القاعدة الذهبيّة (أحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك) ودورها في فقه العلاقة مع الأقليّات والآخر الديني

ـ مطالعة أوّليّة ـ

حيدر حبّ الله ([1])

تمهيد في توضيح إجماليّ للقاعدة الذهبيّة

تعتبر القاعدة الذهبيّة (Golden Rule) الأخلاقيّة، واحدة من قواعد العلاقات مع الآخرين عموماً في الفلسفة الأخلاقيّة، وفي الأديان.

ويرى المحلّلون لهذه القاعدة أنّها من القواعد الأوسع انتشاراً في التعاليم الأخلاقيّة في العالم والأكثر قِدَماً، وأنّ حضارات وشعوب ما بين النهرين قد عرفت هذه القاعدة، وكذلك شعوب الصين القديمة، والديانة البوذيّة والكونفوشيوسيّة والزرادشتيّة، فضلاً عن الأديان الإبراهيميّة، بشكل لعلّه مساوٍ لفهمها في الحضارات الحديثة. كما تحدّث عنها فلاسفة اليونان([2]). وقد تمّ إعلانها رسميّاً في برلمان أديان العالم ضمن إعلان (نحو أخلاق عالميّة) عام 1993م.

وتصاغ هذه القاعدة بصياغات متعدّدة، تبعاً للأعراف والثقافات واللغات والأديان، لكنّ واحدة من صيغها المعروفة: «أحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها» أو «ما تقبله لنفسك فاقبله لغيرك، وما لا تقبله لها لا تقبله له» أو «تعامل مع الآخرين بالطريقة التي لو كنت أنت مكانهم لأحببت أن يتعاملوا معك بها».

هذه الصيغة يطلق عليها اسم القاعدة الذهبيّة، وهي تحمل جملتين عادةً، يمكن القول بأنّها في الأولى منهما ذات جانب إيجابي (المحبّة/القبول) وفي الثانية ذات جانب سلبيّ (الكره/عدم القبول)، ورغم أنّ إطلاق كلمة القاعدة الذهبيّة يعني مجموع الجملتين، لكنّه في بعض الأحيان قد يتمّ التفكيك بينهما بالقول بأنّ لدينا قاعدةً ذهبيّة هي الجانب الإيجابي من القاعدة فيما الجانب السلبي يطلق عليه اسم: القاعدة الفضيّة (Silver Rule).

وهذا التوصيف لهذه الجملة بصفة القاعدة الذهبيّة توصيف بدأ في اللغة الانجليزيّة، ويرجع ـ على الأرجح ـ لبدايات القرن السابع عشر الميلادي، خاصّة في وسط بعض رجال الدين المسيحيّين، في إشارة لتفوّق هذه القاعدة على سائر القواعد الأخلاقيّة([3])، وقد تمّت ترجمته للغات العالم بهذا التعبير عقب الحرب العالميّة الأولى، وهي من القواعد الأخلاقيّة التي لا تحمل في داخلها أيّ توجيه لفعل محدّد أو ترك محدّد، فهي لا تقول لنا: افعل الصدق أو اترك الكذب، أو أنّ هذا الفعل بعينه مع الآخرين مرفوض، أمّا ذاك فمقبول، بل بدل ذلك تقوم القاعدة الذهبيّة بتوجيهنا لمعادلةٍ، وعلينا نحن أن نملأ هذه المعادلة، فهي تعتمد على الجانب الذاتي الباطني للإنسان فيما يرغب أو يحبّ، وتوجّهه نحو أن يجعل تلك الأشياء التي يحبّها لنفسه يعمل على محبّتها للآخرين.

وهذا الأمر مبنيّ قهراً على افتراض مسبق وهو أنّ الآخر يحبّ لنفسه ما أنا أحبّ لنفسي، وكأنّ ذاتي وذات الآخر متشابهة تماماً، فإذا أحببتُ أنا شيئاً لنفسي فإنّ الوضع الطبيعي أن يحبّ الآخرُ ذلك الشيء الذي أنا أحببتُه، ومن ثم فأنا أحبّ له ذلك.

وهذا يعني أنّ هذه القاعدة لا ترسم لنا سوى إطار لخطّة عمل لإدارة العلاقة بين الذات والآخر، مفترضةً مسبقاً أنّ الذات لا تريد لنفسها إلا الخير، وأنّها ترفض الشرّ لنفسها، فهذا الأصل الموضوع يمثل بنيةً تحتيّة لهذه القاعدة، ومن هنا لا تعني هذه القاعدة تبرير السلوك الأخلاقي السيء في نقله للآخرين؛ لأنّ تفسيراً مغلوطاً لها يمكنه أن يورّطنا في مشكلة، وهي أنّه ماذا لو أحبّ الإنسان لنفسه أمراً مضرّاً لها أو غير أخلاقي بذاته، فهل نوجّهه كي يحبّ لغيره مثل هذا الأمر؟ وماذا لو أحبّ لنفسه الانتحار معتبراً أنّ الحياة لا يمكن أن نثبت أنّ لها معنى؟ فهل ندعوه بالقاعدة الذهبيّة لكي يحبّ ذلك للآخرين؟ إذا كان الأمر كذلك سوف تغدو القاعدة تبريراً لنشر الرذيلة من حيّز الذات إلى حيّز الآخرين، فكيف يُعقل أن تكون قاعدةً ذهبيّة، بل وأخلاقيّة في الوقت عينه؟!

بل من جهة أخرى تواجه القاعدة إشكاليّة عدم احترام الفوارق في الرغبات بين البشر، فقد أحبّ شيئاً لنفسي يكرهه الآخر لنفسه، والعكس صحيح، فالعمل بالقاعدة الذهبيّة سوف يلحق بنا ضرراً في هذه الحال.

وسوف نعالج هذه التساؤلات عقب فهم روح القاعدة من النصوص الدينيّة، وستكون لنا وقفة مع هذه المناقشات.

الأشكال التفسيريّة المحتملة للقاعدة

الشكل المحتمل لتفسير القاعدة يمكن أن يُطرح على صيغتين:

أ ـ إنّ ما تحبّه لنفسك بصرف النظر عن تقديمه من قبل الآخرين لك، أحببه للآخرين.

ب ـ إنّ ما تحبّه من الآخرين تجاهك فأحببه لهم من قبلك.

الصورة الأولى تعتبر أنّ هذه القاعدة لها علاقة بمحبّة ما تحبّ أنت لنفسك حتى بدون علاقة ثنائية بينك وبين الآخرين، فأنت تحبّ لنفسك أن تصبح عالماً، فاحبب لغيرك أن يصبح كذلك، أمّا في الصورة الثانية فإنّ القاعدة تتحدّث مباشرةً وحصريّاً عن علاقتك بالآخرين، أي بالسلوك الذي تحبّ أن يسلكه الآخرون تجاهك، فإذا أحببتَ منهم أن يعينوك في حال الشدّة والفقر، فأعنهم أنت في تلك الحال لو واجهوها.

الهدف من البحث والفرضيّات

والهدف من دراستنا لهذه القاعدة هنا أنّنا نريد أن نستخرج منها واحداً من مؤشرات الدين في التعامل مع الآخر، بمن فيه الآخر الديني، الأمر الذي يفتح بقوّة على قضايا الأقليّات وحقوقها، ونهج التعامل معها.

والفرضيّة التي ننطلق منها هنا تقوم على:

أ ـ إنّ جملةً من القواعد الأخلاقيّة في الأديان السماويّة عامّة، والإسلام بصفة خاصّة، غير مقيّدة بحالة الانتماء الديني الخاصّ، ومن ثم فهي تصلح للتوجيه الأخلاقي في العلاقة مع مطلق الآخر.

ب ـ إنّ هذه القواعد الأخلاقيّة ليست مطلقة غير قابلة للتقييد، نتيجة تواشجها مع قواعد أخر، ومن ثمّ فيمكن التوفيق بينها وبين سائر القواعد والنصوص والأحكام، في الوقت الذي نحافظ فيه على وجودها، فلا يكون تقييدها هنا أو هناك موجباً لغيبوبتها عن الفكر العملي السلوكي في الإسلام بما يتصل بالفقه والأخلاق.

ج ـ إنّ هذه القواعد قد لا تكون قواعد إلزاميّة وصارمة، بل هي بالنسبة إلينا مؤشرات تفتح الطريق على سلوكٍ دون آخر، ومن ثمّ فالباحث عندما لا يجد نقيضاً لهذه القاعدة في النصوص هنا أو هناك يصلح للتقييد أو التخصيص، فإنّه لا يبقى مع أصالة البراءة مثلاً، بل يرجع لهذه القواعد الأخلاقيّة بوصفها موجّهةً للسلوك في التعامل مع الآخر، وهذا امتياز مهمّ.

د ـ إنّ هذا كلّه يعني أنّ غيبوبة القواعد الأخلاقيّة عن التأصيل الفقهي، ليس له تبرير معقول من وجهة نظرنا المتواضعة.

أكتفي بهذا القدر من التمهيد العام حول فكرة القاعدة الذهبيّة، لأنتقل إلى استنطاق النصوص الدينيّة المسيحيّة والإسلاميّة فقط؛ لأنّني لا اُريد دراستها من زاوية الأديان والفلسفات الأخلاقيّة جميعاً بقدر ما اُريد الخوض فيها من الزاوية الإسلاميّة، مع مقارنة عامّة بالنصوص الدينية المسيحيّة، وذلك على الشكل الآتي.

