العنف الجسدي

20 يوليو 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
520 زيارة

العنف الجسدي

 في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

حيدر حب الله(*)

i)          تمهيد

تكاد تتفق كلمات الفقهاء على وجود مرتبة اسمها اليد، إلا أنّ الكلام كلّه هنا في تعريف هذه المرتبة حيث توجد في هذا المضمار عدّة احتمالات:

العنف الجسدي بمعنى الضرب والكسر، وربما يصل الأمر إلى الجرح أو القتل.

النفوذ الدافع للحيلولة دون قدرة الطرف الآخر على فعل المعصية دون اللجوء إلى ضربه وممارسة العنف معه ومع ما يتعلّق به.

العنف المسلّح المتصل بالقضايا المجتمعية التغييرية بما يستوعب الثورة على الظلم أو محاربة الطغاة أو البغاة أو نحو ذلك.

ممارسة المعروف من قبل الفاعل وتركه المنكر بحيث يكون قدوةً لغيره.

5 ـ مجموع الاحتمالات السابقة، أو لا أقلّ الاحتمالات الثلاثة الأولى.

ويغلب في الأمثلة الفقهية المطروحة الاحتمال الأول وهو العنف الجسدي. من هنا سيدور بحثنا القادم عملياً حول وجود مرتبة اسمها اليد من جهة، وتحديد هوية هذه المرتبة وما تعطيه الأدلّة في ذلك من جهة ثانية.

وبصياغة الإشكالية الرئيسة يمكن القول: السؤال المطروح هنا هو هل أنّ الشريعة الإسلاميّة ـ وبحسب المقرّرات الأوّلية ـ قد جعلت لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبةً ثالثة بمعنى يستبطن استخدام القوّة والعنف الجسدي ضدّ فاعل المنكر زيادةً على مرتبتي القلب واللسان أم أنّ هذه الفريضة لم يقرّر فيها سوى هاتين المرتبتين ـ إذا قلنا بتعدّدهما ـ أو على أبعد تقدير مرتبة ثالثة ليست بالتي تُختزن فيها فكرة القوّة بالمعنى المتقدم، بحيث نلتزم بثلاثية المراتب، لكن مع إجراء تعديل على مضمون المرتبة الثالثة، بما يحوّلها عن معناها الشامل لاستخدام القوّة الجسدية إلى ممارسة القوّة بما لا يفضي إلى العنف الجسدي وأمثاله؟

ولا يعني العنف الجسدي مدلولاً سلبياً حتى يثار تساؤل عن مدى إمكانية أن يلتزم الإسلام به، ومن ثم فلا يعني هذا العنوان استباقاً للنتائج من خلال تحميل الفكرة وإلباسها المظهر السلبي؛ لأننا نلتزم بأنّ الإسلام قد دعا إلى العنف الجسدي في هذه الدائرة أو تلك، إذ العنف الجسدي لا يمكن لأيّ نظام أو قانون أو حكومة أن تلغيه إذا أرادت أن تكون واقعيةً، ولم يحدّث التاريخ عن سلطة سياسية أو اجتماعية أو دينية أو.. لم تمارس العنف ولو في إطار عملية قوننة له حتى لو نظّرت ضدّه، كل ما في الأمر أنه إذا أريد للموضوع أن يُقرأ من زاوية فلسفية إنسانية فإنه من الضروري أن تقدّم تبريرات تفسّر السبب في اللجوء إلى القوّة ولو من خلال عدم وجود منفذ آخر.

وعلى كلّ حال، فليس هذا هو موضوعنا؛ لأنّنا نريد أن نعالج المسألة من زاوية فقهية بحتة لا أكثر، أي أننا نريد مطاولة الموضوع وفق معطيات الفقه الإسلامي، لنكتشف هل يوجد في النصّ الديني أو العقل المؤسّس على هذا النص ما يدعم فرضية العنف الجسدي في سياسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما هو السائد حالياً أم لا؟

ii)        1 ـ منطق القوّة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مطالعة في التاريخ الفقهي

وينبغي ـ بدايةً ـ أن نطلّ على تاريخ هذه المسألة في التراث الفقهي الإسلامي، والظاهر أنّه لا خلاف بين الفقهاء في ثبوت هذه المرتبة ـ أي الثالثة ـ من حيث المبدأ، وقد عبّر عنها في كثير من المصادر والمراجع الفقهيّة باليد، وفسّرت في بعض هذه المصادر بمعنى مطلق استخدام القوّة والعنف الجسدي ضدّ فاعل المنكر كضربه ونحو ذلك.

فقد صرّح بذلك ـ أو هو ظاهر كلمات ـ كلّ من: ابن حمزة الطوسي (ق 6هـ)([1])، وابن البرّاج الطرابلسي (588هـ)([2])، وأبي الصلاح الحلبي (447هـ)([3])، والشيخ المفيد (413هـ)([4])، والشيخ الصدوق (381هـ)([5])، والشيخ الطوسي (460هـ)([6])، وابن إدريس الحلي (598هـ)([7])، وابن فهد الحلّي (841هـ)([8])، وسلّار الديلمي (448هـ)([9])، والمحقق الحلّي (676هـ)([10])، والعلامة الحلي (726هـ)([11])، والشهيدين الأول (786هـ)([12])، والثاني (965هـ)([13])، وابن سعيد الحلّي (690هـ)([14])، والفيض الكاشاني (1091هـ)([15])، والمحقّق الخراساني (1090هـ)([16])، والمحقق الأردبيلي (1093هـ)([17])،
والميرزا القمّي (1231هـ)([18])، والمحقّق العراقي (1361هـ)([19])، والمحقق النجفي (1266هـ)([20])، والمقداد السيوري (826هـ)([21])، والسّادة: الحكيم (1390هـ)([22])، والخوئي (1413هـ)([23])، والگلپايگاني([24])، والخميني (1409هـ)([25])، والشهيد الصدر (1400هـ)([26])، ولعلّه ظاهر كتاب «فقه القرآن» للراوندي (573هـ)([27]) أيضاً.

إلا أنني ـ وفي حدود ما بحثت ـ لم أعثر على رأي في المسألة لمجموعة من فقهاء الإماميّة، فلم أر رأياً لابن الجنيد الاسكافي (ق 3 ـ 4هـ)، والشريف المرتضى (436هـ)، وابن زهرة الحلبي (588هـ)، وابن أبي عقيل العماني (ق3 ـ 4هـ)، وبعض العلماء المتأخرين كالسيد جواد العاملي (1226هـ) صاحب الكتاب الموسوعي الشهير «مفتاح الكرامة»، والسيد السند (1009هـ) صاحب كتاب «مدارك الأحكام»، والعلامة النراقي (1245هـ) صاحب كتاب «مستند الشيعة»، والمحدّث يوسف البحراني (1186هـ) صاحب كتاب «الحدائق الناضرة»، والمحقّق الكركي المعروف (940هـ) صاحب كتاب «جامع المقاصد»، والعلامة السيد علي الطباطبائي (1231هـ) صاحب كتاب «رياض المسائل»، والآغا رضا الهمداني (1322هـ) صاحب كتاب «مصباح الفقيه»و..

لكنّ أحداً من الفقهاء لم يذكر نفي هذه المرتبة بهذا المعنى ـ فضلاً عن أن يذكره من ناحية أوّلية بمعنى أن ينقل قولاً بعدم وجود مرتبة اليد الثالثة أساساً ـ كرأيٍ أو كوجهٍ، ولم يُنسب الخلاف في ذلك إلى أحد، عدا ما سيأتي، ومن هنا نصّ في «التنقيح» على أنّ الحكم اتفاقي([28])، إلا أنّ بعض الفقهاء المعاصرين استشكل في المسألة([29])، ولعلّه متوقف في ثبوت هذه المرتبة بهذا المعنى ـ أي العنف الجسدي ـ على أقلّ تقدير.

هذا على مستوى الفقه الإمامي، وأمّا على مستوى فقه السنّة، فالظاهر أنّ الأمر على نفس الطراز على ما تفيده بعض المراجع الموسوعيّة الأخيرة([30]) وإن كان الجوّ يميل هنا وهناك أحياناً لتفسير اليد بإعمال القوّة، لا بالضرب، كمصادرة الخمر ونحو ذلك.

iii)      2 ــ المقتضيات الأولية أو استدعاءات القواعد الأولى

وعلى أيّة حال، فمقتضى الأصل الأوّلي والقاعدة المبدئية التي تشكّل منطلقاً وفي الوقت عينه مرجعاً معرفيّاً عند فقدان الأدلّة الاجتهادية هو البراءة عن لزوم استخدام هذه المرتبة بالمعنى المتقدّم، بل إنّ مقتضى العمومات والمطلقات القرآنية والروائية حرمة الإيذاء والاعتداء وشبههما، وهي حرمة مطلقة وشديدة يحتاج إلى دليل ثابت لكي يحدّ منها أو يضيّق من دائرتها، ولذلك لابد من تلمّس دليل يمكّننا من رفع اليد عن مقتضيات الأصول والأدلّة المذكورة.

d)                 3 ـ أدلّة مبدأ العنف الجسدي، مطالعة تحليلية ونقدية

وما يمكن أن يسجّل بوصفه أدلّةً للمسألة وجوه:

e)                 أ ـ مستند الإجماع الإسلامي، وقفات نقديّة

يستند هنا إلى الإجماع الإسلامي العام، بل ما قد يرقى إلى مستوى الضرورة الفقهية بعد ملاحظة تصريحات الفقهاء في هذا الإطار، لاسيّما وأنّ بعضهم قد ساق المسألة مساق الأمور الجزميّة الواضحة والمسلّمات القطعية الثابتة.

وربما يلاحظ عليه:

أولاً: إنّ العلامة الحلي (726هـ) قد ذكر أن كلّ من قدّم من الفقهاء اليد على القلب واللسان في سياق استعراضه ترتيب هذه المراتب، أراد باليد عين فعل المعروف وترك المنكر من الآمر الناهي نفسه، أي الاحتمال الرابع من الاحتمالات الأوّلية المتقدّمة، ناسباً مثل هذا التقديم إلى سلار الديلمي صاحب كتاب «المراسم العلوية».

