريقة حياتهم وتقاليدهم، فيمكن افتراض حالتين بشأن هذا النوع من الظنّ:

1ـ إذا لم يكن هناك من طريق خاصّ على اعتبار الظنّ الحاصل من الخبر (وهو الذي يسمّى بالظنّ المطلق) ففي مثل هذه الحالة لا يكون هذا النوع من الظنّ معتبراً. والدليل على ذلك واضحٌ؛ لعدم وجود دليل على اعتبار هذا النوع من الظنّ، لا من قبل العقلاء، ولا من قبل الشرع.

وأما إذا كان الظنّ الحاصل من الخبر من قبيل: خبر الواحد ففي مثل هذه الحالة يختلف الأمر بين مسلكنا في حجّية الخبر، حيث نقول بالطريقية، وبين مبنى القائلين بالمنجّزية والمعذّرية، كما هو الحال بالنسبة إلى الآخوند الخراساني؛ إذ طبقاً لتقريرنا في هذا الموضوع يكون معنى الحجية جعل غير العلم في مقام العلم من باب التعبُّد، وفي هذه الحالة يكون اعتبار الظن المذكور حجّة؛ لأنه إخبارٌ عن شيءٍ منوط بالعلم، وحيث يكون هذا الخبر قد عرف بالدليل العلمي المعتبر، وقد قبل تعبداً، تكون النسبة له جائزة. خلافاً لنظرية المنجّزية والمعذّرية، حيث لا يمكن الاستناد لها بهذه الروايات؛ إذ إن المنجزية والمعذرية إنما تكون إذا ترتّب على مؤداها أثر شرعي، والإخبار عن الأحداث الماضية لا يترتب على مثلها أثر شرعي كي يكون الظنّ بها منجّزاً. إن الإخبار عن شيء هو من آثار العلم به، وليس من آثار المعلوم بالوجود الواقعي. من هنا لا يجوز الإخبار عن شيء إذا لم نكن نعلم بتحقّقه أو عدم تحقّقه، حتى إذا كان متحقِّقاً في الواقع.

2ـ إن معنى الحجية في الأمارة الناظرة إلى الواقع هو اعتبار تلك الأمارة علماً تعبدياً من وجهة نظر الشارع. ومن هنا يكون الطريق المعتبر (من قبيل: خبر الواحد) فرداً من أفراد العلم، ولكنْ على نحو الفرد التعبُّدي، دون الفرد الوجداني. وعلى هذا الأساس يمكن حمل جميع آثار القطع على هذا العلم أيضاً، ويمكن الإخبار على طبقه، كما يمكن الإخبار على طبق العلم الوجداني، ولن يكون هذا الإخبار إخباراً بغير علم.

هذا ما عليه السيرة العقلائية في باب حجّية خبر الواحد، حيث يتعامل العقلاء مع الطريق المعتبر (مثل: خبر الواحد) معاملة العلم الوجداني، دون تفريق بينهما في الآثار. فعلى سبيل المثال: إن العقلاء يعتبرون اليد أمارة على الملكية، ويعتبرون صاحب اليد حرّاً في التصرف بالأموال الداخلة تحت يده. ويرتبون آثار الملكية على مثل هذه اليد، ويخبرون عن ملكية صاحبها. وليس هناك مَنْ ينكر هذا الأمر، ولم يرِدْ منعٌ أو ردع من قبل الشارع عن هذه السيرة العقلائية([19]).

وعليه فإن اعتبار خبر الثقة لا يحتوي على صبغة تعبّدية، وإنما له من وجهة نظر العقلاء صبغة الكاشفية الذاتية، وقد أقرّ الشارع ذلك. يقوم مبنى العقلاء من الناس على العمل بأخبار مَنْ يثقون به، ويرتبون عليه الآثار، ويتعاملون معه كما يتعاملون مع الواقع المعلوم. ليس هذا من باب التواضع أو التعبُّد المحض، بل هي صبغة الكاشفية التي تمنح خبر الثقة مثل هذه الخصيصة.

3ـ لو قلنا بعدم اعتبار أخبار العدل الثقة في مجال التفسير فسوف نحرم من جميع روايات المعصومين^ وكبار الصحابة والتابعين، ولا تنحصر فائدة الاستفادة من كلماتهم بعصر الحضور، بل سيشمل هذا الحرمان جميع العصور([20]).

