الفقه الإسلامي وتحدّيات العصر الحديث

16 أبريل 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬082 زيارة

الفقه الإسلامي وتحدّيات العصر الحديث

ـ القسم الأوّل ـ

 

د. أبو القاسم فنائي(*)

ترجمة: حسن مطر

 

«مَنْ كان له من نفسه واعظٌ، كان عليه من الله حافظٌ»([1]) (الإمام علي×).

 

1ـ مدخل

سنعالج هنا مسار مواجهة الفقه التقليدي (الأخلاق الدينية) لتحديات العصر الحديث، وذلك من أجل بيان عناصر تأثير «الزمان والمكان على الاجتهاد»، وما هي أسباب «عدم كفاية الاجتهاد بمعناه المصطلح في الحوزات العلمية»؟ نرى أن «أخلاق الاجتهاد» هي الموضوع الأول الذي يحتاج إلى إعادة نظر جذرية معمّقة. إن البحث في أخلاق الاجتهاد هو نوع من الاجتهاد في أصول ومباني الاجتهاد الفقهي، وهذا النوع من الاجتهاد يتقدّم من الناحية المنطقية على الاجتهاد في الفروع. وبعبارةٍ أخرى: إن أهمّ ما يتعين على علماء الدين فعله في الظروف الراهنة هو «إحداث التناغم بين أصول الدين وأصول العالم الحديث، وليس المناغمة بين فروع الدين وفروع العالم الحديث»([2]). ولكنْ من الواضح أن النجاح في هذا الأمر رهنٌ بأن تكون لدينا معرفة عميقة وشاملة بالعالم الجديد من جهةٍ، وإعادة النظر في مباني الاجتهاد في الدين والاجتهاد في الفقه من جهةٍ أخرى. سنتحدّث عن أسلوب البحث في الفقه التقليدي. وستكون لنا جولة على طرق الحلول التقليدية في مواجهة تحدّيات العصر الحديث. وأما سائر البحوث فإنها تختصّ ببيان خصائص العالم الحديث ومواطن اختلافه عن العالم القديم. إن أهمّية الخوض في هذه الخصائص تتجلّى في:

1ـ إذا أردنا أن نجعل العصر الحديث دينياً يجب علينا أوّلاً أن نشحذ الهمم من أجل عصرنة المعرفة الدينية. وإن الفهم الديني الذي ترعرع في أذهان وضمائر سكان العالم القديم لا يستطيع تلبية الحاجة الدينية لسكان العالم الحديث.

2ـ إذا أريد للنصوص الدينية القديمة التي خاطب بها الشارع سكان العالم القديم أن تعمّم على سكان العالم الحديث فإنها ستكون بحاجةٍ إلى ترجمتها ثقافياً. وإن الناس الذين يعيشون في العالم الحديث لن يتمكّنوا من أن يكوِّنوا فهماً صحيحاً ومعقولاً عن النصوص الدينية قبل العمل على ترجمتها ثقافياً، فضلاً عن تطبيقها والعمل بها، أو أن يتمكّن الدين من اتّخاذ الدور المناسب في تنظيم حياتهم.

إن من الأخطاء الاستراتيجية التي يرتكبها التفكير التقليدي هي أنه في مقام مواجهة العالم الحديث، وعند استنباطه لموقف الدين تجاه هذا العالم، يتوجه إلى «محاصيل» و«ثمار» هذا العالم، ويتجاهل «الجذور»، ويعمل على فصل الثمار عن الجذور، ويريدها كذلك، متصوِّراً أنّه بالإمكان ـ مثلاً ـ إدارة المؤسّسات والمنظمات الاجتماعية الحديثة على أساس الأخلاق والعقلانية التقليدية (الفقه التقليدي)، وأنّه بالإمكان الاستفادة بالشكل المطلوب من العلم والتكنولوجيا الحديثة، دون أن يكون هناك التزامٌ بالأخلاق الحديثة، أو أنّه بالإمكان فصل العلوم الطبيعية عن العلوم الإنسانية، وإحلال العلوم الإسلامية محلّ العلوم الإنسانية. إن أصحاب وحَمَلة هذا النهج الفكري يتصوّرون أن «العالم الجديد هو نسخة مكبَّرة عن العالم القديم»([3])، ولذلك يمكن أن تكون القيم والمعايير السائدة في هذين العالمين واحدة، وأنّه بالإمكان إدارة العالم الحديث من خلال ذات القيم والمعايير التي كانت سائدة في العالم القديم([4]). إن هذا النوع من التفكير يصدر عن معرفة سطحية وغير ناضجة بشأن خصائص العالم الحديث وجذوره، ويقيم فهمه وتفسيره للنصوص الدينية على هذه المعرفة. وبَدَلاً من السعي إلى رفع جهله وتصحيح فهمه يعمل على اتِّهام الناقدين المشفقين والمخلصين بعدم التديُّن، أو ضعف الدين، والعمالة للأجنبيّ.

 

2ـ أسلوب البحث في الفقه التقليدي

نقدِّم في هذا القسم تقريراً مختصراً وإجماليّاً عن أسلوب البحث السائد في الفقه التقليدي (عقلانيّة الفقه الراهن، أو أخلاق الاجتهاد كما هو). إن القسم الأكبر من علم أصول الفقه يعالج الأدلة التي يمكن توجيه وتبرير الأحكام الفقهية من خلال الاستناد إليها. إن هذا الجانب من علم الأصول في الحقيقة ناظرٌ إلى المباني المعرفيّة للفقه، وإن آراء الفقهاء في هذا الحقل تعكس فرضياتهم المعرفية.

وقد عمد الأصوليّون إلى الاستفادة من الحالات الذهنية الثلاث، وهي: «القطع» و«الظنّ» و«الشكّ»، لتقسيم هذه الأدلّة، حيث يذهبون إلى القول بأنه لو حصل للمكلَّف قطع بالحكم الشرعي كان ذلك القطع ـ أيّاً كان منشؤه ـ حجّة عليه، كما يكون حجّة على مقلِّديه (في بعض الحالات). والمهمّ هنا هي الناحية النفسية من «القطع»، وليس الناحية المنطقية والمعرفية منه. إن القطع واليقين المبحوث عنه في علم الأصول يعتبر حجّة، ولا يقتصر هذا القطع واليقين على القضايا المطابقة للواقع، بل يشمل حتّى موارد الجهل المركَّب وقطع القطّاع أيضاً([5]). وبعبارةٍ أخرى: إن القطع الذي يعتبر في علم الأصول أسّ الحجج يساوق «الجزم»، وهو عبارةٌ عن حالةٍ نفسيّة خاصّة تقابل الظنّ والشكّ، سواء أكان منشؤه دليلاً منطقياً وموضوعياً وعامّاً، أو علّة وهمية وخرافية، كما لو حصل له القطع بموت زيدٍ في بغداد؛ بسبب تحليق غراب في البصرة، أو حصل ذلك القطع من الطرق المتعارفة أو غير المتعارفة، من قبيل: المنام والضرب بالرمل أو الخيرة والتنجيم. يرى علماء الأصول أنّ القطع هو أسُّ الحجج، وأنّ حجية سائر الحجج يجب أن تثبت من خلال القطع واليقين، وأنّ حجية القطع من لوازمه الذاتية، فهي حجّية «بديهية»، لا تقبل السَّلْب والإثبات.

وعلى هذا الأساس تنقسم الأدلّة التي يمكن الاستناد إليها في الفقه إلى قسمين: «الحجج» أو «الأمارات»؛ و«الأصول العملية». فلو حصل للمكلَّف قطعٌ بالحكم الشرعي كان قطعه حجّة، وحجية القطع لا تحتاج إلى إمضاء من قبل الشارع؛ لأن الشارع لا يمكنه أن ينفي الحجّية عن القطع. وأما في مورد الظنون فالأمر ليس كذلك؛ إذ إن حجية الظنون ليست ذاتية، ولذلك يجب في العمل على طبق الظنّ إثبات حجّيتها على نحو القطع واليقين. يذهب الفقهاء إلى أن حجّية الظنّ في مورد الأحكام الشرعية تحتاج إلى إمضاء الشارع، ويمكن للشارع أن يمضي حجّية بعض الظنون، ويلغي حجّية الظنون الأخرى.

تختلف آراء المدارس الفقهية السنّية بشأن حجّية الظنون. أما الأغلبية الغالبة من فقهاء الشيعة فتذهب إلى أن الشارع لم يُمْضِ إلاّ حجّية بعض الظنون النقليّة، وألغى حجّية سائر الظنون الأخرى. فلكي نتمكن من إثبات حكمٍ من خلال الاستناد إلى الأدلة النقلية يجب إثبات اعتبار هذه الأدلّة «سنداً» و«دلالةً». من هنا يسعى علماء الأصول إلى إثبات حجّية «خبر الواحد»، وحجّية «ظواهر الكلام». والنتيجة التي يتمّ التوصل إليها من خلال البحث في حجّية الظنون عادةً هي أن الشارع يرى أن الظنون العقلية و(التجريبية) فاقدة للاعتبار، وقد طالب المكلَّفين بعدم الاستناد إلى الأدلة العقلية و(التجريبية) الظنّية في مقام الكشف عن الأحكام الشرعية.

نعم، لو أن الدليل العقلي أدّى في موردٍ خاصّ إلى القطع كان حجّةً في ذلك المورد، بمعنى عدم وجود فرق بين القطع العقلي والقطع النقلي من حيث الاعتبار والحجّية، ولكنّ هذه الموارد نادرة للغاية. ولذلك يرى أمثال السيد محمد باقر الصدر أن العقل من مصادر الأحكام الشرعية بـ «القوّة»، إلاّ أن هذه القوّة لا تبلغ مرحلة «الفعلية» أبداً([6]).

إن الظنّ غير المعتبر هو الظنّ الذي لم تثبت حجِّيته واعتباره الشرعي بدليلٍ قطعيّ، فيجري عليه حكم الشكّ. وعلى المكلَّف عند الشكّ في الحكم الشرعي (وفيما لو كان عنده ظنٌّ غير نقليّ بالحكم الشرعي) أن يرجع إلى الأصول العملية؛ ليعمل على طبقها ومقتضاها. والمراد من الشكّ هنا هو الشكّ بعد الفحص والبحث؛ وأما قبل الفحص والبحث في الحكم الشرعي فعليه أن يعمل على طبق الاحتياط.

وأما بعد الفحص والبحث فإنْ عثر على دليلٍ معتبر على الحكم الشرعي كان ذلك الدليل حجّة في حقّه، بمعنى أنه إذا عمل على طبقه كان معذوراً، وإذا خالفه كان مستحقّاً للعقاب. وأما إذا لم يعثر على دليلٍ معتبر على الحكم الشرعي ففي هذه الصورة إذا كان الحكم السابق للموضوع الذي يشكّ في حكمه الراهن معلوماً استصحب ذلك الحكم وعمل على طبقه، وأما إذا كان بدوره مشكوكاً أيضاً جرى عليه أصل البراءة (والإباحة)، أو الطهارة. هذا هو مجمل المباني المعرفية في الفقه الشيعي.

ومضافاً إلى ذلك فإنّ من أهمّ مسلَّمات الفقه التقليدي ما يلي:

1ـ إن موضوع علم الفقه هو «فعل المكلَّفين».

2ـ إن غاية الفقه هي الكشف عن تكاليف الناس. إن الحقوق التي يمكن أن تكون لبعض المكلَّفين تنتزع من تكاليف الآخرين، ولذلك كان علم الفقه علماً يتمحور حول التكليف.

3ـ إنّ لكلّ شيءٍ حكماً شرعياً، طبقاً للرواية القائلة: «إن لله في كلّ واقعة حكماً شرعياً، يشترك فيه العالم والجاهل»([7]).

4ـ إن الحكم الشرعي أبديٌّ وثابت، ولا يتغيَّر، طبقاً للرواية القائلة: «حلال محمد حلالٌ أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرامٌ أبداً إلى يوم القيامة»([8]).

5ـ إن الأحكام الشرعية تنشأ من المصالح والمفاسد الغيبيّة والأخرويّة.

6ـ إن العقل البشري المحدود والناقص عاجزٌ عن إدراك الأحكام الشرعية، وقاصرٌ عن بلوغ فلسفة وملاك هذه الأحكام، طبقاً للرواية القائلة: «إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة»([9]).

7ـ إن النموذج المناسب لفهم وتنظيم العلاقة بين الله والإنسان هو نموذج المالك والرقيق.

8ـ إن حجّية الظنون النقلية (خبر الواحد؛ وظواهر الكلام) تستند إلى «سيرة العقلاء»، أو «عرف العقلاء»([10]).

9ـ إن استنباط حكم الموضوعات الجديدة (المسائل المستحْدَثة) ممكنٌ من خلال إدراجها ضمن الموضوعات المطروحة في القرآن والسنّة (الاجتهاد عبارةٌ عن ردّ الفروع إلى الأصول، أو تطبيق الأصول على الفروع)، طبقاً للحديث القائل: «علينا إلقاء الأصول، وعليكم التفريع»([11]).

10ـ عند عدم وجود حكمٍ واقعي لموضوع في القرآن والسنّة يكون حكمه الظاهري هو البراءة أو الإباحة.

11ـ إن الأصول الواردة في القرآن والسنّة «جامعةٌ» و«شاملة». وهي تتضمَّن الحكم الواقعي أو الحكم الظاهري لجميع الموضوعات والمسائل التي يحتاج إليها الناس إلى يوم القيامة (إنّ علم الفقه هو بالقوّة علمٌ كامل وجامع).

12ـ إن الفقه يلبِّي جميع حاجات البشر، فليس هناك موضوعٌ لا يمكن للفقهاء إبداء الرأي بشأنه، أو لا يحقّ لهم إبداء الرأي بشأنه (الفقه نظريّة إدارة المجتمع الإنساني من المهد إلى اللحد).

