القرآن وظاهرة الاستشراق

2 سبتمبر 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
994 زيارة

القرآن وظاهرة الاستشراق

في مؤلَّفات الشيخ معرفت

د. الشيخ محمد جواد إسكندرلو(*)

ترجمة: حسن علي الهاشمي

زبدة البحث ــــــ

تعتبر دراسة آراء المستشرقين ونقدها في مجال المعارف والعلوم القرآنية من الضرورات البارزة لبحوث القرآن في المرحلة المعاصرة. وهذا ما سبق للأستاذ معرفت أن اكتشفه قبل غيره من الباحثين والمحققين في الشأن القرآني. وقد عمل على بحثه ودراسته ونقده في مختلف أعماله، وقام في طيات هذه الأعمال بالردّ على شبهات هؤلاء المستشرقين.

نسعى في هذا المقال ـ بعد بيان مقدّمة في بيان معنى الاستشراق، وضرورة نقد آراء المستشرقين في الدراسات القرآنية ـ إلى التعريف بظاهرة الاستشراق في التراث القرآني الذي تركه هذا المحقّق البارز في الشأن القرآني في العالم المعاصر.

وسوف نتعرض في هذا المقال إلى بيان شبهات، من قبيل: «اقتباس القرآن من التوراة»، و«استفادة القرآن من الأناجيل»، و«تحريف القرآن»، و«القرآن والأخطاء النحوية»، و«استعمال القرآن للألفاظ والكلمات الأجنبية»، و«التشكيك في خلفية بعض الموضوعات والتعاليم القرآنية»، وغيرها من الشبهات التي أثارها المستشرقون، من أمثال: يوسف درّة الحداد([1])، وتسدال، وجولدتسيهر، وهيرشفيلد، وريتشارد بل، وأمثالهم، وقام الأستاذ معرفت بنقدها.

 

المقدّمة ــــــ

إن «الاستشراق» الذي يعني لغة معرفة الشرق ترجمة لكلمة (Orientalism) في اللغة الإنجليزية. حيث تشير كلمة (Orient) عندهم إلى المناطق الواقعة إلى الشرق من البحر الأبيض المتوسط والقارّة الأوروبية. ويُطلق في الاصطلاح على «دراسة الإسلام من قبل علماء الغرب». وهذا المعنى الخاصّ من الاستشراق هو الذي يريده أغلب المتخصّصين في الاستشراق والعلماء والباحثين في الشأن([2]).

يمضي اليوم على بداية الاستشراق ما يقرب من ثلاثة قرون. وقد اتجه الكثير من المستشرقين في هذه الفترة إلى دراسة الإسلام والقرآن والسنّة، بَيْدَ أن دراساتهم في هذا الشأن تستحق النقد والمناقشة؛ وذلك لاشتمال هذه الدراسات الاستشراقية على الكثير من الموارد المخالفة للواقع والمضلِّلة، ويعود ذلك إما إلى عدم معرفتهم باللغة العربية وأساليبها الأدبية، أو إلى الخبث والحقد الدفين على الإسلام والقرآن.

وقد كان علماء المسلمين ـ ولا سيَّما العلماء الشيعة ـ منذ صدر الإسلام وإلى هذه اللحظة يدفعون شبهات أعداء الإسلام في المجال العلمي والديني والثقافي والتربوي، وشكّلوا بذل سدّاً منيعاً للدفاع عن الإسلام الأصيل والتعاليم القرآنية السامية. ومن هنا فقد عمدوا إلى تأليف الكتب والرسائل التي تستحق كلّ الثناء والتقدير.

وكان الشيخ محمد هادي معرفت& من النماذج والأمثلة البارزة لهؤلاء العلماء في القرن الحاضر، من الذين قدّموا أفكاراً جديدة لعالم الفكر والبحث والتحقيق في مجال التفسير وعلوم القرآن وما إلى ذلك، وترك لنا مؤلَّفات بديعة وتراثاً خالداً في هذا المجال.

لقد عمد هذا المحقِّق القدير في الكثير من مؤلَّفاته، من قبيل: «شبهات وردود حول القرآن الكريم»، و«التمهيد في علوم القرآن»، و«التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب»، و«صيانة القرآن من التحريف»، و«التفسير الأثري الجامع»، إلى تناول أقوال وآراء المستشرقين في الكثير من الموارد بالبحث والتدقيق، وبادر إلى الإجابة عنها، منطلقاً من خبرته بعقلية المستشرقين وظاهرة الاستشراق، على أساس المباني الدينية والقرآنية.

وعلى أيّ حال فإن الدراسات القرآنية للمستشرقين تمثّل واحدة من أبعاد مسار البحث القرآني، والتي دخلت مرحلة جديدة في العالم المعاصر. من هنا فإن الإجابة عن أسئلتهم وشبهاتهم تمثل ضرورة لا يمكن إنكارها.

وقد تحدَّث الأستاذ معرفت& في حوار معه بهذا الشأن قائلاً: «يُعتبر موضوع القرآن والمستشرقين من مسائل العصر الراهن، حيث تتّجه أنظار المحققين والذين يرومون البحث في المسائل الاجتماعية بشكل عام، وخاصّة المسائل الدينية منها؛ إما رغبة منهم في حبّ الاستطلاع والحصول على المعلومات، إلى الاهتمام بكتابات وأقوال المتخصصين في هذا الشأن…. ولنحسن الظنّ، ولنقُلْ: إنهم يريدون فهم الإسلام وماهية التشيّع، وإنهم يريدون التعرُّف على القرآن حقّاً. ولكنْ مع ذلك تبقى هناك مسألة، وهي أن هؤلاء بعيدون عن روح الإسلام، بمعنى أنهم حيث ينطلقون من مسيحيتهم فإنهم إنما ينطلقون من عدم اعتبار الإسلام ديناً سماوياً، وعليه لا يمكنهم التجرّد للحياد التام، حتّى إذا كانوا من المنصفين… ومن هنا فإن خلفيته الثقافية هي التي ستعمل على توجيه دراسته وبحثه لا شعورياً، الأمر الذي يحول دون وصول هؤلاء المستشرقين إلى الحقيقة والواقع»([3]).