وقال سماحته في موضعٍ آخر، عند تقريره لبحث الشيخ النائيني، في معرض الجواب عن إشكالٍ بشأن عدم حجية خبر الواحد في التفسير: إن معنى الحجية في الأمارة (الأمارة الناظرة إلى الواقع، والتي تحمل صفة الكاشفية) وضع تلك الأمارة موضع الأمارات التعبدية في حكم الشارع، بمعنى اعتبار الظنّ الحاصل من الأمارة بمنزلة العلم. وعلى هذا الأساس يكون الطريق الظنّي معتبراً بوصفه فرداً من أفراد العلم، لا على نحو وجداني، بل على نحو تعبّدي، ولذلك يجوز أن نرتِّب على الأمارة جميع الآثارة المترتِّبة على القطع. في هذه الصورة يكون الإخبار على طبق العلم الوجداني، وفي تلك الصورة لا يكون كلامه بغير علمٍ، ولا فرق بين الأخبار المتكفلة ببيان الحكم الشرعي، كما هو الشأن في التفسير وسائر شؤون الدين([21]).

جوابٌ ونقد ــــــ

في الجواب عن الاستدلال بحجّية خبر الواحد من الضروري الالتفات إلى بعض الأمور:

1ـ في ما يتعلق بقاعدة اليد تنظر السيرة العقلائية إلى العمل. وقد اعتبر الشارع اليد أمارة على الملك. ومن هنا تمّ ترتيب آثار الملكية على هذه اليد. إن الإخبار عن ملكية صاحب اليد موضوع لأثر شرعي، ولا يعني ذلك أن العقلاء لهم مثل هذه السيرة في كلّ خبر، حتّى إذا كان من قبيل: بيان مفهوم لفظي غير متجانس، أو الإخبار عن حادثة عجيبة.

2ـ إن الكاشفية الذاتية للخبر عن الواقع إنما تكون إذا اشتمل الخبر على شواهد مورثة للاطمئنان بالواقع. فإن بناء الإنسان على ترتيب الأثر على الخبر إذا شهد شاهدٌ على صدقه ممكنٌ. وأما إذا لم يكن هناك شاهدٌ على صدق الخبر فلا وجود لمثل هذه السيرة.

والملفت أن السيد الخوئي يردّ الأخبار الواردة في باب جمع القرآن في عهد أبي بكر؛ لكونها من أخبار الآحاد، ولا يرى إمكانية لإثبات هذا الجمع اعتماداً على هذه الأخبار، إذ يقول ما نصّه: «إن هذه الأخبار التي دلّت على جمع القرآن في عهد أبي بكر بشهادة [شاهدين]([22]) من الصحابة كلّها أخبار آحاد، لا تصلح أن تكون دليلاً في أمثال ذلك»([23]).

كما أنه في بحث عدم حجّية القراءات قد ذكر في الدليل الثالث أنه حتى إذا كان جميع رواة هذه الأخبار من الثقات، ولكنْ لا دليل على حجّيتها([24]).

3ـ إن كون الأمارة بمنزلة العلم، وكاشفة عن الواقع بتعبُّد وإمضاء الشارع، إنما يكون إذا أمكن جعل غير العلم علماً، وجعل صورة الفهم غير الوجداني بمنزلة الفهم الوجداني. وإن هذه السيرة إنما تكون إذا كان الحكم الشرعي داخلاً في دائرة تعبّد الشارع، أي في الأحكام وفي مقام العمل الواقع في دائرة وضع الشارع ورفعه. وأما في الأمور العينية الواقعية، وفي دائرة القلب، ومقام المعرفة واليقين، فيجب أن يكون الخبر بحيث يورث الاطمئنان، وينعقد عليه القلب.

فعلى سبيل المثال: إذا كان المورد من قبيل: حادثة أو فهمٍ لكلام لم تقم سيرة العقلاء ـ في باب التفهيم والتفاهم ـ على التعبّد به خلافاً لقواعد الحوار لا يمكن في مثل هذه الحالة التعبُّد، والقول: إن عليك العلم بما لا تعلم به! أو يجب عليك أن تحصل على هذا الفهم والمعرفة رغماً عنك! أو في الإخبار عن عالم الواقع: يتعين عليك أن تذعن من باب التعبُّد بأن هذه الحصاة ـ التي قالت عنها أخبار الآحاد: إنها ذهبٌ، ولم تشهد على ذلك الظواهر العقلائية، ولم تؤيِّدها القواعد العلمية، ولم تقُمْ عليها القرائن العلمية ـ ذهبٌ! أو أن عليك أن تؤمن بوقوع تلك الحادثة ـ التي لم يشهد على صدقها شاهد علمي ـ من باب التعبُّد؛ إذ حيث تكون هناك قرينة على الصدق فإنها تتبع القواعد العقلائية، وأما إذا لم تكن هناك قرينةٌ، كما ذكرنا في البداية، فتكون خارجة عن موضع النزاع.

