الفقه الإسلامي بين التحجّر والفاعلية – دراسة على ضوء العلاقة بين الفقيه والسلطان

27 مايو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬933 زيارة

الفقه الإسلامي بين التحجّر والفاعلية – دراسة على ضوء العلاقة بين الفقيه والسلطان

التاريخ الإسلامي وأزمة تأثير السلطة في الفقيه

في تاريخنا الإسلامي، وبخاصة بعد وفاة رسول الله 2، من النصوص الفقهية والكلامية والفلسفية ما يكفي لمعرفة المسار الذي اتخذته هذه النصوص والطريق الذي سلكته، وسنكتفي في هذا البحث بالإشارة إلى مسار الفقه وحركته في واقع المسلمين بعد ما ثبت للباحث الموضوعي أنّ هذا الفقه لم تكتبه الأمة ولا مَن يمثلها من الفقهاء الذين قلّما تمكنوا من مسايرة الأحداث ومعايشة الوقائع؛ فهؤلاء أبعدوا عن الواقع وحيل بينهم وبين أن يكونوا ممثلين للأمة، وما كتبوه من نصوص فقهية حقيقية لم يكن له أثره بسبب تحكّمات السياسة والسياسيين، وبخاصّة في العصرين: الأموي والعباسي، وعلى وجه الدقة نقول: إنّ ذلك حصل منذ أن فصل بين المرجعية الدينية والسياسية، أي بعد وفاة رسول الله 2.

لقد انقسم الفقه الإسلامي ــ على طول التاريخ ــ إلى قسمين: القسم الذي يمثل الأمة وما تحتاج إليه في حركتها، سواء لجهة المعاملات أو العبادات أو السياسات. والقسم الذي مثّل السلطة الجائرة، وهو ما نطلق عليه اسم فقهاء السلطة ــ مصطلحاً ــ وهمّهم التنظير لولاة الجور وتبرير أعمالهم على النحو الذي يُظهرهم أولي أمر، وينبغي إطاعتهم وعدم عصيانهم في قولٍ أو فعل؛ لأنّ طاعتهم من طاعة الله تعالى.

وما شهدته المدارس الفقهية من سجالات بين الشيعة والسنّة من جهة([1])، وبين المدارس السنّية نفسها على مستوى الفقه وأصول العقيدة من جهة ثانية، وبين المدارس الشيعية نفسها ــ بين أصوليّ وإخباري ــ على مستوى الفقه والفلسفة من جهة ثالثة، هذه السجالات في الواقع بين المريدين والأتباع من صراعات ومواقف تخدم هذا السلطان أو ذاك..

إنّ الفقه المتحجّر الذي أريد له الهيمنة على الزمان والمكان وعلى حركة الأمة فيهما، تلبيةً لرغبة السلطان الجائر في أن يبقى الفقه ملائماً لهواه ومصلحته ودوام ملكه، هذا الفقه عزّزه السلطان بإقفال باب الاجتهاد ودعوته الناس إلى أن يقلّدوا الماضي تقليداً يغفل الحاضر ــ وأعني الزمان والمكان وحركة تطوّر الإنسان ــ ويمنع الفقهاء من إيجاد أحكام للوقائع المستجدّة التي قد تختلف مع أحكام لوقائع سابقة، وهذا يؤدي ــ فيما يؤدّي إليه ــ إلى أن تكون الشريعة الإسلامية مختصّةً بزمان دون آخر، مع ما يعنيه ذلك من مسّ بإطلاقية الشريعة، وخاتمية الرسالة.

ليست الأمة هي التي أقفلت باب الاجتهاد، ودعت إلى تطبيق أحكام الماضي على الحاضر وتقديسه على النحو الذي يؤدّي إلى أن يكون الاجتهاد أمراً محرّماً، ومعصيةً يؤثم عليها الإنسان (الفقيه)، وإنما السلطان هو الذي لبّى رغبة نفسه في أن يكون الماضي غطاءً له، والاجتهاد خروجاً عليه؛ يقول الشيخ جعفر المهاجر الباحث التاريخي اللبناني: <لقد حكم المماليك المنطقة بالسلطان العسكري، وبالتسويات السياسية العنيفة مستندين إلى قاعدة ثقافية تميّزت بتعطيل الفاعلية الإسلامية في شكليها: السياسي والفقاهتي، وأعني بالشكل السياسي الخلافة، أو ما كان قد بقي منها بعد جائحة المغول وتدمير بغداد وقتل آخر خليفةٍ عباسي فيها، ومن بعد اخترع المماليك صيغةً سياسية معقّدة، تستند إلى مبدأ الخلافة ابتغاء إضفاء الشرعية على حكمهم، وأعني بالشكل الفقاهتي إعلانهم من جانبهم وحدهم، سدَّ باب الاجتهاد رسمياً، أي ما يعني ــ عملياً ــ إنهاء حرية الفقه والفقيه، ووضع حدود نهائية لقدرته على المشاركة في قضايا الناس السياسية والاجتماعية.. >([2]).

وقد سلك من جاء من بعدهم ــ أعني الأتراك العثمانيين ــ السبيلَ نفسه، وحملوا لوناً مذهبياً حادّاً جداً، حتى تجاه المذاهب التي لم تعانِ من صعوبات مع أشكال السلطة كافة.. أضف إلى ذلك أنّهم حملوا موقفاً عدائياً من التشيّع الإثني عشري؛ نتيجة صراعهم السياسي والعسكري مع الدولة الصفوية([3]).

وقد كان من نتائج هذا الصراع قتل الشهيد الثاني علي يد العثمانيين بتهمة الاجتهاد، ووفود عدد كبير من علماء الشيعة عليه، وكما يقول حسن روملو في أحسن التواريخ: <إنه قيل لرستم باشا، الوزير الأعظم للسلطان: إنّ الشيخ زين الدين ادّعى الاجتهاد، وإنّ عدداً كبيراً من علماء الشيعة يأتون إليه لمطالعة كتب الإمامية.. >([4]).