 

إنكار الوحي ــــــ

يقول فريد وجدي: «كان الغرب ـ حتّى ما قبل القرن السادس عشر الميلادي ـ يؤمن بالوحي الإلهي، شأنه في ذلك شأن الأمم المتدينة، ولذا نجد كتبهم في تلك الفترة مشحونة بأخبار الأنبياء. فلمّا جاء العلم الجديد بشكوكه ومادياته ذهبت الفلسفة الغربية إلى أن مسألة الوحي من بقايا الخرافات القديمة، وغالت حتى أنكرت الخالق والروح معاً، وعلّلت ما ورد من الوحي في الكتب القديمة بأنه إمّا اختلاق من المتنبّئة أنفسهم؛ لجذب الناس إليهم، وتسخيرهم لمشيتهم؛ وإمّا هذيان مرضي يعتري بعض العصبيّين…»([4]).

 

المناقشة ــــــ

لقد راجت هذه النظرية في العالم الغربي، فلما ظهرت آية الأرواح في أمريكا سنة 1846م، وسَرَت منها إلى أوروبا كلها، وأثبت الناس بدليلٍ محسوس وجود عالم روحاني آهل بالعقول الكبيرة، والأفكار الثاقبة، وحييت مسألة الوحي بعد أن كانت في عداد الأضاليل القديمة، وأعاد العلماء البحث فيها على قاعدة العلم التجريبي المقرّر، لا على أسلوب التقليد الديني، ولا من طريق الضرب في مهامه الخيالات، تأدُّوا إلى نتائج وإنْ كانت غير ما قرّره علماء الدين الإسلامي، إلاّ أنها خطوة كبيرة في سبيل إثبات أمر عظيم كان قد أحيل إلى عالم الأمور الخرافية»([5]).

 

طباعة القرآن من قبل المستشرقين ــــــ

بعد أن مال بعض المستشرقين إلى التعامل مع القرآن بوصفه وحياً سماوياً، أو للقداسة التي يتمتَّع بها هذا الكتاب السماوي لدى المسلمين، أو لأهداف وغايات علمية وثقافية أخرى، بادروا إلى كتابة القرآن ضمن مخطوطات، أو عمدوا إلى طباعته طباعة حديثة. وقد قرَّر الأستاذ معرفت هذه الخطوة من قبل المستشرقين على النحو التالي: كان المسار بالنسبة إلى طباعة المصحف ـ كما هو الحال بالنسبة إلى كتابته ـ قد اتخذ منحىً تصاعدياً في مختلف المراحل، حيث طبع القرآن للمرة الأولى في حدود سنة 950هـ، الموافق لعام 1543م، في مدينة البندقية. بَيْدَ أن الكنيسة سرعان ما اعترضت على ذلك، وتمّ إتلاف هذه الطبعة بناءً على طلبها. وبعد ذلك طبع القرآن للمرة الثانية سنة 1104هـ، الموافق لعام 1692م، في مدينة هامبورغ من قبل هنكلمان([6]). وبعده قام ماراتشي([7]) بطبع القرآن سنة 1108هـ، الموافق لعام 1696م، في مدينة بادو([8]). وفي عام 1200هـ، الموافق لسنة 1785م، قام المولى عثمان بطبع القرآن في مدينة سان بطرسبورغ بروسيا، وكانت هذه الطبعة هي الطبعة الإسلامية الأولى للقرآن الكريم. كما قام فلوجل([9]) سنة 1252هـ، الموافق لعام 1836م، بتقديم طبعة خاصّة للقرآن في مدينة ليبزيك([10])، وقد حظيت هذه الطبعة باستقبال واسع؛ بسبب إملائها البسيط والواضح، ولكنّها ـ كسائر الطبعات الأوروبية للقرآن ـ لم تَلْقَ رواجاً في البلدان الإسلامية([11]).

 

اقتباس القرآن من التوراة ــــــ

لقد عرض المستشرقون بشأن تعيين مصدر ومنشأ القرآن الكريم نظريات متنوِّعة ومتفاوتة، من قبيل: «وحيانية القرآن»، و«الإلهية غير الوحيانية»، و«نظرية النبوغ»، و«الثقافة المعاصرة»، و«نظرية التجربة الدينية»، و«اقتباس القرآن من التوراة»، وما إلى ذلك. وقد تمّ بيان ذلك ونقده ومناقشته على نطاقٍ واسع في كتاب «قرآن ومستشرقان»، لمؤلِّفه الدكتور الشيخ محمد حسن زماني([12]).

كما أجاب الأستاذ معرفت في كتابه «شبهات وردود حول القرآن» على أشهر الشبهات المثارة بشأن القرآن الكريم. وفي القسم الأول من هذا الكتاب أجاب عن شبهة «اقتباس القرآن من الكتب السماوية السابقة؛ لوجود التشابه فيما بينها»، وأرجع سبب وجود التشابه والتناغم بين هذه الكتب إلى أخذها بأجمعها من مصدر واحد، وهو الوحي الإلهي.

وقال الأسقف يوسف درّة الحداد([13]): لقد أخذ القرآن من مصادر عديدة، وأهمّها الكتاب المقدّس، وخاصّة التوراة، وذلك بحسب شهادة القرآن نفسه، كما في الآيات:

ـ ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى: 18 ـ 19).

ـ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَنْ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (النجم: 36 ـ 38).

ـ ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء: 196 ـ 197).

وقد ذكر الأسقف يوسف درّة الحداد استنباطه استناداً إلى هذه الآيات على النحو التالي:

فآية محمد الأولى هي مطابقة قرآنه لزبر الأولين (الكتب السابقة عليه)، وآيته الثانية استشهاده بعلماء بني إسرائيل، وشهادتهم له بصحّة هذه المطابقة. ولكن ما الصلة بين القرآن وزبر الأولين؟! يعود السرّ في ذلك إلى أنه حصل على آياته من قبل علماء بني إسرائيل المطَّلعين على تلك الكتب، ولكنْ حيث إنّها كانت مكتوبة بغير العربية فقد عمد محمد| إلى تعريبها.

