الفكر في ارتقائه لا يلبث أن يتحرر

4 ديسمبر 2018
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
31 زيارة

الفكر في ارتقائه لا يلبث أن يتحرر

الاستاذ صادق جواد سليمان

سلام عليكم وطابت أوقاتكم بكل خير، وشكرا وتقديرا للأستاذ صبحي غندور، على إبقاء فعاليات مركز الحوارالعربي جارية دون انقطاع منذ التأسيس عام 1994، هذا رغم شح المورد والافتقار إلى مقر ثابت أو طاقم مساعد. مساعي الناس في الحياة تتنوع، وهممهم تتفاوت، وما نعهده في شخص الأستاذ صبحي، بصفته المدير التنفيذي للمركز، هو مسعى جديرا مستمر العطاء، تندفع استمراريته من مجهود في جله فردي محض، تردفه همة عالية، لا أخال إلا أنها من الهمم نادرة المثال.

حديثي إليكم يأتي في سياق مسعانا جميعا، أفرادا ومجتمعات، أن نحيا حياة طيبة: حياة نماء على المرتقى الإنساني نحو الأمثل. مصطلح الحياة الطيبة يرد في القرآن الكريم (1)، ويرد مضمونه في صحف أديان وحضارات أخرى في نسق مماثل، وفي جميع الحالات، على ما استطلعت، يرد كهدف سام جدير بالسعي في سبيل تحقيقه، أكان على الصعيد الفردي أو الجمعي، لأجل إنماء الإنسان وإسعاده.

لنلاحظ ابتداء أن الحياة الطيبة لا تعني حياة رفاهية ورخاء، ولا حتى حياة خالية من مكاره الدهر. هي في الصميم تختلف. كيفما تتقلب الظروف المعيشية لصاحبها عبر تقلب صروف الدهر، هي تبقى حياة بساطة وقناعة وشكر، حياة استقامة وعفة ونبل، حياة تمدد معرفي مستطرد. إجمالا، هي حياة يتنامى فيها الوعي بارتقاء الفكر في وجهة جامعة لعناصر الرشد والصلاح والإيمان.

ما أعرضه، إذن، هو، باختصار، فرضية حول الحياة الطيبة: كيف يكون تحقيقها في نطاق خبرة شخصية أو جمعية. الفرضية تتخذ ارتقاء الفكر منطلقا في اتجاه التحقيق، بآية أن الفكر في ارتقائه لا يلبث أن يتحرر، فيتسع، فيسمو، فيؤدي إلى حال يُسفر عن حياة طيبة على مسار متراق في الصلاح والنماء.

ما الفكر، وكيف يكون ارتقاؤه شطر حياة طيبة ؟

الفكر مُفرَز ذهني، والتفكير حراكه الذي لا يتوقف في يقظة أو نوم، إذ أن المخ لا تخمد جذوته إلا بعد أن يفارق الجسدَ النفسُ الأخير. نحن في هذا الحديث بصدد تفكيراليقظة طبعا: التفكير الذي في أحط صنوفه يكون تفكيرا متدنيا خبيثا، وفي أعلاها تفكيرا راقيا حميدا. بين النقيضين يتدرج التفكير تصاعديا عبر تفكير سلبي، تفكير عقيم، تفكير ضروري، تفكير إيجابي، وأخيرا تفكير متسام لا يحد تساميه حاجز أو سقف.

لننظر في صنوف التفكير هذه:

أولا، التفكيرالمتدني: وهو ذاك الذي يفتك بصاحبه قبل غيره. هو تفكير خبيث ينهك البدن ويُضني النفس. من عناصره: الحسد، الجشع، الحقد، كراهية الآخر، نزعة الانتقام، الظلم، الغرور… هذه ومثيلاتها من مهلكات التفكير المتدني تعوق مطلقا إمكانية الارتقاء في حال من يبتلى بها بجهالة، ثم لا يعمل على التخلص منها ببصيرة ورشد.

ثانيا، التفكير السلبي: وهو أقل ضررا من التفكير المتدني. إنه التفكير المنطلق من سوء الظن، ينظر منه المرء إلى إلامور بسوداوية قاتمة تجعله شديد الارتياب في كل صغيرة وكبيرة. مثل هذا التفكير يعوق صاحبه عن الانفتاح على الناس وتبادل الاستفادة معهم، كما أنه يفوّت عليه الاستمتاع ببدائع الطبيعة ولطائف الحياة.

