الفقه الإسلامي وتحدّيات العصر الحديث

14 أغسطس 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
110 زيارة

الفقه الإسلامي وتحدّيات العصر الحديث

ـ القسم الثاني ـ

د. أبو القاسم فنائي(*)

ترجمة: حسن مطر

 

ب ـ إحلال «الإرادة» محلّ «الحقّ»

يذهب بعض المنظِّرين إلى القول بأن أحد الفروق بين العالم الجديد والعالم القديم يكمن في أن العالم القديم كان يتمحور حول «الحقّ»، بينما العالم الحديث يتمحور حول «الإرادة». ونحن نرى أن هذا الكلام موافقٌ للحقيقة تماماً، ولكنه بحاجة إلى شرحٍ وتوضيح. ولكي نوضِّح ذلك نضطر إلى الفصل بين دائرة الفكر ودائرة العمل، والبحث في آلية حلول الإرادة محل الحقّ في هاتين الدائرتين بشكلٍ مستقلّ.

وقبل كلّ شيء نخوض في الدائرة الفكرية. إن التحوُّل الذي حدث في هذه الدائرة إنما كان تحوّلاً في «أخلاق الإيمان»، أو «أخلاق التفكير والبحث». لقد كان سكان العالم القديم يتصوَّرون أن الحقّ (الأمر الواقع أو الواقعية) «بسيط» و«واضح» و«سهل المنال»، وإذا أنكره شخصٌ، أو أعرب عن شكِّه فيه، أو تردَّد، فهو «مريضٌ»، بمعنى أن رغباته ومطامعه وأهواءه ونزواته النفسية هي التي تحول دون رؤيته للحقّ والقول به. إن هؤلاء كانوا يتصوَّرون أن الحقّ واضحٌ وضوح الشمس في رابعة النهار، ويكفي للفرد أن يرفع رأسه إلى السماء ليراها. وبعبارةٍ أخرى: إن القدماء كانوا يتصوَّرون عدم وجود واسطة بين الإنسان والحقيقة، وأنه إذا كان هناك من واسطة فهي تتمثَّل بالإنسان المعصوم، وإنه هو الذي يضع الحقيقة بين أيدي الناس.

إن هذه الرؤية تقوم على فرضيتين هامّتين: إحداهما: في حقل «طبيعة» و«بنية» الواقعية أو الحقيقة([1])؛ والأخرى: في حقل «معرفة الإدراك النفسي».

أما الفرضية الأولى التي هي فرضية ميتافيزيقية ووجودية فتقول: «إن الحقيقة واضحة»، بمعنى أنها لا تشتمل على ظاهر وباطن، وهي فاقدةٌ للوجوه والأبعاد والزوايا والمراتب والطبقات والتضاعيف والتجلِّيات المتراكبة والمختلفة، ولا إبهام ولا غموض ولا تعقيد فيها.

وأما الفرضية الثانية، التي هي فرضية نفسية، فتقول: «إن الفرد في مقام إدراك حقيقة الواقعية منفعل تماماً، فهو مجرَّد متفرِّج»، وإن ذهنه يعمل كما تعمل المرآة الصافية، ويكفي منه أن يفتح عينيه ويجلو الصدأ المتراكم فوق قلبه ليبصر نور الحقيقة المنعكس على مرآة ذهنه وضميره. ويمكن تسمية هذا الرأي بـ «الواقعية البسيطة»([2]).

إن سكان العالم القديم؛ إثر قولهم بهاتين الفرضيتين، كانوا يجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام الحقيقة المجرَّدة، وإن الذي يواجه الحقيقة المجرَّدة لا يجد مناصاً من اختيار الحقيقة، وإذا رفضها أو أنكرها سيكون كافراً بالحقيقة، وإنّ كفره هذا ينشأ عن رذائله النفسية، ويكون معللاً وليس مدللاً، أي إنه يستند إلى العلّة، ولا يستند إلى الدليل.

إن من أهمّ الاكتشافات التي دفعت بالإنسان إلى الدخول في العالم الجديد هو أن الإنسان أدرك خطأ هاتين الفرضيتين، وأدرك تَبَعاً لذلك خطأ النتيجة المترتِّبة عليهما، وأدرك عندها بشكلٍ جيّد أن الحقيقة والواقعية ليست «بسيطة»، وإنما هي متداخلة وذات تضاعيف وذات وجوه ومراتب، وليس لها ظاهر وباطن فحَسْب، بل لها العديد من الظواهر والبواطن، وبذلك فهي غير واضحة، وإنما هي مبهمة وغامضة ومعقّدة وملغزة([3]). هذا كلّه أولاً.

وثانياً: إن ذهن الإنسان في مقام إدراك الحقيقة ليس مجرَّد منفعل ومتفرِّج، وإنما هو فعّال وخلاّق، ولا يكون لأوصاف الفرد الشخصية وخصائصه الروحية والنفسية، وفضائله ورذائله الأخلاقية والمعرفية، دورٌ في صياغة تفكيره فحَسْب، بل حتّى الأوضاع والأحوال الجغرافية والسياسية والاجتماعية والمعاشية والثقافية التي يعيش ضمن نطاقها تدخل أيضاً في بلورة علمه، أي إن علمه وتفكيره يمثِّل انعكاساً لجميع أبعاده الوجودية، وفي أفضل الحالات يمثِّل صناعة لعقلة الناقص والغضّ. وبذلك أدرك الإنسان أنه بدلاً من «الواقعية» يواجه على الدوام «صورة» عن الواقعية، أو أنه يكون أمام «نظرية» حول «الواقعية»، وهي أوّلاً: لا تتَّحد مع «ذات» الواقعية، وإنما تختلف عنها، ولا تتطابق معها مئة بالمئة، بمعنى أنها ليست مرآة عاكسة لجميع أجزاء الحقيقة، وإنما تكشف عن جانب أو ظاهر أو صورة أو هامش من الواقعية، فهي مجرَّد ظهور للواقعية وتصوير يعكس في الذهن جانباً من الحقيقة؛ وثانياً: إن هذه الصورة النظرية هي بنحوٍ من الأنحاء من صنع الذهن وصياغته، وإنها مفصّلة على مقاسه، ومحاطة بشخصه وذهنيَّته، ومسبوقة ومصبوغة بتاريخه وثقافته. ويقوم فهم الإنسان الحديث على أن ذهن الإنسان بمثابة المرآة «المحدَّبة» أو «المقعَّرة» أو «الملوَّنة»، وبذلك تكون رؤية الإنسان للحقيقة من وراء حجاب.

وبطبيعة الحال إن الإنسان في بحثٍ دائم عن الحقيقة، إلاّ أن نصيبه منها لا يعدو أن يكون مجرّد صورة عن الحقيقة، أو نظرية بشأن الحقيقة. وإنّه لا يتوصَّل إلى كُنْه الحقيقة أبداً (وهذا يعني أن الإنسان ليس إلهاً، بل هو عبدٌ). وإن هذه الصورة هي بطبيعة الحال مجرّد صورة للحقيقة، ولذلك فإنّ عدم إمكان الوصول إلى كُنْه الحقيقة لا يستلزم التشكيك([4]). إن بين الواقعية البسيطة والتشكيك فرضيّةً ثالثة باسم الواقعية المعقَّدة أو الانتقادية([5]). وقد عمد القدماء؛ فراراً من محذور التشكيك، إلى الارتماء في أحضان الواقعية البسيطة. لقد كان هؤلاء يذهبون إلى القول بأن للأشياء وجوداً وماهية، وإن الوجود الذهني للأشياء وإنْ كان مغايراً لوجودها العيني، إلاّ أن ماهية الأشياء في ذهن الإنسان هي «عين» ماهية الأشياء في خارج الذهن، وإن العلم بدوره ليس سوى المطابقة الماهوية للصور الذهنية مع الأشياء الخارجية، أو مطابقة ماهية الموجود في الذهن مع ماهية الموجود في خارج الذهن. وكان القدماء يرَوْن أن العلاقة بين الذهن والعين هي علاقة «العينية» و«التطابق».

أما المعاصرون فيقولون: إن العلاقة بين الذِّهن والواقع هي علاقة «اللازم والملزوم»، و«الظهور» و«الوجود»، أو «الظاهر» و«المظهر»، وليست علاقة «العينية». وإن المفاهيم الموجودة في الذهن عن «اللوازم الذهنية» و«اللوازم العقلية» تعتبر من مصاديقها، بمعنى أن هناك علاقة علية ومعلولية بين الذهن والواقع. وفي الوقت نفسه فإن المفاهيم الموجودة في الذهن (المعلوم بالذات) إنما هي ظهورٌ وتجلٍّ وانعكاس للأمور الواقعية (المعلوم بالعَرَض) في الذهن وللذهن. وفي هذه الرؤية يحلّ «تقرّب» الذهن إلى الواقع محل «تطابق» الذهن مع الواقع. إن هذه الرؤية تهرب من التشكيك، كما تهرب من الواقعية البسيطة، ومن الجَزْمية أيضاً، وتقدِّم تفسيراً صائباً عن وقوع الخطأ في الإدراكات، كما تبين اختلاف القِيَم والاعتبارات المعرفية للمدركات البشرية، وتبين منشأ الاختلافات النظرية للبشر أيضاً، في حين أن التشكيك والواقعية البسيطة تعجزان عن بيان هذه الظواهر الثلاثة.

وعلى هذا الأساس فإن البشرية قد بلغَتْ مرحلةً أدركت معها أن الحقيقة ليست سهلة المنال، وأنها مسألةٌ معقَّدة ومتداخلة، وتحمل الكثير من الوجوه، وأن نصيب الإنسان منها ليس سوى صورة عنها، وليست نفسها، وإن الصورة التي يحصل عليها الإنسان من الحقيقة يكون لها دخلٌ في تكوينها وصياغتها([6]). وبعبارةٍ أخرى: إن النظريات الموجودة في أذهان الناس إنما هي حصيلة «إعادة بناء»([7]) الواقعية من قبلهم. وبطبيعة الحال فإن إعادة البناء هذه تنقسم إلى: «عقلانية»؛ و«غير عقلانية».

ومضافاً إلى ذلك أدرك الإنسان أن الحقيقة الواحدة يمكن لها أن تحمل الكثير من الوجوه المختلفة، ويمكن أن يكون هناك الكثير من القراءات والتفاسير والنظريات للحقيقة الواحدة. ولا فرق من هذه الناحية بين الطبيعة والشريعة، أو كتاب التكوين وكتاب التشريع. إن عالم الوجود بمثابة النصّ الذي يمكن النظر إليه من مختلف الزوايا، وتقديم أكثر من قراءةٍ له. وإن فهم الطبيعة ـ مثل فهم الشريعة ـ يستند إلى ركنين، وهما: الركن «الداخلي» (المصدر)؛ والركن «الخارجي» (الأساليب والمتبنيات).

والنقطة الهامّة التي ينبغي الالتفات إليها هنا هي أن الإنسان القديم والإنسان الحديث لا يختلفان في الوصول إلى الحقيقة وعدم الوصول إليها، وإنما في تصوُّر الوصول إلى هذه الحقيقة وعدم هذا التصوُّر. إن الاكتشاف الكبير الذي توصَّل إليه الإنسان الحديث هو أن الإنسان القديم كان يحمل صورةً خاصة عن الحقيقة متصوِّراً أنها هي الحقيقة، وكان يسقطها على العالم الخارجي، معتبراً إيّاها عين الحقيقة. كان الإنسان القديم يتصوَّر أنه يمتلك الحقيقة، ويعتبر نفسه واصلاً إلى الحقيقة، في حين لم يكن ما يمتلكه سوى صورةٍ ناقصة عن الحقيقة. وكان هذا الاكتشاف هو الذي أغلق سوق الاتّجار بالحقيقة إلى الأبد، وجعل بضاعة تجّار الحقيقة كاسدة، حيث اتّضح أن هؤلاء يستبدلون الحقيقة بصورةٍ من صورها، ويعبدونها بوصفها حقيقة مطلقة، ويَدْعون أنفسهم والآخرين إلى اقتنائها. وهكذا حلَّ «التقرُّب» من الحقيقة محلّ «الوصول» إليها في العالم الجديد، عندما أدرك الإنسان جيِّداً أن عليه الاكتفاء باقتناء صورة عن الحقيقة أو نظرية حول الحقيقة دون الحقيقة نفسها، وأن لا يطمع بالوصول إلى المستحيل([8])، بمعنى أنه مهما حاول البحث عن الحقيقة فلن يحصل على غير حظٍّ منها أو صورة أو انعكاس أو نظرية بشأنها.

وعلينا هنا أن نضيف هذه النقطة أيضاً، وهي أن تعدُّد الصور والنظريات والتجلِّيات والقراءات لا يعني أنها متكافئةٌ ومتساوية من الناحية المعرفية. فهناك صورة جيدة وصورة رديئة وصورة ممتازة. إن الصور ليست متساوية من ناحية القرب والبعد من الحقيقة([9]). وإن النقطة الوحيدة التي تشترك فيها جميع هذه القراءات تكمن في أنها لا تمثِّل عين الحقيقة، ولا المرآة العاكسة لجميع تفاصيلها، فهي لا تظهر كُنْهها، ولا جميع أبعادها وأركانها وزواياها وأضلاعها وتضاعيفها. إن صورة الحقيقة هي صورة الحقيقة فقط، وليست الحقيقة نفسها، ولا صورة غيرها.

وبعبارةٍ أوضح: إن جميع الصور أو النظريات الموجودة في أذهاننا عن الحقيقة لها حظٌّ من «الواقعية»([10])، ولها حظٌّ من «الموضوعية»([11])، إلاّ أن هذا الحظّ من الواقعية والموضوعية ليس متساوياً بالضرورة. نعم، لو توصَّلنا في موردٍ ما إلى تكافؤ الأدلّة، بمعنى أن الأدلة والشواهد والقرائن الموجودة لصالح احتمال صدق الصورة العاكسة للواقع، أو أن القراءات المختلف الموجودة لدينا كانت تتمتَّع بوزن وقوة معرفية واحدة، فإن تلك الصور والقراءات ستكون على مرتبةٍ واحدة من الناحية المعرفية أيضاً. وعلى أيّ حال فإن القيمة والاعتبار المعرفي لتلك الصور المختلفة تابعٌ للأدلة الموجودة لصالحها.

وفي العادة تعمل كلّ صورة على بيان جانب من الحقيقة، وإن اختلاف الصور إما أن يعود إلى أن صورة من الصور تعكس ـ بالمقارنة إلى الصور الأخرى ـ ذلك الجانب الخاصّ من الحقيقة بشكلٍ أفضل وأوضح وأدقّ وأعمق، أو أن تعكس جانباً أكبر من الحقيقة، بمعنى أنها أشمل نسبياً من الصور الأخرى، ولكنْ لا توجد هناك صورة جامعة وكاملة تماماً، وإنّما لكلّ صورة حظٌّ من الحقيقة، وقلَّما يكون هناك صورة ليس لها حظٌّ من الحقيقة، إذا لم نقُلْ: لا وجود للباطل المحض.

وبعبارةٍ أخرى: إن الصور المختلفة عن الحقيقة تمثِّل نظريات مختلفة حول الحقيقة، وإن حظّ الإنسان في مقام المعرفة هو على الدوام نظرية من النظريات الأخرى بشان الحقيقة، وليس الحقيقة نفسها. ومن الناحية المعرفية تنقسم النظريات إلى: نظريات جيدة؛ ونظريات رديئة، ونظريات موجهة؛ ونظريات غير موجهة. وإن النظريات الجيِّدة والموجّهة قد تكون ذات درجات مختلفة في ما يتعلَّق بالتوجيه المعرفي.

لو أن شخصاً آمن بالمقدّمات التالية:

1ـ إن الحقيقة معقّدة وذات وجوه كثيرة.

2ـ إن الإنسان في مقام إدراك الحقيقة ليس مجرَّد متفرِّج، وإن الصورة المنطبعة في ذهنه عن الحقيقة، بالإضافة إلى كونها صورة للحقيقة، هي من ناحيةٍ أخرى من صنع الإنسان؛ لكونها متأثِّرة بمعلوماته السابقة ومجهولاته الراهنة، وخصوصياته الروحية والنفسية والجسدية، والأجواء والمناخات التي يعيش فيها.

3ـ يمكن أن تكون هناك الكثير من الصور للحقيقة الواحدة.

سيضطر إلى الالتزام بالتداعيات المترتِّبة على هذه المقدّمات أيضاً. وإن الالتزام بهذه المقدِّمات سوف يشتمل على الكثير من التداعيات الهامّة، ومنها:

إنّ أُولى تداعيات ذلك عبارةٌ عن «التواضع العقلاني»، الذي يستلزم بدوره «التساهل» و«التسامح» في التعاطي مع آراء ونظريات وأفكار الآخرين. فإن الذي يرى أن الحقيقة واضحة ومجرَّدة، ويرى نفسه عالماً بالحقيقة الكاملة، معتبراً صورة الحقيقة التي يمتلكها هي الحقيقة ذاتها، ويدعو الآخرين إليها، لا شَكَّ في أن تفكيره سيكون تفكيراً جَزْمياً وحَتْمياً، بمعنى أنه لن يأخذ نقد الآخرين بجدّية، ولن يتسامح أو يتساهل مع آراء ونظريات الآخرين. فإن الذي يرى رأيه وتفسيره ونظريته عن الحقيقة هي عين الحقيقة، وأنه الحقّ المَحْض، فإنّه لا محالة سيعتبر الآخرين هم الباطل المَحْض([12]).

أما الذي يعلم أن نصيبه ونصيب غيره من الحقيقة لا يعدو على الدوام أن يكون صورة عنها، وهي صورة لا تمثِّل عين الحقيقة، وهي على مسافة من الحقيقة، ويمكن لهذه الصورة أن تستبدل بصورةٍ أفضل منها، والذي يعلم أن إدراك الإنسان ليس موضوعياً بحتاً، وأن أوصاف وخصوصيات «المعرف» تسقط على «علمه» الذي هو «فعل» ذهنه ونتاج نشاط قواه الإدراكية وغير الإدراكية، لا يفكِّر تفكيراً جزمياً، ولا يتعامل مع الذي لا يشاطره التفكير بعنفٍ وقسوة. وإن مثل هذا الشخص لن يكون مستبدّاً، ولا يخضع للاستبداد. إن العنف في مقام العمل وليد الجَزْمية والحَتْمية في مقام التنظير([13]).