للحصول على صورةٍ أوضح عن أخلاق الاجتهاد أو أخلاق البحث في الفقه التقليدي يمكن النظر في المثال التالي: يرى الفقهاء في البنك مؤسّسة اقتصادية حديثة الظهور، ولا بُدَّ أن يكون لها حكمٌ شرعي. ولكي نتعرَّف على ذلك الحكم يجب علينا الرجوع إلى القرآن والسنّة. بَيْدَ أننا عندما نراجع القرآن والسنّة، وفقاً لمنهج الفقه التقليدي، لا نعثر على حكم للبنك بوصفه مؤسّسة اقتصادية متكاملة؛ لعدم وجود مثل هذه المؤسّسة في صدر الإسلام أصلاً. ولذلك لا يمكن العثور على أثرٍ لعنوان ومفهوم البنك في الآيات والروايات. إلاّ أنّ هذا لا يُحدث مشكلةً؛ إذ يمكن استنباط الحكم الشرعي للبنك من خلال اكتشاف حكم المعاملات التي تُنْجَز فيه، بمعنى أن للبنك هوية اعتبارية، فهو ليس سوى مجموعة من المعاملات الاقتصادية المتنوِّعة. وعليه يمكن تقسيم المعاملات المصرفية إلى قسمين، والقول: إن قسماً منها يندرج تحت عنوان المعاملات الرَّبَويّة، وحيث إن الربا حرامٌ في الشريعة الإسلامية، يكون هذا النوع من المعاملات المصرفية حراماً أيضاً، وأما المعاملات الأخرى، من قبيل: البيع والمزارعة والمضاربة والمساقاة، فهي حلالٌ من الناحية الشرعية، ولا محذور فيها. من هنا يمكن القول: إن «البنك الإسلامي» يختلف عن «البنك اللاإسلامي». ويجوز للمسلمين من الناحية الشرعية أن يؤسِّسوا لأنفسهم البنك اللاربوي، وأن تكون لهم بعض العلاقات الاقتصادية المشروعة من خلال هذا البنك. إلاّ أن آليّة إلغاء الرِّبا في البنك الإسلامي تتمّ من خلال تغيير شكل بعض المعاملات الربوية، لتغدو على شكل مرابحةٍ أو مزارعة أو مضاربة أو مساقاة، وبذلك نحصل على نتيجة مماثلة للنتيجة الحاصلة من خلال المعاملات الربوية، ولكنْ من طريق الشرط في ضمن العقد، وضمان الربح لصاحب المال؛ أو من طريق استبدال القرض الربوي بالشراء والبيع، دون أن يكون هناك عملٌ محرَّم من الناحية الصورية.

ولكنْ من الجدير هنا أن نتساءل:

1ـ هل من الممكن تأسيس مثل هذا البنك أصلاً؟

2ـ هل يمكن «إلغاء» و«استئصال» الرِّبا في العالم المعاصر أصلاً؟ وهل يُعَدّ ذلك من وظائف الحكومة الإسلامية أم أن أقصى ما يمكن للحكومة الإسلامية أن تقوم به هو خفض مقدار الربح، وذلك إلى المستوى الذي لا يتسبَّب بحصول الركود الاقتصادي، ولا يؤدّي إلى ارتفاع نسبة الفقر؟

3ـ ألا يؤدّي السعي إلى إلغاء المعاملات الربوية، وإحلال المرابحة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والقروض محلّها، إلى رفع قيمة الرِّبا ومستوى التضخُّم في الأسواق الحرّة، واتّساع الشرخ الطَّبَقي في المجتمع، وازدياد الفقر والفساد الاقتصادي؟

4ـ هل يمكن تحقيق مقاصد الشريعة بتحريم الرِّبا، من خلال العمل على مجرّد حذف عنوان الرِّبا، وإقامة العلاقات الربوية تحت مسمَّيات أخرى؟

5ـ هل يُعَدّ خفض البنك الذي هو «مؤسّسة» اقتصادية إلى مجرّد «معاملات مصرفية»، ومن ثمّ تقسيم المعاملات المصرفيّة إلى قسمين: معاملات مشروعة؛ ومعاملات غير مشروعة، أو حلال؛ وحرام، طريقة صحيحة للكشف عن حكم الشرع بشأن «البنك» أم لا؟

6ـ ألا يؤدّي هذا النوع من التعاطي مع الموضوعات وظواهر العالم المعاصر والحضارة الجديدة إلى عرقلة إنتاجيّتها المطلوبة والمنشودة؟

7ـ ألا يؤدّي مثل هذا الأمر إلى أزمات اقتصاديّة أم لا؟

8ـ هل يعني كمال الدين أن يَرِدَ حكم كلّ شيءٍ في الشريعة؟

9ـ هل الإطلاقات والعمومات الواردة في القرآن والسنّة شاملةٌ في عرف العقلاء لمثل هذه الموضوعات أم لا؟

10ـ هل الرِّبا الشائع في العصر الحديث يمثِّل مصداقاً للرِّبا المحرَّم الذي كان سائداً في صدر الإسلام أم لا؟ وهل طبيعة وآليّة الرِّبا في العالم المعاصر تشبه طبيعة وآليّة الرِّبا في العالم القديم، أم أن هناك مجرّد اشتراك لفظيّ بين هذين المفهومين؟

لا يحقّ للإنسان طرح هذا النوع من الأسئلة في إطار العقلانية الفقهية القائمة، كما لا يستطيع الإجابة عنها؛ فهي من الأمور التي لا صلة لها بالبشر، ويُعَدّ طرحها نوعاً من التطفُّل والتدخُّل في شؤون الله، بمعنى أنّ هذا النوع من الأسئلة من وظائف ومسؤوليات الشارع الحصرية، وحيث إن الشارع عالمٌ بالغيب فلا شَكَّ في أنّه قد أخذ هذه الأمور في حكمه بنظر الاعتبار مسبقاً. وأما تكليفنا كمسلمين فهو أن نتعرَّف على الأحكام الشرعية من خلال الطرق التي حدَّدها الله تعالى لنا، وأن نعمل على طبقها.

بَيْدَ أن الفقهاء في إطار الفقه التقليدي يضطرون في مقام استنباط حكم الأمور المستحْدَثة إلى تجزئة تلك الأمور، و«تحويلها»([12]) إلى أجزاء مصغَّرة كانت مورد ابتلاء الناس في صدر الإسلام وعصر حضور النبيّ (والأئمّة المعصومين)، ويوجد حكمها في القرآن والسنّة. فهؤلاء يسعَوْن ـ من خلال استنباط حكم الأجزاء ـ إلى كشف حكم الكلّ أيضاً.

غير أننا هنا نلمس تجاهلاً كاملاً لأمورٍ جوهريّة وهامّة، من قبيل:

1ـ إن هذا الكلّ قد لا يكون قابلاً للتجزئة.

2ـ قد لا يمكن فصل ثمار الحداثة عن جذورها.

3ـ لا يمكن فصل المؤسَّسات الحديثة عن الأخلاق والعقلانية التي قامت تلك المؤسَّسات على أساسها، والتي تكون جدوائيتها رهناً بإدارتها على أساس تلك الأخلاق والعقلانية.

وباختصارٍ:

1ـ في العالم الحديث لا يمكن للفقه التقليدي أن يكون بديلاً عن الأخلاق الاجتماعية.

2ـ لا يمكن اختزال «المجتمع المدني»([13]) بـ «مدينة النبيّ».

هذه فرضيّاتٌ جوهرية، ومع ذلك يتمّ تجاهلها بالكامل.

إن هذا النوع من التعاطي مع الموضوعات الجديدة يعكس تجاهل أبعاد الجهات المعيارية (الأخلاقية والحقوقية) لهذه الموضوعات، كما يعبِّر أيضاً عن الاعتقاد بتقدُّم الفقه على الأخلاق الاجتماعية، وإحلال الفقه محلَّ الأخلاق الاجتماعية. يذهب أغلب الفقهاء إلى اعتبار «العالم الجديد نسخةً مكبَّرة عن العالم القديم»([14]). ومن هنا فإنهم يذهبون إلى القول بأن أسلوب استنباط حكم الموضوعات الجديدة عبارةٌ عن تحويل وتنزيل هذه الموضوعات وإسقاطها على الموضوعات التي كانت قائمةً في العالم القديم. وهكذا فإن هؤلاء يتجاهلون حقيقة أن العالم الجديد يمتاز بأخلاقٍ وعقلانية (منظومة من القيم والمعايير) خاصّة ومختلفة، وبذلك فإن الاجتهاد والبحث الفقهي بشأن الموضوعات والمسائل الدائرة في هذا العالم إذا لم يقترن بالمعرفة العميقة والتخصُّصية بهذه الأخلاق والعقلانية سيفقد اعتباره بالكامل.

وبعبارةٍ أخرى: إن المنهج السائد في الاجتهاد يقوم على القول بأن مشروعية محاصيل الحداثة يتمّ من خلال تذكيتها «وذبحها على الطريقة الإسلامية»، والعمل على فصل الثمار عن الجذور. وإن المفاهيم والمقولات الجوهرية في العالم المعاصر؛ لكي تجد طريقها إلى ساحة الفكر والنشاط الإسلامي، لا بُدَّ من خفضها إلى المفاهيم المعروفة والسائدة في الثقافة الإسلامية، وبعبارةٍ أخرى: «لا بُدَّ من تحريفها». فعلى سبيل المثال: يجب أن تتنزل الديمقراطية ما فوق الدينية إلى الديمقراطية الدينية، ورأي الناس من خلال البيعة، والتحزُّب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يتحوّل المجتمع المدني إلى مدينة النبيّ، وأن تستبدل حكومة المشروطة (التي تتوقَّف مشروعيّتها على انسجام إدارتها مع حقوق الإنسان والقِيَم الأخلاقية) بحكومة المشروطة المشروعة (التي تتوقّف مشروعيّتها على تناغم إدارتها مع الفتاوى الفقهية)، وبذلك يتمّ تفريغها عن مضمونها الأخلاقي والعقلاني، فلا يبقى منها سوى قشرة رقيقة. في حين أن هناك تساؤلات لا بُدَّ من الإجابة عنها قبل ذبح وتحريف هذه المقولات والتمثيل بها.

وإنّ بعض هذه التساؤلات عبارةٌ عن:

1ـ هل تعتبر هذه المقولات أساساً من المقولات الدينية والفقهية، أم أنها تتخطّى الفقه والدين؟

2ـ هل تعتبر دراسة هذه المقولات من صلاحيات الفقه؟

3ـ هل القيم الأخلاقية والعقلانية الكامنة في جوهر هذه المقولات تعتبر من المسلَّمات والأصول المتَّفق عليها في علم الفقه، أم أنها خاضعةٌ للفتاوى الفقهية؟

4ـ هل يجب أصلاً إحراز المشروعية في جميع الموارد؟

5ـ وإذا كان الأمر كذلك فهل إحراز مشروعيّة كلّ موضوع إنّما تكون ممكنةً من خلال الاستفادة من أسلوب التحقيق في الفقه التقليدي فقط؟

6ـ هل المشروعية السياسية والأخلاقية هي ذات المشروعية الدينية؟

7ـ هل تنقسم جميع الأشياء إلى: إسلامية؛ وغير إسلامية، ودينية؛ وغير دينية، أم هناك الكثير من الأمور التي تتخطّى الحالة الدينية والفقهية؟

أرى أن العلاقة بين الثمار والجذور الحداثية علاقة «عضوية»، وليست علاقة «عرضية» و«اتّفاقية». صحيحٌ أن الحداثة لا ذات (essense) لها، ويمكن لها أن تتحقَّق على أشكال مختلفة ومتنوِّعة، بَيْدَ أن عدم امتلاك الذات لا يساوق ولا يستلزم عدم امتلاك «الذاتيّات» (nature)، ولا يمكن انتزاع كلّ مفهوم من كلّ مصداق، وحمله على أيّ مصداقٍ. إن صدق المفاهيم على المصاديق يتبع في حدِّ ذاته معايير واقعية ومستقلّة([15])، وإن جوهر الحداثة، التي هي عبارة عن الأخلاق والعقلانية الحديثة، تشترك في جميع أنواعها وأشكالها، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأديان. فهي رغم عدم امتلاكها للذات إلاّ أنها تشتمل على الذاتي والعرضي. والشيء الذي يفتقر إلى ذاتيّات الدين لا يمكن تسميته ديناً. وإن الأنظمة الحكومية الفاقدة لذاتيّات الديمقراطية (الأخلاق الديمقراطية) لا تستحقّ أن تُسمّى ديمقراطية أيضاً، وإلاّ سوف لا يكون هناك أيّ فرق بين الفاشية والديمقراطية أبداً.

لست مفكِّراً ماهوياً، ولكنّ الذي أعرفه هو أن الذي يدَّعيه خبراء الماهوية هي أن للغرب ذاتاً وماهية وهوية لا تقبل التَّجْزِئة، وإنّ العلوم والحضارة والتكنولوجيا الغربية لا يمكن فصلها عن دوافع ونوايا مبتكريها ومبدعيها، وليس أمام الشرقيّين من خيارٍ سوى اعتناق هذه العلوم والحضارة والتكنولوجيا بالمطلق، أو رفضها بالمطلق. إن العلم والحضارة والتكنولوجيا الحديثة قد ترعرعت وتطوَّرت في أحضان تصوُّر خاصّ عن الإنسان والعقل والعقلانية والأخلاق الاجتماعية، ولا يمكن نقل هذا الوليد من ذلك الحضن، وإيداعه عند مرضعةٍ أخرى. وبطبيعة الحال يمكن ـ إلى حدٍّ ما ـ فصل العلم والحضارة والتكنولوجيا لدى الغربيّين عن أخلاقهم الفردية، بَيْدَ أن المستحيل هو إحلال الفقه محلّ الأخلاق الاجتماعية لدى الغربيّين.

وبعبارةٍ أخرى: إن ما أريد قوله هو أننا حتّى لو فكَّرنا ماهوياً لا نعدو أن نكون من البشر في الدرجة الأولى، ونحن مسلمون بالدرجة الثانية، وإيرانيّون وشرقيّون بالدرجات التالية، بمعنى أن هويتنا الإنسانية والعقلانية والأخلاقية متقدّمة على سائر الهويّات التي تفرزنا عن سائر الناس، بمَنْ فيهم الغربيّون. ولا شيء من هذه الهويات الجزئية والمميّزة يمكنه أن يسدّ فراغ تلك الهويّة المشتركة. وإن الاعتراف بالهوية الإنسانية، وتقديمها على سائر الهويات الأخرى، هو عين الاعتراف باللوازم والمقتضيات المعيارية لتلك الهوية، وعين تقديم هذه المعايير على اللوازم والمقتضيات المعيارية لسائر الهويّات الأخرى. وهذا يعني القول بالعقلانيّة الحديثة والأخلاق الاجتماعية القائمة على تلك العقلانية([16]).

