الفرق بين العام والمطلق، وبين التخصيص والتقييد

27 سبتمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
136 زيارة

الفرق بين العام والمطلق، وبين التخصيص والتقييد

دراسةٌ أصوليّة مختلفة

السيد علي حسن مطر الهاشمي(*)

 

مقدّمة

الغرض من هذا البحث هو التحقيق في بيان الفرق بين معنى العام والمطلق في اصطلاح علماء الأصول، وفي بيان الفرق بين التخصيص والتقييد في اصطلاحهم أيضاً؛ فإنَّ لهذا التحقيق أثراً مهماً في كيفية التعامل مع أدلة الأحكام التي أُخذت هذه العناوين في موضوعاتها، واستفادة الحكم الشرعي منها.

وقد عقدت البحث في مطلبين. وانتهيت فيه إلى أنّ الفرق بين العام والمطلق يتمثّل في أنّ العام هو الشامل لجميع الأفراد، وأنّ المطلق هو الشامل لجميع الأحوال. وهذا في مقابل مَنْ ذهب الى القول بأن العام والمطلق متّحدان في المعنى، وهو الشمول لجميع الأفراد، وإنما يختلفان في منشأ الدلالة عليه، وهو في العام: الوضع، وفي المطلق: قرينة الحكمة.

وأمّا الفرق بين التخصيص والتقييد فهو أنّ التخصيص يعني استثناء بعض أفراد العام من الحكم الثابت له، وأنّ التقييد يعني إثبات الحكم ابتداءً للموضوع مقيداً بحالٍ معينة، وينفيه عن المورد الفاقد للقيد، في مقابل مَنْ ذهب إلى اتحاد التخصيص والتقييد في المعنى.

وقد ختمتُ البحث بتسجيل خلاصة لأهمّ النتائج التي تمخَّض عنها، راجياً من الله تعالى العون والثواب.

 

المطلب الأوّل: العامّ والخاصّ

النقطة الأولى: معنى العام والخاص، لغة واصطلاحاً

كلمة العام مشتقّة لغة من العموم، ومعناه في اللغة: الشمول والاستيعاب.

يقال: «عمَّهم يعمُّهم عموماً: شملهم… والعامة: خلاف الخاصّة»([1])، «عمَّ الشيءُ يعمّ عموماً: شمِلَ… عمَّ القومَ بالعطيّة عموماً: شملهم… عمَّمَ الشيءَ: جعله عاماً، وعمّمه ضدّ خصّصه… والعام: خلاف الخاص»([2]).

«ويوصف به المعنى، يقال: مطر عام، خلافاً لمَنْ اعتبره وصفاً للفظ فقط، بدعوى أنَّ المعنى واحد لا يوصف بالعموم.

والراجح: أنه يوصف به المعنى حقيقة، ويوصف به اللفظ من باب تسمية الدال باسم المدلول»([3]).

فمعنى العام في اللغة هو: الشامل مطلقاً، أي سواء كان متعلّق الشمول هو أفراد المعنى، أو أحواله، أو أجزاؤه، أو جزئياته، إلخ.

وأمّا الخاص فمعناه في اللغة: المنفرد، يقال: فلان خاصّ بفلان، أي: منفرد به، واختصّ فلان بكذا، أي انفرد به([4]).

ويستعمل أيضاً في المقصور على بعض الأفراد أو الأحوال أو الأجزاء، إلخ.

وأمّا المعنى الاصطلاحي للعامّ والخاصّ فإن علماء الأصول طرحوا لهما تعريفين:

أوّلهما: ما ذكره المفيد(413هـ) بقوله: «والعام في معنى الكلام: ما أفاد لفظه اثنين فما زاد؛ والخاصّ: ما أفاد واحداً، دون ما سواه»([5]).

وتابعه على ذلك السيد المرتضى(436هـ) في الذريعة، بقوله: «إنّ العموم: ما تناول لفظه شيئين فصاعداً، والخصوص: ما تناول شيئاً واحداً»([6]).

فالتعريف هنا للخاصّ بالمفرد، والعامّ بالجمع بمعناه اللغوي الشامل لاجتماع اثنين فصاعداً.

والتعريف الثاني: هو الذي ذهب إليه كثير من علماء الأصول من الفريقين. وأقدم مَنْ ذكره أبو الحسين البصري(436هـ) بقوله: «العام هو: كلام مستغرق لجميع ما يصلح له»([7]).

والشيخ الطوسي(460هـ) بقوله: «اعلم أنّ معنى قولنا في اللفظ: (إنه عام) يفيد أنّه يستغرق جميع ما يصلح له»([8]).

وقال الفخر الرازي(606هـ): «العموم هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، بحسب وضعٍ واحد»([9]).

وقيّده بقوله: (بحسب وضع واحد) احترازاً عن اللفظ المشترك؛ فإنه يدلّ على ذلك بأوضاع متعدّدة.

وتابعه العلاّمة الحلّي(726هـ)، فأورد هذا التعريف بنصّه في كتابَيْه: مبادئ الوصول([10])؛ وتهذيب الوصول([11]).

وعرّفه الشيخ البهائي(1031هـ) بقوله: «العام هو اللفظ الموضوع للدلالة على استغراق أجزائه أو جزئياته»([12]).

وفي هذا التعريف استبدل عبارة (ما يصلح له) بذكر متعلّق الصلاحية، وهو أجزاء المعنى إذا كان كلاًّ، وجزئيّاته إذا كان كلِّياً.

هذا، ولكنّ المعاصرين من الفقهاء والدارسين أخذوا يقتصرون على القول: إنّ معنى العام هو الشامل لجميع الأفراد.

قال الآخوند&: «العموم عبارة عن استيعاب المفهوم لما ينطبق عليه من الأفراد»([13]).

وقال السيد الخوئي&: «إنّ العام معناه الشمول لغة وعرفاً، وأمّا اصطلاحاً [فقد] فسّروه بما دلّ على شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله»([14]).

وقال العلامة الحيدري&: «العام هو لفظ شامل لجميع الأفراد التي تحته»([15]).

وقال السيد البجنوردي&: «إنَّ العموم على ثلاثة أقسام: العموم الاستغراقي… وهو: الشمول لكلّ فردٍ فردٍ بنحو الاستقلال والانفراد…؛ والمجموعي شموله للأفراد يكون بنحو الاجتماع…؛ والبدلي يكون الشمول بنحو البدلية، بمعنى أن المتكلِّم في سعةٍ من تطبيق المأمور به على أيِّ واحدٍ من أفراد ذلك العام»([16]).

وقال الشهيد الصدر&: «أقسام العموم:

1ـ العام الاستغراقي: وهو الذي يكون الحكم فيه شاملاً لجميع الأفراد في عَرْضٍ واحد.

2ـ العام البدلي: وهو الذي يثبت فيه الحكم على جميع الأفراد بَدَلاً، لا في عَرْضٍ واحد.

3ـ العام المجموعي: وهو الذي يثبت فيه الحكم على الجميع كموضوعٍ واحد مركب، له حكمٌ واحد»([17]).

وقال الدكتور طاهر حمّودة: «إنه اللفظ الدالّ على استغراق أفراد مدلوله»([18]).

وقال الدكتور السيد أحمد عبد الغفّار: العام «لفظ وضع للدلالة على أفراد غير محصورة، على سبيل الشمول والاستغراق»([19]).

فحاصلُ التعريف الثاني للعام بمعناه الاصطلاحي أنّ العام هو الشامل لجميع الأفراد، وإنْ اختلفت ألفاظهم في التعبير عنه؛ بسبب اختلافهم في كون العام وصفاً للمعنى أو اللفظ؟ وقد تقدَّم أنه وصفٌ لكلٍّ منهما. وعليه ينبغي صياغة التعريف بالقول: العامّ هو المعنى الشامل لجميع أفراده، أو اللفظ الدالّ على ذلك.

«ويطلق العام عند الأصوليين أيضاً على الحكم إذا كان موضوعه عاماً، مثل: أكرِمْ كلَّ تقيٍّ. فالحكم بالإكرام يوصف بالعموم، كما يوصف موضوعه، وهو (كلّ تقيّ)، بالعموم»([20]).

وتجدر الإشارة إلى أنَّ هناك سبباً آخر لاختلاف صياغة تعريف العام، وهو ما ذهب إليه بعض العلماء من دلالة المطلق أيضاً على شمول جميع الأفراد بمعونة مقدمات الحكمة، فاعترضوا على تعريف العام «بما دلّ على شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله [بأنّ] الظاهر عدم تماميّته؛ لأنّ المطلق أيضاً يشمل جميع أفراده بسبب جريان مقدمات الحكمة، فلا بُدَّ من تقييد الشمول في المقام بقيدٍ يوجب إخراج المطلق، ولذلك نقول: العامّ ما كان شاملاً بمفاد اللفظ لكلِّ فردٍ يصلح أن ينطبق عليه»([21]).

وعرّف الشهيد الصدر& العموم بأنّه «الاستيعاب المدلول عليه باللفظ»([22]).

«وقيّده بقوله: (باللفظ)؛ ليخرج الإطلاق الشمولي الذي يفيد الاستيعاب أيضاً، ولكنْ بمعونة قرينة الحكمة، كما هو معروفٌ»([23]).

وذهب غيرهما أيضاً إلى أنّ كلاًّ من العام والمطلق يدلّ على شمول جميع الأفراد، ولكن دلالة الأوّل عليه لفظية ناشئة من الوضع، ودلالة الثاني عليه بقرينة الحكمة، أي إنّ معناهما واحد، وإنّما يختلفان في منشأ الدلالة عليه.

وسوف نوضِّح خلال هذا البحث أنّ دلالة جميع الألفاظ على معانيها إنّما تحصل بالوضع؛ إذ لا علاقة قبل الوضع بين اللفظ والمعنى ليكون اللفظ دالاًّ عليه.

وأنّ العام والمطلق ليسا متّحدين في المعنى؛ فإن معنى العام هو الشامل لجميع الأفراد، ومعنى المطلق هو الشامل لجميع الأحوال.

وأنّ اللفظ إذا لم يكن موضوعاً للدلالة على العموم فإنّه لا يدلّ على شمول جميع الأفراد بالإطلاق.