ومضافاً إلى ذلك فإن التواضع العقلاني يدعو المَرْء على الدوام إلى تحصيل المزيد من المعرفة، أو تحسين معرفته ومعلوماته من قبل الآخرين، سواء أكانوا من الأصدقاء أو الأعداء، من الموافقين أو المخالفين. فالذي ينشد الحقيقة، ويدرك أنه لا يمتلك من الحقيقة سوى صورتها، وإن بإمكانه تحسين هذه الصورة، فإنه سيشمِّر عن ساعدَيْه تلقائياً، ويجدّ في تهذيب وتنقيح الصورة التي لديه عن الحقيقة، ولن يقنع بما يمتلكه من صورةٍ عن الحقيقة أبداً([14]). إن الذي يدرك محدودية ذهن الإنسان في مقام فهم الحقيقة، ويدرك تعقيد المسار الذي يسلكه الفهم، يرى في اختلاف الناس في فهم الحقيقة أمراً طبيعياً، وأنه ناشئٌ إلى حدٍّ ما من بنية الواقعية، وآلية الإدراك لدى الإنسان. أما الذي يعتبر نفسه واصلاً إلى الحقيقة فلن يجد ضرورةً إلى المزيد من البحث. ويرى اختلاف الناس بشأن الحقيقة ناشئاً عن اتّباع الأهواء والرغبات دائماً، وليس في بعض الموارد فقط.

ولكنْ يمكن القول من الناحية الدينية: إن هذا الشخص إنما يصدح بالألوهية؛ لأن الله وحده الذي يدرك كُنْه الحقيقة؛ لأنّه هو كُنْه الحقيقة: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ﴾ (الحديد: 3). وبطبيعة الحال نحن لا ننكر أن بعض الناس إنما ينكر الحقيقة مكابرةً أو عصبية أو لسائر الرذائل المعرفية المتجذِّرة في وجوده، ولكنْ هل منشأ إنكار الحقيقة في موردٍ خاصّ، ومن قبل شخص بعينه، «دليلٌ» أو «علة»؟ سؤالٌ لا يعرف جوابه إلاّ مَنْ يعلم الغيب. أما الذين لا يعلمون الغيب فيحتاجون إلى الشواهد والقرائن المقنعة للبتِّ في ذلك.

وإذا تجاوزنا هذه المسائل الفرعية والهامّة في الوقت ذاته نصل إلى كيفية حلول «الإرادة» محلّ «الحقيقة» في العالم الحديث. دليل ذلك أن الإنسان الحديث، بدلاً من أن يرى نفسه في مواجهة «الحقيقة»، أخذ يرى نفسه في مواجهة «الصور» المتنوِّعة والمختلفة عن الحقيقة أو النظريات المختلفة بشأن الحقيقة، الأمر الذي وفَّر له إمكانية ـ بل ضرورة ـ أن «يختار» من بين هذه الصور والنظريات([15]). وحيثما حلَّ خيار الانتخاب والانتقاء انفتح الباب أمام أشياء أخرى أيضاً.

فأوّلاً: إن الانتخاب والاختيار هو عين ممارسة الإرادة. وعليه فإن التغيُّر الذي حدث أوّل الأمر هو أن صورة الحقيقة حلَّتْ محلّ الحقيقة، ثمّ انسحبت الصورة الواحدة لصالح الصور المتعدِّدة، ثم حصلت موضوعية لإرادة الإنسان في اختيار وانتخاب صورة واحدة من بين الصور المتعدِّدة. وعلى هذا الأساس فإن مطالبة الإنسان المعاصر بالحصول على الحقّ ليست بأقلّ من مطالبة الإنسان القديم بالحصول على هذا الحقّ، ولم يحلّ محلَّها شيءٌ، ولا يمكنه أن يحلّ محلها. وإذا كان هناك من فرق فيكمن في أن الإنسان القديم كان ممسكاً بصورةٍ واحدة عن الحقيقة، وكان يعتبرها عين الحقيقة، ولذلك لم يكن هناك من مورد للانتخاب والاختيار وممارسة الإرادة، في حين أن الإنسان المعاصر؛ حيث وجد نفسه في مواجهة الكثير من الصور التي تمثل الحقيقة أو النظريات المختلفة بشأن الحقيقة، كان مضطراً إلى اختيار واحدة من بينها، وهذا الاختيار هو عبارةٌ أخرى عن ممارسة الإرادة واتّخاذ القرار.

وثانياً: إن الانتخاب والاختيار الذي هو نوعٌ من الأفعال النفسانية مقترن بالمسؤولية، ويقع عرضةً للنقد والتقييم العقلاني، ويكون محكوماً للقِيَم والضرورات والمحظورات الأخلاقية. وهذا يعني أن العقل العملي يتقدَّم على العقل النظري من بعض الجهات. إن حقّ الانتخاب يلازم المسؤولية والتكليف، وإن جميع هذه الأمور الثلاثة، أي «الحقّ» و«المسؤولية» و«التكليف»، تتعلَّق بالعقل العملي. إن «حقّ» الإنسان في الانتخاب، سواء في أمر الدين أو غيره، لا يعني رفع التكليف عن كاهله. فالإنسان المحقّ عندما يواجه العديد من الصور عن الحقيقة، أو النظريات المتنوِّعة بشأن الحقيقة، يكون من الواجب عليه ـ عند الإمكان ـ أن يختار من بين هذه الصور والنظريات أفضلها وأحسنها. وهذا تكليفٌ عقلاني وأخلاقي ينشأ عن الهوية الإنسانية للإنسان. إن الحرِّية في هذا المقام تعني الحرِّية «السلبية»، بمعنى التحرُّر من إكراه الآخرين، وليست بمعنى التحرُّر عن المنطق والمعرفة والأخلاق، ولا بمعنى فقدان المعايير المعرفية والأخلاقية. وبطبيعة الحال إذا لم يتمكَّن الفرد من البحث في هذا المجال بنفسه يحقّ له، بل يجب عليه في بعض الموارد، أن يراجع المتخصِّصين في هذا المجال، فإن الرجوع إلى المتخصِّصين في هذا المورد لا يتنافى مع العقلانية([16]).

كان القدماء يتصوَّرون أن العقل النظري متقدِّم على العقل العملي، بمعنى أنهم كانوا يتصوَّرون عدم وجود العقل العملي، أو أنه إذا كان موجوداً اقتصر نشاطه على دائرة السلوك الخارجي والجسدي، ولا ربط له بمقام الإدراك والمعرفة. إن الإدراك والفهم الذي كان لديهم عن الأخلاق لا يشمل أخلاق الإيمان، ولا أخلاق التفكير والبحث. أما المعاصرون فيذهبون إلى القول بأن التفكير (والإيمان وعدم الإيمان) هو نوعٌ من أنواع الفعل النفسي الإرادي والاختياري، وبذلك يكون ـ مثل سائر الأفعال الإرادية والاختيارية ـ عرضةً للتقييم الأخلاقي، ويكون محكوماً للضرورات والمحظورات العقلانية (والأخلاقية)([17]).

وعلى هذا الأساس فإن اختيار صورةٍ أو نظرية واحدة من بين الصور والنظريات المختلفة يجب أن لا يقوم على الأهواء والرغبات الاعتباطية والجزافية، بل يجب أن يقوم على أساسٍ من المعايير والملاكات العقلانية أو المقتضيات العقلانية. إن الفرد في ما يتعلَّق باختيار صورةٍ أو قراءة أو نظرية من بين الصور والقراءات والنظريات المختلفة إما أن يكون تابعاً لـ «الدليل»، أو محكوماً لـ «العلة».

فإن كان محكوماً للعلّة ستكون الصورة «أيديولوجية» بحَسَب اصطلاح ماركس، أي إنها عقيدة لا يستند الإيمان بها إلى أيّ تبرير أو توجيه عقلاني، وإنما يمكن تفسيرها من خلال إرجاعها إلى عللها([18]). في هذه الفرضية لا وجود لأي معيار وبحث عقلاني، وحيث تكون القوى الإدراكية للفرد أسيرة للعلل التي تدفعه إلى اختيار صورة أونظرية بعينها فإنّ تمسُّكه بتلك الصورة والنظرية لا يزول من خلال إقامة الدليل ضدّها، وإثبات خطئها وبطلانها أو نقصانها، بل الأمر على العكس من ذلك تماماً؛ إذ إن ذلك الفرد سيعتبر هذه الأدلّة مجرّد شبهات تثار من قبل الأعداء ـ وهم من وجهة نظره أعداء ألدّاء ـ لغرض تضليله. وهذا هو الوَهْم الذي يعاني منه المستبدّون المتهالكون على السلطة عادةً، ويُقْدِمون بسببه على ارتكاب الفظائع، التي تبلغ أحياناً حدَّ المجازر الجماعية، وعلى حدِّ تعبير المولوي: (إذا المرء ابتلي بسوء الظنّ لن يقنعه الكلام الصادق المدعوم بألف دليلٍ ودليل)!([19]).

وأما إذا عمد الفرد إلى اتّباع «الدليل»، واتّخذ القرار في مقام انتخاب واختيار الصورة أو النظرية على أساس المقارنة العقلانية، فإن دليله سوف لا يخلو؛ فهو إمّا أن يكون «معرفياً»؛ أو «تابعاً للمصلحة» و«آلياً»، بمعنى أن بالإمكان الاستفادة في هذا المقام من نوعين من المعايير. فإذا كان الفرد عاقلاً بما يكفي، ولم يكن عقله تحت سيطرة الأهواء والرغبات والمال والسلطة والمناصب أو الأمور الأخرى، فإنه سيتبع المعايير والمقتضيات العقلانية النظرية، أو المعايير والمقتضيات العقلانية العملية.

وإذا كان الشخص ساعياً وراء الحقيقة فإن وظيفته العقلانية تقتضي منه أن يختار الصورة أو النظرية التي تكون أقرب إلى الحقيقة؛ لأن غاية العقلانية هي «التقرُّب من الحقيقة»، ولذلك فإن أفضل صورة أو نظرية ـ إنْ كتب لها الوجود ـ من زاوية هذه العقلانية هي الصورة أو النظرية الأقرب من الحقيقة. وإن المعيار الوحيد لحسن وقبح الصورة أو النظرية في هذا المقام عبارةٌ عن بُعْدها أو قُرْبها من الحقيقة أو احتمال الصدق([20])، بمعنى أن الصورة الأفضل من هذه الزاوية هي تلك الصورة التي يكون احتمال صدقها أكبر من احتمال صدق سائر الصور الموجودة، والتي يمكن الحصول عليها. إن المسؤولية العقلانية لدى الشخص في هذا المقام تفرض عليه أن يتمسَّك بمعايير العقلانية النظرية (المنطق والمعرفة والتفكير النقدي وما إلى ذلك)، وأن يقارن بين مختلف الصور المتوفِّرة عن الحقيقة، ويستعرض أدلّتها، ويزنها بميزان عقله وتجربته. ويبدو أن نتيجة هذه العملية لن تخرج عن إحدى حالات أربع:

الأولى: في هذه الحالة يعمل الشخص من خلال دراسة الأدلّة والشواهد للعثور على الصورة أو النظرية الأقرب إلى الواقع. وهنا تفرض عليه مسؤوليته العقلانية اختيار تلك الصورة والنظرية إلى حين العثور على صورةٍ أو نظرية أفضل منها، وعندها يتعين عليه الانتقال إلى الصورة الأفضل، ولكنْ لا بوصفها الحقيقة الكاملة، وإنما بوصفها الصورة الأفضل من غيرها عن الحقيقة التي يمكن الحصول عليها، أو أنها النظرية الأفضل في باب الحقيقة.

الثانية: في هذه الحالة يصل الشخص إلى تكافؤ الأدلّة، حيث يرى نفسه أمام صور أو نظريات هي:

أـ متكافئة من الناحية العقلانية، ولا رجحان لبعضها على بعض.

ب ـ إلاّ أنه يمكن التلفيق بين هذه الصور للخروج بصورةٍ جديدة تشتمل على محاسن ومزايا أكثر من الصور الموجودة. كما أن مساوئها أقلّ من مساوئ الصور المتوفِّرة. في مثل هذا الحالة تقتضي المسؤولية العقلانية من الشخص أن يبذل ما بوسعه من أجل البحث والوصول إلى هذه الصورة الجديدة، وبعد إبداع هذه الصورة والنظرية أو اكتشافها يعمل على اختيارها بوصفها أفضل الصور أو النظريات المتاحة، وأن يعمل على دعوة الآخرين إلى اختيارها بهذه الصفة، أي بوصفها أفضل الصور الممكن تلفيقها عن الحقيقة، وليس الحقيقة نفسها، ويطالبهم بالعمل على نقدها وتنقيحها وتكميلها.

الثالثة: في هذه الحالة يصل الشخص إلى تكافؤ الأدلّة، حيث يرى نفسه أمام صور أو نظريات هي:

أـ متكافئة من الناحية العقلانية، ولا رجحان لبعضها على بعض.

ب ـ إلاّ أنه لا يمكن التلفيق بين هذه الصور للخروج بصورةٍ جديدة تشتمل على محاسن ومزايا أكثر من الصور الموجودة، وأن تكون مساوئها أقلّ من مساوئ الصور المتوفِّرة. في مثل هذا الحالة تقتضي المسؤولية العقلانية من الشخص الرجوع إلى المعايير العقلانية العملية؛ بغية الاختيار من بين هذه الصور والنظريات.

في هذه الحالة لا يوجد لدى العقلانية النظريّة ما تقوله إطلاقاً، بمعنى أن معايير العقلانية النظرية لا تستطيع أن تساعد الفرد على اختيار أفضل صورة أو نظرية، أو اكتشافها أو إبداعها؛ لأن الصورة أو النظرية الأفضل في المقام هي تلك التي تكون أقرب إلى الواقع والحقيقة من سائر الصور والنظريات الأخرى، والمفروض أنها غير متوفِّرة، وإن الأدلة والشواهد الموجودة تحكي عن تساوي جميع تلك الصور والنظريات في المسافة من الواقع والحقيقة.

إلاّ أن تكافؤ هذه الصور والنظريات المختلفة من ناحية «العقلانية النظرية» لا يستلزم تكافؤها من ناحية «العقلانية العملية». إن النظريات المختلفة التي تعكس الواقع من خلال الأدلّة والشواهد المتوفِّرة بدرجةٍ واحدة قد لا تكون متكافئة في تلبية متطلباتنا العملية، وقد يشكِّل بعضها وسيلةً وأداة أفضل للوصول إلى الغايات والأهداف العملية. وبعبارةٍ أخرى: إن مقتضى البحث عن الحقيقة في هذه الحالة بالنسبة إلى جميع الصور أو النظريات المتاحة واحدٌ، بمعنى أن جميع هذه الصور تشبع ميل الإنسان إلى البحث عن الحقيقة بدرجةٍ واحدة، ولا فرق بينها من هذه الناحية. ولكن في الوقت نفسه قد لا تكون متساويةً من جهاتٍ أخرى، ومن ناحية تلبية الغايات والأهداف الأخرى.

الرابعة: في هذه الحالة يصل الشخص إلى تكافؤ الأدلّة، حيث يرى نفسه أمام صور أو نظريات هي:

أـ متكافئة من الناحية العقلانية، ولا رجحان لبعضها على بعض.

ب ـ إلاّ أنّه لا يمكن التلفيق بين هذه الصور للخروج بصورةٍ جديدة تشتمل على محاسن ومزايا أكثر من الصور الموجودة، وتكون مساوئها أقلّ من مساوئ الصور المتوفِّرة.

ج ـ وكانت الصور المتوفِّرة تلبي حاجة الفرد (أو المجتمع) العملية بشكلٍ متكافئ.

في مثل هذه الحالة لا يوجد معيارٌ عقلاني للاختيار من بين الصور المختلفة عن الحقيقة. ولذلك لا يكون الفرد مطالباً بأيّ مسؤوليةٍ من الناحية العقلانية، أي يمكنه أن يختار واحدةً من تلك الصور ـ على أساس المعايير غير العقلانية، وحتى الأذواق الشخصية ـ لتكون هي الصورة المعبِّرة عن الحقيقة، ويبقى على تمسُّكه بها إلى حين العثور أو الكشف عن الصورة الأفضل أو الحصول على أدلّةٍ جديدة تخرجه من حالة تكافؤ الأدلّة، ويمضي على أساسها، أو أن يبقي اعتقاده معلَّقاً إذا أمكنه ذلك([21]).

اتَّضح حتّى الآن كيف حلَّت الإرادة محلّ الحقّ في العالم المعاصر في مقام المعرفة ودائرة العقل النظري([22]). ولم يكن هذا الأمر بسبب الإعراض عن الحقّ والحقيقة، أو الافتقار إلى الدافع نحو طلب الحقيقة، أو اضمحلال هذا الدافع، وإنما بسبب إدراكه أن حظَّه ونصيبه من الحقيقة لا يعدو أن يكون مجرَّد صورةٍ عنها. وإذا كان نصيب الإنسان من الحقيقة هو مجرَّد صورة عنها، وإذا كانت الحقيقة تتجلَّى ضمن آلاف الصور، وإذا كان لتصوير المَرْء وذهنه دورٌ في مقام الكشف عن الحقيقة، وإذا كان بإمكان الحقيقة أن تلبس الكثير من الصور، وتظهر في مختلف الثياب، وإذا كان لمعلومات المَرْء ومجهولاته تأثيرٌ على إدراكه وفهمه للواقعية، وإذا كانت معلومات المَرْء ومجهولاته مختلفة عن بعضها من الناحية الكمية والكيفية، فإن الناس في هذه الحالة، بدلاً من مواجهة الحقيقة، سيواجهون مختلف الصور والقراءات عنها، ويمكن، بل يحقّ لهم، بل يجب عليهم، أن يختاروا من بينها. وليس هذا الاختيار شيئاً آخر غير ممارسة الإرادة. وهكذا نصل إلى المسؤولية العقلانية وأخلاق الإيمان، أو بعبارةٍ أفضل: إلى أخلاق التفكير، وتقدُّم العقل العملي على العقل النظري([23]).

إن من النقاط المذهلة هي أن أدبيّاتنا الدينية والعرفانية والفلسفية تؤيِّد هذه الرؤية والمسلك الذي توصَّل إليه الإنسان المعاصر في ما يتعلَّق بالحقّ والحقيقة بشكلٍ كامل([24]).

أوضحنا حتّى الآن كيف حلَّت الإرادة ـ في العالم المعاصر والدائرة النظرية ـ محلّ الحقّ.

وفي ما يلي ندخل في بيان اختلاف العالم الجديد عن العالم القديم في الدائرة العملية. ومن تفسيرات حلول الإرادة محلّ الحقّ في هذا المورد أن نقول: إن الذين يعيشون في العالم الجديد؛ حيث يئسوا من فهم الحقيقة، تخلّوا عن البحث عنها، وقالوا: بدلاً من «تفسير» العالم ـ الذي هو أمرٌ مستحيل ـ من الأفضل أن نوفِّر الوقت والطاقة باتجاه ما هو ممكنٌ، والممكن هنا هو «تغيير» هذا العالم.

