الفقه الإسلامي والتنمية

27 ديسمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
908 زيارة

الفقه الإسلامي والتنمية

مآزق ومفاتيح لتطوير عمليّة الاجتهاد

حوار مع الشيخ حيدر حب الله([1])

هل يملك الفقه الإسلاميّ نظرية جامعة في الإدارة والتنميّة أم لا؟

²  هل يتمكّن الفقه من تقديم نظرية جامعة وكليّة في مجال التنمية أم أنّه متكفّلٌ فقط لبيان مجموعة من الخطوط الحمراء والأحكام الشرعيّة؟

î لو تسمحون لي أن أدخل للجواب عن هذا السؤال بشكل غير مباشر من ثلاث زوايا:

الزاوية الأولى: وهي النظر في النظريّة الكلامية التي يحملها الفقيه وهو يقوم بدراسة النصوص الشرعيّة في الكتاب والسنّة، وتؤثر هذه النظريّة الكلامية والأصوليّة في كيفية تعاطي الفقيه مع النصوص، ولو لاحظنا الفقه الإسلامي لوجدنا أنّ هذه المصادرة القبليّة كانت راسخةً عنده، وهي تعبّر عن نفسها في قاعدة: (ما من واقعة إلا ولها حكم)، إذ فرضت هذه القاعدة على الفقيه النظر للنصوص على أنّها متكفّلة لبيان حكم الوقائع بأجمعها، ولهذا عندما واجه الفقه السنّي الإشكاليّة التاريخية التي تحدّث عنها أبو بكر الشهرستاني في الملل والنحل، والتي كانت تقول: إنّ النصوص متناهية، والوقائع غير متناهية، ولا يمكن للمتناهي أن يستوعب ويحكم على غير المتناهي.. عندما واجه الفقه السنّي هذه الإشكاليّة بحث عن حلّ لها عبر نظرية القياس الفقهي؛ لأنّه اعتبر أنّ النصّ المتوفّر بين أيدينا إذا لم يمكنه تغطية الواقعة الحادثة فلابدّ أنّ للواقعة حكماً، فنذهب خلف الحكم الشرعي الموجود في النصوص والذي يكون متقارباً جداً في موضوعه مع الواقعة الحادثة، فنسرّي الحكم من الواقعة التي تحدّث عنها النصّ إلى الواقعة الحادثة عبر القياس.

هذا يعني أنّ الفقيه المسلم دخل النصوصَ وفضاءَ الاجتهاد الشرعي محمّلاً بهذه المصادرة الكلاميّة المسبقة التي فرضت عليه الذهاب تارةً خلف القياس، وأخرى خلف فكرة الأصول العمليّة الحاصرة، كما رأيناها مع كتاب الرسائل للشيخ الأنصاري.

الشيء الذي أثار ويثير استغرابي هو أنّ هذه القاعدة بنفسها (ما من واقعة إلا ولها حكم) لم يُفرَد لها باب مستقل لا في علم الكلام ولا في علم أصول الفقه، وإنّما افترضت مسلّمةً مسبقة قام الاجتهاد الشرعي عليها، والحال أنّنا بحاجة ماسّة لدراسة هذه القاعدة نفسها بشكل معمّق، وذلك من ناحيتين: ناحية أصل فكرة الاستيعاب التشريعي المدّعى، وناحية كيفية هذا الاستيعاب.

فإذا كانت الشريعة تستوعب كلّ الوقائع فكيف هي عمليّة الاستيعاب؟ هل هو استيعاب كلّياني توجيهي عمومي تقعيدي أم هو استيعاب قانوني تفصيلي! هذا سؤال مهم جداً.

لكنّ عدم إفراد المتكلّمين والأصوليين باباً لهذه القاعدة بالغة الخطورة لا يعني أنّنا لا نجد في متناثر كلماتهم ما يفيد في الاستدلال لها، فمثلاً نلاحظ أنّ المحقق النراقي في كتاب عوائد الأيام حاول أن يقول بأنّ العقل حاكم بعدم تحقّق واقعة إلا ولها حكم.

لكنّ هذا الحكم العقلي لم يشرحه لنا المحقّق النراقي وكيف عرفناه، فلعلّه يقصد أنّ ما من واقعة إلا وهي محكومة برجحان الفعل فيها أو الترك أو تساويهما، فينتج الأحكام التكليفية الخمسة.

لكنّ هذا الأمر ليس هو المهم في تأسيس هذه القاعدة، إنّما المهم هو التأكّد من أنّ المولى سبحانه وتعالى هل جعل تشريعات في جميع الموارد أم أنّ بعض الموارد التي يرجح فعلها ترك التشريع فيها للعقل الإنساني واكتفى التشريع الإلهي بالجعل الشرعي في قضايا محدّدة؟ إنّنا هنا لا نبحث في العلم الإلهي بالمصلحة أو المفسدة، ولا بواقع المصلحة أو المفسدة في الفعل، بل نبحث في الجعل الإلهي للحكم على طبق المصلحة أم المفسدة، والفارق كبير بينهما كما درسنا في أصول الفقه الإسلامي.

نلاحظ أيضاً أنّ بعض الفقهاء الكبار المعاصرين يستند في هذه القضية في بعض بحوثه حول قاعدة لا ضرر، إلى النصوص الدالّة على كمال الدين، كما جاء في سورة المائدة، وهنا أيضاً نحن وقعنا في مشكلة أخرى، وهي أنّنا افترضنا أنّ كمال الدين لا يكون إلا باستيعابه لتمام الوقائع، مع أنّ هذه أيضاً مصادرة، فقد يكون الدين في غاياته وأغراضه هادفاً لبيان الكليّات للبشر، وأنّ كماله بهذا، فيما التفاصيل المتحرّكة يتركها للعقل الإنساني ليقوم بدور التقنين فيها، وفي هذه الحال عندما يتمّ الدين ويكمل فهذا معناه أنّه بلغ الغاية المنشودة له والمحدّدة له من الأوّل، سواء كان ما شرّعه يغطّي تمام الوقائع أم لا، فالآية تقول بأنّ الدين قد كمل ولا تقول بأنّ الدين قد استوعب، وكمال كلّ شيء بحسبه، فلابدّ أن نحدّد مسبقاً ما هو الذي من شأن الدين ليكون استيعاب الدين له بشكل تام كمالاً للدين نفسه.

لا أريد هنا أن استعرض الأدلّة على هذه القاعدة ومناقشاتها، والتي أرى أنّ عمدتها النصوص الحديثية التي نقلها لنا الشيخ الحر العاملي في الجزء الأوّل من كتابه (الفصول المهمة)، بقدر ما أريد القول بأنّ هذه المصادرة الكلامية الأصولية المسبقة تحتاج لدراسة معمّقة لم تمارس بشكل جادّ فيما يبدو لي، وأدعو إلى إفراد باب في أصول الفقه لدراسة هذه القاعدة وإدخال تمام مباحث منطقة الفراغ والثابت والمتغيّر في هذا الباب.

الزاوية الثانية: وهي أن لا ننظر في النظريّة الكلامية المسبقة التي يحملها الفقيه قبل الدخول في التعامل مع النصوص الشرعيّة في الكتاب والسنّة، وإنّما نريد أن نعرف مديات استيعاب الشريعة من خلال ما بأيدينا من نصوص، لا من خلال قواعد مسبقة مسقَطة على النصوص.