ثالثا، التفكير العقيم: وهو التفكير الذي لا طائل منه على مسار النماء المعرفي أو التهذيب الخلقي أو التدبير العملي. إنه إهدار للوقت والطاقة، وتفويت لأداء نشاطات بديلة مجدية كالقراءة الرشيدة أو الرياضة البدنية أو أي عمل آخر مفيد للنفس أو للغير. من أكثر أمثلة التفكير العقيم شيوعا في عصرنا الألعاب الصورية video games التي هي، إلى جانب هدر الوقت والطاقة، أيضا تؤدي إلى الإدمان، ومن ثم إلى إضرار بالبدن جراء تكرار إطالة الجلوس عليها.

رابعا، التفكير الضروري: وهو يكون في مجال الأمور التي يلزم تدبيرها لأجل توفير مختلف الاحتياجات المعيشية وتنظيمها على أوفق وجه. الأمثل هنا الاقتصاد في اقتناء الأشياء، والاعتدال في استهلاك المورد المتاح: بمعنى آخر، الانضباط بمعيار الكفاية كمستلزم أساس. الهدف هنا أن لا يطغى التفكير في إشباع الرغبات، من بعد توفير الاحتياجات، فيعوقَ التوجه نحو التهذيب الخلقي والنماء المعرفي والتدبير العملي.

خامسا، التفكير الإيجابي: وهو نقيض التفكيرالسلبي. إنه التفكير المنطلق من الثقة والانفتاح، بدل الارتياب والانغلاق. إنه يفتح أمام صاحبه فرص التنافع مع الناس حيثما توجد، وفرص الاستمتاع بطيبات الحياة حيثما تتاح. قاعدة التفكير الإيجابي حيال أيما أمر يعرض في مضمار التعامل مع الآخرين هي أن يبني المرء ابتداء على حسن الظن ثم يرصد ليتأكد من سلامة سير الأمور، بدل أن يرتاب مسبقا فيحجم.

سادسا وأخيرا، التفكير الراقي: وهو تفكير رحب رفيع، يعلو على جميع صنوف التفكير. إنه يرتقي بصاحبه إلى وعي أعرض وأصفى لطبيعة الوجود، ولحراك الحياة وتطورالجنس البشري ضمن حراك الحياة. في غضونه يتبلور إدراك الإنسان لثبات السنن الكونية: أنها لا تحابي أو تجافي أحدا، أنها لا تغش أو تغدر، وأنها ليست عرضة لتبدل أو تحول يخرجها عن مساراتها الطبيعية. بخلوها هكذا من أي إغراض سلبي أو إيجابي إزاء أي أحد تبتعث السنن الكونية، بما لها من ثبات وحياد، استقرارا في النفس، فيطمئن المرء إليها، يعمق فهمه لها، ويوائم نهجه مع اقتضاءاتها مواءمةً تخلو من أي اعتراض أو امتعاض، مدركا أنه بدوره ككائن مفكر، متاح له أن يكون طرفا مؤثرا في توجيه مسارات الاقتضاء وفق ما يراه أجدى وأصلح.

هنالك يرى المرء نفسه، من وراء محدودياته البشرية، ومن وراء هوياته الفرعية المكتسبة (وطن، دين، مذهب، عرق، قبيلة، إلخ) كائنا كونيا، موصولا مع عموم ما يوجد من كائنات حياتية أو غير حياتية، ويرى نفسه في إلفة مع الجميع. من تلك الحال هو لا يعادي ولا يعتدي، لا يظلم ولا يلجأ لعنف، لا يتكبر ولا يستأثر بما الناس فيه سواء. من تلك الحال تراه متعاطفا مع كل طموح هادف إلى إنماء الإنسان وإسعاده، متعاونا في كل مجهود يرام به تحقيق خير مشترك. هنالك يمتنع عن العبث أو الإضرار بأي شيء صالح ومفيد في البيئه الطبيعية التي يتشاركها مع أهل جنسه ومع سائر الحيوان. وهنالك يرى السنن الكونية أصدقَ إخبارا عن حقائق الوجود من نصوص أي كتاب أو مقال، لذا يستفيد مما يعرف تحقيقا، ولا يقلق إزاء ما لا يعرف، إذ أن الحيرة تغدو لديه حالة صحية تبتعث الدعة والتواضع، وتحفز على المضي قدما في الاستكشاف والاستنباط،، دونما تحفظ أو تردد. (2)