إلاّ أن هذا التفسير لا ينسجم مع الواقعية، وليس وفيّاً للحقيقة؛ إذ لا يمكن القول: إن رغبة ودافع الإنسان المعاصر إلى الكشف عن الحقيقة أضعف من رغبة الإنسان القديم في هذا الاتجاه، بل على العكس من ذلك، ربما أمكن القول: إن رغبة الإنسان المعاصر أضحَتْ أقوى وأشدّ من رغبة الإنسان القديم. فهو على الرغم من إدراكه بأنه لا يستطيع الوصول إلى كُنْه الحقيقة أبداً، ولكنّه يدرك في الوقت نفسه إمكانية الاقتراب من الحقيقة أكثر فأكثر. وعلى هذا الأساس فإن الذي يبذل قصارى جهده من أجل الاقتراب من الحقيقة يدخل مساراً لا نهاية له، وليس له حدود يقف عندها. إن اختلاف المعاصرين عن القدماء لا يكمن في أن إرادة القدماء تتّجه إلى التفسير، بينما إرادة المعاصرين تتّجه إلى التغيير، وإنما التفاوت بينهما يكمن في أن جَزْمية وقَطْعية القدماء ـ التي تُعَدّ من مثالبهم المعرفية ـ قد تركَتْ مكانها لصالح التواضع العقلاني، الذي يُعَدّ من الفضائل المعرفية. وإن التواضع العقلاني قد حوَّل البحث عن الحقيقة إلى جهدٍ متواصل يستمرّ مدى الحياة، خلافاً للنزعة الجَزْمية والحَتمية، التي تضطرّ الفرد إلى خداع ذاته، والاقتناع بصورةٍ عن الحقيقة، معتبراً نفسه واصلاً إلى الحقيقة، وغنياً عن بذل المزيد من البحث عنها.

كما يمكن تقديم تفسيرٍ آخر لهذا الادّعاء ـ وهو الذي رعاه الدكتور سروش في «مفهوم ومبنى العلمانية» ـ، وذلك بأن نقول: إن العالم المعاصر شهد انهيار مسلَّمة أخرى من المسلَّمات الميتافيزيقية التي كانت تشكِّل ركناً من أركان عقيدة الإنسان القديم، حيث كان يبلور على أساسها طريقة رؤيته لعالم الوجود([25]). وقد تمثَّلت تلك المسلمة بالقول: إن عالم الوجود بشكله الراهن هو عالَمٌ كامل، وإنّ كل شيء فيه في موضعه الصحيح، وإن الحالة الطبيعية للأشياء هي الحالة التي عليها الآن. ومن وجهة نظر الإنسان القديم لا يوجد فرقٌ بين «ما هو كائنٌ» و«ما يجب أن يكون»، فليس بالإمكان أبدع مما كان.

وهذا الأمر لم يكن يسمح للإنسان القديم بالتفكير في العمل على تغيير العالم على نحو ما يفكِّر به الإنسان المعاصر. فكلّ شيء عنده في موضعه الصحيح والطبيعي، وإنّ وجوده في ذلك الموضع يعبِّر عن الوضع الأمثل والممكن تصوُّره في إطار الوصول إلى الهدف والغاية المنشودة.

بَيْدَ أن الإنسان المعاصر أدرك أن هذه المسلَّمة الميتافيزيقية لا تقوم على أساس متين، وأنّ جزءاً من مهمّة إيصال الطبيعة إلى الكمال قد أُلقي على كاهل الإنسان نفسه. وهكذا حلَّت إرادة تغيير العالم محلّ الاستسلام للمصير والقضاء والقدر، أو بعبارةٍ أفضل: إن إمكانية تغيير العالم على يد الإنسان تعتبر جزءاً من المصير والقضاء والقدر. ومنذ ذلك الحين لم يعُدْ الإنسان يكتفي بتفسير العالم، وإنما بدأ يسهم في صنعه وتغييره. وعلى الرغم من هذا كلِّه فإن تغيير العالم لم يأخذ مكان تفسيره؛ إذ أدرك الإنسان جيداً أن تغيير العالم رهنٌ بصحّة تفسيره. فإذا كان القدماء يريدون العلم لذات العلم فإنّ المعاصرين يريدون العلم للعمل أيضاً، أو ربما أرادوه للعمل فقط؛ إذ ما لم نفهم الأشياء بشكلٍ صحيح، وكما هي، لن نستطيع التصرُّف فيها وتغييرها بالشكل المطلوب.

وعلى هذا الأساس فإن تغيير العالم في العصر الراهن لم يحلّ محلّ تفسيره، بل بدأ تفسير العالم يستعمل بغية تغييره. نعم، يمكن القول: إن التفسير الميتافيزيقي والأسطوري للعالم كان هو الغالب في العالم القديم، وفي العالم المعاصر أصبح التفسير العلمي للعالم هو الغالب، وإن ذلك التفسير لم يكن يبقي مساحةً للعمل على تغيير العالم، في حين أن التفسير العلمي إذا لم يَدْعُ الإنسان إلى تغيير العالم، ولم يحفِّزه باتّجاه التصرُّف في الطبيعة، فإنّه في الحدّ الأدنى يضع بين يديه المقدّمات والأدوات اللازمة للقيام بهذا الأمر.

كما يمكن بيان حلول الإرادة محلّ الحقّ بشكلٍ آخر([26])؛ إذ يمكن القول: إن سكان العالم القديم وسكان العالم الجديد كانوا يبدون تجاه الحوادث المأساوية ردود أفعالٍ مختلفة. ففي العالم القديم عندما لا تكون الأمور على وفق رغبة الإنسان كان يسعى جاهداً إلى تغيير مراده؛ لينسجم مع تلك الأمور، من خلال الرضوخ للقضاء والقدر، بمعنى أن هذا السلوك كان يعتبر فضيلةً من الناحية الأخلاقية. ففي ذلك العالم كان الناس ينظرون إلى الحوادث المأساوية باعتبارها «حقّاً» أو «حقيقة»، ويستسلمون لها. وقد كان الدرس الأخلاقي الذي يحتذيه سكان العالم القديم يقول: (غيِّر عالمك الداخلي؛ لينسجم مع العالم الخارجي).

وأما في العالم الجديد فمنذ أن ولج الإنسان عصر الحداثة أضحى أسلوب التعاطي مع الأحداث المأساوية في العالم الخارجي معكوساً؛ إذ أخذ سكّان هذا العالم يسعَوْن إلى تغيير العالم الخارجي بشكلٍ يجعله منسجماً مع عالمهم الداخلي. إن الإنسان المعاصر لا ينظر إلى العالم الخارجي بوصفه حقّاً أو حقيقة، وقضاء وقدراً إلهياً محتوماً، ولا يستسلم له، وإنما يسعى إلى إيجاد الانسجام بين العالم الداخلي والعالم الخارجي من خلال إحداث تغيُّرات مناسبة في العالم الخارجي. وهذا يعني استبدال الحقّ بالإرادة. وإن هذه المسألة تظهر مكمن السرّ في تقدُّم العلوم التجريبية أيضاً؛ لأن هذه العلوم هي وحدها القادرة على تغيير العالم الخارجي.

 

ج ـ العالم الحديث عالم الأخلاق الحديثة

أشَرْنا في الفصل الأول من كتابنا (الدين في ميزان الأخلاق) إلى بعض خصائص الأخلاق في العالم المعاصر. وقلنا: إن أهم خصوصية في أخلاق العالم المعاصر تكمن في أن الأخلاق في هذا العالم أصبحت «علمانية» و«ما فوق دينية»، أي إنها أصبحت مستقلّةً عن الدين من جميع الجهات، باستثناء الجهة التاريخية. وإن صيرورة الأخلاق علمانية بمعنى علمانية «التفكير» الأخلاقي، وبمعنى علمانية «الدوافع» الأخلاقية. إن العلمانية الأخلاقية عبارةٌ عن الاعتقاد بأن الأخلاق مقولةٌ «ما فوق دينية»، بمعنى:

1ـ إن تعريف المفاهيم الأخلاقية وتطبيق القِيَم الأخلاقية ليس «تابعاً» لأمر ونهي الإله الشارع.

2ـ إن المعتقدات الأخلاقية ليست مدينةً في اعتبارها وتبريرها إلى المعتقدات الدينية.

3ـ إن الدوافع الأخلاقية ليست دوافع دينية بالضرورة.

4ـ إن عقلانية الالتزام الأخلاقي ليست رهناً باعتناق الدين والإيمان بالمعتقدات الدينية.

5ـ من الممكن اكتشاف القِيَم الأخلاقية ومعرفتها من غير طريق الوحي والنصوص الدينية.

وفي ما يلي نذكر جانباً آخر من خصائص الأخلاق في العالم المعاصر.

إن من أهمّ هذه الخصائص «استقلال» الأخلاق الاجتماعية عن الأخلاق الفردية.

عمدنا في الفصل الثاني من كتابنا (الدين في ميزان الأخلاق) إلى تعداد الخصائص والفوارق بين الأخلاق الفردية والأخلاق الاجتماعية، وقلنا هنالك: إن الأخلاق الاجتماعية لم تكن معروفةً في العالم القديم على نحو ما هي معروفة حالياً في العالم الجديد، وإن العلاقات الاجتماعية قبل أن تقوم على العلاقات الأخلاقية كانت تقوم على القوّة والقهر والغلبة، وفي أحسن الحالات على أساس القِيَم والفضائل الأخلاقية الفردية. فعلى سبيل المثال: كان العالم القديم يعرِّف العدالة بـ «إيجاد التوازن في النفس الإنسانية»، أو «إيجاد التوازن والاعتدال بين القوّة العاقلة والقوّة الشهوية والقوّة الغضبية»، وليس بمعنى فضائل المؤسَّسات الاجتماعية. وكان التصوُّر يقوم على أن إيجاد التوازن والاعتدال في النَّفس والرُّوح (أي العدالة الفردية) سيؤدّي تلقائياً إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء المجتمع العادل. فمن وجهة نظر القدماء يعتبر المجتمع العادل هو المجتمع المؤلَّف من الأشخاص الذين يتحلَّون بفضيلة العدالة الفردية.

وأما العالم الجديد فقد شهد ظهوراً للأخلاق الاجتماعية التي بدأت بالانفصال تدريجياً عن الأخلاق الفردية، حتّى صارت لها هويةٌ مستقلّة.

في العالم القديم كانت الأخلاق الاجتماعية تنخفض إلى مستوى الأخلاق الفردية من جهتين: الأولى: إن علاقة الناس ببعضهم وبالمؤسَّسات الاجتماعية كانت تعتبر من توابع علاقة الإنسان بالله([27])؛ والثانية: إن آفات الأخلاق الاجتماعية تفسّر من خلال إرجاعها إلى رذائل الأخلاق الفردية، وبتَبَع ذلك يلتمس علاج تلك الآفات من خلال فضائل الأخلاق الفردية.

كان تصوُّر سكّان العالم القديم يقوم على أن الآفات «الاجتماعية» تنبثق عن الرذائل «النفسية». وقد كان التفسير الذي يقدِّمونه لهذه الآفات الأخلاقية تفسيراً «نفسياً» و«فردياً». وكانوا يخرجون من هذا التفسير بنتيجة مفادها التماس علاج هذه الآفات من خلال اللجوء إلى الأخلاق الفردية، والعمل على إحلال الفضائل النفسية محلّ الرذائل والمثالب النفسية. في حين أدرك سكّان العالم الجديد؛ من خلال التجربة، أن للآفات الاجتماعية جذوراً أخرى، ولا يمكن معالجتها من خلال ذلك، وقدَّموا تفسيراً «اجتماعياً» لهذه الآفات، ومن خلال هذا التفسير يلتمسون علاج هذه الآفات، بالعودة إلى الأخلاق الاجتماعية، دون الأخلاق الفردية.

فعلى سبيل المثال: كان التصوُّر في العالم القديم يقوم على أن سوء الاستفادة من السلطة والثروة ناشئٌ من «حبّ السلطة» و«عبادة المناصب» و«العصيان» و«الأهواء» التي يتَّصف بها أصحاب السلطة والثروة. وعلى هذا الأساس كانوا يلتمسون علاج ذلك في الزهد والعدالة «الفردية». ومن هنا كانوا ينصحون بتسليم هذه المناصب إلى الأفراد الذين يتَّصفون بالعدالة والزهد. إلاّ أن العدالة في هذه الرؤية واحدةٌ من الفضائل الأخلاقية الفردية، بمعنى أنها إما ملكة نفسية تمنع من ارتكاب المعاصي، أو بمعنى إقامة الاعتدال والتوازن في ذات الفرد، كما أن الزهد الفردي عبارةٌ عن الاقتصاد في الاستهلاك على مستوى الحياة الخاصّة.

إن هذه الرؤية لا تعتبر تكريس السلطة واحتكار الثروة وتوزيعها بشكلٍ غير متكافئ «ظلماً»، ويترك أمر السيطرة على السلطة والثروة والمنع من إساءة الاستفادة منها إلى أصحاب السلطة والثروة أنفسهم، بمعنى أن التصوُّر كان يقوم على أن الحاكم إذا كان عادلاً فإن نفس اتّصافه بالعدالة يحول دون سوء استغلاله للسلطة والثروة، مهما كانت سلطته وثروته مطلقة. طبقاً لهذه الرؤية تكمن الحيلولة دون إساءة استغلال السلطة في الرقابة الداخلية والذاتية لأصحاب السلطة على أنفسهم؛ إذ ليس هناك أيّ معيار واقعي وذهني لتقييم وتشخيص العدل والظلم. وعلى هذا الأساس يعود تشخيص مصداق العدل وتعيين ما هو الفعل العادل وما هو الفعل الظالم إلى نفس الحاكم مباشرة، أو يعود إلى حكم وإرادة الإله الشارع، وهذا يعود بدوره وبنحوٍ من الأنحاء إلى الحاكم بشكلٍ غير مباشر؛ لأن تشخيص حكم وإرادة الإله الشارع يعود في نهاية المطاف إلى شخص الحاكم، حيث يمثِّل رأيه في هذا المجال فصل الخطاب. يقوم الفرض هنا على عدم وجود حقٍّ للأتباع بغضّ النظر عن إرادة الإله الشارع وأمره ونهيه، حتّى يكون تجاهله أو انتهاكه ظلماً. ونتيجة لذلك يقال: إن التوزيع غير المتكافئ للسلطة والثروة على أساس حكم الإله الشارع هو عين العدل، وإن الحاكم الذي يعمل ـ بحَسَب الفَرْض ـ على طبق تشخيصه وحكم الإله الشارع، أو طبقاً للمصلحة، لا يكون ما يقوم به عدلاً فحَسْب، بل هو عين العدل، وملاكاً ومعياراً للعدل أيضاً.

وأما في العالم الجديد فإن نفس تمركز ومراكمة السلطة يعدُّ ظلماً. فقد أدرك الناس بالتجربة أن «السلطة تأتي بالفساد، وأن السلطة المطلقة تستتبع فساداً مطلقاً»([28])، وأن السلطة دون رقابةٍ خارجية من قِبَل الجميع «تسلب صاحبها القدرة على انتهاج العدالة قبل أيّ شيء آخر»([29]). وثانياً: إن العدالة الاجتماعية لا تنخفض إلى العدالة الفردية، بمعنى أن العدالة الفردية لا تستلزم العدالة الفردية، ولا تستلزم العدالة الاجتماعية، ولا تكون بديلاً عنها. في هذه الرؤية يتمّ تعريف العدالة الاجتماعية بأنها «التوزيع العادل للسلطة والثروة بين المواطنين في المجتمع»، وإن هذا التوزيع قبل كلّ شيء يحتاج إلى امتلاك نظريةٍ منقّحة في باب العدالة الاجتماعية. وإن الحيلولة دون إساءة استغلال السلطة والثروة إنّما يتمّ من طريق التوزيع العادل لهما، مع الإشراف والرقابة العامة.

إن هذه الرؤية ترى العدالة فضيلة للأنظمة السياسية ومؤسَّسات الدولة والعلاقات الاجتماعية، وليس صفةً يتَّصف بها الأفراد. وإن النظام والمؤسَّسة والعلاقة الاجتماعية العادلة هي التي تتَّصف بالانسجام مع الحقوق الطبيعية والذاتية للمواطنين، وأن لا يكون قيام وبقاء تلك المؤسَّسة أو العلاقة الاجتماعية متوقِّفاً على سلب هذه الحقوق وهضمها. في الأخلاق الاجتماعية يتمّ تقييم عدالة وظلم النظام السياسي أو المؤسَّسة الاجتماعية بميزان حقوق الإنسان، وهو معيارٌ واقعي وعامّ، وليس بفهم الفقهاء للأحكام الشرعية أو إرادة الحاكم العادل وكراهيته ورغبته وتشخيصه الخاصّ للمصلحة. ومضافاً إلى ذلك فإنّ زهد كلّ فردٍ إنما يكون بحَسَبه. ولذلك فإن التزهُّد على مستوى الحياة الخاصة والشخصية لا ربط له بالزهد المتناسب مع المنصب والموقع السياسي. إن الزهد في حقل السياسة يتمثَّل بعدم الرغبة في ممارسة السلطة، وعدم التشبُّث بها، والتهرُّب منها، وتجنُّب الخوض فيها مهما أمكن([30]).

وإن من الخصائص الهامّة الأخرى التي تميِّز الأخلاق في العالم الجديد تقدُّم «الحقّ»([31]) على «الحَسَن»([32])، والاعتراف للإنسان بـ «حقِّه في ارتكاب الأخطاء»([33]). في العالم القديم كان «الحقّ» (الإيمان بالعقائد المطابقة للواقع) مقدَّماً على «امتلاك الحقّ» (التمتُّع بالحقوق الإنسانية). فعلى سبيل المثال: لم يكن لأحدٍ الحقّ في إبداء رأيه والتعبير عن عقيدته إلاّ إذا كانت عقيدته مطابقة للواقع، والمطابقة للواقع تثبت من خلال انسجام العقيدة مع فهم الأكثريّة أو التفسير المعترف به رسمياً للحقيقة أو رأي الحكام، وليس من خلال المناظرة والحوار والنقد وإقامة البرهان والتجربة والاستدلال. بل كان «الحقّ» يتقدَّم على «امتلاك الحقّ» إلى الحدّ الذي يتجاوز معه «حقّ الإنسان في الحياة» أيضاً، حيث يكون لحقّ العقيدة مدخليّة في إنسانيّة الفرد.