قال العلامة الحلي في كتابه «مختلف الشيعة»([31]): «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان باليد واللسان والقلب، واختلف في التقديم: فقال الشيخ أولاً باللسان ثم باليد ثم بالقلب، وربما قيل بتقديم القلب، وقال سلّار: وهو مرتب باليد أولاً فإن لم يكن فباللسان فإن لم يكن فبالقلب، ولا أرى في ذلك كثير بحث. والتحقيق أنّ النزاع لفظي فإنّ القائل بوجوبه.. والقائل بتقديم اليد يريد أنه يفعل المعروف ويتجنّب المنكر بحيث يتأسّى به الناس، فإن أفاد ذلك الانقياد إلى التأسّي، وإلا وعظ وزجر وخوّف باللسان، فإن عجز عن الجميع اعتقد الوجوب».

ووفقاً لنصّ العلامة الحلي هذا، لن نحرز أنّ الجميع يقصدون معنى واحداً من مصطلح اليد ونحوه بحيث يكون شاملاً أو منحصراً في استخدام العنف الجسدي.

ويعزّز أصل الإيحاء بمثل هذا المدلول أنّ الشيخ الطوسي (460هـ) في كتاب «النهاية»([32]) وابن البرّاج الطرابلسي (588هـ) في كتاب «المهذّب»([33])، قد جعلا هذا المعنى ـ أي عين فعل المعروف وترك المنكر من الآمر والناهي ـ أحد معاني اليد في الباب، بل من الممكن أن يستظهر من عبارتهما أنّه المدلول الأول؛ لأنهما ذكراه في إطار تفسير هذه المرتبة أولاً، وإن ضمّنا في استدراكهما أو ما يشبه الاستدراك بعد ذلك المعنى الثاني لليد وهو العنف وشبهه ملتزمين بهذا الشمول.

ثانياً: إنّ كثيراً من الكلمات استخدمت كلمة اليد من دون أن تشير إلى معنى هذا المصطلح هنا، الأمر الذي ربما يفسح لنا المجال في التشكيك في إرادة هؤلاء نفس المعنى الذي فهمه المتأخّرون ومما استقر عليه الحكم والفتوى فيما بعد.

وهذا التشكيك ممكن، إلا اذا استبعد بعدم ذكر أحد معنى آخر مما يضعّف من احتمال إرادة من أطلق خصوص معنى فعل المعروف، ومن ثَمّ نصبح بحاجة إلى مثل نصّ النهاية والمهذّب والمختلف لبعث الحياة مجدّداً في هذا الشك.

هذا، ونجد العلامة الطباطبائي يجعل الفعل الشخصي مصداقاً للأمر الموجّه إلى الغير، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبُخْلِ﴾ (النساء: 37)، حيث يقول: «أمرهم الناس بالبخل إنما هو بسيرتهم الفاسدة وعملهم به، سواء أمروا به لفظاً أو سكتوا..»([34])، ففي كلمات العلماء ما يوحي بأنهم يتحمّلون هذا المعنى.

ثالثاً: إنّ هذا الإجماع وبعد ملاحظة النصوص الروائية الواردة في المقام، واستخدام الفقهاء تعابير مشابهة لما في النصوص الحديثيّة الآتية كتعبير اليد، يمكن الوثوق بمدركيّته حتى في أصل وجود مرتبة اسمها اليد ولا أقلّ من الاحتمال، ومن ثم سقوطه عن الحجيّة، فإنّ المقرّر في علم أصول الفقه أنّ الاجماع إن علم أو احتمل مستند المجمعين فيه كانت العبرة بالمستند نفسه فنرجع إليه مباشرةً، فإنّ فهمهم لهذا المستند ليس حجةً علينا.

وعليه، لا يصحّ الاستناد إلى دليل الإجماع هنا.

i)          ب ـ نصوص تشريع الجهاد، حاجة لتفكيك المفاهيم

ويتمسّك هنا أيضاً بأدلّة الجهاد على أساس اشتمالها على فكرة استخدام القوّة لتغيير الواقع الفاسد أو لفرض الأنموذج الصالح وأمثال هذه الصياغات التي تعطي مفاداً هو أنّ استخدام القوّة لرفع المنكرات والانحرافات أمر مشروع بل ومطلوب. ويعزّز ذلك أنّ مفردة الجهاد قد استفيد منها في النصوص في مختلف مواقع مواجهة الفساد حتى ذاك الذي يعيشه الفرد داخل نفسه مما يعطي هذا المصطلح ـ في النصّ الإسلامي ـ مدلولاً أوسع من الإطار الحربي بالمعنى العسكري للكلمة.

كما أنّ ملاحظة جملة من المصادر الفقهية المتقدّمة تاريخياً يشرف الباحث من خلالها على الاطمئنان بذلك؛ لأنّ هذه المصادر كانت تدرج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن كتاب الجهاد ولا تفصله عنه. كما يلاحظ من بعض المناقشات (يراجع هنا كتاب الغنية لابن زهرة، قسم العقائد) حول طبيعة وجوب الأمر بالمعروف وأنّه عقلي أو شرعيّ.. أنّ الإمامية قائلة بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فردٌ من أفراد الجهاد.

وقد يناقش: بأنّ باب الجهاد وأدلّته من حيث المحتوى والظرف الذي صدرت فيه أجنبية نسبياً عن مجال البحث هنا؛ لأننا نريد هنا إثبات مشروعية استخدام العنف الجسدي ضد فاعل المنكر مثلاً لردعه عن فعله حتى لو كان مسلماً غير باغ، وأدلّة الجهاد أخصّ وأضيق بكثير من هذا المدّعى؛ لظهورها في المواجهة السياسية ونحوها بتوظيفها القوّة لاعتبارات عامّة ذات طابع جمعي بمستوى الظاهرة المقابلة، ومثل هذا التشريع ـ المستوحى من مجموع أدلّة الجهاد ـ كيفما امتدّت مساحته لا يستوجب صيرورة العنف مشروعاً حتى لآحاد المكلفين أو جماعاتهم مع بعضهم في ظلّ مطلق وضعٍ سياسي أو اجتماعي ولو بإذن الحاكم الشرعي.

وبعبارة مختصرة: إنّ المطالع لنصوص باب الجهاد القرآنيّة والحديثيّة يشعر بأنّه بحاجة إلى شيء من تحميل النص إذا أراد أن يفهم منها معنىً بهذا الحجم من السعة.

كما أنّ مسألة إدراج الأمر بالمعروف في ضمن أبحاث الجهاد لا تنفع كثيراً هنا؛ إذ من الواضح أنّ كونه فرداً منه فقهياً بحسب التقسيم والتبويب المتّبع في علم الفقه ـ وهو تقسيم وإن كان يحمل في داخله الكثير من فرص قراءة العقل الفقهي الذي يستشرف الموقف الفقهي أحياناً، إلا أنه ونتيجة بعض تأثيرات الفقه السني فيه وأمور أخرى أيضاً قد حمل بطريقة غير مقصودة هيكلية غير معبّرة عن ذاته بالدقّة ـ لا يعني تطبيق كافة أحكام الجهاد عليه، بل هناك ما يفيد بأنّهم لم يقوموا بذلك من خلال ملاحقة بعض التفاصيل التي أورودها في كلا البابين من قبيل اختلافهم في جواز الجرح أو القتل في الأمر بالمعروف ونحو ذلك، حتى بإذن الحاكم الشرعي.

هذا، ومن جهة أخرى مجرّد الصدق اللغوي واستعمال مفردة الجهاد أحياناً في غير هذا المعنى الخاص الذي أشرنا إليه لا يوجب حكماً شرعياً ـ كان ثابتاً للجهاد بهذا المعنى ـ لما هو أوسع من ذلك ما لم تصل المسألة إلى درجة الاصطلاح والمواضعة في الدائرة الشرعية والمتشرّعية، الأمر الذي لا يتسنى التأكّد منه الآن.

وغاية ما في الأمر تعنون الجهاد بأنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فيكون أخصّ، وإثبات حكم الأخصّ للأعم بحاجة إلى دليل.

ii)        ج ـ قوانين العقوبات، فكّ الاتصال وحلّ الارتباط

قد يستند إلى كافة الأدلّة الواردة في مجال العقوبات كالحدود والتعزيرات، فإنها تمثّل أبرز شاهد على تقرير الإسلام العنف بالمعنى المتقدم لمواجهة المنكر.

لكنّ هذا الوجه يفتقر إلى مصادرة أنّ العناصر القانونية والمفردات التشريعية البانية لوظيفة الأمر بالمعروف متّفقة معها في العقوبات، بمعنى أنّ الشروط والمتطلّبات والإجراءات الموجودة في تلك الوظيفة هي بعينها أو بروحها المأخوذة في التركيبة البنيوية للقانون الجزائي ونحوه، وما لم يكن الأمر كذلك سوف تبدو أمامنا ظاهرتان قانونيّتان مختلفتان في المضمون والشكل والآليّة والعناصر، وإن تلامستا في الأهداف.

غير أنّ هذه المصادرة غير واضحة؛ وذلك أنّ المستخلص من نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلسلة من الشروط والمراتب والأحكام كالترتيب ونحوها من الاعتبارات التي لا وجود لها في باب العقوبات، كما أنّه من جهة أخرى يلاحظ أنّ باب القانون الجزائي محدّد وفق مقرّرات قضائية لإثبات الجرم، فبدون الإثبات القضائي من البيّنة وغيرها لا يمكن إقامة حدّ، وهو أمر لا وجود له فيما نحن فيه في إطار علاقة الآمرين بالمأمورين.

وبعبارة أخرى: حتى الحاكم لا يمكنه ـ ولو على بعض الآراء ـ إجراء الحدود بدون مراعاة الضوابط القضائية؛ وذلك لأنّنا حينما نفوّض الحاكم في قضيّة الأمر بالمعروف، سيعني ذلك أنّه يملك الحق في تفويض ملاحقة المنكرات ولو بالقوّة ـ بالمعنى المتقدّم ـ إلى مجموعة من الأفراد لتطبيقها بلا حاجة إلى محاكم وغيرها، بمعنى كفاية تأكّد أحد الأفراد من المنكر لاستعمال هذه المجموعة القوة وفق شروط الأمر والنهي، بل للحاكم جعل هذه الوظيفة في يد آحاد المكلفين بلا داع لمراعاة الجانب القضائي، بل هي في أيديهم بلا حاجة لإذن الحاكم على بعض الآراء، وهذا الأمر غير واضح في باب العقوبات التي لا يتأتى فيها تنفيذها بمثل هذه الآليّة الإجرائية التنفيذية. ومن خلال هذا الأنموذج من الاختلاف في المعالم يظهر أنه ليس من الجليّ أنّ تشريع العقوبات يمكنه أن يدلّل على ما نحن فيه.