فلو أخذنا اليوم بأيدينا كلّاً من القرآن الكريم وكتاب (تفصيل وسائل الشيعة) ومعه صحاح أهل السنّة وأمهات كتبهم الحديثية في الشرعيات والسنن (وتركنا اجتهادات الفقهاء عبر التاريخ)، فهل يستطيع الباحث من خلال مراجعة هذه النصوص أن يقول بضرس قاطع: إنّ الشريعة التي تحكي عنها هذه النصوص تتناول كلّ مرافق الحياة إلى يوم الدين أم لا؟

لنفرض أنفسنا خارج الدائرة الإسلاميّة وأعطيت لنا هذه الكتب فهل بمطالعة هذه الكتب نصل إلى أنّ هذه الشريعة تتناول كلّ مرافق الحياة إلى يوم الدين؟ هل حقّاً تتحدّث هذه النصوص ـ بعيداً عن تأويلها وفرض المصادرة القبلية الأيديولوجيّة السالفة عليها ـ عن بيع الأعضاء والوصيّة أو التبرّع بها، والتلقيح الصناعي وأسلحة الدمار الشامل، وحكم السيطرة على الفضاء وبعض الكواكب ودخولها في ملكية الدولة المسيطرة، وقضايا البيئة بمعناها الواسع المعاصر، وقضايا استهلاك الطاقات الطبيعية للأرض، ومسائل النموّ السكاني وعلاقته بالتنمية وتنظيم النسل والتعقيم وحريّة الإنجاب، وقوانين الملاحة البريّة والبحريّة والجويّة؟.. هل حقاً توجد في الفقه قوانين تشابه قوانين منظمة الصحّة العالميّة ووكالة الطاقة الذرية ومنظمات الأمم المتحدة الحقوقيّة؟.. إلى عشرات من الأمثلة المتعلّقة بالبنوك والصرافة وأنواع الشركات الجديدة ومسائل الزكاة والصلاة على القمر وغير ذلك..

هل حقّاً هذه موجودة أم أنّنا نحن نطوّع النصوص لنفرض عليها عموماً أو إطلاقاً ناتجاً عن اعتقادنا المسبق بأنّ النصّ لابدّ أن يستوعب تمام مرافق الحياة لهذا فله عموم، مستبعدين فكرة أنّ النصّ لم ينظر إلى كثير من هذه الوقائع بنظرة التشريع التقنيني التفصيلي، ليشملها بعمومه أو إطلاقه، وإنّما استوعبها بقيمه وأخلاقيّاته وضوابطه الشرعية العامّة، مثل مبادئ وجوب العدل وعدم تداول المال بين الأغنياء وتوزيع الثروة بشكل عادل، وتحريم الربا، ونحو ذلك.

من هنا، تبرز طريقة أخرى في الاجتهاد الشرعي، وهي:

أ ـ الذهاب خلف النصوص لنرى هل فيها ـ دون تطويع وفرض عمومات ومطلقات تأويليّة ـ حكاية عن الواقعة الحادثة أم لا؟ فإذا كانت فيها حكاية أخذنا بما فيها واتبعنا النصّ. وهكذا لو كانت هناك أحكام عقليّة ونحوها.

ب ـ وإذا لم نرَ فيها حكايةً مباشرة ولو بالعموم العرفي، نظرنا في التعليلات الواردة في النصوص (العلل الإثباتية على الأقلّ)، واتبعناها توسعةً وتضييقاً، فهي نافعة جداً.

ج ـ فإذا افتقدنا ذلك، ذهبنا خلف تجريد النصّ من الخصوصية التاريخيّة لكن بفهم عرفي للنصّ، مثل تجريد العناصر الزكوية عن الخصوصيّة وفهم الفقيه أنّ المراد هو العناصر الأكثر وفرةً في الاقتصاد، أو تجريد موجبات الفسخ في النكاح عن الخصوصية لتشمل مثل مرض الأيدز اليوم.. فإذا استطاع الفقيه ممارسة التجريد المذكور بطريقة عرفيّة وليس بطريقة استنسابية تأويليّة، فبها، وإذا فقدنا هذا أيضاً.

د ـ رجعنا إلى القواعد الشرعيّة والأخلاقيّة العامّة، ووضعنا من قبل عقولنا البشريّة قوانين لهذه الواقعة المستجدّة، تكون ضمن الإطار العام للقواعد الشرعيّة والأخلاقيّة وللمزاج القانوني الديني العام المستوحى من الكتاب والسنّة، ويكون ما نضعه جعلاً بشريّاً خاضعاً للمزاج الديني، ويأخذ إلزامه من عنصر إلزام الدولة ووليّ الأمر أو من عنصر العقد الاجتماعي أو غير ذلك.

وهذا ما سيميّز القانون الديني عن الوضعي، فالقوانين الوضعية لا تعتبر أنّ المزاج الشرعي الديني أو الخطوط الدينية الحمراء أو القيم الأخلاقيّة الدينية ملزمٌ لها، فيما القوانين الدينية بهذا المعنى تخضع دوماً للحدود الشرعيّة والخطوط الحمراء التي وضعتها الشريعة في هذا الإطار؛ لتحكم وفقها.

هـ ـ فإذا لم نجد بعقولنا ترجيحاً للفعل أو الترك في الواقعة الحادثة، ولم يكن في النصّ أو القواعد ما يفيد هنا، رجعنا حينها إلى البراءة ونحوها، وحكمنا بالجواز ونفي الإلزام مطلقاً (أي الأعم من الإلزام الشرعي المباشر عبر النصّ، والإلزام الشرعي غير المباشر عبر الجعل التشريعي البشري الملزم من خلال ولاية الأمر أو من خلال العقد الاجتماعي أو..).

وبهذا نثبت شموليّة الشريعة لكلّ وقائع الحياة، لكن لا بمعنى شمول القوانين، بل بمعنى الشمول الأعم من ذلك ومن الشمول الدستوري وروح القوانين.

طبعاً الموضوع طويل جداً، وفيه مجال واسع للكلام والمناقشة، ولكنّي أثير هذه الأفكار للتداول، وبذلك نعرف أنّ تحقيق الفقه الإسلامي لمشروع التنمية الشاملة قد يحتاج لتعديل ضروري في طرائق الاجتهاد.

الزاوية الثالثة: إذا فرغنا عن قضيّة شموليّة الشريعة وطريقة استيعابها، يبقى موضوع آخر يتصل بالتنمية وقضاياها، وهو أنّ الشريعة الإسلاميّة إنّما تضع ـ كسائر النظم القانونية ـ قوانين وحقوقاً وواجبات ونظماً لحماية العمليّة التنمويّة على الصعد المختلفة في المجتمع، لكنّ التنمية لا تقوم على الجانب القانوني والأخلاقي فقط، وإنّما تخضع لخطط اقتصادية وسياسية وإدارية واجتماعيّة أيضاً، وهذا الجانب لا تتكفّل به الشريعة، فالأديان لا تعمل ولا تضع خططاً للخروج من الحياة الزراعية إلى الحياة الصناعية، ولا تعلّم الإنسان بناء المصانع والمعامل، ولا توفّر له التكنولوجيا ولا قدرة المعلوماتيّة الفائقة، لكنّها تنظم حياته أخلاقيّاً وعلائقيّاً وتربويّاً وروحياً مع محيطه في أيّ نظام حياتي كان، أكان في المدينة أم في القرية أم الريف، وتوفّر له المناخ الذي يمكنه من خلاله أن يتقدّم ويتطوّر..