لماذا أهمية التفكير؟

الأهمية هي من حيث أن من التفكير تتولد المشاعر، فإذا فكر المرء سلبيا أو إيجابيا تجاه شخص ما، أو قضية ما، تكوّن شعوره تجاه ذلك الشخص، أو تلك القضية، على غرار ما فكر. ثم إن من تزاخم المشاعر يتولد منظور نمطي تصطبغ به جل أفعاله، وإذا تكررت منه ذات الأفعال أضحت عادات يأتيها دونما تفكير. أخيرا، من العادات ترتسم شخصية المرء، فينظر إليه من خلال ما يغلب عليه من عادات، حميدة أو ذميمة. إلى جانب ذلك مرئيات المرء حول الأمور عامة تصطبغ بالرؤيا الفكرية التي ينطلق منها ابتداء كأمر أساس. هكذا سريان أثر التفكير حتى مؤداه الأخير في صياغة شخصية المرء ومن ثم تشكيل نظره ونهجه وأدائه في الحياة.

وما هي العوامل التي تؤثر في التفكير ؟

هي إجمالا عوامل ثلاثة:

العامل الأول هو ما يتلقى الناشىء من محيطه الأسري، وفي الأعم من ثقافة قومه، من مفاهيم وقناعات تستقر في ذهنه مبكرا، وفي الغالب تبقى صابغة تفكيره سلبيا أو إيجابيا عبر لاحق مراحل عمره.

العامل الثاني هو ما يتعرض له المرء شخصيا من سلبيات ظروف الحياة وإيجابياتها، فيتأثر تفكيره بغالب ما يتعرض له من أحداث، وبغالب ما يلقى سلبا أو إيجابا في خضم التعامل مع الآخرين.

العامل الثالث هو المنهج الذي ينشأ المرء عليه ويستمر. فإن كان منهجا معرفيا تطور تفكيره وفق صحيح المعرفة المتبلورة بالاجتهاد الإنساني. وإن كان منهجا دينيا تطبع فكره بمعطيات الدين. المعطيات الدينية في جلها، أيا كان الدين، تمتنع على التطوير أو التعديل خارج منطوق النصوص، لأنها تأتي نصياً مغلفة بالقدسية ومعضدة بالوعد والوعيد.

الفكر والتفكير

الفكر، كما أسلفت، مُفرَز ذهني. بتفعيله ترتسم وجهة خبرتنا الحياتية، ارتقاء أو انحدارا على المدرج الإنساني. لقد قيل: كما تفكر تكون وتتصرف. أمام أي منا إمكانية التسامي دون سقف يحد، وإمكانية الانحدار إلى حضيض لا قاع له. صنف حكيم حراك الإنسان في ثلاث: تقدم أو تراجع أو تراوح في المكان، حيث التقدم كسب، والتراجع خسران، والتراوح غبن. حكيم آخر أخبر عن نفسه ونظرائه بالقول: نحن قوم لا نصبح حيث نمسي، ولا نمسي حيث نصبح، منوها بإمكانية حراك ارتقائي مستديم.

بم يكون ارتقاء الفكر ؟

يكون أولا بنبذ التفكير المتدني والتفكير السلبي والتفكير العقيم، والعمل بالتفكير الضروري والتفكير الإيجابي. تزامنا مع ذلك، يكون بسعي حثيث دائب شطر التفكير الراقي ليكون الاستبصار به في جميع أمور الحياة، جميع مناهج التوسع المعرفي، جميع مسالك التهذيب الخلقي.

يكون ثانيا بتحرر الفكر من تأثيرات العادات والتقاليد، وبالأهم بتحرره من مرجعية المعتقدات التي لا سند لها في صحيح المعرفة العلمية المتبلورة طردا بالاجتهاد الإنساني بجهود عالماء لا ينقطعون عن البحث عمقا وعرضا في أسرار الطبيعة: علماء أجلاء من كافة الأمم، جيلا إثر جيل. المعرفة العلمية الصحيحة متاح طلبها فاكتسابها للجميع من معاهدها الثرة. بالمعرفة العلمية ومخرجاتها التطبيقية تدبر وتدار جل أمور هذا العصر عبر العالم.

يكون ثالثا بالعيش وفق مواصفات الحياة الطيبة التي تتمثل على صعيد الواقع المُعاش في البساطة والقناعة والشكر، على الصعيد الخلقي في صميم الارتكاز في الاستقامة والعفة والنبل، على الصعيد الفكري في نماء معرفي مستطرد.