وكذلك الآية: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (الأحقاف: 12) فيها صراحة بأنه تتلمذ لدى كتاب موسى، وصبّه في قالب لسان العرب، الأمر الذي يجعل من القرآن نسخة عربية مترجمة عن التوراة([14]).

وعلى هذا الغرار جرى كلٌّ من: «تسدال»، و«ماسيه»، و«أندريه»، و«لامنز»، و«جولدتسيهر»، و«نولدكه»([15])، إلى أن القرآن استفاد كثيراً من زبر الأولين. وحجّتهم في ذلك محض التشابه بين تعاليم القرآن وسائر الصحف، فزعموا لذلك أن القرآن صورة تلمودية وصلت إلى نبي الإسلام عن طريق علماء اليهود وسائر أهل الكتاب ممَّنْ كانت لهم صلة قريبة بجزيرة العرب، فكان محمد| يلتقي بهم قبل أن يُعلن نبوّته، وأخذ منهم الكثير من أصول الشريعة.

 

جواب الأستاذ معرفت ــــــ

نحن المسلمون نعتقد في الشرائع الإلهية أجمع أنها منحدرة عن أصلٍ واحد، ومنبعثة من منهل عذب فارد، تهدف جميعاً إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، والإخلاص في العمل الصالح والتحلّي بمكارم الأخلاق، من غير اختلاف في الجذور ولا في الفروع المتصاعدة: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: 13)، أي إنّ الدين كله ـ من آدم إلى الخاتم ـ هو الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ (آل عمران: 19)، أي التسليم لله والإخلاص في عبادته محضاً. وبالتالي فإن سبب التناغم والتشابه بين الأديان والكتب السماوية يعود إلى مصدرها المشترك.

هذا، والشواهد متضافرة في هذا الشأن:

أوّلاً: صرّح القرآن نفسه بأنه موحى إلى نبي الإسلام وحياً مباشراً، نزل عليه ليكون للعالمين نذيراً، فكيف الاستشهاد بالقرآن لإثبات خلافه؟! إنْ هذا إلاّ تناقض في الفهم، واجتهاد في مقابل النصّ الصريح!

ثانياً: قدّم القرآن معارف فخيمة إلى البشرية، بحثاً وراء فلسفة الوجود ومعرفة الإنسان ذاته، ولم يكَدْ يدانيها أيّ فكرة عن الحياة قد وصلت إليها البشرية حتّى ذاك العهد، فكيف بالهزائل الممسوخة التي شُحنت بها كتب العهدين؟!

ثالثاً: عرض القرآن تعاليم راقية لا تتجانس مع ضآلة الأساطير المسطَّرة في كتب العهدين، وهل يكون ذاك الرفيع مستقىً من الوضيع؟!

وأما المضمون المشترك الذي تذرَّع به الأسقف يوسف درّة فنقول بشأنه: إن ما جاء به النبي الأكرم| لم يكن بدعاً مما جاء به سائر الرسل الذين سبقوه، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: 9)؛ وذلك لأن دين الله واحد، ولا يمكن تصوُّر التعارض بين أجزائه»([16]).

 

القرآن والأناجيل ــــــ

زعم «تسدال» أن النصرانية كانت أحد المصادر التي أخذ منها القرآن، في حين أن من هذه المصادر ما لم تكن موثوقة، بل كانت لفرق شاذّة لها أساطير غريبة اعتمدها القرآن. وزعم أن قصّة مريم وابنها المسيح’، وتكلُّم عيسى في المهد، وسائر المعجزات التي ظهرت على يد السيد المسيح الواردة في القرآن، لم تَرِدْ في كتب النصرانية المعتمدة، واعتبرها خرافةً وهمية([17]).

 

المناقشة ــــــ

إن قصة مريم العذراء من الشهرة والانتشار والبداهة في الوسط المسيحي بمكان، حتّى أن فرقة «البربرانية» منهم ألَّهوها وابنها المسيح’؛ نظراً لولادتها لابنها بطريقة خارقة للعادة. وقد أشار القرآن الكريم لقضيّة تأليههم لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (المائدة: 116).

أما زعم «تسدال» أن القصة غير موجودة في الكتاب المقدّس فيردُّه ما ورد في إنجيل «لوقا»، ونصّه: «…أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينةٍ من الجليل، اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجلٍ من بيت داوود، اسمه يوسف، واسم العذراء مريم، فدخل إليها الملاك، وقال: …لا تخافي يا مريم؛ لأنك وجدت نعمة عند الله، وها أنت ستحبلين، وتلدين ابناً، وتسمِّينه يسوع… فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا، وأنا لستُ أعرف رجلاً؟!»([18]).

وبالتالي فإنّ جميع ما جاء في القرآن حقٌّ ومطابق للواقع. وإنّ كل ما ذكره بشأن اليهود والنصارى وما يعتقدونه قابلٌ للإثبات. وليس بوسع تسدال ولا غيره من المستشرقين أن يأتوا بمسألةٍ من القرآن تخالف الواقعية التاريخية([19]).

 

شبهة بلاشير في ما يتعلّق بجمع القرآن ــــــ

لقد شكّك «ريجي بلاشير»([20]) في اختيار زيد بن ثابت من قبل أبي بكر لجمع القرآن. وتقدّم باعتراض هامّ في هذا الشأن، حيث قال: لماذا انتدب أبو بكر زيداً وهو شابٌّ لم يتجاوز العشرين من عمره للاضطلاع بهذه المهمّة الخطيرة، وذلك مع وجود كبار الصحابة، ومنهم صاحب الكعب العالي في تحمُّل أعباء هذه المهمة؟ هل أتت واقعة اليمامة على جميع القرّاء من الصحابة، ولم يبْقَ غير زيد الذي كان قريب عهد بالقرآن والقراءة؟ من هنا لا يمكن الإذعان ببساطة بأن زيد بن ثابت هو الذي تولّى جمع القرآن. وعليه لا بُدَّ من الإقرار بأن كبار الصحابة هم الذين تعهّدوا بجمع القرآن وترتيب سوره بعد رحيل النبي الأكرم|([21]).