المسيحّية والقاعدة الذهبيّة، إطلالة سريعة

لنبدأ من العهد القديم تمهيداً لتناول الموضوع، فقد أشارت بعضُ النصوص إشارةً لهذه القاعدة، مثل: (وَلاَ تَضْطَهِدِ الْغَرِيبَ وَلاَ تُضَايِقْهُ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ لاَ تُسِيءْ إِلَى أَرْمَلَةٍ مَا وَلاَ يَتِيمٍ إِنْ أَسَأْتَ إِلَيْهِ فَإِنِّي إِنْ صَرَخَ إِلَيَّ أَسْمَعُ صُرَاخَهُ فَيَحْمَى غَضَبِي وَأَقْتُلُكُمْ بِالسَّيْفِ فَتَصِيرُ نِسَاؤُكُمْ أَرَامِلَ وَأَوْلاَدُكُمْ يَتَامَى)([4]).

وفي موضعٍ آخر يقول: (وَلاَ تُضَايِقِ الْغَرِيبَ فَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ نَفْسَ الْغَرِيبِ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ)([5]).

يوقع هذا النصّ مقارنة خفيّة بعضَ الشيء تحمل ذهنيّة القاعدة الذهبيّة، فهو ينطلق من ما يريده الإنسان لنفسه، لكي يفرض على هذا الإنسان ما يُشبهه تجاه الآخرين، فأنتم كنتم غرباء ولهذا لا تضايقوا الغريب، إذ عندما كنتم غرباء لم تكونوا تريدون أن يضايقكم أحد ورفضتم ذلك وكرهتموه، فلا تفعلوا مثل ذلك بغيركم.

والمقطع الثاني يقارب الموضوع بالعكس، حيث يقول بأنّكم عندما تهينون الأرامل واليتامى يستصرخوني، فأجعل مجتمعكم أراملَ ويتامى، فكأنّه يخاطب عقلهم الباطن القائم على القاعدة الذهبيّة، فيقول: لأنّكم لا تريدون أن تصبحوا أرامل ويتامى، فلا تفعلوا بالأرامل واليتامى ما لا يحبّون، حتى لا تكونوا مثلهم، فتتعرّضون لما تعرّضوهم أنتم إليه.

إذن، فالتحليل يوصلنا إلى أنّ بناء هذه التوجيهات الأخلاقيّة قام على القاعدة الذهبيّة، ولكنّ الفكرة ليست واضحة جداً في صراحة النصّ التوراتي، بل هي منتزعة انتزاعاً منه، والمهم الآخر في الموضوع أنّ النصّ لا يتكلّم عن انتماء الغريب ودينه ومذهبه وجنسه وقوميّته، بل بتعامل مع الموضوع بطريقة عامّة إنسانيّة، وهذا أمر مهمّ بالنسبة إلينا.

ولو انتقلنا من العهد القديم إلى العهد الجديد، فسوف نجد القاعدة الذهبيّة حاضرة بوضوح أكبر، ففي إنجيل متّى جاء: (فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ لأَنَّ هَذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ)([6])، وفي إنجيل لوقا جاء: (وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ هَكَذَا وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ)([7]).

النصّ هنا واضح جداً ويحظى بكليّة، ولا يتكلّم عن الغريب أو الأرامل واليتامى فحسب، بل يعطي قاعدة عامّة تمثل الجانب الإيجابي من القاعدة الذهبيّة، وآية إنجيل لوقا تمتاز بضمّ قاعدة المحبّة، حيث تعتبر أنّ محبة من يحبّك ليس امتيازاً؛ إذ كلّ الناس ـ بمن فيهم المذنب والفاسق ـ يحبّون من يحبّهم، إنّما تحدّي قاعدة المحبّة في أن تحبّ ذلك الذي لا يحبّك، ومن هنا فتلاحم القاعدة الذهبيّة في إنجيل لوقا مع قاعدة المحبّة، يمنحنا دلالات واسعة وعميقة، تستطيع أن تُفهمنا أنّ العلاقة مع الآخر يمكن أن تكون قائمةً على هذين الأساسين، وأنّ أيّ استثناء فلابدّ له من مبرّر أخلاقي وديني.

معنى هذا النصّ أنّ قاعدة المحبّة في النصّ الإنجيلي تتخطّى قاعدة المعاملة بالمثل، بل وكأنّما ترفضها؛ إذ تعتبر أنّ قاعدة العمل بالمثل يقوم بها كلّ الناس، بينما المطلوب ممارسة قاعدة المحبّة، ولذا لو قرأنا السياق الكامل لآية إنجيل لوقا، سنجد وضوحاً في هذه الفكرة، حيث يقول: «لَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضاً وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ هَكَذَا وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يُقْرِضُونَ الْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ الْمِثْلَ بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئاً فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً وَتَكُونُوا بَنِي الْعَلِيِّ فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ وَلاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ أَعْطُوا تُعْطَوْا كَيْلاً جَيِّداً مُلَبَّداً مَهْزُوزاً فَائِضاً يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ»([8]).

بهذا يمكننا أن نستنتج أنّ مبدأ القاعدة الذهبيّة حاضرٌ في النصّ المقدّس عند المسيحيّين، بأجلى من حضوره في النصّ اليهودي، وهنا علينا التأمّل الآن في النصّ الإسلامي، فهل يمكن الخروج بالقاعدة الذهبيّة من هذا النصّ أو لا؟

القاعدة الذهبيّة في النصّ المقدّس الإسلامي

إذا أردنا إلقاء نظرة على النصوص الإسلاميّة في موضوع هذه القاعدة، فيمكننا الحديث عن مرجعيّتين:

أوّلاً: المرجعيّة القرآنيّة

في هذه المرجعيّة تواجهنا مجموعة من الآيات القرآنيّة التي يتوقّع أن تكون لها صلة بالقاعدة ومضمونها، وأهمّ هذه النصوص هو الآتي:

1 ـ مطلع سورة المطفّفين، حيث قال تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) (المطفّفين: 1 ـ 4).

فهذه الآيات تؤكّد القاعدة الذهبيّة؛ لأنّها تُثبت أنّ على الإنسان أن يوازن بين ما يأخذ ويريد لنفسه وما يستحقّه الآخرون منه ويعطيهم إيّاه([9])، من هنا يقول المفسّر الطباطبائي: «فمضمون الآيتين جميعاً ذمٌّ واحد، وهو أنّهم يراعون الحقّ لأنفسهم ولا يراعونه لغيرهم. وبعبارة أخرى: لا يراعون لغيرهم من الحقّ مثل ما يراعونه لأنفسهم، وفيه إفساد الاجتماع الإنساني المبنيّ على تعادل الحقوق المتقابلة. وفي إفساده كلّ الفساد»([10]).

إنّ الاستناد إلى هذا المقطع القرآني يتطلّب التخلّي عن خصوصيّة الحالة والسياق الذي جاء فيه؛ وهو سياق المعاملات الماليّة، وهو تخلٍّ معقول، لا لأنّ هذا السياق لا قيمة له، بل لأنّ الشيء الذي نريد استنباطه هنا ليس هو الحكم المذكور في النصّ، بل هو الفكرة التي يقوم الحكم في معقوليّته عليها، وهي فكرة القاعدة الذهبيّة، فلولا أنّ هذه القاعدة موجودة مسبقاً ومعترف بها، لما تمّ إطلاق التنديد بهذه الطريقة، وإلا فما هي المشكلة في أن يكون الإنسان مطفّفاً في المعاملات المالية في الوقت الذي يطالب بحقه كاملاً فيها أيضاً؟! إنّ إطلاق الآيات هذا التنديد يشير إلى وضوح الفكرة التي يقوم التنديد عليها في أذهان المخاطبين جميعاً، وليس من فكرة يمكن أن يقوم هذا الوضوح عليها سوى فكرة القاعدة الذهبيّة؛ لأنّنا لا نلمس تمييزاً في نظر العقل والعقلاء بين الماليات وغيرها، ففي سائر أمور الحياة لا تختلف القضيّة عن هذا المسار.

وقد حاول السيّد الخوئي توسعة مجال هذا المقطع من المكيل والموزون إلى الذي يُباع بالعدد والذراع فقال: «إنّ التطفيف والبخس مطلق التقليل والنقص على سبيل الخيانة والظلم في إيفاء الحقّ واستيفائه، وعليه فذكر الكيل والوزن في الآية وغيرها، إنّما هو من جهة الغلبة، فلا وجه لإخراج النقص في العدد والذرع عن البخس والتطفيف موضوعاً وإلحاقهما بهما حكماً»([11]). وإذا صحّت هذه التوسعة فلا فرق حينئذٍ بين الأمور الماليّة وغيرها؛ لأنّ الخاصية واحدة في الكلّ، وبهذا يتوسّع مفهوم التطفيف من دائرة العلاقات الاقتصاديّة إلى مجال الحياة السياسيّة والاجتماعيّة وكلّ المجالات([12]).