من هنا، فأن نطلب من الدين أن يمسك بكلّ خيوط العملية التنموية أمرٌ يشبه أن نطلب من الدين أن يصنع لنا طائرة نقل ركاب مدنيّة!! وهذا ما يفرض أن نميّز بين دور الدين في خدمة المشروع التنموي والنهضوي والتقدّمي للأمم وبين دوره في الجوانب البشريّة العلمية والصناعية وغيرها، فكلّما حمّلنا الدين مسؤولية كلّ شيء زدنا من حجم المشاكل التي نفرضها عليه وأثقلنا عليه، وزادت نسبة احتمال الفشل في التجربة الدينية، فالفقه هو النظام القانوني والأخلاقي الذي ينظّم علاقات الإنسان بذاته وبربّه وبالطبيعة وبأخيه الإنسان.

الفقه الإسلامي وإشكاليّة منظومة الحقوق والحريات الشخصيّة

²  المعروف بين الفقهاء أنّ مصالح المجتمع والدولة تحظى بأهميّة فائقة، من ناحية أخرى تطرح النظريات العصرية المتداولة اليوم مشروع التنمية على أساس الحريات والحقوق الفرديّة.. فهل يمكن أن نستنبط من الفقه الإسلامي منظومة حقوق فرديّة أو أن نبرز بشكل أوضح الحريّات الشخصيّة؟

î مرجع سؤالكم هذا إلى ثنائيّتين: الثنائية الأولى هي ثنائية الحقّ والواجب، والثنائيّة الثانية هي ثنائيّة الفرد والمجتمع.

إذا رجعنا إلى النصوص الدينية سنجد أنّ لغة الدين لا تقوم على علاقة الثنائيّة في الحقّ والواجب بين الله والإنسان، بمعنى أنّ لله حقوقاً على البشر، ومن ثمّ فعليهم واجبات تجاهه، لكن ليس للناس حقوق على الله تعالى من حيث ذاتهم، إلا فيما يأخذه هو على نفسه بمقتضى كمال ذاته وكرمه وجوده وصدق وعده.

وعندما نراجع النصّ الديني نجده واضحاً في توجيه الإلزامات وجعل الواجبات على الناس تجاه بعضهم، فاللغة في الغالب هي لغة إلزامٍ وجعل، ولكنّ هذا الجعل الإلزامي من طرف ثالث (الله) لطرف (هو الثاني) على آخر (هو الأوّل) من الناس يلازمه ثبوت الحقّ للطرف الثاني على الطرف الأوّل في حالات كثيرة، فعندما يُلزم الله الرجل بالنفقة على زوجته فإنّ هذا الإلزام يقابله في الطرف الآخر حقٌّ للزوجة على زوجها. إنّ عملية المقابلة والتلازم بين الحقّ والواجب حتى لو لم نتمكّن من فرضها قاعدةً تشريعية عامّة وشاملة، إلا أنّه بالتأكيد يمكن اعتبارها ـ في قوانين علاقات الناس مع بعضهم ـ مبداً مهمّاً يمكن من خلاله استنباط منظومة الحقوق في الشريعة الإسلاميّة، فاستخراج هذه المنظومة يكون عبر طريقين:

الأوّل: رصد البيانات الشرعية والقانونية للمولى سبحانه وتعالى والتي تحمل لغة الحقوق.

الثاني: رصد البيانات الشرعية التي تحمل لغة الإلزام لطرف تجاه طرف آخر إنساني، بحيث يرجع نفع الإلزام على الطرف الثاني ويكون لصالحه؛ لأنّ لغة الإلزام هذه تستبطن فكرة الحقّ عادةً، ولهذا لو تلاحظون أنّ الصحيفة السجّادية للإمام زين العابدين عليه السلام لم تخاطب صاحب الحقّ بقدر ما خاطبت من عليه الحقّ، وهذا أمر ملفت جداً.

والسؤال: لماذا في اللغة الدينية يكون الخطاب عادةً لمن عليه الحقّ (=إلزام) فيما لا يخاطب من له الحقّ بثبوت حقّه له (=حقوق)؟

لعلّ أحد الأسباب في ذلك هو أنّ الذي جعل الشريعةَ هو طرفٌ ثالث، لا يدخل في النظام الحقوقي القائم بين البشر، فلم يرد الله أن يخاطب زيداً بأنّ له حقّاً على عمرو، ليذهب زيدٌ فيأخذ بحقّه من عمرو، بقدر ما أراد أن يخاطب عمرواً ليعطي زيداً حقّه، ليكون ذلك آكد في الدفع نحو أداء الحقوق، وفي انطلاق البشر لإعطاء بعضهم بعضاً حقوقهم، لا من خلال عقد اجتماعي أو توازن للقوّة فقط، بل من خلال التوجيه الإلهي الأعلى.

وبناءً عليه، يمكنني الجواب عن سؤالكم، وذلك أنّ الشريعة وإن اعترفت بالحقوق ضمناً من خلال قانون التلازم بين الحقّ والواجب في جملة من الموارد، لكنّها في لغتها وبنيتها ومصدرها لم تقم منظومة الحياة على الحقوق بالمعنى المعاصر للكلمة، بقدر ما أقامتها على علاقة طاعة مع المقدّس المتعالي تقع تجاه إنسانٍ آخر منحه الله سبحانه هذا الحقّ أو ذاك أو أقرّ له بحقوق طبيعية.

الطرف الثالث هنا (الله) لا يمكن إغفاله، فنحن لسنا لوحدنا حتى نتكلّم عن حقوق تجاه بعضنا، بل نحن معاً أمام الله وأوامره في المنظومة الدينية، فعندما أعطيك حقّك فإنّ هذا الإعطاء ليس سوى التزام بالطاعة للطرف الثالث (الله)، أي هو منح حقٍّ لشخص من خلال إلزام شخص آخر (الله)؛ لأنّ من له الحقّ ومن عليه الحقّ متساويان أمام الله سبحانه.

وينجم عن ذلك مفهومٌ ديني مهم جداً، وهو أنّ صاحب الحقّ عندما يطالب بحقّه أو يتنازل عنه، فهو يأخذ بعين الاعتبار توجيهات الطرف الثالث (الله)، فعلاقته بحقوقه محكومة لعلاقته التوجيهيّة بالله (الطاعة)، تماماً كما أنّ علاقة من عليه الحقّ بصاحب الحقّ هي علاقة موجّهة من الطرف الثالث (الله)، وبهذا لا تولد منظومة الحقوق في الشريعة الدينية منفصلةً عن الله وطاعته وتوجيهاته، بخلاف الحقوق في المنظومة الوضعيّة، فهي تنطلق من الأنا والذات الفردية المطالبة بمصالحها، وعبر تخاصم المصالح وكسرها وانكسارها تقع العدالة، ولذلك فلغة الدين الحقوقية هي لغة تريد إبراز الطرف الثالث (الله) وتكريس الطاعة له في الوقت نفسه الذي تمنح صاحب الحقّ حقّه.

بهذه الطريقة يتجلّى مظهرٌ آخر لتوحيد الله، فإعطاء صاحب الحقّ حقّه متفرّع على مفهوم طاعة الله سبحانه، لا فقط على مفهوم طاعة الإنسان، سواء كان فرداً أم جماعةً أم دولة. أعتقد أنّ هذا المفهوم مهم جداً، ولهذا تغيب اللغة الحقوقيّة في النصوص الدينية؛ لأنّ الهيمنة هي لله وحقوقه لا للإنسان، ولأنّ هذا هو مقتصى الإسلام والتسليم والتوحيد.

لاحظوا كيف أنّ الكافر المسالم لنا قال عنه الله تبارك وتعالى: ﴿..فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً﴾ (النساء: 90)، أي أنّ الكافر المسالم إنّما امتلك حقّ الحياة والأمن والاستقرار والحريّة بعدم جعل الله السبيل للمسلم عليه، فالله هنا طرفٌ أصيل، وأيّ غياب لهذا الطرف لصالح مرجعيّة الإنسان ومحوريّته قد يفضي إلى ثقافة علمانيّة تعزل الدين عن الإنسان وحياته.