4ـ لا يلزم من نفي الحجية عن أخبار الآحاد الحرمان من جميع روايات وكلمات الأئمة المعصومين وكبار الصحابة والتابعين؛ إذ لم يقل أحدٌ بوجوب رفع اليد عن هذه الطائفة من الأخبار بشكلٍ مطلق، فإن الكثير من هذه الأخبار متطابقة مع القواعد التفسيرية ومنضوية في إطار الفهم العقلائي؛ فبعضها يحمل شواهد وقرائن على صحته؛ وبعضها يشتمل على بيان محتملات الكلام. من هنا فإن القول بعدم حجية خبر الواحد لا يعني تجاهل تعاليم ومعارف أهل البيت^، إنما الخبر الذي لا يصح الاعتماد عليه هو الخبر الذي لا يكون هناك شاهدٌ على صحّته، ويجب تفسيره من باب الرواية فقط.

5ـ يقال أحياناً: إنه قد لا توجد قرينة على صحّة الكلام، ولكنْ حيث يكون قائله هو الإمام المعصوم، وقد نشأ في بيت الوحي، وهو الأعلم والأخبر بالمعاني الواقعية، يكون كلامه بمنزلة القرينة المتصلة أو المنفصلة. بَيْدَ أن هذا الاستدلال ينطوي على خلط للبحث. فنحن لا نتحدَّث عن كلام المعصوم، وإنما نتحدّث عن خبر واحد لا نعلم ما إذا كان كلاماً قاله المعصوم حقّاً أم لا. وهذا بالمناسبة من بين الموارد التي لم يتمّ تنقيحها في موضوع البحث.

وعلى هذا الأساس نقول في نقد هذا الكلام من السيد الخوئي: إن التفسير الروائي؛ حيث يقدِّم الحديث المنسوب إلى المعصوم مفهوماً للآية، ولم يقم على صحته دليلٌ لفظي أو أمارة عقلية، وإنما يجب العمل به من باب التعبُّد، وكأنّه من الضروري أن ينعقد القلب على صحته والتسليم والانقياد له، وإن خبر الواحد لا يوجد في القلب مثل هذا الانعقاد، وإنْ كان فهمه داخلاً في مجال المعارف الشرعية، ولكنْ حيث يكون الموضوع هو الفهم والمعرفة والتصديق، ولا يكون هناك وحدة في المنهج بين العقلاء، لا يكون هناك موضع للتعبّد.

وبعبارةٍ أخرى: إذا عمد شخص من بين العقلاء إلى بيان لفظ قاصداً نقل المعنى فلا يوجد فرقٌ من هذه الجهة بين الشارع وغير الشارع، وإنما يستفاد من قواعد التحاور. إن الشارع لا يقوم بوضع الألفاظ والمعاني الخاصة في هذا الباب، ولا ينفرد في استعمال لغة خاصة. وعليه إذا أراد أن يستعمل كلمات على خلاف القواعد اللفظية العقلائية وجب عليه أن ينصب قرينة دالّة على مراده، ويجب أن تكون هذه القرينة مورثة للعلم، وإذا لم تورث ذلك وجب الاكتفاء بالفهم العرفي فقط. وحيث يقوم الفرض على أن خبر الواحد يروم بيان معنى لا يورث العلم فلا يكون حجة.

وعلى هذا الأساس لا يكون هناك فرقٌ بين الأخبار الشرعية من حيث كونها أخباراً أو أخباراً تفسيرية، فليس الأمر بأن يقال: إن القول في هذه التفاسير هو من العلم، وإنه يتصف بالكاشفية عن الواقع، ويوجب الاطمئنان، أو إنه ينزل منزلة العلم.

أدلة الشيخ معرفت ــــــ

على الرغم من أننا أثناء طرح أدلة السيد الخوئي قد أشرنا إلى آراء الأستاذ معرفت، الذي تعرّض في عدّة مواطن إلى موضوع حجية خبر الواحد في التفسير (ومن ذلك: التفسير الأثري الجامع، ص 122؛ ومجلة الجامعة الرضوية التخصصية، العدد الأول، تحت عنوان: كاربرد حديث در تفسير). إلاّ أن سماحته عمد في سياق بيان نظريات أستاذه السيد الخوئي، ودعم الاستدلال على حجية الأخبار التفسيرية، عمد في البداية ـ بعد نقل كلمات العلماء الأعلام في عدم حجية الأخبار التفسيرية ـ إلى ذكر رأي أستاذه، حيث قال بتوسيع دائرة الحجية العلمية لهذه الأخبار، حتى إذا كانت تاريخية وتفسيرية، وجعل أساس المبنى العام له هو طريقية اعتبار خبر الواحد.