لكنّ الاستدلال بهذا المقطع القرآني على القاعدة الذهبيّة يبدو لي يعاني من مشكلة، وهي أنّ نصوص التطفيف والبخس في المكيال والميزان، تقوم بشكلٍ مسبق على فرضيّة وضوح أنّ الطرف الآخر له حقّ، ومن ثمّ فبعد ثبوت حقٍّ له لا يجوز التعامل معه بالتمييز بين حقّك وحقّه، ما دام الحقّان يرجعان إلى أمرٍ واحد، وهذا يعني أنّ نصوص التطفيف لا تُثبت الحقّ في مورد التطفيف، بل تفترضه، وتعتبره أمراً واضحاً، فلكي نُثبت القاعدة الذهبيّة في هذه النصوص لابدّ مسبقاً من إثبات أنّ كلّ أفراد البشر متساوون في الحقوق، حتى نجري قانون التطفيف بعرضه العريض، خارجاً عن مجال المعاملات الماليّة، وحيث إنّ نصوص التطفيف لا تنظر لطبيعة الحقوق غير الماليّة، لهذا يصعب أن نأخذ منها قاعدةً لتأصيل حقوق متساوية كما هو مفاد القاعدة الذهبيّة، ولهذا لا أجده مقنعاً أن يقال بأنّ القاعدة الذهبيّة تقوم عليها نصوص التطفيف في القرآن، بل هذه النصوص تقوم على القاعدة الذهبيّة في حال ثبوت حقّ للطرف الآخر، وهي لا تثبت هذه الحقوق إلا في المعاملات الماليّة على أبعد تقدير.

وبتعبير آخر: إنّ كلمتَي: الاستيفاء والإخسار، الواردتين في الآيات تفيد ثبوت حقّ مسبق للطرف الآخر يجري بخسه، وما نريده نحن بالقاعدة الذهبيّة هو إنشاء حقوق للآخرين بها، وليس إثبات المساواة بينهم في حقٍّ ثبت لهم من قَبل بدليلٍ أو مبرّر ديني أو أخلاقي مسبق.

لكن رغم هذا، يمكننا أن نعتبر نصوص التطفيف ـ خاصّة في ضوء عدم تقيّدها بحال انتماء الطرف الآخر لدينٍ أو مذهبٍ معيّن ـ بمثابة شاهد يؤكّد القاعدة، ولو في الجملة ومن حيث المبدأ، حتى لو لم نتمكّن من الإثبات الشمولي لها؛ لأنّ نفس إبدائها المفارقة السلوكيّة بين الأخذ والعطاء، مرجعه إلى روح القاعدة الذهبيّة التي تفرض المساواة السلوكيّة بينهما.

2 ـ نهاية سورة الضحى، حيث يقول سبحانه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى: 6 ـ 11).

هذا المقطع يرتّب نتائج وأوامر على وقائع، فالوقائع هي أنّ النبي كان يتيماً فآواه الله وضالاً فهداه وفقيراً فأغناه، والنتائج والأوامر هي: مراعاة حال اليتيم، ومراعاة حال الفقير والمسكين، والتحدّث بنعمة الله. ولو ربطنا بين الوقائع والنتائج (التوصيات)، لرأينا روح القاعدة الذهبيّة، بنفس طريقة تطبيقها على مراعاة حال الغريب في النصّ التوراتي المتقدّم، خاصّة مع عمليّة الربط بحرف الفاء في قوله: (فأمّا اليتيم).

ولهذا نجد منطقيّاً ما طرحه العلامة الطباطبائي في تفسير هذا المقطع، حين قال: «والآيات الثلاث متفرّعة على الآيات الثلاث التي تسبقها وتذكر نعمه تعالى عليه كأنّه قيل: فقد وجدت ما يجده اليتيم من ذلّة اليتيم وانكساره فلا تقهر اليتيم باستذلاله في نفسه أو ماله، ووجدت مرارة حاجة الضالّ إلى الهدى والعائل إلى الغنى فلا تزجر سائلاً يسألك رفع حاجته إلى هدى أو معاش، ووجدت أنّ ما عندك نعمة أنعمها عليك ربّك بجوده وكرمه ورحمته فاشكر نعمته بالتحديث بها ولا تسترها»([13]).

ولا نجد مقاربة الطبرسي لحرف الفاء هنا سلسلةً وعرفيّة، حين قال: «فأمّا اليتيم فلا تقهر، تقديره فمهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم. ثم أقيم أمّا مقام الشرط، فحصل أمّا فلا تقهر اليتيم، ثم قدّم المفعول على الفاء، كراهة لأن تكون الفاء التي من شأنها أن تكون متبعة شيئاً فشيئاً في أوّل الكلام، وإن كثر تجتمع في اللفظ مع أمّا، فتكون على خلاف أصول كلامهم..»([14]).

وعليه، فنصوص سورة الضحى وإن لم تكن كليّةً وواضحة، بل منتزعة انتزاعاً كما رأينا مع النصّ التوراتي، بيد أنّها منطقيّة وقريبة لتعزيز حضور القاعدة الذهبيّة في النصّ الإسلامي، خاصّة في ضوء عدم وجود أيّ تقييد في النصّ بخصوصيّة الطرف الآخر من حيث الانتماء الديني أو العرقي أو القومي أو المذهبي أو غير ذلك.

لكنّ ثمّة احتمال تفسيري يمكنني طرحه هنا، يعيق استنتاج القاعدة الذهبيّة، وهو أن يكون التفريع بالفاء راجعاً إلى نوعٍ من الشكر لله سبحانه، فالآيات ذكّرت النبيّ بالنعم التي أنعم الله بها عليه، ثم طلبت منه سلسلة من الأمور، فكأنّها تريد أن تقول له: لقد فعلنا معك كذا وكذا من نعمةٍ وخير، فاشكر الله وافعل أنت مع الآخرين ذلك، فليس التفريع قائماً بالضرورة على القاعدة الذهبيّة، بل قد يقوم على الشكر، وما دام الاحتمال مفتوحاً فلا يمكن استنتاج أنّ جوهر العلاقة بين الآيات الثلاث الأولى والآيات الثلاث اللاحقة قائمٌ على القاعدة الذهبيّة.

لكنّ هذا الاحتمال التفسيري ربما يبدو مرجوحاً؛ لأنّ فكرة حُسن الخلق مع اليتيم والفقير والجاهل ليست مربوطة في الأخلاق الدينيّة بحصولنا على المال ورفع الفقر أو اليتم فينا، بل لها طابع كليّ، فليس لأنّ الله آواني حال يُتمي فأنا أفعل ذلك مع اليتامى، بل لأنّ فعله معي في تلك الحال يفرض وعياً عندي بأنّ السلوك المفترض مع اليتامى والفقراء هو هذا، تماماً كما كانت الحال عندما استنطقنا النصّ التوراتي حول الغربة في أرض مصر.

3 ـ آية الإنفاق، وهي قوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة: 267).

فهذه الآية تقوم على القاعدة الذهبيّة؛ لأنّها تطالب المؤمنين بأن ينفقوا مما كسبوا وأخرج الله لهم من الأرض، وتقول لهم: لا تيمّموا، أي لا تطلبوا فيما تنفقون، النوعَ الرديء من أموالكم، تخرجونه وتتركون الطيّب الخالص لكم، والحال أنّكم لا تأخذون من الآخرين هذا النوع إلا بالغمز أو إلا بالتساهل، فكيف لا ترضون لأنفسكم أن تأخذوا رديء المال لو أعطاكم الآخرون إيّاه، ثم ترضون أن تعطوا رديئه في الإنفاق؟!

إنّ نفس هذه المؤاخذة والعتاب لا يُفهمان إلا في سياق القاعدة الذهبيّة وروحها، والتي تقول: إنّ عليك أن تتعامل مع الآخرين من المنطلق الذي تحبّ أن يتعاملوا هم معك فيه، وتركيزُ النص هنا على الجانب السلبي من القاعدة (=القاعدة الفضيّة) واضحٌ.

هذا وتذكّرنا هذه الآية هنا بآية أخرى كأنّها تُلمح لشيء فيها، دون أن تكون دالّةً على القاعدة الذهبيّة، وهي قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ..) (المائدة: 89)، فإنّ التعبير بـ(أوسط ما تطعمون أهليكم) كأنّه يشي بأنّ ما تريد دفعه للآخرين، عليه أن يكون موازياً في الاعتبار والقيمة مع الذي تنفقه أنت على أهلك وأسرتك.

4 ـ آية العفو والصفح، حيث قال تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: 22).

فقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى دلالة هذه الآية على القاعدة الذهبيّة من خلال أنّها تخاطب الإنسان: ألستَ تحب أن يغفر الله لك؟ إذاً فاغفر لغيرك واعف عنه واصفح([15])، وهذا ليس إلا روح القاعدة الذهبيّة التي باتت تمثل الكبرى في القياس حسب تعبير المنطقيّين.

وقد رفض باحثون آخرون هذا التفسير للآية بتوضيح لا يبدو لي مفهوماً([16])، لكنّني أعتقد ـ ولعلّه هو مراد الناقد ـ بأنّ هذه الآية لا علاقة لها بالقاعدة الذهبيّة؛ لأنّها تحتمل معنى آخر منفصل تماماً عن مناخ القاعدة، وذلك أنّ الآية تقول: اعفوا واصفحوا، فإنّ الله يغفر للعافين، فالجملة الأخيرة ليست للحضّ والتبرير من موقع ما أنتم تحبّون أن يَفعل الله بكم، بل من موقع أنّ الله يغفر لكم لو عفوتم عن الآخرين، فهناك فرق بين أن نقول: اعفُ عن غيرك كما تحب أن يعفو الله عنك، وبين أن نقول: اعفُ عن غيرك فإنّ الله سيغفر لك إن عفوت عن الآخرين، ألا تحبّ أن يغفر الله لك؟ والصيغة الثانية لا تفيد القاعدة الذهبيّة، كما هو واضح.