أما في العالم الجديد فيُقال: إن من حقّ الإنسان أن لا يكون على حقٍّ، بمعنى أنه من الممكن أن يخطئ في تشخيص الحقيقة، وإن خطأه وكونه على خطأ لا يتنافى مع هويّته الإنسانية، ولا يقلِّل هذا الخطأ من منزلته الأخلاقية، ولا يمكنه أن يشكِّل ذريعةً بيد الآخرين كي يسلبوه حقوقه. إن حقّ الإنسان في أن يكون على خطأ في تشخيص الحقيقة هو حقّ أخلاقي، بَيْدَ أن كشف هذا الحقّ والاعتراف به في العالم الجديد يقوم على فرضيات وجودية ومعرفية ونفسية هامّة. وإن ذات هذه الفرضيات تعدّ من جملة اكتشافات البشر في المرحلة المعاصرة، وتعدّ من جملة مباني العقلانية الجديدة. وقد أشَرْنا إلى بعض هذه الفرضيات في ما سبق. إن ظهور الحقيقة على مختلف الأشكال المتنوِّعة من جهةٍ، وتأثير القوى الإدراكية لدى الإنسان، ومحدودية هذه القوى في مقام الفهم، وتأثُّرها بأمورٍ مغايرة لموضوع ومتعلَّق المعرفة من جهةٍ أخرى، يضطرنا إلى الاعتراف بحقّ الإنسان في أن يخطئ وأن يكون على خطأ، وأن لا نحشر إنسانيته في زاوية أحقّية العقيدة أو مطابقتها للواقع، واعتبار «كونه على حقّ» معياراً للتمتُّع بحقوق الإنسان([34]).

وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن جميع العقائد متكافئة، وأنه لا وجود للحقّ والباطل، أو أنهما إذا كانا موجودين لا يمكن التعرُّف عليهما، وأن لكلّ شخصٍ الحقّ في أن يختار أيّ عقيدة وفقاً لمزاجه وميوله ورغباته النفسية، أو أن يتخلّى عنها. وبعبارةٍ أدقّ: إن فرضية حقوق الإنسان لا تقوم على التشكيك والنسبية المعرفية. إن الحقيقة ليست نسبية، إلاّ أن إدراك الناس للحقيقة في أغلب الموارد إدراكٌ ظنّي واحتمالي. إن الحقيقة ليست تابعةً لمعرفة الناس، إلاّ أن إدراكهم للحقيقة هو إدراك إنساني مشوبٌ بالخطأ. إن حقوق الإنسان إنما تعمل على مجرَّد ضمان الحرِّيات السلبية للناس، بمعنى حرِّيتهم من القيود الخارجية، وليس حرِّيتهم من القِيَم الأخلاقية والقواعد المنطقية والمعرفية.

ومع ذلك ـ وكما سنرى لاحقاً ـ فإنّ لـ «أسلوب» اختيار وانتخاب العقيدة مدخلية في إنسانية الإنسان، وإنّ على الناس أن يسعَوْا ويجهدوا بصدقٍ في طلب الحقيقة والبحث عنها، وإنْ لم يكن هناك أيّ دليلٍ يثبت أن جميع الذين يسعَون بجِدٍّ وصدق في طلب الحقيقة سيصلون إلى غايةٍ ونتيجة واحدة.

خُذْ مثلاً أصل التوحيد، الذي هو من أجمل الأصول العقائدية في الإسلام. ومع ذلك هناك في الحدِّ الأدنى أربعة تفسيرات مختلفة لهذا الأصل في الإسلام، وطبقاً لكلّ واحد من هذه التفسيرات تعتبر التفسيرات الثلاثة الأخرى عين الكفر والشرك البواح([35]).

وهكذا الأمر بالنسبة إلى المعاد، الذي هو من الأصول العقائدية الأخرى في الإسلام. فهناك في الحدّ الأدنى ثلاثة تفسيرات مختلفة بشأن المعاد أيضاً، وطبقاً لأحدها يعتبر المعاد روحانياً، ويقول باستحالة المعاد الجسماني؛ بينما يذهب التفسير الثاني إلى اعتبار المعاد روحانياً وجسمانياً؛ ويذهب تفسير ثالث إلى اعتباره جسمانياً بَحْتاً([36]).

كما نواجه وضعاً مشابهاً بالنسبة إلى طبيعة الوحي، وماهيّة النبوة، وحدوث الكلام الإلهي وقدمه، وحدود عصمة الأنبياء وسائر الأصول العقائدية الأخرى.

إن الكثير من التفسيرات الأرثوذوكسية، المتفشِّية بين المسلمين حالياً، كانت تعتبر في الأزمنة السابقة كُفْراً، وإن سيطرتها على أذهاننا وعقولنا قبل أن تكون قائمة على الدليل والترجيحات المعرفية تقوم على السلطة والنفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وبطبيعة الحال فإن هذه الظاهرة لا تقتصر على الإسلام والمسلمين، وإن تاريخ الأفكار يحتوي على الكثير من هذه الحالات المشابهة، بالنسبة إلى الإفكار الدينية وغير الدينية الأخرى.

 

د ـ العالم الجديد عالم الأفكار والعقائد الجديدة

إن من علامات الدخول إلى العالم الجديد تغيير الأفكار. وإن تغيير الأفكار في الحقيقة معلولٌ لتغيير «الأمثلة» والنماذج الفكرية، كما هو علامةٌ عليها. بَيْدَ أن المهمّ في البين هو أنه تَبَعاً لتغيير النموذج والمثال الفكري الناظر إليه لا بُدَّ من حصول تحوُّل وتغيُّر في فهم الشريعة أيضاً([37])؛ لأن فهم الشريعة يستند إلى ركنين، وهما: الركن الداخلي؛ والركن الخارجي([38]). وإن الركن الداخلي من فهم الشريعة عبارةٌ عن «المصدر»، والركن الخارجي منه عبارةٌ عن «أدوات» و«أسلوب» الاستنباط من ذلك المصدر، وكذلك الفرضيات الضرورية لفهم وتفسير النصوص.

يذهب أكثر فقهاء الشيعة إلى القول بأن «القرآن» و«السنّة» مصدران للشريعة، وأن «ظاهر الكلام» و«خبر الواحد» أدوات رئيسة لاستنباط الأحكام الشرعية([39]). بَيْدَ أنه مضافاً إلى ذلك فإن تنظيم العلاقة بين الإنسان وخالقه بحاجةٍ إلى نموذج (مثال) أيضاً، وإن هذا النموذج أو المثال ـ الذي يشكِّل جزءاً من الركن الخارجي لفهم الشريعة ـ هو في الحقيقة واحدٌ من الافتراضات الكلامية، أو بتعبيرٍ أفضل: واحد من مقدّمات الفقه الأخلاقية. وبعبارةٍ أخرى: إننا في ما يتعلَّق بتنظيم العلاقة بين الإنسان والخالق نحتاج إلى مثالٍ ونموذج نتمكَّن من خلال تطبيقه على هذا المورد الخاصّ من تنظيم علاقة وفعل وردّة فعل هذين الأمرين بالنسبة إلى بعضهما. ومن وجهة نظرة الفقهاء التقليديين يعتبر نموذج المولى والعبد خير نموذجٍ لتنظيم العلاقة بين الإنسان وخالقه، بمعنى أن الفقهاء في مقام فهم وتفسير نصوص الشريعة واستنباط أحكام الشرع يرَوْن الله في قالب المولى والمالك، ويرَوْن الإنسان في قالب العبد والمملوك. إن الإله الذي يكون ذهن الفقهاء في مقام الاستنباط مسخراً له هو «إله الفقه»، وإنّ لهذا الإله خصوصيتين بارزتين، تطغيان على سائر الخصائص الأخرى، وإنّ هاتين الخصوصيتين هما: «المولى»؛ و«المالك»([40]). يسعى الفقهاء التقليديون إلى اكتشاف اللوازم والتَّبِعات المعيارية والقِيَمية لهذا النموذج، أي الحقوق والتكاليف العقلية والأخلاقية بين المالك والعبد، ليعملوا بعد ذلك في ظلّ هذه القِيَم والمعايير على تنظيم العلاقة الحقوقية بين الإنسان والخالق.

إن النموذج والمثال الذي يقوم عليه الفقه التقليدي هو نموذج «المولى والعبد»، أو نموذج «المالك والمملوك». فلو أن شخصاً قبل بهذا النموذج يكون في الحقيقة قد أدخل نوعا من «معرفة الله» و«معرفة الإنسان» في فهم الشريعة واستنباط الأحكام الشرعية. إن الفقهاء من خلال اختيارهم لهذا النموذج ينظرون إلى الله في المجتمع بوصفه «مولى» و«مالك»، وينظرون إلى الإنسان في المجتمع بوصفه «عبداً» و«مملوكاً». وهذا النموذج هو نموذج معياري([41])، وهو في الحقيقة يشكِّل قاعدةً للنظام المعياري القائم في الثقافة الإسلامية المتمثِّلة في الفقه. وعلى هذا الأساس فإن النظام الفقهي السائد بين المسلمين يقوم على القِيَم والمعايير الجَذْرية التي تسود العلاقة القائمة بين المولى والعبد، ويتناسب مع تنظيم العلاقة بينهما([42]).

لقد ترك نموذج المولى والعبد في فهم الدين والشريعة، وتنظيم العلاقة بين الإنسان والخالق، تأثيراً واسعاً وعميقاً. إن هذا النموذج يجيز اعتناق الإسلام في ظلّ السيف، ويجيز للفقهاء أن يحلّوا الفقه محلّ الأخلاق الفردية والاجتماعية. إن مدى تأثير ونفوذ هذا النموذج في الفتاوى الفقهية لا يقتصر على الأمور العبادية، وإنّما يشمل حتّى العلاقات السياسية والاجتماعية وتنظيم علاقات المواطنين فيما بينهم، وعلاقتهم بالحكام أيضاً. إن للتفكير في إطار هذا النموذج تداعيات يمكن ملاحظتها من خلال استنباط الأحكام العبادية، وكذلك من خلال استنباط الأحكام السياسة والاجتماعية والاقتصادية، بوضوحٍ([43]).

إن الدافع الذي يستحثّ الإنسان إلى الطاعة، طبقاً لنموذج المولى والعبد، هو خوف العبد من العقوبة والعذاب. ومن هنا يمكن القول: إن دعامة الفقة التقليدي تقوم على «أخلاق العبيد»، بمعنى الأخلاق القائمة على الخوف. وفي إطار هذه الأخلاق لكي يستيقن العبد أنه سيكون في مأمنٍ من عقوبة المولى عليه أن يوقن بأنه قام بواجبه طِبْق ما يدلّ عليه ظاهر كلام مولاه. وعليه فإن اختيار هذا النموذج في فهم الأحكام الشرعية يؤدّي إلى «الوسوسة» و«الحيطة والحَذَر» من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى إلى التهرُّب من المسؤولية، واللجوء إلى الحِيَل الشرعية، والاكتفاء بظاهر الألفاظ وصور الأعمال، والغَفْلة عن باطن وفلسفة الأحكام الشرعية وأهدافها.

ومن صلب هذا النموذج الفكري وُلدت القاعدة القائلة بأن «الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني»، وهي قاعدة يُستند إليها في الكثير من الفتاوى الفقهية. فقد ورد في الكثير من الرسائل العملية مثلاً: إن المكلَّف لو لم يغسل في وضوئه مقدار رأس إبرة ممّا يجب عليه غسله من الوجه واليدين، أو جميع بدنه في الغسل، كان وضوؤه وغسله باطلاً، وتَبَعاً لذلك تبطل صلاته وصومه([44]) أيضاً. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الوضوء، حيث لا يجب غسل تجويف الأنف وداخل العينين، ولكن حتى يستيقن المكلَّف من غسل الوجه كاملاً يتعيَّن عليه أن يغسل مقداراً من تجويف الأنف والعينين احتياطاً.

وقد جاء في بعض الآراء في الفقه أن الشخص إذا جهل اتّجاه القبلة وجب عليه أن يصلّي إلى جهات أربع. وإذا شكّ في عدد ركعات الصلاة، ولم يعلم أنه في الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وجب عليه أن يصلّي ركعتين من قيامٍ، وركعتين من جلوس، ثم يعيد صلاته من جديد. وهذا يعني أن عليه أن يصلِّي ثمان ركعات؛ ليضمن ارتفاع شكِّه في ركعتين. وكلّ ذلك من أجل أن يحصل للمكلَّف يقينٌ بأنه قام بما عليه تجاه مولاه.

إن مبنى هذا النوع من الفتاوى يقوم على هذا الأصل من الاحتياط، ونموذج المولى والعبد. في حين أن الاحتياط في العبادات لا معنى له، ولا مورد له، بل هو مذمومٌ، ومخالفٌ لفسلفة العبادة؛ لأن ذلك يصرفه عن باطن العمل، والاهتمام بظاهره فقط. إن العبادة تعني الهيام والتولُّه بالله والإسرار إلى المعشوق الأزلي، إلاّ أن الإفراط بالاهتمام بظاهر العمل والدقّة والوسوسة في مراعاة الآداب والشروط الظاهرية من العبادة تصرف الإنسان عن الالتفات إلى المعشوق، وعن حضور القلب وعمارة الباطن وروح العمل، وتصرفه أيضاً عن الاهتمام بالمعاني الرمزية الكامنة في الأعمال العبادية، وبالتالي فإن ذلك ينسيه ذكر الله، ويبعده عنه. إنّ إله الفقه لا يمكن أن يكون محبوباً للإنسان، ولا يمكن للمَرْء أن ينجذب إليه أساساً. إن العبادات مفعمة بالمعاني الرمزية، وإن العبور من ظاهرها والاهتمام بمعانيها الرمزية هو الذي يلبّي مراد الشارع من تشريعها. إن مبالغة الفقهاء وتطرُّفهم في الاهتمام بظاهر الأعمال، والغَفْلة عن بواطنها، والتمسُّك بظاهر الأحكام، والغَفْلة عن فلسفتها، من التداعيات الأخرى للتفكير في قالب وإطار نموذج المولى والعبد.

وإن الوضع في ما يتعلَّق بالعلاقات (والروابط الاجتماعية بالمعنى العامّ) ليس أحسن حالاً. إن مقتضى نموذج المولى والعبد في هذا المجال يقوم على الاعتقاد بـ «أن الله إذا أراد كان كل شيء جائزاً». وفي هذا النموذج تكون أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم، وكذلك السلطات والثروات والمصادر الطبيعية والإنسانية، أوّلاً وبالذات ملكاً للإله الشارع، ويحقّ له أن يتصرَّف بها كيفما يشاء، وأن يحكم بينها ويقسم ملكه بينهم كيف يشاء؛ لأن حقَّه في المالكية مطلق. وطبقاً لهذا النموذج يمكن لله ويحقّ له أن يضع أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم تحت تصرُّف شخصٍ أو جماعة أخرى، وإن الفصل الحقوقي والتمييز بين الناس إذا كان مستنداً لأمر الإله الشارع ونهيه كان عين العَدْل والإنصاف.

وعندما يتسرَّب نموذج المولى والعبد إلى الساحة السياسية يأخذ صورة «السلطان والرعية»، أو «الراعي والماشية»، بمعنى أنه سيشكِّل دعامة مطلقة للسلطة. إن حقوق وصلاحيات السلطان وتكليف الرعيّة تجاهه هي ذات الحقوق والصلاحيات المطلقة التي كان يمتلكها الإله المالك، والتي يتم تفويضها إلى السلطان من طريق تشريع الحكم الشرعي (التنصيب). وإن التفكير في إطار هذا النموذج في حقل المعاملات وفي مقام استنباط الأحكام الاجتماعية للإسلام يؤدّي إلى أصلين هامّين، وهما:

1ـ إن المولى هو الذي يملك الحقّ، ويحتكره لنفسه، أما العبد فهو مجرَّد مكلَّف، وليس له أدنى حقّ.

2ـ إن حقوق وتكاليف العبيد تجاه بعضهم تابعة مئة بالمئة لإرادة وحكم المولى.

ليس للعبد من تلقاء نفسه، وبغضّ النظر عن رغبة وإرادة المولى، أيّ شخصية أو هويّة أو حقوق. وإن هويتهم إنّما هي هويّة آلية، وليست هوية إنسانية، وإن امتلاك المولى لهم كامتلاكه لسائر الأشياء. وعليه ليس هناك في نموذج المولى والعبد أيّ موضع من الإعراب لحقوق الإنسان الطبيعية في ما يتعلَّق بالعلاقة مع الله، ولن يبقى أيّ موضع من الإعراب للحقوق الطبيعية للناس تجاه بعضهم، وتجاه المؤسَّسات السياسية والاجتماعية. وعلى هذا الأساس فإن نموذج المولى والعبد يؤدّي إلى إلغاء الحقوق الطبيعية للإنسان؛ إذ إنه يخالفه من الأساس. ومن هنا يتمّ «إحلال الفقه محلّ الأخلاق الاجتماعية»، من خلال نفي الحقوق الطبيعية للإنسان. يحقّ للمولى أن يفرِّق بين عبيده، ويمكنه أن يسلِّط بعضهم على أرواح وأموال ومصائر وأعراض البعض الآخر، وأن يبيح لبعض عبيده الحدّ من حرِّيات الآخرين، وأن يتَّخذوا القرارات المصيرية بالنيابة عنهم، وفي غيابهم، وعلى خلاف رغبتهم، وأن يعملوا على توظيفهم وتسخيرهم في ترسيخ دعائم سلطتهم وقدرتهم. إن علاقة المولى والعبد تقوم على أسس الخوف والقهر والغلبة.

إن من النتائج الهامّة التي ترتبط على نحوٍ طبيعي بنموذج المولى والعبد «العقيدة الدائرة مدار التكليف» في قبال «العقيدة الدائرة مدار الحقّ». إن اختيار عقيدةٍ خاصّة يدلّ على التفكير في صلب النموذج الفكري المتناسب معها، بمعنى أن العقيدة الدائرة مدار التكليف تحكي عن نموذجٍ فكري يكون «التكليف» فيه هو المحور، ويعرف الإنسان بوصفه «حيواناً مكلَّفاً» (موضوع علم الفقه هو «فعل المكلَّفين»). وإذا كان هناك من حديث عن الحقوق في هذا النموذج فإنما يأتي تَبَعاً للتكليف، بمعنى أن الحقّ أمرٌ ينتزع من التكليف، وليس العكس. وفي هذا التوجُّه يعتبر الحقّ تابعاً للتكليف، ومنبثقاً عنه، دون العكس. إن التكليف الذي يتعهَّد به الشخص تجاه صاحب الحقّ إنما فرض عليه من قبل الإله الشارع، وليس من قبل الطبيعة الإنسانية لصاحب الحقّ.

وعلى هذا الأساس إذا لم يكن هناك حكمٌ للإله الشارع فلن يكون هناك تكليف، ولن يكون هناك حقٌّ بتَبَعه. إن الإله الذي يعمل على تشريع حقٍّ لـ (ب)، من خلال جعل تكليف على (أ) في مقابل (ب)، يمكنه من خلال حكمٍ آخر أن ينسخ ذلك التكليف والحقّ المترتِّب عليه. ومن هنا يذهب بعض الفقهاء إلى أن للحاكم الإسلامي ـ إذا رأى مصلحةً ـ كامل الحقّ في فسخ عقده مع المواطنين من جانبٍ واحد، ودون علمهم أو رضاهم.