إذن، الصراع في تاريخنا الإسلامي كان ولايزال بين فقهاء السلطة الذين يمنعون من الاجتهاد وينظّمون فتاوى للسلطان تعترف بشرعيّته وبكل ما يصدره من قوانين وتشريعات، سواء أكانت موافقةً للإسلام أم مخالفة له، وبين الفقهاء الحقيقيين الذين هم امتداد للرسول والرسالة؛ وقد عبّر الشيخ شمس الدين عن هذا المعنى بقوله: <إنّ الإمامة المعصومة مستمرّة من خلال عملية الاجتهاد التي يقوم بها الفقهاء في عصر الغيبة>([5])، وقد أدى سدّ باب الاجتهاد إلى الاستعانة بقوانين مخالفة للإسلام، وإلى إحداث هوّة وفجوة عميقة بين الزمان والمكان والشريعة من جهة، وبين الشريعة والإنسان من جهة ثانية، حيث إنّ تدخل السلطان وتحكّماته وانشغاله بنفسه عن الأمة، وقمعه لحركة الفكر الإسلامي، كلّ ذلك أظهر أنّ الشريعة قاصرة عن مواكبة الزمان، وهذا القصور ــ بمنظور السلطان والفقيه المؤيّد له ــ يستدعي الاستعانة بقوانين أخرى تواكب حركة الإنسان، ما دامت قوانين الإسلام قاصرةً عن ذلك.

يرى الإمام الخميني P أنّ لذلك كلّه جذوراً في الماضي، وفي تاريخ المسلمين، إذ إنّ التاريخ الإسلامي حافلٌ بالنصوص الفقهية التي كانت صالحةً لزمان ومكان معيّن، ويراد لها أن تعطى صفة الشمولية والخلود، دون النظر فيها لمعرفة ما إذا كانت تصلح لقضايا مستجدّة أم لا([6])؛ فالإمام الخميني P يرى أنّه لابدّ من الاجتهاد، وأنّ القضية التي كان لها حكمٌ فيما سبق قد يكون لها حكمٌ جديد في ظلّ المعادلات الحاكمة على سياسات نظام ما واقتصاده ونظمه الاجتماعية([7])، فمنع الاجتهاد هو في حقيقته تجميدٌ للفقه، وتحجير له واتهام للإسلام بأنّه قاصر عن مواكبة حركة الإنسان، وقد بيّن النصّ التاريخي والحوادث الواقعة لنا أن سدّ باب الاجتهد أدّى إلى أن تكون الأمة الإسلامية غريبةً عن الإسلام، وساحته عرضةً لتجاذبات الغرب والشرق، أمّة تابعة مستلحقة فيما أراد لها الإسلام وما شرّعه الله لها أن تكون أمةَ الشهادة والوسطية.

1 ــ الفقه الفعّال والفقه المتحجّر: خصائص وميزات

1 ــ 1 ــ الاستجابة للضرورات المرحلية

ما يمتاز به الفقه الفعّال من خصوصيات أنّه يستجيب لضرورات كلّ مرحلة، ويكون صاحبه دائماً على استعداد للاجتهاد فيما يعرض من قضايا جديدة، وهذه خصوصية ــ كما نعلم جميعاً ــ يمتاز بها الفقيه الشيعي، حيث إنك لا تجد فقيهاً من فقهاء الإمامية إلا وكان له دوره ورأيه. وقد تابعوا الأحداث بدقّة دون مبالاة بما أفرزته الصراعات والسجالات والمواقف العدائية من الاجتهاد.

ويمكن التمثيل على ذلك بما تعرّض له فقهاء الشيعة في جبل عامل ــ أخصّ بالذكر الشهيد الأول والشهيد الثاني ــ أضف إلى ذلك الدور الذي لعبه الفقهاء الشيعة في الدولة الإيرانية أيام الصفويين والقاجاريين؛ فالفقه الشيعي كان متميّزاً عن غيره، كما أنّه لم يكن مسوِّغاً لأعمال السلطان([8])، والصراع كان على أشدّه بين الفقيه والسلطان في الدولة الإيرانية، خلافاً لما كانت عليه الحال في الدولة العثمانية، التي كان السلطان فيها مؤيّداً من الفقيه ومعتبراً من أولي الأمر.

<إنّ الفقهاء في النجف وقم لم يعترفوا بشرعية السلطان في الدولة الصفوية أو القاجارية، على الرغم من أنّهم تعاملوا معها في حدود ما يؤمّن حرية الناس ووحدة المجتمع وسلامة العقيدة والشريعة من سوء التأويل والتحريف، خلافاً لما كان عليه الحال في الدولة المملوكية أو العثمانية وما قبلهما، حيث إنّ هذه الدولة كانت تجد بالفقيه السند الداعم والمسوِّغ لها، باعتبار أنّ حركة الفقه لم تكن سائرةً باتجاه ربط الناس بالإسلام بقدر ما كانت سائرةً باتجاه ربطهم بالسلطة التي أخذت على عاتقها مسؤولية الحكم بما أنزل الله وتأويل النصّ المقدس!

وهذه الوحدة بين الفقيه والسلطان في الدولة العثمانية ــ على سبيل المثال ــ أغضبت بعض العاملين في الفقه والسياسة، أمثال جمال الدين الأفغاني وغيره، ممّن كانوا يعملون لمواجهة الغزو الاستعماري؛ مما حدا به إلى أن يتوجّه بالخطاب إلى الفقهاء في النجف، قناعةً منه بأنّ الساحة في الدولة الإيرانية محكومة فقهياً ومقلدة عملياً، وتفهم الإسلام فهماً جيداً، وأنّ الفقيه فيها له من الحضور والامتداد في الناس ما يخيف السلطان، وهذا ما لم يعمد إليه في الدولة العثمانية التي كانت تعتبر فقه السلطان هو فقه الأمّة، ومن ثمّ هو فقه الإسلام والمسلمين>([9]).