5 ـ آية جزاء الإحسان، وهي قوله تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن: 60)، حيث اعتبر بعض الباحثين أنّها تدلّ على عمق وجدانيّة القاعدة بحيث بُني النصّ عليها([17])، بينما خالف آخرون ـ وهو الصحيح ـ فاعتبروا أنّ الآية دالّة على مبدأ المقابلة بالمثل في مجال الخير، لا على القاعدة الذهبيّة([18])، واللافت أنّ المستدلّ بهذه الآية هنا يميّز بنفسه في موضع لاحقّ وبوضوح بين القاعدة الذهبيّة وقاعدة المعاملة بالمثل، داعياً لعدم الخلط بينهما([19]).

6 ـ آية الذريّة، وهي قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء: 9).

فهذه الآية ـ وفقاً لما ذهب إليه بعضُ الباحثين ـ تؤكّد القاعدة الذهبيّة([20])، وهي في هذا التأكيد مبنية على بعض تفاسيرها، من نوع ما ذكره الطبرسي حين قال: «إنّ الأمر في الآية لوليّ مال اليتيم، يأمره بأداء الأمانة فيه، والقيام بحفظه، كما لو خاف على مخلفيه إذا كانوا ضعافاً، وأحبّ أن يفعل بهم، عن ابن عباس أيضاً، فيكون معناه: من كان في حجره يتيم، فليفعل به ما يحبّ أن يفعل بذريّته من بعده، وإلى هذا المعنى يؤول ما روي عن موسى بن جعفر قال: إنّ الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين ثنتين أما إحداهما: فعقوبة الدنيا قوله: (وليخش الذين لو تركوا) الآية، قال: يعني بذلك ليخش أن أخلفه في ذريّته كما صنع بهؤلاء اليتامى..»([21]).

غير أنّ فهم القاعدة من الآية نفسها، بصرف النظر عن الروايات، لا يبدو سهلاً؛ لأنّها لا تقحم بنفسها موضوع المقارنة بين اليتيم والابن.

7 ـ آية إلقاء السلام، حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء: 94).

إنّ هذه الآية تقوم أيضاً، وفقاً لبعض تفاسيرها، على فكرة القاعدة الذهبيّة؛ لأنّها تقول للمؤمنين بأنّكم في بداية إيمانكم كنتم آمنتم بأفواهكم وليس بقلوبكم، فحقنتم بذلك دمكم، فلماذا تقتلون من يلقي إليكم السلام وتتهمونه بأنّه ليس بمؤمن؟!([22])، وهذا يعني أنّ الفكرة قائمة على المقارنة بين الذات والآخر.

وهذا الفهم مبنيٌّ على إرجاع جملة (كنتم من قبل) إلى الجملة الأسبق، مع أنّه من المحتمل جدّاً أن ترجع إلى الجملة السابقة، وهي إنّكم كنتم تريدون عرض الدنيا وتطلبونه قبل مجيء الإسلام، والله تعالى أنقذكم من هذا، فلا تعودوا إليه، وهذا ما ذهب إليه بعضٌ آخر من المفسّرين([23]).

هذا، وثمّة آيات عديدة أخرى حاول بعض الباحثين استحضارها هنا، لكنّها واضحة في نظري في التكلّف، فلا حاجة لإطالة الكلام فيها، فلتراجع([24]).

وبهذا نستنتج أنّ روح القاعدة الذهبيّة موجودة بدرجةٍ ما في البناء الأخلاقي في النصّ القرآني، وأنّها في النصوص 1 ـ 2 ـ 4 ـ 5، تكشف عن الجانب الإيجابي من القاعدة، بينما في النصوص 3 ـ 6 ـ 7، تكشف عن الجانب السلبي، وحيث إنّ عمدة الآيات التي نجد القاعدة الذهبيّة متجليّةً فيها هي الآيات: 2 ـ 3، يليها الآية الأولى حول التطفيف، فهذا يعني أنّ القاعدة الذهبية بشقّيها الإيجابي والسلبي كانت حاضرة بين سطور النصّ القرآني.

ثانياً: المرجعيّة الحديثيّة

على غرار النصّ القرآني، ثمّة العديد من نصوص السنّة الشريفة المحكية في مصادر الحديث عند المسلمين، يمكنها أن تتصل بالقاعدة الذهبيّة، ونحن نذكر بعضها باختصار:

الحديث الأوّل: وصيّة الإمام علي× لولده الحسن، وهي من أهمّ النصوص هنا وأوضحها دلالةً، وقد جاء فيها: «يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، واكْرَه لَه مَا تَكْرَه لَهَا، ولَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، واسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُه مِنْ غَيْرِكَ، وارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاه لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، ولَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، ولَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ»([25]).

والدلالة واضحة للغاية والنص عامّ لا يختصّ بالعلاقات بين المؤمنين، بل المعيار فيها واضح جداً، وثبوت وجود هذا المقطع في طريقٍ أو سندٍ معتبر يبدو صعباً، لكنّها تصلح للتأييد.

الحديث الثاني: ما ورد عن أمير المؤمنين×، أنّه قال: «كَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُه مِنْ غَيْرِكَ»([26])، وفي كنز الفوائد للكراجكي جاء: «كفى بك أدباً لنفسك ما كرهته لغيرك»([27])، وفي كافي الكليني جاء: «وكفاك أدباً لنفسك (اجتناب) ما تكرهه لغيرك»([28]).

والرواية يصعب إثباتها من حيث معايير الصنعة الحديثيّة والرجاليّة؛ لافتقادها لسندٍ معتبر، بما في ذلك سند الكليني في روضة الكافي الضعيف بعمرو بن شمر الكذاب، لكنّ العلامة المجلسي قال ـ بعد توصيف الخبر بالضعيف ـ: «لكنّ هذه الأخبار قوّة مبانيه(ا) ورفعة معانيها تشهد بصحّتها، ولا تحتاج إلى سندٍ، مع أنّ هذه الخطبة من الخطب المشهورة عنه صلوات الله عليه»([29]).

وبصرف النظر عن موضوع الإثبات الصدوري لهذا الحديث، وكلام المجلسي غير مقنع وغير كافٍ، ثمّة مشكلة في الدلالة؛ وذلك أنّ هذا الحديث يمكن أن ينفع القاعدة الذهبيّة في صيغته الأولى فقط على أبعد تقدير؛ لأنّه في الصيغة الثانية والثالثة يحتمل جداً أن يكون المراد منه والمقصود هو أنّ ما تراه يصدر من الآخرين ـ بصرف النظر عن كونه تجاهك أو تجاه أيّ أحد أو من دون كونه موجّهاً لأحد على الإطلاق ـ وتجده مستقبحاً، فالتفت إلى أنّ صدوره منك سيكون مستقبحاً أيضاً، فحاول أن تكتشف قبح ما تفعل من خلال رؤية قبح الفعل في نفسه عندما يصدر من الآخرين، حتى لو لم يصدر منهم تجاهك شيء، ومن ثمّ فالحديث يريد أن يرشد لآليّة عمل تربويّة للنفس، وهي أنّك قد لا تلتفت إلى قبح السلوك الذي تقوم أنت به إلا عندما ترى هذا السلوك بعينه يصدر من الآخرين، فاجعل رؤيتك لصورة وقيمة الفعل من حيث صدوره من الآخرين بمثابة طريق لتأديب نفسك وتنبيهها، وبهذا لا أجد لهذا الحديث أيّ علاقة بالقاعدة الذهبيّة، خلافاً لما تصوّره بعضُ الباحثين هنا([30]).

بل حتى الصيغة الأولى للحديث وهي الفاقدة للسند، يمكن فهمها أيضاً في السياق نفسه، وبهذا لا يكون هذا الحديث ذا صلة بالقاعدة الذهبيّة.

الحديث الثالث: خبر الحسن بن الجهم، عن أبي الحسن الرضا×، قال: قال: «التواضع أن تعطي الناس ما تحبّ أن تُعطاه». وفي حديثٍ آخر قال: قلت: ما حدّ التواضع الذي إذا فعله العبد كان متواضعاً؟ فقال: «التواضع درجات منها أن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم، لا يحبّ أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يؤتى إليه..»([31]).

والحديث من حيث السند مرسل، إلا إذا قيل بأنّ رواية البرقي عن عدّة من أصحابه لا يمكن أن لا يكون فيهم الثقة، ودلالة الحديث واضحة في أنّها تقوم وتحكي عن القاعدة الذهبيّة. وهذا الحديث يمكن أن يساعد في استحضار مختلف نصوص التواضع؛ لتكون القاعدة الذهبية تجلّياً للتواضع بالفهم العقلائي والعرفي والأخلاقي؛ إذ الحديث ما دام يبيّن لي أنّ من التواضع إعطاء الناس ما تحبّ أن تُعطاه منهم، فلا تجعل نفسك فوق الناس فتطلب منهم ما لا تعطيهم، وكأنّك فوقهم لك عليهم ما ليس لهم عليك؛ فهذا خلاف التواضع، وما دام الأمر كذلك فهذا الحديث يفسّر لي التواضع في بعض تجلّياته، ومن ثم فبضمّه إلى مختلف نصوص التواضع الآمرة به والحاثة عليه، نتمكّن من اعتبار مختلف نصوص التواضع دالّةً ـ ببركة هذا الحديث ـ على القاعدة الذهبيّة؛ لأنّها تحمل نوعاً من التواضع تجاه الآخرين أو فقل من عدم التكبّر وإحساس التمايز عنهم.