كما أننا لا نعارض توطين الحداثة، شرط أن لا يتمّ ذلك من خلال «تذكيتها وذبحها على الطريقة الإسلامية»؛ لأن ذبح الحداثة على الطريقة الإسلامية سوف يحدث نزفاً في الدماء الجارية في الأوردة والشرايين الحيوية لهذه الحداثة، وسوف يؤدّي ذلك إلى إزهاق روحها، وتفريغها من جوهرها ومضمونها([17]). هناك بين التقليد الأعمى للغرب وتذكية وذبح الحداثة على الطريقة الإسلامية طريقٌ ثالث، يتمثَّل في التعاطي مع هذه الظاهرة ولوازمها برؤيةٍ نقديّة. إلاّ أنّ التعاطي النقدي مع الحداثة يختلف عن التعاطي الانتقائي معها، والقائم على الأحكام المسبقة، ويختلف عن فصل الثمار عن الجذور، ويختلف عن النقد الحداثي في ضوء الفهم التقليدي للدين([18]). إن التعاطي النقدي مع الحداثة رهنٌ بمعرفتها معرفة دقيقة وعميقة ومنصفة وحيادية، بعيدة عن الحبّ والبغض، ودون إصدار أحكام أيديولوجية مُسْبَقة بشأنها. وإنّ مثل هذه المعرفة لن تكون ممكنةً إلاّ من خلال معرفة «ذاتيات» و«مقوّمات» و«جذور» هذه الحداثة.

 

3ـ طرق الحلّ التقليديّة في مواجهة تحدِّيات العصر الحديث

لقد دعا التفوّق السريع الذي شهدته المجتمعات الغربية في مختلف الأصعدة، وما شهدته المجتمعات الإسلامية من التخلُّف والانحطاط، بعض النُخَب الإسلامية إلى الإذعان بوجود خللٍ في موضع معين. وعمد كلُّ واحدٍ من هؤلاء المصلحين والمجددين إلى إعطاء وصفة لمعالجة ذلك الخلل، الأمر الذي يعبِّر عن إحساسهم بأوجاع المجتمع، كما أنه يحكي في الوقت نفسه عمق إدراكهم لواقع العالم المعاصر، كما يعكس الأساليب التي ينتهجها هؤلاء المصلحون في تشخيص الأمراض، وطرق معالجتها، وما هي المدارس التي ينتمون إليها، والأُطُر الفكرية التي يتبعونها، كما يظهر مستوى وقوفهم على وجوه الاختلاف بين العالم الجديد والعالم القديم.

وفي ما يتعلق بكيفية مواجهة الفقه لتحدّيات العصر الحديث تمّ طرح بعض الحلول التي يمكن تصنيفها عبر عنوانين، هما: طرق الحلّ «التقليدية»؛ وطرق الحلّ «الحديثة». إن الحلول «التقليدية» تنطلق من العقلانية الفقهية، والقواعد المتَّبعة في الاجتهاد المصطلح بوصفها أموراً مفروغاً منها، مكتفية بالاجتهاد في «الفروع»، تاركةً أخلاق الاجتهاد على حالها. أما طرق الحلول الحديثة فهي تشكِّك في اعتبار هذه الفرضيّات، وتسعى ـ من خلال نقد المنهج التقليدي في الاجتهاد ـ إلى استبدالها بمنهجٍ جديد، وإن هذه الحلول تنشد العلاج في الاجتهاد في «الأصول» أو الاجتهاد في «أخلاق الاجتهاد». وهنا سوف نستعرض الحلول التقليدية باختصارٍ([19])، لننتقل بعد ذلك إلى بيان خصائص العالم الجديد. وأما البحث في بعض الحلول الحديثة فسوف تشكِّل موضوعاً لبحوثٍ أخرى.

أما طريق الحلّ التقليدي الأول فيكمن في التمسُّك بـ «العناوين الثانوية» والاهتمام الجادّ بـ «الأحكام الثانوية». ويذهب أنصار هذا الحلّ إلى القول بأن الشارع الإسلامي كان منذ البداية مدركاً لـ «مقتضيات الزمان»، وقد تجلَّتْ حكمته البالغة في جعل الأحكام الثانوية؛ إذ يعتقد هؤلاء أن أحكام الإسلام وإنْ كانت ثابتة وأبديّة ولا يطالها التغيير، ولكنّها تخلي مكانها عند عروض بعض العناوين الثانوية، من قبيل: «العُسْر» و«الحَرَج» و«الضَّرَر»، وتنحسر مؤقَّتاً لصالح هذه العناوين. وعلى هذا الأساس فإن وجود الأحكام الثانوية في صلب الشريعة تمنحها القدرة على المناورة والمرونة، وتجعل الفقه حيويّاً ومجدياً عند مواجهة تحدِّيات العصر الحديث. إن هذه الأحكام تضمن الثبات والخلود للشريعة من جهةٍ، وتحول دون جمود هذه الأحكام وعرقلتها لتقدُّم المجتمع من جهةٍ أخرى([20]).

أما طريقة الحلّ الثانية فتعمد إلى تقسيم أحكام الشريعة إلى: أحكام «ثابتة»؛ و«متغيرة»، وتؤكّد على وجود «منطقة الفراغ»([21]) في حقل الشريعة، وحقّ المجتمع الإسلامي أو الحاكم الإسلامي في ملء هذه المنطقة، وتسعى من خلال ذلك إلى إزالة الخلأ الحقوقي والمعياري الناشئ من الاحتكاك بالعالم الحديث.

لقد كانت طريقة الحل الأولى تعمد إلى تقسيم أحكام الإسلام إلى أحكامٍ أوّلية وثانوية، وتقوم على تصوُّر أن التمسُّك بالأحكام الثانوية يمثِّل العصا السحرية لحلّ جميع المشاكل. أما طريقة الحلّ الثانية فتعمد إلى تقسيم أحكام الإسلام إلى قسمين: الإحكام الإلهية؛ والأحكام الحكومية (أو الولائية)، وتبحث عن طرق العلاج في إقامة الحكومة الإسلامية، والتمسُّك بالأحكام الحكومية.

أما طريقة الحلّ الثالثة لمنشأ الأزمة والمشكلة فتكمن في القول بأن هذه الأزمة إنما تنشأ من تجاهل «مقاصد الشريعة» في مقام استنباط الأحكام. يقول أنصار هذه الطريقة: إن «أحكام» الشريعة تابعةٌ لـ «مقاصد» الشريعة، وإن الفقهاء إذا كانت لديهم إطلالة على مقاصد الشريعة عند استنباطهم لأحكامها سيحقِّقون نجاحاً ملحوظاً في مواجهة تحدِّيات العصر الحديث. يتمّ التعامل في هذا الحلّ مع أحكام الشريعة بوصفها أدواتٍ يُراد منها تحقيق أهداف الشريعة، وبذلك تكون مطلوبية هذه الأحكام بوصفها أدوات، وليس لها أيّ مطلوبية أو قيمة ذاتية، بمعنى أن قيمة الأحكام الشرعية ترتبط بتلبيتها لمقاصد الشريعة فقط([22]).

أما طريقة الحلّ الرابعة والأخيرة فتؤكِّد على «دور الزمان والمكان في الاجتهاد»، و«تقديم مصلحة النظام على الأحكام الأوّلية والثانوية عند التعارض فيما بينها». ويقوم هذا الحلّ على فرضية أن إخفاق الفقه التقليدي في مواجهة تحديات العصر الحديث ينشأ عن هذين العنصرين الأساسيين:

1ـ الغفلة عن دور الزمان والمكان في الاجتهاد، وتغيُّر الموضوعات إثر تغيُّر الزمان والمكان.

2ـ تجاهل أصل تقديم الأهمّ على المهمّ عند تعارض الأحكام، وأن حفظ النظام ومصالحه من أهمّ التكاليف الشرعية عند تعارضها مع سائر الأحكام الشرعية، فتُقدَّم على جميع الأحكام الأولية والثانوية.

وكما هو واضحٌ فإن هذه الحلول تفترض التسليم بالأطر والمباني التي يقوم عليها الفقه التقليدي، ولا تشكل على أخلاق الاجتهاد أو أخلاق البحث والتفكير الفقهي، وإنما ترى جذور المشكلة في أخطاء الفقهاء في «طريقة تطبيق» الأصول على الفروع، أو كيفية إدراج الموضوعات الجديدة تحت العناوين القديمة. وبعبارةٍ أخرى: إن هذه الحلول تقرّ بكفاية وشمولية الأصول القديمة، ويقتصر نقدها على «الخطأ في التطبيق». فالحلّ الأول يقول: إن إخفاق الفقه التقليدي في مواجهة تحدّيات العصر الحديث ناشئ عن قيام الفقهاء بإدراج الموضوعات الجديدة في هامش العناوية «الأولية»، في حين أن هذه الموضوعات تمثِّل مصاديق للعناوين «الثانوية»، ويجب لذلك إدراجها في هامش العناوين الثانوية، وحمل العناوين الثانوية عليها.

والحلّ الثاني يقول: إن المشكلة تنشأ من أن الفقهاء يدرجون الموضوعات الجديدة ضمن العناوين الأوّلية أو الثانوية، ويحملون الأحكام الأولية أو الثانوية عليها، في حين أن هذه الموضوعات تقع في «منطقة الفراغ»، وإن على المجتمع أو الحاكم الإسلامي أن يحدِّد الوظيفة فيها من طريق الحكم الولائي أو الحكم الحكومي.

وأما طريق الحلّ الثالث فيقول: حيث إن مقاصد الشريعة متقدِّمة على أحكام الشريعة، وحيث إن تطبيق هذه الأحكام على الموضوعات الجديدة لا يلبّي مقاصد الشريعة، إذن لا بُدَّ من توسيع دائرة الأحكام الشرعية، واعتبار النصوص المبيِّنة لمقاصد الشريعة بوصفها جزءاً من مصادر الأحكام، وتخصيص أحكام الشرع بمقاصد الشريعة.

ويقوم الحلّ الرابع على فرضية تقول: إن إخفاق الفقه التقليدي، وعدم كفاية الاجتهاد المصطلح، ناشئٌ عن خطأ الفقهاء في «تحديد الموضوع»، و«تشخيص المصلحة».

وبكلمةٍ واحدة: إن هذه الحلول تبقي على العقلانية والأخلاق التي يقوم الفقه على أساسها، ولا تدعو المخلصين إلى إعادة النَّظَر في تلك الأسس والمباني. وهذا هو مكمن السرّ في اعتبار هذه الحلول حلولاً تقليدية.

وبطبيعة الحال فإن هذه الحلول ـ وللإنصاف ـ قد وضعت الإصبع على بعض الجراح التي يعاني منها الفقه التقليدي، وتقدِّم بعض الحلول للبرء منها، ولكنّها لا تقضي على المشكلة الرئيسة والأساسية التي يعاني منها الفقه في مواجهة تحدّيات العصر الحديث. أرى أن هذه الحلول قد أثبتت فشلها في حلّ مشكلة الفقه التقليدي على المستوى العملي، وقد ثبت ذلك من خلال التجربة، إلاّ أن نقدها النظري لا يخلو من الفائدة.

إن الوجه المشترك بين هذه الحلول يكمن في أنها تؤكِّد على خطأ الفقهاء في «تحديد الموضوع»، بمعنى أنها تقول: إن الخطأ في «معرفة حكم» الموضوعات الجديدة ينشأ عن الخطأ في «معرفة الموضوع».

ولكنْ لنا أن نتساءل:

1ـ لماذا يعمد الفقهاء ـ بَدَلاً من إدراج الموضوعات الجديدة في هامش العناوين الثانوية أو منطقة الفراغ، وحمل الأحكام الثانوية أو الحكومية عليها ـ إلى إدراجها في هامش العناوين الأوّلية، ويحملون عليها الأحكام الأوّلية أو الإلهيّة؟

2ـ لماذا لا يأخذ الفقهاء مقاصد الشريعة بنظر الاعتبار في استنباط الأحكام الشرعية؟

3ـ لماذا يخطئ الفقهاء في تشخيص الموضوعات، وفي تشخيص المصلحة؟

4ـ ما هي الخصوصية في الموضوعات الجديدة التي يتمّ تجاهلها في البحوث الفقهية السائدة؟

إن جوابنا عن هذه الأسئلة هو أن الفقهاء في مقام الاجتهاد والبحث الفقهي يتبعون قِيَماً ومعايير معرفية وأخلاقية خاصّة، وإن تلك القِيَم والمعايير تقول لهم وتطلب منهم فعل ذلك، وإذا كان هناك من إشكالٍ فإنه يكمن في تلك القِيَم والمعايير، وليس في تطبيقها على الموارد الخاصّة. وعليه فإن الحلّ الجَذْري للمشكلة يكمن في نقد «أخلاق الاجتهاد» و«العقلانية الفقهية». والمشكلة الرئيسة هي أن العقلانية الفقهية لا تنسجم مع العقلانية العرفية، أو أحكام العقل السليم. وعلى أيّ حال فإن البحث عن جواب لهذه الأسئلة يحوز على أهمّية من ثلاث جهاتٍ:

1ـ إثبات أن المشكلة الرئيسة لا تكمن في ذات الفقه، وإنما تكمن في خارج الفقه، أي إنها تنشأ من «فلسفة الفقه» و«أخلاق الاجتهاد» أو «أخلاق البحث والتفكير الفقهي»، ومن «المسلَّمات» الفلسفية (المعرفية والأخلاقية) والكلامية التي يقوم عليها الفقه التقليدي. ولذلك يجب أن يبدأ العلاج قبل كلّ شيءٍ من هذه المناشئ.

2ـ إثبات سبب عجز الحلول التقليدية عن معالجة المشكلة بشكلٍ جذري.

3ـ تبرير هذه الحلول، وبيان أسباب حاجة الفقهاء الضرورية إلى «تشخيص الموضوع»، و«تقييم المصلحة»، و«تحديد الغاية». ولماذا لا تبحث هذه الأمور الثلاثة بالشكل المطلوب؟

إن دراسة هذه الأسئلة تتوقَّف على التحقيق في حقل الموضوعات الثلاثة التالية:

1ـ طبيعة الاستدلال الفقهي.

2ـ العلاقة بين «الحكم» و«الموضوع».