وفقاً لما تقدّم، يمكن أن نطلّ على سؤالكم، فالشريعة الإسلاميّة لم تقم على أساس الحقوق ولا على أساس الواجبات في علاقات الناس ببعضها، بل قامت على مزدوج الحقوق والواجبات معاً، وفي الوقت عينه أكّدت على مفهوم الواجب في العلاقة مع الله سبحانه (الطاعة)، وهذا يعني أنّ الشريعة لم تربِّ المؤمنين على تأليه حقوقهم الفرديّة، ولا على جعلها الأصل في الحياة وفي العلاقة مع الله أو مع الغير، وإنّما ربّتهم على طاعة الله في حفظ حقوقهم وإعطاء الآخرين حقّهم المجعول لهم من الله، فحجر الزاوية في الفكر الغربي ـ أعني قيام النظام العادل على تركيز فكرة الحقّ الفردي ودفع الناس لهذا هو ما يحقّق مصالحهم الفردية ـ مرفوض في اللغة الدينية، ولهذا نجد في النصوص القرآنية والحديثية كلاماً كثيراً عن العفو والتنازل عن الحقّ، لكسر رغبة الإنسان الفردية في تأليه ذاته واعتبار حقوقه الخاصّة مرجعاً أعلى له في الحياة.

نعم، حقوق الله هي المقدّس، وحقّ الله على المؤمنين أن لا يكونوا أذلاء ولا مهانين ولا متفرّقين ولا ظالمين لبعضهم وللآخرين ولا.. فعندما أنطلق ـ بوصفي متديّناً ـ في المطالبة بحقّي، فليس ذلك لتأليه ذاتي، بل لأنّ الله سمح لي بذلك ورغّبني إليه، فالله يرفض أن يكون المؤمن ذليلاً، فمن حقّ الله عليّ أن لا أكون ذليلاً؛ فعليّ المطالبة بحقّي هذا في العيش الكريم.. لأنّ في ذلك الطاعة له سبحانه؛ وربما لهذا قال الإمام الحسين عليه السلام في كلمته المشهورة: «.. وهيهات منّا الذلّة؛ يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون..»، فلن أكون ذليلاً لأنّ الله يأبى ذلك لي، لا لمصلحتي الشخصيّة والذاتية فحسب.

هذه المنظومة توحيديّة، وهي التي تنجّينا من مفاسد تأليه الإنسان في العصر الحديث، هذا التأليه الذي قد يدخل في بعض أبعاده في الشرك بالله تعالى، فالمجتمع المثالي دينيّاً هو المجتمع الذي يتحرّك لطاعة الله لا لحقوقه الذاتية، وعندما يطالب بحقوقه الذاتية فلأنّ الله رغّبه إلى ذلك في بعض الحالات وحثه على التنازل عن حقوقه في حالات أخرى.

في هذا الإطار نجد أنّ الفرد المسلم المثالي يذوب في الأمّة والجماعة، ويطالب بحقوقه الخاصّة عندما يكون في ذلك رفعة وقوّة الفرد المسلم والجماعة المسلمة وتقدّمها وتطوّرها لا لذاته وذاتياته.

هل الفقه القائم اليوم قادر على تقديم نظم ومشاريع نهوض وتنمية؟!

²  هل يمكن استخلاص نظرية في التنمية من خلال الفقه السائد اليوم عبر الرسائل العمليّة للفقهاء والذي يعالج في كثير من الأحيان الحاجات الفرديّة للإنسان فقط؟ أم يلزمنا ـ للوصول إلى نظريّة تنمويّة ـ التخلّي عن هذا المنهج الاجتهادي واستبداله بمنهج آخر أو إحداث تحوّل وتطوير فيه؟

î ليس من شكّ في أنّ الرسالة العملية بوضعها الحاضر اليوم لا يمكنها أن تحقّق منظومة قانونيّة قادرة على إدارة مجتمع ودولة أو على منافسة النظم القانونية في العالم، وهذا ليس كلامي فقط، بل هو كلام العديد من كبار الفقهاء الذين خاضوا التجربة القانونية في النظام الإسلامي اليوم.

لابدّ من تحوّلات على عدّة صعد لنصل إلى الغاية المنشودة، ومن هذه التحولات الضرورية في تقديري:

أ ـ تحوّل على صعيد منهجة الفقه وتبويبه، بما يجعله أكثر استيعاباً وأكثر قرباً من الوقائع المعاصرة، كفقه الطفولة، وفقه البيئة، وفقه الأسرة، وفقه العلاقات الاجتماعيّة، والفقه السياسي، وفقه الفنّ، وفقه البنوك والمصارف، والفقه التربوي وغير ذلك كلّها عناوين ضروريّة تحتاج لتكون موجودة في النصّ الفقهي المعتمد ولها أبوابها الفقهيّة (وليس فقط في بعض الكتب الفرعيّة أو كتب الاستفتاءات) كي يتمكّن من التحكّم بمفاصل الوقائع الحادثة.

ب ـ تحوّل على صعيد اللغة الفقهيّة، بحيث تتمكّن من احتواء الظواهر القانونية المعاصرة، والدخول في حوار منتج مع التجربة القانونية في العالم المعاصر.

ج ـ تحوّل على صعيد قراءة النصوص ضمن المناخات السياقيّة، وليس بترها عن سياقاتها الاجتماعية، أو كما كان يسمّيه السيد محمد باقر الصدر (الفهم الاجتماعي للنصّ).

وفي هذا الإطار يأتي الفهم التاريخي للنصّ، ويأتي كلّ عنصر مؤثر في وعي النصّ بطريقة صحيحة، فالطريقة الفقهية السائدة في أكثر من مكان تقوم على بتر النصوص وعدم النظر في السياقات التاريخية والاجتماعية والظرفيّة لها، وهذا ما يؤدي إلى إنتاج فتوى مبتورة هي الأخرى عن السياقات القانونية التي تحفّ بها وترتبط بها أيضاً. وهذا ما يحتاج للتنظير الكلامي والأصولي المعمّق في أدوار الأنبياء والأئمّة وتنوّع هذه الأدوار من حيث التبليغيّة والحكوميّة والظرفيّة وغير ذلك.

د ـ تحوّل على صعيد ربط العناصر الفقهيّة الجزئية ببعضها تمهيداً لتكوين تصوّرات عامّة، أو ما كان يسمّيه السيد الصدر بفقه النظريّة.

هـ ـ تحوّل على صعيد التمييز بين النصوص الدينية في الكتاب والسنّة، فبعض النصوص فرعي وبعضها الآخر أصلي، وتحديد درجات النصوص ومستوياتها وقيمتها وتمييز النصوص العليا عن الدنيا والنصوص الدستورية عن غيرها ضروري أيضاً، وقد كان العلامة محمد مهدي شمس الدين تحدّث عن شيء من هذا، لكنّه لم يسعفه الوقت للدخول في صلب هذا الموضوع ووضع ضوابط للتمييز بين النصوص ودرجاتها وعلاقاتها ببعضها، فنظرّية التخصيص والتقييد والحكومة وغير ذلك هي علاقات دلاليّة، ونحن نحتاج إلى علاقات مضمونيّة تجعل بعض النصوص فوق بعض وحاكماً على بعضها الآخر.

فالنصّ القرآني: (..ولا يجرمنّكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا..) (المائدة: 8) حاكمٌ على النصّ الآحادي القاضي بجواز بهتان أهل البدع؛ من خلال المضمون التأسيسي لقاعدة أخلاقيّة في مقابل نصّ يؤسّس لثقافة السبّ والبهتان في التعامل مع المختلفين معه في المذهب وفق فهم بعض الفقهاء لهذا النصّ الحديثي.

