المثقفون الدينيّون وتحديث الفقه

22 ديسمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬267 زيارة

المثقفون الدينيّون وتحديث الفقه

الفقه: علمٌ دنيوي أم أخروي؟

ترجمة: صالح البدراوي

مقدمة

انبرى المثقفون الدينيّون ـ وتماشياً مع ظاهرة الحداثة والعلمانية ـ إلى تجريد الدين والشريعة من القداسة والأسرار، وأخذوا يعملون بأساليب متعددة إلى التقليل من قدسية الدين والغيب، وإظهاره على أنه ظاهرة دنيوية وأرضية([1]). كما تمكنوا وسط هذه الأجواء من تقوية النزعة الدنيوية، من خلال الاستفادة من آراء بعض علماء السلف؛ لكي تقربهم من هذا الهدف.

كما أنّ عبد الكريم سروش، الذي يعد من أكثر الذين يستأنسون بأفكار محمد الغزالي (505هـ) وكتابه (إحياء علوم الدين)، بعد الشاعر مولوي، استحسن رأي الغزالي الغريب في باب النظر إلى علم الفقه بأنه علم دنيوي في كتابه المذكور، وقام عدة مرات بالتطرق إليه في مؤلفاته والترويج له([2]). كما واصل محمد مجتهد شبستري أيضاً هذا الطريق معه([3]).

وقبل أن نقوم بتوضيح ودراسة آراء هذين الكاتبين المعاصرين، نرى من الأجدى أن نلقي نظرة على رأي الغزالي، الذي يمثل منطلق هذه الرؤية.

دنيوية علم الفقه عند الغزالي

خلاصة ما قاله الغزالي في كتاب (إحياء علوم الدين)، الباب الثاني من كتاب العلم، هو: تقسم العلوم إلى قسمين: شرعية؛ وغير شرعية. والمقصود بالعلوم الشرعية تلك العلوم التي وصلت إلى الإنسان عن طريق الأنبياء، وليس لعقل الإنسان وتجربته واعتباره من سبيل إليها. وتقسم هذه العلوم إلى الأصول، والفروع، والمقدّمات، والمتممات.

والقسم الأول (الأصول) عبارة عن القرآن، وسنّة النبي‘، وإجماع الأمة، وآثار الصحابة. ويعدّ الإجماع وأثر الصحابي من الأمور المعتبرة، ومن العلوم الشرعية؛ بدليل أنها تدلُّ على السنّة.

والقسم الثاني (الفروع) هي العلوم التي تفهم من الأصول (القسم الأول)، لا بموجب ألفاظها، بل بمعانٍ تـنبّه لها العقل، فاتسع بسببها الفهم، حتى فهم من اللفظ الملفوظ غيره، كما فهم من قول النبي الأكرم‘ إذ قال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» أنه لا يقضي إذا كان خائفاً أو جائعاً أو متألماً بمرض.

والفروع على قسمين: القسم الأول منها يتعلق بالمصالح الدنيوية. وتتكفل كتب الفقه توضيح هذا القسم وبيانه، ولهذا فالفقهاء هم علماء الدنيا.

والقسم الثاني يتعلق بمصالح الآخرة, وهو علم أحوال القلب والأخلاق المحمودة والمذمومة، وما هو مرضيّ عند الله تعالى وما هو مكروه.

وينتقل الغزالي بعد ذلك إلى شرح علوم المقدمات والمتممات، وهي من أقسام العلوم الشرعية، ثم ينبري لتوضيح أهم جانب في كلامه السابق (القول بدنيوية علم الفقه) والدفاع عنه، فيقول: فإن قلت: لِمَ ألحقت الفقه بعلم الدنيا وأسميت الفقهاء بأنهم علماء الدنيا؟ فاعلم أنّ الله عزّوجل أخرج آدم× من التراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دانق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى العرض، ثم إلى الجنة أو إلى النار. فهذا مبدأُهم، وهذه غايتهم، وهذه منازلهم. وخلق الدنيا زاداً للمعاد؛ ليتـناول منها ما يصلح للتزود، فلو تـناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات، وتعطّل الفقهاء، ولكنهم تـناولوها بالشهوات، فتولدت منها الخصومات، فمسَّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به، فالفقيه هو العالم بقانون السياسة، وطريق التوسط بين الخلق إذا تـنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم، تـنتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا، ولعمري إنه متعلقٌ أيضاً بالدين، لكن لا بنفسه، بل بواسطة الدنيا، فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتمّ الدين إلاّ بالدنيا، ولهذا السبب فإنّ السياسة وتدبير أمر الناس والعلم المرتبط به لا يمكن اعتباره من العلوم الدينية بشكل مباشر، بل إنه يرتبط بأمر واقعي يعد مقدمة لازمة للتدين.

ثم يلتفت الغزالي الى أنّ قوله: «فلو تـناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات، وتعطّل الفقهاء» ينطبق فقط على الفقه المتعلق بالأحكام القضائية الشريعة، وأنّ حاجة الناس للفقهاء في العبادات والمعاملات ستبقى على حالها.

ومن هنا يقول وهو في مقام الإجابة: فاعلم أنّ أقرب ما يتكلم فيه من الأعمال التي هي أعمال الآخرة ثلاثة: 1ـ الاسلام. 2ـ الصلاة والزكاة. 3ـ الحلال والحرام.

