الفقه الإسلامي والتنمية

27 ديسمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
817 زيارة

الفقه الإسلامي والتنمية

مآزق ومفاتيح لتطوير عمليّة الاجتهاد

حوار مع الشيخ حيدر حب الله([1])

هل يملك الفقه الإسلاميّ نظرية جامعة في الإدارة والتنميّة أم لا؟

²  هل يتمكّن الفقه من تقديم نظرية جامعة وكليّة في مجال التنمية أم أنّه متكفّلٌ فقط لبيان مجموعة من الخطوط الحمراء والأحكام الشرعيّة؟

î لو تسمحون لي أن أدخل للجواب عن هذا السؤال بشكل غير مباشر من ثلاث زوايا:

الزاوية الأولى: وهي النظر في النظريّة الكلامية التي يحملها الفقيه وهو يقوم بدراسة النصوص الشرعيّة في الكتاب والسنّة، وتؤثر هذه النظريّة الكلامية والأصوليّة في كيفية تعاطي الفقيه مع النصوص، ولو لاحظنا الفقه الإسلامي لوجدنا أنّ هذه المصادرة القبليّة كانت راسخةً عنده، وهي تعبّر عن نفسها في قاعدة: (ما من واقعة إلا ولها حكم)، إذ فرضت هذه القاعدة على الفقيه النظر للنصوص على أنّها متكفّلة لبيان حكم الوقائع بأجمعها، ولهذا عندما واجه الفقه السنّي الإشكاليّة التاريخية التي تحدّث عنها أبو بكر الشهرستاني في الملل والنحل، والتي كانت تقول: إنّ النصوص متناهية، والوقائع غير متناهية، ولا يمكن للمتناهي أن يستوعب ويحكم على غير المتناهي.. عندما واجه الفقه السنّي هذه الإشكاليّة بحث عن حلّ لها عبر نظرية القياس الفقهي؛ لأنّه اعتبر أنّ النصّ المتوفّر بين أيدينا إذا لم يمكنه تغطية الواقعة الحادثة فلابدّ أنّ للواقعة حكماً، فنذهب خلف الحكم الشرعي الموجود في النصوص والذي يكون متقارباً جداً في موضوعه مع الواقعة الحادثة، فنسرّي الحكم من الواقعة التي تحدّث عنها النصّ إلى الواقعة الحادثة عبر القياس.

هذا يعني أنّ الفقيه المسلم دخل النصوصَ وفضاءَ الاجتهاد الشرعي محمّلاً بهذه المصادرة الكلاميّة المسبقة التي فرضت عليه الذهاب تارةً خلف القياس، وأخرى خلف فكرة الأصول العمليّة الحاصرة، كما رأيناها مع كتاب الرسائل للشيخ الأنصاري.

الشيء الذي أثار ويثير استغرابي هو أنّ هذه القاعدة بنفسها (ما من واقعة إلا ولها حكم) لم يُفرَد لها باب مستقل لا في علم الكلام ولا في علم أصول الفقه، وإنّما افترضت مسلّمةً مسبقة قام الاجتهاد الشرعي عليها، والحال أنّنا بحاجة ماسّة لدراسة هذه القاعدة نفسها بشكل معمّق، وذلك من ناحيتين: ناحية أصل فكرة الاستيعاب التشريعي المدّعى، وناحية كيفية هذا الاستيعاب.

فإذا كانت الشريعة تستوعب كلّ الوقائع فكيف هي عمليّة الاستيعاب؟ هل هو استيعاب كلّياني توجيهي عمومي تقعيدي أم هو استيعاب قانوني تفصيلي! هذا سؤال مهم جداً.

لكنّ عدم إفراد المتكلّمين والأصوليين باباً لهذه القاعدة بالغة الخطورة لا يعني أنّنا لا نجد في متناثر كلماتهم ما يفيد في الاستدلال لها، فمثلاً نلاحظ أنّ المحقق النراقي في كتاب عوائد الأيام حاول أن يقول بأنّ العقل حاكم بعدم تحقّق واقعة إلا ولها حكم.

لكنّ هذا الحكم العقلي لم يشرحه لنا المحقّق النراقي وكيف عرفناه، فلعلّه يقصد أنّ ما من واقعة إلا وهي محكومة برجحان الفعل فيها أو الترك أو تساويهما، فينتج الأحكام التكليفية الخمسة.