إنّ جور الزمان وتحكّم السلاطين لم يمنع من استمرار حيوية الفقه وفاعليته، فاستمرّ حياً على الرغم من كل المضايقات التي كان يتعرّض له فقهاء الإمامية في كلّ عصر، وإذا صحّ القول بأنّ هذا الفقه بقي في الإطار النظري ولم يتعدّاه إلى الواقع، فذلك إنما يكون صحيحاً بلحاظ ما كانت عليه الأمة في ظلّ ولاة الجور، فهو لم يطبق ولم يكن معاشاً، لا لأن فقهاء الشيعة أرادوا ذلك، بل هناك أسباب ودواعٍ أخرى ــ سياسية واجتماعية ــ حالت دون تطبيق هذا الفقه على النحو الذي يؤدي إلى أن تكون الأمة حيّةً به([10])، يقول الإمام الخميني P: <إنّ فقه الشيعة الذي يُعدّ أغنى فقه في العالم، هو فقهٌ تشريعي.. ولا يوجد في العالم فقهٌ بهذا الغنى>([11]).

إلا أنّه لم يتسنّ للفقهاء في أزمنة عدّة تطبيق هذا الفقه على نحو عملي؛ إذ بقي في إطاره النظري، والسلاطين وأعوانهم من فقهاء السلطة كانوا يحولون دائماً دون تطبيق هذا الفقه في المجالات كافّة، من خلال إبعاد الفقهاء عن الحكم ومنعهم من أن يكون لهم سلطة؛ لأن الحكم ــ كما يقول السيد الخميني P ــ في نظر المجتهد الحقيقي هو الفلسفة العملية للفقه الإسلامي أجمع، وفي مختلف الشؤون الحياتية لبني الإنسان، إنّه ــ أي الحكم ــ المظهر العملي لاقتدار الفقه على معالجة كافة المعضلات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية([12]).

وممّا يدلّ على هذه الحقيقة ما أشار إليه السيد الخميني من أنّ الحكومة الإسلامية تمكّن الفقهاء من الوصول إلى الناس عبر الإذاعة والصحف وغير ذلك؟ هذا فضلاً عما تقدّمه هذه الحكومة من مسائل أخرى هي محلّ ابتلاء الناس لم تعرض لهم من قبل، بمعنى آخر نقول: إنّ الحكم الإسلامي يجعل الفقهاء على تماس مع جميع المسائل والقضايا، وقد لاحظنا كيف أنّه بعد الثورة الإسلامية برزت الحاجة العملية لمسائل فقهية لم تكن ظاهرةً من قبل، وقد عدّها الخميني في رسالته على رسالة الشيخ الأنصاري الذي طرح فيها على الإمام عدداً من التساؤلات، فلتراجع في موضعها([13]).

تحرير الفقهاء من يد السلطان

إنّ سد باب الاجتهاد، وتصدّي السلاطين للدفاع عن مؤسّسة الخلافة، ومزاولة القهر الاجتماعي والثقافي من قبل السلطة، ذلك كلّه ساهم ــ إلى حدّ ما ــ في منع الفقهاء الشيعة من إعطاء الفقه الصحيح كلّ أبعاده في الواقع، وقد يكون من المناسب جداً الالتفات إلى مسيرة وحركة الشهيد الثاني الذي قتل في سبيل إعادة المعنى الحقيقي للمذاهب الإسلامية، وتحريرها من أن تكون أداةً بيد السلطة.

يقول تلميذه ابن العودي: <كنت في خدمة شيخنا في تلك الأيام، ولا أنسى وهو في أعلى المقام، ومرجع الأنام، وملاذ الخاصّ والعام، يُفتي كلّ فرقة بما يوافق مذهبها، ويدرّس في المذاهب كلها.. وصار أهل البلد كلّهم في انقياده، ومن وراء مراده، بقلوب مخل في الوداد، وحُسن الإقبال والاعتقاد، وقام سوق العلم بها على طبق المراد، ورجعت إليه الفضلاء من أقاصي البلاد..>([14])، فالغاية من هذه الالتفاتة السريعة إلى سيرة وعمل وعلم الشهيد الثاني أن نعرف أن الفقه الفعّال يتجاوز حدود فقهيّات المذهب الذي ينتمي إليه الفقيه، إلى أن يكون فقهاً إسلامياً حقيقياً يعالج قضايا الأمّة في كل زمان ومكان.

إنّ الشهيد الثاني , كان يسعى إلى تحرير المذاهب الإسلامية من يد السلطان، وإلى فتح باب الاجتهاد ومواكبة الأحداث وتحكيم الشرع في حياة الناس، وهذا ما كان يمثل ــ بحدّ ذاته ــ خروجاً على سياسة السلطان العثماني الذي حوّل المذهب إلى أداة تخدم السلطان، بل الدين كلّه إلى خدمته، بدل أن يكون السلطان في خدمة الدين، إنّ الفقيه المجتهد لا يتوانى عن إعطاء الفقه جميع أبعاده العملية في الواقع، وهو ما أقدم عليه فقهاء الشيعة في كل زمان؛ وقد بيّن الإمام الخميني P هذه الحقيقة في مؤلفاته، حينما أشار في كتاب الحكومة الإسلامية إلى الجهود التي بذلها فقهاء الشيعة في سبيل تفعيل الفقه، أسوةً بالأئمة المعصومين الذين لم يدّخروا جهداً إلا وبذلوه من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الدولة.

يقول P: <كان السلاطين والظلمة يبذلون كلّ ما في وسعهم لمحو آثار الرسالة، وبحمد الله فإننا نرى نتيجة تلك الجهود اليوم متجسّدةً في الآثار المباركة، كالكتب الأربعة والكتب الأخرى.. في الفقه والفلسفة والأصول.. وإذا لم نسمّ كل هذه الأتعاب جهاداً في سبيل الله فماذا نسميّها؟>([15]).