ولكن لو أمعنا النظر جيداً في البُعد الفقهي لهذه الأعمال، فسيتضح لنا أنّ رأي الفقيه في هذا النوع من الأعمال لا يتجاوز حدود الدنيا، ولا سبيل لها للآخرة بدون الواسطة، والإسلام الذي يتحدث عنه الفقيه هو الإسلام اللفظي فقط، الذي ينطق به خوفاً من حدّ السيف، ولغرض المحافظة على النفس والمال، ومثل هذا الإسلام لن ينفع في الآخرة، في حين أنّ إخلاص القلوب هو التي ينفع في الآخرة، كما أنّ القلب خارج عن حدود ولاية الفقيه أيضاً.

كما أنّ الفقيه يهتم فقط بالصورة الظاهرية للأعمال في الصلاة، وحسب رأيه إذا التزم أحد المصلين بجميع الضوابط والشروط الظاهرية لأجزاء الصلاة فإنّ صلاته صحيحة، حتى لو كان غافلاً عن ذكر الله من أولها إلى آخرها ـ باستثناء تكبيرة الإحرام ـ، في حين أنّ مثل هذه الصلاة لن تـنفعه في الآخرة بأي شكل من الأشكال، كما أنّ الإيمان اللفظي لم يكن ذا فائدة.

إذاً فإنّ خضوع القلب وخشوعه ـ وهو العمل المرتبط بالآخرة، وبواسطته سيصبح العمل الظاهري مفيداً ـ هو أمرٌ خارج عن دائرة الآراء الفقهية، وإذا تطرق أحد الفقهاء لهذه الأمور فإنّ رأيه سيكون مستطرداً، ويكون بذلك قد خرج عن حدود علم الفقه.

وفي الزكاة أيضاً يكتفي الفقيه فقط بالشروط التي يؤدي فيها المكلف واجبه الشرعي تجاه الدولة، وتبرأ فيها ذمته، وإذا امتـنع الفرد عن دفع الزكاة، وأخذت الحكومة الزكاة منه عنوةً ـ برأي الفقيه، فلن يبقى على عاتق ذلك الفرد أي تكليف بعد ذلك. ثم يتحدث الغزالي عن أبي يوسف([4])، وكيف أنه كان يهب ماله لزوجته في نهاية كل عام هرباً من دفع الزكاة، وبعد انقضاء السنة الزكوية كان يطالب زوجته بإعادة الأموال إليه. وعندما نقلت هذه القضية لأستاذه أبي حنيفة قال: ذلك من فقهه، ويقول الغزالي بكل جرأة: نعم، صدق أبو حنيفة، هذا من فقه الدنيا، ولكن ضرره في الآخرة أعظم من كل جناية، ومثل هذا هو العلم الضارّ.

وأما بالنسبة للتمسك بالحلال والحرام في الدين، والذي يعرف بالورع، فله أربع مراتب:

الأولى: هي الاحتراز عن الحرام الظاهر، وهو الذي يخرج بتركه الإنسان عن أهلية الشهادة والقضاء والولاية.

الثانية: ورع الصالحين، وهو التوقّي من الشبهات في حرام الله.

الثالثة: ورع المتقين، وهو ترك الحلال المحض، الذي يُخاف منه أداؤه إلى الحرام.

الرابعة: ورع الصدّيقين، وهو الإعراض عما سوى الله.

ومن بين هذه المراتب فإنّ المرتبة الأولى فقط هي التي ترتبط بحكم الفقيه، وسائر المراتب الأخرى خارجة عن دائرة الفقه، وتحقق المرتبة الأولى في الإنسان لا ينجيه من تبعات الذنب في الآخرة، وعليه فإنّ الفقيه لا شأن له بحالات القلب، ويتحدث فقط عما هو شرطٌ في العدالة، ومن هنا فإنّ رأي الفقيه يتعلق بالدنيا، ومن خلال هذا الممر يجد طريقه إلى الفلاح الأخروي.

وعلى الرغم من كل ذلك لا يمكن أن نجعل علم الفقه بمستوى العلوم الدنيوية الأخرى، كالطب مثلاً؛ لأنّ الفقه أشرف من الطب من ثلاثة أوجه:

أولاً: إنّ الفقه علم شرعي، وهو مأخوذ من النبوة، بخلاف الطب.

ثانياً: إنه لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة البتة، وأمّا الطب فلا يحتاج إليه إلا المرضى، وهم الأقلّون.

وثالثاً: إنّ علم الفقه مجاورٌ لعلم طريق الآخرة؛ لأنه نظر في أعمال الجوارح، ومنشؤها الصفات وخصائص القلوب والجوانح، وهي التي توجب الشقاء أو السعادة الأخروية، على العكس من الطب الذي تكون فيه خصوصيات البدن هي منشأ الصحة والمرض، والتي لا علاقة لها بالروح والقلب.