وأمّا المعنى الاصطلاحي للخاصّ أصولياً فقد قيل في بيانه: «هو المنفرد عمّا هو أعمّ منه([24])…، كانفراد الإنسان عن الحيوان، وانفراد المؤمن عن الإنسان، وانفراد محمد عن المؤمن…

فالإنسان وإنْ كان عاماً بلحاظ شموله لجميع أفراد نوعه، إلاّ أنه خاصّ بلحاظ انفراده عن الحيوان الشامل له وللأنواع الأخرى من الحيوانات. والمؤمن وإنْ كان عاماً بلحاظ شموله لجميع أفراد صنفه، إلاّ أنّه خاصّ بلحاظ انفراده عن الإنسان الشامل له وللأصناف الأخرى من الإنسان. أمّا محمد فهو خاصٌّ فقط، ولا يتَّصف بالعموم»([25]).

أقول: إنّ هذا أشبه ببيان معنى الخاص في مصطلح علماء المنطق. وأما علماء الأصول فكان المتوقَّع منهم ـ بلحاظ التقابل بين العامّ والخاصّ ـ أن يعرِّفوا الخاصّ بأنّه اللفظ الدالّ على فردٍ معيّن أو فئة معيّنة، أو بما ذكره الشيخ المظفَّر& من أنّه «الحكم الذي لا يشمل إلاّ بعض أفراد موضوعه أو المتعلّق أو المكلّف، أو أنه اللفظ الدالّ على ذلك»([26]).

ولو أنهم فعلوا ذلك لكانت العلاقة بين العامّ والخاصّ أصولياً هي علاقة التقابل المانع من اجتماعهما في حكمٍ واحد.

ولكنّ بناءَهم فعلاً استقرّ على أن مرادهم بالخاصّ اصطلاحاً هو: الدليل الذي يتعقَّب العام، ويقوم باستثناء بعض أفراده، وإخراجها عن أن تكون مشمولة لحكم العام.

«وعرّفوا التخصيص بأنه استثناءٌ من شمول العام، فمتى كان هناك لفظ استوعب بحكمه جميع وحداته، وأردنا أن نخرج بعضاً منها من دائرة ذلك الحكم، نقوم بالتخصيص، فنستثني به ذلك البعض من حكم العامّ، وتسمّى هذه العملية: حمل العامّ على الخاص»([27]).

ويترتَّب على ذلك أنّ العام والخاص بمعناهما الاصطلاحيّ ليسا متقابلين بحيث يمتنع اجتماعهما، وإنّما هما متلائمان، يمكن الأخذ بهما معاً؛ لأنّ الخاص يتعقب العام، ويستثني بعض أفراده من حكمه، ليبقى حكم العامّ شاملاً لما بقي تحت العموم، وهو معظم الأفراد.

 

النقطة الثانية: الألفاظ الدالة على العموم

هناك مجموعتان من الألفاظ: إحداهما: تدلّ على العموم والشمول لجميع الأفراد بنفسها؛ والأخرى: لا تفيد ذلك إلاّ بمساعدة قرينة السياق.

والكلام عليهما في مرحلتين:

 

المرحلة الأولى: الألفاظ التي تفيد العموم بنفسها

أوّلاً: ألفاظ التوكيد

وهي التي تستعمل في اللغة العربية لتوكيد الأسماء، من جموع وأسماء جموع تنطوي على مجموعة من الأفراد، ومن مركبات لها أجزاء، أو كليات لها جزئيات، مثل:

1ـ (كلّ). وهي كلمة تفيد استغراق أفرادِ ما تضاف إليه أو أجزائه، نحو: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: 21)؛ و«كلّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمه وماله وعرضه»([28]).

2ـ (جميع). قال في الصحاح: «جميع يؤكّد به، يقال: جاؤوا جميعاً، أي: كلّهم»([29])، فهي بمعنى (كلّ) في دلالتها على الاستغراق والشمول. ومن شواهدها في القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (البقرة: 29).

 

ثانياً: الجموع

وقد ذكروا لها ثلاثة أنواع:

النوع الأوّل: الجمع المعرَّف بـ (ال) الجنسيّة، لا العهديّة.

ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1)؛ وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّـقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: 228).

النوع الثاني: الجمع المعرَّف بالإضافة إلى المعرفة.

ومن أمثلته في القرآن الكريم:

1ـ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (النساء: 23).

2ـ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: 11).

قال المحقق الحلّي: «الجمع المضاف، كقولك: (عبيدي، وعبيد زيدٍ)، للاستغراق. والحجّة عليه: جواز الاستثناء، وتقريره ما مرَّ»([30])، إشارة إلى قوله قبل ذلك: «إنّ ألفاظ العموم يصحّ الاستثناء فيها، والاستثناء دلالة التناول»([31])، أي العموم والشمول.

والحاصل: «إنّ الجمع المعرَّف بالإضافة إلى المعرفة يفيد العموم، والضابطة لمعرفة ذلك هي:

ـ صحّة إضافة كلمة (كلّ) أو كلمة (جميع) إلى الجمع المضاف.

ـ صحّة الاستثناء من الجمع المضاف»([32]).

النوع الثالث: الجمع المنكَّر.

ومن الشواهد التي ذكرت له:

1ـ قوله تعالى: ﴿رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ﴾ (ص: 62).

2ـ قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله﴾ (النور: 36 ـ 37).

وقد اختلف العلماء في دلالته على العموم، وذهب معظمهم إلى عدم دلالته عليه.

قال ابن الحاجب: «الجمع المنكَّر ليس من صيغ العموم عند المحقِّقين»([33]).

وقال صاحب (المعالم): «أكثر العلماء على أنَّ الجمع المنكَّر لا يفيد العموم»([34]).

وقال العلاّمة الفضلي: «ولم يعهد في الحوار العرفي استخدام الجمع المنكَّر للدلالة على العموم. والآيتان الكريمتان المستشهد بهما تُعْرِبان عن ذلك؛ إذ أريد بهما رجال مخصوصون، لتقييدهما بالوصف (كنّا نعدّهم من الأشرار)، و(لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله). والنتيجة هي أنّ الجمع المنكَّر لا دلالة فيه على العموم»([35]).

 

ثالثاً: اسم الجنس المعرَّف بـ (ال) الجنسيّة

ومعناه لغةً: الاسم «الذي لا يختصّ بواحدٍ دون غيره من أفراد جنسه، نحو: طالب، كتاب، رجل.

ومنه: الضمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام؛ لأنها لا تختصّ بفردٍ واحد دون غيره.

ويقابله (العلم) الذي يختصّ بفردٍ واحد، لا (المعرفة). فالضمائر ـ مثلاً ـ معارف، وهي أسماء أجناس.

وإنّما حصرت (ال) بالجنسيّة، أي التي يراد بها حقيقة الجنس؛ لأنّها هي التي تستعمل لشمول الأفراد أو الوحدات؛ وذلك ليفرّق بينها وبين ال الجنسيّة المقصود بها خصائص الجنس، لا حقيقته»([36]).

قال ابن هشام النحوي في بيان هذا الفرق: «والجنسيّة إمّا لاستغراق الأفراد، وهي التي تخلفها (كلّ) حقيقة، نحو: ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ (النساء: 28)…؛ أو لاستغراق خصائص الأفراد، وهي التي تخلفها (كلّ) مجازاً، نحو: (زيد الرجل علماً)، أي الكامل في هذه الصفة»([37]).

«والشمولية التي هي العنصر المقوِّم للعموم، يمكن إثباتها هنا بتمامية أمرين:

أوّلهما: صحّة حلول (كلّ) محل (ال) وإفادتها الشمولية.

والثاني: صحّة الاستثناء من مدخول (ال).

ومثال ذلك:

1ـ قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 275).

2ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (العصر: 2 ـ 3).

فإنّه يمكن القول فيهما على التوالي:

ـ أحلَّ الله كلّ بيعٍ إلاّ بيع الغرر، وحرّم كلّ رباً إلاّ الربا بين الوالد وولده.

ـ إنّ كلّ إنسانٍ في خسرٍ إلاّ الذين آمنوا»([38]).

وبهذا يثبت أنّ اسم الجنس المعرّف بال الجنسية يدلّ على العموم.

وينبغي الإشارة هنا إلى أنّ اسم الجنس يدلّ على العموم وشمول جميع الأفراد، سواء أكان معرَّفاً بال الجنسية أو لم يكن كذلك، غاية الأمر أنه مع التعريف يدل على الشمول الاستغراقي، وبدونه يدلّ على الشمول البدلي.

 

رابعاً: النَّكِرة في سياق النفي والنهي

عرَّف النُّحاة النَّكِرة بأنّها: الاسم الذي يدلّ على شيءٍ غير معيّن. ويرجع عدم التعيين إلى شيوع الاسم الذي هو النَّكِرة بين أفراد كثيرة من نوعه، تشابهه في حقيقته، وصدقه على كلٍّ منها صدقاً حقيقيّاً، نحو: رجل، امرأة، كتاب، بحر، هواء.

وأما السياق فيراد به سياق (الجملة)، وهو أسلوبها الذي جرى عليه الكلام.

والبحث هنا في جهتين:

 

الجهة الأولى: النَّكِرة في سياق النفي

النفي في اللغة هو: الجحد والإنكار.

وفي النحو: ضدّ الإثبات، الذي هو: الحكم بوجود أمرٍ، فجملة (الشمسُ طالعةٌ) إثباتٌ، وجملة (الشمسُ ليست طالعةً) نفيٌ.

فالمراد بالجملة المذكورة في العنوان هو: الجملة المنفيّة، أو القضيّة السالبة المشتملة على النَّكِرة.

ويلاحَظ: إنه لا فرق في دلالة وقوع النكرة بعد النفي على العموم بين وقوعها بعد أداة النفي مباشرة، مثل: (لا عتق إلاّ في مِلْك)، أو بعد العامل المباشر لأداة النفي، مثل: (لم أرَ أحداً في هذا المكان).