بل يذكر بعض الفقهاء أنّ التعزير والحدّ عقوبة ولا يفهم من ذوق الشارع أنّ الأمر والنهي عقوبة، فالهوية مختلفة([35]).

ولعلّ هذه الخصوصيات المتقدّم ذكرها، دفعت بالمحقّق العراقي (1361هـ) إلى نفي الملازمة ـ صريحاً ـ بين أدلّة الجهاد والحدود وما نحن فيه، حيث أشار بصورة سريعة إلى ذلك في «شرح التبصرة»([36]).

iii)      د ـ مبدأ صلاحيات الدولة الدينية، وقفة تأمّل

ويتمسّك هنا كذلك بأدلّة الحكومة لإعطاء الصلاحية للحاكم في ممارسة أسلوب العنف الجسدي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مطلق ممارسة القوّة، من قبيل أدلّة الولاية العامّة للفقيه.

غير أنّه يسجّل على هذا الوجه، أننا نريد هنا تثبيت تشريع له جعل قانوني أوّلي، بمعنى كون العنف الجسدي بل مطلق مرتبة اليد ـ بمعنى استخدام القوّة ـ صيغة أوليّة مقرّرة في الشريعة لوظيفة الأمر والنّهي، وهذا غير أن يسمح الشارع من خلال جعل آخر ـ وهو جعل الولاية للحاكم ـ بآليّة عمل في هذا المجال مبنية على نظر إنساني بشري آني، فقبول الشارع بمبدأ العنف أو القوّة ـ بالمعنى الذي نقصده هنا ـ من خلال حاكميّة الحاكم إنما هو قبول لها بملاك مغاير لمورد البحث ومن حيث العنوان الأوّلي.

وبعبارة ثانية: إنّ ترخيص الحاكم باستخدام العنف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كانت له مثل هذه الصلاحية في الفقه الإسلامي وكان هذا الترخيص مبنياً على أساس مصالح عليا يراها الحاكم ضرورية الإجراء والتنفيذ.. لا يعني أنّ رؤيته تحوّلت إلى جزء من النصّ الأساسي للدين الإسلامي، حتى لو كان الإسلام ـ وفق نظرية ولاية الفقيه العامّة مثلاً ـ يدعو للانصياع لأوامر هذا الحاكم؛ لأنّ الرضا بأوامره لا يصيّر أمره حكماً واقعيّاً إلهيّاً من حيث ذاته، وإنّما ضرورة عملانيّة يأمر الشارع بالانقياد لها تبعاً لحاجات النظام العام.

وفي مقابل هذا الكلام، قد يستعان بالمقولة القاضية بنفي الإكراه في الدين، وأنّ الوظيفة ـ حتى النبويّة ـ مقتصرة على التبليغ والجدال بالتي هي أحسن وما شابه ذلك وأنّ استخدام القوّة والإجبار المباشر وغير المباشر أمر بعيد عن الجوّ الديني، لاسيّما وأنّ الدين أمر قلبي واختياري لا مجال لفرض الإكراه فيه لانتفاء الغرض حينئذ منه.

وهذا الوجه قائم على نظريّة كلاميّة في باب الدين والتديّن، ولهذه النظرية أنصار ومؤيّدون لاسيما في الغرب المسيحي، ونحن لن ندخل في البحث حولها لكن نشير إلى أنّ هناك فرقاً بين الدين بمعنى الفعل القلبي والروحي وبينه بالمعنى القانوني، فمن الممكن أن يبحث في الجانب الأوّل وقد بحث حقاً، أما الجانب الثاني فلا أظنّ أنه من المنطقي افتراضه بوصفه حقيقةً؛ لأنه لا معنى لافتراض نظام حاكم سياسياً أو اجتماعياً أو عائلياً أو قانونياً أو.. ثم يعتمد فكرة الفعل الاختياري الخالص فحسب، وإلا فبماذا نفسّر قوانين العقوبات الجزائية والجنائية وأشباهها في الإسلام وغيره؟!

إنّ هذه النظرية تشبه في تكوينها الشيوعيّة المطلقة التي وعدت الماركسية بها العالم والتي تقوم على نظام إلغاء الملكية وإزالة الطبقيّة، وإذا حصل ظرف كهذا وصارت هناك إمكانية وضمانة في الاعتماد على الفعل الاختياري فحسب من دون حاجة إلى نظام قوّة وحاكميّة ملزمة من خارج النفس الإنسانية، فهناك يمكن التفكير في الأمر من جديد.

وفيما أخمّن فإنّ هذا النمط من التفكير قد تمّ استيراده من الغرب المسيحي مع سلخه عن نسقه وسياقه المحيط والتاريخي والذي اقتضته الديانة المسيحيّة والظروف الأخيرة التي واجهتها، ومن ثم أريد تطبيقه في الدائرة الإسلامية مع تجاهل الفوارق العديدة بين المسيحية ـ لا أقل بوجودها الفعلي ـ وبين الإسلام، ولا نعني بذلك أنّ المسيحيّة تتقبّل مثل هذا الفرض، فإنّ الإنجيل نفسه قد سنّ قوانين عديدة في مجال العقوبات ونحوها، وإنما نعني أنّ قابلية هذه الديانة لاستيعاب مثل هذا الافتراض وبهذه السعة أكبر منها بالنسبة إلى الإسلام.

iv)      هـ ـ العمومات والمطلقات التشريعية بين قدرة الشمول وعدمها

يستند هنا إلى العمومات والمطلقات القرآنية والروائية الآمرة والحاثّة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك من خلال شمولها للقوّة؛ فإنّ معنى النهي عن المنكر هو الزجر عنه والردع، ومقتضى إطلاق الزجر شموله لما كان بوسيلة القوّة بالمعنى السابق، بل يمكن القول ـ كما ذهب إليه المحقق العراقي([37]) ـ بأنّ طبع الأمر يقتضي مرتبة من العقوبة على المخالفة، فلو أعطي لزيد حقّ أمر عمرو بشيء ففحواه السلطنة على معاقبته لو خالف، لكن لا بتمام مراتب العقوبة بل بالقدر المتيقن، كما يمكن القول بأنّ كلمة الأمر بنفسها تعطي دلالةً على القدرة([38]).

وقد يناقش الاستدلال بالعمومات والمطلقات هنا من نواحٍ عدّة وهي:

أولاً: ما نعتبره الملاحظة الأساسيّة هنا، وهي أنّ كافّة هذه الأدلة ليس فيها إطلاق أو عموم مؤثّر في مجال بحثنا، فإنها غير ناظرة إلى وسائل التنفيذ وتحديد الشروط والأحكام والمراتب، وأشكال إقامة هذه الفريضة، وإنما نظرها:

أ ـ إمّا لوصف المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ (التوبة: 71).

ب ـ أو لوصف النبي$، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ..﴾ (الأعراف: 157).

ج ـ أو لأصل الحث على هذه الوظيفة وتقريرها بوصفها مبدأً، نحو قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 103 ـ 104).

د ـ أو لبيان إيجابياتها وسلبيات هجرانها، كما في عدّة روايات، نحو ما في خبر يحيى عن حسن([39]) وغيره، وأشباه هذه الألسنة والمقامات.

وفي مثل هذه الأجواء لا يتسنّى استنطاق هذه النصوص لتأكيد أمر فرعي يتعلّق بأشكال التطبيق، أو كما في التعبير المستخدم في علم أصول الفقه: ليست هذه النصوص في مقام البيان من هذه الجهة حتى يؤخذ بإطلاقها، فإنّ المتكلّم إذا أراد بيان مبدأ لا يمكن من سكوته عن فروعه فهم تفصيلات هذا المبدأ وأحكامه الفرعية الجانبيّة.

ثانياً: ما أشكل به بعض الفقهاء المعاصرين هنا من ناحية أخرى غير ما ذكرناه على هذا الدليل، حيث ذهب إلى أنّ تفسير المحقق النجفي الأمر بالمعروف بمعنى الحمل عليه والنهي عن المنكر بمعنى المنع فيه بأيّ وسيلة([40])، بلا دليل؛ إذ كلمة: الأمر والنهي ظاهرتان في الجانب اللساني عرفاً ولغةً ولا تشملان حالة فرض المعروف ومنع المنكر بالقوّة فضلاً عن العنف الجسدي([41]).

وهذا الكلام لا بأس به، لا أقلّ في طرف الأمر بالمعروف؛ إذ لا يشمل هذا المفهوم صورة ضربه أو جرحه أو ما شابه ذلك بوصف هذا الفعل أمراً، فالمطلوب هو الأمر، وليس سوى طلب الفعل لا القهر عليه، والمطلوب هو النهي وهو طلب الترك أو الزجر اللساني عنه، وإن كان مفهوم النهي يمكن أن يتصوّر شموله للنهي بالقوّة، بخلاف مفهوم الأمر، لكنّ مقتضى انصراف التعبير عرفاً إلى الجانب اللساني ما لم يبرز دليل على ما هو أزيد.

بل التأمل في ظاهر كلام المحقّق النجفي يدلّ على إقراره بهذا الأمر، غايته أنه يفهم من مجموع النصوص في الباب ما يوسّع الدائرة لليد، فالشمول عنده ليس بدلالة أولية لفظية وإنما ثانوية قائمة على مقارنة ومقاربة مجموع النصوص القرآنية والحديثية في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثالثاً: ما ذكره بعض الفقهاء المعاصرين من أنّ فرض شمول المطلقات والعمومات لمرتبة اليد بمعنى الضرب والجرح يفضي إلى التهافت في ألسنتها، فإنّ الآية 103 ـ 104 من آل عمران المتقدّمة آنفاً تتحدّث عن الألفة والمودّة والمحبة، فكيف يمكن لحكيم يذكر هذا السياق أن يفرض ـ لو فعل بعضهم معصيةً ـ أن يصل الحدّ في التعامل معه إلى الضرب والجرح والإهانة، وهو ما يوجب سوء العلاقة وارتفاع المودّة؟!