ولعلّ بإمكاننا أن نفتح علاقة مباشرة مع نصوص الحثّ على التواضع باعتبارها ترشد لروح القاعدة الذهبيّة؛ إذ القاعدة تحتوي نوعاً من التواضع، وعكسها نوع من التكبّر.

الحديث الرابع: معتبرة جارود أبي المنذر (أبي الجارود)، قال: سمعت أبا عبد الله×، يقول: «سيّد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى بشيء إلا رضيت لهم مثله..»([32]). ومثله معتبرة عبد الأعلى بن أعين، لكنّها خاصّة بعنوان «الأخ»، قال: كتب [بعض] أصحابنا يسألون أبا عبد الله× عن أشياء، وأمروني أن أسأله عن حقّ المسلم على أخيه، فسألته فلم يجبني، فلما جئت لأودّعه، فقلت: سألتك فلم تجبني؟ فقال: «إنّي أخاف أن تكفروا، إنّ من أشدّ ما افترض الله على خلقه ثلاثاً: إنصاف المرء من نفسه حتى لا يرضى لأخيه من نفسه إلا بما يرضى لنفسه منه، ومؤاساة الأخ في المال، وذكر الله على كلّ حال..»([33]).

والنصوص في الحضّ على إنصاف الناس من نفسك عديدة وردت في مصادر الفريقين، فلتراجع([34]).

الحديث الخامس: مرفوعة أبي البلاد، قال: جاء أعرابي إلى النبيّ‘، وهو يريد بعض غزواته، فأخذ بِغَرْزِ راحلته، فقال: يا رسول الله، علّمني عملاً أدخل به الجنّة، فقال: «ما أحببت أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم، وما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم، خلّ سبيل الراحلة»([35]). وشبيهه ورد في مصادر أهل السنّة([36]).

والدلالة واضحة، والسند ضعيف.

الحديث السادس: خبر يعقوب بن شعيب (ومحمّد بن قيس)، عن أبي عبد الله×، قال: «أوحى الله عزّ وجلّ إلى آدم×: إنّي سأجمع لك الكلام في أربع كلمات، قال: يا ربّ وما هنّ؟ قال: واحدة لي وواحدة لك وواحدة فيما بيني وبينك وواحدة فيما بينك وبين الناس، قال: يا ربّ بينهنّ لي حتى أعلمهنّ، قال: ..وأمّا التي بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك»([37]).

الحديث السابع: خبر عبد الله بن بكر المرادي، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، عن علي بن الحسين عليهم السلام، في حديث لأمير المؤمنين× أنّه قال: «.. يا شيخ، ارض للناس ما ترضى لنفسك، وأت إلى الناس ما تحبّ أن يؤتى إليك»([38]).

الحديث الثامن: خبر عبد الله بن عمرو بن العاص، في حديثٍ، أنّه قال: قال رسول الله‘: «.. فمن أحبّ أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحبّ أن يؤتى إليه..»([39]).

وقد علّق الإمام النووي على هذا المقطع، فقال: «هذا من جوامع كلمه صلّى الله عليه وسلم، وبديع حكمه، وهذه قاعدة مهمّة فينبغي الاعتناء بها، وأنّ الإنسان يلزم أن لا يفعل مع الناس إلا ما يحبّ أن يفعلوه معه»([40]). وكأنّ النووي يقرّر القاعدة الذهبيّة عبر هذا الحديث.

الحديث التاسع: خبر أبي هريرة، قال: قال: رسول الله‘: «.. وارضَ للناس ما ترضى لنفسك تكن مسلماً»([41]).

الحديث العاشر: مرسل تحف العقول، عن النبيّ‘ أنّه قال: «يا عليّ، ما كرهته لنفسك فاكره لغيرك، وما أحببته لنفسك فأحببه لأخيك، تكن عادلاً في حكمك، مقسطاً في عدلك، محبّاً في أهل السماء، مودوداً في صدور أهل الأرض..»([42]).

وميزة هذا الحديث أنّه يربط بين القاعدة وإقامة العدل.

الحديث الحادي عشر: المرسل إلى أحمد بن محمد بن يحيى، عن الصادقّ×، قال ـ في حديث ـ: «عليك بصدق اللسان في حديثك، ولا تكتم عيباً يكون في تجارتك، ولا تغبن المسترسل فإنّ غبنه ربا، ولا ترض للناس إلا ما ترضاه لنفسك، وأعط الحقّ وخذه..»([43]).

الحديث الثاني عشر: خبر أبي بصير، أنّه قال للصادق×: الرجل تمرّ به المرأة فينظر إلى خلفها، قال: «أيُسرّ أحدكم أن يُنظر إلى أهله وذات قرابته؟» قلت: لا، قال: «فارضَ للناس ما ترضاه لنفسك»([44]).

الحديث الثالث عشر: خبر علي بن أسباط، عنهم عليهم السلام، فيما قاله الله لعيسى: «.. وما لا تحبّ أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك..»([45]).

وغير ذلك من الأحاديث التي غالبها ضعيف الإسناد، وكثير منها ورد في مصادر الشيعة ولم نجده في مصادر أهل السنّة، ولم نستعرض النصوص الخاصّة بتطبيق القاعدة داخل الملّة وبين المسلمين والمؤمنين؛ لأنّنا هنا بحاجة لتكريسها بوصفها قاعدة عامّة، وإلا فكونها قاعدة داخل ـ مذهبيّة أو داخل ـ دينيّة، أمرٌ واضح.

وقد لاحظنا أنّ نصوص السنّة والحديث بعضها مثل: 1 ـ 4 ـ 5 ـ 6 ـ 10 ـ 11، يشير للقاعدة بجانبيها، بينما الحديث: 2 ـ 13، يشير لها في الجانب السلبي فقط، أمّا الأحاديث: 3 ـ 7 ـ 8 ـ 9 ـ 12، فالإشارة فيها مقتصرة على الجانب الإيجابي. وبهذا يمتاز النصّ الحديثي عن النصّ القرآني في اشتماله على الصيغة الجامعة للحديث في موضعٍ واحد مشيراً للسلب والإيجاب معاً في الحديث نفسه في الوقت عينه.

إنّ مجموع هذه النصوص يقوم على مبدأ التخيّل الأخلاقي، بمعنى أنّها تفترض في الإنسان أن يتصوّر ما الذي تكون عليه حالته النفسيّة والوجدانيّة في الرضا والكراهية لو حصل معه الموقف الفلاني، ثم يقوم بترتيب النتائج الأخلاقيّة على الحالة المنطبعة في ذاته نتيجة هذا التخيّل، وهذا واضح في ثنايا مفروضات هذه النصوص جميعها.

والنتيجة المباشرة للبحث في مصادر النصّ الإسلامي حول هذه القاعدة أنّنا لمسناها بين سطور النصّ القرآني، وكانت أوضح في نصّ السنّة؛ لكنّ إثباتها عبر نصّ السنّة بطريقٍ معلوم الصدور أو مطمأنّ بصدوره بنحو كلّي أوسع من الداخل الديني يبدو لي صعباً، إلا على قاعدة التسامح في أدلّة السنن، من هنا يبدو لي أنّ ضمّ النصوص القرآنية والحديثيّة إلى بعضها يمكنه أن يساعد في تكوين مبدئي للقاعدة؛ لكنّه غير واضح في مديات الإخلاص لها من حيث السعة؛ بمعنى أنّنا لا نعلم نصوصاً قاطعة ذات قدرة مرجعيّة يمكنها أن تكون مستنداً عامّاً لنا في الاعتماد عليها لكي نخرج منها بنتائج أخلاقيّة وقانونيّة صارمة، بيد أنّ وجدانيّة القاعدة أخلاقيّاً وعالميّتها، ومن ثمّ إشارة النصوص إليها أو ابتناء بعض التطبيقات عليها، يمثل نوعاً من الإقرار بروح القاعدة، دون أن تتعالى عن التخصيص والاستثناءات نتيجة اعتبارات اُخَر، وبهذا نقبل بها مع نوع من التواضع في الإثبات حتى لا نبالغ في الأمر.

القاعدة الذهبيّة، الحدود والمعالم والتساؤلات والإشكاليّات

ثمّة تساؤلات قد تحوم حول هذه القاعدة، ومن ثم فهي إشكاليّات ترجع في عمقها لنقد النصّ الديني (التوراتي ـ الإنجيلي ـ القرآني والحديثي)، بعد فرض دلالة هذا النصّ عليها، ولهذا فنحن معنيّون بها جدّاً هنا. كما وهناك بعض الأسئلة التي تتصل بهذه القاعدة تنفعنا في استجلاء معالمها وحدودها ودورها، خاصّة في موضوع بحثنا.

وأهمّ هذه الإشكاليّات والاستفهامات هو الآتي:

أ ـ القاعدة ومشكلة معياريّة الرغبة الفرديّة (معضل الانحراف الرغبوي)

إنّ هذه القاعدة تجعل رغبة الإنسان فيما هو لنفسه معياراً، ومن ثمّ فحيث إنّها مجرّد إطار، فمن الممكن أن يرغب الإنسان في رذيلة أخلاقيّة أن تُفعل معه ويفعلها مع غيره، مثل الزنا والشذوذ الجنسي، أو حتى ممارسة العنف ضدّ الآخرين لو كان محقّاً، فبعض الناس اليوم يرى أنّ ممارسة الآخرين للعنف والقهر والتغلّب والتدخّل ليس في حدّ ذاته سلبيّاً، وإنّما هو سلبيّ من حيث إنّهم ليسوا على حقّ، ولهذا يعتبر أنّ من الأخلاقيّة له أن يقوم بذلك انطلاقاً من كونه هو على حقّ، وهو يقبل لهم ذلك لو كانوا على حقّ.

