القواعد الرجاليّة للأستاذ معرفت في مجال التفسير

14 أغسطس 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
37 زيارة

القواعد الرجاليّة للأستاذ معرفت في مجال التفسير

د. السيد علي سجادي زاده(*)

ترجمة: وسيم حيدر

مقدّمة

لقد طُلب منّي، بوصفي واحداً من تلاميذ الأستاذ معرفت ـ حيث درست على يديه سنوات طويلة ـ، أن أكتب مقالةً في مسيرته الفكرية في مجال علم الرجال. وفي حدود ذاكرتي وتتبُّعي فإن سماحته لم يؤلِّف كتاباً مستقلاًّ في هذا الشأن. بَيْدَ أن تحقيقاته القرآنية والفقهية ـ ولا سيَّما دراساته في تاريخ التفسير ـ مفعمةٌ بالتحقيقات الدقيقة في المسائل الرجالية وتراجم الرجال. وبعبارةٍ أخرى: إن الأستاذ معرفت قد وظَّف مبانيه الرجالية في مهدها الرئيس، ألا وهو مجال التفسير والفقه وعلوم القرآن، وقد استعرض تطبيق هذا العلم ـ بشكلٍ خاص ـ في علوم القرآن والتفسير. من هنا فقد توجَّهتُ مباشرة إلى مؤلَّفات سماحته الفقهية والتفسيرية وما كتبه في علوم القرآن، لأستخرج منها مبانيه الرجالية، وأعمل على عرضها على القارئ الكريم ضمن هذا المقال.

وبالالتفات إلى تتلمذي على يديه لسنواتٍ طويلة فقد توفَّرت عندي ـ بالإضافة إلى كتبه المطبوعة ـ مجموعةٌ من المقالات المخطوطة لسماحته. وقد اعتمدتُ على هذه المخطوطات، بالإضافة إلى تلك المؤلَّفات المطبوعة، في الوصول إلى المباني الرجالية لسماحته.

على أمل أن يسهم هذا المقال في بيان جانب من دقّة وقوّة ملاحظة الأستاذ معرفت& في هذا المجال المذكور، وأن يشكّل مادّة نافعة للمحقِّقين، ولا سيَّما من تلاميذ سماحته.

رأي الأستاذ معرفت بشأن الحاجة إلى علم الرجال

هل تحتاج الدراسات التفسيرية والفقهية وسائر العلوم الإسلامية إلى علم الرجال أم لا؟

هناك للعلماء في هذا الشأن ثلاثة آراء مختلفة، وهي:

1ـ عدم الحاجة إلى النقد السندي.

2ـ الحاجة إلى وثاقة الرواة.

3ـ الاكتفاء بالوثاقة الصدورية للأحاديث، مع الاستناد إلى القرائن.

الرأي الأوّل

ذهب بعض العلماء ـ ولا سيَّما الأخباريين منهم ـ إلى إنكار الحاجة إلى هذا العلم؛ وذلك لادعائهم وجود عدد كبير من المصادر الروائية التي وصلت إلينا على نحو التواتر، ولا سيَّما الكتب الأربعة منها، وهي: الكافي، للشيخ الكليني؛ ومَنْ لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق؛ والتهذيب والاستبصار، للشيخ الطوسي. وإن هذه الكتب قد اشتملت على أحاديث متواترة، أو محفوفةٍ بقرائن تفيد صحّة صدورها، وتجعل العمل بها واجباً، دون الحاجة إلى مراجعة الأبحاث الرجالية أو المصطلحات الحديثية.

ويعتبر الشيخ محمد بن الحسن الحُرّ العاملي ـ صاحب كتاب وسائل الشيعة ـ من القائلين بهذا الرأي. فقد ذكر في خاتمة «وسائل الشيعة»، و«هداية الأمة»، عدداً كبيراً (ما يقرب من مئة كتاب) من كتب الحديث المعتمدة عنده، وذكر الكثير من القرائن على صحّة الأحاديث الواردة في هذه الكتب ونظائرها، ووجوب العمل بها([1]).

الرأي الثاني

ذهب بعض كبار العلماء من الفقهاء والمحدِّثين إلى الاعتقاد بأن رجال السند يلعبون دوراً أساسياً في إثبات صحّة الرواية، بمعنى أن سلسلة السند إذا كان رواتها من الثقات فإنها ستكون معتبرة، وإلاّ فلا. وهذا ما ذهب إليه الشهيد الثاني، ونجله صاحب المعالم، وحفيده القدير السيد محمد العاملي (صاحب المدارك). ومن المعاصرين ذهب إلى هذا القول السيد الخوئي وعددٌ كبير من تلاميذه.

وهناك من هؤلاء مَنْ لم يكتفِ بمجرّد وثاقة الراوي فقط، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، واشترط أن يكون الراوي الثقة إمامياً، أو إمامياً ممدوحاً، وأن يشهد له بذلك شاهدان من الرجاليين المعتبرين. وهذا الرأي هو الذي ذهب إليه السيد محمد العاملي، وخاله الحسن بن زين الدين صاحب كتاب «معالم الدين وملاذ المجتهدين».

الرأي الثالث

يذهب أصحاب الرأي الثالث إلى القول بأن علم الرجال يُعَدّ ـ على نحو الموجبة الجزئية ـ من مقدّمات الفقاهة، بَيْدَ أن المهمّ في البين هو صدور الحديث عن المعصوم×. ومضافاً إلى علم الرجال يجب الاستعانة بالقرائن المتنوِّعة لإثبات اعتبار الحديث. وقد ذهب إلى هذا القول علماء كبار، من أمثال: المحقِّق السبزواري (صاحب الذخيرة)، والشيخ الأعظم الأنصاري، والحاج السيد رضا الهمداني، والسيد محسن الحكيم، وآخرين([2]).

وقد ذهب الأستاذ معرفت& في مجال التفسير والعلوم القرآنية إلى اختيار الرأي الثالث، وبعبارةٍ أخرى: إن أحد مباني فقه الحديث لدى الأستاذ معرفت& هو نقد محتوى الحديث، قبل الخوض في سنده. فرغم الدَّوْر الذي تضطلع به الأسناد في إثبات اعتبار الحديث، إلاّ أنه يقع في الدرجة الثانية في سُلَّم الاعتبار.

فبعد الإشارة إلى أهمّ المباني في نقد الحديث، وهي العرض على الكتاب ومحكم الآيات، ذهب سماحته في كتابه «التفسير الأثري الجامع» إلى القول بأن المراد من الكتاب هو محكمات الدين والأمور الثابتة من ضرورة العقل، والتي تشمل السنّة والبرهان العقلي أيضاً، وذلك إذ يقول:

«ومن ثمّ فطريقة التمحيص هي ملاحظة المحتوى، في اعتلاء فحواه، وقوّة مؤدّاه، قبل ملاحظة الأسناد، وإن كان للأسناد أيضاً دورها في الاعتبار، ولكنْ في الدرجة الثانية، على خلاف مذاهب بعض المتأخِّرين في اهتمامهم بالأسانيد مَحْضاً، وترك رعاية المحتوى، قوّةً واعتلاءً»([3]).

إن المعيار في تحديد الغثّ من السمين من الأحاديث والروايات في مدرسة أهل البيت هو العرض على الكتاب؛ بوصفه النصّ الثابت والمسلّم الذي لا يأتيه الباطل أبداً، والمجمع عليه من قبل كافّة المسلمين([4]).

وقد تنبَّه إلى هذه المعايير المدقِّقون من الرواة في عصر حضور الأئمّة^، من أمثال: يونس بن عبد الرحمن([5])؛ وكذلك المؤلِّفون في عصر الغيبة أيضاً.

وأما في القرون المتأخرة، فحيث تقادم الزمن، وزالت بعض القرائن الأخرى، صار الاعتبار والأصالة بالنسبة إلى المتأخِّرين من علماء الشيعة إلى سند الحديث، وأخذوا يقيِّمون اعتبار الحديث وعدم اعتباره على أساس صحّة واعتبار السند.

علوم الحديث ودورها في الاجتهاد ومعرفة الإسلام

لقد كانت علوم الحديث قديماً ـ ولا تزال ـ من مقدّمات الفقاهة والاجتهاد ومعرفة الإسلام. وقد كانت المصادر الحديثية ومقدار اعتبارها، ومعرفة رجال الحديث، ولا سيَّما المعتمدين والثقات منهم، وعلى المقلب الآخر معرفة الكذّابين والوضّاعين الذين يبيعون الدين بالدنيا، قد شكَّلت هاجس الأئمّة المعصومين^ وعلماء وفقهاء الشيعة منذ عصر الأئمّة وحتّى هذه اللحظة.

إن عرض المدوّنات الحديثية على الأئمة المعصومين^، والسؤال عن اعتبار أو عدم اعتبار الراوي، وتحذير الأئمّة المعصومين^ من بعض الفاسدين، وتدوين علم الرجال وتأليف الكتب في هذا العلم منذ عصر الأئمّة، وتصريح كبار علماء الشيعة ـ في مجال الفقاهة ـ بالحاجة إلى علم الرجال، يثبت بأجمعه الدَّوْر الكبير والهام لمعرفة كتب الحديث وعلم الرجال، ومكانته في الفقاهة وسائر العلوم الإسلامية.

وفي ما يلي نكتفي بذكر بعض الأمثلة؛ كي يزداد القارئ بصيرةً بهذا الشأن:

روى الكشّي في رجاله عن الإمام الصادق×، أنه قال: «إن المغيرة بن سعيد ـ لعنه الله ـ دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدِّث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربِّنا تعالى وسنّة نبينا‘»([6]).

وعندما اعترض البعض على يونس بن عبد الرحمن؛ بسبب تشدُّده في أمر الحديث، قال: «وافيتُ العراق، فوجدتُ بها قطعةً من أصحاب أبي جعفر×، ووجدتُ أصحاب أبي عبد الله× متوافرين، فسمعتُ منهم، وأخذتُ كتبهم، فعرضتُها من بعدُ على أبي الحسن الرضا×، فأنكر منها أحاديث كثيرة، أن تكون من أحاديث أبي عبد الله×، وقال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله×، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله×، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن»([7]).