3ـ العلاقة بين «تشخيص الحكم» و«تشخيص الموضوع».

وقد بحثنا في هذه الموضوعات الثلاثة في مقالاتٍ أخرى([23]). ولكنْ لا بُدَّ من التأكيد هنا على بعض المسائل، وهي:

1ـ إن إخفاق وفشل الفقه التقليدي في مواجهة تحدّيات العصر الحديث لا ينشأ دائماً من الخطأ في «تحديد الموضوع»، وليس هو مجرّد «خطأ في التطبيق»، وإنما ينشأ في الغالب من الخطأ في تحديد ذات الحكم الشرعي الكلّي، أو تعيين حدوده وقيوده وشروطه.

2ـ إن الخطأ في تشخيص الموضوعات الجديدة (ثمار ومحاصيل الحداثة) ينشأ عادةً من تجاهل العقلانية والأخلاق التي تسود العالم الجديد.

3ـ إن تحديد الموضوع لا يلعب دوراً في مقام تطبيق الأصول على الفروع، والأحكام العامّة على مصاديقها، فحَسْب، بل يلعب دَوْراً حتّى في مقام تشخيص الأحكام الكلّية، وتحديد ما إذا كانت هذه الأحكام تاريخية أو أنها تتخطّى التاريخ أيضاً.

4ـ إن تصحيح هذه الأخطاء يتوقَّف من جهةٍ على معرفة خصائص العالم الجديد، ومن ناحيةٍ أخرى يتوقّف على نقد المباني ومسلَّمات الفقه التقليدي، وتصحيح «أخلاق الاجتهاد» و«العقلانية الفقهية».

 

4ـ خصائص العالم الجديد

لقد عرض الدكتور سروش في كتاباته فهرستاً جامعاً نسبياً بشأن خصائص العالم الجديد؛ إذ يرى أن العالم الجديد هو نتاج تحوُّل حاصل بفعل ظهور وتطوّر العلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية، في المجالات الأربعة التالية: «الأدوات»، و«الغايات»، و«المفاهيم» (التصوُّرات)، و«المسلمات» (التصديقات)([24]). إن العالم الجديد هو عالم الأدوات الجديدة، بَيْدَ أن الأدوات ليست عقيمة، وإنما هي منجبة للغايات([25])، والتكنولوجيا تصنع الثقافات([26])، بمعنى أن تغيير الأدوات والأهداف يستتبع حدوث تغيير في المفاهيم (التصوُّرات) والمسلَّمات (التصديقات) أيضاً([27]). إن «كلّ مرحلة تشتمل على بديهيات لا يُختلف عليها»، وإن «لكلّ مرحلةٍ عقلانيتها الخاصّة التي تعتبر مسألة بديهية لا تقبل التشكيك»([28]). إن علامة الدخول إلى العالم الجديد تكمن في تحوُّل الأمور غير الطبيعية إلى أمورٍ طبيعية، وتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وتغيير مواضع الأصول والفروع([29]). و«إذا كان لا بُدَّ من أن يكون هناك اجتهاد فيجب أن يكون في تطبيق أصول الدين على أصول العالم الجديد، وليس في تطبيق فروع الدين على فروع العالم الجديد»([30]). وإن «الفقيه الذي يجهل مسلَّمات وبديهيات الإنسان المعاصر… لن ينجح في إدراك وحلّ المسائل الحقوقية المتأثِّرة بها أيضاً»([31]).

تكمن إحدى أهمّ الاختلافات بين العالم الجديد والعالم القديم في تغيير نظرة الناس إلى العالم؛ حيث إن هذه النظرة قد طرأ عليها التغيُّر من ناحيتين:

الأولى: إن نظرة الإنسان الحداثي إلى العالم نظرة «آليّة».

الثانية: إن الإنسان الحداثي لا ينظر إلى النَّظْم الموجود بوصفه أفضل أنواع النَّظْم الممكن، ولذلك لا يقتنع بتفسير العالم كما كان الحال بالنسبة إلى أسلافه، وإنّما يسعى إلى إحداث تغييرٍ فيه([32]).

أما الفوارق الأخرى بين العالم القديم والعالم الجديد فهي عبارة عن: حلول «الإرادة» محلّ «الحقّ»، واستبدال «محورية التكليف» بـ «محورية الحقّ»([33])، على ما سيأتي تفصيله لاحقاً. وهكذا الأمر بالنسبة إلى إحلال «النزعة التشكيكية» و«النزعة الظنية» محلّ «النزعة اليقينية» و«النزعة الجزمية»([34])، وهكذا «العلمانية»([35]).

كما عمد الأستاذ مصطفى مَلَكْيان ـ في مقالٍ تفصيلي له تحت عنوان: «معنويّت: گوهر أديان»([36]) ـ إلى تعداد عناصر الحداثة، من خلال تقسيمها إلى: عناصر حتمية؛ وعناصر غير حتمية([37])، حيث يذهب إلى القول بأن للحداثة ستّة عناصر حتمية، وهي:

1ـ اتّباع الدليل.

2ـ عدم الثقة بالنقل التاريخي.

3ـ العلمانية، أو قابلية الإثبات الدنيوي.

4ـ انهيار الأنظمة ما بعد الطبيعية الشاملة.

5ـ رفع هالة القداسة عن الأشخاص أو الدعوة إلى المساواة.

6ـ فصل الذاتيّات عن العَرَضيّات، أو الفصل بين الظرف والمظروف([38]).

ويرى الأستاذ مَلَكْيان أن «العقلانية» من أكبر الخصائص الحتمية في الحداثة([39])، والعقلانية تساوق «إقامة الدليل». وهذا لا ينسجم مع تعبُّدية الفهم التقليدي للدين التاريخي؛ وذلك لأن الاستدلال لا يتناغم مع التعبُّد([40]). وإن عدم انسجام التعبُّد مع الاستدلال يعود إلى اختلاف الصيغة الصورية لهما. ويرى الأستاذ مَلَكْيان أن الصيغة الصورية للتعبُّد عبارة عن: «إن (أ) هي (ب)؛ لأن هذا ما تقوله (s)». في حين أن الصيغة الصورية للاستدلال عبارة عن: «إن (أ) هي (ب)، لأن (أ) هي (ج)، و(ج) هي (ب)»([41]).

إن عدم الوثوق بالنقل التاريخي يعني أن القضايا التاريخية ليست قطعية، ولا يمكن الحديث عن التاريخ بضرسٍ قاطع، وهذا لا يعني إلغاء الرؤية التاريخية التي تمثِّل واحدة من الخصائص المعرفية للإنسان المعاصر([42]).

إن العلمانية أو «الحلول في المكان واللحظة الراهنة» تعني أن طريقة حلّ المسائل والمشاكل الدنيوية يجب أن يكون بالإمكان اختبارها في هذه الدنيا، وأن تظهر نتائجها في هذه الدنيا أيضاً([43]). وهذه الخصوصية لا تعني إنكار الآخرة، أو تأثير طرق حلّ المسائل والمشاكل الدنيوية في الحياة الأخروية، وإنما تعني أن المختبر الذي يتمّ فيه البتّ بهذه الحلول يكمن في هذه الدنيا([44]).

أما الخصيصة الرابعة للحداثة فتكمن في اهتزاز المذاهب ما بعد الطبيعية التقليدية الجامعة. إن هذه المذاهب تشتمل على خصوصيتين رئيستين، وهما:

أولاً: إنها تقدّم تفسيراً جامعاً لكلّ شيء، من الحبّة إلى القبة.

وثانياً: إنها تستند إلى «العقل الشهودي»([45]) و«الاستدلال» و«الأساطير»، وتستمد من جميع هذه القنوات([46]).

أما الخصوصية الخامسة للحداثة فهي نفي القداسة عن الأشخاص، والمطالبة بالمساوة للجميع. «فالحداثة تنظر إلى الجميع بعينٍ واحدة. وهذا هو معنى المساواة بين الجميع. وإن بإمكان كلّ شخص أن يقول ما يريد، فإنْ كان ما يقوله معقولاً أخذنا به، وإنْ لم يكن معقولاً رفضناه»([47]).

وبالتالي فإن الخصوصية الحتمية السادسة والأخيرة للحداثة عبارةٌ عن اعتبار تاريخية أو عدم تاريخية بعض التعاليم النظرية والأحكام العملية للأديان، وإن هذه الأمور لا دخل لها في سعادة الإنسان وشقائه، وإن الدين للإنسان، وليس الإنسان للدين([48]).

أرى أن خصائص العالم الجديد الأكثر تأثيراً في فهم واستنباط الأحكام الشرعية عبارة عن:

1ـ العلمانية.

2ـ حلول الإرادة محلّ الحقّ.

3ـ العقلانية والأخلاق الحديثة.

4ـ الاعتقاد بتاريخية جانب من الشريعة.

5ـ إمكانية اختبار المدَّعيات الدينية دنيوياً.

وسوف نتناول ضرورة أسلوب الفصل بين الدين التاريخي والدين الذي يتخطّى التاريخ في دراسة لاحقة بشكلٍ تفصيلي. أما «العلمانية» و«حلول الإرادة محلّ الحقّ»، و«الأخلاق الحديثة» فسوف نتعرَّض لها لاحقاً. وأما «إمكانية اختبار المدَّعيات الدينية دنيوياً» فلن نتعرَّض لها في هذا الكتاب([49])، وإنما نكتفي بالقول: إن جوهر هذه الدعوى يمكن تلخيصها بالبيت الشعري الذي يقول فيه حافظ الشيرازي: حيث أسعد اليوم بجنّةٍ حاضرة، دعني من حديث جنّةٍ مضمونة للزاهد في حُجُب الغَيْب.

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الخصائص ليست على وتيرةٍ واحدة من حيث الأهمّية، وإنّ بعضها يُستخْرَج ويُستنْبَط من البعض الآخر.

 

أـ العلمانيّة

هناك الكثير من التعاريف للعلمانية، بَيْدَ أن الدكتور سروش يذهب إلى القول بأن القاسم المشترك بين جميع هذه التعاريف يتمثّل بـ «فصل الدين عن الدولة»، رغم أن فصل الدين عن الدولة من أدنى نتائج العلمانية([50]). وأضاف قائلاً: إذا أردنا اختزال ماهيّة العلمانية في ثلاث جملٍ أمكن لنا الخروج بهذه النتيجة:

أـ العمل على طبق الدوافع غير الدينية.

ب ـ تفسير الكون والحياة والإنسان وفقاً للمفاهيم والمقولات غير الدينية.

ج ـ كشف استقلال مقولات من قبيل: العلم والسياسة و… عن الدين([51]).

ينقب الدكتور سروش عن جذور العلمانية في «دوافع» و«أفكار» الإنسان، ويذهب إلى الاعتقاد بأن العالم الحديث قد شهد علمنة في الدوافع والأفكار([52])؛ إذ يقول: «…إن العلمانية تعني الانتماء إلى هذا العالم، وتعني توجيه الأنظار إلى هذا العالم، وقطعها عن العوالم الأخرى ـ على فرض وجودها ـ، أو الغفلة عن تلك العوالم، سواء أكانت موجودة أم لم تكن موجودة. وإن تلك العوالم لا تتجاوز العالمين، وهما: عالم ما وراء المادة؛ وعالم الآخرة…. كما يمكن تصوُّر عالمين آخرين، ويمكن لكلٍّ منهما أن يترك تأثيراً قاطعاً وحاسماً على أفكارنا، وعلى دوافعنا أيضاً. وعندما نتجاوز هذين العالمين ـ من خلال إنكارهما أو عدم الاهتمام بهما ـ سيغدو عالمنا بطبيعة الحال عالماً أصغر، وعندها سوف تتغيَّر دوافعنا، وتتغيَّر أفكارنا أيضاً»([53]).

إن علمنة الدوافع تعني «العمل على طبق العقل المحض»، و«جعل أحكام العقل محوراً للحياة»، و«العودة إلى العقل الجمعي»([54]). إن علمنة الدوافع لا ينبثق عن الأهواء، ولا يقوم على الجهل، وإنما ينبثق عن منطق أن «العقل البشري يدرك الصالح من الطالح، وأن الله قد أمضى حكم العقل، وعليه لا مانع من اكتفاء الإنسان بعقله، وينزع عن ذهنه التفكير بالله، ودين الله»([55]).

هناك غموضٌ حول علمنة الدوافع، ولا بُدَّ من العمل على رفع ذلك الغموض قبل مواصلة البحث.

فأوّلاً: كما يتّضح من كلام الدكتور سروش فإن مراده من علمنة «الدوافع» هو علمنة «الأخلاق»، وليس مجرد علمنة الدوافع. وقد ذكرنا في كتابنا (الدين في ميزان الأخلاق) أن علمنة الأخلاق تعني علمنة النوايا والدوافع الأخلاقية أيضاً. والأولى تعني أن الحسن والقبح والواجب والمحظور الأخلاقي لا ينبثق عن إرادة وحكم الإله الشارع، ولذلك يمكن التعرُّف عليه من طريق العقل المحض. والثاني يعني أن أخلاقية العمل ليس رَهْناً بامتلاك الدوافع الدينية بالمعنى الخاصّ للكلمة. إن الدوافع الدينية الخاصة عبارة عن: التقرّب إلى الله، وكسب مرضاته، والحصول على الثواب الأخروي، والدخول إلى الجنّة، والخلاص من العذاب الأخروي، والنجاة من النار.

وعليه يمكن القول:

1ـ إن علمنة الدوافع الأخلاقية تعدّ من تداعيات علمنة الأفكار الأخلاقية.

2ـ إن علمنة الدوفع أخصّ من علمنة الأخلاق.

وثانياً: إن علمنة التفكير الأخلاقي لا يستلزم تجاهل التعاليم والأحكام الدينية على المستوى العملي، وإنما تعني أن أحكام الدين ليست حَكَماً على الأخلاق، وإن الفقه لا يمكنه أن يملأ فراغ الأخلاق، ولا يحلّ محلّها، بل إن حكم الأخلاق هو «الشاهد المثالي»، أو على حد تعبير الدكتور سروش: هو «العقل الحُرّ».