وإنه بعد تأييده لرأي أستاذه، والتوجيه الذي ذكره لكلام السيد المرتضى في القول بعدم الحجية، اعتبر رأيه متطابقاً مع رؤية الشيخ النائيني في ما يتعلق بأخبار غير الثقات، قائلاً: «وهكذا نرى أبا المعالي علم الهدى السيد المرتضى& إنما أنكر على الجمهور اعتمادهم أخبار الآحاد من غير رويّة ولا مبالاة. أما الخبر إذا كان ذا مستند وثيق، وكان راويه ممَّنْ يوثق به، ولم يكن ممّا يرفضه العقل، أو يخالف ظاهر الكتاب، فهذا ممّا لا منع من التعبُّد به…». ثم ذكر قائلاً: «أما المحقق النائيني فإنه يرى أنّ تفسير الحجّية في باب الأمارات هو اعتبار كاشفيتها عن الواقع، وجعلها دلائل علمية حسب اعتبار العقلاء عرفياً، وليس تعبّدياً محضاً»([25]).

كما عمد سماحته إلى طرح السؤال القائل: ما هو نوع التعبّد بالنسبة إلى أخبار الآحاد في غير الأحكام؟ وأجاب بالقول: هنا لا بُدَّ من الالتفات إلى أن الذي يعود إلى الكلام في التعبّد بحجية الأمارات ليس هو مجرّد قبول الخبر.

وبعبارةٍ أخرى: هل القول بحجية خبر الثقة العدل في هذه الموارد يقوم على اتباع العرف والعقلاء، أم هو منهج تعبدي أقرّ من قبل الشارع؟

يقول سماحته في معرض الإجابة عن هذا السؤال وتوضيح الاستدلال: «الذي يبدو لنا أن حجية خبر الواحد (الجامع لشرائط الاعتبار) لم تكن مستندة إلى دليل تعبّدي (بأن تعبّدنا الشارع به)، وإنما هي سيرة عقلائية مشى عليها عرفهم العام، وجرى معهم الشارع الحكيم في مرافقة رشيدة! فلا تعبُّد هناك ـ إطلاقاً ـ كي يلتمس ترتب أثر عملي عليه، أو يكون الشارع استهدفه تكليفياً، وإنما هي مسايرة مع أعراف العقلاء في مناهجهم لتنظيم الحياة العامّة، وكان إخبار الثقة الضابط هو أحد أسباب العلم عندهم، فأمضاه الشارع، وواكبهم في هذا المنهج الحكيم»([26]).

نقدٌ وجواب ــــــ

لقد ذكرنا جانباً من الجواب على أدلة الشيخ معرفت في معرض نقدنا لأدلة السيد الخوئي. وفي ما يلي نجيب عن الجانب الآخر من تلك الأدلة:

1ـ صحيح أن العمل بخبر الواحد يستند إلى سيرة العقلاء، وأن العرف وأسلوب العقلاء قد تعلّق بالعمل بخبر الواحد، وأنه ليس لدى العقلاء تعبّد في هذا الباب، بَيْدَ أن أسلوب العقلاء لا يقوم على الاعتماد على كلّ خبر، حتى إذا لم يكن علميّاً. وإنما يعملون بخبر الواحد إذا كان ينطوي على التزام ذهني وأمر وجداني، ولا يعتبرون غير العلمي علماً. إن الأمور المعرفية، والتي يترتب عليها انعقاد القلب، ولا تكون موضعاً للتعبُّد، لا يتمّ اعتبارها بمنزلة العلم.

وعلى هذا الأساس لا وجود للتعبد بين العقلاء في هذه الموارد، ولا يمكن أن يكون للشارع تعبّد أيضاً، بأن يقول: رغم أنك لا تعلم بذلك إلاّ أني أجعل هذا الظن بمنزلة العلم. إن القول بالحجية لخبر الثقة العدل في المسايرة مع العرف ومجاراة العقلاء ليس على نحو مطلق؛ وذلك لأن العقلاء يضعون أصولاً وقواعد للكلام، ولا يحملون كل لفظ على أي معنى. فإنْ اشتمل بيان القرآن على معنى خارج أصول التحاور القائم بين العقلاء، أو سكت أصحاب اللغة في هذا الشأن، وجب أن يقوم عليه دليلٌ يورث الاطمئنان.

