المؤسسات الدينية بين حق التخصص وحق النقد

15 أغسطس 2018
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
268 زيارة

المؤسسات الدينية بين حق التخصص وحق النقد

إيمان شمس الدين

إن الشكل والوظيفة الاجتماعية للدين مرتبطان بفهم شكل المجتمع وتطوره التاريخي، فدراسة الدين من خلال المحتوى التاريخي يساعدنا على رؤية وظائف الدين إما على أنها عوامل مساعدة لتماسك المجتمع أو عوامل مثيرة للصراع وذلك تحت تأثير الدين كاتجاه محافظ أو اتجاه ثوري وهكذا[1]. فالدين كمحتوى إلهي معصوم لا إشكالية حقيقية فيه، لأن أصل وجود الدين وتشريعاته وإرسال الرسل والأنبياء بهذه التشريعات والقوانين هو جاء لأجل خدمة الإنسانية ورفعتها وإرساء العدالة، و التي تفتح طريقا واسعا للمعرفة والنهضة، إلا أن الإشكاليات ظهرت في ممارسة الدين في الواقع الخارجي، وطرق فهم البشر وتطبيقهم له في الواقع الحياتي الخارجي، بل تحويل الدين من خادم للإنسانية ،محققا للعدالة، ليصبح المخدوم من قبل الإنسان، بل الأداة المستخدمة لقمعه ووضع أغلال عليه وتكريس السلطة البشرية ضده، من خلال سوء استخدامه من قبل فقهاء السلطة، ومن قبل ما يمكن تسميتهم حراس العقيدة الذين نصبوا أنفسهم أربابا على الدين بحجة حمايته، فجعلوا من أنفسهم مرجعية معيارية تحدد الصالح والفاسد، بدل أن يكون الله هو الرب وهو المرجعية المعيارية الوحيدة التي تحاسب وتقيّم، فكرسوا بذلك سلطتهم على حساب سلطة الله، وكرسوا فهمهم للدين، على حساب دين الله، فجاء الدين الإلهي ليزيل كل الأغلال عن الإنسان خاصة الأغلال المعنوية ليحرر الروح من كل القيود الغريزية المنحرفة، ويطلق العنان للعقل كي يبدع في عمارة الأرض ضمن خطوط الله وقواعده، ويعطيه القدرة علي السعي في مدارج الكمال ليفتح آفاق الدنيا على الآخرة، إلا أن بعض رجال السلطة الدينية التي جعلت من الدين بشري الفهم ضمن نطاق عقلها المحدود والمغلول، جعلت منه قيدا للعقل وللروح، لتكرس سلطتها وسلطة الحاكم، وتعطل قدرة الإنسان على التفكير الناقد، وعلى السؤال والشك الإيجابي للتطوير والنهضة، بحجة قيمومتها الدينية على فهم الدين، وقدرتها الخاصة والوحيدة فقط على فهم حدود الله وشرعه، مما عطل قدرة الأفراد على السؤال والنقد، وسلب حقهم في التفكير والنهضة، وهذا لا يعني كل المؤسسات الدينية، بل أعني بها بعض السلطات الدينية التي كرست ثقافة المقدس البشري، وغيبت ثقافة المقدس الإلهي، إلا أن الأمر لا يخلو من وجود مؤسسات دينية تحررت من العقل الكنسي في فهم الدين، وانطلقت بعقل الإنسان نحو ثقافة دينية عالية، حررت الإنسان وأطلقت لعقله العنان في فهم الدين مع حفظ اختصاصها في فهم الأحكام الشرعية، وهو حق لا ننكره، فكما نعترف بوجود المتخصصين في الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء، فهناك متخصصون في فهم الأحكام الشرعية والفقهية والتأسيس لأصول الفقه، إلا أن التخصص لا يعني إلغاء العقل ومنع السؤال ومنع الإبداعات الفكرية في المجال الديني، بل يعني تثوير العقول والأخد بيدها نحو المعرفة والنهوض بها لتصبح عقول متألهة، لا إبقاءها في دائرة التلقين والتعطيل، فوجود متخصصين في العلوم الطبيعية لا يلغي حق كل إنسان في السؤال والبحث، كذلك وجود متخصصين في الفقه والأصول لا يلغي حق الإنسان في السؤال والبحث، لكن حقه هذا لا يعطيه الحق في الإفتاء بغير علم ودراسة، بل يعطيه حق في التساؤل وفتح آفاق المعرفة الدينية من خلال اللجوء للمختص أو من خلال السير في طي مراحل الدراسة في التخصص في العلوم الدينية ليمتلك المكنة في فهمها، ومن ثم المكنة في الإفتاء، هذه المكنة تأتي من خلال التحصيل العلمي في كافة المجالات، وهذا التحصيل العلمي لا يمنع التساؤل وطرح الإشكالات طالما هو يسير في مراحل التحصيل بشكل سليم، حتى لو طرح إشكالات منهجية على أكبر العلماء في مجاله التخصصي فهذا حقه، كون هناك تراكم معرفي، وهناك عقول مبدعة وعبقرية، وهناك تفاوت في الفهم والمراتب الوجودية بين البشر، الاعتراف بهذا التفاوت هو اعتراف بحق من يسعى ويسير في التحصيل العلمي وفق أسسه السليمة أن يطرح الإشكاليات وينتقد فهم من تقدمه في الرتبة العلمية، ومن سبق تاريخيا، هذا الاعتراف في الحق هو المفتاح الذي يفتح بوابة التقدم، ويمنع الانسدادات المعرفية، ويدفع نحو النهضة والتقدم والتطور.