وفي بيان الفرق بين دلالة النَّكِرة في الإثبات ودلالتها في النفي يقول المحقِّق الحلّي: «النكرة في سياق النفي تعمّ جَمْعاً، وفي الإثبات بَدَلاً؛ لوجهين:

أحدهما: إنّ قولك: (أكلت شيئاً) يناقضه (ما أكلت شيئاً)، فلو لم تكن الثانية عامة لم تحصل المناقضة.

الثاني: لو لم تكن [النَّكِرة في سياق النفي] للعموم، لما كان قولنا: (لا إلهَ إلاّ الله) توحيداً»([39]).

 

الجهة الثانية: النَّكِرة في سياق النهي

ما قيل في مسألة النكرة في سياق النفي يقال في النكرة في سياق النهي، مع وضع أداة النهي موضعَ أداة النفي، وتغيير الأمثلة، ومنها: قوله تعالى:

1ـ ﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ (البقرة: 282).

2ـ ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (آل عمران: 118).

ويعرف النحويون النهي بأنّه: «طلب الكفّ عن الفعل أو الامتناع عنه على وجه الاستعلاء والإلزام، وله صيغةٌ واحدة هي: الفعل المضارع المقرون بـ (لا) الناهية، نحو: لا تهملْ واجبك»([40]).

وتجدر الإشارة إلى أنّ العلماء، مع اتفاقهم على إفادة هذه المجموعة من الأسماء للعموم، اختلفوا في أنها تفيده بالوضع أو بالإطلاق ومقدّمات الحكمة.

فقال السبزواري&: «والألفاظ المتداولة في العموم خمسة: لفظ (كلّ) وما بمعناه، والنَّكِرة في سياق النفي أو النهي، والمحلَّى باللام جمعاً أو مفرداً.

واختلف في أنّ هذه الدلالة وضعية أو إطلاقية، أو أنّ الأولى بالوضع والبقيّة بالإطلاق. والظاهر هو الأخير؛ لظهور هذه الألفاظ الخمسة في العموم، والظهور حجّة عند العقلاء، وضعياً كان أو إطلاقياً.

نعم، قد يقال: إنّ الظهور الوضعي أقوى من الإطلاقي، فيقدَّم عليه مع التعارض. ولكنّه دعوى بلا شاهد»([41]).

وقال الشيخ مكارم الشيرازي: «هناك عددٌ من الألفاظ لا شَكَّ في دلالتها على العموم وشمول جميع الأفراد، لكنْ وقع الخلاف في أنّ دلالتها على العموم بالوضع أو بالإطلاق ومقدمات الحكمة، وهي أربعة:

الأوّل: النَّكِرة في سياق النفي أو النهي.

ومثاله: ما رأيتُ أحداً، ولا تكرم فاسقاً.

وقد ذهب الآخوند& إلى أنّ دلالتها على العموم موقوفةٌ على إحراز إطلاقها بمقدّمات الحكمة([42]).

هذا، ولكنّ «الوجدان شاهد على أنّ النَّكِرة في سياق النفي أو النهي يتبادر منها العموم، من دون حاجةٍ إلى مقدمات الحكمة».

الثاني: لفظة (كلّ) وما شابهها.

وقد يقال فيها أيضاً: إنّ دلالتها على العموم واستيعاب [أفراد] المدخول يتمّ بمعونة مقدّمات الحكمة… وقد يقال: إنها ظاهرة في العموم من دون حاجةٍ إلى مقدمات الحكمة. وهو الصحيح».

الثالث: الجمع المحلَّى باللام.

«واستدلّ لدلالته على العموم بالتبادر. وهو تامٌّ؛ فالمتبادر منه في صورة فقد القرينة هو العموم، ولا حاجة فيه إلى إجراء مقدمات الحكمة».

الرابع: المفرد المحلَّى باللام.

«قيل بدلالته على العموم. ويستدلّ لها باتصافه أحياناً بالجمع، كقوله: (أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر)، وبوقوعه مستثنىً منه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (العصر: 2 ـ 3).

وفيه: إنّ التوصيف بالجمع في موارد معدودة، ووقوعه مستثنىً منه كذلك، لا ينافي عدم كونه حقيقة في الجمع؛ لأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز، وعليه فلا يستفاد من المفرد المحلَّى باللام ـ لولا وجود القرينة ـ العموم»([43]).

ويُلاحَظ عليه: إنّ الاستثناء ـ ولو في موارد معدودةٍ ـ لا يصح إلاّ إذا كان المستثنى منه عامّاً وشاملاً لكلّ الأفراد، وهذا يرجِّح أن المفرد المحلَّى بلام الجنس حقيقة في العموم بالوضع أيضاً.

 

المرحلة الثانية: الألفاظ التي تفيد العموم بمساعدة قرينة السياق

وهي: أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، والأسماء الموصولة؛ لأنّها تستعمل في المفرد والمثنى والجمع، المذكَّر منها والمؤنث. والقرينة السياقيّة هي التي تعيِّن مراد المتكلم»([44]).

وسنتعرّض بالكلام لكلٍّ من هذه الأسماء تباعاً:

أوّلاً: أسماء الشرط

والأسماء المرادة هنا: أيُّ، مَنْ، ما، متى، أينَ.

ـ (أيُّ)، وتزاد عليها (ما) توكيداً فتصبحُ: أَيُّما. ولها أساليب في استعمالها أداة شرط، هي:

1ـ أن تضاف إلى النَّكِرة، فتكون بمعنى (كلّ)، فتفيد العموم لذلك، نحو: (أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طهر)، أي: كلّ إهابٍ دُبَغَ فقد طهر.

2ـ أن تضاف إلى المعرفة، فتكون بمعنى (بعض). وهذه لا عموم فيها، نحو: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (القصص: 28)، أي إنْ قضيتُ أحد الأجلين ـ وهو بعضهما ـ فلا عدوان عليَّ.

3ـ أن تقطع عن الإضافة لفظاً وتقدَّر معنى، فإنْ قُدِّرت بـ (كلّ) فهي للعموم، وإنْ قُدِّرت بمعنى (بعض) فلا عموم فيها.

نحو: ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وتقدّر هنا بـ (كلّ)؛ بدلالة سياقها؛ وذلك لأنّها جاءت بعد قوله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الإسراء: 110)، أي كلّ اسم تدعون به من الاسمين المذكورين (الله، الرحمن) فهو من أسمائه الحسنى.

وتقول: (أيّ صائم أكلَ في شهر رمضان عامداً فعليه الكفّارة: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً. فأيّاً كفَّر به فقد امتثل)، أي فأيّ واحدة من هذه الخصال الثلاث (وهي بعضها) كفَّر بها فقد امتثل.

ـ (مَنْ) نحو: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185).

ـ (ما) نحو: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 272).

ـ (متى) نحو: متى تذهبْ أذهبْ.

ـ (أين)، وقد تزاد عليها (ما) فتصبح (أينَما)، نحو: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمْ الْمَوْتُ﴾ (النساء: 78).

والضابط في دلالة هذه الأسماء على العموم هو:

1ـ صحّة تقدير (كلّ) أو (أيّ).

2ـ وصحّة الاستثناء من مدخول الأداة.

وأمثلة ذلك في الأسماء المتقدّمة:

ـ كلّ مَنْ شهد الشهرَ فليصُمْه إلاّ المريض.

ـ كلّ ما تنفقون من خيرٍ يوفَّ إليكم إلاّ إذا كان رياءً.

ـ في أيّ وقت تذهبُ أذهبُ.

ـ في أيّ مكانٍ تكونون يُدركْكم الموت.

 

ثانياً: أسماء الاستفهام

والاستفهام لغة هو: طلب الفهم والعلم بالشيء، يقال: استفهمه: سأله أن يُفهمه.

وأسماء الاستفهام في اللغة العربيّة هي: مَنْ، ما، متى، أينَ، أيّانَ، أنّى، كيف، كم، أيّ.

ويتمثَّل عموم هذه الأسماء في أنّها يستفهم بها عن شيءٍ غير معيّن، يطلب تعيينه من بين أفراد تشاركه في عمومٍ يشملها جميعاً، أي إنّ عمومها عمومٌ بدلي.

ففي قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ (البقرة: 133) المقصود: الاستفسار عن أيّ إلهٍ يعبده بنوه من بعده.

وفي قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ (التكوير: 26) المراد: إلى أيّ مكان تذهبون.

والضابط هنا لمعرفة العموم المدلول عليه بهذه الأسماء هو صحة حلول (أيّ) محلَّها، كما أوضحناه في المثالين، وأمّا أمثلة بقيّة هذه الأسماء، فهي:

ـ ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الأنعام: 12).

ـ ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾ (البقرة: 214).

ـ ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (القيامة: 6).

ـ ﴿يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (القيامة: 10).

ـ ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللهِ تُنكِرُونَ﴾ (غافر: 81).

ـ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (الشعراء: 7).

ـ ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 11).

ثالثاً: الأسماء الموصولة

عُرِّف الاسم الموصول بأنّه: «اسم غامض مبهم، محتاج دائماً في تعيين مدلوله وإيضاح المراد منه إلى أحد شيئين بعده: إمّا جملة؛ وإمّا شبهها، وكلاهما يسمّى صلة الموصول»([45]).

والمقصود ـ هنا ـ من هذه الأسماء هو: مَنْ، ما، (إذا دلَّتا على جمعٍ)، الذين، اللاتي، اللائي.

ومن أمثلتها: قوله تعالى:

ـ ﴿ألم تر أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ (الحجّ: 18).

ـ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (البقرة: 234).

ـ ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (الطلاق: 4).

والضابط لمعرفة العموم في هذه الأسماء هو صحّة إضافة كلمة (كلّ) أو (جميع) إلى الاسم.

تقول في الآية الأولى: ولله يسجد كلّ مَنْ في السماوات وجميع مَنْ في الأرض، وفي الآية الأخيرة: وكلّ اللائي يَئِسْنَ من المحيض.

 

النقطة الثالثة: تقسيم الخاص اصطلاحاً

ينقسم الخاص باعتبار ذكره في سياق الكلام المشتمل على العام، أو ذكره مستقلاًّ عنه بأسلوب وكلام خاصّ به، إلى قسمين: متصل؛ ومنفصل.