وكذلك الحال في الآية 110 من آل عمران المتقدّمة الدالّة على أنّ أمة الإسلام كانت خير أمّة للآخرين، فقد وقعت هذه الآية في نفس سياق الآيتين السابقتين. وكذا الحال في الآية 157 من سورة الأعراف المتقدّمة حيث فيها معاني الرحمة والتخفيف من الإصر والأغلال فكيف ينسجم هذا مع فرض المعروف بقوّة العنف؟! بل وكذا الآية 71 المتقدّمة من سورة التوبة فإنّ الولاية نحو رعاية ورفقة ومحبة لا عنف وضرب وأذية وهكذا([42]).

لكن يمكن الجواب عن هذه المناقشة بأنها تصوّرت أن تمام مصاديق الأمر بالمعروف والنهي أو أغلبها هو العنف والقوّة، مع أن العنف والقوّة يمثلان بعض المصاديق لا أكثر وقد تكون الأقلّ، والعنف والقوة بعد إجراء تمام المراحل واستنفاد تمام الطرق الرحيمة لا يمثلان وجهاً بشعاً عندما يكون غرضهما تحقيق الخير الذي يرجع بالنفع على الجميع، حتى على من استخدم في حقّه العنف، فهذه الآيات على وزان قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، فإنّ هذا العنوان لم يلغِ أحكام الجهاد والعقوبات الجزائية والجنائية وغير ذلك مما قد يظنّ أنه على خلاف الرحمة، فهذه الرحمة تماماً كرحمة الطبيب الجراح بمريضه، فلا أجد تهافتاً في هذه النصوص لو استوعبت مرتبة اليد.

رابعاً: ما سوف يأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى وتقدّمت الإشارة إليه من أنّ العمومات والمطلقات الواردة في الواجبات منصرفة عن مصاديقها المحرّمة أو المصاحبة للحرام، وحيث كان الضرب أو التصرّف في الأموال أو الأذية النفسية أو نحو ذلك حتى لو كان باللسان أو القلب محرماً، فتنصرف الأدلة عن ذلك هنا، فإنّ إطلاق وجوب أو استحباب إكرام الضيف لا يشمل تقديم الخمر له لو كان يسرّ بذلك، وكذلك إطلاق الأمر بمودّة المؤمنين لا يشمل المودّة غير الشرعية كما في الزنا وهكذا، وما نحن فيه من هذا القبيل، وبهذا يكون هناك عجز في المقتضي عن الشمول للضرب ونحوه.

نعم، لو ثبت بدليلٍ سقوط حرمة المأمور والمنهي من هذه الناحية بصرف النظر عن الأمر والنهي، كما لو كان كافراً حربيّاً مهدور الدم لم تجر هذه المناقشة، وهذا ما يدفعنا لكي نلفت النظر إلى أنّ كل ما سنقوله حول هذا الموضوع، من جانب وجود دليل حرمة الأذيّة، تخرج عنه هذه الصورة.

خامساً: بصرف النظر عن المناقشات السابقة، لو سلّمنا بشمول الإطلاقات والعمومات للضرب ونحوه، إلا أنّه تقع المعارضة بين هذه الأدلّة، وأدلّة حرمة أذية الغير والاعتداء عليه والتصرّف في جسده وأمواله بغير إذنه ورضاه، وفي هذه الحال لا يمكن الأخذ بالإطلاقات والعمومات، فيسقط الأمر والنهي هنا.

وقد حاول بعض المعاصرين حلّ هذه الإشكالية بدعوى أنّ الحرمة ثابتة بالعنوان الأوّلي، أي أنّ الأذية هنا حرام بعنوان كونها أذية، وأما دليل الجواز أو الوجوب فبالعنوان الثانوي، فالأذية تكون جائزةً بعنوان كونها أمراً بالمعروف، وهو عنوان ثانوي عارض وليس أوّلياً، وعند تعارض ما كان بالعنوان الأولي مع ما كان بالعنوان الثانوي يقدّم ما كان بالعنوان الثانوي([43]).

والجواب تارةً بالنقض وأخرى بالحلّ:

أما النقض، فبأنّ معناه جواز كل محرّم إذا وقع تحت عنوان الأمر والنهي ولو لم يُلحظ قانون التزاحم، كأن يكون في اللمس أو النظر أو الزنا ما يوجب التأثير فيكون حلالاً لو وقع في صراط الأمر والنهي، وهذا ما لا نظنّ أن القائل يذهب إليه هنا؛ لأنّ نتيجة قوله سقوط دليل الحرمة بالتعارض في مادّة الاجتماع، فلا تصل النوبة لتطبيق قانون التزاحم.

وأما الحلّ، فقد يقال بأن ما عبّر عنه بالعنوان الأولي ليس أوّلياً، فالعنوان الأوّلي هو الضرب والتصرّف في مال الغير، وهذه ليست محرّمة بعنوانها وإنما بوصفها اعتداءً على حقّ الآخرين وظلماً، فتكون محرّمةً بوصفها ظلماً، فلا يكون في البين عنوان أولي أو ثانوي.

والأصحّ أن يقال: إنّ التعارض هنا واقع بين دليل الأمر والنهي ودليل حرمة أذية المؤمن، بعد التنزّل جدلاً بشمول أدلّة الأمر والنهي لمثل الضرب، والنسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، وفي مثله يكون التعارض مستقراً ويسقط الدليلان في مادّة الاجتماع، وهي الأمر الموجب للأذية، فلا يجب هناك الأمر والنهي ولا تحرم الأذية، فيرجع إلى عام فوقاني إذا كان، وإلا فإلى أصل البراءة.

سادساً: إنّ ما ذكره المحقق العراقي غير واضح بوصفه قاعدةً؛ إذ ليس هناك تلازم عقليّ أو غيره بين أن نعطي شخصاً حقّ أن يأمر شخصاً آخر بشيء وبين أن نمنحه صلاحية معاقبته؛ فالمفهومان مختلفان تماماً نظرياً وعملياً، ولا نسلّم أنّ فحوى الترخيص له بأمره تستدعي ذلك، فهذه دعوى بلا دليل، نعم لو جعلت له الولاية عليه لربما أمكن تصوّر ذلك، لكنّ مطلق جعل الآمرية لا يستدعي جعل الولاية بالضرورة.

والنتيجة أنّ عمومات الأمر والنهي غير قادرة على إثبات هذه المرتبة الثالثة بمعنى العنف الجسدي ونحوه.

f)                   و ـ مستند الأحاديث الخاصّة، رصد ومتابعة

هذا الدليل هو ـ على ما يظهر ـ العمدة عندهم([44])، حيث يرجع إلى مجموعة أحاديث لها دلالة حول موضوع البحث، وهذه الأحاديث هي:

1ـ خبر جابر، عن أبي جعفر الباقر ـ في حديث ـ قال: «فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم، فإن اتّعظوا وإلى الحقّ رجعوا فلا سبيل عليهم، ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، هنالك فجاهدوهم بأبدانكم وأبغضوهم بقلوبكم، غير طالبين سلطاناً، ولا باغين مالاً، ولا مريدين بالظلم ظفراً، حتى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا على طاعته»([45]).

2ـ ومن قبيل هذه الرواية خبر ابن أبي ليلى، قال: إني سمعت علياً× يقول يوم لقينا أهل الشام: «أيها المؤمنون، إنه من رأى منكم عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ.. ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى..»([46]).

3 ـ وكذلك ما في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين×، أنه قال ـ في خطبة له يذكر فيها أصحاب الجمل ـ: «فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلاً واحداً، معتمدين لقتله بلا جرم جرّه، لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه؛ إذ حضروه فلم ينكروا، ولم يدفعوا عنه بلسانٍ ولا يد..»([47]).

وذلك أنّ «فجاهدوهم بأبدانكم»، و«أنكره بالسيف»، و«بلسان ولا يد» الواردة في هذه الروايات تدلّ على استخدام العنف ـ بالمعنى المتقدّم ـ في الأمر والنهي.

والجواب أولاً: إنّ هذه الروايات ضعيفة سنداً؛ إذ الأولى ـ مضافاً إلى الإرسال ـ ضعيفة بمجهولية بشر بن عبد الله([48])، وأبي عصمة قاضي مرو([49])، والثانية بجهالة عبد الرحمن بن أبي ليلى على بعض الآراء([50])، فضلاً عن الإرسال، والأخيرة لا سند لها، إلا إذا بُني على صحّة كتاب نهج البلاغة كمجموع دون التفتيش عن سند كلّ رواية رواية فيه، ولا نرى دليلاً على هذا القول، وفاقاً للإمام الخميني([51]).

ثانياً: إنّ السياق الذي وقعت فيه هذه النصوص ـ لا سيما الأوّلَين ـ هو سياق الجهاد والقتال في إطار المواجهة السياسية، وعبارة: «غير طالبين سلطاناً ولا باغين مالاً..» في خبر جابر، و«أنكره بالسيف» في خبر ابن أبي ليلى، مؤيّداً بظرف صدور النص في أجواء قتال أهل الشام، تدلّل على أنّ المقدار الذي تتحدث هاتان الروايتان عنه هو في إطار مواجهة الانحراف العام بالخروج المسلّح والمعارضة العسكرية ونحو ذلك، وهو أمر يتعلّق بالفقه السياسي والجهادي أكثر من تعلّقه بما نحن فيه، وفقاً لما أشرنا إليه في مناقشة الدليل الثاني هنا.

كما أنّ كلمة اليد الواردة في رواية نهج البلاغة لا علاقة لها بما نحن فيه، إذ يراد بها القيام بعمل يؤدّي إلى دفع القتل عن مسلم، وهذا مما لا إشكال فيه، فإنّ رفع العدوان عن مسلم برفع قتله فريضة أخرى قد تكون واجبةً حتى لو لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبين أصلاً، وفي مورد القتل يمكن تصوّر استخدام اليد لرفع الظلم عن إنسان بريء.