إنّ حركة الفقه عند المذاهب الأخرى، وبسبب تحكّمات السياسة والسياسيين، خضعت تماماً لمزاجية الحاكم، ومنعت من استكمال طريقها باتجاه الهدف الأساس، ألا وهو إقامة الحكومة الإسلامية؛ لأنّ ماهية قوانين الإسلام، كما يقول الإمام الخميني P: <هي دليل على أنّها جاءت لتكوين دولة، تكون فيها إدارة، ويكون فيها اقتصادٌ سليم>([16])، وكما يقول الأستاذ محمد مبارك: <إنّ مجموع الأحكام الحياتية والمالية والدولية والدستورية لا يمكن أن يعقل إيرادها والالتزام بها التزاماً يعتقد المؤمن بالإسلام بوجوبه والإثم بتركه إلا إذا كان القرآن يفرض على المسلمين تنظيم الحكومة وإقامة الدولة، ولا يُعقل أن يقدّم الإسلام في قرآنه هذه الأحكام لدولةٍ لا تؤمن به أو لا تقوم على أساس عقيدته ومبادئه، ولا يقول بهذا إلا من فقد رشده أو غالط نفسه أو قصد المراوغة والخداع..>([17]).

أضف إلى ذلك ما انتهت إليه المذاهب الفقهية والفقهاء في تاريخنا الإسلامي، حيث إنّها اقتصرت في مدارسها على التأليف والتصنيف في حدود المذهب المتّبع، <فكان طالب الفقه يدرسه على إمامٍ معين ويتعلّم طريقته في استنباط الأحكام، فإذا وصل إلى مرتبة الاجتهاد لجأ إلى دراسة الكتب المؤلّفة في مذهبه، فإما يختصرها أو يشرحها أو يجمع الآراء المتناثرة لأعيان المذاهب في كتاب واحد>([18])، وغابت في هذا العمل ــ وفي هذا الاجتهاد ــ نهائياً فكرة إقامة الدولة، وتطبيق الشريعة في الوقت الذي كان بإمكان هذه المدارس السعي لتفعيل الفقه بجميع أبعاده. والحقّ يقال: إنّ هذه المدارس والحوزات تجاهلت ماهية قوانين الإسلام، وحصرت اهتماماتها الفقهية في جانب معيّن من جوانب الحياة الإنسانية، وهو صقل روحية الإنسان وتربيته على أساس أنّ الإسلام دين التوحيد والأخلاق، وليس منه في شيء التدخّل في السياسة أو إقامة الدولة، فجاء الفقه ناقصاً، والاجتهاد تقليداً، بعدما تمّ إسقاط الفقه السياسي في الإسلام نهائياً لصالح ولاة الجور.

2 ــ 1 ــ التجدد الفقهي ودور الزمان والمكان

يقول السيد الخميني، في معرض حديثه عن التجدّد الفقهي وخصال المجتهد: <إنّ الفقه الإسلامي ليس جامداً.. فالزمان والمكان عنصران أساسيان مصيريّان في الاجتهاد..> وكلمة <مصيريان> في هذا النصّ إنما تعني أنّ عدم ملاحظة الزمان والمكان في عملية الاجتهاد، يجعل منها عمليةً قاصرة وغير ملبيّة للطموحات والتغيرات في الواقع، وهذا من شأنه أن يعود بالإسلام القهقرى تحت عناوين، من قبيل عدم ملاءمة الإسلام لهذا العصر أو ذاك، فالإسلام ــ كما يقول ــ دينٌ كامل وصالح لكلّ زمان ومكان، ودور الفقيه المجتهد الإحاطة بكلّ القضايا المعاصرة؛ لأجل إيجاد الأحكام المطابقة لها بحيث لا يكون هناك أيّ مجال لأحكام أخرى غير إسلامية كي تنفذ إلى الواقع، كما حصل في الأمس واليوم في عالمنا الإسلامي.

يقول الشيخ عبدالله العلايلي في معرض حديثه عن الاختلاف الفقهي فيما بين المذاهب: <إذا واجهتنا مشكلة اليوم أو نازلة من النوازل نأخذ الحلّ من هذا المنجم الفقهي([19])، أو الربيدة الجامعة الحافلة، بقطع النظر عن قائله أو دليله، وبتغيّر الظرف يتغيّر الحكم المعتمد؛ وذلك بشكل أنّ ما رجحناه قبلاً نجعله مرجوحاً، ونأخذ بمقابله الذي هجرناه من قبل، وكل ذلك استناداً إلى أن فقيهاً قال به وأن الظرف اقتضاه؛ فالمرجح إذاً هو الظرف فقط، ما دمنا قد سلّمنا بأقوال الفقهاء جميعاً، فما هجرناه اليوم من قول في مسألةٍ ما ثم اقتضاه الظرف بعد حين نعمد إلى ترجيحه والأخذ به، ولا عجب؛ فالأحكام تتغير بتغيّر الزمان والمكان، والمقتضى من كلّ ذلك هو التيسير، وهما كليتان فقهيتان لا مجال للريب فيهما>([20]).

إذن، هناك منجم فقهي فيه من كلّ شيء، والظرف هو الذي يحدّد الشيء الذي تحتاج إليه الأمة في حركتها مع الزمان والمكان، لكنه لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى ما يمكن أن تقوم به الأمة أو الفقهاء فيما لو لم يكن في هذا المنجم حلٌّ فقهي لنازلة أو لواقعة استجدّت على الرغم من أنّه يصرح بأن علم الفقه بحرٌ لا ساحل له، واستنباط درر المسائل اللازمة فيه لحلّ المشكلات يتوقف على مهارة عملية وملكة كلية، لأنه قام فيه مجتهدون كثيرون متفاوتون في الطبقة([21]).

لقد أشار الإمام الخميني P إلى دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد والأحكام الحكومية والفتاوي، ودور الولي الفقيه في تحديد مصالح المسلمين والدفاع عنها في كل زمان ومكان، باعتبار أنّ مهمة الولي الفقيه إيجاد الأحكام المناسبة لما قد يطرأ على المجتمع من أحداث ووقائع سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، يقول P: <عندما حكم المرحوم الميرزا الشيرازي بحرمة التنباك كان صادراً في حكمه عن موقف ولاية الفقيه العامّة على الناس والفقهاء الآخرين.. ولم يكن حكمه ذاك قضاءً في نزاع أو خلافاً بين اثنين، وإنما كان حكماً حكومياً روعيت فيه مصالح المسلمين بحسب الوقت والظروف والملابسات وبارتفاع تلك الظروف، ارتفع الحكم>([22]).