إن نموذج المولى والعبد يؤدّي بشكلٍ طبيعي إلى الاتّجاه القائل بمحورية التكليف؛ لأن المولى في هذا النموذج يعتبر صاحب حقٍّ فقط، ويعتبر العبيد أصحاب تكليفٍ فقط؛ فحيث إن المولى هو مالكٌ للعبيد فمن حقِّه أن يتدخَّل بشكلٍ مطلق في تنظيم العلاقات القائمة بينهم، وأن يفرِّق بينهم من الناحية الحقوقية، ويعدّ هذا التفريق منسجماً مع العدالة؛ لأن حقوق العبيد تستند بالكامل إلى إرادة ورغبة الموالي، وأساساً لا يملك العبيد أيّ حقٍّ بغضّ النظر عن إرادة ورغبة الموالي، كي يعتبر هدر تلك الحقوق وهضمها ظلماً وجوراً. وباختصارٍ فإنّ كلّ ما يصدر عن المولى هو الصحيح وهو الحقّ. وإن القواعد الوحيدة التي تحدّ من اختيارات وصلاحيات المولى ودائرة تشريعاته وأوامره عبارةٌ عن: «قبح العقاب بلا بيان»، و«قبح التكليف بما لا يُطاق». لكن كما هو واضحٌ فإن هذه المحدوديات تقف عند حدود الشكل، دون المضمون. فإذا بيَّن المولى تكليفه، وجعله في متناول العبد، ولم يكن فوق طاقته، حقَّ له أن يعرِّضه لأشدّ أنواع العذاب.

وكما تقدَّم لا وجود في هذا النموذج لشيءٍ من الحقوق الذاتية والطبيعية والأخلاقية أبداً؛ إذ ليس للعبيد أيّ حقوقٍ في مقابل أسيادهم ومواليهم، وإنّما هم مجرَّد مكلَّفين ومسؤولين تجاههم. وحيث إن الأمر كذلك فإن حقوق العبيد تجاه بعضهم بعضاً هي حقوق «وضعية» و«اعتبارية» و«تشريعية» و«توافقية»، بمعنى أنها حقوق تنتزع من رغبة وإرادة وأمر ونهي الأسياد والموالي، وإن تلك الحقوق على مستوى الثبوت والبقاء والاستمرار والحدود تابعةٌ بالكامل لإرادة ورغبة وأمر ونهي الموالي والأسياد. وفي حقل السياسة يتربَّع السلطان على عرش هذا السيد والمولى بوصفه خليفةً له أو ظلَّه.

لقد كان هذا النموذج يبدو طبيعياً في العالم القديم، باعتبار أن العبودية في ذلك العالم كانت أمراً معترفاً به ومشروعاً؛ بوصفه منظومةً اجتماعية، ولم يكن لدى الناس صورةٌ صحيحة عن الهويّة والكرامة الإنسانية، والمقتضيات المعيارية لهذه الهوية. لقد كان هذا النموذج قد استحوذ على أذهان وعقول البشر، بحيث نجد الفلاسفة، من أمثال: أرسطو، ينظِّرون لمشروعية العبودية، ويسعَوْن إلى تبرير وجودها ومشروعيتها من الناحية الفلسفية والأخلاقية([45]). وأما في العالم الجديد فإن نموذج المولى والعبد قد فقد بداهته ومشروعيته ومقبوليته ومعقوليته بالكامل؛ فإن هذا النموذج من وجهة نظر سكّان العالم الجديد لا يتناسب مع ألوهية الله، ولا مع إنسانية الإنسان، ولا مع العقل، ولا مع الأخلاق، ولا حتّى الدين والتديُّن. في العالم الجديد لا يتمّ إنكار ربوبية الله ومالكيّته وشارعيّته، وإنما الذي ينكر عبارةٌ عن عبودية الناس، وحاجتهم إلى مولى وقَيِّم ومدير من جنسهم([46]). إن الاعتراف بإنسانية الإنسان يستلزم الاعتراف بالقِيَم والمعايير (الضرورات والمحظورات) الأخلاقية؛ إذ إن للهوية الإنسانية لوازم ومقتضيات معيارية تعدّ القِيَم والضرورات والمحظورات الأخلاقية من أبرزها. ولذلك فإن تنظيم علاقة الله بالإنسان في هذه الدنيا، وكذلك علاقة الناس ببعضهم وبالمؤسَّسات الاجتماعية، إنما يكون في إطار القواعد والضوابط الأخلاقية، وفي ظلّ الرجوع إلى حكم الشاهد المثالي (إله الأخلاق).

إن إله الأخلاق هو إله أخلاقي. وإنّ لهذا الإله خصوصيتين هامّتين، وهما:

1ـ اتّصافه بالفضائل الأخلاقية، وترفُّعه عن الرذائل الأخلاقية.

2ـ تقدُّم صفاته الأخلاقية على صفاته الربوبية والمالكية والشرعية.

عندما نقول: «إن الله عادلٌ»، وإنه لا يظلم عباده، فإن هذا لا يعني أن كلّ ما يقوم به تجاه عباده، وكلّ حكم يصدره بحقِّهم، وكلّ تمييز يمارسه بينهم، يتَّصف بالعدل؛ إذ في مثل هذه الحالة سيكون كلٌّ من العدل والظلم فاقداً للمعنى، ومن قبيل: السالبة بانتفاء الموضوع. إن معنى عدالة الله هو أن عباده ـ بقطع النظر عن إرادته ـ يتمتَّعون بحقوق، وأن مراعاة تلك الحقوق عدلٌ، ونقضها ظلم، وحيث إن الله عادلٌ فإنه يراعي حقوق عباده، وينقض هذه الحقوق في مقام التكوين والتشريع، وعليه فإن الله العادل لا يمنح نقض هذه الحقوق لأحد؛ لأنه نفسه لا يملك مثل هذا الحقّ، فكيف يعطيه لغيره؟! إن هذه الحقوق مستقلّةٌ عن الإرادة التشريعية لله، وهي تحدِّد الإطار السلوكي لتعامل الله مع عباده، وإطار أحكامه وأوامره([47]). وعلى هذا الأساس فإن حقوق الإنسان تُعَدّ واحدةً من فرضيات الاعتقاد بعدالة الله. ومع إنكار حقوق الإنسان تفقد عدالة الله معناها ومفهومها، بمعنى أنها تغدو من المفاهيم التي لا مصداق لها. وأما إذا لم تكن حقوق الإنسان تابعةً لإرادة الله ـ وهي كذلك ـ فإنها ستكون غير تابعة لمصالح النظام من باب أَوْلى.

إن الله ربٌّ لا مولى، والربُّ يعني المربِّي. إن الله عادلٌ وعطوف ورحيم ومحبوب وكريم ولطيف، ويتذرَّع بأبسط الحجج ليدخل الناس إلى الجنَّة. لقد خلق الله عباده ليتحنَّن عليهم ويرحمهم ويسعدهم، لا أن يحكم عليهم بالكَبْت والضيق والأعمال الشاقة. إن الله غنيٌّ عن طاعة عباده، ولا يضرّه شيءٌ من معاصيهم، وقد خلق الناس لعبادته، والعبادة تعني شدّة الحبّ والهيام. إن معبود الإنسان هو معشوقه.

1ـ إذا كان لله من تكليفٍ فهو لخير ومصلحة العباد، وهو منسجمٌ مع العدالة وسائر القِيَم الأخلاقية، ولا يتناقض مع حقوق الإنسان (إن للشريعة إطاراً أخلاقياً، وإن إرادة الإله الشارع تابعة للقِيَم والحقوق الأخلاقية، دون العكس).

2ـ إن لله وظائف ومسؤوليات تجاه عباده، وإن هذه الوظائف والمسؤوليات تنشأ من صفاته الأخلاقية، لا أنها تفرض عليه من الخارج، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام: 12)؛ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام: 54).

ومن جهةٍ أخرى فإن الاعتراف بالفطرة والهوية الإنسانية له تداعيات ونتائج واسعة، نشير في ما يلي إلى بعضها:

إن الفطرة والهويّة الإنسانية تلعب دوراً في المجالات التالية:

1ـ تنظيم علاقة الله بالإنسان (أخلاق التشريع).

2ـ تنظيم علاقة الإنسان بالله (أخلاق المعرفة الدينية؛ وأخلاق الاجتهاد؛ وأخلاق التديُّن؛ وأخلاق التقليد).

3ـ تنظيم علاقة الإنسان مع نفسه (الأخلاق الفردية).

4ـ تنظيم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان (الأخلاق الاجتماعية).

5ـ تنظيم علاقة الإنسان بالحيوان والطبيعة (أخلاق البيئة والطبيعة).

إن خلق الله للإنسان هو عين الاعتراف بحقوقه الطبيعية والفطرية من قبل الله. وعليه:

1ـ إن «معرفة الإنسان» متقدّمة على «معرفة الدين».

2ـ إن الله لا يستطيع تجاهل إنسانية الإنسان وحقوقه الطبيعية عند تشريع الأحكام، أو أن يسلب هذه الحقوق، أو ينقضها.

3ـ إن الله لا يستطيع أن يعطي أو يفوِّض لأحد أو جماعة حقّ سلب أو نقض الحقوق الطبيعية لسائر الناس.

4ـ إن الله لا يستطيع أن يرفع الوظائف والمسؤوليّات الطبيعية عن كاهل الإنسان، أو أن يفرض عليه وظائف ومسؤوليات لا تنسجم مع تلك الوظائف والمسؤوليات الطبيعية.

5ـ إن الله لا يستطيع تشريع القوانين التي تؤدّي إلى التمييز بين عباده على المستوى الأخلاقي.

6ـ إن الله لا يستطيع أن يطلب من الناس إلغاء عقولهم وتعطيلها في مقام فهم الدين أو العمل به. ومن هنا:

7ـ إن الله لا يستطيع أن يصدر حكماً مخالفاً للعقل.

8ـ إذا كان الله لا يستطيع أن يصدر حكماً مخالفاً للعقل فإن الفقهاء لا يحقّ لهم أن يصدروا حكماً مخالفاً للعقل، من طريقٍ أَوْلى.

9ـ إن حقّ إطاعة الله ووجوب إطاعته يعتبر حقّاً ووظيفة أخلاقية (طبيعية).

10ـ إن «شريعة العقل» متقدّمة على «شريعة النقل» و«شريعة العُرْف».

11ـ لا يحقّ للإنسان أن يهدر كرامته الإنسانية، أو أن يتنازل عن حقوقه الطبيعية.

12ـ يجب على الإنسان في علاقته بإخوته في الإنسانية أن يحترم كرامتهم الإنسانية، ويحترم حقوق الإنسان الطبيعية المنبثقة عن هذه الكرامة.

13ـ يحقّ للإنسان من الناحية الأخلاقية أن يرصد مصالحه الشخصية، أو أن يتبع رغباته الخاصّة، شريطة عدم نقضها للقيم الأخلاقية.

14ـ إن المؤسَّسات الاجتماعية والمنظمات السياسية إنما تكون مشروعة ومعتبرة وذات قيمة إذا كانت منسجمةً ومتناغمة مع الحقوق الطبيعية للإنسان.

15ـ إن تنظيم علاقة الأفراد بالمؤسَّسات الاجتماعية محكومٌ لقواعد الأخلاق الاجتماعية.

16ـ يجب على الإنسان في استفادته من المصادر والثروات الطبيعية أن يراعي حقوق الآخرين، وحقوق الأجيال القادمة، وحقوق الحيوانات أيضاً.

17ـ إن فهم واستنباط الأحكام الدينية إنما تكون مقبولةً ومبرَّرة إذا كانت منسجمة مع حقوق الإنسان.

18ـ إن المقبولية والمشروعية العقلانية والأخلاقية للتديُّن رهنٌ بانسجامها مع المعايير الأخلاقية.

لقد شهد العالم الجديد زوالاً وانقراضاً للعبودية، حيث فقد نموذج المولى والعبد معقوليته ومشروعيته، وتبعاً لذلك حلَّت «محوريّة الحقّ» محلّ «محورية التكليف»([48]). في العالم القديم كان يتمّ تعريف الإنسان على أنه «حيوان مكلَّف»، وأما في العالم الجديد فيتم تعريفه على أنه «حيوان محقّ». إلاّ أن محورية الحقّ لا تقول: إن الإنسان الجديد لا يتحمَّل أي وظيفةٍ أو تكليف. إن الحقّ والتكليف ليسا متقابلين، بل يمكن الجمع بينهما. وإن القائلين بالحقوق الطبيعية لا ينكرون الوظيفة والتكليف، وإنما يقولون: إن الإنسان، قبل أن يكون مكلَّفاً بالوظائف والتكاليف «الوضعية»، هو مكلَّف بالوظائف والتكاليف «الطبيعية». إن الحقوق الطبيعية والتكاليف الطبيعية تنشآن من منشأ واحد، بمعنى أن الهوية الإنسانية تقتضي الحقوق الطبيعية وتقتضي التكاليف الطبيعية في وقتٍ واحد. وإن هذه الحقوق والتكاليف لا تسلب أو تسقط بعروض سائر الهويّات الأخرى؛ إذ يجب أن لا تذوب الهوية الإنسانية في سائر الهويات التي تعرض عليها.

وعلى هذا الأساس فإن القول بالحقوق والتكاليف الطبيعية لا يستلزم نفي الحقوق والتكاليف الوضعية والاعتبارية، بل بمعنى القول بإطار أخلاقي للحقوق والتكاليف الوضعية (أخلاق التشريع). وعلى هذا الأساس فإن محورية الحقّ لا تقول: «إن للإنسان حقوقاً فقط، وليس له تكاليف»، وإنما تقول:

1ـ إن الوظائف والتكاليف التي تقع على عاتق الإنسان تنتزع من الحقوق، وتقوم على الحقوق، دون العكس.

2ـ إن الحقوق والتكاليف الوضعية (الدينية والعرفية) إنما تكون مقبولة ومعتبرة إذا كانت منسجمةً مع الحقوق والتكاليف الطبيعية.

إن الحقوق الطبيعية والأخلاقية التي هي منشأ الوظائف والضرورات والمحظورات الطبيعية والأخلاقية هي من ناحيةٍ تنقسم إلى خمس مجموعات كبيرة، وعلى هذا الأساس يمكن تفكيك خمسة أنواع من الوظائف المختلفة عن بعضها:

1ـ إن التكاليف الملقاة على عاتق كلّ شخص تجاه الآخرين مسبوقة بالحقوق التي للآخرين عليه.

2ـ إن التكاليف الملقاة على عاتق كلّ شخص تجاه الخالق مسبوقة بالحقوق التي للخالق عليه.

3ـ إن التكاليف الملقاة على عاتق كلّ شخص تجاه نفسه مسبوقة بالحقوق التي له على نفسه.

4ـ إن التكاليف الملقاة على عاتق كلّ شخص تجاه الحيوانات والطبيعة مسبوقة بالحقوق التي عليه تجاه الحيوانات والطبيعة([49]).

5ـ إن التكاليف الملقاة على الخالق تجاه عباده مسبوقةٌ بالحقوق التي لهم([50]).

وعلى هذا الأساس فإن القول بمحورية الحقّ لا تستلزم نفي التكليف والوظيفة، بل إن طريقة توجيه الوظيفة والتكليف في هذا المحور تختلف عن طريقة توجيه الوظيفة والتكليف في القول بمحورية التكليف. وبطبيعة الحال فإن الاختلاف في طريقة توجيه التكليف ستكون له تداعيات هامّة؛ إذ لا يمكن توجيه كلّ تكليف بأيّ طريقة ومبنى. إن تقدُّم الحقّ على التكليف سوف تترتَّب عليه آثار مصيرية حاسمة في نوع التكليف ومضمونه، وفي تَبِعات امتثاله وعدم امتثاله، وفي ضمانته التطبيقية، ونوع وكيفية العقوبة المترتِّبة على الامتناع عن امتثاله.

يمكن القول: إن الناس في العالم القديم كانوا غافلين عن حقوقهم، وأما في العالم الجديد فيغفلون عن تكاليفهم، إلاّ أن هذا الأمر، قبل أن يعود إلى القول بمحورية التكليف أو محورية الحقّ، إنما يعود إلى اختلاف رؤية الناس لماهيّة الأخلاق وحدودها. لقد كانت الأخلاق في العالم القديم مقولةً فردية، في حين أصبحت في العالم الجديد مقولةً اجتماعية أيضاً. إن المشكلة التي نواجهها في العالم الجديد لا تكمن في إنكار الناس أو غفلتهم عن تكاليفهم؛ لأنهم على وعيٍ تامّ بتكاليفهم تجاه الدولة أو سائر الناس، إنما المشكلة تنشأ من غفلة أو جهل الناس للحقوق التي لهم على أنفسهم، والحقوق التي لله عليهم، وإن هذه الغفلة أو الجهل إنما ينشآن بشكلٍ رئيس عن ردّة فعل الإنسان المعاصر تجاه سوء استغلال الجبابرة والطغاة والظَّلَمة للأخلاق الفردية في العالم القديم.

وكما تقدَّم أن أشرنا في الفصل الأول من كتاب (الدين في ميزان الأخلاق) فإنه في العالم القديم كان يتمّ استغلال حقّ الله وتكليف الإنسان تجاهه وفي مقابله، وفي ظلّ هذا الحقّ والتكليف كان يتمّ إنكار الحقوق الطبيعية للإنسان، وتنتهك حرِّياته الفردية والاجتماعية، كما يتمّ إنكار مساواته مع رجال الدولة وأصحاب السلطة. وفي ذلك العالم كان يتمّ التأكيد على حقوق السلطان وتكاليف الرعية في مقابله، وكان يتمّ تبرير هذه الحقوق والتكاليف من خلال التمسُّك بحقّ الله وتكليف الإنسان تجاهه، بمعنى أن «الأخلاق الاجتماعية» في العالم القديم كانت تقوم على «الأخلاق الفردية» وتتّخذ منها، وإن المحاباة الحقوقية في الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين السلطان والرَّعية وبين الرعايا كان يتمّ تبريرها، وتكتسب مشروعيتها من خلال التمسُّك بحقّ الله وتكليف الإنسان تجاهه.