بتحرر الفكر هكذا يتسع الأفق المعرفي فيرى المرء كل أرث الإنسانية إرثه، فيغترف من روافده الوفيرة المتنوعة كل مفيد ونفيس. إنه يرى نفسه كائنا واعيا: وليدَ الأرض، إنساني الماهية، ومن وراء ذلك كائنا كونيا في وحدة وتواؤم مع الكون وسننه وسياقاته. بذلك، وبتدرج دائب منضبط، تراه يسمو في تفكيره نحو مشارف الحكمة المتعالية التي أنبأ عنها الحكماء وتحدثوا عن فضاءاتها الصافية الرحبة، تلك التي لا يطالها دنس ولا تعتريها سلبية من أي نوع. بتعبير آخر، إنه يتسامى نحو الحياة الطيبة. (3)

خلاصة نظري، إذن – وبهذا أختم – أن لا يبخس أحد قدر نفسه إنسانيا، أن لا يتراجع ولا يبقى متراوحا في مكانه، عبر حياة محدودة الأجل، تدعوه في كل لحظة إلى أن يصحو على حقيقته الكونية كإنسان، فيرتقي بفكره، واثقا أن الارتقاء ممكن له، وأنه ارتقاء لا يحده سقف. إلى ذلك تشير أبيات ثلاثة مشهورة، هي عند البعض تنسب إلى الإمام علي، وسواء أصح التنسيب أو لم يصح، فالعبرة تبقي فيما هي تنطوي عليه من تنبيه للأنسان وحث له على الإفاقة على نفسه وعلى فرصة الارتقاء المتاحة أمامه شطر حياة طيبة وفيرةالعطاء، مفتوحة النماء.

الأبيات هي:

دواؤك فيك و ما تشعر *** وداؤك منك وما تبصر

وأنت الكتاب المبين الذي *** بآياته يظهر المضمر

أتحسب أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر

فهمي لهذه الأبيات أن العالم الأكبر هو الكون بأسره، وأن انطواء الكون في الإنسان يكون بمعيار تحرر الإنسان فكرا، فتوسعه معرفة، فتساميه في مكارم الأخلاق … ذلك أن على مرتقى التحرر الفكري والتوسع المعرفي والتهذيب الخلقي سرعان ما تلوح معالم الحياة الطيبة التي في فضاءاتها النقية الرحبة يتحقق في الإنسان خير ما أودع في الإنسان أصلا ككائن كريم (4)

 

الهوامش:

——————-

(1) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. (القرآن: سورة النحل، الآية 97)

(2) عناصر التفكير الراقي المؤدي إلى تحقق الحياة الطيبة تتلخص لدي في السبعة التالية:

  • الطهارة الذهنية بالنبذ مطلقا للتفكير الخبيث والتفكير السلبي والتفكير العقيم
  • بساطة العيش بمعيار الكفاية
  • النماء المعرفي والتهذيب الخلقي بترادف وتلازم
  • التثبت في الماهية الإنسانية كأمر أساس
  • التواؤم مع الاقتضاءات الطبيعية، مع رصدها وتصويبها حيثما يلزم
  • الانفتاح على الإرث الإنساني الفكري والمعرفي لجميع الأمم، دونما تحفظ
  • القناعة والشكر كحال وجداني مستدام

(3) مصطلح “الحكمة المتعالية” نشأ عند ابن سينا (القرن الحادي عشر)، أسس عليه لاحقا صدر الدين الشيرازي (القرن السابع عشر) مدرسة فلسفية إسلامية قوامها نظرية “أصالة الوجود واعتبارية الماهية”. لاحقا (القرن العشرين) طور جين بول سارتر على غرار المفهوم ذاته، لكن بمعزل عن المنظور الديني، نظريته الوجودية: الوجود سابق على الماهيةexistence precedes essence، ومؤداها أن الإنسان، من خلال اختبارات الحياة، بذاته يشخص ماهيته، يحدد هوياته، يصوغ مبادئه وقيمه، ويصنع شرائعه. بتعبير آخر: لولا الوجود (الحياة) أولا، لما كانت تاليا ماهية، أو هويات، أو مبادئ وقيم، أو شرائع.

(4) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا. (القرآن: سورة الإسراء، الآية 70)

محاضرة بمركز الحوار العربي بواشنطن، الولايات المتحدة

27 مايو 2018