ثم ينتقل الغزالي إلى التعريف بعلوم الآخرة وتقسيماتها، ويبدي تذمّره مرة أخرى من فقهاء عصره، ويلومهم على تخلفهم عن العلوم الأخروية ـ والتي تعد واجباً عينياً ـ، في حين عمدوا في علم الفقه ـ وهو من العلوم الدنيوية ـ إلى إطالة بعض الفروع عديمة الفائدة، وهم فرحون لأنهم أمضوا حياتهم في كسب العلوم الدينية، في حين لو أنهم كانوا يألمون للدين لما تركوا الواجب العيني من أجل تعلّم الواجب الكفائي([5])، بينما نجد أنّ المدن والبلاد الإسلامية تعجّ بالفقهاء الذين اختاروا تعلّم فقه الدنيا، ولم نشاهد بالمقابل أثراً لمن يخشى الله من العلماء؛ لكي يبيّنوا للناس طريق الآخرة. ولماذا لم يتّجه هؤلاء الفقهاء إلى تعلّم الطب، وهو كالفقه واجب كفائي؟! ولربما يعود السبب في حاجة المسلمين في كثير من البلدان الإسلامية إلى أن يكون الأطباء عادةً من أهل الذمّة، وهم الذين لا تقبل شهادتهم حتى في ما يتعلق بمرضاهم، لربما يعود لهذا الإهمال، وليس من مبرر لهذا الأمر سوى أنّ الشخص لن يتمكن عن طريق الطب ـ وعلى العكس من الفقه ـ من الحصول على المناصب الدنيوية، من قبيل: الولاية على الأوقاف، وأموال اليتامى، ومنصب القضاء، والرئاسة، والمحبة بين الناس.

ثم يواصل الغزالي القيام بتوضيح مكانة علم الكلام والفلسفة وتقسيماتها، ويؤكد مرة أخرى أنّ العلماء بعلوم الآخرة هم العارفون بعلم المكاشفة ـ والذي لا يدلّ سوى على نورانيّة الباطن ـ، وبعلم المعاملة ـ والذي يعني المعرفة بحالات القلب ـ، وهؤلاء العلماء يتفوقون على المتكلمين والفقهاء. ولهذا السبب كان أصحاب النبي‘ يتزودون بهذا العلم، ولم يُدرجوا في زمرة المؤسسين لعلم الكلام وعلمائه، ولم يعبروا عن رغبتهم أيضاً للتصدي لمسؤولية الفتوى، ولهم أسمى المراتب.

ثم يُذكّر بأنّ بعض الفقهاء الكبار، مثل: الأئمة الأربعة لمذهب أهل السنّة، لم يكونوا فقط من روّاد الفقه والاجتهاد، بل كانوا قدوة عصرهم في كسب علوم الآخرة أيضاً. ثم يُنهي هذا الباب بنقل بعض القصص حول عبادة كل واحد من الأئمة الأربعة، وزهدهم وتقواهم([6]).

ويرى الغزالي في الأبواب الأخرى من كتاب (إحياء علوم الدين) أنّ الفقه هو علم دنيوي، ويضع الفقهاء إلى جانب علماء الدنيا، وعند قيامه ببيان حقيقة الدنيا والأعمال الدنيوية في كتاب (ذم الدنيا) يقول بأنّ أهم حاجات الإنسان هي ثلاثة أشياء: الطعام، والملبس، والمسكن، ويذكر المهن والصناعات التي تعين الإنسان على تأمين احتياجاته بأنها خمسة أعمال: الزراعة، وتربية الحيوانات، والصيد، والخياطة، والبناء. والذين يزاولون هذه الأعمال بحاجة إلى بعض الآلات والأدوات التي تؤدي إلى ظهور أشغال جديدة، كالنجارة، والحدادة، والدباغة، ومن ناحية أخرى بما أنّ الإنسان موجود اجتماعي فإنّه يشرع ببناء حياة اجتماعية مع زوجته وأولاده أولاً، ثم مع سائر الناس، وانطلاقاً من عدم إمكانية قيام أي شخص بتأمين جميع احتياجاته الضرورية بمفرده فإنّ تقسيم العمل يصبح أمراً ضرورياً. ويؤدي التعاطي الذي يحصل بين الأزواج داخل البيت، وبين أصحاب المهن والأهالي خارج البيت، إلى ظهور المزيد من الأعمال الجديدة. وبناءً على ذلك تبرز مهنة الهندسة، والمساحة؛ لتساعد المزارعين في حل النزاعات حول الأراضي والمياه من جهة، ومن جهة أخرى ظهور المحاسبين، والشرطة؛ لمنع قطاع الطرق والمتجاوزين من تحقيق مآربهم، ومن جهة ثالثة يبرز الفقه والفقهاء؛ لكي ينظم القوانين ويبيّن حدود الله والعلاقات الاجتماعية بين الناس([7]).

كما يقول في كتاب (المراقبة والمحاسبة)، وبعد نقاش مطوَّل حول حقيقة المراقبة ودرجاتها: لا يُقدِم أحدٌ في هذه الأيام على معرفة آفات الأعمال. وقد هجر الناس جميعاً هذه العلوم، وتوجهوا إلى النظر في النزاعات التي هي وليدة الشهوات، ويقولون بأنّ ذلك هو الفقه، وقد أخرجوا العلم بالآفات ـ وهو فقه الدين ـ من زمرة العلوم، وانشغلوا تماماً بفقه الدنيا، في حين إذا كان لفقه الدنيا من حُسن يذكر فهو أنه يقوم بتخليص القلب من العناصر الغريبة، والتي تؤدي به إلى الغفلة؛ لكي يهتم بفقه الدين، وإنما يعتبر فقه الدنيا من زمرة العلوم الدينية بواسطة هذا الفقه([8]).