وفي العالم الجديد تمّ فصل «الأخلاق الاجتماعية» عن «الأخلاق الفردية»؛ من أجل رفع هذه المشكلة، والمنع من هذا الاستغلال، وتمّ إيجاد مبنى ومستند آخر؛ حيث توصَّل الإنسان المعاصر إلى القول بعدم وجود أيّ صلةٍ بين علاقة الناس ببعضهم أو بالسلطة وبين علاقتهم مع الله، بمعنى أن نسبة الله إلى جميع الناس متساوية، وإن الاتصال بالله والتقرُّب منه أو الابتعاد عنه والتخصُّص في معرفة الدين والشريعة أمرٌ شخصيّ وخاصّ، ولا يمكن أن يكون منشأً للحقوق الاجتماعية الخاصة أو المحاباة في الحقوق الاجتماعية. إن أفضل الناس عند الله هو أتقاهم، إلاّ أن علاقتهم ببعضهم يجب أن تنظَّم على أساس «المساواة» و«العدالة»، لا على أساس «التديُّن» و«التقوى». بمعنى أن «التديُّن» و«التقوى»، التي تعتبر من ناحية الأخلاق الفردية «ذات صلة»، وتعتبر من العناصر المأخوذة بنظر الاعتبار في مقام تقييم أداء الناس وسلوكهم الفردي، وفهم حقوقهم وتكاليفهم تجاه أنفسهم وخالقهم، تعتبر من زاوية الأخلاق الاجتماعية «غير ذات صلة»، ولا يجب أن تلعب دوراً في الحقوق والتكاليف الاجتماعية للأفراد تجاه بعضهم، فيؤدّي الأمر إلى المحاباة فيما بينهم.

إن المحاباة في الحقوق الاجتماعية من خلال التمسُّك باختلاف أصحاب الحقّ في معرفة الدين والتديُّن والتقوى والبعد عن الله أو القرب منه غير مبرَّرة. إن الزاهد والتقي الحقيقي هو الذي لا يرى لنفسه حقّاً أكثر من سائر الناس. هذا مع أن تنظيم العلاقات الاجتماعية على أساس تفضيل الزهد والتقوى، وتوزيع الإمكانات والحقوق والصلاحيات على هذا الأساس، سوف يؤدّي إلى انتعاش تجارة الزهد والنفاق والتظاهر والرياء، ويدعو الناس إلى إساءة استغلال الدين؛ للحصول على المنزلة الاجتماعية، والاستحواذ على مصادر السلطة والثروة، ويعملون على تحسين ظاهرهم وتقبيح باطنهم، ويسعَوْن إلى الحصول على السلطة والمنزلة والثروة من خلال التظاهر بالتديُّن والزهد.

في نموذج محوريّة الحقّ يكون كلّ شيءٍ تابعاً للملاحظات الأخلاقية، بمعنى أن الحقوق والتكاليف المنبثقة عن صلب هذه الحقوق تعكسان مقتضيات الأخلاق. وبعبارةٍ أخرى: إن الاختلاف الهامّ بين نموذج محوريّة الحقّ وبين نموذج محوريّة التكليف يكمن في أنّ الأوّل أخلاقي؛ والثاني غير أخلاقي أو منافٍ للأخلاق. إن الحقوق التي يتمّ التأكيد عليها في نموذج محوريّة الحقّ هي الحقوق التي تثبت لأصحابها من الزاوية الأخلاقية، وتَبَعاً لذلك فإن وظائف الآخرين المكلَّفين بأداء ومراعاة تلك الحقوق تستند إلى الناحية الأخلاقية أيضاً.

وأما في نموذج محوريّة التكليف فتقوم العلاقات الاجتماعية في ظاهر الأمر على أساس «حقّ الله»، و«تكليف الإنسان» تجاهه، ولكنَّه يقوم في واقع الأمر على أساس «القوّة» و«السلطة» و«الاستبداد»، وفي أحسن الحالات على أساس «مصلحة النظام»، من هنا يكون هذا الأمر لا أخلاقيّاً. إذا كان الناس في العالم الجديد غافلين عن تكاليفهم تجاه أنفسهم وتجاه خالقهم فلا يعود سبب ذلك إلى نقصٍ في مفهوم محوريّة الحقّ، وإنما يعود سببه إلى إساءة استغلال الدين والأخلاق الفردية القائمة عليها في العالم القديم. وكما تقدَّم أن رأينا فإنّ محوريّة الحقّ لا تنفي وظائف الناس تجاه أنفسهم وتجاه خالقهم، ولا تسكت عنها. إن كلَّ تكليفٍ، طبقاً لهذا المفهوم، ينبثق عن حقٍّ طبيعي وأخلاقي، وإن حدود الحقوق الطبيعية والأخلاقية لا تحدّ بحقّ الإنسان على الآخر، وإنما تشمل هذه الحقوق حقَّ الله على الإنسان، وحقَّه على نفسه أيضاً.

وعليه ليس هناك من نقصٍ في مفهوم محوريّة الحقّ؛ كي نضطر إلى رفع هذا النقص وترميمه، من خلال القول بمحورية التكليف أو «الشعور بالذنب»([51]). يكفي أن نثبت أن حدود الحقوق الطبيعية لا تقتصر على الحقوق التي للأفراد تجاه الآخرين. إن الحقوق التي يطالب بها الإنسان في العالم الجديد هي حقوق الإنسان بما هو إنسان، وإن الاعتراف بهذه الحقوق والمطالبة بها عين الاعتراف بالمسؤولية والتكليف؛ لأن حقوق الإنسان تعمّ جميع البشر، وتثبت لجمع أفراد البشرية على السواء، وإن الذي يطالب بحقٍّ بالاستناد إلى حقوق الإنسان يكون قد تعهَّد مسبقاً برعاية حقوق الآخرين، وإن الذي يؤمن ببعض الحقوق الطبيعية لا يستطيع أن ينكر سائر الحقوق الطبيعية. ومن جهةٍ أخرى فإن كلّ فردٍ مسؤولٌ بأن يتعامل مع نفسه بوصفه إنساناً، وأن يحترم كرامته الإنسانية. وأما في ما يتعلَّق بالله فإنّ الذي يؤمن بوجوده سوف يؤمن بحقِّه الطبيعي أيضاً، وإذا أنكر وجوده فإنّ مفهوم محوريّة التكليف أو الشعور بالذنب لن يؤدّي إلى حدوث تغيير في موقفه.

يؤكِّد الإسلام كثيراً على «عبادة» الناس، و«ربوبية» الله، إلاّ أن «العبادة» غير «العبودية» بمعنى الرِّقّ، وإن «الربوبية» غير «امتلاك الرقيق والعبيد». إن مفردة العبد ومشتقّاتها تصلح للانطباق على «العبد» وعلى «الرقيق»، وقد استعملت في القرآن بكلا المعنيين، ولكنّها في ما يتعلَّق بعلاقة الإنسان بخالقه لا يُراد منها إلاّ معنى العبادة فقط([52]). إن الرقِّية لا تنسجم مع الشأن والمنزلة الإنسانية. إلاّ أن عبادة الله لا تنافي إنسانية الإنسان أبداً، بل إن عباد الله هم أكثر الناس تحرُّراً؛ لأنهم عباد «الشاهد المثالي»، وليسوا عبيداً لأنفسهم، وليسوا عبيداً للآخرين، وليسوا عبيداً للخوف والطمع.

إن إكبار الله لا يقتضي تحقير الإنسان. إن الإنسان الذي يباهي الله بخلقه، ويثني على نفسه من أجل صنعه([53])، ويأمر ملائكته بالسجود له([54])، ويعتبره خليفةً له([55])، لا بُدَّ أن يتَّصف بـ «الكرامة» و«الحرِّية». وإن هذه الحرِّية والكرامة تتناقض أساسا مع «الرقِّية والعبودية». ولا فرق في ذلك بين أن يكون مالك الرقيق هنا هو الله أو غيره. بل إن احترام الإنسان وتكريمه من لوازم احترام الله وتكريمه؛ لأن احترام الله يستلزم احترام الأشياء والأمور التي يجلّها ويباهي بها، وإن الإنسان محترمٌ وعزيز عند الله بما هو إنسان([56]). ولا يستنكف عن احترام وتكريم الإنسان بما هو إنسان غير إبليس.

إن خلق الإنسان من قبل الله هو عين الاعتراف بحقوقه؛ إذ إن حقوق الإنسان ـ كما تقدَّم ـ من اللوازم المعيارية للهوية الإنسانية. وبطبيعة الحال يمكن لله أن لا يخلق الإنسان، ويختار بين وجوده وعدمه، ولكنّه لا يستطيع أن يختار بين الإنسان الواجد للحقوق والإنسان الفاقد للحقوق، بمعنى أنه لا يستطيع أن يخلق الإنسان، ويتجاهل أو ينقض حقوقه الطبيعية في مقام تشريع أحكامه، أو أن يحابي بعضهم، ويتجاهل عقولهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، ويعامل بعضهم معاملة الأسياد، بينما يعامل البعض الآخر معاملة العبيد، وينصب بعضهم قوّامين على البعض الآخر. إن مثل هذه الأحكام جائرة وقبيحة، وإن صدور الأحكام الظالمة والقبيحة عن الله العادل والحكيم محالٌ([57]).

إن نموذج المولى والعبد لم يكن له ما ينافسه أو يعارضه في العالم القديم، إلاّ أن العالم الجديد أوجد الكثير من البدائل القوية والمتينة. وإن من تلك البدائل النموذج الذي يتجلَّى فيه الله بوصفه شاهداً مثالياً، ويعتبر الإنسان فيه خليفةً له. ولو أنا أبدلنا هذه النموذج بنموذج المولى والعبد لاضطررنا إلى القول بلوازمه وتوابعه المعيارية أيضاً، وإن من تلك اللوازم والتوابع إحلال محورية الحقّ محلّ محورية التكليف في حقل الفقه. وفي إطار هذا النموذج لا يسعنا تبرير المحاباة الحقوقية والتكليفية بين أفراد البشر على أساس الآيات والروايات، بمعنى أن المحاباة الحقوقية والتكليفية بين أفراد البشر إنما تكون مقبولة من الناحية الأخلاقية إذا كانت معقولة، وإن المحاباة غير المعقولة لا تكون جائزةً بحكم الشرع. ولكي تكون المحاباة جائزة من الناحية الأخلاقية يجب أن يكون هناك تفاوتٌ «واقعي» بين الأفراد، بحيث يمكن إثبات «كونها ذات صلة»، وتأثيرها في الحكم الأخلاقي للموضوع من الناحية الأخلاقية بوضوحٍ، وأن نتمكَّن في ظلِّه من تبرير التفاوت الوقعي للمحاباة المعيارية مورد البحث بشكلٍ واضح لا لبس فيه.

إن التفاوت والاختلاف الواقعي بين الأفراد ينقسم إلى قسمين، وهما: «الاختلافات ذات الصلة أخلاقياً»؛ و«الاختلافات غير ذات الصلة أخلاقياً». وعلى هذا الأساس لا يمكن تبرير كلّ محاباة من الناحية الأخلاقية بالاستناد إلى أيّ تفاوت. فعلى سبيل المثال: إن المحاباة بين الوالدين بالنسبة إلى الولد والآخرين من الذين يتولَّوْن حضانة الطفل وتربيته تُعَدّ نوعاً من المحاباة الحقوقية التي يمكن تبريرها أخلاقياً، وإنّ هذا الحقّ إنّما يستمرّ اذا استمرَّت الصلاحيات اللازمة لدى الوالدين، وأما إذا فقد الوالدان الصلاحيات اللازمة انتقل ذلك الحقّ إلى مَنْ تتوفَّر فيهم تلك الصلاحيات. إلاّ أن المحاباة بين الوالدين في هذا المورد تعتبر غير جائزةٍ من الناحية الأخلاقية.

وعلى هذا الأساس لا يمكن تبرير المحاباة الحقوقية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والشيعي والسنّي، والصديق والعدو، والفقيه وغير الفقيه ـ في ظلّ الاختلاف البنيوي والجسدي والنفسي والجيني بين الرجل والمرأة على أساس الاختلاف في الدين والعقيدة والقرابة والصداقة ـ بالحكم الشرعي، بمعنى أن هذه الأمور تعتبر من الناحية الأخلاقية غير ذات صلة، وإن المحاباة في هذه الموارد لا تقبل التبرير من الناحية الأخلاقية. إن المحاباة في هذه الموارد تعتبر من الزاوية الأخلاقية محاباة بين الموارد المتناظرة على المستوى الأخلاقي، ولذلك فإن هذا النوع من المحاباة لا ينسجم مع قواعد الأخلاق الاجتماعية، التي هي عبارةٌ عن «السلوك المشابه مع الأفراد المتشابهين»، و«التعاطي المشابه مع الموارد المتشابهة»، وكذلك مع تعريف العدالة الاجتماعية، وتعتبر من مصاديق الظلم.

ربما أمكن التماس العُذْر للفقهاء الذين كانوا يعيشون ضمن أجواء العالم القديم في اختيار نموذج المولى والعبد، والتفكير ضمن هذه الأجواء؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون بديلاً لهذا النموذج، وإن سائر الناس كانوا بشكلٍ وآخر يفكِّرون ضمن إطار هذا النموذج، وكان هذا النموذج بالنسبة إليهم طبيعياً ومألوفاً. أما الفقهاء الذين يعيشون ضمن العالم الجديد فلا يمكن التماس العُذْر لهم إذا اختاروا ذات النموذج بحالٍ من الأحوال؛ إذ هناك الكثير من البدائل التي تستطيع الحلول محلّ هذا النموذج، ولأن الناس الذين يعيشون في هذا العالم لا يطيقون هذا النموذج، ويعتبرونه مخالفاً للعقل والمنطق والطبيعة. وبعبارةٍ أخرى: إن سيرة العقلاء في العالم القديم في ما يتعلَّق بنموذج المولى والعبد قد فقدَتْ مشروعيتها ومقبوليتها، بل وحتّى معقوليتها بالكامل، ولم يَعُدْ لهذه السيرة من وجودٍ أبداً؛ كي يمضيها الشارع.

كما أن نموذج الشاهد المثالي والخلافة الإنسانية يستند إلى جذور ودعامة دينية متينة أيضاً. إن خلافة الإنسان لا تنسجم مع عبوديته، ولا مع شمولية وجامعية الفقه؛ لأن الخليفة هو الذي يحقّ له أن يفكِّر بعقله وتجربته ضمن إطارٍ خاصّ، وأن يتَّخذ القرارات ويعمل على أساسها، وإلاّ فإن هذه الخلافة ستكون ظاهرةً فاقدة للمضمون والمحتوى. وحيث إن جميع الناس متساوون في خلافة الله فإن حقوقهم وحرِّياتهم ستكون متساوية أيضاً.

وبعبارةٍ أخرى: إن كمال الدين يكمن في عدم غناه العلمي؛ لأن ذلك يشكِّل مقدّمة ضرورية للرقي والكمال العقلاني للإنسان في البعد العملي. إن خلافة الإنسان تعني سيادته على مصيره، وإن هذه الخلافة تتوزَّع على جميع العقلاء والبالغين بالسويّة. وعلى هذا الأساس فإن الناس يتمتَّعون بحقوق وصلاحيات متساوية، بغضّ النظر عن اللون والعرق والمذهب والوطن والجنس والمعلومات الدينية، ولا يحقّ لأيّ أحد أن يملي على الآخرين رؤيته وإرادته ومعرفته. في هذا النموذج يتساوى جميع الناس في خلافة الله، بغضّ النظر عن أعراقهم ومذاهبهم وأوطانهم ومعلوماتهم الدينية، ولا ينفرد في خلافة الله شخصٌ أو جماعة بعينها. من هنا يتساوى الجميع في الحقوق السياسية والاجتماعية. ومضافاً إلى ذلك، حيث إن الله شاهد مثالي، يكون الإنسان الذي هو خليفته خليفةً للشاهد المثالي، وإن الشاهد المثالي هو الذي يمتلك القدرة على إدراك ومعرفة القِيَم الأخلاقية، كما يمتلك صلاحية إصدار الحكم الأخلاقي أيضاً. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ كون الإنسان خليفةً يعني أنه يتحمَّل جزءاً من مشروع البلوغ بعالم الخلق إلى الكمال المنشود.

5ـ كلمةٌ أخيرة

يعمل برنارد لويس على التفكيك بين «العصرنة» و«التغريب»([58]). فهو يرى أن الأخذ بمظاهر العصر الحديث يُسمّى «عصرنة»، إلاّ أن أخذ الجوانب الثقافية من العصر الحديث هو الذي يطلق عليه مصطلح «التغريب».

بَيْدَ أننا نرى أن بعض عناصر ثقافة الغرب ـ وخاصّة الأخلاق الاجتماعية والعقلانية الانتقادية لهذه الثقافة ـ من العناصر التي لا يمكن تجاوزها في العصر الحديث، وإنّ أخذ ثمار ومظاهر العصر الحديث دون أخذ هذه العناصر بنظر الاعتبار سوف يؤدّي إلى حدوث أزمات اجتماعية لا تحلّ، سواء أسمَيْنا هذا الأخذ والاقتباس عصرنة أو تغريباً.

إن إلغاء العناصر الضرورية في العصر الحديث في البلدان الإسلامية هو ما يتمّ التصريح به أحياناً تحت عنوان «تأميم الحداثة»، وهو الذي أشَرْنا له تحت عنوان «الذبح الإسلامي للحداثة»، وقلنا: إن تأميم الحداثة وإن كان عملاً مناسباً وفي محلِّه، إلاّ أنه إذا أُريد لهذا الأمر أن يتمّ من خلال إلغاء العناصر الضرورية للحداثة، ومن طريق إحلال الفقه محلّ العقلانية الانتقادية، فإنه سيؤدّي إلى أزمةٍ، وبدلاً من تأميم الحداثة سوف نصير إلى نحرها على الطريقة الإسلامية.

نحن نرى أن الطريق إلى إعادة إحياء مجد وعظمة التاريخ الإسلامي لا يتمّ عبر الدعوة إلى الأصولية والتطرُّف الديني وجهاد الكفّار وإثارة حروب الحضارات، وإثارة الشغب في الحضارة الغربية، ووضع العصي في دواليب هذه الحضارة، والدعاء عليها بالويل والثبور. وإن الدعوة إلى المواجهة بين الإسلام والغرب، أو الإسلام والحداثة، والعمل على إحياء الهوية الإسلامية، وتقديمها على الهوية الإنسانية، لن يؤدّي إلى نتيجةٍ. إن العدو الرئيس للمسلمين موجودٌ في داخل البيت الإسلامي، ويتمثَّل بالتطرُّف، والتمسُّك بالظواهر، والنزعة السَّلَفية، والنزعة الأشعرية، وإلغاء العقل في مقابل النقل، والتحجُّر، والنزعة الحتمية، والجمود الفكري، والتبلُّد في مقام الرأي، والاستبداد، وممارسة العنف على المستوى العملي. وكلّ ذلك يعود إلى ضمور الهوية الإنسانية، وإحلال الهوية الدينية محلّها.