ونذكر في هذا الشأن مثالاً. فقد ورد في الحديث التفسيري في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ (البقرة: 26)، قيل: إن المراد بـ «البعوضة» في هذه الآية هو الإمام علي×([27]).

2ـ بغضّ النظر عن سند هذا الحديث نقول: إن اشتمال الخبر على أمر في غير المجال العلمي، والذي لا تقوم عليه الدلالة اللفظية أو العقلية، يجب ـ في ضوء تقريره ـ العمل به على طبق منهج العقلاء. وفي هذه الحالة نجد منهج العقلاء لا يشمل هذا المورد؛ لأن اللغة العربية لا تستعمل كلمة «البعوضة» للدلالة على الإنسان، أيّاً كان، والإمام علي× ليس بعوضةً. وعليه لا يكون هذا التفسير منسجماً مع اللغة وأساليب الحوار. كما أنه ليس من باب تطبيق المفهوم على المصداق؛ إذ ليس هناك صفة في الإمام علي يمكن أن تنطبق على «البعوضة». وعليه كيف يمكن للعقلاء الاعتماد والتعويل على مثل هذا الخبر، وأن يعمل الشارع على الإرشاد إلى الطريق العقلائي، مهما كان هذا الخبر صحيحاً؟!

لقد ذكرنا هذا المثال لإيضاح المراد من التعبّد بالخبر في غير الأحكام. وإذا قيل: إن لازم التعبد بالخبر هو انعقاد القلب، وإن انعقاد القلب إنما يكون بالنسبة إلى الخبر الذي يورث المعرفة، أو الأمور التعبدية التي لا يمكن للعقلاء الحكم بشأنها، فكيف يمكن تحصيل هذه المعرفة؟

3ـ حيث لا يكون هناك علمٌ لا يمكن للعقلاء أن يجعلوا من غير العلم علماً. وإن حجّية الشارع في هذه الموارد تقوم على أساس سيرة العقلاء، وهي مفقودة هنا. إن معنى الحجية في الأمارة ـ كما أشار إليه السيد الخوئي ـ هو جعل العلم التعبدي في حكم الشارع، كي يكون الطريق المعتبر فرداً من أفراد العلم([28]). من هنا فإن ما قاله سماحته في تصحيح كلام السيد الخوئي: إن خبر الواحد الجامع لشرائط الاعتبار لا يستند إلى دليل تعبدي، بمعنى أنه ليس على نحو جعل الحجّية له من قبل الشارع تعبُّداً، خلافاً لواقعية هذه الطائفة من الأخبار؛ لأن العقلاء لا يمنحون الاعتبار لمثل هذه الأخبار.

أدلة المخالفين لحجِّية خبر الواحد في التفسير ــــــ

1ـ إن اعتبار خبر الواحد يستند إلى دليل التعبّد بالخبر دون أن يوجب العلم، وهذا التعبد لا يجدي في مجال التفسير. وبعبارةٍ أخرى: إن خبر الواحد لا ينطوي على كاشفية قطعية عن الواقع، ولا يمكنه الكشف عن كلام المعصوم، ولا يمكنه الكشف عن المراد الواقعي للآية. إن الذي نريده في مجال التفسير هو فهم معاني القرآن، ولا مجال للتعبّد في دائرة الفهم.

2ـ إن لاعتبار وحجّية خبر الواحد من قبل الشرع صبغة تعبدية، أي إنها دستورية وتعاقدية، ولا مجال للتعاقد والتعبد في الأمور المعرفية، من قبيل: التفسير واللغة والعقائد؛ لأنها ليست من الأمور الشرعية، ولا تتعلّق بأعمال المكلَّفين كي يمكن للشارع أن يعتبر حجّيتها. يمكن تصوّر التعبّد في العمل، ولكنْ لا يمكن القول عن تعبُّدٍ: إن هذا المعنى موجود، وذلك المعنى غير موجود. إن التعبد إنما يكون في موضع لا تكون فيه ضرورة للعلم، ويكفي فيه مجرّد الظن المعتبر.