وقال أحد كبار المراجع المعاصرين، في معرض تعداد أهمّ الأمور التي تؤخذ في إثبات الأعلمية: «الأوّل: العلم بطرق إثبات صدور الرواية. والدخيل فيه علم الرجال وعلم الحديث، بما له من الشؤون، كمعرفة الكتب، ومعرفة الرواية المدسوسة بالاطّلاع على دواعي الوضع، ومعرفة النسخ المختلفة، وتمييز الأصحّ من غيره، والخلط الواقع أحياناً بين متن الحديث وكلام المصنّفين، ونحو ذلك»([8]).

كما ذهب الإمام الخميني& إلى اعتبار علم الرجال واحداً من شروط الاجتهاد، إذ قال: «منها: علم الرجال، بمقدارٍ يحتاج إليه في تشخيص الروايات، ولو بالمراجعة إلى الكتب المُعَدّة لرجال الاستنباط. وما قيل من عدم الاحتياج إليه؛ لقطعية صدور ما في الكتب الأربعة، أو شهادة مصنِّفيها بصحّة جميعها أو غيرها، كما ترى»([9]).

وفي ما يتعلق بالبيبليوغرافيا هناك للأستاذ معرفت الكثير من التحقيقات في هذا الشأن، ويمكن القول: إن أهم مطالب كتابَيْه: «التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب»؛ و«صيانة القرآن من التحريف»، تتعلق بهذا الموضوع.

ولغرض التعرُّف على رأي الأستاذ معرفت نتعرَّض هنا إلى ذكر نموذجين من الكتب المنسوبة إلى كبار الأمّة والأئمّة المعصومين^، وذلك على النحو التالي:

أـ التفسير المنسوب إلى ابن عبّاس(68هـ)

إن من بين الكتب المتوفّرة والمعروفة هو التفسير المنسوب إلى ابن عبّاس، بعنوان: «تنوير المقباس».

وقال الأستاذ معرفت في دراسته لهذا التفسير: «تفسير ابن عبّاس، الموسوم بـ «تنوير المقباس من تفسير عبد الله بن عبّاس»، من تأليف محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، صاحب القاموس(827هـ). وقد طبع مكرّراً. والسند في أوله هكذا: أخبرنا عبد الله ـ الثقة ـ ابن المأمون الهروي قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرنا أبو عبيد الله محمود بن محمد الرازي قال: أخبرنا عمّار بن عبد المجيد الهروي قال: أخبرنا عليّ بن إسحاق السمرقندي، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس».

ثم قال الشيخ معرفت في نقد هذا الطريق: «غير أن عليّ بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي السمرقندي، قال ابن حجر: مات في شوال سنة (237). وأما محمد بن مروان السُّدّي الصغير فقد توفي سنة (186هـ). وعليه فيكون تحمُّله عنه في حال الصغر جدّاً. وسائر رجال السند مجهولون. كما لم يأتِ تصريحٌ باسم الجامع الذي يقول: «أخبرنا عبد الله الثقة»، هل هو الفيروزآبادي، صاحب القاموس، أم غيره؟

 وعلى أيّ تقدير فإنّ هذا التفسير الموجود يعتبر مجهول السند، ومجهول النسبة إلى مؤلّفٍ خاصّ، فضلاً عن مثل: ابن عباس.

هذا، وبعد ملاحظة متن التفسير، الذي لا يعدو ترجمة ألفاظ القرآن ترجمة غير مستندة، ومختصرة إلى حدٍّ بعيد، يبعد كونه من تفسير حبر الأمّة وترجمان القرآن.

على أن للكلبي، وكذا للسدّي الصغير، تفسيرٌ جامع وموضع اعتبار لدى الأئمّة على ما أسلفنا، فلو كانا هما الراويين لهذا التفسير لكان فيه شيءٌ من آثارهما، وعلى تلك المرتبة من الجلالة والشأن.

كما أن المأثور من ابن عباس، على ما جمعه الطبري وغيره، لا يشبه شيئاً من محتوى هذا التفسير الساذج جدّاً.

وبالتالي فقد قال الأستاذ الداوري: والذي يبدو لنا من مراجعة هذا التفسير أن جامعه عمد إلى تفسير القرآن تفسيراً ساذجاً في حدّ ترجمةٍ بسيطة، تسهيلاً على عموم المراجعين. وهذا أمرٌ مطلوب ومرغوب فيه شرعاً. ولكنه صدّر كلّ سورة برواية عن ابن عبّاس؛ تيمُّناً وتبرُّكاً باسم ترجمان القرآن، ولم يقصد أنّ كلّ ما ورد في تفسير السورة من تفسيره بالذات»([10]).

ب ـ التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري×

التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري×، والذي يذكر في الكتب الروائية والتفسيرية وما إليها بـ «تفسير الإمام×»، كتابٌ انتشر في المحافل العلمية منذ النصف الثاني من القرن الهجري الرابع.

وكان الشيخ الصدوق& هو أوّل مَنْ روى عنه في كتبه: «مَنْ لا يحضره الفقيه»، و«التوحيد»، و«الأمالي»، و«عيون أخبار الرضا×».

وقد اختلفت آراء كبار الشيعة بشأنه؛ حيث ذهب البعض منهم ـ من أمثال: ابن الغضائري والعلاّمة الحلي والسيد الخوئي والسيد الخميني وآخرين ـ إلى اعتباره من المختلقات.

وفي المقابل ذهب آخرون ـ من أمثال: المحقّق الكركي والشهيد الثاني والمجلسي الأول والعلاّمة المجلسي والشيخ الحُرّ العاملي وآخرين ـ إلى صحّة نسبته إلى الإمام الحسن العسكري×([11]).

أما الأستاذ معرفت فقد اختار الرأي الذي ذهب إليه ابن الغضائري في تضعيف المفسِّر الإسترآبادي، واتّهمه بالكذب.

ثمّ عمد إلى نقل كلام أستاذه السيد الخوئي عن «معجم رجال الحديث»، حيث يثبت مجهولية محمد بن القاسم وعدم ثبوت وثاقته، لينتهي بعد ذلك إلى القول باختلاق هذا التفسير([12]).

وقد عمد الأستاذ الشيخ معرفت إلى تناول هذه المسألة في كتابه «التمهيد» بتفصيلٍ أكبر، ومنه قوله: «تفسير الإمام، وهو المنسوب إلى الإمام الحادي عشر الحسن بن عليّ العسكري×. وقد طعن بعض المحقِّقين في نسبته إلى الإمام×؛ لما فيه من مناكير.

لكنْ لو كان المقصود أنه من تأليف الإمام بقلمه وإنشائه الخاصّ فهذا شيءٌ لا يمكن قبوله بتاتاً. وأما إذا كانت النسبة بملاحظة أن الراوي كان يحضر مجلس الإمام×، ويسأله عن أشياء ممّا يتعلَّق بتفسير آي القرآن، ثم عندما يرجع إلى داره يُسجِّله حسب ما حفظه ووعاه، وربما يزيد عليه أشياء أو ينقص، وفق معلوماته الخاصّة أيضاً، فهذا شيءٌ لا سبيل إلى إنكاره.

ونحن نقول بذلك، ومن ثمّ نعتمد على كثيرٍ ممّا جاء في هذا التفسير، ممّا يوافق سائر الآثار الصحيحة»([13]).

وكما يتّضح من هذا الكلام فإن سماحته يعتمد على هذا التفسير من الناحية العملية أيضاً. وقد ذكر في هذا السياق بعض المطالب والمسائل في مؤلَّفاته، من قبيل: «التمهيد في علوم القرآن»، و«التفسير الأثري الجامع»، وغيرهما([14]).

مباني الأستاذ معرفت في توثيق الرجال وتضعيفهم

إن الأستاذ معرفت يتوسَّع في الاستفادة من مصادر الفريقين ـ سنّةً وشيعة ـ في ما يتعلَّق بالرجال، ويخوض في دراسة جميع هذه المصادر بصبرٍ وأناة ورويّة، متمعِّناً في تجميع القرائن والشواهد المفيدة للاطمئنان. وبذلك يكون منهجه من أوثق الطرق والمناهج في تحصيل الاطمئنان بوثاقة الراوي أو المفسِّر، وموقعه ومكانته في نقل الحديث أو التفسير والفقه وما إلى ذلك.

لقد كان سماحته في ما يتعلَّق بالمباحث الرجالية يراجع كتب الفريقين، وكان ينصح تلاميذه بسلوك هذا المنهج، قائلاً: قد تجدون في مصادر أهل السنّة أحياناً ـ بشأن بعض رجال الشيعة ـ الكثير من المسائل والمطالب التي لم تأْتِ المصادر الشيعية على ذكرها.

وعلى أيّ حال فإن الأستاذ معرفت& كان كثير الرجوع إلى مصادر الفريقين من الشيعة وأهل السنّة. وهكذا كان يحصل على الكثير من الشواهد والقرائن بشأن الشخصية مورد البحث، ويضع النتائج التي يحصل عليها في تصرُّف الباحثين والطلاب، والقارئ لتراثه وأفكاره.

ومن خلال النظر في المصادر التي يستند إليها سماحته ندرك أنه قلَّما يوجد مصدر من المصادر الرجالية والتفسيرية لدى الفريقين قد خفي عن ناظرَيْه.

وقبل الخوض في بيان المباني الرجالية للأستاذ معرفت& لا بُدَّ من التذكير بمسألتين على جانب كبير من الأهمّية، وهما:

1ـ مبنى الأستاذ معرفت في مجال العمل بخبر الواحد.

2ـ منهج المحقِّقين في الاستفادة من الكتب الرجالية.

أـ مبنى الأستاذ معرفت في العمل بخبر الواحد

في ما يتعلَّق بالعمل بخبر الواحد، وخاصّة في موضوع التفسير والتاريخ، يذهب سماحته إلى اشتراط أن يكون خبر الواحد محفوفاً بالقرائن الدالّة على صدقه.

وممّا قاله سماحته في هذا الشأن: «وللعقلاء طريقتهم في قبول خبر الثقة، بل مَنْ لم يظهر فسقه علانية يعتمدونه، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6). فقد أقرّ العقلاءَ على قبولهم للنبأ ما لم يكن الآتي به مجاهراً بالفسق، ممَّنْ لا يتورّع الكذب، ولا يخاف الله في سرّه وعلانيته. فمَنْ عُرف بالصدق والأمانة قُبل نبأُه، ومَنْ عُرف بالكذب والخيانة تُرك، ومَنْ كان مجهولاً تريَّثْنا، فإنْ ظهرت منه دلائل الصدق قبلناه، وإلا رفضناه.