1ـ الخاص المتّصل: وهو اللفظ المخصّص لدلالة العام الذي يتصل به في سياق كلاميّ واحد، أو يكون ملابساً له حال النطق به.

وبعبارةٍ أخرى: هو القرينة المتصلة التي يعتمد عليها المتكلِّم في تضييق دائرة دلالة العموم إلى ما عدا الخاص.

وعُرِّف أصولياً بأنه: «لفظ متصل بجملة، لا يستقلّ بنفسه، دالٌّ بحرف (إلاّ) أو إحدى أخواتها على أن مدلوله غير مراد بما اتّصل به»([46])، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْ‏ءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (القصص: 88)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ (العصر: 2 ـ 3).

2ـ الخاصّ المنفصل: «ويراد به المخصّص لدلالة العام، المستقلّ عنه في كلام آخر، أي إنّه لا يذكر في سياق الكلام المشتمل على العام، وإنّما يذكر في كلام منفصل عنه.

وبهذا يتبيّن الفرق بين الخاص المتصل والخاص المنفصل، وهو أنّ العام مع الخاصّ المتصل لا ينعقد له منذ البدء ظهور في العموم إلاّ في ما عدا الخاصّ، خلافاً للعام مع الخاصّ المنفصل، فإنّه ينعقد له ظهور في العموم والشمول لجميع الأفراد، لكنّه بمجيء الخاصّ منفصلاً يكون قرينة مانعةً عُرْفاً من حمل العام على العموم»([47]).

ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: 11)، وهو عامٌّ قرآني خصّصته السنّة الشريفة بما رُوي من قول النبيّ‘: «القاتل لا يرث»([48]).

 

المطلب الثاني: المطلق والمقيّد

ويقع البحث هنا في نقاط:

 

النقطة الأولى: تعريف المطلق والمقيّد، لغةً واصطلاحاً

أوّلاً: تعريفهما لغةً

المطلق والمقيّد اسما مفعول من الفعلين: (أطلق)؛ و(قيّد). ومصدرهما: الإطلاق والتقييد.

ومعنى الإطلاق لغةً: التخلية والإرسال، ويقابله التقييد، وهو: الإمساك والحبس.

يقال: أطلق الأسير: خلاّه… وأطلق الناقة من عقالها… وقيّد الدابة تقييداً.

وطلاق النساء لمعنيين: أحدهما: حلّ عقدة النكاح…؛ والآخر بمعنى التخلية والإرسال([49]).

ثانياً: تعريفهما اصطلاحاً

والتحقيق هنا أن يقال: إنّ المطلق في الاصطلاح هو الشامل لجميع الأحوال، وهو يطلق على المعنى، وعلى اللفظ الدالّ عليه، وعلى الحكم إذا كان موضوعه مطلقاً.

ويقابله المقيّد، وهو المقصور على حالٍ معيّنة.

ومتابعة تاريخ البحث في هذه المسألة تظهر أنّ أوّل مَنْ ذهب من علمائنا إلى التعريف المذكور هو السيد المرتضى(435هـ)، في كتابه (الذريعة)، فقد ذكر تحت عنوان (تخصيص العموم بالشرط) ما يمكن أن يستفاد منه أنّه يرى أنّ معنى الإطلاق اصطلاحاً هو الشمول لجميع الأحوال، وأن معنى التقييد هو القصر على بعض الأحوال.

وإنّ اللفظ إذا كان دالاًّ على العموم وضعاً فإنّه يبقى دالاًّ على شمول جميع أفراده ومصاديقه، سواء أكان مطلقاً أم مقيّداً، غاية الأمر أنّه إذا كان مطلقاً يكون شاملاً لكلّ فرد في جميع أحواله، وإنْ كان مقيّداً يكون شاملاً لكل فردٍ أيضاً، ولكنْ مقيداً بحالٍ معيّنة.

وقد لا تكون عبارته واضحة جداً في أداء هذا المعنى؛ بسبب عدم استقرار استعمال الألفاظ في معانيها الاصطلاحيّة وقتئذٍ.

قال&: «اعلم أنّ الشرطَ وإنْ لم يكن مؤثِّراً في نقصان عدد المشروط كالاستثناء… فإنّه يخصّ المشروط من وجهٍ آخر؛ لأنّه إذا قال: (اضرب القومَ إنْ دخلوا الدار) فالشرط لا يؤثّر في تقليل عدد القوم، وإنّما يخصِّص الضرب بهذا الحال؛ لأنّه لو أطلق لتناول الأمر بالضرب على كلّ حال، فتخصص بالشرط»([50]).

فقوله: «إنّ الشرط وإن لم يكن مؤثراً في نقصان عدد المشروط كالاستثناء» عبارة أخرى عن القول: (إنّ القيدَ لا يدلّ على نقصان عدد أفراد العام كالمخصّص)؛ ذلك أنّ الشرط مثال للقيد الذي يَقْصُر المعنى على بعض أحواله، والاستثناء مثال للمخصِّص الاصطلاحي الذي يُخْرِج بعض أفراد العامّ عن أن تكون مشمولة لحكمه.

وقوله: (فالشرط… إنّما يخصِّص الضرب بهذا الحال؛ لأنه لو أطلق لتناول الأمر بالضرب على كل حال، فتخصّص بالشرط) ليس المراد بالتخصُّص فيه معناه الاصطلاحي المخرج لبعض أفراد العام، بل المراد به معناه اللغوي المساوق للمعنى الاصطلاحي للتقييد، وهو قصر الحكم على بعض أحوال المعنى.

 

النقطة الثانية: ملاحظات على بيان السيّد المرتضى لرأيه

ولم أجِدْ من علمائنا القدماء مَنْ ذكر أنّ معنى الاطلاق هو الشمول لجميع الأحوال، غير السيد المرتضى&.

ولكنْ يلاحَظ عليه: إنّه لم يعقد للإطلاق والتقييد فصلاً مستقلاًّ، وإنما تكلم عليهما ضمن الكلام على العام والخاص، وعبّر عن التقييد بالتخصيص، وجعل بعض القيود (الوصف) بمثابة الاستثناء من حيث كونُه مخصِّصاً للعام، ومخرجاً لبعض أفراده عن دائرة شمول حكم العام لها، ممّا يكشف عن أنّ الفرق الاصطلاحي الدقيق بين التخصيص والتقييد لم يتَّضح بعد.

قال&: «اعلم أنّ الأدلّة الدالة على التخصيص على ضربين: متّصل بالكلام؛ ومنفصل عنه.

والمتصل قد يكون استثناءً أو تقييداً بصفة، وقد ألحق قومٌ بذلك الشرطَ. وهذا غَلَطٌ؛ لأنّ الشرط لا يؤثّر في زيادةٍ ولا نقصان، على ما كنّا قدَّمناه، ولا يجري مجرى الاستثناء والتقييد بصفة»([51]).

ثم إنّه أورد في موضع آخر كلاماً للشافعي أكّد فيه أن الاستثناء يخرج بعض أفراد العامّ عن حكمه، وأنّ الشرط يقصر الحكم على بعض أحوال المعنى، لكنّه عبَّر عن كلَيْهما بالتخصيص، فاستعمل اللفظ في مورد الاستثناء بمعناه الاصطلاحي، وفي مورد الشرط بمعناه اللغوي، الذي يقيّد المعنى، ويقصره على بعض أحواله.

قال الشافعي: «إنّ كلّ واحد منهما [أي الاستثناء والشرط] يقتضي ضرباً من التخصيص؛ لأنّ الاستثناء يخصّص الأعيان [الأفراد]، ويخرجها ممّا تناوله ظاهر الكلام، كقولك: (ضربتُ القومَ إلاّ زيداً)، والشرط يُخصّص الأحوال، كقولك: (أَعْطِه درهماً إنْ دخل الدار)، والأمر بالعطية مع الإطلاق يقتضيها على كلّ حال، فإذا شُرط تخصّصت بحال معيّنة»([52]).

ويلاحَظ عليهما: إنّ مفادَ كلٍّ من الشرط والوصف واحد، وهو التقييد وإثبات الحكم ابتداءً للمعنى مقيداً بحالٍ معيّنة من وصفٍ أو شرط، ونفيه عن المورد الفاقد للقيد، وبهذا يفترقان معاً عن الاستثناء، الذي يعني نفي الحكم الثابت للعام عن بعض أفراده.

وعليه فكما لا يصحّ إلحاق الوصف بالاستثناء، كذلك لا يصحّ إلحاق الشرط به، ولا أيّ قيدٍ آخر.

ومن المهمّ التأكيد هنا أنّ المخصّص بالمعنى الاصطلاحي، وهو المخرج لبعض أفراد العام، قد يكون متصلاً، كالاستثناء؛ وقد يكون منفصلاً. وأما المخصّص بالمعنى اللغوي، وهو المقيِّد اصطلاحاً، كالوصف والشرط، الذي يُثبت الحكم ابتداءً للمقيّد بحال معيّنة، وينفيه عن الفاقد للقيد، فإنّه لا يكون إلاّ متّصلاً؛ لأنّه مع عدم اتصاله يثبت الإطلاق والشمول لجميع الأحوال، المنافي للتقييد وقصر الحكم على حالٍ معيّنة.

فالفرق الأساس بين التخصيص والتقييد يكمن في أنّ التخصيص اصطلاحاً يقتضي ثبوت حكم للعام أوّلاً، شامل لجميع أفراده، يتعقّبه الخاص الذي يستثني بعض الأفراد من حكمه، ويجمع بينهما بحمل العامّ على الخاصّ، وأمّا التقييد الاصطلاحي فإنّه لا يتوقّف على ثبوت حكمٍ للمعنى مطلقاً شاملاً لجميع أحواله، ثمّ يأتي القيد بعده ويقوم باستثناء بعض تلك الأحوال؛ لكي يتمّ الجمع بين الحكمين بحمل المطلق على المقيّد، بل إنّ الشارع إمّا أن يجعل الحكم منذ البداية للمعنى مقيداً بحال معيّنة، أو يجعله للمعنى مطلقاً وفي جميع أحواله، ولا يعقل الجمع بين تقييد الحكم وإطلاقه في عرضٍ واحد.