وأمثلة هذا الموضوع كثيرة، بل لا تقف عند حدود الجانب الإيجابي من القاعدة كما ربما تصوّر بعض الباحثين([46])، بل تتعدّى للجانب السلبي، فمثلاً أنا أكره أن يوجّهني شخص توجيهاً أخلاقيّاً أو يأمرني بالمعروف وينهاني عن المنكر، فهل معنى ذلك أنّ عليّ أن لا أفعل ذلك تجاه الآخرين؛ لأنّني أكره أن يفعلوه معي؟ فكيف يمكن لهذه القاعدة المفرّغة من المضمون الأخلاقي أن تكون حاميةً للقيم الأخلاقيّة نفسها؟! ألا يوجب ذلك هدرها للقيم وجعلها القيم الأخلاقيّة تابعة لميول الأفراد؟!

وخلاصة الإشكاليّة أنّ هذه القاعدة لا تراعي حالة انحراف الفرد نفسه في ذهنه وأخلاقه ومزاجه الوجداني، وهي حالة لابدّ من ملاحظتها في التعامل مع الناس.

ثمّة أكثر من محاولة للخروج من هذه الإشكاليّة:

أوّلاً: ما طرحه بعض الباحثين المعاصرين، من أنّ هذه النصوص الدينيّة تتعامل مع مخاطب مفترض سلفاً أنّه يتجه لتنزيل السلوك الأخلاقي في حياته الفرديّة، فهي تخاطب المسلم المتديّن أو المسيحي المؤمن، ومن ثمّ فهي تفترضه قد تجاوز هذه الإشكاليّة في مرحلته الذاتيّة الشخصيّة، ومن هنا حقّ له تطبيق ذلك على علاقاته الاجتماعيّة بالآخر. ومن هنا وجدنا في بعض النصوص التعقيب بأمثلة مصداقيّة أخلاقيّة لهذا الأمر؛ تنبيهاً للسامع على ذلك([47]).

ثانياً: ما أجده الجواب الصحيح للخروج من هذه الإشكاليّة، وعليه يصلح الجواب الأوّل، وهو أنّ هذه النصوص بصدد وضع معيار في تصحيح العلاقة مع الآخرين، وليست بصدد معيار ما ينبغي للإنسان أن يحبّ أو يكره، ومن ثم فهي محكومة وخاضعة لسلطة النصوص الأخلاقيّة الأخرى التي توجّه رغبات الإنسان وميوله الأخلاقيّة، فكأنّ تلك النصوص الأخلاقيّة والقواعد بمثابة القاعدة التحتيّة التي تُبنى عليها الرغبات الفرديّة، وبعد افتراض تحقّقها تأتي مرحلة بناء العلاقة مع الآخرين على أساس تلك الميول الأخلاقيّة والفرديّة المهذَّبة هذه المرّة.

وهذا لعلّه شكلٌ من أشكال تطبيق نظريّة الحكومة (بمعناها الرائج في أصول الفقه الإسلامي) على موضوع بحثنا؛ فأنت تقول لشخص: أحبب لزيد ما تحبّه لنفسك، ثم تقول له: أحبب لنفسك كذا ولا تحبّ لنفسك كذا، ومن الواضح هنا أنّ القواعد الأخلاقيّة لا يمكن أن نفهمها منفصلةً عن بعضها، بل هي في سياق توليد منظومة متماسكة ـ وقاعدةٌ واحدة لا تشكّل بنفسها منظومة ـ ومن ثم فنصوص تعيين الأخلاقيّات الفرديّة والرغبوية تمثل الطابق السفلي للتربية الأخلاقيّة، والذي تنبني عليه سائر الطوابق التي منها القاعدة الذهبيّة، وهذا معنى أنّ القاعدة الذهبيّة تفترض السلامة الذاتية في الفرد، وتريد فقط أن تؤكّد على مبدأ الإنصاف والعدالة في التعامل مع الآخرين، وليس فيها إطلاق لغير ذلك.

وبهذا تكون نصوص البناء الأخلاقي بمثابة الموضوع لنصوص القاعدة الذهبيّة أو هي متقدّمة عليها في الرتبة، أو فلنقل ـ بتعبير علماء أصول الفقه ـ: إنّها أشبه بالتي تنقّح موضوع القاعدة الذهبيّة.

ب ـ القاعدة ومشكلة تجاهل الفوارق البشريّة في الحبّ والكراهة

إنّ هذه القاعدة لا تحترم أو لا تلتفت إلى الفوارق القائمة بين البشر في اختلاف نظرتهم للسلوك المحبوب والمبغوض، بل لاختلاف ميولهم فيما يحبّون وفيما يكرهون، ومن ثمّ فقد يحبّ شخص شيئاً لنفسه لكنّ الآخر يكرهه، والعكس صحيح، بصرف النظر عن الانحراف الأخلاقي في الحبّ والكراهة هنا، على عكس الإشكاليّة السابقة، فكيف يمكن فهم هذه القاعدة في اُفق الاختلاف البشري في الميول والقناعات معاً؟!

ولكنّني أعتقد بأنّ هذه الإشكاليات يمكن رصدها من جهتين:

أ ـ جهة تنوّع الميول الطبيعيّة بين البشر، فقد تحبّ شيئاً يكرهه الآخر، وهذه الجهة قابلة للحلّ؛ وذلك أنّ القاعدة الذهبيّة بنفسها تصلح حلاً هنا؛ لأنّك لا تحبّ أن يسلك معك الآخرون ما هو مطابق لمحبّتهم ومخالف لرغباتك وما تحبّ، ومن ثمّ فالقاعدة الذهبيّة تدعوك لممارسة الأمر عينه مع الآخرين، أي إذا كان الآخرون يكرهون سلوكاً معيّناً وأنت تحبّه حباً شديداً وكان السلوك أخلاقيّاً بذاته غير رذيل، ففي هذه الحال لا تُطبَّق القاعدةُ فقط على السلوك نفسه، بل تطبّق على الحالة، والمراد بالحالة هنا هو: كراهتك أن يمارَس معك سلوك غير رذيل لكنّه محبوب لغيرك ومكروه لك على نحو الميل والرغبة والطبع، ومن ثم فعليك أن تكره ممارستك لهذا السلوك في حقّ الطرف الآخر.

وبهذا تكون القاعدة الذهبيّة قد قيدّت نفسها بنفسها بلا حاجة إلى عنصر خارجي.

ب ـ جهة تنوّع القناعات والأفكار، فإذا أخذنا تطبيق القاعدة الذهبيّة في مجال تنوّع الأديان والثقافات والحضارات، فهذا يعني أنّ أبناء هذه الأديان والثقافات يختلفون فيما بينهم في القناعات الأخلاقيّة نفسها، فقد يتصوّر المسيحي سلوكاً ما أخلاقيّاً بينما يراه المسلم غير أخلاقي من وجهة نظر دينيّة، وقد يتصوّر الغربي سلوكاً ما أخلاقيّاً بينما يراه المشرقي غير أخلاقي من وجهة حضاريّة أو ثقافيّة أو عرفيّة، وفي هذه الحال نقف أمام مشكلة إضافيّة عميقة، وهي تعارض القاعدة الذهبيّة مع قاعدة المسؤوليّة الإنسانيّة، فكلّ واحدٍ منّا مسؤول عن الآخرين ويهمّه مصلحتهم، وهو مع سائر أفراد البشر كالجسم الواحد، فإذا رأى سلوكاً يعتبره هو مدمّراً غير أخلاقي فعليه ـ من موقع الإحساس بالمسؤوليّة الإنسانيّة ـ أن يسعى لمساعدة الآخرين في التخلّص منه، فإذا اصطدمت هذه المساعدة بقناعات الآخرين المختلفة، فهذا يعني أنّ القاعدة الذهبيّة سوف تفرض عليه التخلّي عن إحساسه تجاه الآخرين، ودينياً ستفرض عليه التخلّي عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا مكمن الفرق بين جهة تنوّع الميول وجهة تنوّع القناعات، وهو الذي دعانا للتمييز بين الحالتين هنا.

وإذا أردنا الحديث من زاوية خارج ـ دينيّة، فإنّ القاعدة الذهبيّة والإحساس الإنساني يفرضان معاً التدخّل لإنقاذ الآخرين من الهبوط والخسارة، لكن بمستوى لا يكون هذا التدخّل قهريّاً؛ لأنّ التدخّل القهري مبغوضٌ للفرد فينبغي أن يبغض سلوكه تجاه الآخرين، وبهذا نصل إلى قاعدة الإحساس بالآخرين دون فرض.

لكن من الناحية الداخل ـ دينيّة علينا مراجعة النصوص لنرى مديات قبولها بالقاعدة الذهبيّة في حالات من هذا النوع، والذي نلاحظه أنّ النصوص لا تقبل بكليّة القاعدة بما يقدّمها على المسؤوليّة الأخلاقيّة تبعاً لقناعة كلّ فرد، ففريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ بمعناها العام والخاصّ ـ واضحة في النصّ الإسلامي في قوّتها لا تستطيع نصوص القاعدة الذهبيّة أن تقاومها، ومن ثم تصلح استثناءً منها، وإذا قلت لي بأنّ هذا لن يوقع التفاهم الإنساني الكامل فإنّ الجواب هو أنّ النصّ الإسلامي يبدو عليه أنّه يرى أولويّةً للصلاح على التفاهم في بعض الحالات على الأقلّ.