لكنّ هذا الأمر ليس هو المهم في تأسيس هذه القاعدة، إنّما المهم هو التأكّد من أنّ المولى سبحانه وتعالى هل جعل تشريعات في جميع الموارد أم أنّ بعض الموارد التي يرجح فعلها ترك التشريع فيها للعقل الإنساني واكتفى التشريع الإلهي بالجعل الشرعي في قضايا محدّدة؟ إنّنا هنا لا نبحث في العلم الإلهي بالمصلحة أو المفسدة، ولا بواقع المصلحة أو المفسدة في الفعل، بل نبحث في الجعل الإلهي للحكم على طبق المصلحة أم المفسدة، والفارق كبير بينهما كما درسنا في أصول الفقه الإسلامي.

نلاحظ أيضاً أنّ بعض الفقهاء الكبار المعاصرين يستند في هذه القضية في بعض بحوثه حول قاعدة لا ضرر، إلى النصوص الدالّة على كمال الدين، كما جاء في سورة المائدة، وهنا أيضاً نحن وقعنا في مشكلة أخرى، وهي أنّنا افترضنا أنّ كمال الدين لا يكون إلا باستيعابه لتمام الوقائع، مع أنّ هذه أيضاً مصادرة، فقد يكون الدين في غاياته وأغراضه هادفاً لبيان الكليّات للبشر، وأنّ كماله بهذا، فيما التفاصيل المتحرّكة يتركها للعقل الإنساني ليقوم بدور التقنين فيها، وفي هذه الحال عندما يتمّ الدين ويكمل فهذا معناه أنّه بلغ الغاية المنشودة له والمحدّدة له من الأوّل، سواء كان ما شرّعه يغطّي تمام الوقائع أم لا، فالآية تقول بأنّ الدين قد كمل ولا تقول بأنّ الدين قد استوعب، وكمال كلّ شيء بحسبه، فلابدّ أن نحدّد مسبقاً ما هو الذي من شأن الدين ليكون استيعاب الدين له بشكل تام كمالاً للدين نفسه.

لا أريد هنا أن استعرض الأدلّة على هذه القاعدة ومناقشاتها، والتي أرى أنّ عمدتها النصوص الحديثية التي نقلها لنا الشيخ الحر العاملي في الجزء الأوّل من كتابه (الفصول المهمة)، بقدر ما أريد القول بأنّ هذه المصادرة الكلامية الأصولية المسبقة تحتاج لدراسة معمّقة لم تمارس بشكل جادّ فيما يبدو لي، وأدعو إلى إفراد باب في أصول الفقه لدراسة هذه القاعدة وإدخال تمام مباحث منطقة الفراغ والثابت والمتغيّر في هذا الباب.

الزاوية الثانية: وهي أن لا ننظر في النظريّة الكلامية المسبقة التي يحملها الفقيه قبل الدخول في التعامل مع النصوص الشرعيّة في الكتاب والسنّة، وإنّما نريد أن نعرف مديات استيعاب الشريعة من خلال ما بأيدينا من نصوص، لا من خلال قواعد مسبقة مسقَطة على النصوص.

فلو أخذنا اليوم بأيدينا كلّاً من القرآن الكريم وكتاب (تفصيل وسائل الشيعة) ومعه صحاح أهل السنّة وأمهات كتبهم الحديثية في الشرعيات والسنن (وتركنا اجتهادات الفقهاء عبر التاريخ)، فهل يستطيع الباحث من خلال مراجعة هذه النصوص أن يقول بضرس قاطع: إنّ الشريعة التي تحكي عنها هذه النصوص تتناول كلّ مرافق الحياة إلى يوم الدين أم لا؟

لنفرض أنفسنا خارج الدائرة الإسلاميّة وأعطيت لنا هذه الكتب فهل بمطالعة هذه الكتب نصل إلى أنّ هذه الشريعة تتناول كلّ مرافق الحياة إلى يوم الدين؟ هل حقّاً تتحدّث هذه النصوص ـ بعيداً عن تأويلها وفرض المصادرة القبلية الأيديولوجيّة ا