الفقه الإسلامي ووعي الموضوعات الشرعيّة

20 يونيو 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
74 زيارة

الفقه الإسلامي ووعي الموضوعات الشرعيّة

هل تراجع أداء الفقه الإسلامي بسبب تراجع خبرته في مجال الموضوعات؟!
(تقديم لكتاب: ميقات العقيق)
حيدر حبّ الله(۱)

يفكّك علماء الشريعة الإسلاميّة مكوّنات الحكم الشرعي وما يرتبط به على الشكل الآتي:
1 ـ الحكم عينه.
2 ـ متعلّق الحكم، وفي بعض الأحيان قد يطلقون عليه اسم «الموضوع» إذا لم يكن متعدّياً.
3 ـ متعلّق المتعلّق، وكثيراً ما يطلقون عليه اسم «الموضوع».
فإذا قلنا: شرب الخمر حرام، فإنّ الحكم هو الحرمة، والمتعلّق الذي تعلّق به الحكم وانصبّ عليه هو الشرب، بينما الخمر هي متعلّق المتعلّق؛ لأنّ الشرب اتصل بها وتعلّق بها وارتبط. مع الإشارة إلى أنّنا عندما نبسّط القضيّة بالمثال الذي ذكرناه لا نريد أن نغفل عن أنّ تعريف هذه الثلاثة: «الموضوع ـ الحكم ـ المتعلّق» قضيّة ليست بسيطة، بل كانت مسرحاً للنقاش في المدوّنات الفقهيّة والأصوليّة.
وعبر هذه العمليّة ثلاثية الأطراف يبدأ الفقيه بدراسة الحكم والمتعلّق، كما تعنيه دراسة الموضوع في الجملة؛ لكنّ التجربة التاريخيّة للاجتهاد الشرعي تعطي أنّ علماء الشريعة لم يكونوا ليخوضوا دائماً في الموضوعات، بل كانت لدى الكثير منهم وجهة نظر تعتقد بأنّ الموضوع (فضلاً عن مصاديق الموضوع) يقع أحياناً خارج إطار وظائفهم، فلو أخذنا مصداق الموضوع مثالاً، وقلنا بأنّ الفقيه قال: لا تجوز الصلاة في الثوب المتنجّس، فإنّ الثوب المتنجّس هنا هو موضوعٌ طبقاً للتقسيم الثلاثي الذي ألمحنا إليه، والفقيه هنا يقول بكلّ وضوحٍ وصراحة بأنّ مصداق هذا الموضوع ـ أي هذا الثوب الذي يملكه زيدٌ ويكون متنجّساً ـ ليس من وظيفتي إثباته أو نفيه، أي ليس من وظيفتي أن اُثبت أنّ هذا الثوب نجس أو غير نجس، بل هي وظيفة المكلّفين أنفسهم.
لقد أدّت عمليّة التمييز الدقيق هذه والتي تولّدت عبر مراكمة التجربة الاجتهاديّة وعلاقة الفقيه بالأسئلة والوقائع من جهة وعلاقة المكلف بهما من جهة أخرى.. أدّى ذلك لبحوث مركّزة بين الفقهاء في حدود مسؤوليّات الفقيه عن القضايا التي تمثل موضوعات للأحكام الشرعيّة، وما هو الذي يدخل ضمن وظائف الفقيه أو ضمن نفوذ رأيه شرعاً على الآخرين، وما هو الذي لا يدخل ضمن ذلك، وتوسّع هذا البحث من شكله البسيط الذي أوضحناه آنفاً، ليتّخذ أبعاداً مختلفة يمكن مراجعتها في ثنايا أعمال الفقهاء والأصوليّين.
إلا أنّ الفقه نفسه بوصفه منظومة قانونيّة موجِّهة، لا يمكنه الاستغناء عن دراسة الموضوعات الخارجيّة، بصرف النظر عن تقّوم وصف الفقاهة بها أو لا، وبصرف النظر عن دخول تعيينها ضمن حدود حجيّة فتوى الفقيه أو لا، فالفقه اليوم بسمته التوجيهيّة العامّة لا يمكنه أن يأخذ جزءاً من القضايا ويترك جزءاً آخر على مستوى العمليّة البحثيّة؛ إذ في بعض الأحيان سوف يبدو ذلك بمثابة بَتر للدراسة الشاملة لموضوع البحث، خاصّة في ضوء الرؤية التي تقول بأنّ ثنائيّة الثابت والمتغيّر ـ وما يرتبط بها من قضايا المعاصرة والمواكبة ـ ذات صلة وثيقة بكيفيّة فهمنا لموضوعات الأحكام، فكثيراً ما نرى موضوعات الأحكام ثابتة، فنعطي نفس الحكم السابق، في حين تُبدي تعقيداتُ الحياة موضوعات الأحكام متغيّرة للخبير الفاحص الحصيف، بما يلزم أن تتغيّر الأحكام تبعاً لها، وهذا أحد تفاسير مقولة «تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد»، والتي اشتهرت في العقود الأخيرة، وبهذا نجد اليوم من يتحمّس لحصر صفة الفقيه بمن لديه خبرة في الأحكام والموضوعات المتصلة بها معاً؛ لأنّ الفتوى لا تحلّق في الهواء، بل تلاحق مباشرةً الواقع الخارجي.