إذن فشرط قبول الخبر احتفافه بقرائن الصدق، من وجود أصلٍ معتبر، وكون الراوي معروفاً بالصدق والأمانة، وعلى الأقلّ غير معروف بالكذب والخيانة، وسلامة المتن واستقامته، ممّا يزيد علماً، أو يزيل شكّاً، وأن لا يخالف معقولاً أو منقولاً ثابتاً في الدين والشريعة، الأمر الذي إذا توفّر في حديثٍ أوجب الاطمئنان به وإمكان ركون النفس إليه، وعليه فلا يضرّه حتّى الإرسال في السند، إنْ وجدت شرائط القبول»([15]).

ب ـ مناهج المحقِّقين في الاستفادة من المصادر الرجالية

يُعتبر الرجوع إلى أقوال وآراء علماء الرجال من مقدّمات استنباط الأحكام. وهناك من كبار العلماء مَنْ يأخذ برواية الراوي بمجرّد أن يتمّ تعديله وتوثيقه من قبل كبار علماء الرجال، كما أنهم بمجرَّد تضعيفه وجرحه من قبل الرجاليين يتركون روايته([16]). ويُسمّى هذا المنهج بالتقليد؛ وذلك لأنّ المحقِّق في هذا المنهج يكتفي بتقليد كبار علماء الرجال في هذا الفنّ.

وفي المقابل هناك من العلماء مَنْ يذهب إلى الاعتقاد بضرورة الاجتهاد في علم الرجال أيضاً، فلا يُكتفى بمجرّد تعديل أو جرح الراوي من قبل علماء الرجال، بل لا بُدَّ ـ من وجهة نظرهم ـ من الرجوع إلى الأمارات والقرائن الأخرى أيضاً، وهي كثيرةٌ.

لقد ذكر الشيخ الوحيد البهبهاني، في الفائدة الثالثة من تعليقته على منهج المقال للسيد الإسترآبادي، ما يزيد على الخمسين مورداً من الأمارات على وثاقة الراوي ومدحه وقوّته، وقال في الختام: «واعلم أن الأمارات والقرائن كثيرة، سيظهر لك بعضها في الكتاب. ومن القرائن [على] حجّية الخبر: وقوع الاتفاق على العمل به، أو على الفتوى به، أو كونه مشهوراً بحَسَب الرواية أو الفتوى، أو مقبولاً، مثل: مقبولة عمر بن حنظلة، أو موافقاً للكتاب أو السنّة أو الإجماع، أو حكم العقل أو التجربة، مثل: ما ورد في خواصّ الآيات، والأعمال والأدعية التي خاصّيتها مجرَّبة، مثل: قراءة سورة الكهف للانتباه في الساعة التي تُراد وغير ذلك. أو يكون في متنه ما يشهد بكونه من الأئمّة^، مثل: خطب «نهج البلاغة»، ونظائرها، و«الصحيفة السجادية»، و[ما إلى ذلك]»([17]).

القرائن التي توجب الاطمئنان بصدور الحديث

إن القرائن التي كان يعتمد عليها الأستاذ معرفت في تحصيل الاطمئنان كثيرة. وفي ما يلي نشير إلى بعض تلك القرائن بمقدار المساحة التي يتيحها لنا هذا المقال، على أمل الحصول على فرصةٍ أكبر لاستيعاب جميع هذه القرائن، ووضعها بين يدي الراغبين؛ خدمة للعلم والمحبّين للأستاذ معرفت&.

1ـ توثيق أهل البيت^

إن من القرائن التي يعتمد عليها الأستاذ معرفت بالنسبة إلى توثيق بعض الرجال، كونهم معتمدين وموثَّقين من قبل أهل البيت^.

ففي ما يتعلَّق بابن جُرَيج، بعد الإشارة إلى حكم ابن حِبّان باعتباره ثقةً ثبتاً ومتقناً، وأنه لا منشأ للغمز والطعن عليه، قال: «وبذلك نرى أنه كان موضع اعتماد الأئمّة من أهل البيت أيضاً، على ما رواه ثقة الإسلام الكليني، بإسناده الصحيح، عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألتُ أبا عبد الله الصادق× عن المتعة؟ فقال: الْقَ عبد الملك بن جُريج فسَلْه عنها، فإنّ عنده منها علماً، فأتيتُه فأملى عليَّ منها شيئاً كثيراً في استحلالها فكتبتُه، وأتيتُ بالكتاب أبا عبد الله×، فعرضتُه عليه؛ فقال: صدق، وأقرَّ به»([18]).

وقال الإمام الصادق×: «كان أبي [الإمام أبو جعفر الباقر×] يُحبّه [أي ابن عبّاس] حبّاً شديداً»([19]).

وقال الفضل بن شاذان بشأن أبي حمزة الثمالي ثابت بن دينار الأزدي الكوفي(148هـ): «سمعتُ الثقة يقول: سمعتُ الرضا× يقول: أبو حمزة الثمالي في زمانه كلقمان (أو كسلمان) في زمانه، ذلك أنه خدم أربعةً منّا: عليّ بن الحسين (السجّاد)، ومحمد بن عليّ (الباقر)، وجعفر بن محمد (الصادق)، وبرهةً من عصر موسى بن جعفر (الكاظم)»([20]).

2ـ كون الراوي من أصحاب الأئمة

لقد عمد الأستاذ معرفت إلى ذكر هذه القرينة بالنسبة إلى الكثير من الشخصيات، ولا سيَّما منهم المذكورين في المصادر والموسوعات العلمية لأهل السنّة.

ونذكر منهم على سبيل المثال:

أـ السُّدّي الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن أبو محمد القرشي الكوفي، والذي يمثِّل الطريق الرابع إلى تفسير ابن عبّاس): «عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الأئمة: عليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن عليّ الباقر، وجعفر بن محمد الصادق^»([21]).

وهكذا عدّه ابن شهرآشوب من أصحاب الإمام زين العابدين×([22]).

ب ـ عبد الملك بن جريج: «قد عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الصادق×»([23]).

ج ـ الضحّاك بن مزاحم الهلالي الخراساني، قال ابن شهرآشوب: أصله من الكوفة، وكان من أصحاب السجّاد×. وقد عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام زين العابدين×([24]).

د ـ قال الأستاذ معرفت بشأن مقاتل بن سليمان، بعد ذكر رواية عن الصدوق من طريقه: «هذه الرواية إنْ دلَّتْ فإنما تدلّ على كون الرجل من أخصّ الخواصّ لدى الإمام×. وقد عدّه الشيخ أبو جعفر الطوسي من أصحاب الإمامين الباقر والصادق’»([25]).

هـ ـ السُّدّي الصغير (محمد بن عبد الله الكوفي)، عدّه كلٌّ من: الشيخ الطوسي وابن شهرآشوب من أصحاب الإمام محمد بن عليّ الباقر×([26]).

و ـ زيد بن أسلم، قال ابن حجر بشأنه: «أخذ العلم من جماعة، منهم: الإمام عليّ بن الحسين×.. وقد عدّه الشيخ أبو جعفر الطوسي من أصحاب الإمام السجاد×، وقال: كان يجالسه كثيراً. وله روايةٌ عن الإمامين الباقر والصادق’»([27]).

ز ـ بشأن طاووس بن كيسان، عدّه ابن شهرآشوب من أصحاب الإمام زين العابدين×، ووصفه بالفقيه. وله مع الإمام مواقف مشهودة([28]).

3ـ اعتماد الشخص من قبل المحدِّثين والمفسِّرين الشيعة

بيان الأمثلة:

أ ـ قال الأستاذ معرفت بشأن السُّدّي الكبير: «قد اعتمده الشيخ [الطوسي] في تفسير التبيان كثيراً»([29]).

ب ـ وقال سماحته بشأن ابن جريج: «وقع في إسناد الصدوق في كتابه «مَنْ لا يحضره الفقيه»: ابن جُرَيج ،عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، في قضيّة الناقة التي اشتراها النبيّ‘ من الأعرابي بأربعمئة درهم.. وظاهرُ الشيخ الصدوق اعتمادُه»([30]).

كما قال بشأنه: «أسند عنه الكليني في الكافي الشريف»([31]).

ج ـ وقال بشأن محمد بن السائب بن بشر الكلبي الكوفي: «وللكليني شهادة راقية بشأن الكلبي. يذكر قصّة استبصاره، ثمّ يعقِّبها بقوله: فلم يزَلْ الكلبي يدين الله بحبّ آل هذا البيت حتّى مات»([32]).

د ـ وقال بشأن يحيى بن كثير: «للطبرسي عنه في تفسيره روايات»([33]).

4ـ نقل رواية وخاطرة خاصّة بشأن الأئمة^

قال الأستاذ معرفت بشأن السُّدّي الكبير: «وهو الذي روى قصّة الأخنس بن زيد، الذي كان قد وطأ جسم الحسين×، وفعل ما فعل، فابتُلي في تلك الليلة بحريقٍ أصابه من فتيلة السراج، فلم تزَلْ به النار حتّى صار فحماً على وجه الماء»([34]).

وقال بشأن مقاتل بن سليمان بن بشر الخراساني: «يدلّك على ثبات الرجل في المذهب، كما يدلّ على وثاقته واعتماد الأصحاب عليه، ما رواه أبو جعفر الصدوق، بإسناده الصحيح إلى الحسن بن محبوب، وهو من أصحاب الإجماع، عن الإمام أبي عبد الله الصادق×، يرفعه إلى رسول الله‘ قال: أنا سيّد النبيين، ووصيّي سيّد الوصيين، وأوصياؤه سادة الأوصياء… هذه الرواية إنْ دلَّتْ فإنما تدلّ على كون الرجل من أخصّ الخواصّ لدى الإمام×.. وله روايةٌ أخرى، رواها الكليني، بإسناده الصحيح إلى ابن محبوب، عنه، عن [الإمام] الصادق×»([35]).