 إذا هناك فرق بين وجود المتخصص في العلوم الدينينة وهو أمر لا ينكره عاقل، وفرق بين تعطيل طرح الإشكالات والنقد العلمي في داخل دائرة المتخصصين في العلوم الدينية بحجة السبق العلمي للفهم الديني للسابقين، أو الرتبة العلمية الكبيرة التي حصلوا عليها مع تقادمهم في العلم والتعليم، وترقيهم في تحصيلهم العلمي والعقلي، فالأول اعتراف بوجود المتخصص وحقه في التخصص والمعرفة التخصصية، والثاني سلب هذا الحق من المتخصص ذاته بحجة سبق علمي رتبي لآخرين سبقوه عمريا وزمنيا في التحصيل العلمي، ونكران لاختلاف القدرات العقلية، وإنكار لوجود عقول عبقرية خارج الزمان والمكان، وقادرة بعبقريتها على تجاوز عقبة الزمن والسبق الزمني، وهو مثبوت تاريخيا بشخصيات كان تحصيلها العلمي زمنيا قليلا مقارنة مع من سبقها، إلا أن عطاءها المعرفي وفتحها العلمي، وإنتاجها الفكري كان غزيرا وسابقا لزمانها بل سابقا أيضا لمن عاصرها أو سبقها زمنيا في التحصيل العلمي، وهذه هبات الله للناس كي يفتح عليهم أبواب المعرفة من خلال شخصيات محددة هو يختارها، بل هي أيضا مواهب إلهية وزعها وفق حكمته، و نكرانها هو نكران لهبات الله وحكمته، فأعقل الناس من جمع العقول إلى عقله كي تتكامل المعارف وتتكامل وجهات النظر البشرية حول فهم نص إلهي معصوم كامل من قبل عقل محدود بشري يحتاج عقولا ناظرة للنص من زوايا مختلفة كي تكتمل النظرة، ويكتمل فهم مراد الله تعالى من النص الذي يدير به حياة الناس ليحقق من خلاله العدالة وكرامة الإنسان، فالقيمة عند الله هي لكرامة الإنسان والدين وسيلته في تحقيق هذه الكرامة. فالاعتراف بالاختلاف الرتبي في العقول، والاعتراف باختلاف القدرات العقلية والاعتراف بالعبقرية العقلية مفتاح مهم لعدم حدوث الانسدادات العلمية في المؤسسات الدينية تحت عناوين قداسة الفهم البشري للعمالقة السابقين زمنيا ومعرفيا من العلماء، الذين كان لهم إنجازات تاريخية مؤثرة لا ينكرها عاقل، لكن مع تطور الزمان والأدوات المعرفية لا بد من الاعتراف بعقول الآخرين كما اعترفنا بعقول السابقين، ولابد من الاعتراف بحق المختصين بداخل التخصصات الدينية باستخدام عقولهم نقدا وانتاجا للمعارف خارج نطاق القداسة البشرية، فلم يعد استخدام الفتاوى الدينية في تعطيل حق الإنسان في التفكير والنقد يجدي في هذا العصر، بل بالعكس بات ضرره على الدين أكبر بعد عصر العولمة وعصر المعلومة السريعة والتكنلوجيا المتطورة، بل باتت هذه الفتاوى تلعب دورا في تنفير الناس من الدين لا ترغيبها فيه.

لذلك يلعب الدين دورا عميقا في فكر الإنسان وفي عمليات التغيير سلبا وإيجابا، وهو ما يدفعنا للتفكير مليا في آلية جعل الدين وسيلة للعدالة لا وسيلة للقمع والظلم، وهو ما يعتمد على آليات المعرفة والإدراك المعرفي، ومنهجيات التفكير وأدواتها في إدراك المعارف الدينية وتحويلها للواقع الخارجي التطبيقي.

[1] علم الاجتماع الديني/ محمد أحمد بيومي/ دار المعرفة الجامعية/ ص ٢١٦،٢١٥