ويمضي الغزالي في كتاب (جواهر القرآن) في ذات الطريق التي سار عليها في كتاب (الإحياء)؛ إذ يقوم بتفصيل العلوم المأخوذة من القرآن الكريم، ويقسّمها إلى علوم القشر واللّباب، وبترتيب قيمي وتصاعدي باتجاه لُبّ القرآن يقوم بذكر خمسة علوم، معتبراً إياها من العلوم القشرية، وهي: مخارج الحروف، واللغات القرآنية، وإعراب القرآن ونحوه، والقراءات، والتفسير الظاهري. ثم يقسّم بعد ذلك علوم اللباب التي لها مرتبةٌ أعلى إلى قسمين، وهما: علوم الطبقة العليا؛ وعلوم الطبقة السفلى، معتبراً أفضل علم من علوم الطبقة العليا هو معرفة الله تعالى، ومن ثَمَّ معرفة صفاته وأفعاله، ثم يقوم بذكر علوم الطبقة السفلى، والتي موقعها وسط العلوم القرآنية في مرتبة وسطى (أدنى من علوم الطبقة العليا وأعلى من العلوم القشرية)، معتبراً علوم الفقه، والكلام، والقصص القرآني، من هذه العلوم، مصنِّفاً علم القصص في مرتبةٍ أدنى من سابقاتها.

ويقول الغزالي ـ في هذا الكتاب ـ بأنّ الفقه يتكفل الحفاظ على المصالح الضرورية في الدنيا، والمتمثلة بحفظ النفس والنسل، فهو يسعى إلى أن يجعل جميع آيات الأحكام ضمن هذا الإطار. ومن هنا جعل جميع آيات البيع، والربا، والدَّيْن، والمواريث، وأسباب النفقات، وتقسيم الغنائم، والزكاة، والعتق، والمكاتبة، والاسترقاق، والأسر، ضمن آيات المحافظة على النفس؛ وآيات النكاح، والطلاق، والرجوع، والعدة، والخلع، والمهر، والإيلاء، والظهار، والملاعنة، والمحرمات النسبية والسببية والرضاعية، ضمن آيات المحافظة على النسل؛ ومن ناحية أخرى يصنف آيات الحدود، والقتال، والكفارات، والديات، والقصاص، ضمن آيات دفع المفاسد؛ لأنه يزعم أنّ هذه الأمور هي عبارة عن عقوبات تدفع التهديدات الموجهة للنفوس والنسل([9]).

د. سروش وتوظيف نظرية الغزالي

وينقل عبد الكريم سروش رأي الغزالي بشأن دنيوية علم الفقه في مقالته الموسومة (رواء التهذيب على أبدان الأحياء)، الواردة في كتاب (قصة أرباب المعرفة) بالتفصيل وبدون أيّ نقاش، ثم ينتقل إلى رأي الفيض الكاشاني المذكور في كتاب (المحجّة البيضاء)([10])، والقائل بأنّ الفقه ليس علماً دنيوياً، بل هو العلم بالمقرّبات والمبعّدات عن عالم الآخرة. وبعد أن يناقش رأي الفيض يقارن بينه وبين الغزالي، ويتوصل في النهاية إلى أنّ فقاهة الغزالي أكثر دقةً وذكاءً من فقاهة الفيض([11]).

ويستعين سروش في مؤلفاته الأخرى أيضاً بهذا الرأي في دعم أفكاره، بدون أن يقدح فيها بشيء، ويقوم بتوضيحها وتبيان النتائج المستحصلة منها.

وقبل أن نطرح نظرية دنيوية علم الفقه حسب رأي المثقفين الدينيين، والتعرض لها بالنقد والبيان، من الأجدر القيام بإجراء مقارنة بين فقه الغزالي، كما جاء عن لسانه، مع ما رواه سروش عنه، لكي نتعرف على مدى تأثّر أفكار سروش بما رواه عن آراء الغزالي.

يشتكي الغزالي في جميع أبواب كتاب (إحياء علوم الدين) من النزعة الدنيوية لجميع أصناف العلماء وأدعياء عصره؛ إذ يقوم بنقد الفقهاء، والمتكلمين، والفلاسفة، والصوفيين، وأدعياء السلوك والعرفان، وبقية طبقات المجتمع الإسلامي وخبرائه، نقداً لاذعاً، وفي هذا السياق يقوم بتمحيص الجوانب الظاهرية والباطنية لهم، ويكشف عن عيوبهم بشجاعة. ويبرهن الغزالي على أنه لا يتسامح ولا يبحث عن مصلحة معينة، ولا نظير له في صراحة قوله في هذا المجال، أو على الأقل يندر مَن يماثله، وقبل أن يقوم بتحليل كل علمٍ من العلوم تحليلاً معرفياً وبأُسلوب فلسفي، ويحاول تحديد مكانتها، نراه يقوم بدراسة وتقييم علماء هذه العلوم بأُسلوب نفسي واجتماعي، ويتـناول منزلتهم الروحية ـ النفسية، وكذلك سيرتهم العملية، بالنقد والتحليل. وشعر الغزالي بأنه يتحمل أعباء هذه المسؤولية الإصلاحية في كتابٍ من سنخ كتاب (إحياء علوم الدين)، الذي يبدو للوهلة الأولى كأنه كتاب اجتماعي وأخلاقي، متصدياً لها بهدف القيام بإنجازها، كما أنّ الفيض الكاشاني يشاركه هذا الرأي حول هذه الأمور عن قرب، وينقل كلماته([12]).