ونقل عن الكلبي قوله: «مرضتُ مرضةً فنسيتُ ما كنت أحفظ، فأتيتُ آل محمد، فتفلوا في فيَّ فحفظتُ ما كنتُ نسيتُ». لأجل هذا الكلام ترك زائدة بن قدامة رواية الحديث عنه!

وعلَّق الأستاذ معرفت على ذلك في الهامش بالقول: «هذا كلامُ مَنْ أعمته العصبية الجهلاء، كيف يستنكر ذلك بشأن آل محمد الطيّبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً؟! أليس الله قد شفى علياً× من الرَّمَد يوم خيبر بريق النبيّ الكريم‘، حَسْب ما رواه الفريقان، واتّفقت عليه كلمة الأئمّة الثقات»([36]).

وقال الأستاذ معرفت بشأن أبي الدرداء: «كان أبو الدرداء من الثابتين على ولاء آل الرسول‘، لم تزعزعه العواصف. روى الصدوق ـ في أماليه ـ، بإسناده إلى هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة، قال: كنّا جلوساً في حلقةٍ في مسجد رسول الله‘، نتذاكر أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم، ألا أخبركم بأقلّ القوم مالاً، وأكثرهم وَرَعاً، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟ قالوا: مَنْ؟ قال: ذاك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×. قال عروة: فواللهِ، ما نطق أبو الدرداء بذلك إلاّ وأعرض عنه بوجهه مَنْ في المجلس. ثمّ انتدب له رجلٌ من الأنصار، فقال له: يا عويمر، لقد تكلَّمْتَ بكلمةٍ ما وافقك عليها أحدٌ منذ أتيت بها. فقال أبو الدرداء: يا قوم، إني قائلٌ ما رأيتُ، وليقُلْ كلُّ قومٍ منكم ما رأَوْا… ثمّ أخذ في بيان مواضع عليّ× من العبادة والبكاء عندما كان يختلي بربّه في ظلمة الليل، والناس نيامٌ»([37]).

5ـ النشأة في أحضان مدرسة الكوفة

لقد كانت الكوفة منذ القدم حاضنة التشيُّع، وقد اهتمّ الأئمّة من أهل البيت^ بها اهتماماً كبيراً، وأولوها عنايةً خاصة، فكان التشيُّع هو السمة الغالبة عليها، فكانت منذ تلك الأيام تعيش فخر الولاء لأهل البيت^، والبراءة من أعدائهم.

ومن هنا فقد اعتبر الأستاذ معرفت النشأة والتتلمذ في هذه المدرسة من القرائن المفيدة للاطمئنان والوثوق بالمفسِّر والراوي.

من هنا فقد نقل كلام ابن حجر بشأن السُّدّي الكبير، إذ يقول: «كان إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدّي من الأئمّة الكوفيين، وكان شديد التشيُّع هو والكلبي، ومع ذلك وثَّقه القوم، وأخرج مسلم عنه أحاديث؛ لأنه كان يرجِّح تعديله على تجريحه»([38]).

وبشأن الضحّاك بن مزاحم قال الأستاذ معرفت، بعد نقل عبارة الشيخ وقوله: إنّه من أصحاب الإمام زين العابدين×، وأصله من الكوفة تابعي: «واستظهر المامقاني من عبارة الشيخ هذه كونه إمامياً. ولعلّه من جهة كونه من الكوفة، مهد التشيُّع آنذاك»([39]).

وقال بشأن الكلبي وتوسُّعه في علم التفسير: «أمرٌ معقول ـ بعد كونه ناجماً عن توسُّعه في العلم ـ تربيته في مهد العلم كوفة العلماء الأعلام من صحابة رسول الله الأخيار»([40]).

وقال بشأن عطاء بن السائب: «قال سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي& ـ بعد أن ذكر روايته عن عليّ بن الحسين× بشأن مسألة القضاء ـ: هذه الرواية تدلّ على تشيُّعه. فما يُذْكَر عنه من التوثيق في حديثه القديم ثمّ اختلط وتغيَّر فلعلّه كان منخرطاً في العامّة، ثم استبصر».

يقول الأستاذ معرفت&: «قلتُ: بل الظاهر كونه من الشيعة من أوّل أمره؛ لأنه كوفيٌّ، وتتلمذ على أمثال: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والسلمي، وأضرابهم»([41]).

وقال في الأسود بن يزيد النخعي: «لم يسلم الأسود ممّا رُمي به زميله (مسروق بن الأجدع). والكلام فيه قدحاً ومدحاً ما مرّ في مسروق».

وقال سماحته في معرض الدفاع عنه: «سنذكر أن عامّة الكوفيّين، ولا سيَّما أصحاب عبد الله بن مسعود، كان الغالب عليهم المَيْل مع عليٍّ× حَسْب تربية شيخهم وكبيرهم الصحابيّ الجليل»([42]).

وفي ما يتعلق بشعبة بن الحجّاج، الذي قيل عنه: إنه غيّر عقيدته في أخريات حياته، وإنه دخل في مذهب العامّة، قال الأستاذ معرفت، بعد استبعاد ذلك مؤكِّداً: أترى مثل شعبة ـ وهو أمير العلم واليقين ـ يترك مذهباً كان أتقنه؛ لقولة قالها الأوساط؟!.. هذا ولا سيَّما وهو تربية الكوفة، مهد الحضارة والولاء لآل البيت^»([43]).

6ـ اعتباطية منشأ بعض التضعيفات

لقد تعرَّض بعض الرواة للطعن والغمز؛ بسبب ارتباطهم بأهل البيت^. ومن هؤلاء: أبو صالح باذام أو باذان، مولى أمّ هانئ بنت أبي طالب، الذي روى عن علي× وابن عباس، ومولاته أم هانئ، وروى عنه الأجلاّء، كالأعمش والسُّدّي الكبير والكلبي والثوري وغيرهم. قال ابن حجر: «وثَّقه العجلي وحده. وقال عبد الحقّ ـ في الأحكام ـ إن أبا صالح ضعيفٌ جدّاً».

ثم قال الأستاذ معرفت: «قلتُ: ما وجه تضعيفه إلاّ ما ضعّف به نظراؤه ممَّنْ حام حول هذا البيت الرفيع؛ إذ من الطبيعي أن مولى أمّ هانئ أخت الإمام أمير المؤمنين، وقد كانت كأخيها الإمام موضع عناية النبيّ‘ من أوّل يومها، وكانت ذات علاقة بأخيها أمير المؤمنين تخلص له الولاء..، فلا غَرْو إذن ممَّنْ لا يعرف ولاء لهذا البيت أن يتَّهم الموالين لهم، وأقلّه الرمي بالضعف. هذا الجوزجاني يقول: كان يُقال له: ذو رأيٍ غير محمود! نعم، غير محمود عندهم، ولا كان مرضياً لديهم، ما دام لم ينخرط في زمرتهم من ذوي الرأي العام»([44]).

وقيل بشأن الكلبي: «كان ضعيفاً جدّاً؛ لفرطه في التشيُّع»([45]).

وقال الأستاذ معرفت بشأن عطية العوفي، الذي عُرض عليه سبّ عليّ×، فأبى، فجلد أربعمئة سوط، وحُلقت لحيته: «لا قدح فيه بعد أن كان منشأ الغمز هو تشيُّعه لآل بيت الرسول‘، والدفاع عن حريمهم الطاهر»([46]).

وقال بشأن شهر بن حوشب: «لعل ولاءه هذا لآل البيت^ جعله موضع غمز البعض. يقول عنه ابن حجر: صدوق، كثير الإرسال والأوهام. وقد عرفْتَ توثيق الأكابر له»([47]).

7ـ صحبة الإمام علي× في محاربة المناوئين

إن من بين القرائن التي يذكرها الأستاذ معرفت& لتحصيل الوثوق والاطمئنان برواة الحديث ومفسِّري القرآن الكريم رفقة الراوي للإمام أمير المؤمنين عليّ×، ونصرته له في حروبه ضدّ أعدائه ومخالفيه. وفي ما يلي نذكر بعض الأمثلة على ذلك:

أـ قال عن حبر الأمّة ومفسِّر القرآن (ابن عباس)، تلميذ أمير المؤمنين×: «له مواقف مشهودة مع أمير المؤمنين× في جميع حروبه: صفّين والجمل والنهروان»([48]).

ب ـ وقال في علقمة بن قيس: «شهد صفّين مع علي×، وقاتل حتّى خضب سيفه دماً، وعرجت رجله، وأصيب أخوه أبيّ بن قيس [واستشهد].. قال الخطيب ـ في تاريخ بغداد ـ: ورد المدائن في صحبة علي×، وشهد معه حرب الخوارج بالنهروان»([49]).

ج ـ وعدّ أبو عبد الرحمن السلمي من بين الحاضرين والمشاركين في حرب صفّين أيضاً([50]).

د ـ وقال في زيد بن وهب: «سكن الكوفة، وكان في الجيش الذي مع عليّ× في حربه الخوارج»([51]).

هـ ـ وقال في أبي الشعثاء الكوفي: «قال الواقدي: شهد مع عليّ× مشاهده»([52]).

8ـ الارتباط بحبر الأمّة (ابن عباس)، والتتلمذ على يده

عمد الأستاذ معرفت ـ بعد التأسيس لأصلٍ بشأن عظمة ابن عبّاس، والدفاع عن شخصيته العلمية والعقائدية ـ إلى توثيق الأشخاص المرتبطين به برباطٍ علمي وثيق. واتخذ من هذه القرينة وسيلةً للدفاع عن بعض الرواة.

فعلى سبيل المثال: عندما نقل رأي الكشّي في مقاتل بن سليمان، القائم على كونه بَتْرياً (زيدياً)، ردّ بالقول مباشرة: «لكنْ يبعِّده أن عقيدته كانت امتداداً لعقيدة ابن عبّاس». وبذلك فقد استبعد أن يكون زيدياً.

ثمّ استطرد في بيان شخصية مقاتل بن سليمان، قائلاً: «نعم، كان الرجل صريحاً في لهجته، واسع العلم، بعيد النظر، شديداً في دينه، صلباً في عقيدته. وفوق ذلك كان يميل مع مذهب أهل البيت^، ذلك المنهج الذي انتهجه أشياخه من قبل، من المتأثِّرين بمدرسة ابن عباس ـ رضوان الله عليه ـ، الأمر الذي جعل من نفسه مرمى سهام الضعفاء القاصرين، وكم له من نظير!»([53]).