وأمّا الشيخ الطوسي& فقد تابع السيد المرتضى في ما ذهب إليه ـ وإنْ لم يصرِّح بأن معنى الإطلاق هو الشمول لجميع الأحوال ـ، فإنه جعل بحث الإطلاق والتقييد فصلاً من فصول باب العموم والخصوص، وقال: «التقييد يخصّ العام، ويخصّ المطلق الذي ليس بعامّ. فمثال تخصيصه للعام: قول القائل: (مَنْ دخل داري راكباً أكرمتُه)، و(لقيتُ الرجال الأشراف).

فقوله: (راكباً) خصَّ لفظة (مَنْ)؛ لأنه لو لم يذكره لوجب عليه إكرام كل مَنْ يدخل داره، سواء كان راكباً أم ماشياً. وكذلك لو لم يقيّد لفظة: (الرجال) بالأشراف لكان متناولاً لجميع الرجال، سواء كانوا أشرافاً أو غير أشراف.

وأمّا تخصيصه المطلق وإنْ لم يكن عاماً فمثلُ قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (النساء: 92)، فقوله: (مؤمنة) قد خصَّ (رقبة)؛ لأنّه لو لم يذكر ذلك لكان يجوز تحرير أيّ رقبةٍ كانت، سواء كانت مؤمنة أو غير مؤمنة»([53]).

وكلامه واضحٌ في أنّه يريد بالتقييد قَصْرَ الحكم على بعض أحوال المعنى المقيّد، سواء أكان عاماً شاملاً لجميع أفراده أم كان مفرداً وشخصيّاً ليس له أفراد، كاسم العلم، أي إن التقييد يثبت الحكم ابتداءً للمقيّد بحالٍ معيّنة، وينفيه عن الفاقد للقيد.

ويفهم من عبارته أنه قد استعمل فيها لفظ التخصيص بمعناه اللغوي المساوق للتقييد بمعناه الاصطلاحي.

هذا، ولكنّ تمثيله للمطلق الذي ليس عامّاً بـ (الرقبة) يُلاحَظ عليه: إنه قد يفهم منه أنّه يرى أنّ مثل هذا اللفظ لا يدلّ على العموم، والحال أنّ اسم الجنس (رقبة، عالم، إنسان) دالٌّ بالوضع على العموم وشمول جميع الأفراد، سواء أكان معرّفاً أو منكراً، غاية الأمر أنه مع التعريف يدلّ على العموم الاستغراقي، ومع التنكير يدلّ على العموم البدلي، وفي كلا المدلولين قد يأتي مطلقاً شاملاً لجميع الأحوال، وقد يأتي مقيداً بحال معيّنة.

وقد صرّح الطوسي بأنّ المطلق والمقيّد متقابلان، لا يمكن الجمع بينهما بحمل المطلق على المقيّد.

قال& ـ بعد أن ذكر الخلاف في حمل المطلق على المقيّد ـ: «والذي أذهب إليه أنّه ينبغي أن يحمل المطلق على إطلاقه، والمقيّد على تقييده، ولا يخصّ أحدهما بالآخر… [وقال]: وأما حمل المطلق على المقيّد… فبعيدٌ؛ والذي يدلّ على ذلك: أنّ من حقّ الكلام أن يحمل على ظاهره إلاّ أن يمنع منه مانعٌ، وإذا كان المقيّد غير المطلق، وهما حكمان مختلفان، فكيف يؤثِّر أحدهما في الآخر؟»([54]).

 

النقطة الثالثة: التفريق بين بحث العام والمطلق في التبويب

ويجدر بالذكر أنّ منهجة البحث عن الإطلاق والتقييد قد انتقلت من مرحلة إلحاقهما بالعام والخاص إلى مرحلة ثانية، بالكلام عليهما في مبحث الأوامر. وقد بدأ ذلك في القرن السابع والثامن على يد كلٍّ من: المحقق الحلّي، والعلاّمة الحلّي.

قال المحقق الحلّي(676هـ): «الأمر المقيّد بالشرط منتفٍ عند انتفاء الشرط…

لنا: إنّ قول القائل: أَعْطِ زيداً درهماً إنْ اكرمك جارٍ مجرى قولنا: الشرطُ في إعطائه إكرامُك، وفي الثاني ينتفي العطاء عند انتفاء الإكرام. فكذلك في مسألتنا.

وأيضاً فإنّ الشرط هو ما يتوقَّف عليه الحكم، فلو حصل بدونه لم يكن شرطاً»([55]).

ثمّ قال: «تعليق الحكم على الصفة لا يدلّ على نفيه عمّا عداها»([56]).

وقال العلاّمة الحلّي(726هـ): «إنّ الأمر المشروط عدمٌ عند عدم شرطه»([57]).

ثمّ قال أيضاً: «إنّ الأمر المقيّد بالصفة لا يعدم بعدمها»([58]).

ويلاحَظ عليهما: إنّه لا فرق بين المقيّد بالشرط والمقيّد بالوصف في أنّ انعدام القيد يدل على انتفاء المقيّد. نعم، تقييد الحكم بقيدٍ لا يدلّ على امتناع تقييده بقيدٍ آخر، كما سيأتي الكلام عليه في قاعدة احترازية القيود.

كما يلاحَظ: إنّه لا ينبغي الكلام على الإطلاق والتقييد في بحث الأوامر؛ فإنه قد يوهم اختصاصهما بهذا البحث، والحال أنه يجري في غيرهما، كما في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾ (النساء: 92)، وقوله: ﴿وَالذَاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَاكِرَاتِ﴾ (الأحزاب: 35).

هذا، وقد انتقل البحث عن الإطلاق والتقييد إلى مرحلته الثالثة والأخيرة على يد المتأخِّرين والمعاصرين من العلماء؛ إذ أفردوه ببحثٍ مستقلّ بعد بحث العام والخاص. ولعلّ أقدم مَنْ أشار إلى ذلك من علمائنا هو الشهيد الأوّل&(786هـ)، في كتابه القواعد والفوائد؛ إذ تكلَّم على كلٍّ منهما في عنوانٍ وقاعدة تخصّه([59]).

وخصّص صاحب (المعالم) المطلب الثالث من كتابه للعموم والخصوص، والمطلب الرابع للمطلق والمقيّد([60]).

وكذلك نجد الآخوند، في كتابه كفاية الأصول، «يخصص المقصد الرابع للعام والخاص، ويجعل المقصد الخامس للمطلق والمقيّد….

وفي أصول مغنية يعقد للمطلق والمقيّد باباً مستقلاًّ، بعد باب العامّ والخاص…

وعلى هذا سار التبويب الأصولي في سائر كتب المعاصرين، باستثناء أمثال كتاب (دروس في علم الأصول)، لأستاذنا الشهيد الصدر، الذي جمع بين الإطلاق والعموم في فصلٍ واحد؛ وكتاب (المحكم)، للسيد محمد سعيد الحكيم، الذي رجع في تبويبه إلى ما نهجه المتقدِّمون من إدراج الإطلاق والتقييد ضمن موضوع العموم والخصوص.

ويرجع سبب هذه التفرقة في التبويب إلى ما أثير حول تحديد كيفية دلالة المطلق على الشمول، هل هي في جميع مفرداته بدليل العقل (مقدّمات الحكمة) أو أنّ بعضها كذلك والآخر بالوضع؟»([61]).

ومحور الخلاف في المسألة «الذي وقع فيه البحث هو أنّ الإطلاق في أسماء الأجناس وما شابهها هل هو بالوضع أو بمقدّمات الحكمة؟ أي إنّ أسماء الأجناس [عالم، إنسان، رقبة] هل هي موضوعة لمعانيها بما هي شائعة ومرسلة على وجهٍ يكون الإرسال، أي الإطلاق، مأخوذاً في المعنى الموضوع له اللفظ، كما نسب إلى المشهور من القدماء قبل سلطان العلماء، أم أنها موضوعة لنفس المعاني بما هي، والإطلاق يستفاد من دالٍّ آخر، وهو نفس تجرّد اللفظ من القيد، إذا كانت مقدّمات الحكمة متوفِّرة فيه؟

وأوّل مَنْ صرّح بهذا القول الثاني ـ في ما نعلم ـ سلطان العلماء في حاشيته على (معالم الأصول)، وتبعه جميع مَنْ تأخَّر عنه الى يومنا هذا»([62]).

«ولأنّ هذه المسألة من المسائل الخلافية تأثَّر تصنيفها في مجال التبويب برأي الباحث الأصولي؛ فإنْ كان رأيه أنّ دلالة المطلق على الشيوع هي بالوضع أدرج موضوع المطلق والمقيد في مبحث العام والخاصّ؛ وإنْ كان رأيه أنّ الدلالة بالقرينة (مقدمات الحكمة) فصلهما وأفردهما ببحثٍ خاصّ بهما»([63]).

ومنه يتَّضح أنّ استقلال كلٍّ من العام والمطلق عن الآخر ببحثٍ يخصّه لم يكن راجعاً الى إدراك وجود فرق معنوي بينهما؛ إذ إنهم ما زالوا يرَوْن اتحادهما في المعنى، وهو: الاستيعاب والشمول لجميع الأفراد، غاية ما هناك يرَوْن اختلافهما في منشأ الدلالة على هذا المعنى، وأنّ دلالة العام على شمول جميع الأفراد ناشئة من الوضع، ودلالة المطلق على ذلك ناشئة من مقدّمات الحكمة.

وتَبَعاً لذلك لم يفرِّقوا أيضاً بين تخصيص العام وبين تقييد المطلق، فكلٌّ منهما بمعنىً واحد، وهو: تضييق دائرة شمول كلٍّ من العام والمطلق لجميع الأفراد، بل إنهم كانوا يعبِّرون عن التقييد وأدواته بالتخصيص، وعن التخصيص بالتقييد.

ومن شواهد ذلك في مصنَّفات الأصول:

أوّلاً: ما جاء في كتاب الذريعة من قول السيد المرتضى: «فصل في تخصيص العموم بالشرط»([64])، فاعتبر الشرط الذي هو من قيود المطلق مخصّصاً للعام.