إذاً فإن الغزالي شرع أولاً بنقد العلماء ـ بما فيهم الفقهاء ـ، وإلى جانب هذه المقارنة الأخلاقية فإنه يشير أيضاً إلى توضيح مكانة علم الفقه إلى جانب سائر العلوم الأخرى، في حين أنّ سروش يُبدي رؤية سلبية متطرفة تجاه الفقه والفقهاء عند نقل آراء الغزالي، وكذلك في التعبير عن توضيح آرائه بهذا الصدد، بحيث إنه لا يلتزم أحياناً بمراعاة الأمانة في نقل آراء الغزالي، وعلى سبيل المثال لا الحصر: يقوم الغزالي بإجراء مقارنة بين علم الطب وعلم الفقه في موضعين، وفي معرض رده على السؤال التالي: لماذا ساويت بين مكانة علم الفقه والطب؟ يقول: ليس الأمر كذلك، وإنّ الفقه أشرف من الطب من ثلاثة أوجه…)([13]).

في حين نجد أنّ سروش يغير هذه العبارات من كلام الغزالي، والتي تتحدث عن أوجه الأفضلية للفقه. وبعد أن يحذف لفظة الشرف والأفضلية، ويبدلها بلفظة «اختلاف»، ينقل الكلام بهذه الصورة: إنّ علم الفقه برأي الغزالي هو علم دنيوي، إلى جانب العلوم الأخرى، كالطب، والنجوم؛ مع وجود هذا الاختلاف، وهو أنّ الفقه أولاً: علم شرعي، وثانياً: إنّ جميع السالكين لطريق الآخرة هم بحاجة إليه، على العكس من علم الطب الذي ينفع المرضى فقط، وثالثاً: هو علمٌ مجاورٌ لعلم طريق الآخرة ويتمّمه ويكمّله([14]).

ولا يكتفي سروش بهذا المقدار، إذ يأتي كذلك بجملة([15]) من بين كلمات الغزالي في تشابه الفقه والطب في إعداد المقدمات اللازمة لسلوك الآخرة ـ إذ تعتبر الحالة الثانية من حالات المقارنة بين هذين العلمين في كلام الغزالي ـ، وينقلها بدون ذكر المقدمات الموجودة في كلام الغزالي، وبشكل يوحي كأنّ الطب أفضل من الفقه.

وبين كلمات الغزالي هناك مسألة أخرى أيضاً في باب علم الفقه لا يمكن تجاوزها، وهي أنه يعتبر الطب علماً يحتاجه المريض حتى في وحدته، بمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى لو لم يخلق سوى مخلوقٍ واحدٍ وتمرّض فلابدّ له من علم الطبّ، ولكن الفرق بين الفقه والطب أنّ الإنسان إذا كان وحيداً لربما يستغني عن الفقه، ولكنه خُلق بشكلٍ لا يمكنه أن يعيش وحيداً([16]).

والملفت هنا أنه يواصل هذا السياق نفسه في مقالة (إحياء علوم الدين) في كتاب (دائرة المعارف الاسلامية الكبرى) أيضاً، وعندما يتطرق إلى بيان الاختلاف بين الفقه والطب لدى الغزالي لا يذكر الوجوه الثلاثة لأفضلية الفقه على الطب، ويكتفي بهذا الوجه الأخير فقط: هناك تشابه بين الفقه والطب من بعض الجهات: أحدها يعمّر الأبدان والآخر يعمّر الأكوان، ولكن الفرق المهم بينهما أنّ الإنسان يحتاج إلى الطب حتى في وحدته وغربته، ولكن إذا لم يكن الإنسان اجتماعياً لربما لم يكن بحاجة إلى الفقه([17]).

ويصف كلام الغزالي في باب الفقه، والذي يعتقد بأنه نابعٌ من تضلّعه في هذا العلم، بأنه فجٌ غليظ([18])، ويعتقد بأنّ الغزالي قد خصّ الفقه بمنزلةٍ متدنّية بين العلوم الشرعية([19])، كما ينقل سروش صور التساهل الفقهي([20]) لدى الغزالي، والتكسب الفقهي([21])، ومعالجة الرذائل بطرق فقهية غير مقبولة([22])، وعدم حاجة الإنسان الوحيد للفقه([23])، وعدم الاهتمام بالمجازات الفقهية والأخذ بفتوى القلب([24])، وأفضلية الطريقة على الشريعة([25])، وبأنّ الفقه يهيّئ أصغر شرط من شروط انتهاج طريق الآخرة([26])، ثم يصدر حكمه في النهاية، ويضيف قائلاً:… بل حتى إنّ الغزالي قد وضع الفقه موضعاً أعلى مما يجب أن يكون عليه…([27]).