3ـ إن الحجية الشرعية من الاعتبارات العقلانية، وإن هذا الاعتبار إنما يكون حيث يكون جعل الأثر شرعياً وقابلاً للعقد والاعتبار الشرعي. وأما في القضايا التاريخية والأمور الاعتقادية فلا معنى للتعبّد، فلا معنى لأن يجعل الشارع غير العلم علماً في هذه الموارد، وأن يلزم المكلفين بالتعبّد به([29]).

4ـ إن الظن لا يكون معتبراً في مجال المعارف وأحكام التفاهم؛ لأن النفس لا تطمئن في هذه الموارد، ولا تبلغ مرحلة التصديق إلاّ إذا بلغت مرحلة القطع واليقين. وفي المسائل التي يعتبر فيها العلم لا يمكن إجبار شخص على التعبّد بالعلم دون تحصيل المبادئ التصديقية([30]).

5ـ يستفاد من الروايات أنه؛ للوصول إلى صحّة مضمون خبر الواحد، يمكن لنا أن نستعين بالقرآن، فإذا أردنا الاستعانة بخبر الواحد لفهم القرآن لزم من ذلك الدَّوْر؛ لأن إثبات صحة الخبر يتوقف على تأييده من قبل القرآن، بينما يتوقَّف تأييد القرآن على فهمه بواسطة الحديث.

6ـ على الرغم من بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة، إلاّ أن هذا إنما يكون إذا كان الخبر ـ بغضّ النظر عن الراوي ـ مورثاً للاطمئنان. وبعبارةٍ أخرى: إذا لم يكن الخبر موجداً للوثوق، ولم يقم شاهدٌ على صحته، بل كان على خلاف ظواهر الأمر، فإن العقلاء لا يعملون به، ولا يعتمدون عليه، لمجرّد كون الراوي ثقة، بل لا بُدَّ أن يكون ـ مضافاً إلى ذلك ـ موجباً للوثوق، وفي هذه الحالة يحصل على صفة الكاشفية.

دراسة الإشكاليات ــــــ

أوّلاً: قد يُقال: إن أهم دليل على حجّية الروايات التفسيرية هو سيرة العقلاء، وسيرة العقلاء لا تفرّق بين ما إذا كان هناك أثر شرعي أم لا. وعليه فإن جميع الذين قالوا بأن الدليل على اعتبار خبر الواحد هو سيرة العقلاء يجب عليهم قبول حجّيته في جميع الموارد. وإذا لم يثبت الشخص الحجّية لخبر الواحد بسيرة العقلاء، وإنما أثبتها من خلال التمسُّك بالآيات والروايات، فمع ذلك يجب عليه القول باعتبار هذا النوع من الأحاديث أيضاً، وأن لا يفرِّق بين ما يترتب عليه أثر شرعي وما لا يترتب عليه مثل هذا الأثر الشرعي.

ويُقال في الجواب عن هذا الإشكال:

1ـ إن سيرة العقلاء ليست أمراً تعبدياً، وإنما ترد حيث يكون الوثوق والاطمئنان. فإذا لم تكن هناك قرينةٌ في مجال المعارف والعقائد والمفاهيم المرتبطة بها لا يحصل الاطمئنان. فعلى سبيل المثال: في ما يتعلّق بظواهر الكلام يذهب العقلاء إلى جعل الأصل على المعنى الظاهري، فإنْ عمد شخص إلى تفسير الكلام على خلاف ظاهره سوف يقول له العقلاء: إنْ كان لديك شاهدٌ أو قرينة تورث الاطمئنان بما تقول فهاتها، وإلاّ فالملاك هو أسلوب العقلاء، وهو قائمٌ على الاستناد إلى المعنى الظاهري.

2ـ إن الشرع هو الذي يدعم الخبر الظنّي الذي لا يورث اليقين، وذلك في مقام العمل بتلك القاعدة العامة التي يستفاد منها للحيلولة دون تفويت المصلحة، حيث يمنحه الحجّية من باب التعبُّد. وأما في غير مقام العمل، حيث يكون المقام مقام المعرفة، فبما أنّ الخبر لا يعمل على كشف الواقع لا يمكنه أن يقول: اجعل ما ليس لك به علم بمنزلة العلم.