ولنفرض أنّه حصل في هذا الزمان ما يشبه تلك المعاهدة بين حاكم في البلاد الإسلامية وشركة أجنبية، فهل يكون لهذه الواقعة نفس الحكم الحكومي أم يتغيّر؟ وعلى هذا التساؤل نجيب: إنّ ولي الأمر هو الذي ينظر في مصالح المسلمين، فقد لا تكون مصلحتهم في تحريم التنباك، وقد تكون؛ لأن وظيفة المجتهد ــ كما يقول الإمام ــ أن يكون متقدّماً عدة خطوات على الحوادث؛ ليكون قادراً على اتخاذ ردود الفعل الصحيحة اتجاهها([23]).

إنّ الإسلام دين سياسته عبادة، وعبادته سياسة، والاجتهاد في الشريعة من معانيه أن يكون الفقيه رجلاً سياسياً إلى جانب كونه فقهياً؛ إذ إنّ الناس ــ كما يقول الإمام ــ لا تستسيغ أن يقول مرجعها الديني: إنّني لا أعطي رأياً في القضايا السياسية([24]).

ومما يدلّ على حيوية الفقه السياسي عند طائفة الإمامية وفقهائها أنّ المرجع الميرزا حسن الشيرازي من فقهاء النجف رفض الاستخدام السياسي للمذهبية، ولاسيما من قبل السياسات الأوروبية، وذلك حينما حاولت السياسة الأوروبية استغلال حادثة رمي حجر على رأسه في سامراء عام 1900م؛ فحاول القنصل البريطاني آنذاك أن يثير المسألة على المستوى السياسي لإحراج السلطان العثماني، فما كان من الفقيه الشيرازي إلا أن ردّ على هذه الإثارة، بأنه لا يعتقد بوجود عداء بينه وبين أهل سامراء.. وأنه لم يرَ حاجةً لدسّ أنف بريطاني في هذا الأمر؛ لأنه والحكومة العثمانية على دين واحد، وقد قدّرت الحكومة العثمانية موقف الإمام الشيرازي وطلبت من الشيخ سعيد النقشبندي أن يشكره على فعله هذا..([25]).

إذن، من الخصائص والميزات التي يمتاز بها الفقه الفعّال، أن يكون فقهاّ شاملاً وقادراً على إيجاد الأحكام الملائمة للقضايا في كلّ زمان ومكان، وأن يعمل صاحبه على تحقيقه في الواقع، بحيث يكون له أثر وفاعلية، وأن لا يقتصر به على التنظير والتدوين داخل الحوزات، وفيما بين أصحاب المذاهب، والحقّ يقال: إنّ السلاطين كانوا يغذّون الصراع المذهبي بين الفقهاء حجباً للرؤية عنهم، فغالباً ما كنت تجد أنّ الفقهاء ينظرون ويدافعون عن هذا الرأي أو ذاك، والسلاطين يحكمون الواقع بما لم يقرّر هؤلاء الفقهاء، فالسلطان سواء كان ينتمي إلى هذا المذهب أو ذاك، كان كلّ همّه الحفاظ على ملكه ومصالحه، ولم يكن يهمه أبداً هذا الفقه أو ذاك، وبمعنى آخر: إنّ الفقه كان في جانب والسياسة في جانب آخر، وأيّ اجتهاد كان يؤدّي إلى رفض سياسة السلطان كان يقال عنه: إنّه اجتهاد منافٍ للإسلام ولشريعته السمحاء، وغالباً ما كانت تتخذ إجراءات صارمة بحقّ من يجتهد خلافاً لما يراه السلطان وحاشيته من الفقهاء.

يقول وجيه كوثراني الباحث التاريخي اللبناني: <لم يكن أمر إقفال باب الاجتهاد ومنعه جديداً آنذاك، ولكن الجديد هو ما استتبعه هذا الإقفال والمنع من تدابير وإجراءات استبدادية طالت مجال القراءة لكتب كانت بالأمس من الكتب الحديثية المعتمدة في الثقافة السنّية التقليدية؛ فعبد الوهاب الشعراني (1493 ــ 1565م) فقيه شافعي عاصر المرحلة الأولى من الحكم العثماني لبلاد العرب، وهو أصولي ومحدّث وصوفي، حاول التوفيق في دفاعه عن ابن عربي بين الشريعة والحقيقة الصوفية، ويأتي حذر قراءته على لسان مفتي سورية في أواخر القرن (19)، كما يبدو من سياق الاستجواب في المحاكمة تعبيراً عن حذر سلطاني من أصولية فقهية (نسبة إلى علم الأصول) قد تدفع القاريء المتمعّن إلى استخلاص نتائج قد لا تندرج في الأحكام الجاهزة في الفقه المطبّق، وتعبيراً عن حذر من صوفية منفتحة على تأملات قد تُخرج النص والممارسة الذاتية من قفص الطقس الشعبي المنضبط في قوالب تقديس الوليّ الوسيط والسلطان ظلّ الله إلى رحاب التأمل والتفكر بإلهٍ عادل ورحيم، ووجود ينبغي أن يكون صورةً عن عدل الله ورحمته وحبّه>([26]).