 

جواب الأستاذ معرفت ــــــ

حقيقة الأمر أنه كلما تهيّأت الظروف والشرائط للقيام بأمرٍ ما أمكن إنجازه في أقصر مدّة ممكنة، وخاصّة إذا حظي ذلك الأمر باهتمام المسؤولين وأولياء الأمور، واتُّخذت القرارات بضرورة القيام بذلك الأمر في أسرع وقتٍ ممكن. وهذا ما حصل بالنسبة إلى عملية جمع القرآن في تلك المرحلة، ولا سيَّما أن سور القرآن كانت مكتملة، ولم يفضل منها سوى جمعها في مصحف بين دفّتين.

ومن ناحية أخرى فإن زيد لم يقُمْ بأكثر من هذه العملية التي لم تَنْطَوِ على مجهود فكري معقَّد، حتّى يستدعي أن يتولاّه شخص غيره ممَّنْ هو أطول سابقة منه في ما يتعلَّق بالشأن القرآني. ومع ذلك فإننا بطبيعة الحال لا نرتضي تلك الهالة التي أحيط بها زيد من قبل الزرقاني في معرض إثبات صلاحيته لتولّي هذه المهمة، حيث خلع عليه ثمان خصال ليثبت أنه تميَّز بها من سائر الصحابة الآخرين([22]).

 

رأي جولدتسيهر بشأن تحريف القرآن ــــــ

«فلا يوجد كتابٌ تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافاً عقدياً على أنه نصّ منزل أو موحى به، يقدم نصّه في أقدم عصور تداوله بمثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات، كما نجد في نصّ القرآن»([23]).

وقال الأستاذ معرفت في نقد هذا الكلام: «لم يَدْرِ المسكين أن مسألة اختلاف القراءات لا تمسّ تواتر نصّ القرآن الموحّد المحتفظ به لدى جمهور المسلمين، يتوارثونه جيلاً عن جيل، من غير اختلاف. وقد أسلفنا ـ في مبحث القراءات ـ اتّفاق كلمة الأئمة على أن القرآن شيءٌ، والقراءات شيءٌ آخر، لا يمسّ أحدهما الآخر»([24]).

وأضاف جولدتسيهر قائلاً: «إنه وإنْ كان الشيعة قد رفضوا الرأي الذي ذهبت إليه طائفة متطرّفة منهم، من أن القرآن المأثور لا يمكن الاعتراف به مصدراً للدين؛ بسبب الشك في صحّته وبراءته من المآخذ، فإنهم قد تشكّكوا على وجه العموم منذ ظهورهم في صحّة صياغة النصّ العثماني. وهم يدَّعون أن هذا النص العثماني بالنسبة إلى القرآن الصحيح الذي جاء به محمد[|] يشتمل على زيادات وتغييرات هامّة… ويسود الميل عند الشيعة ـ على وجه العموم ـ إلى أن القرآن الكامل الذي أنزله الله [سبحانه] كان أطول كثيراً من القرآن المتداول في جميع الأيدي. وعلى هذا فإن سورة الأحزاب التي تشتمل على 73 آية كانت في النصّ السابق على المصحف العثماني لا تقلّ عن سورة البقرة التي تشتمل على 286 آية، وسورة النور، التي هي الآن 64 آية، كانت قبل ذلك أكثر من مئة آية، وسورة الحجر، وآياتها 99، كانت تحتوي في الأصل على 190 آية»([25]).

وقد أجاب الأستاذ معرفت عن هذا الكلام من خلال أربع نقاط أساسية:

أوّلاً: كيف نسب [جولدتسيهر] إلى الشيعة بالذات الاعتقاد بأن سورة الأحزاب كانت تعدل البقرة؟! وكذا غيرها من السور التي عدّها مزعومة؟! إن هذا الاعتقاد لم يوجد له أثرٌ في كتب الشيعة ورسائلهم، ولا هو معروف عنهم في مستند وثيق.

ثانياً: لماذا اختار لدراسته كتاب «بيان السعادة»، وحسبه من أقدم تفاسير الشيعة، وزعم أن تأليفه تمّ عام (311هـ)، في حين أن مؤلفه السلطان محمد بن حيدر البيدختي الجنابادي ـ وهو زعيم فرقة الـ «نعمة اللهية» ـ كان من مواليد سنة (1251هـ)، وقد فرغ من تأليفه عام (1311هـ)، وهذا يعني أن جولدتسيهر قد أرجع التاريخ الحقيقي عشرة قرون إلى الوراء، ولم يكتفِ بذلك حتّى حرَّف اسم المؤلِّف إلى «ابن حجر البجختي»، بما لا يمكن التعرُّف عليه في تراجم الرجال.

ثالثاً: هلاّ يعلم مثله أن الذوق الصوفي يتنافى تماماً مع عقيدة الشيعة على وجه العموم… إذن كيف صحَّ له أن يجعل كتاباً صوفياً… موضع دراسته، بصدد فهم عقائد الشيعة المتبرِّئين من الصوفية وعقائدهم إطلاقاً؟!

رابعاً: كيف لم يَدْرِ أن الكتاب الآخر الذي وضعه موضع دراسته، أي التفسير المنسوب إلى عليّ بن إبراهيم القمّي، ليس من صنعه، وإنما هو من صنع أحد تلاميذه المجهول الشخصية حتّى الآن. ومن هنا فإن هذا الكتاب لا يصلح للاستناد».

 

رجوع ابن عباس إلى أهل الكتاب في تفسير القرآن! ــــــ

لقد أشار جولدتسيهر في أكثر من موضعٍ من كتابه إلى أن ابن عباس كان يراجع أهل الكتاب لفهم الآيات. فإنه ـ على سبيل المثال ـ كان يسأل كعب الأحبار [اليهودي] عن التفسير الصحيح للتعبيرين القرآنيين: «أمّ الكتاب»، و«المرجان»، وكذلك سأله عن معنى «البرق»([26]).