و ـ التمييز في الأحكام بين الأحكام الفردية والمجتمعيّة وبين الخطابات الشخصيّة والخطابات الموجّهة للأمّة.

الفقه بين المثالية والواقعيّة

²  هل عندنا نظريّة فقهية مدوّنة على شكل نظام جامع أم أننّا ما نزال نشتغل على بعض العموميّات والكليّات، ونعيش مفهوم المدينة الفاضلة بطريقة مثاليّة؟

î ما يبدو لي هو أنّ محاولات قد بذلت لتدوين نظام جامع، رغم الملاحظات على هذه المحاولات، ولكنّ الواقع الحالي تهيمن عليه الرؤية الفردية ومثالية المدينة الفاضلة، وقد كشفت التجربة عن حجم الفجوة التي ما تزال موجودة بين الفقه وبين القدرة على إدارة الحياة، ولهذا تجد أنّ الكثير جداً من القوانين القائمة (والتي بها استمرّت التجربة الإسلاميّة) ترجع إمّا إلى العناوين الثانويّة أو إلى الأحكام الحكومية لوليّ الأمر أو إلى نظريّة المصلحة ولو بمعناها الإيجابي، وهذا كلّه يشي بأنّ الأحكام الأوليّة التي يخرج بها الفقهاء في اجتهاداتهم المدرسيّة تواجه صعوبات تطبيقيّة جادّة، أو أنّ لبعضها مردودات غير محمودة في المرحلة الراهنة على الأقلّ.

مبدأ تكيّف الفقه مع الحياة المعاصرة، مشاكل ومآزق

²  للفقه أصول ثابتة وعالميّة لا تخضع لتغيّرات الزمان وتحوّلات المجتمع، هل يمكن بهذا المنطق أن نواكب مسيرة التحوّل العالمي وسيول التغيّرات الكبيرة في الثقافة والظروف، لنصنع ـ مع هذا ـ مشروعاً نهوضيّاً تنمويّاً أم لا؟ وكيف؟

وعندي سؤال آخر وهو أنّ الفقه قد وضع اليوم أمام ضرورة البحث والتفكير في القضايا النهوضيّة والتنمويّة، فهل يتوقّع لو سار الفقه خاضعاً للتحوّلات العصريّة أن يصبح علمانيّاً أو بشريّاً أو ما شئت فعبّر؟

î دعني أجيب عن هذين السؤالين دفعة واحدة. إنّني أرفض أن نقول بأنّ على الفقه أن يتكيّف مع الحياة العصريّة، فهذا الكلام على إطلاقه ـ لاسيما بالطريقة التي بات يفهمها أو يمارسها بعضهم ـ غير مقبول وليس بصحيح، وهو بالتأكيد سوف يفرّغ الشريعة من مضمونها وأصالتها بمرور الوقت.

لكن ما أريد أن أؤكّد عليه في قضيّة التكيّف مع العصر، هو أنّ هناك منهجاً اجتهاديّاً ما يزال غير مقبول تقريباً في المحافل العلميّة والحوزات الدينيّة ـ رغم أنّه يمارَس أحياناً ـ يمكنه لو تمّ اختياره أن يجعل حجم تصادمنا مع الحياة ومتغيّراتها أقلّ بكثير، ولا أقول بأنّنا نريد اختيار هذا المنهج الاجتهادي لأجل تخفيف تصادمنا مع الحياة المعاصرة، بل أقول بأنّ هذا المنهج يستحقّ في نفسه الدرس، ومن نتائجه تخفيف حدّة التوتر بين الدين والواقع بتحوّلاته السيّالة المتدفّقة، بحيث لا نضحّي بالفقه لأجل التكيّف مع الواقع.

هذا المنهج هو المنهج الذي يعيد قراءة النصوص الدينية ومصدرها من خلال فكرة جوهريّة تقول: إنّ ما يبدو لنا في النصوص ليس هو الأحكام الشرعيّة الإلهيّة بالضرورة ودائماً، بل قد يكون تطبيقات أو وسائل أو مُعينات لتلك الأحكام المستكنّة خلف هذه النصوص أو في بعضها فقط..

هذه الدعوى التي اُطلقها أعرف أنّها خطيرة جدّاً، وهناك من طرح أفكاراً قريبة منها أو مطابقة لها، وهذه الفكرة تفتح على الفهم التاريخي للنصوص من جهة، وعلى وعي عميق لدور النبيّ وأهل بيته وصحابته في بيان الأحكام الشرعيّة من جهة ثانية..

والموضوع طويل لكن يمكن أن نشير إلى بعض عناصره الرئيسة على الشكل التالي:

العنصر الأوّل: لو لاحظنا فتاوى الفقهاءالمسلمين في رسائلهم العمليّة أو في كتب الاستفتاءات، فسوف نجد آلافاً من المسائل الفقهيّة، لكنّ الأحكام الشرعية أقلّ من عدد الفتاوى؛ لأنّ الفقيه في كثير من الأحيان لا يبيّن الحكم الشرعي الأصلي، بل يطبّق الحكم الشرعي على المورد الذي وجّه إليه السؤال فيه، فلو كان الحكم الشرعي هو وجوب إيقاع عقد النكاح شفويّاً بحضور الطرفين مثلاً، ثم سُئل الفقيه عن حكم العقد في التلفون فسوف يقول: لا يجوز العقد في التلفون ولا يقع النكاح، ثم لو سئل عن العقد عبر (السكايب مثلاً) لقال: لا يجزي العقد عبر السكايب، ولو سئل مرّة ثالثة: هل يجوز العقد عبر البث المباشر كما في التلفزيون فسوف يقول: لا يجزي هذا العقد ولا يصحّ، فهذه ثلاث فتاوى، لكنّ الحكم الأصلي في الواقع ليس سوى اشتراط المشافهة والحضور للطرفين حال العقد مثلاً.

وهكذا لو سُئل الفقيه عن السجود على قشر الليمون فسوف يقول مثلاً: يجوز، ولو سئل مرة ثانية عن السجود على الحشيش فسوف يقول: مثلاً: يجوز، فهاتان مسألتان واستفتاءان، لكنّ الحكم واحد وهو أنّ السجود على غير ما يُؤكل عادةً جائز

 كلّ من يراقب ويتتبع كتب الاستفتاءات سيجد هذه الظاهرة بوضوح، ويعرف أنّ عشرة استفتاءات لا تمثل عشرة أحكام، بل هي تطبيقات من الفقيه لحكم شرعي واحد، ولا أقصد تطبيقات لقاعدة أصوليّة واحدة، فأرجو التنبّه.