وثالثاً: إن علمنة الدوافع لا تتنافى مع الدين والتديُّن. وإن الذي يتنافى مع الدين هو نوعٌ خاصّ من الدوافع، التي لا تنسجم حتّى مع الأخلاق. تذهب الأديان الإلهية إلى اعتبار الله كائناً أخلاقياً، وأن فعله أخلاقيّ أيضاً، في حين أن دوافع الله في أفعاله لا تكون بدافع التقرُّب من ذاته، أو كسب مرضاة نفسه، أو الحصول على الثواب، والخلاص من العقاب. إن للدافع والنيّة أنواعاً ومراتب، وإن أفضل الدوافع من زاوية الدين نفسه هي أن يأتي المرء بالعمل لمجرّد اتّصافه بالحسن، أو لكونه تكليفاً، أو أن يترك العمل لمجرّد اتّصافه بالقبح، بمعنى أن يكون ذات الحسن وذات القبح هو المحرِّك، ولا يحتاج لفعل الأمر أو تركه إلى محرِّك آخر يُفرض من الخارج. يذهب فلاسفة الأخلاق الوظيفية إلى القول بأن أفضل الدوافع الأخلاقية عبارة عن «الشعور بالمسؤولية»([56]).

إن هذا الدافع هو دافع الأحرار، وإن الأحرار ـ وفقاً لفلاسفة الأخلاق من أتباع مدرسة كانْت ـ هم العقلاء بشكلٍ كامل أو بالمقدار الكافي، وإنّ مجرد إداركهم للحسن والقبح أو الصواب والخطأ يكفي لتحريكهم نحو القيام بالعمل أو تركه. وهذا الأمر لا يتنافى مع مرضاة الله؛ لأن مرضاة الله في أن يقوم المرء بالعمل على طبق ما يحكم به عقله، وأن يقوم بالفعل الحَسَن لمجرّد كونه حَسَناً، وأن يترك الفعل القبيح لمجرّد كونه قبيحاً.

ورابعاً: إن العقل الأخلاقي ـ كما سيتّضح ـ يختلف عن العقل المصلحي والنفعي، وإن التنزّل بالعقل العملي إلى مجرّد عقل نفعي إنّما يمثِّل مجرد واحد من الآراء المطروحة في هذا المجال.

إلاّ أن مراد الدكتور سروش من علمنة الأفكار هو علمنة «العقل النظري»، وصيرورته علمياً. وإن صيرورة العقل علمياً تعني أن لا يأتي المرء على ذكر العلل الميتافيزيقية وما وراء الطبيعي عند تفسيره وشرحه للحوادث والظواهر الطبيعية. وإن هذا الأمر هو مقتضى الأسلوب العلمي (التجريبي)، ودليل على التواضع العلمي.

إن العلم التجريبي الحديث يعتبر من الناحية الأسلوبية أسلوباً «مادّياً». وأساساً فإن الاختلاف الهامّ بين العلم التجريبي الحديث والعلم التجريبي ما قبل الحديث يكمن في هذه النقطة: إن علماء عالم ما قبل الحداثة حتّى عندما كانوا يرجعون إلى التجربة فإنهم كانوا يبحثون عن «العلل الغائية»، وليس عن «العلل الإعدادية»، وإن التفسير الذي تقدِّمه عن الظواهر الطبيعية كان تفسيراً «طبعياً»، وليس تفسيراً «قَسْرياً»، بمعنى أن الذي كان يتمّ في ذلك العلم هو تفسير الحوادث والظواهر من خلال إرجاعها إلى «الطبع» والأداء والغاية أو الموقع الطبيعي للأنواع الطبيعية، وليس من خلال الإرجاع إلى العلل الخارجية والقَسْرية (الإعدادية) لتلك الحوادث والظواهر. وأما في العلم الحديث فقد حلّ السؤال عن «الكيفية» محلّ السؤال عن «الأسباب»، وصار تفسير الظواهر الطبيعية يتمّ من خلال مجرّد إرجاعها إلى عللها الإعدادية، وهي العلل التي تكون من جنس الحوادث والظواهر الطبيعية، والتي يمكن إخضاعها للتجربة الحسّية بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.

ومن أهمّ مسلَّمات الأسلوب العلمي:

1ـ أن مساحة البحث العلمي تنحصر بـ «الطبيعة».

2ـ أن لكلّ حادثة وظاهرة طبيعية علّة «طبيعية»، وإن اكتشافها يعتبر غاية للعلم التجريبي.

إن العلم التجريبي الحديث «العلماني» يعني «ما بعد الديني»، وهو ساكت و«حيادي» تجاه وجود ما وراء الطبيعة والأمور الميتافيزيقية، وتدخُّلها في الطبيعة. وهذا يُشكّل أهمّ تفاوت بين المادية أو النزعة الطبيعية «الأسلوبية»([57]) وبين المادية أو النزعة الطبيعية «الماهوية»([58]). إن المادية الماهوية نظرية فلسفية وميتافيزيقية في حقل الوجود يعتبر على أساسها عالم الوجود مساوياً ومساوقاً لعالم المادة والطبيعة. وبطبيعة الحال يذهب الماديون الماهويون إلى القول بأن هذه النظرية الفلسفية تحظى بدعامةٍ علمية، بَيْدَ أن استنتاج المادية الماهوية (الفلسفية) من المادية الأسلوبية (العلمية) هو نوع من المغالطة؛ إذ هناك بين العلم والفلسفة حائل منطقي، يحول دون تبرير النظريات الفلسفية على أساس المقدّمات العلمية المحضة، وبالعكس.

إن العلمانية العلمية والمادّية الأسلوبية (العلمية) تنسجم مع الدين والاعتقاد بوجود الله، وتدخُّله في خلق الكون، وتبعية الأحداث والظواهر الطبيعية لإرادته ومشيئته، ولا تنفي هذه الأمور. وبهذا المعنى فإن العلم لا يشكِّل منافساً للدين أبداً([59]). أما المادية الماهوية فهي منافسة للدين، بل هي عدوّته، وتحاول الحلول محلّه. ليس للمادية الماهوية صلةٌ بالعلم التجريبي. وبعبارةٍ أخرى: إن التفسير العلمي (التجريبي) للحوادث والظواهر الطبيعية متناغِمٌ مع التفسير الديني لهذه الحوادث والظواهر، ويمكن الجمع بينهما، في حين أن التفسير المادّي لهذه الحوادث والظواهر ـ الذي هو نوعٌ من التفسير الفلسفي ـ يتنافى مع تفسيرها الديني، ويعتبر منافساً له. إن المادية الماهوية هي في الحقيقة نوعٌ من الدين، في حين أن المادية الأسلوبية مقولةٌ ما فوق دينية.

ولا يخفى أن بعض المؤمنين ليس لديه تصوُّر صحيح بشأن العلاقة بين الله والخَلْق؛ إذ يرَوْن الله في عرض العلل الطبيعية، ويعتبرونه مثل «نيوتن»؛ بوصفه «سادّاً للثغرات»، ومالئاً لفجوات النظريات العلمية. وبذلك يعتبرون التفسير الديني والبيان العلمي شيئاً واحداً، ومع امتلاكهم للتفسير الأوّل لا يجدون حاجةً لامتلاك التفسير الثاني. والعكس صحيحٌ أيضاً. إن «إله سدّ الثغرات»([60]) ـ بطبيعة الحال ـ سوف ينسحب عن مسرح الحياة تدريجياً مع تقدُّم العلوم واكتمال النظريّات العلمية، وسوف يفقد موقعه ودوره في الإبداع والخلق المستمرّ، وبالتالي فإنه عند اكتمال التفسير العلمي بشكلٍ تامّ وجامع لما يجري في عالم الطبيعة لا تعود هناك من حاجةٍ إلى افتراض وجوده. إلاّ أن هذا الأمر ليس من مقتضيات الأسلوب العلمي، وليس من مقتضيات العلمانية. وإنّما تنشأ هذه المشكلة من تصوُّر خاطئ في ما يتعلَّق بربط ونسبة التفسير العلمي والتفسير الديني في نطاق دور الله في الطبيعة، ويجب عدم تحميل تبعات ذلك للتفسير العلمي والعلمانية.

يذكر الدكتور سروش علَّتين قريبتين للعلمانية السياسة، وهما:

1ـ ظهور التفكير العلمي المسبوق بالعقلانية الجديدة.

2ـ التغيير والتحوُّل الحاصل في المفهوم والنسبة بين الحقّ والتكليف في العالم المعاصر([61]).

ولكنّه يرى أن علمنة أفكار الإنسان كانت مقارنة لظهور الفلسفة الإغريقية. وإن جهود الفلاسفة لعرض التفسير الفلسفي للكون والإنسان إنما يمثِّل في الحقيقة العلة البعيدة وعلّة العلل للعلمانية الفكريّة. يذهب الدكتور سروش إلى الاعتقاد بأن الفلاسفة قد عملوا على إيجاد العلمانية الفكرية في أذهان الناس، وأحلّوا النظام الفكري العلماني محلّ النظام الفكري الديني، من خلال إتيانهم بمفهومين فلسفيين هامّين، وهما؛ أولاً: مفهوم «الذات» و«الطبيعة»، وإحلالهما محلّ «الاستحقاق». وثانياً: مفهوم «العلّية»([62]).

يقول الدكتور سروش: «منذ أن ظهر الحُسْن والقُبْح الذاتي أضحَتْ الأخلاق مستغنية عن الله، وعادَتْ القِيَم إلى ذات الأفعال، وليس إلى رفض الله وقبوله. وما إنْ استقرّ مفهوم «الطبيعة» حتّى أفسح المجال للعلّية والحقوق الطبيعية والفطرية لتقف في وجه التكاليف([63])…. علينا أن لا نستهين بظهور مفاهيم من قبيل: «الذات» و«الطبيعة»، ودورهما في خلق اللادينيّة الفكرية. إن كلّ ما كانت له ماهية ذاتية لا يمكن أن يكون دينياً من الناحية الذاتية؛ إذ لا يمكن للشيء الواحد أن تكون له ماهيّتان وذاتان… وهكذا ولد التفكير العلماني، بمعنى التفسير المستقلّ للأمور الأخلاقية والطبيعية، دون اللجوء إلى الله، ولم يكن قد بقي بين هذا التفكير والوصول إلى علمانية المجتمع سوى خطوةٍ واحدة، وهي الخطوة التي تمَّ اتخاذها في القرون الأخيرة»([64]).

نرى أنه لا ينبغي أن نعتبر مفهوم «الذات» و«الطبيعة» (nature) مساوقاً لمفهوم «الماهية» (essense) بالمعنى الأرسطي للكلمة؛ لأن العلمانية الفلسفية ليست خاصة بالفلاسفة الأرسطيين أو الباحثين في الماهية. وإن الإسمانيين (nominalists)([65])، وأتباع فيتكنشتاين (أنصار نظرية التشابه الأسري)، وغيرهم ممَّنْ ينكر الماهية بالمعنى الأرسطي للكلمة، هم علمانيّون بنفس النسبة أيضاً. باعتقادنا إن من مسلَّمات الجوهرية للتفكير الفلسفي القول بأن «عالم الواقع أوسع من عالم الوجود»، وأن هناك الكثير من الأمور «الواقعية» التي لا «وجود» لها، وأن الفرد عندما يفكّر في بنية الواقعية من خلال الأساليب الفلسفية يدرك أن هذه البنية تشتمل على لوازم ومقتضيات (معيارية وغير معيارية) تعتبر من صفاته الضرورية، ومن جملة مقوّماته، وأن بالإمكان التعرُّف عليها بغضّ النظر عن الأمور العَرَضية، ومن خلال التأمُّل في مورد ذات هذه البنية، دون الرجوع إلى الوحي والنصوص الدينية، وانتزاعها من موصوفها وحملها عليه.

إن الفلاسفة الأرسطيين ينسبون هذه اللوازم والمقتضيات إلى «ماهية» الأشياء، أما الآخرون فينسبونها إلى «الواقعية». وعليه يجب القول: إن العلمانية الفلسفية عبارة عن:

1ـ القول بوجود «الأوصاف» الذاتية، و«الروابط» الضرورية والمستقلّة عن إرداة الله، ضمن ظواهر العالم.

2ـ القول بإمكان التعرُّف على هذه الأوصاف والروابط، دون الرجوع إلى الوحي والنصوص الدينية([66]).

وبطبيعة الحال فإن الفلاسفة الإغريقيين وأتباعهم من المسلمين وغير المسلمين إنما ينسبون هذه الأوصاف والروابط إلى ماهيّة الأشياء، إلاّ أن الفلاسفة الذين لا يقولون بالماهية يمكنهم الالتزام بوجود مثل هذه الأوصاف الذاتيّة والروابط الضرورية أيضاً([67]). بل ربما أمكن القول: إن معنى الضرورة والذاتية في هذا التعريف ليس سوى الاستقلال الوجودي والمعرفي عن إرادة الإله الشارع (الدين)، بمعنى أن «الضرورة» و«الذات» هنا تساوق عبارة «في حدّ نفسه»، أو «بما هو هو». إن المراد هو أننا عندما نأخذ (أ) بما هي (أ) بنظر الاعتبار، وبغضّ النظر عن ربطها ونسبتها إلى الدين والإله، نجد أن (أ) تشتمل على وصف (ب)؛ أو عندما نأخذ (أ) و(ب) بنظر الاعتبار، وبغضّ النظر عن ربطهما ونسبتهما إلى الدين والإله، ندرك أن بينهما رابطة ضرورية. وعليه فإن القول بوجود الذاتيات (الأوصاف، والروابط واللوازم الذاتية) لا يستلزم القول بوجود الذات (essence)، ولا يعتبر أصالة الماهية أمراً مفروغاً عنه.