3ـ إن دليل الآيات والروايات في ما يتعلّق بحجّية أخبار الآحاد ناظرٌ إلى العمل أيضاً. فعلى سبيل المثال: إن آية النبأ تنظر إلى التحقيق والفحص في خبر الواحد المرتبط بترتيب الآثار على كلام الفاسق. وإن الأخبار التي تمّ الاستناد إليها لإثبات حجّية خبر الواحد ـ على فرض تواترها الإجمالي، وصحّة الاستناد لها ـ ليست مطلقة، وإنها بأجمعها أو القدر المتيقَّن منها ناظرٌ إلى الأحكام، من قبيل: «أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم»، أو في خبر عمر بن حنظلة في قبول الكلام في مجال الأحكام: «قال: ينظران مَنْ كان منكم ممَّنْ قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حَكَماً»([31])، أو غيرها من الروايات، كتلك المنقولة في باب التعادل والتراجيح، والناظرة إلى الأحكام على نحو العموم، حيث يرى الأصوليون من الشيعة والسنّة حجّيتها في إطار العمل والتعبُّد. ففي هذه الحالة لا معنى لتوسيع دائرتها.

ثانياً: هناك مَنْ توسّع في مفهوم الأثر الشرعي قائلاً: لو قبلنا باشتراط الأثر في حجية خبر الواحد أمكن لنا ـ من خلال توسيع الأثر ـ إثبات حجية هذا النوع من الأحاديث؛ وذلك لأن ذات اعتبار هذه الأحاديث ينطوي على أثر، وهو إثبات استناد هذه الروايات إلى المعصومين، أي إنّه من خلال القول بحجية الروايات التفسيرية يمكننا أن ننسب مفادها إلى المعصوم، والقول: إن فهم وتفسير وبيان المعصوم في هذه الآية هو كذا وكذا، وبطبيعة الحال لا يخفى أن نفس صحة نسبة ذلك إلى المعصوم يعتبر أثراً هاماً لا يمكن تجاهله.

والجواب: إننا في حجية خبر الواحد في غير الأحكام لسنا بصدد البحث عن كلّ أثر، وإنما نحن نسعى إلى الأثر العملي، بأن يكون هناك طيب نفس، وعدم ترك مصلحة. ثم إن هذا الاستدلال يعاني من مشكلة الدَّوْر؛ لأننا أوقفنا اعتبار الخبر على الأثر، وأوقفنا الأثر على اعتبار الخبر. إن الفرض أن هناك خبر مخالف للظاهر، ولا نعلم صدوره عن المعصوم، ولا قرينة على صحته، ولم يثبت التعبُّد به، إذن كيف يمكن لنا أن ننسب هذا الخبر إلى المعصوم؟! وكما يقال: لا بُدَّ أوّلاً من تثبيت العرش، ثمّ النقش عليه.

ثالثاً: هناك مَنْ يتحدّث في جواب المنكرين لحجية الروايات التفسيرية عن الحرمان من الكلمات والأحاديث التفسيرية لأهل البيت^، في حين قد بيّنّا في ما تقدّم أن عدم حجية الروايات التفسيرية في هذه الدائرة لا يؤدي إلى الحرمان؛ فإن الحرمان إنما يحصل إذا لم تكن هناك أيّ استفادة من الأخبار التفسيرية. وإن عمدة الأخبار التفسيرية قد تمّ بيانها على طبق الأسلوب العقلائي المعهود، أو إنها ناظرة إلى أحد معاني الكلام الذي يستفاد من اللفظ، أو بالاستعانة بالسياق، أو إنه يبيِّن واحداً من المصاديق، أو إنه خارج عن مجال التفسير، ويعبِّر عن تأويل الكلام. وحيث تكون هناك قرينةٌ يمكن العمل على تأييده. فإذا لم يكن في البين شيءٌ من ذلك أمكن أخذه كواحدٍ من الاحتمالات، وإنْ كنّا لا ننسبه إلى المعصوم على نحو القطع واليقين.

خلاصةٌ واستنتاج ــــــ

يبدو أن هناك شيئاً من الخلط في طرح النظرية، والتقابل بين نظريتين. فنحن نرى كلام المخالفين لحجية الخبر التفسيري في حدود ما ذُكر متين ومستقيم؛ لأن موضوع حجية خبر الواحد لا يحتوي على تعبّد بالخبر الذي لا يقوم شاهد لفظي أو عقلائي أو قرينة حالية أو مقامية على صحّة المعنى الوارد في تفسير الكلام. إن التعبّد بالخبر هو الذي يستطيع أن يخلق معنى آخر على خلاف ظاهر اللفظ، وليس هناك من شاهد على صدقه. وعلى هذا الأساس فإن العقلاء لا يؤيِّدون التعبّد، ولا يعتبرون عدم العلم علماً، ولا يرَوْنه كاشفاً عن الواقع. وحيث لا يكون الخبر موضوعاً لأثر شرعي لا يمكن للشرع أن يجعل ما ليس بعلمٍ علماً. نعم، يمكن للشارع أن يقول: رغم أن هذا ليس بعلم فإن عليك العمل به؛ من أجل عدم تفويت المصلحة، إلاّ إذا كان هناك علمٌ به، أو تم العثور في نصّ الكلام على شاهدٍ يشهد على صدقه.