وهذا كلّه يعني أنّ هذه الروايات وإن استخدمت اليد واللسان، إلا أنّ هذا لا يعني ـ حصراً ـ كونها بصدد بيان تمام مجالات الأمر والنهي، بل هي خاصّة بحالات الجهاد، وقد قلنا سابقاً بأنّ الجهاد من الأمر بالمعروف بالمعنى العام، فإذا أريد من اليد الجهاد فهو مقبول لكن تنطبق عليها أحكام الجهاد وشروطه حينئذٍ، لا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعنى غير الجهادي.

4 ـ رواية الحسين بن سالم، عن أبي عبد الله الصادق، قال: «أيّما ناشئ نشأ في قومه ثم لم يؤدّب على معصيته (معصية)، فإنّ (كان) الله عزّ وجل أوّل ما يعاقبهم به أن ينقص من (في) أرزاقهم»([52])، وفي نطاق موضوع هذه الرواية عدّة نصوص تتعرّض لضرب أو تأديب الزوجة والصبي والمملوك، وبيان طريقة الاستدلال بها واضح.

والجواب: إنّ دائرة هذه النصوص هو الحياة العائلية تقريباً، واحتمال الخصوصيّة للدائرة الأسرية في نطاق كهذا معقول جداً إذا لم نقل بأنّه موثوق به، ومع هذا كيف يراد تسرية حكم في مجال تربوي أسري لإطار اجتماعي عام أوسع منه بكثير؟! هذا مع غضّ النظر عن ضعف هذه الرواية بجهالة كلّ من أبي عبد الله الخراساني([53])، والحسين بن سالم([54]).

5 ـ ما عن أمير المؤمنين×: «من ترك إنكار المنكر بقلبه ويده ولسانه (ويده) فهو ميت بين الأحياء..»([55])، فإنّ هذه الرواية ظاهرة في ثبوت مرتبة اليد ـ بالمعنى السابق الشامل للعنف الجسدي ـ بمقتضى إطلاق اليد، وكما يقول المحقق العراقي (1361هـ) فإنّ حمل اليد في هذه الرواية وأمثالها على نفس فعل الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر نفسَ المعروف وتركَه المنكر خلاف الظاهر من كلمة اليد([56]).

وما أفاده المحقق ضياء الدين العراقي في محلّه، غير أنّه مع ذلك يمكن إبراز عدّة ملاحظات، وهي:

الملاحظة الأولى: إنّ الرواية ضعيفة من حيث السند، فقد رواها كلّ من الشيخ الطوسي في «تهذيب الأحكام»، والشيخ المفيد في كتاب «المقنعة» وصاحب الفقه الرضوي ونهج البلاغة مرسلة، بل بلا سند أساساً على اختلاف في التعابير بينها.

g)                 مفهوم «اليد» في اللغة العربية والنصوص

الملاحظة الثانية: إنّ الرواية لا بيان فيها للمراد من اليد ولو بالإطلاق؛ لأنها واردة في إطار الحديث عمّن ترك إنكار المنكر بيده، وهي لا تدلّ على سعة «اليد»؛ لأنها ليست في مقام بيان وإثبات الحكم حتى نتمسّك بإطلاقها، وإنما هي في مقام بيان أثر ترك الإنكار باليد من دون أن تحدّد لنا مفهوماً، بل وكأنها تفترض مسبقاً أنّ هذا المفهوم واضح وتريد أن تقرّر ما ينجم عن تركه.

ولتقريب ذلك نأخذ كلمة اللسان، أفهل يقال هنا بانعقاد إطلاق في الرواية لإثبات تمام حالات الإنكار باللسان، أم نقول: إنّ الرواية ليست بصدد بيان امتدادات هذه المراتب وإنما في مقام بيان نتائج الإعراض عنها، وفرق بينهما؟

ووفقاً لذلك، فإنّ كلمة «اليد» في الاستعمالات العربية يكثر تداولها بمعنى القوّة والقدرة، وليس من الضروري أن يكون استعمال القوّة للردع عن المنكر مساوقاً لاستخدام العنف الجسدي، فإنّ استعمال القوّة في مواجهة ظاهرة شرب الخمر يصدق على صورة الحيلولة دون تصنيعها أو دخولها إلى البلدان الإسلامية بسنّ القوانين ضدّها باستخدام النفوذ في المجالس القانونية والنيابية وغير ذلك، وكذا الأوثان وأدوات القمار ونحو ذلك. ومفهوم اليد يحتمل أكثر من احتمال كما قلنا مطلع الحديث عن مرتبة اليد. وما دام هذا المعنى بهذا المقدار صادقاً فلا نحرز ما هو أوسع منه من كلمة «اليد» بعدما تقدم آنفاً.

الملاحظة الثالثة: إنّ كلمة «اليد» لم ترد في بعض النُّسَخ مما يحدث الشك في المقام.

إلا أنّ ملاحظة ما جاء في رواية نهج البلاغة وهي: «فمنهم المنكر للمنكر بقلبه ولسانه ويده فذلك المستكمل لخصال الخير، ومنهم المنكر بلسانه وقلبه التارك بيده، فذلك متمسّك بخصلتين من خصال الخير ومضيّع خصلةً.. ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده فذلك ميت الأحياء»، إنّ ملاحظة هذه الرواية قد يجعلنا نميل إلى أنّ الشيخ الطوسي والمفيد قصدا في نقلهما رواية النهج هذه، وحيث إنّ هذه الرواية مشتملة على كلمة «اليد» فيتقوّى بذلك احتمال صحّة النسخ التي اشتملت على هذه الكلمة، ويبقى أن يصل هذا الاحتمال إلى درجة عدم تأثير الاحتمال المعاكس.

كما أنّ تقديم أصالة عدم الزيادة وتحكيمها وفق بعض الأصول المقرّرة في علم أصول الفقه قد ينفع في المقام أيضاً، وفيما تقدّم كفاية لنا؛ حيث ناقشنا أصالتي عدم الزيادة والنقيصة بالتفصيل في مباحث حجية الحديث، وشكّكنا في وجود مثل هذه الأصول العقلائيّة بالطريقة المطروحة.

6ـ مرسل محمد بن سنان، عن أبي عبد الله الصادق ـ في حديث طويل يروي قصّة فاجرة ردعت طالباً للزنا عن المعصية، حيث ورد في آخرها ـ: «.. وأوجبت لها الجنّة بتثبيطها عبدي فلاناً عن معصيتي»([57]).

لكنّ هذه الرواية ـ بقطع النظر عن ابتلائها بضعف السند بالإرسال، إلى جانب عدم ثبوت وثاقة محمد بن سنان ـ قضيةٌ في واقعة، ولا تعطي شمولاً في أنّ كلّ تثبيط عن المعصية مشروع، غايته أنّ مبدأ الحيلولة بين الآخر والمعصية ممدوح دون تعرّض للأسلوب.

هذا كله، إذا تغاضينا عن أنّ هذه المرأة قد حالت بين العبد والمعصية بالوعظ واللسان لا بغيرهما كما تفيده الرواية نفسها.

7ـ خبر مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: «قال أمير المؤمنين×: إنّ الله لا يعذّب العامة بذنب الخاصة إذا عملت الخاصة بالمنكر سراً من غير أن تعلم العامة، فإذا عملت بالمنكر جهاراً فلم تغيّر ذلك العامة استوجب الفريقان العقوبة من الله عز وجل»([58])، حيث قد يتمسّك بإطلاق التغيير الوارد فيها لحالات استخدام العنف والقوّة.

وقد ورد هذا الخبر في موطأ الإمام مالك بن أنس بعبارات مقاربة عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: كان يقال:.. دون أن يسند إلى معصوم([59]).

ويناقش أولاً: إنّها ليست في مقام البيان من ناحية وسائل التغيير، فلا ينعقد لها إطلاق، على ما شرحناه سابقاً.

ثانياً: إنها أقرب إلى الاختصاص بعلاقة العامّة بالخاصّة، فتكتسب مدلولاً سياسيّاً في علاقة الحاكم بالمحكوم، ومن ثمّ لا يحرز شمولها لغير هذا المورد الذي تقدّم الحديث عنه.

ثالثاً: إنّ الرواية ضعيفة السند بجهالة حال مسعدة بن صدقة عندنا.

8 ـ ما عن الإمام جعفر الصادق، أنّه قال: «إنه قد حقّ لي أن آخذ البريء منكم بالسقيم، وكيف لا يحقّ لي ذلك وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرون عليه ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتى يتركه (يترك)!»([60]).

حيث صرّحت باستخدام حتّى الأذية في الردع عن المنكر مغيّاة بإقلاع فاعله عنه، فتدلّ بإطلاقها على شرعية أيّ سبيل لتحقيق هذا الهدف حتى لو كان الضرب ونحوه.

وهذه الرواية وإن كان فيها نحو دلالة على المطلوب، غير أنّها ضعيفة سنداً؛ لرواية الطوسي والمفيد لها بلا سند أصلاً، مما يوجب سقوطها عن الحجيّة، حتى لو صدّرت الرواية بـ «قال الصادق».

9 ـ خبر يحيى الطويل، عن أبي عبد الله×، قال: «ما جعل الله بسط اللسان وكفّ اليد، ولكن جعلهما يبسطان معاً ويكفّان معاً»([61])، فإنها تقرّر أنّ حكم اليد واللسان واحد من حيث الإطلاق والإمساك، وحيث لا شكّ في بسط اللسان في هذه الفريضة فاليد تكون كذلك.

ويسجّل عليه أولاً: إنّ الرواية ضعيفة سنداً بجهالة يحيى الطويل، إلا إذا بني على وثاقة كلّ من روى عنه ابن أبي عمير([62])، ولا نقول به، مع إثبات أنه قد روى عنه فعلاً؛ لأنه لا يكفي أن يكون قد ورد في الروايات أنه روى عنه، بل لابد من كون السند أو القرينة الحافّة مؤكّدين لذلك؛ إذ من الجائز أن تكون الرواية قد وضعها من وقع بعد ابن أبي عمير في السند فلا يثبت أنّ ابن أبي عمير قد روى فعلاً عن هذا الرجل، وهذه نقطة هامّة قد يغفل عنها الباحث أثناء مراجعته.