ونلاحظ مما تقدم أنّ الفقه في تاريخنا الإسلامي لم يكن فقهاً حيّاً، والاجتهاد كان ــ عملياً ــ غير مجد، فضلاً عن أنّه كان إلى التقليد أقرب منه إلى الاجتهاد، وهذا هو الفقه المتجمّد الذي كان يحول بين الأمة وبين دورها في ممارسة حقّها، ونظم أمرها على ضوء الإسلام وتشريعاته المقدسة، وما كان يسمّى بالاجتهاد في عصور مرّت، وفي عصرنا هذا، لم يكن همّ الفقيه من خلاله إيجاد الحكم الملائم لقضية ما، وتمكين الشرع من خلاله، بل كان محاولةً للتقرب إلى الواقع على النحو الذي يجعل من الواقع حاكماً على النصّ بدل أن يكون النصّ حاكماً عليه، وهذا ما أشار إليه الشهيد مطهري في معرض حديثه عن الفقه والاجتهاد بقوله: <جاء في الحديث الشريف: وأما الحوادث الواقعة.. فهي تشير إلى الأحداث الجديدة التي لا يستطيع أن يحلّها إلا أصحاب المعارف الإسلامية، هذا هو بالضبط سرّ ضرورة وجود المجتهد في كلّ مرحلة من مراحل البشرية، وضرورة تقليد المسلمين المجتهد الحي.. وهنا يظهر الإفراط والتفريط، فبعض المجتهدين يتّبع أذواق الناس ــ وأكثر اهتمامات عوام الناس هو الاتجاه نحو القدم وعدم الاهتمام بقضايا الساعة ــ وبعضهم الآخر يهتم بالمسائل المعاصرة، لكن مع الأسف عملهم هذا يكون على حساب الإسلام فباسم (الاجتهاد الحر) يجعلون المتطلّبات والروح العصرية معياراً للحقّ والباطل، بدل أن يكن الإسلام معياراً لذلك>([27]).

إنّ سدّ باب الاجتهاد يُبقي الناس في الماضي مع ما ألفوه وعاشوه في زمان معيّن ومكان كذلك، وكذلك الاجتهاد الحرّ الفالت من عقاله يحمل الناس على تجاوز النصّ دون درايةٍ وإحاطة به؛ من هنا تتبدى لنا قيمة ومكانة الاجتهاد والفقه الفعّال الذي يسير مع النصّ في الزمان والمكان ويواكب حركة المجتمع والناس، ويمنع من التأخّر عن النص ومن تجاوزه أيضاً، بحيث لا يكون هناك إفراط ولا تفريط، بل اعتدال في فهم القضايا، وفي إيجاد الأحكام الملائمة لها؛ وهذا ما يتطلّب أن يكون الفقيه محيطاً بالقضايا المعاصرة، وعالماً بأنماط السياسة والمعادلات التي تحكم العالم.

يقول الإمام الخميني: <المجتهد يجب أن يتّصف بالفطنة والذكاء والفراسة اللازمة لقيادة المجتمع الإسلامي الكبير، بل وحتى المجتمعات غير الإسلامية، إضافة إلى الإخلاص والتقوى والزهد، وهي الخصال التي تستلزمها طبيعة المجتهد الديني>([28]).

2 ــ فعّالية الفقه بين ممارسة السلطة ومراقبتها

يقول الإمام الخميني P: <لا يكفي أن يكون دور الفقيه ضبط تدابير السلطة وتشريعاتها على النحو الذي لا تنافي فيه الشريعة الإسلامية>([29])؛ لأن الضبط الحقيقي والفعّال لا يمكن أن يتمّ بمعزل عن الولاية، والفعلية للفقه تقتضي أن تكون في دائرة الولاية ومن خلالها، وقد أثبتت التجربة في إيران ــ أعني تجربة الدستور ــ أنّ عملية الضبط والمراقبة للقوانين لم تمنع من انهيار الوضع لمصلحة السلطان، باعتبار أنّ الفقهاء في تلك المدّة كانوا من دعاة الالتزام بالمبادئ التي طرحها دستور 1906م، والذي كان من جملة ما نصّ عليه وتضمّنه من مواد ــ خصوصاً المادة الثانية ــ أن يكون للفقهاء الحقّ في مناقشة أي قانون وردّه إذا كان مخالفاً للشريعة الإسلامية؛ هذه المادة كانت أقصى ما تطالب المؤسّسة الدينية آنذاك بتنفيذه([30])، ونتيجةً لعوامل وظروف مؤاتية لم تنفذ هذه المادة، كما أنّها لم تمنع السلطان من الجور والفساد والتعسف؛ لأنّ مراقبة الفقيه لا تكفي فيما لو كان المراد تطبيق الشريعة وإقامة الحكومة الإسلامية، بل لابد أن يمارس الفقيه صلاحياته على نحو الولاية والحكم بحيث يفهم الحاكم ــ أو رئيس الحكومة أو أيّ مسؤول آخر ــ أنّ مجاري الأمور هي فعلاً بأيدي العلماء والفقهاء، وأنّه لا يستطيع أن يتلاعب بالقانون أو أن يُظهر نفسه بمظهر المطيع والمنفذ له، من قبيل ما فعله الشاه عباس الكبير مع المقدّس الأردبيلي حينما امتنع هذا الأخير عن المجيء إلى إيران تلبيةً لطلب الشاه عباس، وقد جاءت الأيام واضطرّ المقدس الاردبيلي لبعث رسالة إلى الشاه عباس بخصوص مظلومية أحد الرجال في إيران.. فكتب المقدّس في آخر الرسالة: عبد صاحب الولاية أحمد الأردبيلي، فردّ عليه الشاه عباس برسالة احترام وتوقير وطلب دعاء، مختومة بالعبارة التالية: كلب الحضرة العلوية عباس..([31]).

يقول الإمام الخميني: <من المسلّم به أنّ الفقهاء حكّام على الملوك، وإذا
كان السلاطين يتّبعون الإسلام فعليهم أن يتّبعوا الفقهاء، وأن يأخذوا الأحكام منهم، وفي هذه الحالة فالحكام الحقيقيون هم الفقهاء ويكون السلاطين مجرّد عمّال لهم>([32]).