وعندما يُتَّهم مجاهد بن جبر بالأخذ عن أهل الكتاب ينبري الأستاذ معرفت إلى الدفاع عنه، قائلاً: «اتُّهم بالأخذ من أهل الكتاب، ولكنّ شدّة نكير شيخه ابن عبّاس على الآخذين من أهل الكتاب يتنافى وهذه التُّهْمة»([54]).

وقال سماحته في الدفاع عن عكرمة، بعد بيان بعض الشهادات بعلمه من قِبَل الكثير من العلماء: «تلك شهاداتٌ ضافية ومستفيضة بشأن الرجل، تجعله في قمّة الفضيلة والعلم والثقة والاعتماد عليه لدى الأئمّة، ممّا يوهن ما حيك حول الرجل من أوهام وأكاذيب مفضوحة، لا تتناسب مع شخصية كانت تربية مثل: ابن عبّاس، وموضع عنايته الخاصة»([55]).

ثم نفى عنه بعض التُّهَم، ومن ذلك قوله: «وأما ما نُسب إليه أنه كان ينادي في السوق: إن آية التطهير نزلت في نساء النبي‘ خاصة فمكذوبٌ عليه البتّة؛ ذلك أنه تربية ابن عباس الخالصة، ولا يُظَنّ بشأنه الحياد عن طريقة شيخه (الولاء الخالص لآل بيت الرسول).

وفي ما يتعلق بعطاء بن أبي رباح يشير سماحته إلى هذه القرينة العامة، قائلاً: «رُوي عنه حديث الإمامة والولاية.. ممّا يدلّ على مبلغ ولائه لأهل البيت، وتمسّكه بأذيالهم الطاهرة، شأن سائر المتربّين بتربية ابن عبّاس، الصحابي المُلْهَم الجليل»([56]).

موقف الأستاذ معرفت من مذاهب أئمة العلم والفكر في العالم الإسلامي

يذهب الأستاذ معرفت إلى الاعتقاد بأن الغالبية الساحقة من علماء الإسلام في القرون الأولى ـ في علم القراءة والحديث والتفسير والفقه والكلام وغيره ـ كانوا من الشيعة بالمعنى العامّ، بمعنى الولاء لأهل البيت^ والبراءة من أعدائهم.

ومن ذلك قوله، في ترجمة سفيان بن عيينة، بعد ذكر كلام ابن حجر بشأن نسبته إيّاه إلى التشيُّع: «وهو التشيُّع بمعناه العامّ، الذي عليه عامّة أئمة المسلمين»([57]).

وقال في جوابه عن الأستاذ أحمد صالح المحايري، وهو محقِّق وناشر كتاب «تفسير ابن عيينة»، الذي حاول في المقدّمة أن يدفع عنه نسبته إلى التشيُّع: «ذاهلاً [عن] أن عامة المسلمين [في] ذلك العهد كانوا على رفضٍ من بدع المبتدعين، مستمسكين بالعروة الوثقى العترة الطاهرة، فكانوا شيعة أهل البيت^، ولكنْ بمعناها العامّ، كما نبَّهْنا»([58]).

وتحت عنوان: «صلة الشيعة بالقرآن الوثيقة» قال الأستاذ معرفت: «كان أربعة ـ إنْ لم نقل ستّة ـ من القرّاء السبعة شيعة، فضلاً عن غيرهم من أئمةٍ قرّاء كبار، كابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وأبي الدرداء، والمقداد، وابن عبّاس، وأبي الأسود، و…، هم رؤوس في القراءة والإقراء في الأمصار والأعصار»([59]).

يجب القول: إن هذا الاعتقاد من الأستاذ معرفت لا ينطوي على مبالغة، بل هو المستفاد من كلام كبار علماء أهل السنّة أيضاً. ومن ذلك: قول الذهبي، في معرض ترجمته لـ «أبان بن تغلب»: «لقائلٍ أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحدُّ الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عَدْلاً مَنْ هو صاحب بِدْعة؟ وجوابه: إن البِدْعة على ضربين: فبِدْعةٌ صغرى، كغلوّ التشيُّع، أو كالتشيُّع بلا غلوّ ولا تحرُّف، فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدين والوَرَع والصدق»([60]).

ثم استطرد قائلاً: «فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهب جملةٌ من الآثار النبوية. وهذه مفسدةٌ بيّنة»([61]).

9ـ مخالفة الإمام عليّ× وبغضه ملاك البِدْعة والانحراف

كان الأستاذ معرفت& يعتبر مخالفة الرجل لأهل البيت^ ـ ولا سيَّما سيّدهم، وخير الخلق بعد رسول الله‘، أمير المؤمنين× ـ معياراً وقرينة للقول بضعف الراوي، وانحرافه، وابتداعه.

قال بشأن مؤسِّس مدرسة البصرة في التفسير (أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس(44هـ)): «قدم البصرة سنة 17هـ والياً عليها من قبل عُمَر.. ثمّ أقرّه عثمان، وبعد فترةٍ عزله، فسار إلى الكوفة. ولما أن عزل سعيداً استعمله عليها، وعزله الإمام أمير المؤمنين×، فكان يراود معاوية في سرٍّ، ولأخوّةٍ قديمة كانت بينهما. كما يبدو من وصيّة معاوية لابنه يزيد بشأن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أنّه كان منحرفاً عن عليّ×. وكانت مدرسته ذات انحراف شديد، ومن ثم كانت البصرة من بعده أرضاً خصبة لنشوء كثير من البِدَع والانحرافات الفكرية والعقائدية، ولا سيَّما في مسائل الأصول والإمامة والعدل»([62]).

ثم قال: «وذكر ابن أبي الحديد أبا بردة بن أبي موسى الأشعري في مَنْ أبغض علياً، وكان من القالين له.. فكانت البغضة منه تليداً، ولم تَأْتِه من عَرَضٍ عارض»([63]).

10ـ عمل الأصحاب

إن من بين القرائن المفيدة للوثوق والاطمئنان بالخبر أو ناقله عمل الأصحاب وعلماء الشيعة بذلك الخبر، وتلقّيه من الراوي بالقبول. وقد كانت هذه القرينة محطّ اهتمام كبار علماء الشيعة ـ ومن بينهم: الشيخ الطوسي (شيخ الطائفة الإمامية) ـ منذ القِدَم.

وحيث كان الأستاذ معرفت& يولي أهمّية كبيرة لمناهج ومباني الشيخ الطوسي فقد تأثَّر به في انتهاج هذا المبنى أيضاً، معتبراً أن عمل الأصحاب يشكِّل قرينةً هامّة على صحّة الخبر واعتبار الراوي.

وممّا قاله بشأن سفيان بن عيينة (وهو من تابعي التابعين): «عدّه الشيخ، وكذا البرقي، في أصحاب الإمام الصادق×.

وقال الصدوق: سفيان بن عيينة: لقي الصادق، وروى عنه، وبقي إلى أيام الرضا×.

وذكره ابن داوود في القسم الأول [من كتابه]، وعدّه من الممدوحين. ومن ثمّ اعتمده الأصحاب وأخذوا بروايته.

ذكر السيد [محسن] الأمين، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، أن الإمامية مجمعةٌ على العمل برواية سفيان بن عيينة ومَنْ ماثله من الثقات. وبالفعل قد أخذ برواياته شيخ المفسِّرين عليّ بن إبراهيم القمّي، وكذا تلميذه ثقة الإسلام الكليني في الكافي الشريف، وشيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في التهذيب.

وهذا الأخذ بروايات الرجل دليلٌ على وثاقته، واعتماد الأصحاب له. أمّا أنه إمامي فلا. وقد عرفَتْ كلام ابن النديم: وأكثر المحدِّثين على مذهب الزيدية، مثل: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وغيرهما»([64]).

وقال في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «عدّه الشيخ أبو جعفر الطوسي من أصحاب الإمام الصادق×. ولثقة الإسلام الكليني له روايات في أبواب مختلفة من الكافي الشريف. وكذا الشيخ في التهذيب. وعمل برواياته الأصحاب»([65]).

وقد اعتمد عليه الشيخ الطوسي في تفسيره بكثرة، معبِّراً عنه بابن زيد، وأحياناً بأبي زيد، وقد يأتي باسمه الصريح([66]).

11ـ عدم اهتمام المحدِّثين بجرح وتضعيف بعض الرجاليين

قام بعض علماء الرجال من أهل السنّة بتضعيف بعض الشخصيات الشيعية البارزة؛ بسبب تشيُّعها فقط. بَيْدَ أن المحدِّثين لم يهتمّوا بهذا القدح والجرح.

وكان أبو حمزة الثمالي واحداً من هؤلاء، فقد كان محطّ اهتمام الأئمة^، ووثوق علماء الشيعة الرجاليين، إلاّ أن بعض علماء الرجال من العامة لم ينقموا عليه ـ طبقاً لتصوُّرهم ـ إلاّ الغلوّ في مذهبه. ومن ثمّ فإن الكثير من محدِّثي العامّة وعلمائهم لم يأبهوا لقدح الرجاليين بشأنه، وأخرجوا له أحاديث واحتجّوا بحديثه. فقد أخرج له ابن كثير والترمذي وابن ماجة والخطيب البغدادي و… وفي التفسير أخرج له الطبري والثعلبي وغيرهما([67]).

وقال عنه الفضل بن شاذان: «سمعت الثقة يقول: سمعتُ الرضا× يقول: أبو حمزة الثمالي في زمانه كلقمان (أو كسلمان) في زمانه، ذلك أنه خدم أربعةً منا: علي بن الحسين (السجّاد)، ومحمد بن عليّ (الباقر)، وجعفر بن محمد (الصادق)، وبرهة من عصر موسى بن جعفر (الكاظم)»([68]).

وعدّه ابن شهرآشوب من خواصّ الإمام الصادق×. وقد وثَّقه الصدوق والنجاشي والطوسي وابن داوود والعلاّمة([69]).

12ـ توظيف طبقات الرواة لتقييم وضع السند

إن التعرُّف على طبقات الرواة من أنسب الطرق لتقييم وضع السند من حيث الاتصال أو الانقطاع.