 

المناقشة ــــــ

أوّلاً: من أين علم جولدتسيهر أن الذي سأل كعباً هو شيخ مكّة وزعيمها ابن عباس؟

ثانياً: لقد اعتمد جولدتسيهر على رواية الطبري، عن شيبان، حيث قال: عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَأَلَ كَعْباً عَنْ أُمِّ الْكِتَابِ، قَالَ:… ومن الجدير بالذكر أن شيبان هذا هو ابن عبد الرحمن التميمي، مولاهم، النحوي، أبو معاوية البصري المؤدّب، سكن الكوفة، ثم انتقل الى بغداد، ومات في خلافة المهدي سنة 164هـ([27])، وكان من الطبقة السابعة. وعليه فهو لم يدرك ابن عبّاس المتوفّى سنة 68هـ، ولا كعب الأحبار الذي هلك في خلافة عثمان عام 32هـ. فالرواية مرسلة، لم يعرف الواسطة فيها، وهي ساقطة عن الاعتبار.

ثالثاً: في ما يتعلق برجوع ابن عباس إلى كعب الأحبار للسؤال عن معنى كلمة «البرق» استند جولدتسيهر إلى رواية موسى بن سالم أبو جهضم.

على أن راوي الخبر، وهو موسى بن سالم أبو جهضم، لم يلْقَ ابن عباس، ولا أدركه؛ لأنه مولى آل العباس، وليس مولى لابن عباس. ففي نسخة الطبري المطبوعة خطأٌ قطعاً. قال ابن حجر: موسى بن سالم أبو جهضم مولى آل العباس. أرسل عن ابن عباس. وهو من رواة الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر×»([28]).

رابعاً: إن الموارد التي ذكروها لإثبات رجوع ابن عباس إلى أهل الكتاب ـ على فرض صحّتها ـ إنما تقتصر على فهم معاني الكلمات، ولا ربط لها بالسؤال عن أخبار الأمم السالفة.

خامساً: «البرق» ـ وهو لفظٌ عربيّ خالص ـ لا موجب للرجوع فيه إلى رجال أجانب عن اللغة، فكيف يا ترى يرجع مثل ابن عبّاس ـ وهو عربيّ صميم وعارف بمواضع لغته أكثر من غيره ـ إلى اليهود الأجانب؟!

اعتبار لفظ «القرآن» و«الفرقان» من الألفاظ الدخيلة ــــــ

احتمل بعض المستشرقين أن كلمة «القرآن» مأخوذةٌ من «قريانة»، بمعنى «القراءة»؛ إذ يُستعمل هذا الجذر في الكنيسة السريانية. وقد استند «ريجي بلاشير» إلى هذه المسألة دون تحقيق([29]).

كما ذهب بعض المستشرقين الآخرين، من أمثال: «هيرشفيلد»، إلى القول بأن مفردة «الفرقان» عبرية، وقد تمّ تعريبها لاحقاً؛ إذ كان أصلها «بيركي» (Pirke)([30]).

وقد ذهب «ريتشارد بيل» إلى الاعتقاد بأن كلمة «فرقان» سريانية، وأنها في الأصل كانت على صيغة «فرقانا» (Furkana)، وأضاف قائلاً: إن هذه المفردة مأخوذة من المصادر المسيحية، بَيْدَ أن محمداً| قد غيَّرها إلى صيغة «فرقان»([31]).

 

المناقشة ــــــ

يجيب العلاّمة محمد هادي معرفت عن ذلك بالقول: إن جميع هذه الاحتمالات تقوم على مجرَّد الوهم والخيال. عندما تكون الكلمة في اللغة العربية ذات اشتقاقات، ولها جذورها الأصيلة، لا يكون هناك مجالٌ لاعتبارها غير عربية. ولكن هذا هو دأب المستشرقين، حيث يسعون إلى افتراض مناشئ اشتقاق غير عربية للكثير من الكلمات القرآنية. وهكذا نجد دائرة المعارف الإنجليزية تفترض كلمة «الإيمان» عبرية أو آرامية، وكلمة «الصلاة» آرامية، وكلمة «القلم» يونانية، وكلمة «الصراط» و«السورة» عبرية([32]). وعلى افتراض وجود كلمة في اللغة السريانية أو لغة أخرى تشبه لفظ القرآن والفرقان فهل يكفي مجرَّد الاحتمال في اعتبارها من الكلمات القرآنية المستعربة؟ ألا يُحتمل أن تكون اللغة السريانية هي التي أخذتها من اللغة العربية؟ بمعنى أن نحتمل أن يكون لفظ «فرقانا» أو «بيركي» وأمثالهما كان في الأصل عربياً، ثم انتقل إلى اللغات اللاتينية وغير العربية؟ مَنْ الذي يمكنه تحديد أيّ هذين الوضعين هو المتقدِّم على الآخر من الناحية الزمنية؟([33]).

 

القرآن والأخطاء النحوية ــــــ

ادّعى بعض المستشرقين، من أمثال: «ثيودور نولدكه»، أن القرآن يحتوي على أخطاء نحوية وأدبية، الأمر الذي يستلزم بطلان القول بسماوية هذا الكتاب!

وقد استندوا في ذلك إلى رواية مرويّة عن عائشة، وهي الرواية التي تقول بأن هناك ثلاث كلمات في القرآن وقع الخطأ فيها؛ بفعل كتّاب الوحي، وهي الكلمات الواردة في الآيات التالية:

ـ ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (طه: 63).

ـ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ (المائدة: 69).

ـ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (النساء: 162).

ففي الآية الأولى ورد ذكر «إنْ» من دون تشديد.

وفي الآية الثانية جاءت كلمة «الصابئون» عطفاً على اسم «إنّ»، فوجب أن تكون منصوبة، ولكنّها ذكرت مرفوعة.

وفي الآية الثالثة كلمة «المقيمين» كان يجب أن ترد مرفوعة؛ بلحاظ ما قبلها وما بعدها، ولكنّها وردت مع ذلك منصوبة([34]).

 

نقدٌ ومناقشة ــــــ

إن القرآن الكريم من أعرق وأقدم الوثائق المعتبرة في اللغة العربية. من هنا لا يوجد أدنى تشكيك في حجِّيته واعتباره؛ لأنه نزل في حقبة بلغ فيها العرب ذروة حضارتهم الأدبية. وقد اعترف المشاهير من بلغاء العرب بأن هذا الكتاب السماوي يتمتع بأدب رفيع لا يدانيه أدبٌ آخر.