ثانياً: إنّ الرواية لا يتضح منها الملازمة الدائمة بين اللسان واليد بالمعنى المقرّب آنفاً، بل أقصى ما يظهر منها هو أنّ مبدأ اليد يقف إلى جانب اللسان لا أزيد، وإلا أفهل يقبل فقيهٌ بأنه كلّما جاز استخدام اللسان مطلقاً حتى في تعليم الأحكام جاز استخدام اليد؟! أو هل يقبل بالكفّ عن استخدام البيان عن عدم وجود المجال لاستخدام القوّة؟! فالإنصاف أنّ الرواية غير واضحة بدرجة تفيد الظّهور فيما نحن فيه إذا لم نقل: إنها مندرجة في كتاب الجهاد لتقرير مبدأ الجهاد، كما يظهر من الشيخ الكليني (329هـ) في كتاب «الكافي» حيث أدرجها في باب الجهاد، وجعل الباب الذي يليها بابَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك جعل الحرّ العاملي هذه الرواية أيضاً في باب الجهاد([63])، إلى جانب إدراجها في باب الأمر والنهي مرةً أخرى، وعنون ذاك الباب بعنوان: «باب حكم القتال على إقامة المعروف وترك المنكر».

وبعبارة ثانية: إنّ الرواية تريد أن تدلّ على أنّ الله لم يقفل باب استخدام اليد في الدين ولم يقف عند اللسان، لكن هل اليد هنا في باب الأمر بالمعروف أم في باب الجهاد؟ الأمر غير معلوم.

10ـ ما في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري×، عن النبي$ ـ في حديث ـ قال: «.. من رأى منكم منكراً فلينكره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه..»([64]).

وقد وقع جدلٌ في هذه الرواية من حيث السند تبعاً للجدل في صحّة نسبة هذا التفسير، حيث ضعّف ـ كما ذهب إليه السيد الخوئي محقّاً ـ من جهة جهالة أبي الحسن علي بن محمّد بن سيّار([65])، وأبي يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد([66]).

لكنّ هذا الحديث ورد بشكل قويّ وفاعل في مصادر أهل السنّة، مسنداً إلى الصحابي أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله$: «من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»([67]). ومردّه إلى سندين: أحدهما إسماعيل بن رجاء عن أبيه، وثانيهما قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب. والسند صحيح.

وأمّا من حيث الدلالة فإنّ السؤال الذي يمكن إثارته هنا هو أنّه هل أنّ مواجهة المنكر من أيّ شخص تتم بالدرجة الأولى بالضرب ونحوه؟ فإنه قد يدغدغ في هذا المدلول إذا ما قيس بالروح العامّة في علاقات المؤمن بالمؤمن المستفادة من الكثير من النصوص القرآنية والروائية. ونحن نعرف أنه لو أمكن رفع المنكر بغير الأذية والضرب والتصرّف في مال الغير وبدنه فإنّه يجب التوفيق بين الحكمين من خلال استخدام أسلوب اللسان الذي يجمع بين وجوب الأمر والنهي وبين حرمة الأذية ونحوها.

من هنا يمكن طرح عدّة احتمالات في تفسير التغيير باليد هنا، وهي:  أن يكون المراد من «اليد» ما كان من قبيل الحيلولة بين الآخر والمعصية وأشباه ذلك من تأسيس المؤسّسات وتقديم البدائل للناشئة والشباب وتحقيق النفوذ الاجتماعي ونحت أشكال جديدة من الحياة وممارسة العيش وتوفير المناخات المناسبة لولادة حياة أخلاقية سليمة، وممارسة الضغوط التي تأتي من مواقع النفوذ عبر الطرق القانونية والشرعية والسعي لسنّ القوانين المنسجمة مع الشرع الحنيف، وأشباه ذلك، فإن لم يتمكّن المؤمنون من ذلك كفاهم الوعظ والتذكير وهكذا، أو يتصل بالشأن العام بما يرتبط بالجهاد، وهذا المعنى محتمل الإرادة من الرواية. وفهم الضرب من اليد ربما كان اشتباهاً في التطبيق لا المفهوم، هذا إضافةً إلى احتمال أنّ المراد باليد فيها ما كان نقله لنا العلامة الحلي من تقمّص الآمر والناهي شخصيّة فاعل المعروف وتارك المنكر بحيث يكون قدوةً لغيره في المجتمع؛ فإنّ هذا المعنى يمكن فهمه ضمن الترتيب الذي قدّمته الرواية لنا ويعزّزه النهي عن الازدواجية في الآمر الناهي بين عمله وقوله كما تقدّم، ولعلّه لذلك فهم بعضهم من اليد هنا هذا المعنى حيث لم يستطع فهم هذا الترتيب بطريقة معقولة منسجمة مع القواعد العامّة في التشريع إلا بتفسير اليد بهذه الطريقة.

ويحتمل أيضاً من اليد هنا حالة ممارسة السلطة فإن الشرطي أو موظف الدولة عندما يرى مخالفةً قانونية فهو يعاقب مباشرةً ولا يتدرّج في ممارسة أساليب النصح ونحوها، لكن لا بمعنى الضرب والإتلاف والتصرف في الأموال وهدر الحقوق بل بمعنى تنفيذ العقوبات المقرّرة شرعاً وقانوناً من جانب السلطات الرسمية الشرعية والمعلن عنها في وسائل الإعلام الرسمية.

وهذا الاحتمال الأخير وإن كان معقولاً، لكن مشكلته أنه لا ينسجم مع الإطلاق الموجود في الحديث «من رأى منكم منكراً» حيث لا يختصّ بمن انخرط في سلك وظائف الدولة أو مُنح مثل هذه الصلاحيات، بل مرجع هذا التفسير إلى اشتراط إذن الحاكم والدولة في ممارسة مرتبة اليد وهو ما لا شاهد عليه في النصوص كما سيأتي إن شاء الله، علماً أن الأمر بالتغيير غير مقيّد بوسيلة خاصّة، فيمكن أن يشمل العنف الجسدي. ويحتمل أيضاً في تفسير «التغيير باليد» هنا ما ذكره بعض المعاصرين من التمييز بين مفهوم التغيير ومفهوم الإزالة؛ فالحديث يحث على التغيير ويعني استبدال شيء بشيء لا على الإزالة التي تعني حذف شيء ولو مع عدم وضع البديل له، ومعنى ذلك أن الحديث لا يريد كسر أواني الخمر وإنما يريد تقديم بدائل لشارب الخمر تدفعه للإقلاع عن شربه هذا، الأمر الذي غاب عن الناشطين في مجال الأمر والنهي([68]).

وهذا الفهم للحديث رغم لطافته من الزاوية اللغوية يواجه مشكلةً، وهي أنّ الإزالة شكلٌ من أشكال التغيير؛ لأنها تحويل المنكر من حالة إلى حالة، أي من حالة الوجود والتحقق إلى حالة العدم والفقدان، وهذا ما يستوعبة مفهوم التغيير من الزاوية العربية والبلاغية.

وربما يفسّر تغيير المنكر باليد بأنه خاص ببعض الحالات، كحالة رؤية اغتصاب أو سرقة أو اعتداء تستدعي التدخل مباشرة([69]).

وهذا مجرّد احتمال لا شاهد عليه يسمح لنا بالتخلّي عن ظاهرة الإطلاق الموجودة في الحديث.

11 ـ خبر أبي جحيفة، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب× أنه قال: «إنّ أول ما تغلبون عليه من الجهاد، الجهاد بأيديكم، ثم بألسنتكم، ثم بقلوبكم..»([70]).

غير أنها:

أ ـ مضافاً إلى الضعف السندي الذي فيها، وهو الإرسال، حيث وردت في نهج البلاغة بلا سند، وكذلك في تفسير علي بن إبراهيم القمي.

ب ـ لا إطلاق فيها من هذه الناحية، وفق ما شرحناه سابقاً، فلا نطيل.

ج ـ على أنّها ـ وبقرينة الجهاد ـ قد يتوقّف في استفادة اليد التي ذكرت في الأمر بالمعروف من اليد هنا؛ لأنها تحتمل معنى الجهاد المسلّح فيكون معنى الرواية هو أنكم تغلبون أولاً من ناحية الحرب، وتضعفون عن القتال ومواجهة الأعداء، ولكن تحتفظون لأنفسكم بالجهاد اللساني والقلبي، ثم تخسرونهما أيضاً وبالتدريج، ومعه فلا دلالة في الرواية على ما نحن فيه.

12 ـ خبر العلوي، عن حسن، عن أبيه، عن جده، قال: كان يقال: «لا يحلّ لعين مؤمنة ترى الله يُعصى فتطرف حتى تغيّره»([71]). حيث قد يفهم منها وجوب التغيير مطلقاً.

ويمكن المناقشة في المتن من حيث التشكيك في انعقاد الإطلاق في التغيير، فضلاً عن ضعف السند بعبد الله بن شبيب، وغيره من المجاهيل، على أنّ تعبير «كان يقال» يبدو فيه بعض الغرابة ويفتح على أكثر من تشكيك.

13 ـ خبر ابن مسعود، أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «ما من نبيّ بعثه الله في أمّة قبلي إلا كان له من أمّته حواريون وأصحاب يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل»([72]).

لكنّ هذا الحديث مختصّ بحالات الجهاد فيما يبدو، كما أنّه يظهر منه أنّه يريد تنحية الصحابة عن المشكلات التي ظهرت في التاريخ الإسلامي ويضعها في الجيل اللاحق، وقد حقّقنا في محلّه بطلان هذه النظرية المهيمنة على الفكر السنّي، وقلنا بأنّ عدالة الصحابة مفهوم مقبول ضمن دائرة وسطى لا بعرضها العريض.

14 ـ خبر عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله$: «إنه سيصيب أمّتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم، لا ينجو فيه إلا رجل عرف دين الله بلسانه وقلبه ويده، فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله فصدق به، فالأول عليه سابق، ورجل عرف الله فسكت، فإن رأى من يعمل بخير أحبّه عليه وإن رأى من يعمل باطلاً أبغضه عليه، فذلك الذي ينجو على إبطائه»([73]).

ومن الواضح ارتباط هذا النص أيضاً بالعلاقة مع السلطان، فيكون معنى اليد هنا هو الثورة أو ما شابهها، فلا تدلّ على ثبوت هذه المرتبة بعيداً عن قواعد باب الجهاد وأمثاله.