وقد استفاد الأستاذ معرفت& من هذا الأسلوب لتحديد وضع سند بعض الروايات.

ومن ذلك رواية مقطوعة السند وساقطة عن الاعتبار في شأن نزول آية التطهير في نساء النبيّ‘، حيث يذكرها ابن جرير الطبري في تفسير الآية. يرويها ابن حميد، عن يحيى بن واضح ـ ذكره ابن الجوزي في الضعفاء ـ، عن الأصبغ بن نباتة، عن علقمة بن قيس، عن عكرمة مولى ابن عبّاس.

ثمّ علّق الأستاذ معرفت على ذلك بالقول: «ورواية ابن واضح ـ وهو من الطبقة التاسعة ـ عن ابن نباتة ـ وهو من الطبقة الثالثة ـ مقطوعةٌ بإسقاط الوسائط، إذن فهي مجهولة الإسناد»([70]).

وفي ما يتعلق برواية زيد بن الحُباب(203هـ): إن أربعة من المحدِّثين: عمار بن زريق الضبّي، وسليمان بن قرم الضبي، وجعفر بن زياد الأحمر، وسفيان الثوري، خرجوا يطلبون الحديث وكانوا يتشيَّعون، فخرج سفيان إلى البصرة، فلقي عبد الله بن عون بن أرطبان(152هـ)، وأيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني(131هـ)، فترك التشيُّع.

إلاّ أن الأستاذ معرفت ينفي ذلك بشدّة؛ إذ يقول: «لا شَكَّ أنه حديثٌ مفتعل؛ إذ كيف ينخلع جهبذ ـ توطَّدت أركانه على أساسٍ حكيم ـ عن ذاتياته التي تلقّاها من فحول، لمجرّد لقاء نفرٍ لا شأن لهم سوى تعاطي الحديث؟! وكان سفيان مفضَّلاً عليهما بفقهه ودرايته، وليس لمجرّد روايته، كما كان غيره.. ثمّ إن زيداً لا يذكر مستنده في النقل، حيث إنه لم يدرك حياة ابن عون ولا أيّوب في الوقت الذي لقيهما الثوري في ما فرض، ولا بُدَّ أنه قبل الثلاثين بعد المئة للهجرة. ولعلّه لم يولد زيد بعد حينذاك!.. على أن زيد بن الحُباب كان كثير الخطأ، وكان مدلِّساً يقلب حديث الثوري ـ كما قال أحمد وابن أعين ـ، فضلاً عن روايته عن المجاهيل، وفيها المناكير»([71]).

13ـ توظيف قرينة الراوي والمروي عنه لتمييز المشتركات أو المجاهيل

إن بعض أسماء الرواة مشتركة أو مجهولة. وهناك طرق للتمييز بين الأسماء المشتركة أو التعرُّف على هوية الراوي المجهول، ومن بينها: الاستفادة من الراوي والمرويّ عنه. وهذا أيضاً من القرائن التي يعتمد عليها الأستاذ معرفت&.

ومن ذلك: أن السيد محمد العاملي صاحب «مدارك الأحكام» يذهب إلى تضعيف رواية حمّاد، عن الحلبي، عن الإمام الصادق×، في باب العيوب الموجبة لفسخ النكاح، ومضمونها: «إنما يردّ النكاح من البرص والجذام والجنون والعقل»([72])، ولا يراها صحيحةً.

ويبدو أنه اعتبر «عليّ بن إسماعيل» الواقع في سند الحديث مجهولاً.

إلاّ أن عليّ بن إسماعيل هذا؛ بقرينة الراوي والمرويّ عنه، هو «علي بن إسماعيل بن شعيب الميثمي، وهو من أبرز الشخصيات الإمامية في علم الكلام. وقال النجاشي عنه: «كان من جوه المتكلِّمين من أصحابنا». وقد ألَّف الكثير من الكتب في تثبيت دعائم مذهب التشيُّع، ويُعَدّ من بين أشدّ المدافعين عن حياض مذهب الإمامية، وكان يُعَدّ من كبار ومشاهير الطائفة([73]).

14ـ اعتبار مراسيل بعض التابعين، وبيان العذر في إرسالها

لقد قام بعض كبار التابعين، من أمثال: الحسن البصري، وسعيد بن المُسيَّب، وزيد بن أسلم، وغيرهم، بالإكثار من رواية الحديث مرسلاً.

وكان أكثر ما يقوله الحسن البصري ـ طبقاً لما ورد في أمالي السيد المرتضى ـ عن عليٍّ× من غير أن يصرِّح باسمه الشريف تقيّةً، أو يكنّي عنه بـ «أبي زينب»([74]).

وعقَّب الأستاذ معرفت على ذلك بالقول: «وقد اعتمد الأئمّة مراسيله؛ لأنه لا يُرسل إلاّ عن ثقةٍ. قال عليّ بن المديني: مرسلات الحسن إذا روى عنه الثقات صحيحٌ. وقال أبو زرعة: كلّ شيء يقول الحسن: قال رسول الله‘ وجدْتُ له أصلاً ثابتاً.

قال يونس بن عبيد: سألتُ الحسن [البصري] قلت: يا أبا سعيد، إنك تقول: قال رسول الله‘، وإنك لم تدركه؟! قال: يا بن أخي، لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك، ولولا منزلتك منّي ما أخبرتك. إني في زمانٍ كما ترى ـ وكان في عمل الحجّاج ـ. كلّ شيء سمعتني أقول: قال رسول الله‘ فهو عن عليّ بن أبي طالب، غير أني في زمانٍ لا أستطيع أن أذكر عليّاً×([75]).

وقد عقَّب الأستاذ معرفت على ذلك بالقول: قلتُ: كان أخذه عن عليٍّ× بواسطة الثقات من أصحابه، وليس مباشرةً وبغير واسطة؛ لأنه لم يدرك عليّاً في المدينة بما يمكِّنه الأخذ عنه؛ لحداثة سنّه حينذاك، ولم يلحق عليّاً بعد أن خرج الإمام إلى العراق…

وقال في جواب الذين انتقصوا الحسن بأنّه كان يدلِّس، وأنه لم يثبت سماعه عن عليٍّ×: «تقدَّم الجواب عن ذلك، وأنه كان لا يُرسل إلاّ عن ثقة»، حيث كان يتخوَّف من ذكر أسماء شيوخه، ولا سيَّما الإمام عليّ×، أو أحد أصحابه المقرَّبين([76]).

واعتذر لزيد بن أسلم، الذي اتُّهم بوضع الحديث: إن هذا الإشكال نظير ما كان يؤخذ على الحسن البصري ـ كثرة إرساله ـ، والمحذور نفس المحذور، فتنبَّه([77]).

15ـ رفع تهمة الغلوّ عن حَمَلة أسرار أهل البيت^

لقد ذكر الأستاذ معرفت& في كتاباته، كما في حلقات درسه، أن بعض المسائل الواردة في الزيارات والأحاديث يُعَدّ من أسرار أهل البيت والأئمة^، لا يبوحون به إلاّ لأصحاب السرّ، ولم يكن كلّ شخص يستطيع تحمُّله([78]).

وقد اتّهم بعض كبار الرواة عن الأئمة^ بالغلوّ والارتفاع والتخليط وما إلى ذلك.

ومن هؤلاء: جابر الجعفي، الذي وقع الخلاف بشأنه.

فقد قال السيد الصدر بشأنه: جابر بن يزيد الجعفي إمام في الحديث والتفسير، أخذهما عن الإمام أبي جعفر الباقر×.

وعدّه الشيخ الطوسي في رجال الإمامين محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق’.

وعدّه المفيد ـ في رسالته العددية ـ ممَّنْ لا مطعن فيهم، ولا طريق لذمّ واحدٍ منهم.

وعدَّه ابن شهرآشوب من خواصّ أصحاب الصادق×.

وروى الكشّي، بإسناده إلى المفضَّل بن عمر الجعفي قال: سألتُ الإمام الصادق× عن تفسير جابر؟ فقال: لا تحدِّثْ به السَّفَلة فيذيعونه..

وهناك رواياتٌ تدل على أنه كان يحمل أسراراً من آل بيت الرسول‘، ومن ثم رماه القوم بالغلوّ والرفض، ولكنْ مع صدق الحديث والورع في الإيمان. وكفى به مدحاً وإخلاصاً في الدين.

وقال النجاشي: «وهذا يعني الاعتلاء في عقيدته بشأن أهل البيت^.. ومن ثم كان أبو جعفر الباقر× يوصيه بأن لا يذيع من أسرارهم شيئاً، ولا يُحدِّث الناس بما لا تطيقه عقولهم»([79]).

16ـ نقل الحديث في كتاب «المقنع»، أو «مَنْ لا يحضره الفقيه»

هناك خلاف بين كبار العلماء من الشيعة في حجّية مراسيل الشيخ الصدوق؛ حيث ذهب بعضٌ، ومنهم: الشيخ البهائي&، إلى اعتبار مراسيله، كمراسيل ابن أبي عمير؛ بينما لم يفرِّق بعضٌ آخر بين مراسيله ومراسيل غيره، وحكم بضعف الجميع([80]).

أما الأستاذ معرفت فكان يرى في وجود الحديث في كتاب «المقنع»، للشيخ الصدوق، والفتوى به، وذكر الحديث في كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه» مرسَلاً، ما يكفي لإثبات اعتباره. وهذا ما ذهب إليه المحقِّق الداماد أيضاً.

وفي بحث بلوغ الفتاة من زاوية الفقه الإسلامي، ومقالة «متى تصوم الجارية؟»، صرّح سماحته بهذا الرأي؛ حيث ذكر في المقالة الأولى: لقد أفتى الشيخ الصدوق& في كتابه المقنع بمضمون هذه الرواية صراحةً، بل صاغ نصّ الرواية على شكل فتوى. هذا، وقد أرسلها في كتابه «مَنْ لا يحضره الفقيه» إرسال المسلَّمات، وقال: «وفي خبرٍ آخر: على الصبي إذا احتلم الصيام، وعلى المرأة إذا حاضت الصيام».