يُضاف إلى ذلك أن كبار العلماء في اللغة العربية وقواعدها ذكروا توجيهات أدبية ومبرهنة على صحة كتابة وقراءة الكلمات المذكورة في الآيات الثلاثة المتقدّمة. ففي الآية 63 من سورة طه، طبقاً للقراءة الصحيحة ـ التي هي قراءة حفص عن عاصم وجمهور المسلمين ـ يجب تخفيف «إنْ» لتكون مخفَّفة من الثقيلة. والدليل على ذلك دخول اللام على خبرها «لساحران».

وفي الآية 69 من سورة المائدة يتمّ توجيه رفع الاسم المعطوف على خبر «إنّ» قبل إكمال الخبر المعطوف؛ بسبب العطف على محلّ اسم «إنّ» وهو الابتداء، فيكون مرفوعاً بالابتداء على القاعدة.

وأما نصب كلمة «المقيمين»، في الآية 162 من سورة النساء، فلأنه على القطع؛ لأجل المدح والاختصاص، وهو شائعٌ في اللغة العربية، بمعنى أن هذه الكلمة وقعت في موضع مفعول لفعل تقديره: «أمدح»، أو «أخصّ»([35]).

هذا وقد أشار الأستاذ معرفت إلى هشاشة هذه التُّهْمة بالقول: «هكذا زعم من لا دراية له من المستشرقين وأذنابهم أن في القرآن لحناً، وتغافلوا عن أن لو كان الأمر على ذلك لاتّخذه مناوئو الإسلام من أوّل يوم ذريعة للغمز فيه، وهم عربٌ أقحاح، ولم يصل الدور إلى هؤلاء الأجانب الأسقاط»([36]).

 

لماذا عرَّف القرآن أم عيسى× بوصفها أخت هارون؟ ــــــ

أشكل بعض المستشرقين، من أمثال: «أندريه ريبين»، وبعض المبشِّرين المسيحيين، من أمثال: «تسدال»، على ما جاء في القرآن من قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ (مريم: 27 ـ 28) بالقول: لقد أخطأ القرآن في اعتبار السيدة مريم «أمّ عيسى×» أختاً لهارون. نعم، كان لهارون أختٌ تدعى مريم، وقد عاشت في ذات العصر الذي عاش فيه النبيّ موسى وهارون’، وذلك قبل قرون طويلة سبقت عصر السيد المسيح وأمّه’.

جاء في الكتاب المقدس: كان لهارون أختٌ اسمها مريم، وعاشت في فترة هارون وموسى، وليس في عصر عيسى([37])، ولم يدَّعِ أحدٌ من اليهود أن مريم أخت هارون وابنة عمران قد عاشت حتّى أدركت عصر السيد المسيح عيسى×([38]).

 

الجواب ــــــ

قال الشيخ معرفت في الجواب عن هذا الإشكال: «هكذا وهم تسدال ومَنْ حذا حذوه من المبشِّرين. لكنّه وَهْمٌ فاحش؛ إذ كيف يمكن أن يخفى مثل هذا الفصل البيّن بين موسى والمسيح’ على العرب العائشين في جوار اليهود وبين أظهرهم طيلة قرون، وكذا مراودتهم مع نصارى نجران والأحباش، فضلاً عن نبي الإسلام النابه البصير؛ ليتصوَّر أن مريم أمّ المسيح هي مريم أخت موسى وهارون! إذ من يعرف أن لموسى وهارون أختاً اسمها مريم لا يمكنه الجهل بهذا الفصل الزمني بين مريمين!

هذا، وقد وقع التساؤل عن هذا التشابه على عهد الرسول|، على ما نقله السيد رضي الدين ابن طاووس عن كتاب «غريب القرآن»، لعبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي (من كبار رجال القرن الثالث)، بإسناده إلى المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله| إلى نصارى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرأون: «يا أخت هارون»، وهارون أخو موسى بينه وبين عيسى المسيح بكذا وكذا؟ قال: فرجعت، وذكرت ذلك لرسول الله|، فقال: ألا أخبرتهم (أو قلت لهم): إنهم كانوا يُسمَّوْن بالأنبياء والصالحين قبلهم([39]).

والخلاصة أن التسمية باسم الآباء والأمهات ـ تشرُّفاً بهم ـ شيءٌ معروف، كما جاء في كلام رسول الله|، ولا سيَّما أن هارون كان سيِّد قومه، مهاباً عظيماً، له شأن في بني إسرائيل»([40]).

 

إنكار هامان وزير فرعون ــــــ

يذهب المستشرق الألماني «ثيودور نولدكه» إلى الاعتقاد بحصول خطأ تاريخي في اعتبار هامان وزيراً لفرعون. وقد كتب مقالاً في هذا الشأن نشره للمرة الأولى في الطبعة التاسعة لدائرة المعارف البريطانية سنة 1887م([41]). ثم أعاد نشره ضمن كتابه «تاريخ القرآن» سنة 1892م([42]).

 

المناقشة ــــــ

إن «هامان» الذي جاء ذكره في القرآن ـ مُردَفاً باسم فرعون وقارون ـ اسم معرَّب قطعاً، كما هي العادة عند العرب عند التلفُّظ بالكلمات الأجنبية… وإن «هامان» معرَّب «آمون» أو «أمانا»، كان يُلقَّب به رؤساء كهنة معبد آمون، كبير آلهة المصريين في مدينة طيبة في أعالي النيل([43]).

لقد كان كبير الكهنة «آمون» يحتلّ منصب الوزارة لفرعون. فاسم «هامان» في القرآن يمثِّل اسم «آمون». ويسهل التقريب بين الاسمين عندما نعرف أن «آمون» ينطق كذلك «أمانا»… فهامان لقب كبير كهنة «آمون»، الذي كان يشغل منصب وزارة فرعون في الشؤون المالية والعمرانية([44]).

وقد ذهب الأستاذ معرفت ـ مستنداً إلى الآيات 6 و8 و38 من سورة القصص، والآية 39 من سورة العنكبوت، والآيتين 23 و24 من سورة غافر ـ إلى القول: «يبدو من هذه الآيات أن «هامان» هو ـ على الغالب ـ وزير فرعون. ولهذا أكّد المفسِّرون أن هامان هذا كان وزير فرعون مصر الذي حكم في عهد موسى×»([45]).