هذا هو مهم الروايات الموجودة في الموروث الحديثي الإسلامي الشيعي والسنّي، والتي نجد أنه قد تثار في المجال الذي نتحدّث عنه، وهناك روايات أخَر حال دلالتها ضعيف جداً ويُعلم أمرها مما أسلفناه فلا حاجة للإطالة.

h)                نتيجة البحث، نقد العنف الجسدي والاستعاضة بالحضور الاجتماعي و..

والمتحصّل من الروايات الشريفة ـ على تقدير ثبوتها ـ ومع غضّ النظر عن الرواية الثامنة والتي تكمن المشكلة في سندها كما تقدم، أنّ الوظيفة في غير إطار المواجهة السياسية والتغيير المجتمعي والمجال العائلي هو ممارسة النفوذ والسعي الفعلي لمواجهة المنكر وتمثل المعروف وتجنّب المنكر من الآمر الناهي، وأما أن يمارس الضرب والعنف الجسدي وكذلك التصرف في أموال الآخرين وأبدانهم فهذا ما لم تصرّح به أية آية قرآنية أو رواية نبوية أو عن أحد أئمة أهل البيت، ولا يوجد إطلاق واضح يمكنه أن يقف مقابل الأصول والأدلّة الأوليّة لأذيّة المسلم أو ما شابه ذلك. هذا كلّه، إلى جانب ضعف سائر الأدلّة الأخرى.

وقد لاحظنا أنه يمكن فرض مفهومين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

الأول: المفهوم العام، والذي يستوعب كلّ عمل تغييري نحو الأفضل، فيشمل بذلك الجهاد ضدّ الكافرين أو البغاة أو الطغاة أو غير ذلك، كما يشمل الحدود والتعزيزات والقصاص والديات والأحكام القضائية التي تصبّ جميعها في سياق إصلاح الوضع العام، وهنا نقبل بمرتبة اليد في الأمر والنهي ويكون معناها هو الجهاد وأمثاله مما تقدّم، لكن تجري على هذه المرتبة الأحكام الخاصّة بالجهاد والحدود والقصاص والقضاء والتعزير وغيرها، فيكون الجهاد هو مرتبة اليد مثلاً.

الثاني: المفهوم الخاص، وهو كلّ ما نفرضه بمعزل عن الجهاد والحدود ونحو ذلك، وهنا لا يوجد ما يدلّ على مرتبة اسمها اليد؛ إذ النصوص الصحيحة الدلالة مع ضعف السند لا ترقى أن تكون اثنين أو ثلاثة، وهذا القدر لا يفيد تواتراً ولا اطمئناناً بالصدور، ولم تثبت رواية صحيحة السند وتامّة الدلالة حتى يؤخذ بها، ولو كان فهو لا يتخطّى الحديث أو الاثنين، علماً أننا لا نأخذ ـ كما حقّقنا مفصّلاً في مباحث حجيّة الحديث من أصول الفقه ـ إلا بالخبر المطمأنّ بصدوره، وتحصيل الاطمئنان ـ سنداً ودلالةً ـ بهذا الأمر الخطير من مثل هذه النصوص القليلة يبدو عسيراً.

ولابد هنا من ذكر تنبيهات:

التنبيه الأول: إنّ بعض الأدلّة المتقدّمة ـ على تقدير تماميّتها ـ مختصّ بإنكار المنكر وبعضها شامل حتى لدائرة الأمر بالمعروف، وبعض التعابير الفقهية يظهر منها التفريق بينهما بحيث تكون اليد من مراتب الإنكار لا الأمر، فخبر الحسين بن سالم وابن أبي ليلى، وتفسير العسكري ومسعدة بن صدقة وغيرها، تدلّ على الحكم في دائرة إنكار المنكر، إلا إذا جعل المنكر أعمّ بحيث يشمل ترك المعروف فلا يعود هناك فرق.

وانطلاقاً من هذا الواقع فيما يبدو، ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى التمييز بين النهي عن المنكر وإنكار المنكر، فالثانية تثبت لها مرتبة اليد ويراد منها التغيير العملي للواقع بخلاف الأولى([74]).

إلا أنّ هذا التمييز غير ظاهر؛ لأنّ الإنكار لا يعني لغةً التغيير العملي، وحتى لو استخدم في هذا المعنى إلا أنه يظلّ ظاهراً في الجحود أو الرفض أو إبراز الرفض أو ما شابه ذلك، نعم، هناك في الروايات ـ كما تقدّم ـ تعبير «التغيير» و«التأديب»، مثل الخبر رقم 4، 7، 12، وهذه الروايات لها من الناحية المبدئية قدرة الشمول للتغيير العملي من حيث التعبير الوارد فيها.

وقد ذهب القاضي عبد الجبار المعتزلي إلى التفصيل هنا بين الأمر بالمعروف فيجب باللسان، والنهي عن المنكر فيرقى إلى مرتبة اليد واستخدام العنف([75])، وكلامه هذا يخالف إطلاقات النصوص أو بعضها ممّا ثبت عندهم، إلا إذا فهم من المعروف ما يشمل المستحب دون المنكر الخاصّ بالحرام فأراد التمييز بينهما، لكنّه في هذه الحال كان عليه التفصيل داخل المعروف نفسه لا إطلاق القول فيه.

التنبيه الثاني: إنّ الأدلّة المتقدّمة غير متساوية من حيث الإلزام والجواز؛ لأنّ بعضها قد لا يدلّ على أزيد من الجواز، كما في خبر ابن أبي ليلى الفقيه وبعض روايات نهج البلاغة وغيرها، إلا إذا ضممنا الأدلّة الملزمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمقام، أو قلنا بأنّ الجواز فيه ترخيصٌ بالحرام ـ وهو أذية المسلم ـ ولا يكون الترخيص أقوى ملاكاً ومصلحةً من الإلزام، مع أنّه يمكن الجواب عنه ثبوتاً بأنّ مصلحة الأمر والنهي كبيرة بحيث تسقط مفسدة الأذيّة، دون أن ترقى إلى مستوى الإلزام بالأمر.

التنبيه الثالث: من الممكن أن يدّعى أنّ قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125)، وما شابه هذه الآية من آيات وأحاديث، إنما هي في إطار تحديد أسس الدعوة بحيث تكون لها حاكمية وإشراف على مجمل النصوص المتعرّضة لموضوع التبليغ والدعوة والهداية والجدال والحوار و.. مما يعزز ـ وفق هذه القاعدة القرآنية العامّة ـ وانسجاماً بين أجزاء النصّ نفسه أن يكون المراد باليد غير المعنى الذي يختزن العنف الجسدي وما شابه ذلك.

ومن أمثلة هذه النصوص أيضاً، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159)، وما جاء في الحديث عن عمار بن أبي الأحوص عن أبي عبد الله× ـ وهو حديث طويل في الرفق بالناس وأنهم على درجات وأسهم، وجاء في آخره ـ: «… فلا تخرقوا بهم، أما علمت أنّ إمارة بني أمية كانت بالسيف والعسف والجور، وإنّ إمارتنا بالرفق والتألّف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغّبوا الناس في دينكم وفيما أنتم فيه»([76]).

غير أنّ الإشكاليّة التي قد تقف إزاء هذا الفهم هو أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يدّعى أنهما لا يتطابقان مع موضوع الدعوة تمام التطابق؛ لأنّ ظاهر الآية القرآنية الكريمة هو دعوة الكافرين إلى الإسلام، وهو أمر قد يختلف في ضوابطه وأنماطه عن نفس محاربة المنكر داخل المجتمع الإسلامي نفسه الذي هو المستفاد من النصوص المتقدّمة، فهذه المغايرة قد تمنع من تحكيم هذا الفهم في المورد.

إلا إذا قيل: إنّ مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخصّ الحياة الداخلية للمجتمع الإسلامي بحيث يصبح هذا المفهوم موافقاً لمفهوم الدعوة، كيف وجملة من الآيات المتقدّمة في الفصل الأول تشمل الداخل والخارج، فلا أقلّ من كون مثل هذه الآيات مع عدم إشارة القرآن إطلاقاً لموضوع اليد بمعنى العنف أو نحوه، مما يوجب المزيد من الشك في وجود هذه المرتبة في الأمر بالمعروف، وإن لم يستطع حسم الموقف، لاسيما وفقاً لنظريّتنا في رفض فكرة الجهاد الدعوي الابتدائي، على ما بحثناه مفصّلاً في محلّه([77]).

التنبيه الرابع: رغم كون الإمام الخميني من القائلين بمرتبة اليد، ومع أنّه ذهب إلى أنّه لو توقفت الحيلولة بين الفاعل والمنكر إلى تصرّفٍ في الفاعل أو آلة فعله، كما لو توقّفت على أخذ يده أو طرده أو التصرّف في كأسه التي فيها الخمر أو سكّينه ونحو ذلك جاز، بل وجب.. إلا أنه ذكر بعد ذلك فوراً أنّه لو توقّف دفع المنكر على الدخول في دار فاعل المنكر أو ملكه والتصرّف في أمواله كفرشه وفراشه، جاز لو كان المنكر من الأمور المهمّة التي لا يرضى المولى بخلافها كيف ما كان، كقتل النفس المحترمة، وفي غير ذلك إشكال، وإن لا يبعد بعض مراتبه في بعض المنكرات([78])، وربما يلوح مثل ذلك من السيد محمد حسين فضل الله أيضاً([79]).

ولعلّه يمكن تخريج التمييز بين المقامين ـ مع أنّ في الأول تصرفاً في المال أيضاً كالكأس التي يملكها ويشرب فيها الخمر ـ بما قد يلوح من بعضهم([80]) من أنّه في الحالة الأولى يكون التصرّف من مصاديق أو ملازمات المنع عن المنكر، فيشمله دليل الأمر والنهي المقدّم على حرمة التصرّف في بدن الغير وماله بدون رضاه، أما في الحالة الثانية فإنّ أدلّة الأمر والنهي لا تشمل ما إذا كانت الفريضة مستلزمةً لارتكاب منكرٍ آخر، فيرجع إلى قانون التزاحم.