بل هذه المشكلة موجودة في جميع قوانين العالم العقابيّة والجزائيّة والجنائيّة والإلزاميّة، والحلّ الذي نختاره هناك يكون هو الحلّ هنا، وربما بهذا تتحد القراءة الخارج ـ دينيّة مع القراءة الداخل ـ دينيّة.

ج ـ القاعدة بين العلاقات العامّة والفرديّة، ودورها في «فقه الآخر الديني»

هل تقوم هذه القاعدة بتأطير العلاقات الفرديّة فقط أو أنّها تمتدّ للعلاقات بين الجماعات والتيارات والدول والمجتمعات والأمم والشعوب؟

يبدو من الكثير من النصوص الدينيّة في القرآن الكريم والسنّة الشريفة والكتاب المقدّس أنّها توحي وكأنّ هذه القاعدة هي قاعدة في مجال العلاقات الفرديّة، ومن ثمّ فمن غير الواضح أنّها تنظّم العلاقات بين الأديان أو بين الدول والمجتمعات، وهذا ما يربك إمكان الاستناد لمثل هذه القاعدة في استخراج مواقف من قضايا مثل الآخر الديني والأقليّات والحقوق الاجتماعيّة وغير ذلك.

ولعلّ هذا ما يجعل شخصاً مثل توما الأكويني لا يذهب نحو مثل هذه النصوص الواضحة لكي يشيّد فقه العلاقة مع الآخر الديني من الكفّار والمبتدعة والهراطقة في كتابه (الخلاصة اللاهوتيّة)، فإنّه وأمثاله من الفقهاء المدرسيّين واللاهوتيين التقليديين فهموا روح هذه النصوص التي تحكي عن هذه القاعدة على أنّها ذات صلة بالعلاقات الاجتماعيّة بين الناس، وليس بالتساهل على حساب الحقيقة الإيمانيّة، ولهذا يقدّمون حماية الإيمان على القاعدة الذهبيّة.

وما يعزّز ما نقول أنّ هذه النصوص لا يظهر منها تأسيس معايير قانونيّة بقدر ما تفيد توجيهات تربويّة لا غير، فهي مثل النصوص التي تحث على العفو والصفح، والتي نجدها في التوجيهات الأخلاقيّة الفرديّة، لكنّ نصوصاً تقف على عكسها في مجال القانون العام من نوع عدم التساهل مع المجرمين أو عدم تأخير إقامة العقوبات وغير ذلك.

هذه الإشكاليّة تبدو لي قويّة، لكن في الوقت عينه يمكن للناظر أن يلاحظ أنّ القاعدة ما دامت تؤسّس لأمر أخلاقي كامن في الوعي الإنساني، فهي تقبل به على عمومه، ولو من ناحية عدم الفرق في أخلاقيّة القاعدة بين فردٍ وآخر وبين جماعة وأخرى، فالخصوصية تكاد تكون منعدمة لمّا نلاحظ أصل المدلول عليه في النصوص، والخطأ الذي نقع فيه هنا هو في تصوّر أنّ هذه القواعد الأخلاقيّة غير قابلة للاستثناء، ومن ثمّ فلكي ندرسها بشكل مفهوم ونهائي علينا رصد استثناءاتها في القواعد الأخلاقيّة والقانونيّة الأخرى أو في النصوص الدينيّة، فإذا وجدنا قواعد أو نصوصاً تحدّ من شموليّة أو سعة هذه القاعدة في دائرة معيّنة لمصلحةٍ أعلى أو لقيمة إنسانيّة أخرى تبدو أهمّ في موقعها، لزمنا التقييد، فتصوّرُ أنّ القاعدة فرديّة لا يبدو واضحاً، خاصّةً في النصّ الإنجيلي الذي يستخدم صيغة الجمع في الخطاب، وكأنّه يوجّهه للمجتمع المؤمن كلّه، وعليه فالأفضل أن نأخذ بهذه القاعدة بوصفها توجيهاً عامّاً، وفي الوقت عينه لا نمارس نوعاً من الاعتقاد بكونها متأبّية عن الاستثناء والتداخل مع قواعد وأخلاقيّات اُخر، ولهذا نجد أنّ هذه القاعدة رغم التقائها الإيجابي مع قاعدة العفو عمّن ظلمك، لكنّها خاضعة لقاعدة المعاملة بالمثل أو لقاعدة الصبر في النصّ القرآني، حيث قال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل: 126)، ولهذا لا تعتبر القاعدة الذهبيّة من قواعد القبول بالظلم والخضوع له، كما تصوّر بعضهم، وكما قد يفهمه بعضٌ من نصّ إنجيل لوقا المتقدّم.

وعليه فنحن نقول: إنّ روح هذه القاعدة الأخلاقيّة تدعونا للتعامل مع الآخر الديني ومع الأقليّات الدينيّة من موقع ما نحبّ أن يتعاملوا معنا به، ما لم تكن هناك معطيات قانونيّة أو أخلاقيّة أخرى تفرض نفسها هنا وهناك.

وأمّا القول بأنّ مضمون هذه القاعدة مما لم يذكره الفقهاء المسلمون، ومن ثمّ فهي محمولة على الجانب الأخلاقي، فهو غير دقيق؛ لأنّ فقهية مسألةٍ ما أو توجيهٍ ما لا يخضع لمديات تدوينه في التراث الفقهي، بل العكس هو الصحيح، فنحن نحاكم التدوين الفقهي الموروث وفقاً للنصوص والقواعد، ونحن نجد أنّ هذه القاعدة في لسانها لا تختلف عن سائر النصوص التي تحتوي صيغاً أمريّة، لهذا نعتبرها قاعدة أخلاقية تمثل أحياناً مصدراً للتوجيه السلوكي والتقنين العلائقي؛ ولهذا استخدمت آيات سورة الضحى (الآيات المتقدّمة برقم: 2) مفهوم القاعدة الذهبيّة لإصدار سلسلة من الأوامر الوجوبيّة، والأمر عينه فعلته آية الإنفاق من سورة البقرة (الآية المتقدّمة برقم: 3).

لكنّ هذا لا يعني أنّها قاعدة وجوبية بالمطلق، بل هي قاعدة توجيهيّة يكفيني فيها ـ لو أردت أن أتكلّم بلغة فقهيّة قانونيّة ـ أن تعطيني استحباباً، إن لم نقل بأنّها قاعدة منهجيّة قانونيّة يصدر عنها وجوب تارةً وحضٌّ أخرى، وبمعنى آخر تصلح لإنتاج وجوب أو استحباب، تبعاً لخصوصيّات في المحلّ العارضة عليه.

وينتج عن هذا أنّ هذه القاعدة تنفعنا في فقه الآخر الديني والأقليّات؛ لأنّها لو تُركنا معها لوحدها فهي توجّهنا نحو منح الآخرين ما نودّ أن نُمنحه منهم، ولا يكون في حصولنا عليه أيّ سلوك غير أخلاقي أو غير شرعي، وهذا المسار هو الأصل التوجيهي في الدين ولا نخرج عنه إلا بدليل، وهذا يكفينا لكي ننتفع بهذه القاعدة في موضوع بحثنا بوصفه مؤشراً توجيهيّاً نحو المرغوب به دينيّاً.

فإذا أحببنا لأنفسنا ـ بوصفنا مسلمين ـ سلسلةً من الحقوق في ظلّ محيط مسيحي، أو أحبّ المسيحي ذلك لنفسه في وسط محيط إسلامي، فإنّ نصوص القاعدة الذهبيّة تدعوه لكي يمنح الآخرين ما يحبّ، ما لم يرد نصّ خاصّ في دينه يسلب عنهم حقّاً معيّناً مفترضاً، وبهذا تكون حقوق الأقليّات محلّ توجيه نصوص القاعدة بالمعنى الكلّي للكلمة، وليست فقط من الأمور المسكوت عنها حتى نجري فيها البراءة مثلاً، وهذا فارق مهمّ نستطيع اكتسابه من مثل هذه القاعدة.

بل إنّني أعتقد بأنّ هناك الكثير من النصوص والقواعد الأخلاقيّة المؤكّدة دينيّاً، لها بيانات وتعابير عامّة تصلح موجّهاً ـ ولو بنحو الاستحباب والرجحان ـ نحو سلوكٍ ما مع الآخر الديني أو المذهبي، فما لم يكن على خلافها استثناءٌ أو تخصيص أو تداخل مع قواعد أخرى تتطلّب نتائج اُخر في بعض المساحات، فإنّ المفترض أن تكون أصلاً يعتمد عليه في الاجتهاد الفقهي والقانوني، ولو لم تكن دالّة على ما توجّه إليه بمستوى الوجوب أو الإلزام، ومع الأسف فالبحوث الفقهية لم تتعامل بجديّة مع النصوص الأخلاقيّة العامّة التي من هذا النوع.

ولا نريد نسبة حقوق الأقليات هذه بعينها للشريعة وفقاً لقاعدة العدالة أو القاعدة الذهبيّة، بل على نظريّتنا في عدم شمول الشريعة، فإنّ التفاصيل من مُنشآت البشر لكن الغطاء والمؤشّر دينيٌ وأخلاقي.