ثمّ أضاف الأستاذ معرفت قائلاً: إن هذين الأمرين ـ نقل الحديث في المقنع؛ وإرساله في مَنْ لا يحضره الفقيه إرسال المسلمات ـ يكفي لإثبات اعتبار الرواية([81]).

وفي مقالة «متى تصوم الجارية؟» حكم بصحّة الروايات الواردة في كتاب «المقنع»، للشيخ الصدوق، سنداً ودلالة([82]).

17ـ الرواية عن كبار الأمة وعظمائها

إن من بين القرائن على اعتبار السند إكثارَ الراوي المجهول من الرواية عن كبار علماء الأمة وأجلّتها. وإنما يتمّ توظيف هذه القرينة في الموارد التي يكون فيها الراوي مجهولاً وغير معروف.

ورد في سند روايةٍ في الكافي، في باب الديات: عن محمد بن عيسى، عن يونس أو غيره.

قال الأستاذ معرفت: إن قول الكليني: «أو غيره» لا يضرّ باعتبار السند؛ لأن الراوي عنه هو ابن عبيد، وهو من كبار الرواة الذين لا يَرْوُون إلاّ عن العظماء، من أمثال: يونس بن عبد الرحمن. وعليه فإذا لم يكن المرويّ عنه هو يونس بن عبد الرحمن فهو شخصٌ بحجمه وقامته([83]).

18ـ رأي الأستاذ معرفت بشأن مراسيل ابن أبي عمير

إن من بين المسائل الرجالية الهامّة، والتوثيقات العامّة التي يؤثِّر قبولها أو ردّها ـ في علم الرجال ـ على استنباط الفقيه، البحث في مرسلات ابن أبي عمير.

هناك من كبار العلماء مَنْ يعتبر مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده، أو مسانيد غيره، في الاعتبار؛ ولكنْ ذهب آخرون إلى القول بأن مراسيل ابن أبي عمير كمراسيل غيره، فهي ساقطةٌ عن درجة الاعتبار([84]).

وفي هذه المسألة ـ كما في سائر المسائل ـ تقدّم الأستاذ معرفت برأيٍ معتدل وواقعي، حيث قال بأن مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده، إلاّ إذا عُورضت بمعارض أقوى منها، فعندها يكون التقدُّم للمعارِض([85]).

19ـ الإكثار من الرواية عن راوٍ واحد، واعتماد الأصحاب على روايته

في ما يتعلَّق بمحمد بن عيسى بن عبيد قال الأستاذ معرفت ـ بعد ذكر كلام الشيخ الطوسي بشأنه، والتوثيق الصريح الصادر بحقّه من قِبَل النجاشي ـ: لقد أكثر الشيخ الطوسي في كتابَيْه «التهذيب» و«الاستبصار» الرواية عنه، وقد بلغ مجموع الروايات المروية عنه في التهذيب فقط ما يزيد على 230 مورداً. وذكر في الهامش: وهكذا الكافي والمفيد. ثم أضاف إلى ذلك قائلاً: «وكفى بذلك اعتباراً للرجل، وكونه موضع اعتماد الأصحاب»([86]).

20ـ وضع السند الصحيح للرواية المختلقة

كان الأستاذ معرفت في حلقات درسه يحذِّر من الاعتماد على مجرّد السند، وكان يقول: لا يصعب على الوضّاع من أن يجعلوا سنداً صحيحاً لنصّ حديثٍ مختلق.

ومن هنا فإنه يصبّ جُلَّ اهتمامه على نصّ الحديث، ويجعل البحث في السند في الدرجة الثانية من الأهمّية.

فكان أحياناً إذا علم وأيقن باختلاق الحديث والرواية يضعها جانباً مهما كان سندها صحيحاً بحَسَب المصطلح.

فعلى سبيل المثال: نسب إلى أُبَيّ بن كعب أنه كان يتصوَّر أن سورة الأحزاب بحجم سورة البقرة أو أطول. فقد روى أحمد بن حنبل، بسنده عن زرّ بن حبيش، عن أُبَيّ بن كعب، قال: «كَأَيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأَحْزَابِ؟ أَوْ كَأَيِّنْ تَعُدُّهَا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ثَلاثاً وَسَبْعِينَ آيَةً، فَقَالَ: قَطُّ، لَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُعَادِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَقَدْ قَرَأْنَا فِيهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»([87]).

قال الأستاذ معرفت: «قلتُ: الحديث موضوعٌ على لسان الصحابيّ الكبير أُبَيّ بن كعب؛ إذ لم يُعْهَد من مصحفه الاختلاف مع مصاحف الآخرين بذلك، ولا احتماله أصلاً. ولعلّهم وضعوا ذلك على لسانه متأخِّراً؛ تأييداً لما كان يزعمه عمر بشأن آية الرجم؛ ليخرج عن الانفراد، ولا سيَّما أنهم عمدوا إلى وضع إسناد يشكِّله أقطاب الشيعة الأجلاّء، كيزيد بن أبي زياد الهاشمي نقيب البصرة، قال ابن حجر: كان من أئمّة الشيعة الكبار، وزرّ بن حبيش الكوفي المخضرم، وهو من أصحاب عليّ×، ذو مكانة سامية يتقدَّم الجميع. كما قال عاصم عن أُبَيّ بن كعب: الصحابي الجليل سيّد القرّاء، ومن النفر الذين ثبتوا مع عليٍّ× يوم السقيفة»([88]).

مثال آخر: أخرج الطبري في التفسير، عن ابن عبّاس، أنه كان يقرأ: ﴿أَفَلَمْ [يتبيَّن] الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ (الرعد: 31). قيل له: إنه في المصحف ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسْ﴾ قال: أظنّ الكاتب كتبها وهو ناعسٌ!

قال ابن حجر: هذا الحديث رواه الطبري بإسنادٍ صحيح، كلّهم من رجال البخاري.

وقد بالغ الزمخشري في الإنكار على صحّة هذا الأثر… ولكنّ هذا ونحوه مما لا يصدق بشأن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يدَيْه ولا من خلفه».

ثم استطرد قائلاً: «هذه والله فريةٌ ما فيها مرية».

وقد ردّ ابن حجر كلام الزمخشري، قائلاً: «هذا إنكار مَنْ لا علم له بالرجال، وتكذيب المنقول بعد صحّته ليس من دأب أهل التحصيل، فلينظر في تأويله بما يليق».

قال الأستاذ معرفت: «قلتُ: بماذا يؤوَّل نسبة النعاس والغفلة إلى كاتب المصحف، وكيف يحتمل أنه أراد أن يكتب «يتبيَّن» فكتب «ييأس» ذهولاً؟! ثم كيف يمكن تخطئة قراءة جمهور المسلمين التي ورثوها كابراً عن كابرٍ عن النبي الكريم‘؟! إنْ هو إلاّ زعمٌ فاسد، وفرية ما فيها مرية»([89]).

توظيف المباني في مهدها الرئيس

إن منهج الأستاذ معرفت في توظيف المباني والقواعد الرجالية هو منهجٌ تطبيقي وتربوي تعليمي، نافعٌ للطلاب والباحثين والمحقِّقين، حيث يعمد سماحته إلى توظيف المباني والقواعد الرجالية في مهدها الرئيس، أي مجال التفسير والفقه وعلوم القرآن.

فعلى الرغم من قراءاته الواسعة، وتتبُّعه في مختلف المصادر، يكتفي في مقام التطبيق بالاختصار والإشارة بشكلٍ دقيق يستوعب فيه جميع المسائل والمطالب.

انظر مثلاً إلى النصّ التالي: «أخرج أبو عبيد، بإسناده إلى أبي سفيان الكلاعي (مجهول)، عن مسلمة بن مخلد الأنصاري (كان لم يتجاوز العاشرة عند وفاة النبي‘)، أنه قال يوماً: أخبروني بآيتين في القرآن لم يُكْتَبا في المصحف (المصحف اصطلاحٌ حادث أيام الخلفاء)، فلم يخبروه…».

فبعد نقل الخبر، والإشارة إلى التلفيق، والإضافة المفضوحة التي لا تتناسب مع أسلوب القرآن الكريم، يقول: «ولعلّ مسلمة (وقد تولّى مصر من قبل يزيد بن معاوية، ومات بها سنة 72[هـ])…».

تلاحظون كيف عمد سماحته إلى بيان أربع نقاط هامّة على نحوٍ مزجي لطيف: ثلاثة نقاط من المباني الرجالية؛ ونقطة من قواعد فقه الحديث، ضمن تضاعيف الكلام.

حيث أشار إلى أبي سفيان الكلاعي بأنه مجهولٌ، بوضع كلمة (مجهول) بعده بين قوسين، يعني بذلك أنه يكفي أن يكون الراوي مجهولاً للحكم على هذا الحديث بالضعف.

وبالنسبة إلى مسلمة؛ بلحاظ قرينة صغر سنّه، فيه إشارةٌ إلى عدم اكتمال عقله ونضجه الفكري في حينها، وأنه لم يكن بالغاً عند وفاة رسول الله‘.

وفي الختام يغمز مسلمة بالقول: «وقد تولّى مصر من قِبَل يزيد بن معاوية، ومات بها سنة 72هـ»، بمعنى أن قبوله ولاية مصر من قبل يزيد الطاغية يكفي لسلب الثقة عنه وتضعيفه وعدم الاطمئنان إلى روايته.

المثال الجميل الآخر: مبحث حديث الأحرف السبعة. يتعرّض في البداية إلى ذكر أحاديث من مصادر الشيعة، مع الإشارة إلى وضعها من الناحية السندية، وينتقل بعد ذلك إلى الأحاديث المرويّة في مصادر أهل السنّة والجماعة.

1ـ روى أبو جعفر الصدوق، بسندٍ فيه (محمد بن يحيى الصيرفي)، وهو مجهول، عن حمّاد بن عثمان، عن الإمام جعفر بن محمد الصادق× قال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه([90]).

2ـ وروى أيضاً، بسندٍ آخر فيه (أحمد بن هلال)، وهو غالٍ متَّهم في دينه، عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن آبائه، قال رسول الله‘:…([91]).

3ـ وروى محمد بن الحسن الصفّار، بسندٍ فيه ترديد (هكذا: عن أبي عميرة وغيره)، عن جميل بن درّاج، عن زرارة، عن الإمام أبي جعفر الباقر×([92]).