وقد يقال بأنّ مرتبة اليد إن فهم منها خصوص العنف الجسدي أشكل التصرّف في الأموال في الصورتين معاً، وإن فهم منها إعمال القوّة لتحقيق الغرض فلا موجب للتمييز أيضاً من حيث المبدأ؛ لأنه لو دخل داره لإتلاف الخمرالتي عنده كان كما لو أخذ كأسه لإراقة الخمر التي فيه، فكما تكون تلك مقدّمة أو حيلولة كذلك يكون ذلك مقدّمة أو حيلولة.

نعم، قد يكون مستند السيد الخميني هو أنّ دليل الأمر والنهي مقدّم على دليل التصرّف في مال الغير عندما يكون عين مصداق النهي تصرّفاً، فإنّ أخذ الكأس من يده هو بنفسه دفع له عن المنكر، أما لو كان التصرف المحرم لا يصدق عليه الأمر والنهي بل هو مقدّمة للأمر والنهي لم يتقدّم دليل النهي على دليل حرمة التصرف؛ لأنّ هذا من المقدّمة المحرّمة للواجب ولا يجوز تحقيق الواجب بمقدّمة حرام، وتقدّم دليل النهي مختصّ بما إذا كان عين النهي عن المنكر مصداقاً للتصرّف لا مقدماته، فلعلّ هذا التمييز هو مرجع فتوى الإمام الخميني الأولى والثانية، إلا إذا قيل بأنّ العرف لا يميّز في إطلاق دليل النهي بين الصورتين ويراهما معاً مشمولتين له، وأنّ هذه التفكيكيات دقيّة غير عرفيّة، كما لعلّه ليس بالبعيد.

i)

(*) نشر هذا البحث في العدد الأوّل من مجلة أصداء، الصادرة عن مجموعة من الطلبة اللبنانيين في قم، عام 1998م، ثم نشرته مجلة الفكر الإسلامي الصادرة عن مجمع الفكر الإسلامي في إيران عام 2001م، ثم نشر ـ مطوّرا ومعدّلاً ـ في كتاب (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) للمؤلّف، والصادر عام 2011م.

([1]) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 207.

([2]) المهذّب 1: 341.

([3]) الكافي في الفقه: 267.

([4]) المقنعة: 809 ـ 810.

([5]) الهداية: 57.

([6]) النهاية: 299 ـ 300؛ والاقتصاد: 150.

([7]) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 2: 23.

([8]) قد يظهر من المهذّب البارع 2: 235، وإن كانت الدلالة ضعيفة؛ لأنها لمحض سكوته عن التزام المختصر النافع بذلك، وهو لا يؤكّد أنه يلتزمه أيضاً؛ لأنّ مقدّمة الكتاب ـ أي المهذب البارع ـ ليس فيها ما يشير إلى مثل ذلك من أنه سيعلّق على خصوص ما يخالفه أو ما شابه.

([9]) المراسم العلويّة: 263.

([10]) المختصر النافع: 115؛ وشرائع الإسلام 1: 259.

([11]) القواعد 1: 525؛ وتبصرة المتعلّمين: 90؛ وإرشاد الأذهان 1: 353؛ ومنتهى المطلب 2: 993؛ ومختلف الشيعة 4: 474 ـ 475.

([12]) اللمعة : 84؛ والدروس 2: 47.

([13]) الروضة البهية 2: 416؛ ومسالك الأفهام 3: 104 ـ 105.

([14]) الجامع للشرائع: 243.

([15]) مفاتيح الشرائع 2: 57.

([16]) كفاية الأحكام: 82.

([17]) مجمع الفائدة والبرهان 7: 542.

([18]) جامع الشتات 1: 422.

([19]) شرح تبصرة المتعلّمين 4: 458 ـ 459.

([20]) جواهر الكلام 21: 377 ـ 378.

([21]) التنقيح الرائع 1: 595.

([22]) منهاج الصالحين 1: 490.

([23]) منهاج الصالحين 1: 352.

([24]) مجمع المسائل 1: 397.

([25]) تحرير الوسيلة 1: 441.

([26]) منهاج الصالحين 1: 490.

([27]) فقه القرآن 1: 358.

([28]) التنقيح الرائع 1: 594.

([29]) التبريزي، صراط النجاة 3: 140، س421؛ والسيد محمود الهاشمي، منهاج الصالحين: 382؛ والسيد تقي القمي، مباني منهاج الصالحين 7: 157؛ والشيخ يوسف الصانعي، أمر به معروف ونهي از منكر: 53؛ وله أيضاً: تحرير الوسيلة (مع تعاليق صانعي) 1: 576 ـ 577؛ هذا واستشكل المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان 7: 543، في الحكم لولا الإجماع.

([30]) انظر: الموسوعة الفقهية (الكويتية) 6: 250 ـ 251.

([31]) العلامة الحلي، مختلف الشيعة 4: 474 ـ 475؛ وتجدر الإشارة إلى أنّ النسبة التي ذكرها العلامة هنا إلى صاحب المراسم هي نسبة صحيحة، راجع: المراسم: 263.

([32]) النهاية: 299 ـ 300.

([33]) المهذب 1: 341.

([34]) الميزان 4: 355.

([35]) يوسف الصانعي، أمر به معروف ونهي از منكر: 55.

([36]) شرح تبصرة المتعلّمين 4: 458 ـ 459.

([37]) شرح تبصرة المتعلّمين (ط. ق) 6: 533.

([38]) ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن: 96.

([39]) الحرّ العاملي، تفصيل وسائل الشيعة 16، كتاب الأمر والنهي، باب 1، ح7.

([40]) انظر: جواهر الكلام 21: 381.

([41]) القمّي، مباني منهاج الصالحين 7: 157؛ ونوري حاتم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 127؛ ويوسف صانعي، أمر به معروف ونهي از منكر: 15.

([42]) صانعي، أمر به معروف ونهي از منكر: 17 ـ 25.

([43]) انظر: نوري حاتم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 127.

([44]) كما يظهر من المنتهى والكفاية والجواهر وشرح التبصرة، راجع المصادر المتقدّمة.

([45]) تهذيب الأحكام 6: 180 ـ 181؛ والكافي 5: 55 ـ 56؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 131، كتاب الأمر والنهي، باب 3، ح1.

([46]) نهج البلاغة 4: 89؛ وروضة الواعظين: 364؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 133، كتاب الأمر والنهي، باب 3، ح8.

([47]) نهج البلاغة 2: 85 ـ 86؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 141، كتاب الأمر والنهي، باب 5، ح11.

([48]) الخوئي، معجم رجال الحديث 3: 318 ـ 319، وقد ذكر عدّة أسماء كلّها مجهولة الحال.

([49]) المصدر نفسه 21: 240، رقم: 14544.

([50]) المصدر نفسه 19: 298 ـ 299، رقم: 6332.

([51]) الخميني، المكاسب المحرمة 1: 320.

([52]) الصدوق، ثواب الأعمال: 223؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 133، كتاب الأمر والنهي، باب 3، ح6.

([53]) معجم رجال الحديث 21: 226، رقم: 14492.

([54]) المصدر نفسه 5: 242، رقم: 3408 ـ 3409.

([55]) تهذيب الأحكام 6: 181؛ والمقنعة: 808 ـ 809؛ ونهج البلاغة 4: 89؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 132، 134، كتاب الأمر والنهي، باب3، ح4، 10؛ وانظر: فقه الرضا: 375 ـ 376.

([56]) العراقي، شرح تبصرة المتعلّمين 4: 459.

([57]) تفصيل وسائل الشيعة 16: 132، كتاب الأمر والنهي، باب3، ح3.

([58]) الحميري، قرب الإسناد: 55، 76؛ والصدوق، ثواب الأعمال: 261؛ وعلل الشرائع 2: 522؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 135 ـ 136، كتاب الأمر والنهي، باب4، ح1، 2؛ والدر المنثور 2: 302.

([59]) الموطأ 2: 991.

([60]) تهذيب الأحكام 6: 181 ـ 182؛ والمقنعة: 809؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 145، كتاب الأمر والنهي، باب7، ح4.

([61]) الكافي 5: 55؛ وتهذيب الأحكام 6: 169؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 131، كتاب الأمر والنهي، باب3، ح2.

([62]) انظر: معجم رجال الحديث 20: 100، رقم: 13617 ـ 13618.

([63]) انظر: تفصيل وسائل الشيعة 15: 143، كتاب جهاد العدو، باب61، ح1.

([64]) تفسير الإمام العسكري: 480؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 135، كتاب الأمر والنهي، باب3، ح12؛ وانظر: عوالي اللئالي 1: 431.

([65]) معجم رجال الحديث 12: 147، رقم: 8428.

([66]) المصدر نفسه 20: 175، رقم: 13809.

([67]) صحيح مسلم 1: 50؛ ومسند أحمد 3: 20، 49، 52 ـ 53، 54، 92؛ وسنن ابن ماجة 1: 406؛ وسنن أبي داوود 1: 254، و 2: 323 ـ 324؛ وسنن الترمذي 3: 318؛ وسنن النسائي 8: 111 ـ 112؛ والدر المنثور 2: 301 و..

([68]) جمال البنّا، تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تُلزم: 317 ـ 318.

([69]) المصدر نفسه: 319 ـ 320.

([70]) نهج البلاغة 4: 90؛ ومختصر بصائر الدرجات: 169؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16، كتاب الأمر والنهي، باب 3، ح10.

([71]) الطوسي، الأمالي: 55؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 125 ـ 126، كتاب الأمر والنهي، باب1، ح25.

([72]) صحيح مسلم 1: 50 ـ 51.

([73]) كتاب ذكر أخبار إصبهان 1: 81 ـ 82؛ وكنز العمّال 3: 682.

([74]) صانعي، أمر به معروف ونهي از منكر: 46، 48 ـ 50؛ وانظر: الحسين بن بدر الدين، ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة: 493.

([75]) شرح الأصول الخمسة: 505.

([76]) الصدوق، الخصال: 354 ـ 355.

([77]) حيدر حب الله، الجهاد الابتدائي الدعوي في الفقه الإسلامي، قراءة استدلالية في مبادئ العلاقات الدولية، مجلّة الاجتهاد والتجديد، العدد: 8 ـ 12.

([78]) تحرير الوسيلة 1: 480.

([79]) فضل الله، فقه الشريعة 1: 525، 528.

([80]) أحمد المطهري، مستند تحرير الوسيلة (كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر): 145 ـ 146.