حسناً، كم من المنطقي أن نفترض أنّ النبيَّ وأهل بيته قد حصل معهم الأمر نفسه، فأمروا وأجابوا عن مجموعة أشياء وليست سوى تطبيقات لحكم شرعي واحد انصبّ على عنوان قاموا هم بتفكيك هذا العنوان على موارده في عصرهم أو حسب السؤال الموجّه إليهم؟

سأعطي مثالاً افتراضيّاً مبسّطاً، لنفرض أنّ الحكم الشرعي هو تنظيف الإنسان لجسده وأنّ الشريعة حثّت المؤمن على هذا الأمر، فهنا حكمٌ شرعي واحد هو رجحان النظافة في الجسم، ولكنّ أهل البيت عندما بيّنوا هذا الحكم من الطبيعي أن يجدوا أنّ هذا البيان العام لا يكفي لحثّ الناس على التطبيق، بل قاموا بالدخول أكثر إلى الواقع وملامسة ما يعيشه الناس؛ لدفعهم من حيث التطبيق إلى ممارسة هذا الحكم الشرعي، فقالوا لهم مثلاً: ارفعوا قميصكم عن الأرض فهو أطهر، واغتسلوا قبل المجيء يوم الجمعة إلى المسجد، وأزيلوا شعر العانة والإبطين كلّ فترة زمنيّة، وضعوا العطور للصلاة وعند الخروج، ومشطوا شعر الرأس واللحية، والمسواك جيّد، و.. إنّ كلّ هذه النصوص التي أوردت هذه الأمور ليست أحكاماً شرعيّة مستقلّة، بل هي تطبيقات لحكم شرعي واحد هو الموجود في الشريعة الإسلاميّة، وهو حُسن التطهّر والتنظّف والظهور بمظهر حسن في البيت والمجتمع.. طبعاً أنا لا أقول بأنّ هذا المثال صحيح، لكن أضربه بوصفه مثالاً لا أكثر.

إذا قبل شخص مبدأ أن يكون النبي وأهل بيته قد مارسوا هذه الطريقة، ورأى أنّ هذا الأمر ممكن نظريّاً، وسعى للتفتيش عن القرائن والشواهد هنا وهناك على أمرٍ من هذا النوع، فإنّ من شأن هذا الأمر أن يسمح بتكيّف الفقه مع أوضاعنا اليوم، فبدل العطور القديمة تصبح العطور الجديدة تطبيقاً آخر للحكم نفسه، وبدل الماء تصبح المواد الصناعية المنظِّفة وسيلةً لتطبيق الحكم نفسه، وهكذا، وهذا ما سوف يفصلنا عن الشكل التاريخي لتطبيق مفهوم النظافة، ويسمح للحكم الشرعي بأن يطبّق تبعاً لطبيعة الأعراف والظروف والإمكانات في كلّ عصر.

أليس من المعقول جداً أن يكون النبي واهل بيته قد مارسوا هذا الأمر؟

نعم، منهج المعرفة والتمييز هنا يحتاج لدراسة وقواعد حتى لا يكون الأمر اعتباطياً وجزافاً، فأنا أقرّر أصل الفكرة، أمّا كيفية تطبيقها فهذا يحتاج لقواعد، تماماً مثل أن نقول بأنّ الظهور حجّة أمّا كيف نستكشف الظهور وما هي قواعده العرفيّة، فهذا بحث آخر.

العنصر الثاني: إنّ القرآن الكريم قد تحدّث عن نفسه بأنّ فيه بيان كلّ شيء، والرسول الكريم قد قال للناس بأنّه ما من شيء يقرّبهم إلى الجنّة أو يبعدهم عن النار إلا قاله لهم، هذا يعني أنّ في الكتاب الكريم كلّ الدين أو فلنقل: أغلب الدين، لا أريد أن أخوض في هذه القضيّة، لأنّ علينا أن نعيد النظر في الفكرة التي تقول بأنّ القرآن لم يبيّن إلا الأساسيّات فيما السنّة هي التي بيّنت تفاصيل الدين والشرائع، يجب أن نفكّر جيداً في هذه القضيّة، وفي الدليل عليها، إذ الدليل العمدة عليها قد يكون هو ما نلاحظه من كثرة التفاصيل الأحكامية في السنّة مقابل قلّة البيانات الأحكاميّة في القرآن نسبيّاً، لكنّ القرآن نفسه يقول بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، والمقدار المتيقّن من تبيانيّته هو تبيانه للأمور الدينية والبعد التوجيهي والإرشادي للبشر، فإذا كان الأمر كذلك، ولم نقبل بفكرة أنه تبيان لخصوص المعصوم لا مطلقاً، فلماذا لا نحتمل أنّ الكثير من تلك التفاصيل التي جاءت في السنّة قد تكون تطبيقات للأحكام الشرعية القرآنية، وليست أحكاماً جديدة، وقيمة النبيّ والإمام أنّه يشرح لنا القرآن ويمارس تطبيقه على موارده ومصاديق حكمه بطريقة معصومة، ويبيّن من خلال تجربته ويعلّمنا كيف نمارس نحن هذا التطبيق الأفضل للأحكام التي وردت في القرآن الكريم..

إنّني أدعو الحوزات العلميّة لإعادة النظر في المسلّمة المفتَرَضَة التي تقول بأنّ في القرآن الكريم بعض الأحكام القليلة التي لا تبلغ حدّ العشرة في المائة من الشريعة الإسلاميّة، وأجد أنّ القرآن احتوى أغلب الأحكام وليس جميعها.

بهذه الفكرة يمكن أيضاً أن نفهم الكثير من الأحاديث التي وردت عن النبي وأهل بيته عليهم السلام في سياق كونها تطبيقات للحكم القرآني، لا تأسيسات لأحكام شرعيّة جديدة بالضرورة. ولا أنفي وجود تأسيس في السنّة بل أقول: إنّ حجمه أقلّ بكثير ممّا افترضناه نحن في طريقتنا في الاجتهاد الشرعي. فمثلاً قد يقال بأنّ تحريم أكل الطّحال في الذبيحة ليس تأسيساً لحكم جديد، بل هو نفس تحريم الدم الذي جاء في القرآن؛ غاية الأمر أنّ أهل البيت طبقوا عنوان الدم عليه، وبيّنوا أنّ فيه نسبة عالية من الدم والكريات الحمراء مثلاً، وهذا التعليل موجود في كلماتهم فليراجع.

العنصر الثالث: مسألة التفويض التشريعي لأهل البيت عليهم السلام، فقد تعرّضّتُ في كتابي (حجية السنّة في الفكر الإسلامي، قراءة وتقويم) لمسألة جامعيّة القرآن التي تحدّثنا عنها قبل قليل، كما تعرّضتُ لمسألة التفويض التشريعي لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، ومن خلال دراسة مجمل النصوص والروايات في هذا الموضوع توصّلتُ إلى ما ذهب إليه العديد من الفقهاء والأصوليين من أنّ أهل البيت عليهم السلام لا يؤسّسون أحكاماً ذات طابع إلهيّ دائمي، بل إذا أسّسوا فإنّ أحكامهم ولائيّة، ودورهم المقدّس هو بيان وشرح وتفسير الكتاب والسنّة وتطبيقهما على الواقع المعاصر لهم، إضافة إلى ولايتهم على النفوس والأرواح والأموال.

فعندما نفهم سنّة أهل البيت في هذا الإطار فقد تحدث تحوّلات في فهمنا تصبّ في صالح عمليّة التكيّف مع الواقع التي تحدّثنا عنها، فقد توصلتُ هناك إلى قاعدة تقول ـ وأرجو أن نبحثها جميعاً ونتناولها بالنقد والإبرام ـ: إنّ الأئمة حيث كانوا لا يؤسّسون أحكاماً إلهيّة شرعيّة غير ما جاء في الكتاب والسنّة النبويّة، فكلّ حكم بيّنوه ورأينا أنّه لو كان صادراً في العصر النبويّ في الكتاب أو السنّة لَبَانَ وظَهَرَ، ومع ذلك لم يَبِنْ ولم يَظْهَر، فهذا يكشف عن كون هذا الحكم ولائيّاً، وقد مثلتُ لذلك بمسألة خمس أرباح المكاسب، فلو كان هذا الخمس موجوداً في العصر النبويّ وفهم المسلمون من القرآن أو من السنّة النبوية ذلك لظهر هذا الأمر وبان وكثرت الأسئلة حوله، ومع ذلك لا نجد في هذه القضيّة سوى روايتين أو ثلاث في بعض كتب التاريخ، فيها إشارة ما إلى الموضوع، هذا يعزّز أنّ ظهور مسألة خمس أرباح المكاسب في عصر الإمام الباقر ومن بعده كان من باب ولاية الأئمة على الأموال، فأرادوا أن يحقّقوا تضامناً وتكافلاً بين الشيعة ليعين بعضهم بعضاً حيث لم يكن يعطيهم السلطان شيئاً من حقوقهم بوصفهم مواطنين في الدولة..