وخير شاهدٍ على حدوث الخلط في الموضوع أنه يتمّ الحديث أحياناً عن نقض المخالفين للعمل بالأخبار التفسيرية، ويقال: رغم أن البعض يذهب في مقام البحث والتنظير إلى عدم اعتبار حجية هذا النوع من الروايات، إلاّ أنهم أنفسهم يذهبون من الناحية العملية إلى العمل بهذه الروايات. هذا، في حين أن المخالفين لا ينكرون الاستفادة من أيّ رواية كانت، وإنما الذي ينكرونه ويرفضونه هو أخبار الآحاد التي لا تمتلك شاهداً على ما تتضمنه من المعاني، أو التي تكون مخالفة للظاهر ولا تقوم قرينةٌ على تأييدها، ورغم ذلك نسعى إلى أن ننسب إلى القرآن معنى من المعاني من خلال التعبُّد بروايةٍ رغم مخالفتها لظاهر الكلام.

الهوامش

(*) أستاذٌ في الحوزة والجامعة، وأحد أبرز الباحثين القرآنيّين. لديه أكثر من ثلاثين كتاباً في الدراسات القرآنيّة وغيرها، وكانت له مساهماتٌ جادّة في موضوعات قرآنيّة وإشكاليّة. من رموز الفكر التجديدي في إيران.

([1]) انظر: النحل: 44.

([2]) لقد تناولت موقع أهل البيت^ في مجلة بينات، العدد 37 ـ 38 بالتفصيل، كما تناولت هذا الموضوع في كتابي (القرآن وأهل البيت)، في معرض الحديث عن النسبة بين هذا القرآن وأهل البيت من مختلف النواحي. فعلى مَنْ أراد التفصيل الرجوع إلى هذين المصدرين.

([3]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 8 ـ 11.

([4]) انظر: بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن 3: 158.

([5]) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 16: 126.

([6]) المصدر نفسه.

([7]) في ما يتعلق بالشمول المفهومي والمنظومة متعدِّدة المعاني في القرآن لصاحب هذا المقال انظر: الموقع الإلكتروني: www.ayazi.net

([8]) انظر: شعبان إسماعيل، حجية خبر الآحاد في العقيدة: 11 ـ 60.

([9]) انظر: سعيد بن مبروك القنوبي، السيف الحاد على مَنْ أخذ بأحاديث الآحاد: 2 ـ 89.

([10]) أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 1: 80، دار الأميرة للطباعة والنشر، بيروت، 2010م.

([11]) محمد هادي معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 122.

([12]) انظر: تصحيح الاعتقاد، مصنَّفات الشيخ المفيد 5: 133.

([13]) انظر: السيد المرتضى، الرسائل 1: 20 ـ 73.

([14]) انظر: أبو القاسم الخوئي، أجود التقريرات 2: 106.

([15]) انظر: محمد تقي البروجردي، تقريرات درس نهاية لأفكار 3: 94.

([16]) انظر: المصدر السابق 3: 122.

([17]) انظر: السيد المرتضى، الرسائل 1: 27.

([18]) انظر: أبو القاسم الخوئي، مصباح الفقاهة 2: 236.

([19]) انظر: أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن: 422 ـ 423.

([20]) انظر: المصدر السابق: 145.

([21]) انظر: أبو القاسم الخوئي، أجود التقريرات 2: 105.

([22]) ما بين المعقوفتين إضافة من عندنا لم تكن في النصّ المترجَم، واعتمدنا في إضافتها على أصل كتاب المؤلِّف.

([23]) أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن: 92، منشورات أنوار الهدى، ط8، 1981م.

([24]) انظر: المصدر السابق: 166.

([25]) انظر: محمد هادي معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 126.

([26]) المصدر السابق 1: 128.

([27]) انظر: تفسير نور الثقلين 1: 38، ح64.

([28]) انظر: أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن: 398.

([29]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 10: 365، 87 ـ 88؛ 6: 59.

([30]) انظر: عبد الله جوادي آملي، تفسير تسنيم 1: 157 ـ 158.

([31]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 27: 136.