فعلى سبيل المثال: يمكن لكم أن تأخذوا حُسْن وقُبْح الأفعال بنظر الاعتبار. عندما يقول فيلسوفٌ: «إن العدل حَسَن لذاته»، و«إن الظلم قبيح لذاته»، لا يعني بالضرورة أن للعدل والظلم والحُسن والقُبح «ماهية» بالمعنى الأرسطي للكلمة، وأن الحُسن والقُبح جزء من ذات العدل والظلم، أو من لوازمهما الذاتية، بل قد يكون مراده أننا عندما نفكّر في العدل والظلم من الزاوية الأخلاقية، ونأخذ هذين المفهومين ـ بغضّ النظر عن جميع القيود والخصائص الأخرى التي يمكن أن تقترن بهما ـ بنظر الاعتبار، نجد طبقاً للتجربة أو الشهود الأخلاقي استحالة فصل الحُسن عن العدل، والقُبح عن الظلم، بمعنى أننا لا نستطيع العثور على موردٍ يكون فيه العدل قبيحاً والظلم حسناً. كما يمكن لذلك الفيلسوف الأخلاق أن يكون مراده أننا نجد في العدل من حيث هو عدلٌ، وفي الظلم من حيث هو ظلمٌ، خصائص تدعو كلّ عاقل إلى اعتبار وصف الحُسن للعدل، واعتبار وصف القُبح للظلم، دون أن يكون هذا الاعتبار مستنداً إلى النصوص الدينية، ولا يأخذ تبريراته من الأدلّة الدينية، وإنّ حجية هذا الاعتبار لا تُستمدّ من الإله الشارع. وعليه فإن القول بالحسن والقبح الذاتي للأفعال ينسجم مع مختلف الآراء الميتافيزيقية المتنوِّعة، والتي يمثِّل الميتافيزيق الأرسطي واحداً منها.

وبعبارةٍ أخرى: يمكن القول: إن العدل والظلم (والحُسن والقُبح) لا «ذات» لهما، ولكنْ لهما «ذاتيات»؛ إذ يمكن لشيئين أن لا تكون لهما ماهيّة (أو لا يكون لهما وجود أصلاً)، ومع ذلك يكون هناك بينهما ارتباطٌ وثيق. فنحن ـ على سبيل المثال ـ على يقين من أن الوجود والعدم لا يمكن أن يجتمعا أبداً، ولا يمكن لهما أن يرتفعا أبداً. وإن هذه العلاقة بين الوجود والعدم علاقةٌ واقعية، وليست مجرّد علاقة تصوُّرية واعتبارية أو تواضعية. إلاّ أن صدق أصل عدم التناقض لا يتوقَّف على وجود العالم، أو افتراض الماهية للوجود والعدم. إننا عندما نتحدّث عن ذات الوجود وذات العدم لا نريد بذلك ماهية أو طبيعة الوجود والعدم بالمعنى الأرسطي للكلمة (essense)، بل نريد بذلك الطبيعة (nature) بالمعنى العام للكلمة. وبعبارةٍ أخرى: إن الوجود من حيث هو وجودٌ، وإن العدم من حيث هو عدمٌ، لهما أوصاف وخصائص وروابط واقعية وغير قابلة للفصل والانفكاك، بحيث:

1ـ حتّى الله لا يستطيع أن يسلب تلك الخصائص، أو أن يعمد إلى تغييرها.

2ـ أن إدراك وتصديق تلك الخصائص والعلاقات لا يتوقَّف على الرجوع إلى الوحي والنصوص الدينية([68]).

وعليه فإن القول بالذات والماهية والإسمانية أو الواقعية في باب المفاهيم الكلّية ليس له صلةٌ وثيقة بالقول بالعلمانية أو نفيها؛ إذ يمكن إنكار وجود الكلّيات في الذهن والخارج (الإسمانية)، والقول في الوقت نفسه بوجود الرابطة الكلية (والضرورية والمستقلّة عن إرادة الله، والقابلة للمعرفة من طريق العقل والتجربة) بين مصاديق الكلّيات (العلمانية الفلسفية). والمهمّ هو القبول أو إنكار الذاتيّات والروابط الضرورية([69]).

هناك في عالم الوجود الكثير من الواقعيات أو الروابط التي تتخطّى الدين على المستوى «الثبوتي» و«الإثباتي»، بمعنى أن واقعيتها وعينيتها غير مرتبطة بالله، وهكذا معرفتها لا تتوقَّف على الرجوع إلى النصوص الدينية، وإن العقل والتجربة الإنسانية غنيّةٌ عن الوحي والشرع في إدراك هذه الواقعيات.

ومضافاً إلى ذلك يبدو لنا أن العلمانية الفلسفية (الميتافيزيقية) بالمعنى المتقدِّم لا تشكِّل لوحدها العلّة البعيدة للعلمانية السياسية؛ إذ يمكن للفرد أن يقول بالذات والماهية، أو يقبل بأن للأشياء لوازم ذاتية غير قابلة للانفكاك ومستقلّة عن إرادة الله، ويدَّعي في الوقت نفسه أن «معرفة» ذات وماهية الأشياء أو «معرفة» اللوازم الذاتية والماهوية للأشياء بمعنى أن التصديق بوجودها من طريق العقل المستقلّ عن الشرع وبمساعدة التجربة البشرية غير ممكنةٍ للإنسان، ولا بُدَّ في ذلك من الرجوع إلى الوحي والنصوص الدينية (الأشعرية الحديثة، أو ما بعد الحديثة، أو الأصولية الدينية). إن العلمانية السياسية وإنْ كانت وليدة العلمانية الفلسفية، إلاّ أن هذه الوليدة هي ثمرة التلاقح بين الميتافيزيقا الفلسفية والمعرفة الفلسفية الحديثة. وهذه المسألة هي التي توضِّح السرّ الكامن في أن العلمانية النظريّة ـ التي بدأَتْ من الفلسفة الإغريقية ـ لم تثمر في الحقل السياسي إلاّ بعد مضيّ ما يقرب من عشرين قرناً، حيث أفضَتْ إلى العلمانية السياسية.

وعليه يجدر بنا ـ من خلال النظر في هذه الملاحظات ـ أن نعرف العلمانية النظرية (الفلسفية) على النحو التالي: إن هذه العلمانية من الناحية الدينية لا هي مذمومة، ولا هي مرفوضة، ولا تعدّ مصداقاً من مصاديق الإلحاد. إن هذه العلمانية لا تنافس الدين ولا تحلّ محله. وهذه حقيقة يجب الإقرار بها. وبطبيعة الحال هناك مَنْ كان ـ ولا يزال ـ يتصوَّر مخطئاً أن جميع «الواقعيات» هي دينية على المستوى الثبوتي أو الإثباتي. إلاّ أن هذا التصوُّر الخاطئ يجب أن لا يجبرنا على الاستسلام لما يقولون، فنقدِّم بذلك صورة خاطئة عن العلمانية. من وجهة نظرنا إن هذا النوع من العلمانية لا ينافي التفكير الديني، ولا يتعارض مع السلوك الديني. بل الأمر على العكس من ذلك، فإن القول بها يشكِّل مقدّمة ضرورية لفهم الدين بشكلٍ صحيح، والعمل الصائب به تَبَعاً لذلك. إن هذا النوع من العلمانية يوفِّر في الحقيقة الإطار العقلاني لفهم أصول الدين وفروعه، وإن القول بها لا يستلزم نفي الرؤية الدينية للوجود، ولا يحول دون اتّباع الأخلاق الدينية. بل على العكس؛ إذ يمكن القول: لو أن شخصاً ألغى هذا النوع من العلمانية لن يكون لديه أيّ معيار للفصل بين الدين والخرافة، ولن يكون لديه أيّ أداة للحيلولة دون تسرُّب الخرافات إلى ساحة الفكر الديني، ولن يكون لديه معيار لنقد التنظير للاستبداد والعنف من خلال التمسُّك بالتعاليم الدينية.

نعم، لو أن شخصاً أحلّ التفسير الفلسفي أو العلمي والأخلاق العلمانية محلّ التفسير الديني والأخلاق الدينية فعندها سيكون قد أحلّ الإلحاد محلّ الدين. إلاّ أن العلمانية يمكن أن تعني «تقدّم» التفسير الفلسفي على التفسير الديني، و«استقلال» التفسير العلمي عن التفسير الديني، و«تقدّم» الأخلاق العلمانية على الأخلاق الدينية([70]).

كما تحدّث الدكتور سروش عن مقولةٍ أخرى باسم (الدين العلماني)، أو (علمنة الدين) أيضاً. إن علمنة الدين تعني دنيوية الدين، أو صيرورة الدين دنيوياً، أو أدلجة الدين([71]). إن الدين العلماني يعني الغفلة عن ذكر الله والحياة بعد الموت، والقناعة بالحياة الدنيا أيضاً. وبذلك يكون العلمانيون مصداقاً لما ورد في القرآن، حيث يقول: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم: 7). ولكن ينبغي الالتفات إلى أنه لا يوجد أيُّ تلازم منطقي بين هذا النوع من العلمانية والعلمانية الفلسفية والعلمية بالمعنى المتقدّم. سوف نعمد في كتابنا (أخلاق دينداري) إلى تقسيم العلمانية إلى نوعين: علمانية «معتدلة»؛ وعلمانية «متطرّفة»، ونرى ضرورة الفصل بين هذين النوعين من العلمانية؛ لتكوين حكمٍ واقعي ومنصف بشأن العلمانية([72]).

بادر الدكتور سروش بعد تقسيمه التديُّن إلى ثلاثة أنواع، أو ثلاثة مستويات: «تديُّن المعيشة»؛ و«تديُّن المعرفة»؛ و«تدين التجربة»، إلى البحث عن نسبة أنواع التديُّن إلى العالم المعاصر. وذهب إلى القول بأن المتديِّنين من القسم الأول يبسِّطون المسألة في تعاملهم مع العالم المعاصر، معتبرين العالم الحديث مجرّد ركام من المسائل والمشاكل العملية الجديدة التي يمكن العثور على الإجابة المناسبة عنها من خلال الرجوع إلى الفقه التقليدي.

وقد كتب في نقد هذا التوجّه قائلاً: «إن التديُّن في العالم المعاصر في الواقع ليس على مثل هذه السهولة والبساطة. فليس من السهل على الإنسان أن يقول: أنا أوافق على التكنولوجيا والصناعة في هذا العالم، وأنسجم مع ما توصَّل إليه العلم الحديث، وأستفيد من مؤسّسات الحضارة الجديدة، من قبيل: المصارف والجامعات والبرلمان وما إلى ذلك، وفي الوقت نفسه أبقى على تديُّني في هذه الحياة، وأثابر على إقامة الصلاة والصوم والحجّ، وأمتنع عن أكل اللحوم المحرَّمة، وما إلى ذلك. لو أمكن للفرد أن يطَّلع على جميع تضاعيف التديُّن وجميع منعطفات الحداثة سيدرك مدى صعوبة تعريف الحياة الدينية في العالم المعاصر. ولو أن المستنيرين الدينيين تأمَّلوا في نسبة الدين إلى العالم المعاصر فإنهم سوف يركِّزون في الغالب على النوعين الآخرين من أنواع التديُّن، دون هذا النوع الذي نطلق عليه تديُّن المعيشة»([73]).

وبالنسبة لي فإن عملية تبسيط صورة المسألة في ما يتعلَّق بنسبة الدين إلى العالم المعاصر تحدث في جميع المستويات والمراحل الثلاثة المتقدِّمة:

المرحلة الأولى هي التي أشار إليها الدكتور سروش، بمعنى تنزيل الدين إلى مستوى الفقه والشريعة، وتجاهل ربط ونسبة المستويات والطبقات الأخرى من التديُّن بالعالم الحديث.

أما المرحلة الثانية من التبسيط فتحدث في دائرة الفقه، وعلى مستوى تديُّن المعيشة. وإن هذا النوع من التبسيط، الذي يتناسب مع بحثنا الراهن بشكلٍ تامّ، عبارة عن تجاهل «العقلانية» و«الأخلاقية» التي تقوم عليها الصناعة والتكنولوجيا والمؤسّسات الاجتماعية الحديثة، من قبيل: البنك والجامعة والبرلمان وما إلى ذلك، والسعي إلى إحلال الفقه والعقلانية الفقهية التقليدية محلّ هذه الأخلاق والعقلانية.

أما المرحلة الثالثة من التبسيط فتحدث في دائرة الفقه، وعلى يد الفقهاء، وهي عبارة عن تنزيل الموضوعات المركَّبة إلى الموضوعات البسيطة، والعمل على استنباط أحكام الموضوعات المعقَّدة من خلال استنتاج حكم أجزاء تلك الموضوعات. وكما رأينا يمكن اعتبار هذين النوعين من التبسيط منشأً للكثير من الأزمات السياسية والاجتماعية في البلدان الإسلامية.

لو أدرك المتديِّنون المنتمون إلى التدين المعيشي أن المسائل والمشاكل العملية في العالم الحديث إنما يمكن حلُّها على أساس العقلانية والأخلاق المتناسبة مع هذه الدنيا، عندها لن يضطروا إلى الاختيار بين العيش في العالم الجديد أو العيش في العالم القديم، وسيدرك جيداً استحالة إدارة العالم الجديد من خلال الفقه التقليدي؛ فإن هذا الفقه يعجز حتّى عن الإجابة عن الأسئلة المعيارية في العالم الجديد، وحلّ وفصل المعضلات المعيارية في هذه الدنيا، فضلاً عن المشكلات غير المعيارية لهذا العالم الخارجة عن دائرة الفقه والمساحة الفقهية التخصُّصية. إن المشاكل العملية التي يعاني منها الإنسان في العالم المعاصر هي مشاكل تتخطّى الفقه، بل تتجاوز الدين، وعليه يكون الرجوع إلى الدين والفقه من أجل العثور على حلٍّ لها كمَنْ يبحث عن الماء في السراب.

نعم، إنّ لدى المتديِّنين في هذه الدنيا الحديثة وظائف وتكاليف شرعية، وإن الإله الشارع قد وضع لسكان هذه الدنيا واجبات ومحرَّمات لا بُدَّ من الرجوع إلى الفقه للتعرُّف عليها([74]). إلاّ أن الفقه الراهن لا يلبّي حتّى هذا المستوى من الحاجة؛ لأن الذين يجتهدون في ظلّ الفقه التقليدي لا يحملون هموم التماهي بين فتاواهم والقِيَم الأخلاقية، ولا يحملون همَّ الفصل بين أحكام «الدين المطلق» وأحكام «الدين المطبّق» على العالم القديم. وعليه فإن المتديِّنين في دائرة «التديُّن المعيشي» ـ كسائر طبقات التديُّن الأخرى ـ يواجهون أزمةً في العالم الحديث، وإن الحلَّ الأنسب لاحتواء هذه الأزمة يكمن في القول بتقديم الأخلاق على الدين (والفقه)، وتقديم شريعة العقل على شريعة النقل([75]).

ـ يتبع ـ

 

الهوامش

(*) أحد الباحثين البارزين في مجال الدين وفلسفة الأخلاق، ومن المساهمين في إطلاق عجلة علم الكلام الجديد وفلسفة الدين.