وبعيداً عن الأحكام الشخصية لسروش فإنّ ما نقله عن علم الفقه عند الغزالي جاء انتقائياً وعلى وتيرة واحدة. ولعله لم يره، أو لم يُرد أن ينقل كل ما جاء في كلام الغزالي حول الفقه، ولا شك في أنّ الغزالي يعتبر الفقه علماً دنيوياً، ويرى أنّ مرتبته بين العلوم الشرعية أدنى من مرتبة علم الآخرة، إلاّ أنّ ذلك ليس كل ما قاله الغزالي، إذ يتطرق في الباب الخامس من كتاب العلم إلى ذكر آداب المعلمين والمتعلمين وواجباتهم، ويوضح الفقرة السابعة من سلسلة الواجبات، قائلاً: إنه يجب على السائرين في طريق العلم أن لا يكون لديهم أي هدف من وراء ذلك، سوى تهذيب الباطن والتقرّب إلى الله، ولا ينبغي لهم التهالك على الرئاسة والمال والجاه، ويجب عليهم التماس السبيل الأقرب للوصول إلى الهدف ـ وهو علم الآخرة ـ. ثم يضيف قائلاً: وليس المراد بهذا الكلام أن ينظر الإنسان إلى العلوم الشرعية الأخرى، مثل: علم الفتوى، وعلم النحو، واللغة، المرتبطة بالكتاب والسنة، وكذلك سائر علوم المقدمات والمتممات، التي تعتبر واجباً كفائياً، نظرةً متدنية، وليس من الصحيح أن يستـنتج من غلوّي ومبالغتي في مدح علم الآخرة وضاعة هذه العلوم وتدنّيها، فالذين يحملون هذه العلوم مثلهم مثل حماة الحدود والمجاهدين في سبيل الله، وهم مأجورون طالما أنّ هدفهم هو العمل على إعطاء كلمة الله…([28]).

وفي الرسالة اللّدنية ينظر إلى علم الفقه نظرةً غاية في السمو مقارنةً بعلم الأخلاق، بحيث ينظر إلى علم الفقه على أنه العلم الذي يتكفل تبيين حقوق الله تعالى وحقوق الناس، في حين يقول بأنّ علم الأخلاق يتكفل بيان حقوق النفس فقط. ويتعرض الغزالي في هذه الرسالة إلى تقسيم العلوم الشرعية، ويقول في بيان علم الفروع من العلوم الشرعية ـ وهو علم يُعنى بأفعال الإنسان ـ: يشتمل علم الفروع على ثلاثة حقوق؛ أولها: حق الله تعالى، وهو أركان العبادات، مثل: الطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج، وغيرها. وثانيها: حق العباد، وهو أبواب العادات والعلاقات بين بني البشر، حيث إنّ قسماً منها يتعلق بالمعاملات، كالبيع، والقسم الآخر يتعلق بالعقود، كالنكاح، ويطلق اسم الفقه على هذين الحقّين. وعلم الفقه علمٌ شريف مفيد عام ضروري، لا يستغني الناس عنه لعموم الضرورة إليه. وثالثها: حق النفس، وهو علم الأخلاق…([29]).

وفي نهاية المطاف يعدّ الغزالي في كتاب (المستصفي)، الذي ألّفه بعد كتابي (إحياء علوم الدين) و(جواهر القرآن)([30])، علم الفقه بأنه أشرف العلوم، والفقهاء بأنهم أفضل العلماء، ويرجّح أن يقضي ما تبقى من عمره بالتأليف في هذا الضرب من العلوم. ويقول بعد ذكره كلا النوعين من العلوم العقلية والنقلية: … وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنّه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض المعقول، بحيث يتلقّاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد، الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد، وبسبب ما لعلم الفقه من شرف، فقد عظّم الله تعالى دواعي العباد إلى تعلم هذا العلم. ولعلماء هذا العلم أشرف المراتب بين العلماء، وأكثر الأتباع بين الناس، وقد اشتغلت في أيام شبابي بهذا العلم؛ لما لهذا العلم من خصوصية في الجمع بين ثمار الدين والدنيا والآخرة، والأجدر أن أقضي ما تبقى من عمري فيه أيضاً، وأن أقدّر اللحظات الأخيرة من حياتي، ولا أشتغل بأي شيء آخر سوى الفقه…([31]).

ولا أدعي هنا عدم وجود الاختلاف والتـناقض بين كلمات الغزالي المتفرقة هنا وهناك عن الفقه والفقهاء، بل أقول: إنه كان يجب على الناقل الابتعاد عن الغرضية، وأن يضع ما ينقله بين يدي مخاطبيه بشكل منصف وجامع، بعيداً عن المزاجات الشخصية، وهذه فضيلة أخلاقية تخطّاها سروش في نقل آراء الغزالي ـ حتى في مقالة دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ـ، وهناك شواهد أخرى أكثر أهمية تدل على ضعف هذا الإخبار، وسنأتي على ذكرها لاحقاً.

دنيوية علم الفقه عند المثقفين الدينيين، سروش وشبستري أنموذجاً

يعتقد عبد الكريم سروش، وعلى العكس من بعض المثقفين، أمثال علي شريعتي ومهدي بازرگان (في المرحلة الفكرية الأولى له)، بأنّ الغاية الأساسية للدين تتمثل في تأمين السعادة الأخروية، وأنّ اهتمام الدين بالدنيا يأتي في حدود معرفة كيف يمكن للدنيا أن تُمدّ أو تخلّ بالآخرة، أي إنّ اهتمامه بالدنيا يأتي بلحاظ إمكانية إزالة عقباتها من الطريق إلى الآخرة، أو تقوية إمداداتها([32])، فهو يتسقط الأعذار على شريعتي وبازرگان من أنهما جعلا السعادة الأخروية تابعة للسعادة الدنيوية، ومقدمات الدين في إطار إيديولوجية معينة، بمعنى أنهما بذلا كل جهودهم من أجل أن يبنيا الدين على أنه نوع من المنهج الدنيوي الناجح([33]). فهو يرى أنّ كلام الدكتور شريعتي، الذي يقول فيه: «إنّ الدين الذي لا ينفع قبل الموت سوف لن ينفع بعد الموت أيضاً»، جملةٌ هادفةٌ جداً في طرح هذه الرؤية([34]).