 

التشكيك بشأن السامري ــــــ

شكّك بعض الكتّاب المسيحيين في «السامري»، وقال: «إن السامري نسبة إلى السامرة، وهي بلدة كانت في أرض فلسطين، بناها «عُمري» رابع ملوك بني إسرائيل، المتأخِّر عن عهد نبي الله موسى× بخمسة قرون، فكيف يكون معاصراً له، وقد صنع العجل كما جاء في القرآن؟!([46]).

 

نقدٌ ــــــ

إن السامري ـ في القرآن ـ ليس منسوباً إلى بلدة السامرة، وإنما هي نسبة إلى «شمرون»، وهي بلدة كانت عامرة على عهد نبيّ الله موسى ووصيّه يوشع بن نون، والنسبة إليها شمروني، عُرِّبت إلى سامري، ويُجمع على شمرونيم (سامريين). وقد فتحها يوشع، وجعلها في سبط «زبولون»، كما جاء في سفر اليشوع([47]). هذا ما حقَّقه العلامة الحجّة البلاغي([48]).

قال الأستاذ عبد الوهاب النجّار: ويغلب أن تكون «الشين» في العبرية «سيناً» في العربية، كما كان ينطق بها أيضاً السبط أفرايم بن يوسف([49]).

وأضاف الأستاذ معرفت قائلاً: «وما ذكره الحجّة البلاغي أقرب في النظر»([50]).

إنكار نتوق الجبل فوق رؤوس بني إسرائيل ــــــ

حادث نتوق الجبل ـ وهو زعزعته من الأعالي ـ قد ذكره القرآن، وأنكره بعض المستشرقين؛ بحجّة أنه لم يأتِ ذكره في العهد القديم([51])، وعورض أيضاً بأنه من باب التعنيف [والإكراه] على التكليف([52]).

 

المناقشة ــــــ

لقد جاء ذكر هذه الحادثة في القرآن في موضعين، وهما:

1ـ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 63).

2ـ ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 171).

ليس في الآيتين سوى جزء عظيم من أعالي الجبل أثناء رجفةٍ أو زلزال رأوه بأعينهم وهم مجتمعون في سفح الجبل، وانحدر هابطاً ليتوقَّف في الأثناء، وكانت وقفة بصورة عمودية، مطلاًّ عليهم جانباً، فظنوا أنه واقع بهم. وصادف ذلك أن كان عند أخذ الميثاق منهم على العمل بشريعة التوراة… وهذا من قبيل: إراءة المعاجز على أيدي الأنبياء؛ إيقاظاً للضمير، وليس إكراهاً على التسليم.

وفي هذا المقدار من دلالة الآيتين توافق مع ما جاء في العهد القديم([53]).

أما اقتلاع الجبل من أصله، وبرمّته، ورفعه في السماء فوق رؤوسهم، فهذا ما لم يذكره القرآن، ولا جاء في روايةٍ معتمدة عندنا… وبذلك اتَّضح معنى قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ﴾، أي رفعناه جانبيّاً، لا شيء سواه([54]).

 

الخلاصة ــــــ

تعرَّضنا في هذا المقال لبحث آراء معرفت بشأن مواقف المستشرقين. فقد تعرّض المحقِّق في كتبه ومؤلَّفاته في مجال العلوم القرآنية لأقوال وكلمات القسيس يوسف درّة الحداد، وتسدال، وبلاشير، وجولدتسيهر، وهيرشفيلد، وريتشارد بيل، وثيودور نولدكه، وقام بنقدها دون صخب أو توظيف فاحش العبارة.

وفي ما يتعلق بطباعة القرآن من قبل المستشرقين اكتفى سماحته بمجرّد التقرير.

وأجاب عن شبهة اقتباس القرآن من التوراة، اعتماداً على الأدلة العقلية والنقلية.

وانتقد موضوع «القرآن والأناجيل» على أساس كتب العهدين والوثائق التاريخية.

وأجاب عن إشكال «بلاشير» بشأن دور زيد بن ثابت في جمع القرآن بالقول: إن علماء أهل السنّة قد وضعوا لزيد خصائص مبالغاً بها، وإنهم قد رفعوه فوق موضعه. ومن جهةٍ أخرى فإنّ ما قام به زيد لم يكن عملاً معقَّداً يحتاج إلى خبير ومتخصّص في القرآن، وإنما هو عمل تنظيمي وإداري، لا أكثر.

وفي معرض الإجابة عن جولدتسيهر في القول بشبهة تحريف القرآن أثبت أن «القرآن» و«القراءات» مفهومان متغايران، وحقيقتان مختلفتان، وأن جولدتسيهر قد خلط بين هذين الأمرين، وأراد أن ينطلق من هذا الخطأ لاستنتاج تحريف القرآن من القول باختلاف القراءات.

وفي ما يتعلق بشبهة «المفردات الأجنبية» في القرآن قام استدلاله العقلي على القول بأن مجرَّد التشابه اللفظي بين الكلمات القرآنية والكلمات الأجنبية لا يعني استلزاماً عقلياً أن القرآن قد أخذ تلك الكلمات أو استعارها من اللغات الأجنبية، بل قد يكون العكس هو الصحيح، بمعنى أن اللغات الأخرى قد تكون هي التي أخذت هذه الكلمات من اللغة العربية.

وفي ما يتعلّق بالردّ على شبهة الأخطاء النحوية والأدبية في القرآن اعتمد على أدلة كبار علماء اللغة العربية في ردّ هذه الشبهة.

وفي ما يتعلّق باتهامات بعض المستشرقين بشأن بعض القصص القرآني أثبت ضعف احتمالاتهم من خلال القرائن والشواهد التاريخية.

وفي المجموع يمكن لنا أن نستنتج ـ من خلال نظرة الأستاذ معرفت& إلى ظاهرة الاستشراق ـ ضرورة الردّ على شبهات المستشرقين بالتحليل والأدلّة الصحيحة، وعدم الاكتفاء بالقول: إنها بأجمعها ضعيفة وغير صائبة، ولا تستحق المناقشة أو النقد.