ثانياً: ما جاء في كتاب (العدّة) من قول الشيخ الطوسي: «التقييد يخصّ العام، ويخصّ المطلق الذي ليس بعامٍّ»، أي المفرد، وقد تقدَّم ذكره.

ثالثاً: قول المحقِّق الحلّي: «يجوز تخصيص العام بالشرط والغاية والصفة والاستثناء»([65]).

فجعل الألفاظ الثلاثة الأولى مخصِّصات للعام، مع أنّها مقيِّدات للإطلاق.

رابعاً: قول العلاّمة الحلّي: «التخصيص: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب، وهو جنسٌ للاستثناء والشرط والغاية والصفة»([66]).

 

النقطة الرابعة: تعقيب على القول باتّحاد معنى العام والمطلق

ومن كلّ ما تقدم يتَّضح:

أوّلاً: إنّ الرأي الذي كان سائداً بين معظم العلماء هو أنّ العام والمطلق متَّحدان في المعنى، وهو: الشمول لجميع الأفراد. ولكنهما مختلفان في منشأ هذه الدلالة؛ فمنشؤها في العام هو الوضع؛ وفي المطلق هو مقدّمات الحكمة.

ثانياً: إنّ التخصيص والتقييد بمعنىً واحد أيضاً. وإنّ كلاًّ منهما يدلّ على استثناء بعض الأفراد، وإخراجها عن أن تكون مشمولة للحكم الثابت للعام.

وقد صرَّح بعضهم بذلك، قائلاً: «إنّ المطلق ملحق بالعامّ، والتقييد ملحق بالتخصيص، فهما متَّحدان حكماً من هذه الجهة»([67]).

وتَبَعاً لذلك ذكروا الألفاظ الدالّة على التقييد ضمن الألفاظ الدالة على التخصيص، وقاموا بتقسيم القيد إلى: متصل؛ ومنفصل، وذهبوا إلى عدم جواز العمل بالمطلق قبل الفحص عن المقيِّد وعدم العثور عليه.

ويقع التعقيب على كلّ ذلك في نقاط، وهي:

الأولى: قولهم: إنّ الإطلاق لا يدلّ على الشمول بالوضع، بل بمقدّمات الحكمة، يلاحَظ عليه: إنّ الذي انتهى إليه التحقيق أنّها مقدّمتان فقط:

إحداهما: كون المتكلِّم في مقام بيان تمام المراد.

والأخرى: عدم القرينة على التقييد([68]).

ولما كانت المقدمة الأولى محرزة وجداناً في كلّ متكلم؛ لأنه إنما يريد بكلامه بيان مراده، فلا يبقى من قرينة الحكمة إلاّ عدم ذكر القيد، الذي هو عبارة أخرى عن الإطلاق، وليس مقدّمة له، فكأنّ الأمر ينتهي إلى القول بأن الإطلاق، كالعموم، موضوعٌ للدلالة على الشمول والاستيعاب.

وأيّاً ما كان فإنّ وجود القيد يقصر الحكم على المقيّد، وعدم وجوده يجعل الحكم مطلقاً دالاًّ على الشمول والاستيعاب.

ومنه يتَّضح أن لا ثمرة مهمّة للنزاع في كون المطلق دالاًّ على الشمول بالوضع أو بقرينة الحكمة، وإنّما المهم هو تحديد معنى الإطلاق، وأنه شمول جميع الأفراد أو شمول جميع الأحوال.

الثانية: إنّ ما ذهبوا إليه، من اتحاد العام والمطلق معنى، واختلافهما في منشأ الدلالة عليه، ليس صحيحاً، على الرغم من اتّحادهما في الدلالة على الشمول والاستيعاب؛ لأنّ متعلق الشمول فيهما مختلفٌ، فمتعلَّق شمول العام هو جميع الأفراد، ومتعلق شمول المطلق هو جميع أحوال المعنى، سواءٌ أكان المعنى مفرداً أو عاماً.

فإطلاق زيد في جملة (أكرم زيداً) لا يفيد العموم؛ إذ إنّ زيداً لا أفراد له، وإنما يدلّ على وجوب إكرامه في جميع أحواله، وإطلاق العلماء في جملة (احترم العلماء) يدلّ على وجوب احترامهم في جميع أحوالهم، وأما دلالته على العموم فليست مستفادة من الإطلاق، بل من وضع لفظ الجمع المعرَّف بلام الجنس للدلالة على شمول جميع الأفراد.

الثالثة: قولهم: إن منشأ دلالة العام على الشمول هو الوضع، ومنشأ دلالة المطلق هو مقدّمات الحكمة، لا يمكن المساعدة عليه أيضاً؛ إذ إنّ منشأ دلالة جميع الألفاظ على معانيها هو الوضع، فما لم يكن اللفظ موضوعاً لغةً لإفادة الشمول لجميع الأفراد فإنه لا يدلّ على شمولها بالإطلاق، وجميع الأمثلة التي قدَّموها للألفاظ التي تفيد العموم بالإطلاق ليست صحيحة؛ وإنّما هي لألفاظٍ دالّة على العموم بالوضع. ويبدو أنّ سبب الاشتباه راجعٌ الى أنّ الألفاظ الدالّة على العموم وضعاً كثيراً ما تأتي مطلقةً، كما في مثل: جملة (أكرم العالم)، فتصوَّروا أنّ دلالة اسم الجنس (العالم) على شمول جميع الأفراد ناشئةٌ من الإطلاق، والحال أنها ناشئة من الوضع، ولا يدلّ إطلاقه إلاّ على شمول جميع حالات أفراده.

الرابعة: إنّ القول بوحدة المعنى الاصطلاحي للتخصيص والتقييد ليس صحيحاً؛ إذ إنّ بينهما فرقاً مهماً؛ لأن المخصّص يقوم بإخراج بعض أفراد العام، ويستثنيها من شمول حكم العام لها، أما التقييد فإنّه يثبت الحكم ابتداءً للمقيّد، أي الواجد للقيد، وينفيه عن الفاقد لذلك القيد.

 

النقطة الخامسة: بطلان تقسيم القيد إلى متّصل ومنفصل

إن تقسيم القيد إلى: متّصل؛ ومنفصل، ليس صحيحاً، وهو من نتائج الخلط بين التخصيص والتقييد؛ ذلك أنّ القيد لا يكون إلاّ متصلاً، ومع عدم اتصاله يثبت الإطلاق المقابل للتقييد، والذي لا يمكن اجتماعه معه في عَرْضٍ واحد.

وبعبارةٍ أوضح: إنّ العام والخاصّ بمعناهما الاصطلاحي ليسا أمرين متقابلين؛ لكي يمتنع اجتماعهما، بل هما متلائمان، ولا بُدَّ فيهما من تقدُّم العام الشامل لجميع أفراده، ثمّ يتعقَّبه الخاصّ ليخرج بعض أفراده إخراجاً حكميّاً، أي يستثنيها من أن تكون مشمولةً لحكم العام، وبهذا يتمّ الجمع بينهما والعمل بهما معاً. وهذا ما اصطلح عليه بحمل العام على الخاصّ.

وأما المطلق والمقيّد فهما متقابلان بكلٍّ من المعنى اللغوي والاصطلاحي، فلا يمكن اجتماعهما معاً، ولا يشترط ثبوت المقيّد بتقدُّم ثبوت المطلق، بل الشارع ابتداءً إمّا أن يجعل الحكم مطلقاً شاملاً لجميع أحوال الموضوع، وإمّا أن يجعله مقيداً ببعض أحواله، ولا يعقل الجمع بين إطلاق الحكم وتقييده.

ومنه يتَّضح خطأ القول بعدم جواز العمل بالمطلق قبل الفحص عن المقيِّد؛ إذ إنه متفرِّع على إمكان صدورهما معاً عن الشارع، وقد يتبيَّن أنه غير ممكن ثبوتاً؛ بسبب التقابل والتنافي بينهما.

ولو افترضنا اتّفاق وجود روايتين من هذا القبيل لم يصحّ تقديم المقيدة منهما على المطلقة، وإنما يتحقَّق التعارض بينهما، المؤدّي إلى العلم بعدم صدور إحداهما قطعاً، ويرجع لتمييز الصادرة منهما عن غير الصادرة إلى عرضهما معاً على محكم الكتاب والسنّة؛ ليحصل العلم بعدم صدور المنافية لأحدهما، والعلم بصدور الموافقة لهما.

 

النقطة السادسة: قاعدة احترازيّة القيود

قد تبيّن أن الغاية من ذكر القيد هي الاحتراز به عن شمول الحكم للمورد الفاقد للقيد، وعلى ذلك قامت قاعدة احترازيّة القيود. فقوله: (أكرم الانسان الفقير) يترتَّب عليه أن الإنسان إذا لم يكن فقيراً لم يشمله وجوب الإكرام، ولكنّ ذلك لا يعني أنّ وجوب إكرامه لا يمكن أن يثبت بقيدٍ آخر، كأنْ يكون هناك وجوب آخر يثبت للإنسان العالم أيضاً([69]).

وبهذا يتّضح أنّ قاعدة احترازية القيود يثبت بها أن الحكم الثابت للمقيَّد ينتفي بانتفاء القيد، ولكنها لا تنفي إمكان ثبوته له بقيدٍ آخر.

وهذا هو الفرق بين القاعدة وبين ما اصطلحوا عليه بـ (المفهوم)؛ فإنّه على ـ تقدير ثبوته ـ يقتضي انتفاء الحكم عن المورد الفاقد للقيد كلِّياً بنحوٍ لا يمكن معه ثبوته له بقيدٍ آخر. ويرجع هذا الفرق إلى القول بأنّ القيد إذا كان علّةً منحصرة للحكم فإن الحكم ينتفي بانتفائه كلِّياً؛ إذ لا قيد غيره ليثبت به، وأمّا إذا كان علّة غير منحصرة فإنّه يمكن عند انتفائه بقاء الحكم ثابتاً بقيدٍ آخر.

وقد اهتمّ علماء الأصول بهذا البحث، وحاولوا إثبات أنّ بعض القيود ـ كالشرط ـ علّةٌ منحصرة للحكم، واستدلّوا على ذلك بأدلّة لم تسلم من المناقشة والردّ.