ولكن الدين ـ حسب اعتقاد سروش ـ يعتبر برنامجاً أخروياً([35])، واهتمامه بالدنيا يأتي بالتبع وبالعرض، وهذا المقدار من الاهتمام لا يؤدي إلى السعادة والرقي الدنيوي، ولا يقف بالضد من ذلك أيضاً، وكان يجب على المتدينين الاستفادة من منهجهم في الرقابة والتعقل في إدارة أمور دنياهم، كما هو الحال لدى سائر العقلاء في العالم([36]).

ويرى سروش أنّ رسالته الأساسية في كتاب (المداراة والإدارة) تتمثل في توضيح هذه النقطة: … كيف يمكن لغبار الدنيوية أن يحطّ على الشريعة المقدسة؛ ولماذا ترتدي السماء حُلّةً من تراب؟ وبأىّ دليل يرى المصلحون والمتدينون أنّ الصواب والصلاح يكمن أحياناً في البحث عن الفلاح الدنيوي في عرين الدين، وأن يُلبسوا الشريعة رداءً إيديولوجياً، ويجعلوا الدين، الذي يضم تلك الخدمات الحسنات والبركات الإنسانية والأخروية، في خدمة الدنيا؟([37]).

كما أنه يتفق على أنّ هذه النظرة الأخروية للدين ستجعله يغوص في هالةٍ من القدسية والأسرار، وتجعل الفقه أيضاً غنياً بالمصالح الخفيّة، وأحكامه من سنخ الأمور العبادية المحضة، فيقول: … ونواجه هنا مفترقاً فكرياً مصيرياً وحساساً جداً، وهو تفرّع الدين إلى دين دنيوي؛ وآخر أخروي أو معاشي ومعادي. فالدين الدنيوي (المعاشي) يرى أنّ الأحكام الفقهية والأخلاقية ضرورية وكافية لإدارة المجتمع وحلّ المشاكل الاجتماعية، وأنّ حسن المعاد أمر تابع لحسن المعاش وبطوله (وهو نفس التفكير البروتستانتي في الديانة المسيحية)؛ وفي المقابل يرى الدين الأخروي (المعادي) عبارة عن جملة من التكاليف التي يتمثل هدفها الأساسي في تأمين السعادة الأخروية، ويسخّر الدنيا لهذا الهدف، وكمقدمة له، وعلى قدر الحاجة لا غير. وبعبارة أخرى: ينظر إلى جميع الأحكام على أنها من سنخ الأمور العبادية المحضة([38]).

ولكن مع ذلك فإنّ سروش يعلم أنّ فقهاً من هذا النوع لا ينفعل ولا يتأثر دائماً أمام الحداثة؛ لأنّ العلم الذي يركز دعائمه في عالم الغيب سيبقى في الناحية المنطقية مصاناً من تأثير الكثير من الإنجازات الظنيّة للبشر في ميادين العقل والتجربة، ومن هذه الناحية فإنه على الرغم من إصراره الشديد على النظرة الأخروية للدين لا يرى بُدّاً من أن يستثني الفقه من مجموعة الرسالة الأخروية للدين، جاعلاً إياه علماً دنيوياً، وأن يصل إلى الاستـنتاج الذي يقول بأنّ علماً كهذا يُعنى تماماً بمنافع الدنيا ومفاسدها، ويتأثر دائماً بالعقل والعلم البشري، ولذلك فهو صنو لعلم الحقوق، بل هو ذلك بعينه، يقول: ولكن إذا قلنا بأنّ هذه الأحكام مختصة بالمسائل الاجتماعية، وترمي إلى حلّها، أي أن نقول بدنيوية الفقه، ففي هذه الحال سوف لن يكون بوسعنا القول بوجود المصالح الخفيّة والغيبية في الأحكام الشرعية، بل يجب أن ننظر إلى العواقب والحلول الدنيوية المتمخّضة عنه مئة في المئة، وأن نستبدل الأحكام الفقهية في أي مكان لا تؤدي فيه النتيجة المطلوبة في حل المسائل المختلفة في المجتمعات الصناعية المتطورة الحالية، كالتجارة، والنكاح، والبنوك، والإجارة، والسرقة، والقصاص، والحكومة، والسياسة، وغيرها، وسيكون بذلك كأي علم قانوني وضعي يسعى إلى تحقيق المصلحة، والذي يجب أن يضاف له أو يحذف منه شيء حسب ما تقرره المصلحة…

إنّ النجاح في حل المعضلات الدنيوية يتوقف على عدم وجود مصالح خفيّة في البين، وأن يُصار إلى تقييم القانون وتعديله بناءً على عواقبه العاجلة، وليس استـناداً إلى عواقبه الآجلة([39]) … الفقه الدنيوي عقلائي تماماً، والفقه الأخروي محاط بهالةٍ من الأسرار…([40]).