إنّ دراسة الموضوعات على أنواعها تفرض على حركة الفقه صلةً عجيبة بسلسلة طويلة من العلوم البشريّة، وتشكّل حلقة وصل بين الحوزات والجامعات، وبين المثقّف والفقيه، وبين الفقه وسائر العلوم، سواء الإنسانيّة منها أم التجربية الطبيعية؛ لأنّ جميع هذه العلوم تتصل ولها إسهام في قضايا تصنّف من ضمن موضوعات الأحكام أو ما له صلة بذلك.
من هنا، تظهر فكرة «الزمان والمكان»، فهذا الثنائي له حضور واسع في الفقه والقانون، ولا يمكن لأيّ منظومة قانونيّة أن تضع مقرّراتها بمعزل عن ثنائيّة «الزمان والمكان»، فالصلاة لها صلة بأزمنة متعدّدة كالزوال والغروب والشروق والفجر، كما لها صلة بأمكنة كالمسجد والمشهد وتحت السماء أو تحت السقف في بعض الصلوات وهكذا، وهذا ما يعني أنّ الفقيه غير قادر ـ على مستوى تكامل العمليّة البحثيّة على الأقلّ ـ أن يغيب عن الزمان والمكان.
ويظهر دور «الزمان والمكان» جليّاً أكثر في فريضةٍ مثل فريضة الحجّ والعمرة، فنحن في توليفة الأحكام الشرعيّة نجد عشرات، وربما مئات، الأمكنة الواردة في النصوص والفتاوى، كما نجد الزمان حاضراً في الأشهر والأيام، بل ولحظات اليوم الواحد، مثل يوم عرفة وغيره.
فلكي يقدّم الفقه مع ماكينته المساعِدة رؤيةً جليّة هنا ـ بصرف النظر عن مديات الحجيّة ـ من الضروري أن لا يتكلّم في الهواء الطلق، فإذا قال: يجب الإحرام من الجحفة، فمن غير المعقول أن لا يكون لديه تصوّر يقدّمه عن الجحفة، وأيّ مكان هو؟ وأين يقع؟ وغير ذلك.. إنّ الفقه دون هبوط رؤيته على الزمان والمكان العينيَّين سوف يبدو محلّقاً في الفضاء منفصلاً عن الإنسان، وقد يعاني من إخفاق، وبهذا يبدو من الضروري جداً دراسة الأمكنة والأزمنة؛ لما لها من دور في نشاط الفقه خاصّة في مثل فقه الحجّ والعمرة والزيارة، وبالأخصّ بعد مرور أزمنة طويلة أحدثت تغييرات عميقة في الحالة الجغرافيّة للأمكنة ذات الصلة بهذه الفريضة.
إنّ متابعة الفقه لزمكانيّة الحجّ والعمرة وغيرهما يمكن أن تترك أثراً في بعض الأحيان على الفتاوى نفسها، فثمّة من ينسب لبعض الفقهاء المتأخّرين أنّه غيّر رأيه في بعض المسائل الفقهيّة عقب ذهابه بنفسه للحجّ. إنّ الواقع الميداني ـ زماناً ومكاناً وظرفاً وحالاً ـ له دور في طبيعة رؤية الفقيه التفسيريّة للنصّ القرآني أو الحديثي، ويمكنه أن يُلفت نظره إلى أشياء لم يكن ملتفتاً إليها من قبل، بل رأينا كيف أنّ الرصد اللغوي والتاريخي لقضيّة الجمرات دفع بعض الفقهاء المعاصرين لتغيير رأيه في حقيقة الجمرة التي يجب رميها.
واحدة من أهمّ قضايا فقه الحجّ هي مسألة المواقيت التي وقّتها رسول الله‘، فالفقه الإسلامي ما زال معتقداً إلى اليوم في جمهوره الغالب بأنّ هذه المواقيت تمثل جزءاً لا ينفكّ عن الحجّ نفسه، وليس لها أيّ بُعد تاريخي يمكن الانفصال عنه اليوم، وما دامت هذه القناعة راسخةً فإنّ من الضروري أن نحمل تصوّراً عن هذه المواقيت، هو تصوّر ليس عن مبدأ الحكم المتصل بها، بل عنها نفسها هذه المرّة.
أين تقع؟ وما هي مواضعها بالتحديد؟ وما هي المساحة التي يغطّيها هذا الميقات بحيث إذا أحرم منه الآفاقي مثلاً فقد أحرم حقاً من الميقات؟ إنّ هذه العمليّة الاكتشافيّة ليست سهلة، ففي بعض الأحيان قد تكون الصورة واضحة، لكنّه في أحيان اُخر تبدو معقدة جداً، ونحن منفصلون لأكثر من ألف وأربعمائة عام عن الصورة الزمنيّة الأولى لهذه المواقيت عندما وقّتها النبيّ الأعظم‘.
وميزة البحث المكاني أنّه يقع على طريقتين:
الطريقة الأولى: أن يجلس الباحث في بيته ويقف في مقاربته للموضوع عند حدود النصوص الدينيّة، إلى جانب التراث الفقهي الخالص، وربما يكون العديد من الفقهاء قد اعتاد على هذه الطريقة، وهي على أهميّتها لكنّها قد تقع في أخطاء من العسير الانتباه لها؛ لأنّها تخضع لنمط من التوارث أكثر من المقاربة الميدانيّة، كما أنّها تظلّ محدودة في مصادرها ومنابعها؛ لأنّ هذه المنابع ذات لون واحد.
الطريقة الثانية: أن يوسّع الباحث من دائرة عمله ونشاطه، فيقوم بما كان يقوم به في الطريقة الأولى، لكنّه يضيف إلى ذلك النظر في التراث العام من جهة، والمراجعة الميدانيّة المباشرة من جهة ثانية.
أمّا توسعة التراث المنظور، فقصدي به أن يعتمد الباحث على التراث الجغرافي والتاريخي واللغوي والأدبي، فلا يقف عند حدود الموروث الفقهي المدوّن على أهميّته، بل يتعدّاه نحو التراث كلّه بما فيه تراث الرحلات والرحّالة والمدوّنات والمذكّرات وغير ذلك؛ لكي يلتمس من هذا التراث مؤشرات أو معطيات توسّع من نطاق معرفته بالمكان المستهدَف بالبحث.
وأمّا العمل الميداني، فهو ضروريٌّ في كثير من الأحيان، بالذهاب مباشرةً عبر فريق عمل أو أكثر نحو المكان المستهدَف، بهدف رصد المعالم، ومقارنة المعطيات الورقيّة بالجغرافيا المباشرة، بل تبدو لي الاستعانة بعلماء الآثار والحفريّات وتقنيّاتهم المعاصرة ضروريّةً في بعض الأحيان أيضاً.
إنّ اعتماد الفقه الإسلامي والماكينة المساعدة له على هذه الدائرة الواسعة من الدراسات البحثيّة التاريخيّة والجغرافيّة والعلميّة المنقولة والمحسوسة معاً، سوف يقلّل من نسبة الأخطاء التي قد نقع بها في قضايا تتصل بالموضوعات أو المتعلّقات أو نحو ذلك، وتجعلنا أقرب لواقع المطلوب شرعاً، بدل الاكتفاء أحياناً بإجراء الأصول العمليّة أو العدميّة، ومحاسبة الأمور من زاوية نظريّة صرفة. إنّنا بحاجة اليوم لمؤسّسات كاملة تشتغل على هذه القضايا وهو ما بدأ يظهر هنا وهناك بما يبشّر بالخير إن شاء الله.
هذا كلّه هو الذي شدّني لهذا الكتاب الجميل الذي سطرته يراع أخينا العزيز الفاضل الأستاذ جواد الفضلي حفظه الله تعالى، فقد استوعب الموضوعَ في دراسته لقضيّة ميقات العقيق على مستوياته الفقهيّة ونصوصه الدينيّة وموروث علماء الشريعة، إلى جانب معطيات الجغرافيا والتاريخ والأدب واللغة والشعر وغير ذلك، متوّجاً ذلك كلّه بعمل ميداني ومتابعة مباشرة مهمّة لموقع الحدث وموضوع البحث. لقد جاء الكتاب رافداً للباحثين والعلماء، خاصّة في الفقه الإسلامي، كي يقتربوا في مواقفهم من الواقع والحقيقة، فهذه الأعمال المشكورة تخدم الممارسات الشرعيّة، كما تخدم الرؤية الفقهيّة.
إنّني إذ أشكر الأخ الفاضل الاُستاذ جواد الفضلي على هذا الجهد الطيّب، لا يسعني إلا أن أستذكر هنا تلك القامة الشامخة التي سار الكاتب على دربها وقدّمت تجارب في هذا المضمار، عنيتُ والدَ المؤلّفِ العلامةَ الفقيه الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي رضوان الله تعالى عليه، فقد كانت له أيضاً جهوده التي شقّ بها الطريق أمام الباحثين؛ لكي يسيروا في صراط دراسة هذه الموضوعات، بما يغني الساحة ويعمّق المعرفة ويصوّبها إن شاء الله سبحانه.
أسال الله للكاتب العزيز التوفيق في جميع جهوده، وأن تتكاتف الجهود كلّها للمزيد من العمل على هذا الصعيد، إنّه وليّ قريب.

______________________

(۱) کتبت هذه الصفحات بعنوان تقدیم لکتاب «میقات العقیق، دراسة تاریخیة وتحقیق میداني»، لمؤلفه الاستاذ جواد بن الشیخ الدکتور عبد الهادی الفضلی، وقد نشرت الکتاب دار الولاء فی بیروت، فی طبعته الأولی، عام ۲۰۱۹م.

حیدر حب الله

6 ـ 9 ـ 1440هـ
11 ـ 5 ـ 2019م