وقالوا في بيان ثمرة هذا البحث: إنّ القيد إذا لم يكن علّة منحصرة أمكن تقييد الحكم بقيدين، فإذا انتفى أحدهما ثبت الحكم بالآخر، وأما إذا كان القيد علّةً منحصرة للحكم فإنّه بانتفاء أحدهما دون الآخر يحصل التعارض بين منطوق دليل القيد المتحقّق ومفهوم دليل القيد الآخر.

ومثَّلوا لذلك بهذين الدليلين: (إذا خفي الأذان فقصِّرْ) و(إذا خفيت الجدران فقصِّر)، وقالوا: إنه إذا خفي الأذان دون الجدران مثلاً كان مقتضى كون الشرط علّة منحصرة للجزاء وقوعَ التعارض بين منطوق دليل خفاء الأذان، الذي يثبت وجوب القصر بتحقُّق شرطه، وبين مفهوم دليل خفاء الجدران، الذي ينفي حكم القصر بعدم تحقُّق شرطه.

ولا بُدَّ من حلّ هذا التعارض، وإلاّ تساقط الدليلان، ولزم الرجوع إلى الأصل العملي([70]).

ويلاحَظ على ترتُّب هذه الثمرة:

أوّلاً: إنّ الشارع المقدَّس عليم حكيم، لا يخاطب عباده بالمتنافيين، ولا بما يلزم منه التنافي.

ثانياً: إنّه ليس هناك قيد يكون بطبيعته علّةً منحصرة للحكم، إلاّ إذا ثبت باستقراء الأدلّة أنَّ الشارع لم يأخذ في الحكم قيداً سواه. ولو ثبت أنّ قيداً من القيود ـ كالشرط والوصف ـ كان علّةً منحصرة للحكم لما كان من المعقول أن يقيّد الشارع الحكم الواحد بقيدين من هذا القبيل؛ ليلزم من تحقُّق أحدهما دون الآخر التنافي بين منطوق المتحقّق ومفهوم الآخر.

ولأجل ذلك لا نجد أمثلةً لتحقُّق هذه الثمرة في واقع الأدلّة الشرعية. وتمثيلهم بقيدي خفاء الأذان والجدران لا يصحّ؛ لأنهما ليسا قيدين للحكم بوجوب القصر؛ ذلك أنّ هذا الحكم مقيّد بقيدٍ واحد، هو قصد السفر وقطع المسافة الشرعية، وأمّا خفاء الأذان أو الجدران فهما ـ على البَدَل ـ علامتان: سمعيّة؛ وبصريّة، لبلوغ حدّ الترخُّص، الذي يكون فيه حكم القصر فعليّاً.

فالصحيح أنّ تعدُّد قيود الحكم الواحد يكشف عن أنّه لا واحد منها يشكل علّة منحصرة لذلك الحكم، بل كلّ واحد منها إمّا أن يكون جزء العلّة، أو علّة تامة، لكنّها غير منحصرة.

وإنّ إطلاق الأحكام وتقييدها أمرٌ راجع إلى الشارع المقدَّس، فله أن يطلق الحكم، وله أن يقيّده. وفي حال التقييد له أن يقيِّده بقيدٍ واحد أو بقيود متعدّدة. وفي حال تعدُّد القيود له أن يأخذ القيود بنحو الاستقلال أو بنحو الاجتماع، حَسْبَ ما يُستفاد من الأدلّة الشرعية.

والأمثلة على ذلك من النصوص الشرعية:

1ـ إطلاق الرقبة في الحكم بكفّارة الظِّهار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (المجادلة: 3).

2ـ تقييد الرقبة بقيدٍ واحد، وهو الإيمان، في الحكم بكفّارة قتل المؤمن خطأً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (النساء: 92).

3ـ تقييد الحكم بثبوت التكليف على الإنسان بقيدين مجتمعين، وهما: البلوغ والعقل.

4ـ تقييد الحكم بحرمة مباشرة المرأة بقيدين على نحو البدليّة والاستقلال، وهما: الاعتكاف أو الحَيْض، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: 187)، وقال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (البقرة: 22).

5ـ تقييد الحكم بوجوب الحجّ بثلاثة قيود مجتمعة، وهي: الاستطاعة الماليّة، والقدرة البدنية، وتخلية السرب.

6ـ تقييد الحكم بالتيمُّم بثلاثة قيود على نحو البدلية، وهي: فقد الماء، أو التضرُّر باستعماله، أو عدم القدرة عليه؛ لغلاء ثمنه، أو عدم إجازة مالكه.

وفي كلّ هذه الأمثلة ينتفي الحكم عن المورد الفاقد للقيد، غاية ما هنالك أن الحكم إذا كان مقيّداً بعدة قيود فإنها إذا كانت مأخوذة بنحو الاجتماع كان كلٌّ منها جزء العلّة للحكم، فينتفي الحكم بانتفاء أحدها، ولا يثبت إلاّ بثبوتها جميعاً؛ وإن كانت مأخوذةً بنحو البدلية فإنّ كلاًّ منها يكون علّةً مستقلة للحكم، فيثبت بثبوت أحدها، ولا ينتفي إلاّ بانتفائها جميعاً.

ومنه يتّضح أنّ الشارع المقدَّس قد أخذ القيود المتعدّدة بنحوٍ لا يؤدّي تحقق أحدها دون الآخر إلى التنافي بين منطوق المتحقّق ومفهوم الآخر.

 

النقطة السابعة: رأي العلماء المعاصرين في الفرق بين العام والمطلق

هذا، ويلاحَظ: أنّ عدداً من علمائنا ـ ابتداءً من القرن الحاضر ـ أخذوا يذكرون الشمول الأحوالي، الذي هو مفاد الإطلاق، إلى جانب الشمول الأفرادي، الذي هو مفاد العموم، حتّى تبلور بالتدريج الحدّ الفاصل بين العام والمطلق، وأنّ العام هو الشامل لجميع الأفراد، والمطلق هو الشامل لجميع الأحوال، أي إنّهم رجعوا إلى الأخذ برأي السيّد المرتضى، الذي قدّمنا ذكره.

وفي مقدّمة هؤلاء العلماء العلامة الإصفهاني&(1361هـ)، إذ قال: «لفظة (كلّ) تدل على السَّعة من جهة المفردات؛ لأنّ العموم بلحاظ الأفراد، كما أنّه إذا كانت [السَّعة] من أحوال الفرد فسعة لفظة (كلّ) أجنبيّة عنها، وإنّما هو شأن الإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمة»([71]).

وكلامه واضحٌ في أنّ العام يدلّ على شمول جميع الأفراد، ولا ربط له بشمول جميع الأحوال إلاّ إذا كان مطلقاً، فإنه يدلّ حينئذٍ على ذلك بالإطلاق.

وقال السيد حسين البروجردي&: إنّ المعنى إذا «كان له شيوعٌ أفرادي أو أحوالي [أي إذا كان عامّاً أو مطلقاً]، وصار موضوعاً لحكم، فإنْ لوحظ في مرتبة جعله موضوعاً كونُه تماماً الموضوع له سمّي مطلقاً، وإلاّ فمقيداً. وعلى هذا فمثل الأعلام الشخصيّة أيضاً باعتبار حالاتها المختلفة يمكن أن تتَّصف بالإطلاق والتقييد، ولكنْ بلحاظ موضوعيتها للحكم. فزيدٌ في قول المولى: (أكرم زيداً) مطلقٌ، وفي قوله: (أكرم زيداً الجائي) مقيّد»([72]).

وقال السيد الجزائري: إنّ الإطلاق «يشمل ثبوت الحكم على كلّ تقديرٍ [أي كل حال]. مثلاً: إذا قال: (أكرم العالم) فإنّ وجوب الإكرام، الذي هو مفاد الهيئة، شاملٌ للعالم، سواء أكان فقيراً أم غنيّاً، هاشمياً أم غيره، إلى غير ذلك من الحالات المتصوَّرة فيه، نظير: شمول (كلّ عالم)، في قوله: (يجب إكرام كلّ عالم)، لكلّ فردٍ من أفراد العلماء في آنٍ واحد، كما هو شأن العام الاستغراقي، غير أنّ الفرق بينهما أنّ شمول المطلق أحوالي، وشمول العام أفرادي»([73]).

وقال الشهيد مرتضى المطهري&: «إن مبحث المطلق والمقيّد شبيهٌ بمبحث العام والخاص، سوى أنّ العام والخاص يكونان في مورد الأفراد، بينما يكون المطلق والمقيّد في مورد الأحوال والصفات؛ فإنّ العامّ يرد في موارد كلِّية لها أفراد متعدِّدة…، فيأتي الخاصّ ويخرج بعض الأنواع أو الأفراد التي شملها ذلك العام، بينما يرتبط المطلق والمقيّد بالطبيعة والماهية التي هي متعلَّق التكليف، ويجب على المكلَّف إيجادها، فإنْ لم تتقيّد تلك الطبيعة بشيءٍ فهي مطلقةٌ، وإلاّ فهي مقيّدة.

فمثلاً: في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ لم تقيّد الصلاة بالجهر والإخفات، أو بكونها أمام الجميع…، فهي مطلقة من هذه النواحي… فإذا ورد دليلٌ معتبر، واشترط الجَهْر في الصلاة، أو أن تكون أمام حَشْدٍ كبير، وفي المسجد مثلاً، نحمل المطلق على المقيّد حينئذٍ، أي نجعل هذا الدليل مقيِّداً (بكسر الدال) لتلك الآية»([74]).

وممّا يلاحَظ على قوله: (إن مبحث المطلق والمقيّد شبيهٌ بمبحث العام والخاص): إنّه لم يبيِّن وجه الشبه بينهما. والحال أنّهما غير متشابهين، بل هما مختلفان؛ ليس فقط بلحاظ أنّ مورد العام والخاصّ هو الأفراد، وأنّ مورد المطلق والمقيّد هو الأحوال؛ بل إنهما يختلفان أيضاً في أنّ الخاص يقوم بإخراج بعض أفراد العام من أن تكون مشمولة لحكم العام، بينما التقييد يقوم بإثبات الحكم ابتداءً للمقيّد، وهو الواجد للقيد، وينفيه عن الفاقد للقيد.