أعرف أنّ هذا الموضوع فيه الكثير من التفاصيل، لكن هذا مجرّد مثال قد توافقون عليه وقد لا نوافق عليه، لكنّه يشرح لنا الأدوار التي يقوم بها أهل البيت بعد العصر النبوي، ومن ثم فيفتح أعيننا على أنّهم لم يكونوا في كلّ نصوصهم ليبيّنوا أحكاماً إلهيّة دائميّة، بل كان للأحكام الولائيّة والزمنيّة دور كبير أيضاً في الكثير من النصوص والمواقف التي صدرت منهم عليهم السلام.

هذا يعني أنّه بدل أن نبقى على صيغة الخمس في أرباح المكاسب، فسوف يكون الخمس حالة ثانوية ترتئيها الدولة الإسلاميّة أو الحاكم الشرعي بحيث تقبل التغيّر والتكيّف تبعاً لأوضاع الشيعة وحالاتهم ومصالحهم النوعيّة.

العنصر الرابع: كان الشاطبي قبل حوالي سبعمائة سنة يتحدّث عن تشريعات وسائل وتشريعات مقاصد، وهو الموضوع الذي طرح في الأوساط الحوزوية خلال العقد الأخير بمصطلحات أخرى، وأعتقد أنّ التمييز بين تشريعات الوسائل وتشريعات الأصل (ولا أريد أن أستخدم كلمة مقاصد؛ لأنّها قد لا تكون دقيقة)، مهم جداً، والأمثلة فيه كثيرة للغاية.

لكن دعوني أعطي مثالاً من مسألة اللعان وتأثيره في قضيّة النسب، فعندما ينفي الزوج الولد عنه يذهب الفقهاء إلى أنّ المرجع في حصول النفي هو اللعان، فلو حصل اللعان انتفى الولد، لكن لو أنّ الفقيه فهم من قضيّة اللعان في مجال نفي الولد (لا في مجال إثبات تهمة الزنا على الزوجة، حيث قد يقال بأنّ القرآن الكريم لم يرد فيه اللعان إلا من حيث حدّ الزنا لا من حيث نفي الولد)، أنّها مجرّد وسيلة للنفي حيث تنعدم الوسائل الأخرى، فالشرع حيث لا وسائل في تلك الأيّام عمد بعد فقدان البيّنات إلى استخدام الأسلوب النفسي عبر الحلف والأيمان، فعندما نصل إلى عصر كشف الشفرة الوراثية وإمكان الوصول إلى حدّ الاطمئنان بانتساب الولد لأبيه أو نفيه عنه عبر مثل فحوصات الـ DNA، فأيّ معنى لفقه اللعان حينئذٍ؟ وهل قضيّة اللعان تعبدّية ذات أسرار أم أنّها طريق لإثبات الولد أو نفيه حيث لا طريق آخر؟

عندما يفهم الفقيه أنّ هناك تشريعات طرقٍ وأساليب، وهناك تشريعات أصلٍ لها خصوصيتها القائمة، فمن الممكن جدّاً في هذه الحال أن يخرج الفقيه ليعتبر جملةً من الأحكام الفقهيّة مجرّد طرق للحكم الحقيقي (إثبات الولد أو نفيه مثلاً بوصف الانتساب أمراً واقعيّاً والبنوّة أمراً واقعيّاً) لا غير، وهذا لو طبّق ضمن منهج محدّد وعلى نطاق واسع في الفقه لا ضمن نطاق جزئيّ محدود بموارد لا تعدو أصابع اليد الواحدة، لأمكن أن ندّعي أنّنا بتنا نحقّق التكيّف مع العصر ـ مطلق عصرٍ ـ وهذا ما يقلّص بعض الشيء من التعبّديات الحرفيّة في غير مجال العبادات.

أعود وأكرّر بأنّ الأمثلة التي أطرحها هنا هي لإثارة التفكير، لا من باب التبنّي والاختيار النهائي لها.

وكمثالٍ افتراضيّ آخر على الموضوع، دعونا نلاحظ قضيّة الحيض والنفاس، فهذه العناوين هي عناوين واقعيّة، فلو استمرّ الدم الخارج من المرأة خمسة عشر يوماً متواصلاً، وعلم الطبّ أنّ هذا الدم هو نفس الدم الذي يخرج في الأيام العشرة الأولى ومن نفس الأسباب والمكوّنات، فإنّ الخمسة عشر يوماً هي حيض، وكذلك الحال في النفاس؛ لأنّ هذه عناوين واقعيّة لم يؤسّسها الشارع، وإنّما افترض الفقهاء أنّ الشارع أسّس جعلاً جديداً أسميناه الحيض الشرعي؛ لأنّهم لاحظوا النصوص التي تتحدّث عن أنّ أكثر الحيض عشرة وأقلّه ثلاثة، لكن لماذا لا نحتمل وندرس هذا الاحتمال بجديّة، وهو أنّ النبيّ أو الإمام إنّما وضعا هذه الأرقام (ثلاثة وعشرة) لمساعدة المكلّفين الذين لا يعرفون الحيض ولا يميّزونه عمّا ينشأ من الأسباب الأخرى، فأعطونا في هذه الحال قاعدةً غالبة، لكي يميّزوا من خلالها هذا الأمر، فهذه القاعدة طريق لا أنّها حكمٌ أصل، إذ الشريعة لم تؤسّس مفهوماً جديداً للحيض أو النفاس، وإنّما جعلت أحكاماً مترتبة على هذا الأمر الواقعي المسمّى قبل الشرع بالحيض والنفاس..

إذا أقحمنا هذه الشخصيّة وهذا الدور للنبي أو الإمام فسوف نكتشف أنّ بعض النصوص لم تكن لتبيّن أصل الحكم بقدر ما أرادت تبيين طريقة غالبة مساعدة لمعرفة الموضوع الذي يترتب الحكم عليه.

ولعلّ من مصاديق هذا الدور أيضاً أنّنا نجد في بعض نصوص باب السفر روايات صحيحة السند تبيّن أنّ القصر والإفطار في السفر كانا بملاك التعب والنصب الذي يواجهه الإنسان عادةً كما جاء في صحيحة عبد الله بن سنان مثلاً، فإذا ضممنا هذا المفهوم التعليلي الموجود في بعض النصوص والذي يساعد عليه الاعتبار أيضاً، إلى روايات تحديد القصر بالزمان فسوف نجد أنّ هذا المفهوم التعليلي يقف لصالح روايات المعيار الزماني للسفر؛ لأنّ استمرار السفر ليوم وليلة متعبٌ نوعاً.