إنّ حاكمية الفقيه لا تتأتى من مجرّد كونه مراقباً للقوانين كي لا تتنافى مع الإسلام، فالفقه الفعّال والفقيه المجتهد في جوهره يقتضي أن يكون حاكماً لا مراقباً؛ فهناك فرقٌ كبير بين أن يكون حاكماً وأن يكون مراقباً، وهذا الفرق يتبدّى لنا من خلال معرفتنا المسؤولية التي يتحمّلها هذا الفقيه عن حركة وصيرورة المجتمع في حركته نحو التوازن والكمال، وللتمثيل على ذلك نقول: إنّ القانون إمّا أن يكون موافقاً للشريعة أو مخالفاً لها، فإذا كان موافقاً فمجرّد المراقبة له والتأكّد من موافقته للإسلام لا يعني تطبيقه في الواقع أو مسؤوليّته عنه، وإذا كان مخالفاً، فالمراقبة لحركته أو بالأحرى لتنفيذه لا تضمن عدم تطبيقه في الواقع، وقد بيّنت التجربة التاريخية أنّ الفقهاء فشلوا مرّات عدّة في منع السلطان من تطليق قوانين مخالفة للإسلام، هذا فضلاً عمّا نعرفه عن أحوال المجالس التشريعية ودورها في ظلّ السلاطين، سواء في الدولة العثمانية أو
الإيرانية؛ فكم من مرّة تمّ تعليق الدستور ومحاصرة البرلمان؟ ناهيك عما تعرّض له الفقهاء من مطاردة وملاحقة وعذاب، ونخصّ بالذكر الفقيه السيد حسن المدرّس الذي
قتل بسيف السلطان بسبب اعتراضاته الكثيرة على القوانين، وعلى عمالة السلطان للأجنبي..

إنّ فعالية الفقيه إنما تكمن في أن يكون الفقيه حاكماً لا مراقباً، وهناك روايات ونصوص يذكرها الإمام الخميني في مؤلّفاته، وبخاصة في كتاب تهذيب الأصول، وكلُّها يبين فيها ضرورة أن يكون الفقيه حاكماً؛ باعتباره أعلم الناس بما جاء به الأئمة وأقدرهم على استنباط الأحكام من مظانها، وباعتباره دالاً ومرشداً ومجتهداً بإمكانه مراقبة الأحداث والوقائع لإيجاد الحلول والأحكام المناسبة لها؛ فهو مسؤول وسبب حقيقي في وجود الأمة، سواء كان حاكماً أو لم يكن، ولا يضيره أبداً أن يتحكّم السلطان أو أن يكون بالمرصاد له؛ فمهمّته تبقى قائمةً وجوهرية في حياة الناس، وعليه يقع عبء المجتمع لجهة ما هو مسؤول عنه اتجاهه في إيجاد الصيغة الملائمة لإخراجه عمّا هو عليه من ظلمة إلى دائرة النور، تماماً كما فعل الشهيد الأول، حيث لم يكترث لسلطان الاستبداد، ومارس دوره بحرية تامة واجتهد لإيجاد الصيغة الملائمة لخلاص المجتمع ــ وأعني بها صيغة ولاية الفقيه ــ إذ أصّل لها وعمل من أجل تحقيقها في الواقع، ولم يكتف بمراقبة ما كان عليه أهل المذاهب والسلطة التي سدّت باب الاجتهاد، ومنعت منه تحت طائلة العذاب والنفي، وأحياناً القتل.

وإذا دلّ هذا على شيء فإنه يدلّ على مدى الفهم الذي كان عليه الشهيد الأول؛ فلم يرضَ بأن يكون مراقباً، وعمل جاهداً ومجتهداً من أجل الوصول إلى النظرية الملائمة، بصرف النظر تماماً عما كان يعيشه الواقع من مآسٍ واضطرابات واستبداد، تمهيداً للعمل بها وتطبيقها على النحو الذي يضمن تطبيق الشريعة وإقامة الحكومة الإسلامية.

يقول الشيخ جعفر المهاجر: <اعتقد بعض القرّاء أنّ الرجل اخترع الفكرة من عند نفسه اختراعاً، وهو فهم يعود إلى عدم معرفة دور الفقيه المجتهد ووظيفته، أي استنباط الأحكام من أدلتها استنباطاً، وليس اختراعها اختراعاً، ونحن نقول: إنّ الاستنباط هو من مصادر التشريع، أي القرآن والسنّة والإجماع والعقل، ولكن هذا الكلام، رغم أنّه صحيح دون شك، إلا أنّه يُخفي تحته حقيقةً مهمة، ذلك أنّه يتناول مصادر استنباط الحكم، وليس آليّة هذا الاستنباط التي تبدأ عند طرح المشكلة، وهذه لا يجب أن توجد بالضرورة في مصادر الاستنباط، بل في الظروف السياسية والاجتماعية التي يمرّ بها الناس، والإبداع هو في المزاوجة الموفّقة بين الواقع ومقتضياته من جهة وبين النص من جهة أخرى، حينذاك يصل الفقيه والفقه إلى أوج حضورهما؛ من هنا نفهم ــ ضمناً ــ أنّ النصوص التي تعامل معها الشهيد، واستنبط منها ولاية الفقيه كانت ماثلةً أمام الجميع في مصادرها، ولكن العنصر الناقص هو المثير الأساسي للفقيه، أعني حضور المشكلة، وتلك حالة قصورٍ تاريخي، لا يلقاها إلا ذو حظّ عظيم..>([33]).