د ـ القاعدة ومشكلة أخلاق المصلحة

إنّ هذه القاعدة تكرّس المصلحيّة في الأخلاق، فهي تقول لك بأنّك إذا أردت أن يعاملك الناس بالخير فعاملهم بالقاعدة الذهبيّة، وهذا نوع من أخلاق المصلحة التي لا ترتقي إلى أخلاق الفضيلة والنُبل.

لكنّ هذه الإشكاليّة غير صحيحة؛ فالنصوص القرآنيّة والحديثية والإنجيليّة والتوراتيّة في غالبيّتها الساحقة لا تنطلق من هذا المناخ، فهي لا تقول بأنّه حتى يعاملك الآخرون بالخير فعاملهم بمثله، بل هي تأمر مباشرةً بالقاعدة، واستخدام النصوص لتعبير «النفس ـ الآخر» لا يعني أنّها تريد جعل النفس محوراً، بل هي تريد العبور من الذات للآخر بهدف جعل الشخص يتعامل مع الآخر كما يتعامل مع ذاته، فهي في الحقيقة كأنّها توسّع دائرة النفس الإنسانيّة، فما تحبّه أنت لنفسك أحببه لغيرك، وليس أحبب لغيرك لأنّك تحبّ نفسَك، وبهذه الطريقة يصبح الآخر جزءاً من الذات بمعنى من المعاني.

نتيجة البحث في القاعدة الذهبيّة وفقه العلاقة مع الآخر

إنّ ما توصّلنا إليه في هذا البحث المتواضع هو أنّ هذه القاعدة مكرّسة في الوعي الوجداني البشري العالمي، وفي النصوص الدينيّة اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة، وهي قادرة على توجيه سلوكنا القانوني والعملي نحو منح الآخرين ما نريد أن يمنحونا إيّاها، ومن ثم فهي مؤثرة في دراسة قواعد العلاقة مع الآخر الديني ومع الأقليّات الدينيّة بمفهومها المعاصر.

لكنّ هذه القاعدة ـ مثلها مثل أيّ قاعدة أخلاقيّة أو قانونيّة أخرى ـ لا تستبدّ بالأخلاق ولا تشكّل منظومات متكاملة، بل تقوم بمدّنا بمؤشر أخلاقي أوّلي قابل للتأثير والتأثير بسائر المؤشرات الأخلاقيّة والقانونيّة والمصلحيّة، بالمعنى الإيجابي للكلمة.

ونستنتج من ذلك أنّ هذه القاعدة ثابتة مبدئيّاً، ونافعة لنا في بحثنا حول العلاقة مع الآخر الديني، بمقدار كونها مؤشراً عامّاً، وليست آبيةً عن التخصيص أو الاستثناءات.

________________________

([1]) نشر هذا المقال في العدد 87 ـ 88، من مجلّة المنهاج، في بيروت، لبنان، ربيع عام 2018م.

([2]) لمزيد من الاطّلاع على تاريخ هذه القاعدة في الأديان والمدارس الفلسفيّة المختلفة حتى القرن العشرين، يمكن مراجعة المصدرين الآتيين:

1 ـ Watlles, Jeffrey, The Golden Rule: 13 – 162, New York Oxford Oxford University Press 1996.

2 ـ حسن إسلامي، قاعدة زرّين در حديث واخلاق، مجلّة علوم حديث، العدد 45 ـ 46: 7 ـ 10.

([3]) انظر: محمّد كريمي لاسكي وأحد فرامرز قراملكي، أديان بزرگ قاعده زرّين ودیگری، مجلة بجوهشنامه اخلاق، العدد 28: 78.

([4]) الكتاب المقدّس، العهد القديم، سفر الخروج، الإصحاح الثاني والعشرون، الآيات: 21 ـ 24.

([5]) المصدر نفسه، الإصحاح الثالث والعشرون، الآية: 9.

([6]) المصدر نفسه، العهد الجديد، إنجيل متّى، الإصحاح السابع، الآية: 12.

([7]) المصدر نفسه، العهد الجديد، إنجيل لوقا، الإصحاح السادس، الآية: 31.

([8]) المصدر نفسه، العهد الجديد، إنجيل لوقا، الإصحاح السادس، الآيات: 27 ـ 38.

([9]) انظر: محمّد كريمي لاسكي وأحد فرامرز قراملكي، أديان بزرگ قاعده زرّين ودیگری، مجلة بجوهشنامه اخلاق، العدد 28: 91 ـ 92؛ وحامد شيوابور وحسن اخباري، تاملاتي در كاربرد قانون زرين اخلاقي در قرآن كريم، مجلّة بجوهشنامه اخلاق، العدد 24: 72.

([10]) الميزان في تفسير القرآن 20: 230.

([11]) الخوئي، مصباح الفقاهة 1: 386.

([12]) لمزيد اطّلاع، انظر: علي مظهر قراملكي، فقه التطفيف من التفسير الاقتصادي إلى النهج الاجتماعي، مجلّة الاجتهاد والتجديد، العدد 11 ـ 12: 58 ـ 75.

([13]) الميزان في تفسير القرآن 20: 311.

([14]) مجمع البيان 10: 381.

([15]) انظر: حسن إسلامي، قاعدة زرّين در حديث واخلاق، مجلّة علوم حديث، العدد 45 ـ 46: 14 ـ 15؛ وحامد شيوابور وحسن اخباري، تاملاتي در كاربرد قانون زرين اخلاقي در قرآن كريم، مجلّة بجوهشنامه اخلاق، العدد 24: 72.

([16]) انظر: محمّد كريمي لاسكي وأحد فرامرز قراملكي، أديان بزرگ قاعده زرّين ودیگری، مجلة بجوهشنامه اخلاق، العدد 28: 90 ـ 91.

([17]) انظر: حسن إسلامي، قاعدة زرّين در حديث واخلاق، مجلّة علوم حديث، العدد 45 ـ 46: 14.

([18]) انظر: لاسكي وقراملكي، أديان بزرگ قاعده زرّين ودیگری، مجلة بجوهشنامه اخلاق، العدد 28: 90.

([19]) انظر: حسن إسلامي، قاعدة زرّين در حديث واخلاق، مجلّة علوم حديث، العدد 45 ـ 46: 26.

([20]) انظر: شيوابور واخباري، تاملاتي در كاربرد قانون زرين..، مجلّة بجوهشنامه اخلاق، العدد 24: 71.

([21]) مجمع البيان 3: 25؛ وانظر: الميزان 4: 201.

([22]) انظر: الزمخشري 1: 555؛ والتفسير الكاشف 2: 410؛ والتفسير الكبير 11: 5 ؛ ونسبه الرازي إلى أكثر المفسّرين وإن لم يرتضه.

([23]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 5: 41.

([24]) انظر: شيوابور واخباري، تاملاتي در كاربرد قانون زرين..، مجلّة بجوهشنامه اخلاق، العدد 24: 72 ـ 77.

([25]) نهج البلاغة: 397؛ وتحف العقول: 74؛ ونقلها ابن طاووس بأسانيد في كشف المحجّة: 164، عن كتاب الرسائل للشيخ الكليني وغيره.

([26]) نهج البلاغة: 548؛ وتحف العقول: 97.

([27]) كنز الفوائد: 34.

([28]) الكليني، الكافي 8: 22.

([29]) المجلسي، مرآة العقول 25: 35.

([30]) انظر: حسن إسلامي، قاعده زرّين در حديث واخلاق، مجلّة علوم حديث، العدد 45 ـ 46: 16.

([31]) الكافي 2: 124.

([32]) الكافي 2: 144؛ والخصال: 132؛ ومعاني الأخبار: 193.

([33]) الكافي 2: 170.

([34]) انظر: تفصيل وسائل الشيعة 15: 283 ـ 286.

([35]) الكافي 2: 146؛ ومستطرفات السرائر: 642.

([36]) انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد 1: 48؛ والطبراني، المعجم الكبير 19: 441.

([37]) الكافي 2: 146؛ والصدوق، الأمالي: 706؛ ومعاني الأخبار: 137؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 4: 405.

([38]) الصدوق، الأمالي: 478؛ ومعاني الأخبار: 198؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 4: 382؛ والطوسي، الأمالي: 435؛ وابن عقدة الكوفي، فضائل أمير المؤمنين: 119.

([39]) صحيح مسلم 6: 18؛ وسنن ابن ماجة 2: 1307.

([40]) النووي، شرح صحيح مسلم 12: 233.

([41]) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق 29: 321.

([42]) تحف العقول: 14.

([43]) ابن طاووس، فتح الأبواب: 160 ـ 161.

([44]) كتاب من لا يحضره الفقيه 4: 19.

([45]) الكافي 8: 138؛ وأمالي الصدوق: 611؛ وتحف العقول: 499.

([46]) انظر: حسن إسلامي، قاعدة زرّين در حديث واخلاق، مجلّة علوم حديث، العدد 45 ـ 46: 25.

([47]) انظر: شيوابور واخباري، تاملاتي در كاربرد قانون زرين..، مجلّة بجوهشنامه اخلاق، العدد 24: 72 ـ 77؛ وحسن إسلامي، قاعدة زرّين در حديث واخلاق، مجلّة علوم حديث، العدد 45 ـ 46: 25.

الكاتب الإدارة

الإدارة

مواضيع متعلقة

اترك رداً