 

الهوامش

(*) عضو اللجنة العلميّة في جامعة المصطفى‘ العالميّة، وعضو الهيئة العلميّة في مدرسة القرآن والحديث التابعة لمركز الإمام الخميني التعليمي العالي. باحثٌ متخصِّصٌ في علوم القرآن الكريم، وله عدّة تأليفات في هذا المجال، وخاصّة حول المستشرقين والقرآن.

([1]) يوسف درّة الحداد من القساوسة المشرقيين، وليس مستشرقاً. المعرِّب.

([2]) انظر: فؤاد عبد المنعم، من افتراءات المستشرقين على الأصول العقدية في الإسلام: 17.

([3]) مجلة «قرآن ومستشرقان»، العدد 1: 11 ـ 13، السنة الأولى، شتاء عام 1385هـ.ش.

([4]) محمد فريد وجدي، دارة معارف القرآن العشرين 10: 713.

([5]) محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 33 ـ 34، نقلاً عن: محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين 10: 703.

([6]) Hinckleman.

([7]) Maracci.

([8]) Padoue.

([9]) Flugel.

([10]) Leipig.

([11]) انظر: محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 138.

([12]) انظر: محمد حسن زماني، مستشرقان وقرآن: 127 فما بعد.

([13]) بلغ يوسف درّة الحداد مرتبة الكهنوت في الكنيسة اللبنانية عام 1939م. وقد عكف في منصبه الجديد لمدّة عشرين سنة قضاها في البحث حول جذور الإسلام والقرآن، وقد سعى في جهوده إلى إقامة التقارب بين القرآن والعهدين؛ ليعرّف العهدين بوصفهما مصدراً للقرآن الكريم. وكانت وفاته سنة 1979م.

([14]) يوسف درّة الحداد، دروس قرآنية 2: 173 ـ 188، فصل: القرآن وبينة القرآن الكتابية.

([15]) عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره 1: 271 ـ 290، 335. وانظر أيضاً: ثيودور نولدكه، تاريخ القرآن: 3 فما بعد (الفصل الأول: نبوة محمد ومصادر تعاليمه)، ترجمة: جورج تامر.

([16]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 13.

([17]) انظر: عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره 1: 290 ـ 296.

([18]) إنجيل لوقا، الإصحاح الأول، الآيات 26 ـ 38.

([19]) انظر: محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 78 ـ 83.

([20]) ريجي بلاشير: مستشرق فرنسي معاصر. له الكثير من الكتب والأعمال الهامة في موضوع القرآن والأدب العربي وسائر مباحث العلوم الإسلامية، وعلى رأسها: الترجمة الكاملة للقرآن باللغة الفرنسية. وقد تضمّنت مقدمة هذه الترجمة تحقيقات قيِّمة في مجال تاريخ القرآن وعلومه. وعلى الرغم من سعي بلاشير إلى التزام الحياد والانصاف، إلاّ أن أعماله لم تخْلُ من العصبية، كما وقع في الخطأ في الكثير من الموارد. (انظر: در آستانه قرآن: 3 فما بعد).

([21]) ترجمة وتلخيص عن مجلة «خواندني ها» باللغة الفارسية، العدد 44، السنة الثامنة، بتاريخ: بهمن عام 1326هـ.ش، طهران.

([22]) انظر: محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن: 302 ـ 305.

([23]) إيجناتس جولدتسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي: 4، ترجمة: عبد الحليم النجار.

([24]) محمد هادي معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 94؛ التمهيد في علوم القرآن 2: 79.

([25]) إيجناتس جولدتسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي: 293 ـ 294، ترجمة: عبد الحليم النجار.

([26]) انظر: إيجناتس جولدتسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي: 85، 88، ترجمة: عبد الحليم النجار؛ ابن جرير الطبري، جامع البيان 13: 82.

([27]) انظر: ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب 4: 373.

([28]) المصدر السابق 10: 344.

([29]) انظر: فضل حسين بن عباس، قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية: 25 ـ 26.

([30]) انظر: عبد الرحمن بدوي، الدفاع عن القرآن ضدّ منتقديه: 58.

([31]) انظر: المصدر السابق: 60.

([32]) انظر: محمد حسين علي، المستشرقون والدراسات القرآنية: 34؛ قضايا قرآنية: 26.

([33]) انظر: محمد هادي معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 23 ـ 24.

([34]) انظر: أبو داوود السجستاني، المصاحف: 33 ـ 34.

([35]) انظر: تأويل مشكل القرآن: 52؛ الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان 3: 224.

([36]) انظر: محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 368 فما بعد.

([37]) دائرة المعارف القرآنية ليدن: 1 ـ 2. (Aoron – Andrew Rippin).

([38]) انظر: مصادر الإسلام: 102 ـ 104؛ الفن القصصي: 57 ـ 58.

([39]) سعد السعود: 221.

([40]) محمد هادي معرفت، نقد شبهات پيرامون قرآن كريم: 114 ـ 115؛ شبهات وردود حول القرآن الكريم: 83 ـ 85.

([41]) See: Encyclopedia Britanica, 9 eme ed. Tome, P. 597.

([42]) انظر: عبد الرحمن بدوي، الدفاع عن القرآن ضدّ منتقديه: 184.

The sket ches from eastern history, 1892, p. 21 – 58.

([43]) قاموس الكتاب المقدّس: 649؛ الموسوعة المصرية: 124.

([44]) انظر: دائرة المعارف البريطانية 1: 321، طبعة عام 1982م.

([45]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 353 ـ 349.

([46]) عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره 1: 352.

([47]) انظر: صحيفة يوشع 1: 1؛ 12: 20؛ 19: 15.

([48]) انظر: محمد جواد البلاغي، الهدى إلى دين المصطفى 1: 103.

([49]) عبد الوهاب النجار، قصص الأنبياء: 224.

([50]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 69 ـ 70.

([51]) انظر: عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره 1: 348.

([52]) انظر: محمد رشيد رضا، تفسير المنار 1: 340؛ محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 200.

([53]) انظر: سفر الخروج، الإصحاح التاسع عشر، الآيات 14 ـ 19.

([54]) محمد هادي معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم: 72 ـ 77.