4ـ وروى أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النعماني، مرسلاً، عن الإمام أمير المؤمنين×.

ليقول في الختام: هذه هي أحاديث (أُنزل القرآن على سبعة أحرف) مرويّة عن أئمة أهل البيت^، لكنْ بأسانيد لم تثبت وثاقتها([93]).

ثمّ يذكر الأحاديث المرويّة من طرق أهل السنّة، ويذكر في ذلك اثنتي عشرة رواية من مختلف المصادر، ليقول في الختام: «تلك جُلُّ أحاديث الجماعة. ادّعوا تواترها، لكنّها مختلفة المدلول بما لا يلتئم ومصطلح التواتر الذي عُمْدته وحدة المضمون في الجميع».

ثم قام بتقسيم تلك الأحاديث إلى أربع طوائف، ليخرج بنتيجة مفادها أن الطائفة المقبولة منها هو حمل هذه الروايات على اختلاف اللهجات، وأما الطوائف الثلاثة الأخرى فهي شاذّةٌ أو باطلة، وقد رفضها المحقِّقون([94]).

النموذج الآخر: «روى الصدوق، بإسناده عن محمد بن أبي عبّاد ـ وكان مستهتراً بالسماع، ويشرب النبيذ ـ، قال: سألتُ الرضا× عن السماع؟ فقال: لأهل الحجاز (أو العراق) فيه رأيٌ، وهو في حيِّز الباطل، أما سمعتَ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان: 72]»([95]).

حيث يشير في هذا النموذج إلى وضع الراوي، ومقدار اعتبار السند، في تضاعيف النصّ، الأمر الذي يوفِّر على الطالب والباحث الكثير من العناء!

كلمةٌ أخيرة

اعتُبر الأستاذ معرفت& منظِّراً في أكثر من مجالٍ. ونذكر منها، على سبيل المثال: الفقه، والتفسير، وعلوم القرآن.

وكانت له مبانيه وقواعده المحكمة والناضجة في مجال علم الرجال والحديث والتفسير.

ولكنّه، رغم القول باعتبار علم الرجال ودوره المؤثِّر، كان يضعه في الدرجة الثانية من الاهتمام.

وكان مبنى سماحته في العمل بخبر الواحد ـ ولا سيَّما في مباحث التفسير والتاريخ ـ يقوم على ضرورة أن يكن محفوفاً بقرائن الصدق.

ولم يكن في التوثيقات يكتفي بمجرّد التعديل أو الجرح والطعن على الرجال، وإنما يقوم إلى جانب ذلك بمراجعة مختلف المصادر الرجالية والروائية وغيرها، ويبحث عن القرائن الموجبة لاطمئنان المحقِّق.

كما يذهب سماحته في ما يتعلَّق بمذهب طلائع العلم والفكر في العالم الإسلامي ـ في مختلف المجالات ـ إلى الاعتقاد بأن الأكثرية الساحقة منهم كانوا من الشيعة بالمعنى العامّ (المتمثِّل بالولاء لأهل البيت^ والبراءة من أعدائهم). وقد أثبت ذلك بالكثير من الشواهد.

وكان سماحته يطبِّق مبانيه الرجالية في مهدها الأصلي، المتمثِّل بمجال التفسير والفقه وعلوم القرآن.

نسأل الله للأستاذ معرفت& عُلُوَّ الدرجات والحَشْر مع أوليائه الأطهار (النبي الأكرم‘ وآل بيته الأبرار^).

الهوامش

(*) عضو اللجنة العلميّة في الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة.

([1]) انظر: محمد بن الحسن الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 20: 61؛ الحُرّ العاملي، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة^ 8: 547 ـ 584.

([2]) انظر: ذخيرة المعاد 3: 488؛ كتاب الطهارة 1: 356؛ مصباح الفقيه 2: 12؛ مستمسك العروة الوثقى 1: 221.

([3]) محمد هادي معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 219.

([4]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 18: 75 ـ 89، باب وجوب الجمع بين الأحاديث المختلفة؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 2: 219 ـ 255، باب علل اختلاف الأخبار وكيفية الجمع بينها، ح1 ـ 5، 15، 20، 21، 37، 38.

([5]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 2: 250.

([6]) اختيار معرفة الرجال 2: 489؛ المجلسي، بحار الأنوار 2: 250، ح63.

([7]) المجلسي، بحار الأنوار 2: 249، ح: 62، نقلاً عن: رجال الكشّي 2: 489.

([8]) الفقه للمغتربين (طبقاً لفتاوى السيد علي السيستاني): 68.

([9]) الإمام الخميني، الرسائل 2: 98.

([10]) محمد هادي معرفت، التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 255 ـ 256.

([11]) انظر: كيهان أنديشه، العدد 28، شهر بهمن وإسفند 1368هـ.ش، مقالة لكاتبها: أ. م. الموسوي، تحت عنوان: رسائلي پيرامون تفسير وعلوم قرآن منسوب به أهل بيت^: 113 ـ 141.

([12]) انظر: محمد هادي معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 233 ـ 234.

([13]) محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 103؛ معرفت، تلخيص التمهيد 1: 63.

([14]) انظر: معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 290، ح134، حيث يقول، بعد نقل حديث في سورة الحمد: «هذا الحديث اعتمده الصدوق، ورواه من طريق محمد بن القاسم، وذكر الحديث في كتابَيْه: العيون 1: 309، ح1؛ والأمالي: 371، ح462».

([15]) معرفت، التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 2: 556.

([16]) إن بعض دروس خارج الفقه يعتمد على هذا المنهج بشكلٍ رئيس.

([17]) تعليقة الوحيد البهبهاني على منهج المقال، المطبوعة ضمن رجال الخاقاني: 44 ـ 60.

([18]) معرفت، التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 239 ـ 240، نقلاً عن: الكليني، الكافي 5: 451؛ والحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 18: 100.

([19]) المصدر السابق 1: 202.

([20]) المصدر السابق 1: 392.

([21]) المصدر السابق 1: 237.

([22]) المصدر نفسه.

([23]) المصدر السابق 1: 241.

([24]) المصدر السابق 1: 242 ـ 386.

([25]) المصدر السابق 1: 245.

([26]) المصدر السابق 1: 254.

([27]) المصدر السابق 1: 354.

([28]) المصدر السابق 1: 283 ـ 284.

([29]) المصدر السابق 1: 237.

([30]) المصدر السابق 1: 241.

([31]) المصدر السابق 1: 394.

([32]) المصدر السابق 1: 249.

([33]) المصدر السابق 1: 394.

([34]) المصدر السابق 1: 237.

([35]) المصدر السابق 1: 245.

([36]) المصدر السابق 1: 250.

([37]) المصدر السابق 1: 273.

([38]) المصدر السابق 1: 237.

([39]) المصدر السابق 1: 242.

([40]) المصدر السابق 1: 252.

([41]) المصدر السابق 1: 313.

([42]) المصدر السابق 1: 343.

([43]) المصدر السابق 1: 399.

([44]) المصدر السابق 1: 252 ـ 253.

([45]) المصدر السابق 1: 253.

([46]) المصدر السابق 1: 246.

([47]) المصدر السابق 1: 388.

([48]) المصدر السابق 1: 199.

([49]) المصدر السابق 1: 328 ـ 329.

([50]) المصدر السابق 1: 333.

([51]) المصدر السابق 1: 345.

([52]) المصدر السابق 1: 346.

([53]) المصدر السابق 1: 244 ـ 145.

([54]) المصدر السابق 1: 288.

([55]) المصدر السابق 1: 300.

([56]) المصدر السابق 1: 310.

([57]) المصدر السابق 1: 408 ـ 409.

([58]) المصدر السابق 1: 409.

([59]) معرفت، تلخيص التمهيد 1: 333.

([60]) الذهبي، ميزان الاعتدال 1: 5.

([61]) المصدر نفسه.

([62]) معرفت، التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 271 ـ 272.

([63]) المصدر السابق 1: 272.

([64]) المصدر السابق 1: 407 ـ 408.

([65]) المصدر السابق 1: 410.

([66]) المصدر السابق 1: 410.

([67]) المصدر السابق 1: 393.

([68]) المصدر السابق 1: 392.

([69]) المصدر السابق 1: 392 ـ 393.

([70]) المصدر السابق 2: 748.

([71]) المصدر السابق 1: 401 ـ 402.

([72]) انظر: الطوسي، تهذيب الأحكام 7: 424.

([73]) مقالة مكتوبة بخط اليد للشيخ محمد هادي معرفت، تحت عنوان (العيوب الموجبة لفسخ النكاح): 16.

([74]) معرفت، التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 317.

([75]) المصدر السابق 1: 318.

([76]) المصدر السابق 1: 320.

([77]) المصدر السابق 1: 355.

([78]) المصدر السابق 1: 353.

([79]) المصدر السابق 1: 357 ـ 358.

([80]) انظر: الفوائد الرجالية 3: 300؛ بحوث في علم الرجال: 185.

([81]) انظر: محمد هادي معرفت، بلوغ دختران أز ديدگاه فقه إسلامي: 7.

([82]) انظر: متى تصوم الجارية؟: 1.

([83]) انظر: مقالة بخطّ يد الأستاذ معرفت، بعنوان: دية المرأة: 12.

([84]) انظر: بحر العلوم، الفوائد الرجالية 3: 300؛ بحوث في علم الرجال: 18.

([85]) انظر: مقالة بخطّ يد الأستاذ معرفت، بعنوان: حدّ يائسگي (حدّ اليأس): 10.

([86]) مقالة بخطّ يد الأستاذ معرفت، بعنوان: دية المرأة: 7.

([87]) مسند أحمد بن حنبل 5: 132.

([88]) معرفت، صيانة القرآن من التحريف: 170 ـ 171.

([89]) المصدر السابق: 179 ـ 180.

([90]) الخصال 2: 358، أبواب سبعة أحرف، ح43.

([91]) المصدر نفسه.

([92]) بصائر الدرجات: 216.

([93]) معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 86 ـ 87.

([94]) انظر: المصدر السابق 2: 88 ـ 91.

([95]) نقش آهنگ در تلاوت قرآن، كيهان أنديشه، العدد 28: 66.