إذن، لماذا حدّد أهل البيت المعيار في نصوص أخرى بالمسافة والفرسخ؟ والجواب إنّه من الممكن جداً ـ جمعاً بين النصوص ـ أن يكون هذا التحديد لمساعدة المكلّفين؛ لأنّك لو قلت للناس: عندما يكون سفركم متعباً فقصّروا، فقد يفقدون الضابطة في هذا ويخطؤون كثيراً ويوهم كلّ إنسان نفسه أنّه متعب وقد يصوم المتعب واقعاً وقد يفطر غير المتعب واقعاً، فأريد هنا وضع معيار محدّد نسبيّاً لكي ينضبط الجميع له، وهذا المعيار غالبي، أي في غالب الحالات يقع التعب النوعي فيه، وهو مسيرة يوم وليلة المطابقة بحسب سير القوافل في ذلك الزمان لهذا العدد من الفراسخ، فلو تغيّر الوضع كان علينا أخذ التشريع الأصل لو أمكن ضبطه بغير هذا المعيار الغالبي.

أعرف أنّ كلّ ما أقوله سوف يناقَش بأنّ علماء أصول الفقه قد قالوا بأنّ الأصل في العناوين المأخوذة في النصوص هو الموضوعيّة لا الطريقيّة، ولن أدخل في مناقشة هذه القاعدة المدّعاة على إطلاقها، وقد سبق لي أن تحدّثت عنها بالتفصيل في بحثي المتواضع حول تاريخيّة السنّة في كتابي (حجية السنّة في الفكر الإسلامي)، وأبديت هناك تحفّظات عليها في بعض مساحاتها التطبيقيّة، والوقت لا يسعفنا الآن للتفصيل.

أكتفي بهذه العناصر الأربعة (تشريعات الأصل وتشريعات التطبيق ـ تشريعات الأصل وتشريعات الوسائل ـ دور الأئمّة في البيان دون التأسيس ـ موقعيّة القرآن في بيان التشريعات لا العناوين العامّة المجملة فقط) لأشير من خلالها إلى أنّ تأسيس الاجتهاد الشرعي على هذا النمط من التعامل مع النصوص، إلى جانب ما أشرتُ له في جواب السؤال الأوّل، سوف يحدث تحوّلاً ليس بسيطاً في النتائج الفقهيّة، وتغييراً في نمط البيان القانوني والمضمون الشرعي لهذا البيان، وستكون الفجوة بين الفقه الديني والفقه الإنساني أقلّ نسبيّاً.

لكنّ المسألة بحاجة إلى خطوتين كبيرتين:

الخطوة الأولى: التنظير الكلامي والأصولي لمثل هذه العناصر الكبرويّة الأربعة المشار إليها، وليس مجرّد الاكتفاء بفرضها والدفاع الخطابي والشعاري عنها.

الخطوة الثانية: الاشتغال الأصولي على وضع قواعد للتمييز بين النصوص، والتمييز بين مضمونها من حيث الأصل والوسيلة، أو الأصل والتطبيق، أو الحكم الأولي والولائي والمرحلي أو غير ذلك، فإذا لم يُفتح هذا الباب في الاجتهاد الأصولي ودروس البحث الخارج ـ بعد التسليم بالخطوة الأولى ـ فسوف يكون هذا المنهج الاجتهادي عرضةً للفوضى والاستنسابيّة وتفتيت الشريعة وتلاشيها، وهذا خطر كبير ينبغي التنبّه له، لهذا نهيب بالفقهاء والمجتهدين أن يدرسوا هذه الأمور ولو بشكل أوّلي، سواء وافقوا عليها أم رفضوها، لينتقل البحث المعمّق في هذه القضايا إلى الأجيال اللاحقة بشكلٍ صحيح، إن شاء الله تعالى.

الفقه والعدالة الاجتماعية

²  هل يمكن للفقه أن يقيم عدالةً اجتماعيّة على أساس التوافق العالمي القائم من خلال المؤسّسات الدوليّة أم أنّ لديه مفهومه الخاص للعدالة؟

î لست متحمّساً لتحقيق التوافق مع المؤسّسات الدولية الحقوقيّة، ولا أفضّل أن نفكّر بهذه الطريقة، فبين الفقه الإسلامي والفقه الوضعي خلافٌ فلسفي كبير لا يجوز تبسيطه، وهذا الخلاف الفلسفي ينشأ ـ كما نعرف ـ من محوريّة الإنسان أو محورية الله، ويمتدّ في الخلاف وصولاً حتى فهم الحياة وفلسفتها والغاية منها، وفلسفة الابتلاء والاختبار، ومفاهيم التضحية، والنزعة الفردية، بلوغاً إلى تعريف السعادة.

فالسعادة في المفهوم المعاصر هي الراحة واللذة بالمعنى المادّي الدنيوي لهما، بينما السعادة في المفهوم الديني لا تعني الراحة في الحياة الدنيا بالضرورة، فنحن نبحث عن الرفاهية الإيجابية في الدنيا وندعو الله أن لا يبتلينا وأن يرزقنا العافية، وفي سجودِ آخر كلّ صلاة نحن ندعو الله بقولنا: يا وليّ العافية أسألك العافية.. والعافية هي السلامة من المرض والفقر والجوع والظلم والبلاء والعذاب وغير ذلك.. نحن طلاب عافية لكن إذا واجهتنا المصائب والمآسي في الحياة فنحن لا نفهمها تعاسةً، بل نفهمها تكفيراً عن ذنوبنا أو اختباراً من الله لنا لكونه يحبّنا، هذه هي مفاهيمنا الدينية التي نطق بها الكتاب والسنّة، فالسعادة عندنا لا تكون في الدنيا وبمعاييرها بالضرورة، بل هناك الآخرة التي لا توازيها الدنيا أبداً.

وبناء عليه، فمن المنطقي في الفكر الديني أن يحكم الله على إنسانٍ بالصبر والتحمّل والتخلّي عن حقّه، لأجل الصالح العام أو لأجل طهارة نفسه بما ينفعه في آخرته، وهذا يعني أنّ السعادة ليست بالضرورة هي الراحة في الدنيا، وكسب أكبر قدر ممكن من المكاسب الدنيوية والملذات الفانية، فقد تكون السعادة الفرديّة في الألم لأجل المجتمع والأمّة.

إنّ هذه المفاهيم الفلسفية تجعلنا نختلف عن الفكر الوضعي اختلافاً جذريّاً في فهم الحياة والوجود والبدايات والمآلات، ومن ثمّ لا نجعل معيار القانون الحقّ هو القانون الذي يمنح الراحة واللذّة، بل القانون الحقّ هو القانون العادل، والعدالة لا تعني الراحة ولا المساواة ولا نحو ذلك بالضرورة.. من هنا نلاحظ أنّ التشريعات الإسلاميّة لا يمكن أن تتطابق مع التشريعات الوضعية والحقوقية المعاصرة تطابقاً تامّاً، فللشريعة الإسلاميّة وجهة نظر، نعم من الممكن ـ عبر المنهج الاجتهادي الذي ألمحنا له في جواب الأسئلة السابقة ـ أن نقلّص هذا البعد وهذه الفرقة، أمّا الإلغاء فأجده صعباً للغاية، فهذه القوانين الوضعية بُنيت على فلسفة مغايرة للفلسفة الدينية، ومن الطبيعي أن تنشأ اختلافات وفقاً لذلك في النتائج الأخلاقية والقانونية وفي قضايا الحرّيات وغير ذلك، فالقوانين تتبع الرؤية الفلسفية للحياة والأهداف العليا وتتأثر بها.

لكن مع ذلك، إنّ التجربة القانونية الإنسانية المعاصرة يمكن أن تفيدنا كثيراً في اكتشاف الوعي العقلائي، وفي فهم بعض معايير أو تطبيقات العدل الذي يحكم به العقل، وفي تنظيم المسيرة الفقهية على مستوى المضمون وعلى مستوى اللغة والبيان والتبويب.

([1]) أجري هذا الحوار للعدد السادس من مجلّة (كفتمان الكو) الإيرانيّة، لعام 2014م.