كما أنّ قوله: (نحمل المطلق على المقيّد) هو من نتائج الخَلْط بين التخصيص والتقييد، فقد اتَّضح أن المطلق والمقيّد متقابلان بمعناهما اللغوي والاصطلاحي معاً، ولا يعقل الجمع بينهما، كما يعقل ذلك في حمل العام على الخاصّ.

 

الخاتمة

في ختام هذا البحث نسجِّل خلاصة لأهمّ نتائجه في النقاط التالية:

النقطة الأولى: إنّ العام هو الشامل لجميع أفراده ومصاديقه، وأمّا المطلق فهو الشامل لجميع أحوال موضوعه.

النقطة الثانية: معنى التخصيص: استثناء بعض أفراد العام من شمول حكمه، ومعنى التقييد: إثبات الحكم ابتداءً للمقيّد بحال معيّنة، ونفيه عن الفاقد للقيد.

النقطة الثالثة: العامّ والخاصّ بمعناهما اللغوي متقابلان لا يجتمعان، وأما بمعناهما الاصطلاحي فهما متلائمان، يمكن اجتماعهما والعمل بهما معاً، وهذا ما اصطلحوا عليه بـ (حمل العامّ على الخاص)؛ ذلك لأنّ الخاصّ يخرج بعض أفراد العام ويستثنيها من حكمه، وهذا يقتضي وجودهما معاً؛ إذ لا معنى لوجود الاستثناء مع عدم وجود المستثنى منه.

النقطة الرابعة: المطلق والمقيّد بمعناهما اللغوي والاصطلاحي معاً متقابلان لا يجتمعان، فلا يعقل أن يكون موضوع الحكم مطلقاً لكلّ الأحوال، ومقيداً بحال معيّنة في الوقت نفسه، ويترتَّب على ذلك عدم صحّة القول بـ (حمل المطلق على المقيّد).

النقطة الخامسة: التخصيص يقتضي تقدُّم العام، وأما التقييد فإنه لا يقتضي تقدُّم الإطلاق؛ فإن الشارع منذ البداية إما أن يجعل الحكم مطلقاً، فلا يعقل تقييده بعد ذلك؛ وإما أن يجعله مقيداً، فلا يعقل إطلاقه بعد ذلك؛ لأداء ذلك إلى اجتماع المتنافيين.

النقطة السادسة: إنّ كلاًّ من الإطلاق والتقييد قد يثبت للمعنى المفرد، وللمعنى العام.

فمثال ثبوتهما للمفرد: أكرم زيداً، وأكرم زيداً إذا زارك.

فوجوب الإكرام في الجملة الأولى ثبت لزيد مطلقاً، أي في جميع أحواله، وثبت له في الجملة الثانية مقيّداً بحال زيارته فقط.

ومثال ثبوتهما للعام: احترم العلماء، واحترم العلماء الأتقياء.

فوجوب الاحترام في الجملة الأولى ثبت للعلماء مطلقاً، أي وجوب إكرام كلّ فرد منهم في جميع أحواله، وفي الجملة الثانية ثبت لكلّ فرد منهم، ولكنْ مقيداً بحال اتصافه بالتقوى.

النقطة السابعة: إنّ الخاص ينقسم إلى: متصل؛ ومنفصل، وأمّا القيد فلا ينقسم إليهما، بل إنّه لايكون إلاّ متّصلاً؛ إذ مع عدم اتصاله يثبت الإطلاق والشمول لجميع الأحوال، المانع من مجيء القيد الذي يقصر الحكم على حالٍ معيّنة؛ للزوم تشريع المتعارضين، المنافي للعلم والحكمة.

ويترتَّب على ذلك أن الحكم بالعام يتوقَّف على إحراز عدم المخصِّص المنفصل، وأما الحكم بالإطلاق فإنّه يثبت بمجرّد عدم القيد المتّصل؛ إذ لا ينتظر مجيء مقيِّد بعد ثبوت الحكم للمعنى مطلقاً.

 

الهوامش

(*) أستاذٌ وباحثٌ في الحوزة العلميّة. له أعمالٌ وآراء مختلفة في مجالي علم أصول الفقه وعلم الحديث. من العراق.

([1]) لسان العرب، مادة (عمم).

([2]) المعجم الوسيط، مادة (عمم).

([3]) البهادلي، مفتاح الوصول 1: 387.

([4]) لسان العرب، مادة (خصص).

([5]) المفيد، التذكرة بأصول الفقه: 33.

([6]) السيد المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 197، تحقيق: أبو القاسم گرجي.

([7]) أبو حسين البصري، المعتمد في أصول الفقه 1: 189، تقديم وضبط: خليل الميس.

([8]) الطوسي، العدّة في أصول الفقه 1: 273.

([9]) الرازي، المحصول في علم الأصول 2: 309.

([10]) العلاّمة الحلّي، مبادئ الوصول: 120، تحقيق: عبد الحسين البقّال.

([11]) العلاّمة الحلّي، تهذيب الوصول: 127، تحقيق: السيد محمد حسين الكشميري.

([12]) أبو القاسم القمّي، القوانين المحكمة في الأصول 1: 135.

([13]) محمد كاظم الخراساني، كفاية الأصول: 216، تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

([14]) محمد إسحاق الفياض، محاضرات في أصول الفقه (تقريراً لبحث السيد الخوئي) 5: 151.

([15]) السيد علي نقي الحيدري، أصول الاستنباط: 115.

([16]) السيد حسن البجنوردي، منتهى الأصول 1: 443.

([17]) السيد محمود الهاشمي، بحوث في علم الأصول (تقرير بحث الشهيد الصدر) 3: 222.

([18]) دراسة المعنى عند الأصوليين: 23.

([19]) التصوُّر اللغوي عند الأصوليين: 81.

([20]) المحاضرات في أصول الفقه 5: 151.

([21]) مكارم الشيرازي، طريق الوصول إلى علم الأصول 1: 319.

([22]) دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة 1: 149.

([23]) الشيخ عبد الهادي الفضلي، دروس في أصول فقه الإماميّة 2: 224.

([24]) أصول السرخسي 1: 125.

([25]) البهادلي، مفتاح الوصول 1: 389.

([26]) المظفَّر، أصول الفقه 1: 124.

([27]) الفضلي، دروس في أصول فقه الإماميّة 2: 219.

([28]) البحراني، الحدائق الناضرة 18: 147.

([29]) الجوهري، صحاح اللغة، مادة (جمع).

([30]) المحقق الحلّي، معارج الأصول: 85، تحقيق: محمد حسين الرضوي.

([31]) المصدر السابق: 82.

([32]) الفضلي، دروس في أصول فقه الإماميّة 2: 239.

([33]) ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل: 105.

([34]) زين الدين العاملي، معالم الدين: 265، تحقيق: عبد الحسين بقّال.

([35]) الفضلي، دروس في أصول فقه الإماميّة 2: 241.

([36]) المصدر السابق 2: 234.

([37]) ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: 73.

([38]) الفضلي، دروس في أصول فقه الاماميّة 2: 243.

([39]) المحقق الحلّي، معارج الأصول: 84.

([40]) إميل بديع يعقوب، موسوعة النحو والصرف والإعراب، مادة (نهي).

([41]) السبزواري، تهذيب الأصول 1: 123 ـ 124.

([42]) الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 217.

([43]) مكارم الشيرازي، طريق الوصول 1: 322 ـ 323.

([44]) الفضلي، دروس في أصول فقه الإماميّة 2: 229.

([45]) موسوعة النحو والصرف والإعراب: 62.

([46]) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام 2: 418.

([47]) الفضلي، دروس في أصول فقه الإماميّة 2: 270.

([48]) الكليني، الكافي 7: 141، ح5.

([49]) ابن منظور، لسان العرب؛ الرازي، مختار الصحاح؛ ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة (طلق) و(قيد).

([50]) السيد المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 273.

([51]) المصدر السابق 1: 243.

([52]) المصدر السابق 1: 260.

([53]) الطوسي، العدّة في أصول الفقه 1: 329.

([54]) المصدر السابق 1: 332.

([55]) المحقق الحلّي، معارج الأصول: 68.

([56]) المصدر السابق: 70.

([57]) العلامة الحلّي، مبادئ الوصول إلى علم الأصول: 98.

([58]) المصدر نفسه.

([59]) المقداد السيّوري، نضد القواعد الفقهيّة على مذهب الإمامية: 149، 155، تحقيق: السيد عبد اللطيف الكوهكمري.

([60]) زين الدين العاملي، معالم الدين وملاذ المجتهدين: 312، تحقيق: عبد الحسين البقّال.

([61]) الفضلي، دروس في أصول فقه الإماميّة 2: 324.

([62]) المظفَّر، أصول الفقه 1: 152.

([63]) دروس في أصول فقه الإماميّة 1: 325.

([64]) السيد المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 273.

([65]) المحقق الحلّي، معارج الأصول: 90 ـ 91.

([66]) العلامة الحلّي، تهذيب الوصول إلى علم الأصول: 135.

([67]) السبزواري، تهذيب الأصول 1: 158.

([68]) المصدر السابق 1: 153.

([69]) الشهيد الصدر، دروس في علم الأصول، الحلقة الثانية: 98.

([70]) المصدر السابق: 115 ـ 116.

([71]) محمد حسين الإصفهاني، نهاية‌ الدراية 2: 446، تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

([72]) الشيخ المنتظري، نهاية الأصول (تقرير دروس البروجردي): 370.

([73]) السيد محمد جعفر الجزائري المروّج، منتهى الدراية في توضيح الكفاية 2: 216.

([74]) مرتضى المطهري، مدخل إلى العلوم الإسلامية: 29 ـ 30. ويظهر من كلامه& على الصلاة في الآية الكريمة أنّه ذهب الى أنّ المراد بها الصلاة على الميّت، مع أنّ سياق الآية يدلّ على أن المراد هو الصلاة بمعناها اللغوي، وهو الدعاء لدافع الصدقة عند أخذها منه؛ وتمام الآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (التوبة: 103).