إن طريق إحياء مجد وعظمة التاريخ الإسلامي يكمن في جعل الفكر الإسلامي انسيابياً، وهذا بدوره رهنٌ بالعودة إلى العقل المستقلّ وما فوق الديني. إن إحياء وإصلاح العقلانية يكمن في تنمية الهوية الإنسانية، والاعتراف باستقلالية الفلسفة وعلم الأخلاق عن الدين (أي الاعتراف بالعلمانية المخفَّفة في حقل الفلسفة وعلم الأخلاق). قبل العودة إلى الله والدين والوحي والأنبياء الظاهريين تجب العودة إلى العقل الذي يمثِّل دور النبيّ الباطني المرسل إلى الإنسان من قبل الله، ومن ثمّ العودة إلى الدين في ظلّ إحياء العقل والعقلانية. إن الطريق الصحيح للمصالحة بين التقليد والحداثة لا يكمن في ذبح الحداثة على الطريقة الإسلامية، ولا في العودة غير النقدية إلى التقليد، ولا في القول بتقليد الحداثة من غير انتقادها، وإنما يكمن الطريق الصحيح في إعادة إصلاح العقلانية في ما يتعلَّق بهذين الأمرين بشكلٍ متزامن. وبالنسبة لنا نحن الشرقيين يعتبر التقليد عصارة عقلانية السابقين، وتعتبر الحداثة ثمرة عقلانية الغربيين، وإن إصلاح هذين المفهومين هو الذي يمثِّل العقلانية وطريق النجاة.

 

الهوامش

(*) أحد الباحثين البارزين في مجال الدين وفلسفة الأخلاق، ومن المساهمين في إطلاق عجلة علم الكلام الجديد وفلسفة الدين.

([1]) إن للحقيقة معنيين، أي إنها من المشترك اللفظي. وإن الحقيقة بالمعنى الأول ـ الذي هو الأكثر شيوعاً بين الفلاسفة ـ مقولة معرفية تعني (الصدق والحقيقة المعرفية) (truth). والحقيقة بالمعنى الثاني ترادف الواقعية (الحقيقة الوجودية) (reality). ومن الآن فصاعداً سوف نستعمل الحقيقة بالمعنى الثاني، أي بوصفها مرادفاً للواقعية. ويبدو أن هذا المعنى للحقيقة أكثر شيوعاً في العرف العام.

([2]) naïve realism.

([3]) إن التعقيد المعرفي في ما يتعلق بالوجود لا يحظى باتفاق جميع المفكِّرين. فقد كتب الأستاذ مصطفى مَلَكْيان في مذكرةٍ أرسلها لي قائلاً: «إن هذه المسألة… غير واضحة تماماً، وهناك هالة من الغموض والإبهام تحيط بها. فكيف تكون الحقيقة الوجودية (reality) متداخلة؟ فقبل كلّ شيءٍ عليك أن توضح: هل جميع أقسام حقائق المعرفة الوجودية متداخلة أم بعضها؟ ولذلك لا بُدَّ من إيضاح ما هي المقولات التي نراها للواقعيات؟ هل «الأنواع» ذات تضاعيف وذات وجوه أو «خاصيات» أو «نسب» أو «أعداد» أو «قضايا» أو «مفاهيم» أو «أذهان» أو «كائنات متعالية» (من قبيل: الله والعقول والمثل) أو «الجواهر» أو «الأحداث والوقائع» أو «النصوص» أو…؟ ثم لا بُدَّ بعد ذلك من إيضاح ما هو معنى التعقيد في كلّ مقولةٍ من مقولات ما بعد الطبيعة؟ وما هو مكمن تعقيدها؟ ألا ينبغي التوجُّه إلى بعض أوجه المعرفة الوجودية للإنسان، بدلاً من تضاعيف وتعقيد المعرفة الوجودية للحقائق؟ وعلى أيّ حال فإن القارئ الذي هو على شاكلتي لا يفهم تعقيد الوجود المعرفي». مع الشكر الجزيل للأستاذ مصطفى مَلَكْيان.

ربما أمكن القول في الجواب: إن التداخل والتعقيد في الوجود المعرفي للحقائق يبدو أنه أفضل تفسير نقدِّمه لبيان أمرين، وهما أوّلاً: اختلاف الناس في إدراك الحقيقة، وثانياً: إن فهم الإنسان للحقيقة ذو مراتب. ويبدو أن تدخُّل ذهن الإنسان في فهم الحقائق من أجل التفسير «التامّ» لهذين الأمرين غير كافٍ. فمن جهةٍ نحن نرى أن لدى الناس أفهاماً مختلفة عن حقيقةٍ واحدة، وأن بعض تلك الأفهام أعمق من بعضها الآخر (فمثلاً: إن فهم أستاذ الرياضيات لـ «العدد» و«الجمع» و«الطرح» أعمق من فهم الطالب ـ الذي دخل إلى المدرسة حديثاً ـ لهذه المفاهيم)؛ ومن جهةٍ أخرى قد يختلف فهم الفرد لحقيقةٍ واحدة على مرّ الزمان، فيغدو فهمه لها في السنوات اللاحقة أعمق بكثيرٍ من فهمه لها في السنوات السابقة. وطبعاً ربما أمكن القول: إن هذا الاختلاف ينشأ من مراتب تعقيد ذهن المعرف، وليس من تعقيد الواقعية. ولكن ربما من الأجدر القول: إن تعقيد الذهن يجعل ذهن الفرد أقدر على إدراك الطبقات الأعمق من الواقعية، بمعنى أنه الشرط اللازم لهذا الإدراك، وإنْ لم يكن هو الشرط الكافي لذلك. ويبدو أن هذا النوع من التفسير وفيٌّ لعينية المعرفة، وكذلك لحصّة وتدخُّل الذهن البشري في تحقُّق المعرفة.

([4]) skepticism.

([5]) sophisticated or critical realism.

([6]) يعمد (كانت) إلى بيان هذه الرؤية من خلال توظيف الفصل بين النومن (noumenon) بمعنى الواقعية في حدّ نفسها، وبين الظاهرة (phenomenon) بمعنى الواقعة كما تبدو لنا.

([7]) reconstruction.

([8]) يرى بعض المعاصرين لنا من تجّار الحقيقة أن العالم المعاصر يمتاز بالإعراض عن الحقّ والحقيقة، حيث يذهب هؤلاء إلى القول بأن الإنسان الحديث قد أحلَّ اتّباع النفس الأمّارة محلّ اتّباع الحقّ.

غير أن هذا الكلام غير صائب؛ إذ هناك بين القدماء والمعاصرين أناسٌ يتبعون النفس الأمارة، وهناك منهم مَنْ يبحث عن الحقّ والحقيقة. وإذا كان هناك من اختلاف فيكمن في أن الإنسان الحديث بدأ يعرف حدوده، ولم يَعُدْ يطمح إلى غير المقسوم له من حظوظ المعرفة. وفي الحقيقة يجب القول: إن تُجّار الحقيقة هم الذين يعرضون عن الحقّ، ويتَّبعون الهوى والنفس الأمّارة؛ لأن امتلاك صورةٍ عن الحقيقة وعبادتها بوصفها هي الحقيقة هو عين الوثنية واتّباع النفس الأمارة.

([9]) انظر في هذا الشأن: سروش، أخلاق خدايان «إيمان وأميد»: 138 ـ 142. ويقول د. سروش: «…يصعب القول تصوُّراً ومفهوماً أن هناك صورة أفضل من غيرها؛ لأن نسبة الحقيقة إلى جميع الصور الأخرى متساوية… كما أن تلك الصورة تعمل على إظهار تلك الحقيقة بنسبةٍ واحدة على مستوى القالب والمظهر. ولكن يحصل هناك اختلافٌ بالنسبة لنا بوصفنا كائنات مدركة. وكما يقول المولوي: تختلف نسبة السكر عند الشرب من كأسٍ ومن كأسٍ أخرى. وهذا يرتبط بنا، وليس بالحقيقة». (سروش، أخلاق خدايان «إيمان وأميد»: 141).

وفي اعتقادنا إن تساوي نسبة الحقيقة إلى الصور يعني أن لا شيء من تلك الصور هو عين تلك الحقيقة، لا أن المسافة بين تلك الصور والحقيقة مسافة واحدة، أو أن جميع تلك الصور من الناحية المعرفية فاقدة للقيمة، أو أنها تحظى بقِيَم متساوية. إن التأثير الروحي والمعنوي والنفسي للصور على الأفراد مختلف، إلاّ أن هذا لا يعني تساوي نسبتها إلى الحقيقة. وبحَسَب التعبير العرفاني: إن لتجلِّيات الله مراتب. وبطبيعة الحال قد يصدف أن تكون بعض الصور التي يتمّ إسقاطها على الحقيقة في عرض واحد، وتحظى باعتبار ومنـزلة معرفية واحدة، ولكنّ هذا لا يحدث بشكلٍ مطلق. فأين الصورة التي يحملها الإمام عليّ× عن الله من الصورة التي نحملها نحن. إذا كانت هناك مسافة وجودية (القرب والبعد المعنوي) للناس من الحقيقة، واختلفَتْ زيادةً ونقصاناً، فإن الصورة التي يحملونها عن تلك الحقيقة ستكون قريبة أو بعيدة بنفس النسبة، وكلّ مَنْ كان أقرب منها كان أكثر فناء فيها، وستكون الصورة التي يمتلكها عن الحقّ أكمل وأكثر وضوحاً من الصور التي يحملها الآخرون.

([10]) objectivity.

([11]) subjectivity.

([12]) لا معنى للصفح والتسامح في النـزاع المحتدم بين الحقّ والباطل. فإذا كانت الحقيقة مجردة، وإذا كان الفرد في مقام إدراك الحقيقة مجرّد متفرِّج ومنفعل، فإن الشكّ والترديد في باب الحقيقة أو إنكارها لن يكون له من منشأ سوى الأهواء والأطماع النفسية والأمراض الروحية والنفسية، بمعنى أنه كفر معلّل. وعلى أساس هذا النوع من الفهم سيكون الكفر المدلَّل سالبة بانتفاء الموضوع.

من وجهة نظرنا إن الكفر يتضمَّن الجحود وعدم الشكر، ولذلك يمكن تعريفه على أنه حجب للحقّ أو إنكار للحقّ الواضح؛ إرضاء للأغراض النفسية والأطماع الشخصية. وعليه فإن اجتراح الكفر يعتبر قبيحاً ومذموماً من الناحية الأخلاقية، بَيْدَ أن الإنكار المستدلّ للحقيقة غير الواضحة لا يعتبر مصداقاً للكفر، ولربما اعتبر ذلك مسؤولية لا بُدَّ للفرد من الاضطلاع بها على المستوى الأخلاقي، حيث يجب علينا من الناحية الأخلاقية أن نتَّبع الدليل. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إنه لا يوجد هناك «كفر مدلَّل» بالمعنى الدقيق للكلمة، بمعنى أن الكفر المدلَّل سالبة بانتفاء الموضوع. وبعبارةٍ أخرى: إن الكفر ليس سوى كتمان الحقيقة الواضحة. وقد ورد في القرآن: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 146). وعليه فإن الشخص الذي يرى الحقيقة في موضعٍ أو في شيء آخر استناداً إلى الدليل المقنع، ومع ذلك يحجم عن بيانها، يكون في الحقيقة كاتماً للحقّ، وكافراً بالنعمة، ويكون في الحقيقة كافراً بالحقيقة، بمعنى أنها يكتمها ويحجبها.

وقد عمد المستشرق والباحث القرآني الياباني الراحل (إيزوتسو)، في الفصل السابع والثامن من كتابه القيِّم (مفاهيم أخلاقي ـ ديني در قرآن مجيد [المفاهيم الأخلاقية ـ الدينية في القرآن الكريم]، ترجمه إلى الفارسية: د. فريدون بدره إي، طهران، نشر فرزان) إلى تحليل كتمان الحقّ وكفران النعمة. وقد ذهب إلى القول بأن للكفر معنيين: الأوّل: الكفر في مقابل الإيمان؛ وأما الثاني فهو الكفر بمعنى عدم الشكر (إيزوتسو، مفاهيم أخلاقي ـ ديني در قرآن مجيد، ترجمه إلى الفارسية: د. فريدون بدره إي: 239 ـ 353).

ولكن باعتقادي إن مفردة الكفر ومشتقاتها لها معنى واحد عامّ، وهو المعنى الثاني لهذه المفردة. وعليه فإن الكفر قبل أن يكون مفهوماً دينياً هو مفهوم أخلاقي. أما المعنى الأول لهذه المفردة، وهو المقابل للإيمان، إنما هو في الحقيقة تطبيقٌ للمعنى الثاني في مورد العقائد الدينية، وليس معنى مستقلاًّ.

([13]) انظر في هذا الشأن: مَلَكْيان، راهي به رهائي: جستارهايي در عقلانيت ومعنويت «مباني نظري مدارا»: 113 ـ 126، طهران، نشر نگاه معاصر.

([14]) رُوي عن النبي الأكرم| أنه كان يكثر من قراءة هذا الدعاء والمناجاة: «اللهمّ، أرنا الأشياء كما هي» (مرصاد العباد: 309). وقد رُوي هذا الدعاء بصيغة أخرى أيضاً، وهي: «اللهمّ، أرنا الحقائق كما هي» (عوالي اللآلئ 4: 132)، و«[إلهي] ما عرفناك حقّ معرفتك» (بحار الأنوار 68: 23). كما رُوي عنه أنه قال: «لو عرفتم الله حقَّ معرفته لزايلت [لزالت] بدعائكم الجبال الراسيات، ولا يبلغ أحد كُنه معرفته. فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا. الله أعلى وأجلّ أن يطَّلع أحدٌ على كُنْه معرفته». ونقل عنه أيضاً أنه قال: «يا مَنْ لا يعلم ما هو إلاّ هو» (المصدر نفسه).

([15]) منذ أن اكتشف الإنسان الحديث حقيقة أن بين الإنسان والحقيقة واسطة تمثِّل حجاباً للحقيقة، كما تمثِّل مرآة لها في الوقت نفسه، تعرَّف على الثقافات الأخرى والأشخاص الآخرين الذين يختلفون عنه في التفكير، وكانوا يمتلكون نظريات أخرى في ما يتعلَّق بالحقيقة.

([16]) انظر في هذا الشأن كتابنا: أخلاق دينداري.

([17]) هناك اختلافٌ بشأن ما إذا كان الإيمان وعدم الإيمان من الأفعال الاختيارية أم لا؟ ولكن يبدو عدم وجود اختلاف في اعتبار مبادئ ومقدّمات الإيمان وعدم الإيمان ـ من قبيل: التفكير والبحث ـ من الأمور الاختيارية، وأنها تخضع للنقد والتقييم العقلاني.

([18]) إن اعتبار الشخص في الإيمان بمعتقد أو رفضه يختلف عن اعتبار ومعقولية أو صدق مضمون ومتعلّق ذلك الإيمان.

([19]) أصل البيت في اللغة الفارسية:

گفت هر مردي كه باشد بد گمان *** نشنود أو راست را با صد نشان

([20]) تسمّى الصورة أو النظرية الأفضل في فلسفة العلم بـ «البيان الأفضل» (the best explanation).

([21]) ويبدو من الدكتور سروش، في «الصُّرُط المستقيمة»، أنه يريد القول: إننا في ما يتعلَّق بحقل الدين نقبع في الحالة الرابعة، بمعنى أنه لا يوجد رجحان بين مختلف الأديان ـ التي تمثِّل في الواقع صوراً مختلفة عن الحقائق الدينية ـ، سواء من ناحية العقلانية النظرية أو من ناحية العقلانية العملية. (انظر: سروش، صراطهاي مستقيم، طهران، مؤسسه فرهنگي صراط). فمن وجهة نظره يعدّ تكافؤ الأدلّة مبنى للتعدُّدية الدينية، وإن تعدُّدية الصدق مقدّمة لتعدُّدية النجاة. ولكنْ من وجهة نظري إن تكافؤ الأدلّة إنما يضاعف أدلّة التعدُّدية الدينية، وإن التعدُّدية الدينية لا تتوقَّف عليها، ولذلك ليس هناك من علاقةٍ مباشرة بين تعدُّدية الصدق وتعدُّدية النجاة.

([22]) تجدر الإشارة هنا إلى الكلمة الحكمية التي صاغها (كارل ماركس) إذ قال: «كان الفلاسفة حتّى الآن منهمكون في تفسير الكون، وقد حان الوقت لتغييره»، حيث لا ربط لذلك بإحلال الإرادة محلّ الحقيقة، أو تقديم الإرادة على الحقيقة في مقام الحصول على المعرفة؛ لأن التحوُّل والتغيُّر الذي حصل في هذه الدائرة لم يكن ليحكي عن إحلال «التغيير» محلّ «التفسير»، وإنما يحكي عن توصُّل الإنسان إلى حقيقة أن الفرد بدلاً من الحقيقة يواجه على الدوام تفسيراً أو تفسيرات عن الحقيقة، وهو مضطرٌّ إلى الاختيار من بينها، وأن يعمل إرادته في ما يتعلَّق بالحقيقة. وإنّ كلام ماركس يتعلَّق بالدائرة العملية، وهو ما سوف نشير إليه في المستقبل.

([23]) علينا أن لا نستنتج من هذا الكلام أن أخلاق الإيمان إنما تجب رعايتها لأننا نواجه صورة عن الحقيقة، وليس الحقيقة نفسها. فحتّى إذا كانت الحقيقة ملك أيدينا فإننا في ما يتعلَّق بالتمسُّك بالإيمان أو تركه ملزمون ـ فيما إذا كان ذلك داخلاً في حدود اختيارنا ـ برعاية المعايير وقِيَم أخلاق الإيمان أيضاً. مع الشكر الجزيل لسماحة الأستاذ مصطفى مَلَكْيان لدقَّته في تنبيهنا إلى الغموض الموجود في النصّ.

([24]) في ما يتعلَّق بشرح وبسط بعض الأمثلة والشواهد العديدة التي يمكن بيانها لصالح هذا الادعاء انظر: المذكرة رقم (2 / 18).

([25]) انظر:

1ـ سروش، مدارا ومديريت «خدمات وحسنات دين»: 227 ـ 276.

2ـ سروش، «دين ودنياي جديد (2)، سنّت وسكولاريسم: 37 ـ 66، طهران: مؤسسه فرهنگي صراط).

([26]) إن هذا البيان مقتبسٌ من كلمة غير منشورة للأستاذ مصطفى مَلَكْيان، وعنوانها: (الأمل بدلاً من التقدُّم). ويمكن قراءة تقرير عن هذه الكلمة على الموقع التالي:

http://manaviat.blogfa.com/post-144.aspx

كما تعرَّض سماحته لهذا البحث في درس «النـزعة التقليدية، والنـزعة التجديدية، وما بعد النـزعة التجديدية» في جامعة شريف الصناعية أيضاً. للوقوف على تقرير عن هذه الدروس انظر:

http://malekiyan.blogfa.com/post-94.aspx

([27]) إن الأخلاق الفردية ناظرةٌ إلى علاقة الإنسان بنفسه وربِّه، وأما الأخلاق الاجتماعية فناظرة إلى تنظيم علاقته بالآخرين وبالمؤسَّسات الاجتماعية. إن خفض الأخلاق الاجتماعية إلى مستوى الأخلاق الفردية من الناحية الأولى بمعنى أن اقتراب وبُعْد الأفراد من الله كان يعتبر في العالم القديم واحداً من العناصر ذات الصلة من زاوية الأخلاق الاجتماعية، وكان لها تأثير في التوزيع غير المتكافئ للمواهب والإمكانات الاجتماعية. لمزيدٍ من التوضيح بشأن الاختلاف بين الأخلاق الفردية والأخلاق الاجتماعية انظر: (دين در ترازوي أخلاق: 52 ـ 59). مع الشكر الجزيل للأستاذ مصطفى مَلَكْيان على إثارته تساؤلاً أدّى إلى إضافة هذا الهامش.