([1]) نهج البلاغة، قصار الحكم، الحكمة رقم: 89.

([2]) لقد استعرنا هذا التعبير من كلمات الدكتور عبد الكريم سروش، انظر في هذا الشأن: سروش، خاتميت پيامبر ـ 2، في (بسط تجربه نبوي: 157).

([3]) لقد اقتبسنا هذا التعبير عن الدكتور عبد الكريم سروش.

([4]) لسنا ننكر وجود القيم والمعايير الشاملة، والتي يمكن تطبيقها على جميع العوالم، ويمكن تعميمها على جميع الناس بوتيرةٍ واحدة، ولكنّنا نقول: إن هذه المعايير الشاملة ليست هي ذات المعايير المطبقة على العالم القديم. إن المعايير المطبقة في العالم القديم هي في الحقيقة عبارة عن فهم سكان ذلك العالم للمقتضيات والمعايير الشاملة في خصوص ذلك العالم والعوالم المشابهة له، وإنّ مقتضيات هذه المعايير في العالم الحديث غيرها في العالم القديم. وعليه في الوقت الذي لا يمكن (بل لا ينبغي) تطبيق المعيار السائد في العالم القديم على العالم الحديث يمكن (بل يجب) تسرية المعيار الشامل الكامن خلف ذلك المعيار المطبق على العالم القديم وتطبيقه على العالم الحديث أيضاً.

([5]) القطّاع: صيغة مبالغة من القطع، بمعنى (كثير القطع)، ويتمّ إطلاقها على الذي يحصل له القطع من غير الطرق المتعارفة، أي إن الطرق التي لا تؤدّي بالفرد الطبيعي إلى القطع تؤدّي بهذا الشخص القطّاع إلى القطع واليقين.

([6]) محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة.

([7]) فسّر الأخباريون هذه الرواية بوجود نصٍّ ورواية في مورد جميع الموضوعات، ولذلك يقولون بعدم الحاجة إلى الاستعانة بالعقل المستقلّ عن النقل في الكشف عن الحكم الشرعي.

([8]) الكافي 1: 58.

([9]) بحار الأنوار 2: 303. يرى هؤلاء الفقهاء ـ باستثناء القليل منهم ـ عدم إمكان استنباط الحكم الشرعي من خلال إدراك المصلحة والمفسدة والحسن والقبح؛ لاستحالة حصول القطع بالمصلحة والمفسدة الملزمة من طريق العقل، كما أن الظنّ العقلي في هذا المورد فاقدٌ للاعتبار من الناحية الشرعية، وبعبارةٍ أخرى: «إن أحكام الله توقيفية». وللمزيد من التوضيح بشأن معنى هذا الحديث.

([10]) إن «سيرة العقلاء» مصطلح أصولي شائع يدلّ على عقد اجتماعي ضمني يتواضع عليه العقلاء فيما بينهم، وهو يشبه العرف أو العادة العملية تقريباً.

([11]) وسائل الشيعة 27: 62. إن من مشاكل الفقه التقليدي هي أن أتباع هذا المنهج الفقهي ـ بالاستناد إلى هذا الحديث ـ يقولون بأن شأن النبيّ والإمام هو إلقاء الأصول، في حين هؤلاء العظام كانوا غالباً ما يلقون الأصول من خلال «تطبيقها على الفروع»، ولذلك فإن إحدى مقدّمات الاجتهاد الصحيح تكمن في فصل الأصول عن الفروع الواردة في الروايات المأثورة عن النبيّ والأئمة، بمعنى أننا لا نستطيع ـ من خلال الاستناد إلى هذه الرواية ـ حمل ظاهر جميع الروايات على بيان صريح الأصول. كما أن الفصل بين الأصول والفروع يتوقّف على ترجمة النصوص الدينية ثقافياً.

([12]) reduction.

([13]) إن المجتمع المدني (civil society) مصطلح يشير إلى المؤسّسات الاجتماعية المستقلة التي تتوسط الأسرة والدولة. إلاّ أن لهذه المفردة معانٍ متنوعة أخرى أيضاً. لمزيد من الاطلاع حول التفسيرات الإسلامية لهذا المصطلح انظر:

– Lewis, B. (2002). What Went Wrong? The Clash between Islam and Modernity in the Middle East (London: Weidenfeld & Nicolson).

([14]) هذا التعبير مقتبس عن الدكتور عبد الكريم سروش.

([15]) تسمى هذه الرؤية في فلسفة اللغة بـ «معيارية المعنى» (normativity of meaning).

([16]) يذهب بعض المفكِّرين الماهويين في قطرنا إلى اعتبار النـزعة الإنسانية (Humanism) عين الإعراض عن الحق والخضوع للنفس الأمارة، في حين أن النـزعة الإنسانية لا تستلزم أيّاً من هذين الأمرين. وإذا كان فيها دعوة إلى الطاعة فهي دعوةٌ إلى إطاعة العقل والنفس اللوّامة، التي يكون حكمها منسجماً مع حكم إله الأخلاق. إن جوهر النـزعة الإنسانية يكمن في نفي إطاعة النفس الأمّارة، وإنْ كان الذي ينفى في النـزعة الإنسانية أولاً وبالذات هو إطاعة النفس الأمّارة لدى الحكّام، التي هي أسوأ وأقبح من إطاعة المرء لنفسه الأمّارة؛ لأن الذي يبيع آخرته بدنيا غيره أسوأ وأشقى من الذي يبيع آخرته بدنياه.

علاوة على ذلك لا يمكن أن نجعل من عدم تناغم حكم العقل العلماني مع فهم المتقدِّمين لحكم الشرع دليلاً على بطلان العلمانية والنـزعة الإنسانية؛ لأن فهم المتقدِّمين لحكم الشرع يقوم على متبنيات خاصّة من خارج الدين كانت تستحوذ على ذهنيّاتهم. وفي الحقيقة فإن الاختلاف القائم هنا ليس اختلافاً دينياً، وإنما هو اختلاف ما فوق ديني بشأن متبنيات ما فوق دينية لفهم الدين أو الركن الخارجي من المعرفة الدينية.

([17]) يرى الدكتور سروش في هذا النوع من التعاطي مع الحداثة والثقافة والحضارة الغربية واحداً من مصادر ذهنيتنا وهويتنا الملتبسة والمشوّشة، ويقول: «إن المؤسّسات الحضارية الجديدة، من قبيل: المصارف والجامعات والبرلمانات والصحافة وما إلى ذلك، في مجتمعنا قبل أن تحافظ بالضرورة على هويتها الأصيلة إنما هي كيانات متأثِّرة، وما أكثر الالتباسات الحادّة التي تعرَّضت لها وظائفنا وأفكارنا بسبب هذا الانعدام للهويّة، أو غموض هويّة هذه المؤسّسات والمحاصيل الغربية في الحدّ الأدنى… إن الصحافة والبرلمان محطّات نظريّة تدين في معناها للنظريات ذات الصلة، ولو لم تكن تلك النظريات حاضرة في الذهن لن يكون بالإمكان تفسيرها وتحقيقها بالشكل المطلوب. إن مشكلتنا في ما يتعلَّق بالاقتباس والتقليد يبدو أنها تكمن في أن المؤسّسات الحضارية الجديدة عندما وفدت إلينا لم تجلب معها تنظيراتها، وإنما أخذنا أسماءها وأشكالها وتركنا معانيها ومضامينها الحقيقية، ومن هنا أصبحت مخلوقاً مشوهاً… إن التعرُّف على ماهية السكّين والمهام التي تقوم بها يفتقر إلى معرفة العشرات من النظريات في حقل الإنسان والحضارة والحياة والأخلاق… ما الذي يمكنه أن يبقى من البرلمان والصحافة التي تدور حول محور حقوق الإنسان في المجتمع الديني الذي يدور حول محور التكاليف والواجبات غير الأسماء والقشور السطحية؟ إن هذه الأمور إنما تكتسب هوية ثابتة إذا كانت هناك جهودٌ صادقة للتوفيق بين التفكير الديني القديم للتكليف والمفهوم الشامل والجديد لحقوق الإنسان (إذا كان ذلك ممكناً). وما لم تحصل مثل هذه الجهود فإننا سوف نرزح ضمن هويات ملتبسة ومشوّشة نطلق عليها مسمّى الصحافة، ومسمّى البرلمان، ومسمّى التقنية، وما إلى ذلك، الأمر الذي لا يزيد هويتنا إلاّ تخبطاً وتشويشاً… وعليه يمكن لنا تسمية العالم الثالث بـ «عالم المسمَّيات»؛ وذلك لأنها عبارة عن هويات مستأصلة عن مبانيها وقواعدها، ولذلك نجدها فارغة من المعاني، فهي مجرّد أسماء من دون مسمَّيات، ومسمَّيات كاذبة، لا تنفع إلاّ في إثارة الفتن وتشويش الأذهان». انظر: سروش، ذهنيت مشوّش، هويت مشوّش، في (أخلاق خدايان: 162 ـ 165).

([18]) هناك مزيد من التوضيح بشأن التعاطي النقدي واختلافه عن التقليد والتحجّر أوردناه في محلّه. وقد عمدنا إلى نقد الاتجاهات المتنوِّعة بشأن الدين والحداثة في العالم الإسلامي في مقالٍ لنا تحت عنوان: «الدين والحداثة، من الحداثة الإسلامية إلى الإسلام الحديث». وقد عمدنا في هذا المقال إلى التفكيك بين ثلاثة أنواع من التحول الفقهي، وهي: تحوّل الإسلام إلى فقه، وتحوّل الحداثة إلى ثمارها، وتحوّل ثمار الحداثة إلى أجزاء تلك الثمار.

([19]) كما يمكن العثور على شرح وبسط، وكذلك النقد العلمي، لبعض هذه النظريّات في المصدر التالي: كَدِيوَر، أز إسلام تاريخي به إسلام معنوي، سنّت وسكولاريسم: 405 ـ 431، طهران، مؤسّسه فرهنگي صراط.

هذا وقد عمد الدكتور سروش إلى دراسة ونقد هذه النظريات في كتاب «القبض والبسط» من الزاوية المعرفية، انظر: سروش، قبض وبسط تئوريك شريعت «نظرية تكامل المعرفة الدينية»: 47 ـ 55، 493 ـ 501، طهران، مؤسسه فرهنگي صراط.

([20]) يفهم هذا الحلّ من كلمات الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري، وهو مقبولٌ عند عامة الفقهاء. انظر: مطهري، إسلام ومقتضيات زمان، طهران، انتشارات صدرا.

([21]) إن المراد من «منطقة الفراغ» هي المنطقة التي اختار الشارع السكوت بشأنها، وبسبب هذا السكوت لم يعُدْ في هذه المنطقة من معيار عمليّ يحدِّد للمكلَّف وظيفته، ولذلك فإننا في هذه المنطقة نواجه خلأً معيارياً يجب ملؤه على يد جمهور الناس، أو الحاكم الإسلامي.

([22]) جديرٌ بالذكر أن هذا الحلّ، بالإضافة إلى تقريراته التقليدية، له تقريراته العصرية أيضاً، ويعتبر الشيخ كَدِيوَر من المفكِّرين المعاصرين في الشأن الديني الذين قدَّموا تقريراً عصرياً لهذا الحلّ. انظر في هذا الشأن: كَدِيوَر، أز إسلام تاريخي به إسلام معنوي، سنّت وسكولاريسم: 405 ـ 431، حيث يعمد سماحته إلى الفصل بين «الإسلام التاريخي» و«الإسلام المعنوي»، معتقداً ضرورة قياس أحكام الشرع بأصل العدالة وسيرة العقلاء؛ للعبور من الإسلام التاريخي إلى الإسلام المعنوي. يلتفت الشيخ كديور إلى هذه النقطة الهامّة، وهي أن «مشكلة تنافي الأحكام الشرعي مع المعاصرة تكمن في الأحكام الثابتة والمنصوصة» (انظر: المصدر السابق: 419). ولكن حيث إنه لم يتخلَّ بعد تماماً عن المنهج السائد للاجتهاد في الفقه التقليدي لا يرتضي حجية الظنون العقلية والحسية والتجريبية، ويشترط لإعادة النظر في أحكام الفقه التقليدي حصول «القطع» و«اليقين» بمنافاة هذه الأحكام وعدم انسجامها مع أصل العدالة وسيرة العقلاء (المصدر نفسه)، في حين أن حجية الظنون العقلية والحسّية تمثِّل أحد أهم السِّيَر العقلائية في العالم المعاصر. وإن هذه السيرة في حد ذاتها وسائر السِّيَر العقلائية إنما يتم إثباتها وإحرازها بشكلٍ ظنّي فقط، وهناك احتمال الخطأ في هذا المورد، وهو أمرٌ لا سبيل إلى التغلُّب عليه. وعليه فإن الدعوة إلى تحصيل القطع واليقين في هذه الموارد مخالف للعقلانية؛ لأنها لا تتناسب مع الأدلة والشواهد الموجودة. وعلى هذا الأساس فإن العبور من الإسلام التاريخي إلى الإسلام المعنوي، وتقديم تفسير عن الإسلام متناغم ومنسجم مع العالم المعاصر، دون القول بـ «حجّية الظنون العقلية والتجريبية»، لن يكون ممكناً. وبطبيعة الحال فإن الشيخ كَدِيوَر يقرّ صراحةً بأن الاجتهاد في الفروع لا يمثِّل حلاًّ للمشكلة، ويسعى إلى الاجتهاد في الأصول أيضاً. ولكنْ من أهم الأصول التي يجب تجديد النظر بشأنها في هذا السياق هو أصل عدم حجّية الظنون العقلية والحسّية، أو أصل حرمة اتّباع الظنّ؛ إذ لا بُدَّ من الاعتراف بحجّية هذه الظنون بوصفها من الظنون العقلائية (أي الظنون التي يهتمّ بها العقلاء، ويعملون بمضمونها). إن الجهود التي يبذلها الشيخ كَدِيوَر في الدفاع النظري والعملي عن حقوق الإنسان، ورفع التعارض القائم بين هذه الحقوق والإسلام، من خلال الاجتهاد في الأصول، جهودٌ مشكورة، وتستحق الثناء والتقدير، بَيْدَ أن جهوداً من هذا القبيل لا تبدو مكتملة إلاّ من خلال القول بحجّية الظنون العقلية والحسية والتجريبية. وكما رأينا في الفصل السابق فإن سرَّ تناغم الفتاوى الفقهية للمعتزلة والأشاعرة والأخباريين والأصوليين تكمن في أن هذه الجماعات تصل في نهاية المطاف ـ ومن مختلف الطرق ـ إلى تعطيل العقل المستقلّ عن الدين في قبال النقل، وإنْ كان تعطيل العقل عند الأصوليين يكون من خلال نفي حجّية الظنون العقلية والتجريبية، وإخراجها من دائرة الظنون العقلائية والمعتبرة.