وممّا لا شك فيه أنّ الإمام الخميني P لاحظ وأدرك حقيقة الولاية في حركتها التاريخية، وتحدّث عن بداهتها بلحاظ تطوّرها التاريخي إلى جانب النصوص والبراهين الدالّة عليها والذاهبة إليها، فقوله: <ولاية الفقيه فكرة علمية واضحة، قد لا تحتاج إلى برهان، بمعنى أنّ من عرف الإسلام ــ أحكاماً وعقائد ــ يرى بداهتها، ولكن وضع المجتمع الإسلامي، ووضع مجامعنا العلمية على وجه الخصوص، يضع هذا الموضوع بعيداً عن الأذهان حتى لقد عاد اليوم بحاجة إلى البرهان>([34])، هذا النصّ يشير إلى معرفة الإسلام في إطاره النظري، كما عبّر: <أحكاماً وعقائد>، لكنه في حديثه عن وضوح هذه الفكرة لا يتجاهل الاجتهاد والظروف السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تحتّم هذه الولاية، تماماً كما حتمت هذه الظروف في التاريخ ــ وبخاصة في زمن الشهيد الأول ــ التنظير لها والعمل على تطبيقها في الحدود الممكنة، بعدما تبيّن له أنّ إجابات الواقع ستبقى معدومة ما لم يتمّ التفاعل مع إيجابيات النصّ الذي يحتّم أن تكون الفاعلية، ومن ثم الحاكمية، لمن هو قادر على إحداث هذا التفاعل بينهما، وهذا ما استطاعه الإمام الخميني P في القرن العشرين؛ حينما أعاد البداهة والوضوح إلى الأذهان والحركة الفقهية الفعّالة إلى الواقع.

*     *     *

الهوامش



(*) أستاذ جامعي، وباحث في الفكر السياسي الإسلامي، من لبنان.



([1]) نذكر على سبيل المثال السجال بين العلامة الحلي في كتابه mمنهاج الكرامة في معرفة الإمامةn وبين ابن تيمية في ردّه على العلامة الحلي في كتابه mمنهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدريةn، هذا على مستوى السجال الشيعي ـ السنّي. أما على مستوى السجال بين الشيعة أنفسهم: الأصولية والإخبارية، فبالإمكان مراجعة موقف الإمام الخميني من الاتجاه الإخباري الذي انتهى لصالح الاتجاه الأصولي والاجتهادي، انظر كتاب: علي أكبر ضيائي، دور الإمام الخميني P في إحياء الفكر الفلسفي: 33، المؤتمر التاسع للفكر الإسلامي.

([2]) انظر: الشيخ جعفر المهاجر، التأسيس لتاريخ الشيعة، ستّة فقهاء أبطال: 99، 1994م.

([3]) المصدر نفسه: 136.

([4]) انظر: الشيخ محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام: 353، دار مجد، 1993م.

([5]) يقول الإمام الخميني: هناك آلاف المسائل التي هي مورد ابتلاء الناس والحكومة، وقد بحث حولها الفقهاء الكبار واختلفت آراؤهم بشأنها، وإذا كانت هناك بعض المسائل لم تطرح في الأزمان السالفة أو لم يكن لها موضوع فعلى الفقهاء اليوم ـ بصورة مستمرة ـ أن يطرحوا الآراء الاجتهادية ـ الفقهية في مختلف المجالات بحرّية، حتى لو كانت متعارضة.. انظر: الإمام الخميني، ريادة الفقه الإسلامي ومتطلبات العصر: 86، دار الهادي.

([6]) المصدر نفسه: 50.

([7]) وكذلك كان حال فقهاء الإمامية في ظلّ الدولة البويهية (320 ـ 447هـ) والأسرة الإيلخانية؛ حيث اهتمّوا بالتأليف والتدريس، واجتهدوا فيما عرض لهم من مسائل دون اعتراف بشرعية السلطان، باعتبار أنّه لا تلازم بين العمل والتعامل معه والاعتراف بشرعيّته، فهذه الحكومات لا تمثل الحكم الشرعي وفقاً للمعتقد الشيعي في مسألة الإمامة.. انظر: شمس الدين، في الاجتماع السياسي الإسلامي: 254، دار مجد.

([8]) انظر كتابنا: سلطة الفقهاء وفقهاء السلطة عند الإمام الخميني: 15، دار الوسيلة، بيروت، 1995م.

([9]) المصدر نفسه: 14، ونحيل القارئ إلى المقدّمة التاريخية في هذا الكتاب.

([10]) انظر: الاستقامة والثبات في شخصية الإمام: 149، ترجمة الشيخ كاظم ياسين، المركز الثقافي للإمام الخميني في بيروت.

([11]) الإمام الخميني، ريادة الفقه الإسلامي: 50.

([12]) المصدر نفسه: 81.

([13]) المصدر نفسه: 51.

([14]) الدر المنثور 2: 182، نقلاً عن الشيخ المهاجر: 149.

([15]) الحكومة الإسلامية، للإمام الخميني.

([16]) المصدر نفسه: ص. ث.

([17]) سلطة الفقهاء وفقهاء السلطة، نقلاً عن مبارك.

([18]) سيف الدين الأحددي، الإمامة 2: 52، تحقيق الزبيدي، دار الكتاب العربي.

([19]) الشيخ العلايلي يسلّم بكل ما انتخبته المدارس الفقهية على  اختلافها وتناكرها، حتى الضعيف فيها بكل ما أعطته المدارس الزيدية والإباضية والجعفرية والسنّية.. مما يجعل هذه الثروة الفقهية ـ حسب رأيه ـ منجماً كاملاً لكل ما يجدّ ويحدث. انظر: أين الخطأ: 99، دار الجديد.

([20]) المصدر نفسه.

([21]) المصدر نفسه.

([22]) انظر: الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية: 116.

([23]) انظر: الإمام الخميني، ريادة الفقه الإسلامي: 50.

([24]) المصدر نفسه.

([25]) انظر: وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان: 175، دار الراشد.

([26]) المصدر نفسه: 114.

([27]) انظر: الشهيد مطهري، الحركات الإسلامية في القرن الأخير: 169، دار الهادي.

([28]) المصدر نفسه: 180.

([29]) انظر: الامام الخميني، حديث الشمس، دار الوسيلة، بيروت.

([30]) انظر: فهمي هويدي، إيران من الداخل: 18، مركز الأهرام للترجمة.

([31]) مطهري، الإسلام وإيران: 300، دار الحقّ، بيروت.

([32]) الإمام الخميني، الحكومة والولاية: 200، حديث الشمس.

([33]) الشيخ جعفر المهاجر، التأسيس لتاريخ الشيعة: 88.

([34]) الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية: 5.