([28]) إن هذه العبارة مقتبسةٌ من المؤرِّخ والمصلح الأخلاقي الإنجليزي لورد جون آكتون (John Acton)، (1834 ـ 1902).

([29]) هذه العبارة مقتبسة من الدكتور سروش.

([30]) جاء في الروايات أن آخر شيء يخرج من قلب المؤمن هو حبّ الجاه والسلطة. فقد يمارس فردٌ طوال عمره مختلف الرياضات القاسية، ويتزهَّد؛ لغرض الوصول إلى مقام ومنـزلة دنيوية. وعلى هذا الأساس إذا نظرنا من زاوية الأخلاق الاجتماعية نجد أن الزهد الاقتصادي في دائرة الحياة الخاصة يعتبر من الخصائص الأخلاقية غير ذات الصلة. أما الذي يعتبر هنا من الأمور ذات الصلة الأخلاقية فهو كيفية التصرُّف في بيت المال والسلطة السياسية. إن إساءة استغلال السلطة والثروة العامة هو ما يطلق عليه في الثقافة الغربية مصطلح الفساد (corruption). إن اكتفاء المسؤول في حياته الخاصة بأكل الخبز والجبن أو الطير المشوي يعتبر من ناحية الأخلاق الاجتماعية من الأمور غير ذات الصلة؛ إذ إن المهمّ من ناحية الأخلاق الاجتماعية هو تأثير أداء المسؤول في مصير المجتمع. قد يكون المسؤول من أولئك الذين يكتفون من الطعام بشيءٍ من الخبز والجبن، ولكنَّه؛ لسوء تدبيره في إدارة الدولة أو بساطته في معالجة الأمور، أو سوء تقديره لمفهوم العدالة الاجتماعية، يقعد المواطنين على بساط الفقر والفاقة، أو يتَّخذ القرارات السياسية الخاطئة، أو يصرِّح بمواقف غير مدروسة، فيؤدِّي إلى اتساع رقعة الفقر، وازدياد فجوة الاختلاف الطبقي في المجتمع.

([31]) right.

([32]) good.

([33]) right to be wrong.

([34]) إن حقّ الإنسان في أن يكون على خطأ إنما يضمن حرِّيته السلبية في ما يتعلَّق بالحقّ والباطل. إن معنى هذا الحقّ أنه لا يحقّ للآخرين أن يكرهوني على اعتناق ما يعتبرونه حقّاً. إن هذا الحقّ لا يعني تكافؤ وتساوي الحقّ والباطل، وأنه يحقّ لي انطلاقاً من مزاجي أن أكون على حقٍّ أو أكون على باطل، وأنه يحقّ لي أن أترك الحقّ الذي ثبت لي بالدليل الواضح، وأن اختار الباطل الذي ثبت لي بطلانه بالدليل اللاحب. إن حقَّ الإنسان في أن يكون على خطأ لا يرفع عن كاهله مسؤولية البحث بصدقٍ وجِدِّية والوصول إلى اكتشاف الحقّ، وأن يلتزم بنتيجة بحثه وتحقيقه إذا نجح في ذلك. إن هذا الحقّ من معايير الأخلاق الاجتماعية، وليس من معايير الأخلاق الفردية.

([35]) لقد عقد النبيُّ الأكرم| بين سلمان وأبي ذرّ عقد الأخوة، ومع ذلك ورد في الحديث عن رسول الله أنه قال عنهما: «لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله» (الكافي 1: 401).

([36]) إن التفسير الثالث يعود إلى جماعة من المتكلِّمين؛ وحيث يعتقدون بأن المعاد جسماني صرف، طرحوا بحث «إمكان إعادة المعدوم»، وأخذوا يدافعون عنه؛ إذ بناءً على هذه الرؤية حيث ينعدم الجسم بالموت لا بُدَّ من إعادة إحيائه، وكانوا يسعَوْن إلى إثبات إمكان إعادة المعدوم،وأنه ليس محالاً، ولذلك يكون المعاد ممكناً أيضاً وليس محالاً. مع الشكر الجزيل للأستاذ مصطفى مَلَكْيان على التذكير بهذه النقطة، وأنه يوجد في البين تفسيرٌ ثالث أيضاً.

([37]) وهذه اللابُدِّية لابُدِّية معرفية. نحن لا نقول: إن تغيير الأمثلة والنماذج القائمة في سائر الحقول المعرفية لا بُدَّ أن يؤدّي إلى تحوُّل في المعرفة الدينية على نحوٍ قهري أيضاً. وسوف نبحث هذا الادّعاء ودليله بشكلٍ مسهب لاحقاً.

([38]) اقتبست هذا التفكيك من الدكتور سروش. (انظر: سروش، قبض وبسط تئوريك شريعت «نظرية تكامل المعرفة الدينية»: 366، طهران، مؤسسه فرهنگي صراط).

([39]) يجدر بنا التذكير هنا بأن أكثر الفقهاء الشيعة، في مقام التنظير وعلى المستوى النظري، يقولون بأن مصادر الأحكام عبارةٌ عن القرآن والسنّة والإجماع والعقل، ولكن في ما يتعلَّق بالاتجاه التقليدي من الدين تنحصر مصادر الأحكام عمليّاً بالقرآن والسنّة، حتّى أن فقيهاً حاذق البصيرة، مثل: السيد محمد باقر الصدر، يعترف في مقدّمة (الفتاوى الواضحة) بأن العقل إنما هو مصدرٌ بالقوّة لاستنباط الأحكام الشرعية. وكما سبق أن رأينا فإن منشأ هذه الرؤية إلى موقع العقل في الفقه فرضية معرفية خاطئة تشترط حجّية واعتبار حكم العقل بالقطع واليقين، وتعتبر الأحكام العقلية الظنِّية ساقطة عن الاعتبار.

([40]) يمكن القول: إن من الاختلافات الهامّة بين العالم الجديد والعالم القديم هو الاختلاف بين الإله الذي يعبد في هذين العالمين. فإنّ إله العالم الجديد هو «إله الأخلاق» أو «الشاهد المثالي»، في حين أن إله العالم القديم هو «إله الفقه» أو «الإله الشارع». وبعبارةٍ أخرى: إن إله العالم القديم هو «إلهٌ في الحدّ الأعلى»، وإله العالم الجديد هو «إلهٌ في الحدّ الأدنى». (في ما يتعلَّق بالإله في الحدّ الأعلى انظر: سروش، بسط تجربه نبوي «دين أقلي وأكثري»: 110). إن الصورة التي يقدِّمها الفقهاء ـ بما هم فقهاء ـ عن الله للبشر تحتوي على عدّة إشكالاتٍ هامّة، فهي أوّلاً: تبعد الناس عن الله. وثانياً: إن عبادته لا تنسجم مع العقلانية التي تسود العالم الجديد؛ لأن عبادة مثل هذا الإله تضعف الوجدان الأخلاقي للإنسان، وتعمل على تحريفه.

يجب أن لا نفسِّر الخشية من الله بمعنى الخوف والفزع من كائنٍ مخيف وموحش. يمكن تقسيم الخشية من ناحية إلى نوعين: الأوّل: الخشية والخوف الذي يبعد الإنسان عن الله؛ الثاني: الخشية والخوف الذي يقرِّب الإنسان من الله. ومن زاويةٍ أخرى يمكن تقسيم الخوف من كائنٍ إلى ثلاثة أقسام، وهي: أوّلاً: الخوف من الكائن المخيف (من قبيل: خوف الإنسان من الحيوان المفترس أو الديكتاتور الدموي)؛ وثانياً: الخوف بسبب إدراك العظمة (الخشية)؛ وثالثاً: الخوف من المحبوب (وهذا الخوف يعود في الحقيقة إلى خشية وخوف الإنسان من سلوكه في حضرة المحبوب، وليس خوفاً من الله، إنه خوف من الحبيب، وليس خوفاً من العدوّ). إن الله ليس كائناً مخيفاً. وإن من تداعيات الخوف من الله بوصفه كائناً مخيفاً هو الوسوسة في العمل. فإذا كان الله كائناً مخيفاً يجب الابتعاد عنه والهروب منه؛ حتّى لا يتمكَّن من إلحاق الضرر بنا. وأما الخشية أو الخوف الناشئ من شهود العظمة فإنه يقترن بالانجذاب والهيام والانصهار والاندكاك بالمحبوب. فإذا كان الله عطوفاً ورحيماً ـ وهو كذلك ـ فسيكون الخوف منه خوفاً من المحبوب، بمعنى أن نحذر من أن يصدر عنا فعلٌ يحزنه أو يؤذيه، وإن الذي يزعجه ويؤذيه إنما يصدر عنّا، وعليه يجب علينا أن نخاف من أفعالنا، وأن نخاف من أن يَكِلَنا الله إلى أنفسنا. قال الإمام عليّ×: «…لا يرجونَّ أحدٌ منكم إلاّ ربَّه، ولا يخافنَّ أحدٌ منكم إلاّ ذنبه» (نهج البلاغة، قصار الحكم، الحكمة رقم 82). وعليه فإن الله لا يكون إلاّ معقد الأمل، وما يكون متعلَّق الخوف والخشية ليس سوى ذنب الإنسان، أي يجب أن يكون فعله. (مع الشكر الجزيل للأستاذ مصطفى مَلَكْيان على التذكير بهذه الحكمة عن أمير المؤمنين). إن الله أحبّ من كلّ حبيب يمكن للإنسان أن يحبّه؛ لأنه يريدنا لأنفسنا، لا لنفسه، وهو أرحم بنا من أنفسنا. لا يمكن العثور على حبيب غير الله يمكن اللجوء إليه في كلّ وقتٍ من الليل والنهار، والبرد والحرّ، والصحّة والمرض، والغنى والفقر، وطلب العون منه والاستعانة به. إنّ إله الفقه ليس إلهاً تطمئنّ بذكره القلوب. ولذلك يمكن القول: إن إله الفقه لا يستطيع أن يحلّ محلّ الله في حياة الإنسان. إن الإنسان يهرب من الإله المالك والمستبدّ، وإذا رضي بقضائه وقدره فإنّ رضاه لن يكون من صميم قلبه، وسوف يحمل في قلبه شيئاً من الحنق منه، بمعنى أن رضاه سيكون بالإكراه، وخوفاً من العذاب والعقاب. ومن هنا تكون عبادة الله المالك نوعاً من عبادة القوّة [وهي نوع من المازوخية].

([41]) normative.

([42]) وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن النـزاع بين الفقه (أو الأخلاق الدينية) وبين الأخلاق العلمانية ينشأ من اختلاف المباني بين هذين النوعين من الأخلاق في حقل «معرفة الله» و«معرفة الإنسان». وإن النـزاع بين هذين المفهومين ينشأ في الحقيقة حول تقديم إله الأخلاق على إله الفقه، أو إحلال إله الفقه محلّ إله الأخلاق.

([43]) يرى بعض المنتقدين للفقه التقليدي أن هذا النموذج مناسبٌ لفهم الأحكام العبادية، وتنظيم العلاقة بين الناس والخالق، ولكنَّه يحمل في طيّاته الكثير من المشاكل في ما يتعلَّق بفهم الأحكام السياسية والاجتماعية، وتنظيم العلاقات بين الناس. يعزو الأستاذ كَدِيوَر هذه الرؤية إلى عموم المتنوِّرين الدينيين. ولكنَّني أرى أن هذا النموذج حتّى في ما يتعلَّق بالعبادات يؤدِّي إلى تحريف الشريعة أيضاً، ويحول دون فهم الأحكام العبادية بشكلٍ صحيح، وإن اتّباع الأحكام العبادية التي يتم استنباطها على أساس هذا النموذج يبعد الإنسان عن مقاصد الشريعة وجوهر العبادة. وبطبيعة الحال فإن المشاكل التي تظهر في حقل المعاملات؛ نتيجة للتفكير ضمن هذا النموذج، تتجلّى بشكلٍ أكبر وأوضح.

([44]) بطلان الصوم إنما يتصوَّر في حالة الغسل فقط، دون الوضوء (المعرِّب).

([45]) إن التبرير الذي يسوقه أرسطو لمشروعية العبودية هو أن نسبة العبد إلى المولى مثل نسبة الجسد إلى العقل، فكما أن المولى يستخدم جسد العبد للوصول إلى أهدافه يعمل العبد على توظيف عقل المولى لصالحه، وهكذا تكون الخدمة بينهما متبادلة، ويكون العبد في حياته مَديناً لفكر سيِّده. ومن هنا تكون العبودية من وجهة نظر أرسطو منظومةً عادلة. انظر في هذا الشأن:

Aristotle (1988) The Politics, S. Everson (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press).

([46]) ربما أمكن القول: إن مقبولية هذا النموذج في العالم القديم تابعٌ للعلّة أكثر من تبعيّتها للدليل، بمعنى أن العلل والعوامل النفسية والاجتماعية في ذلك العالم قد تضافرت حتّى رسخت في وجدان الناس الضرورة والحاجة إلى وجود مثل هذا الإله، وقد أدَّت هذه الحاجة إلى خلق هذه الصورة عن الله والاعتقاد به، وتبرير عبادته. لقد كان تصوُّر هذا الإله في العالم القديم خير وسيلة لضبط أنانية الناس وغضبهم وشهوتهم، وردعهم عن ممارسة الظلم والعدوان تجاه بعضهم، وكان بنحوٍ من الأنحاء يحافظ على النظم الاجتماعي. وأما في العالم الجديد فإن هذا التصوُّر عن الله لم يَعُدْ فاقداً لتأثيره وفاعليته السابقة فحَسْب، بل إن عبادته تعطي نتائج معكوسة. إن كلّ عالم يتطلّب إلهاً مناسباً له، وإن الإله الذي يناسب العالم الجديد هو «إله الأخلاق»، وليس «إله الفقه». وأساساً ربما أمكن القول بأن إحدى علامات دخول الإنسان إلى العالم الجديد، وترك العالم القديم، تكمن في اختلاف الصورة التي يحملها سكّان هذين العالمين عن الله، والإله الذي يعبدانه. إن تبدُّل العالم يرتبط بتبدُّل تصوُّر الناس عن الإله، وعندما يتغيَّر تصوُّر الله يتغيَّر كلّ شيء، وهكذا العكس.

([47]) بعبارةٍ أخرى يمكن القول: إن كل ما يقوم به إله الأخلاق هو أخلاقي، وإنّ كل ما يقوم به الإله العادل هو عين العدل، وهذا يعني أن إله الأخلاق يراعي القِيَم الأخلاقية، لا أنه بغضّ النظر عن فعله يتساوى العدل والظلم، أو أنه لا وجود للعدل والظلم أبداً.

([48]) يرى الدكتور سروش أن تغيير نسبة «الحقّ» و«التكليف»، أو إحلال مفهوم «الإنسان المحقّ» محلّ مفهوم «الإنسان المكلَّف»، من العلل القريبة للعلمانية السياسية (سروش، مدارا ومديريت «خدمات وحسنات دين»: 424 ـ 437).

([49]) يجب هنا أن نقدِّم صورةً عن الطبيعة وظواهرها، وكذلك عن الحيوانات، بحيث يمكن أن يكون للطبيعة وظواهرها والحيوانات في تلك الصورة حقوقاً، أو يجب اعتبار وظائف وتكاليف الإنسان تجاه الطبيعة والحيوانات مجرَّد نتيجة للوظائف والتكاليف الملقاة على عاتق الإنسان تجاه الآخرين، وتجاه نفسه، وتجاه الخالق. مع الشكر الجزيل للأستاذ مصطفى مَلَكْيان على بيان هذه المسألة الدقيقة.

([50]) إن منشأ هذا التكليف يمكن أن يكون هو الفعل السابق لله. فمثلاً: ما دام الله لم يقطع على نفسه وعداً لعباده فإن وجوب الوفاء بالعهد لا يشمله. فإن الله يستطيع أن لا يَعِدَ، ولكنَّه لا يستطيع أن يَعِدَ ثمّ يقول: حيث إني أنا الله، أو لأن المصلحة تقتضي، فإن الوفاء بالوعد لا يجب عليَّ، ويحقّ لي أن لا أفي بوعدي. وعلى هذا الأساس عندما يَعِدُ الله عباده بشيءٍ يكون بذلك قد أوجب الوفاء بالوعد على نفسه، وإنّ منشأ هذا الوجوب، أو بعبارةٍ أدقّ: إن منشأ فعلية هذا الوجوب، هو ذاته وفعله السابق. إن الحكم الأخلاقي المتمثِّل بالوفاء بالوعد يقول: «إن الفاعل المختار إذا قطع على نفسه وعداً وجب عليه الوفاء بوعده». وإن الله من خلال وعده يحقِّق شرط هذه القضية الشرطية. وعلى هذا المنوال يستطيع الله أن لا يخلق الإنسان، ولكنَّه لا يستطيع أن يخلقه ثمّ يسلبه حقوقه الطبيعية، فضلاً عن أن يعطي الآخرين الحقَّ في أن يسلبوا عنه هذه الحقوق.

([51]) تمَّ إبراز هاتين النظريتين من قبل الدكتور سروش والدكتور محسن كَدِيوَر.

([52]) انظر في هذا الشأن:

1ـ عدالت نجاد، نقد وبررسيهايي درباره آراء وأنديشه هاي نصر حامد أبو زيد (طهران، مشق إمروز).

2ـ عدالت نجاد، باب اجتهاد: درباره كارآمدي فقه إسلامي در دنياي إمروز «باب مسدود اجتهاد»: 52 ـ 53، تصحيح: سعيد عدالت نجاد، طهران، انتشارات طرح نو.

3ـ أبو زيد، نقد الخطاب الديني: 220، بيروت، المركز الثقافي العربي.

([53]) قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14).

([54]) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا ِلآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34).

([55]) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً…﴾ (البقرة: 30).

([56]) طبقاً لبعض الآيات القرآنية نجد الملائكة تعترض على خلق الإنسان، وتقول: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ…﴾، فيردّ الله تعالى عليهم بالقول: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30).

([57]) إن الإنسان المفتقر إلى حقوقه الإنسانية مفهومٌ متهافت؛ إذ إن إنكار الحقوق الطبيعية للإنسان يلغي المنـزلة الأخلاقية الفاصلة بين الإنسان والحيوان.

([58]) Lewis, B. (2002) What Went Wrong? The Clash between Islam and Modernity in the Middle East (London: Weidenfeld & Nicolson).