([23]) انظر:

ـ فنائي، مباني اجتهاد: تأثير معرفت بشري در معرفت ديني، مجلة نقد ونظر، العدد 3 ـ 4: 284 ـ 293.

ـ فنائي، جايگاه موضوع شناسي در اجتهاد، مجلة نقد ونظر، العدد 5: 87 ـ 100.

ـ فنائي، معرفت ديني در بستر زمان ومكان، مجلة نقد ونظر، العدد 2: 297 ـ 332.

([24]) انظر: سروش، «دين ودنياي جديد (1)»، سنّت وسكولاريسم: 8، طهران، مؤسّسه فرهنگي صراط.

([25]) انظر: سروش، المصدر السابق: 13 ـ 17.

([26]) انظر: سروش، المصدر السابق: 15.

([27]) انظر: سروش، «سکولاريسم»، سنّت وسكولاريسم: 67.

([28]) انظر: سروش، «دين ودنياي جديد (1)»، سنّت وسكولاريسم: 17.

([29]) انظر: سروش، «دين ودنياي جديد (2)»، سنّت وسكولاريسم: 38 ـ 39.

([30]) انظر: سروش، خاتميت پيامبر ـ 1، في (بسط تجربه نبوي: 157).

([31]) انظر: سروش، المصدر السابق: 158.

([32]) انظر: سروش، «دين ودنياي جديد (2)»، سنّت وسكولاريسم: 31 ـ 53. ولمزيدٍ من البحث في هذا الشأن انظر: سروش، «معنا ومبناي سكولاريسم»، في (مدارا ومديريت: 417 ـ 443).

([33]) انظر: سروش، «دين ودنياي جديد (2)»، سنت وسكولاريسم: 53 ـ 66.

([34]) انظر: سروش، «سکولاريسم»، سنّت وسكولاريسم: 68 ـ 69.

([35]) انظر: المصدر السابق: 69 ـ 107.

([36]) انظر: مَلَكْيان، معنويت گوهر أديان (1)، سنّت وسكولاريسم: 270 ـ 272، طهران، مؤسسة فرهنگي صراط.

([37]) انظر: المصدر السابق: 274 ـ 286.

([38]) انظر: المصدر نفسه.

([39]) انظر: المصدر السابق: 273.

([40]) انظر: المصدر السابق: 274.

([41]) انظر: المصدر نفسه. سوف ننتقد هذا النوع من العقلانية الاستدلالية في كتابنا (أخلاق دينداري)، وسوف نثبت أن كلاًّ من العقلانية والاستدلال يمكن لهما الانسجام مع نوعٍ خاصّ من التعبُّد، بمعنى أن التعبُّد ينقسم إلى قسمين: تعبُّد معقول؛ وتعبُّد غير معقول.

([42]) انظر: المصدر السابق: 276.

([43]) انظر: المصدر السابق: 278.

([44]) انظر: المصدر نفسه.

([45]) intellect.

([46]) انظر: المصدر السابق: 283.

([47]) انظر: المصدر السابق: 280 ـ 281.

([48]) انظر: المصدر السابق: 285 ـ 287.

([49]) انظر في هذا الشأن:

ـ سروش، «عقيده وآزمون»، في (فربه تر أز إيديولوژي).

ـ مَلَكْيان، معنويت گوهر أديان (1)، سنّت وسكولاريسم: 276 ـ 306.

([50]) انظر: سروش، «رهائي أز يقين ويقين به رهائي»، في (أخلاق خدايان: 70).

ويتم تعريف العلمانية في قطرنا في الغالب على أنها «فصل الدين عن السياسة»، إلاّ أن هذا التعريف غير صحيح؛ لأن العلمانية السياسية مجرّد مفردة فرعية من مفردات العلمانية، ولا تمثِّل العلمانية كلها. يضاف إلى ذلك ـ كما سنرى في المستقبل ـ أن العلمانية السياسية لا تعني فصل الدين عن السياسة أيضاً، وإنما تعني فصل «المؤسسة الدينية» ـ المتمثِّلة بالكنيسة أو رجال الدين بوصفهم مؤسّسة اجتماعية ـ عن مؤسّسة الدولة. وإن هذا الفصل يعني الاستقلال المتبادل بين هاتين المؤسّستين، وإنكار الحقّ الخاصّ والإلهي للمؤسّسة الدينية في حقل السياسة، وإنكار تبعيّة الدين للسياسة، والحيلولة دون توظيف الدين للوصول إلى المآرب السياسية، ومنع فرض القراءة الرسمية للدين على المتديِّنين بدعمٍ من السلطة السياسية، ولا يعني الطلاق البائن بين الدين والسياسة، كما لا يعني إخراج الدين من الساحة العامّة، وحشره في زاوية خاصّة من الحياة، ولا يعني سلب حقّ المواطنة عن رجال الدين، ومنعهم من التدخُّل في السياسة بوصفهم من المواطنين. إن استقلال المؤسّسات الاجتماعية عن بعضها يهدف إلى عدم التداخل، والحيلولة دون إساءة الاستغلال، ورفع فاعليتها، ويعدّ نوعاً من توزيع المهام الاجتماعية على أساس من التخصُّص والكفاءة والاستحقاق، مع مراعاة المعايير الأخلاقية، وإن توزيع الأعمال والمسؤوليّات الاجتماعية، وتفكيك المؤسّسات الاجتماعية عن بعضها ينشأ بحكم الضرورات العقلانية، ولا يتنافى أبداً مع صلة الدين بالسياسة، ودور الدين في السياسة.

([51]) انظر: سروش، «پيامبر در صحنه»، في (بسط تجربه نبوي: 162).

([52]) يذهب الدكتور سروش إلى القول ـ مصيباً ـ: إن بين العقلانية والعلمانية ارتباطاً وثيقاً. انظر في هذا الشأن: المصدر السابق: 161.

([53]) انظر: سروش، «سکولاريسم»، سنّت وسكولاريسم: 76 ـ 78.

([54]) انظر: المصدر السابق: 86.

([55]) انظر: المصدر السابق: 88 ـ 89.

([56]) sense of duty.

([57]) procedural.

([58]) substantive.

([59]) انظر في هذا الشأن: سروش، «دينداري تجربه أنديش»، سنّت وسكولاريسم: 189 ـ 200.

([60]) إن عبارة «إله سدّ الثغرات» مصطلح اقترحه الأستاذ بهاء الدين خرمشاهي لترجمة العبارة الإنجليزية (God of Gaps). انظر في هذا الشأن: باربور، علم ودين، ترجمه إلى الفارسية: بهاء الدين خرمشاهي، طهران، انتشارات علمي وفرهنگي.

([61]) انظر: سروش، «معنا ومبناي سكولاريسم»، في (مدارا ومديريت: 424).

([62]) انظر: المصدر السابق: 437 ـ 443.

([63]) انظر: المصدر السابق: 437.

([64]) انظر: المصدر السابق: 422 ـ 438.

([65]) الإسمانية (nominalism): مذهب فلسفي يقول بأنّ المفاهيم المجرّدة أو الكلّيات ليس لها وجود حقيقي، وأنها مجرّد أسماء ليس غير، وذلك على أساسٍ من أنّ استخدام لفظ عام كـ (البشرية) مثلاً لا يقضي بالضرورة وجود (الشيء العام) الذي يدلّ عليه اللفظ؛ لأنّ الوجود الحقيقي وقفٌ على الجزئيات المفردة والمصاديق (أي الأشخاص والأفراد) لا غير. أسَّسه في القرن الحادي عشر للميلاد الفيلسوف الفرنسي روسلان (Roscelin)، ثمّ أدخل عليه أبيلار (Abelard) بعض التعديلات. ومن أبرز أعلامه الفيلسوف الإنجليزي وليم أوف أوكام (Ockham). (المعرّب)، نقلاً عن: منير البعلبكي، موسوعة المورد 7: 138.

([66]) إن مرادنا هنا من المعرفة هي خصوص «المعرفة التصديقية»، ولا يشمل «المعرفة التصورية». إن المعرفة التصديقية نتيجة «مقام الحكم» (context of justification)، والمعرفة التصورية نتيجة «مقام الكشف» (context of discovery). وعلى هذه الشاكلة فإن العناصر المعرفية للعلمانية عبارة عن القول بأن المعرفة التصديقية والأوصاف الذاتية والروابط الضرورية بين الواقعيات المستقلة عن الوحي والدين. وإن هذه المعلومة لا تنافي أن يكون «تصوّر» هذه الأوصاف والروابط قد تسرّب إلى ذهن الإنسان من القنوات الدينية.

([67]) بلغ أسماعنا أن للدكتور سروش مقالاً غير مطبوع تحت عنوان «الإسمانية والعلمانية»، تحدّث فيه عن تأثير الإسمانية على ظهور العلمانية. وللأسف الشديد فقد ذهبت جميع جهودي في العثور على هذا المقال أدراج الرياح، ولكنْ بالإمكان الحصول على خلاصة لرؤيته حول العلاقة بين الإسمانية والعلمانية، في المصدر التالي: سروش، آئين شهرياري ودينداري: 164 ـ 166، طهران، مؤسسه فرهنگي صراط. أشكر سماحة الدكتور دبّاغ على تنبيهه إيّاي إلى وجود مثل هذا المقال.

([68]) شاهدنا كيف يعمد أولئك الذين يقولون بالحسن والقبح الذاتي في الأفعال إلى إحلال الفقه (الأخلاق الدينية) محلّ الأخلاق العلمانية (الأخلاق ما فوق الدينية)، وسوف نرى في كتاب (أخلاق دينداري) كيف يعمد هؤلاء إلى استبدال الفقه بفلسفة السياسة وعلم السياسة والإدارة العلمية. إن هؤلاء يؤمنون بالعناصر الأولى، وهي القول بمعرفة الوجود ـ العلمانية، وينكرون العناصر الثانية المتمثّلة في القول بالمعرفة.

([69]) الشاهد الآخر الذي يمكن أن نسوقه لهذا القول هو التفكيك بين الذاتي والعرضي في الأديان. فالأديان ليس فيها ذات وماهية وجنس وفصل بالمعنى الأرسطي للكلمة، ومع ذلك يمكن تقسيم الأوصاف والمضامين الدينية إلى: الذاتي؛ والعَرَضي. انظر في هذا الشأن: سروش، «ذاتي وعرضي در أديان»، في (بسط تجربه نبوي: 29 ـ 82).

([70]) هناك مزيدٌ من الإيضاح بشأن أنواع العلمانية يمكنك الوقوف عليه في كتابنا (أخلاق دينداري).

([71]) انظر: سروش، «دين سكولار»، في (مدارا ومديريت: 157 ـ 173).

([72]) إن من الأمور التي تستحقّ التأمل في ما يتعلَّق بالعلمانية هي أن العلمانية الفكرية أو الفلسفية كانت سائدة بين كبار المفكِّرين المسلمين منذ القدم، فهي ليست حِكْراً على العالم الغربي أبداً؛ إذ تعود جذور هذا النوع من العلمانية في العالم الإسلامي إلى القرن الهجري الثاني، حيث بدأت عملية تعريب الكتب الفلسفية الإغريقية، تلاه بعد ذلك ما يعرف اليوم بأسلمة العلوم في ما يتعلَّق بالفلسفة. بمعنى أن فلاسفة المسلمين جهدوا في أن يقدِّموا تفسيراً وقراءة عن الفلسفة الإغريقية منسجمة مع الإسلام. ومع ذلك كان الفلاسفة المسلمون يسعَوْن إلى البقاء على وفائهم لأسلوب الفلسفة، وأن يبرِّروا أقوالهم بالبراهين الفلسفية التي تتخطّى الدين. إن ذات الفلسفة علمانية؛ لقيامها على المتبنيات والفرضيات العلمانية، وما كان في ذاته علمانياً لن يكون دينياً بالعَرَض.

([73]) انظر: سروش، «دينداري تجربه أنديش»، سنّت وسكولاريسم: 191.

([74]) يبدو لي أن موضوع علم الفقه ليس هو «فعل المكلَّف»، بل هو الحكم الإلزامي الشرعي. كما أن شأن وآلية الفقه تكمن في مجرد معرفة الواجبات والمحرمات الشرعية، ولذلك لا يمكن لعلم الفقه أن يحلّ محل علم الأخلاق (الذي يتكفل بمعرفة الحقوق والإلزامات الأخلاقية)، ولا يحلّ محل علم الحقوق (الذي يتكفل بمعرفة الحقوق والإلزامات الأخلاقية). إن الحلّية والإباحة تعني عدم الحكم الشرعي الإلزامي، بَيْدَ أن فقدان الدليل على الحكم الإلزامي الشرعي إنما يرفع مجرّد المسؤولية الشرعية عن كاهل المكلَّفين. وإن سكوت الشارع لا يعني أن الفرد ليس مسؤولاً تجاه ذلك المورد من الناحية الأخلاقية أو العرفية.

([75]) من الجدير ذكره أن الدكتور سروش أشار إجمالاً إلى هذه المسألة في تضاعيف كلامه، حيث قال: «وحتّى في طبقات التدين المعيشي لا تنحصر المسألة في الناحية العملية البحتة فقط؛ لأن جميع الوسائل تنبثق في نهاية المطاف من صلب فلسفةٍ واحدة، ولن تستطيع أن تأنس بتلك الوسائل والاستفادة منها بالشكل الأحسن إلاّ من خلال التعرُّف على ثقافتها وفلسفتها، وإلاّ فإن تلك الوسائل بالنسبة لك ستبقى أموراً مبهمة، ولن تكون جزءاً من حضارتك وثقافتك وحياتك، وسوف تواجه مشكلة دائمة في استعمالها وتوظيفها. وهذا هو مكمن المشاكل والأزمات في العالم الثالث». (انظر: سروش، «دينداري تجربه أنديش»، سنّت وسكولاريسم: 197).