وتعتبر هذه النتيجة أهم ما استـنتجه سروش من نظرية دنيوية الفقه، في حين أننا لم نشاهد أية دلالة على هذا الاستـنتاج في مؤلفات مبتكر هذه النظرية، أي الغزالي، بل إنه ـ على العكس من سروش ـ يعتبر الفقه من جملة العلوم الشرعية، والمأخوذ عن تعاليم الأنبياء، ولا سبيل لعقل الإنسان وتجربته واعتباره إليه([41]). ويرى الغزالي ـ وكما سبقت الإشارة إليه ـ أنّ إحدى الاختلافات القائمة بين الطب والفقه هي أنّ الفقه ـ وعلى العكس من الطب ـ هو علم صادر عن النبوة([42]). ويقول بصريح العبارة: إنّ الفقه هو القانون الصادر عن الله سبحانه وتعالى لتـنظيم السلوك الاجتماعي للأفراد([43])، ويقول عند تقسيمه للعلوم الشرعية بأنّ الفقه هو من جملة الفروع التي تُفهم من الأصول (الكتاب والسنة) بمساعدة العقل([44]).

وتجدر الإشارة إلى أنّ الغزالي يستفيد من العقل في استـنباط الأحكام الإلهية، شأنه في ذلك شأن الكثير من الفقهاء، معتبراً الفقه نتاج التزاوج المبرور بين العقل والشرع، ولهذا السبب فهو يجعله بمنزلة أشرف العلوم([45])، إلاّ أنّ أسلوبه الاجتهادي في كتبه الفقهية لا يختلف اختلافاً واضحاً عن بقية فقهاء المذهب الشافعي، ومن هنا كان يمثل دائماً أحد الأعلام البارزة التي تحظى بالاحترام والتقدير للفقه الشافعي([46]).

وبعبارة أخرى: إنّ خلاصة نظرية الغزالي هي أنّ الله سبحانه وتعالى أنزل قسماً من قوانين الحياة في الدنيا إلى البشرية عن طريق الأنبياء^؛ لكي يمهّد لهم طريقهم للفلاح في الآخرة، وهذه القوانين يمكن تصنيفها ضمن العلوم الشرعية؛ انطلاقاً من كونها تمثل التعاليم الإلهية للأنبياء، وهي ـ كالعلوم البشرية ـ ليست وليدة الجهد العقلي والتجربي للإنسان فقط، وتصنّف أيضاً ضمن العلوم الدنيوية؛ لجهة أنها شُرّعت لكسب المنافع ودفع المفاسد الدنيوية فقط، وليس لها أي تأثير مباشر في عالم الآخرة، بل إنها فقط توفر البيئة المناسبة لإحداث التغيرات الداخلية لدى البشرية.

ويوافق عبد الكريم سروش على القسم الثاني من هذه النظرية، مستخدماً إيّاه في مؤلَّفاته على الدوام، ومن هذا القسم توصَّل إلى النتيجة المخالفة للقسم الأول منها؛ إذ إنه يعتقد أنّ الفقه في حالة تعاطي مع أدوات المعرفة في الدنيا طالما أنّ الفقه قائم على ملاك المصالح والمفاسد في الدنيا، وبناءً على ذلك سيضاف إليه شيء أو سيحذف منه شيء، ويتحول أخيراً إلى علم قانوني أرضي وبشري.

ولا يشير سروش في مؤلفاته إلى هذا الاختلاف الواضح بين آرائه وآراء الغزالي بأي شكل من الأشكال؛ بل إنّه يمازج دائماً بين آرائه وآراء الغزالي، بحيث يؤدي إلى تكوين انطباع معين لدى الآخرين، ويوهمهم بأنّ كليهما نظرية واحدة، وكأنّ الغزالي يؤمن أيضاً بهذه النتائج التي انتزعها سروش.

وبغض النظر عن صحة هذا الرأي أو سقمه، والذي سوف نتعرض إليه لاحقاً، فإنّ سروش قدّم تقريراً ناقصاً ومغرضاً في نقله عن الغزالي، فقد وجد في جانبٍ من نظرية الغزالي وسيلة مناسبة لتأييد نظرياته، وغض النظر عمداً عن بيان الاختلافات الموجودة فيها عن نظرياته؛ لكي لا يقلِّل من قوة هذا التقارب والتأييد الكاذبين.

كما يشير محمد مجتهد شبستري أيضاً في مؤلفاته ـ وفي موضعين ـ إلى رأي الغزالي حول دنيوية علم الفقه. فهو يفسر رأي الغزالي ـ في الحال الأولى ـ كما فسّره سروش، من أنّ علم الفقه؛ وبلحاظ متابعته للحقائق الملموسة، والتي يمكن إدراكها من قبل الإنسان، فإنه يتحول بذلك إلى نظام قانوني عرفي، لا يعدّ اتباعه من التدين، فقال: إن عملية الاجتهاد القائمة حالياً هي اجتهاد قانوني، تماماً كسائر التفسيرات الجارية داخل الأنظمة القانونية، فقد توصلنا الآن في المعاملات مثلاً إلى نظام قانوني معين، وينبغي على هذا النظام القانوني أن يأخذ بالحسبان بأنه يجب أن يتغير بما يتـناسب والوقائع وتغير المواضيع، لغرض تـنظيم علاقات الأفراد الدنيوية مع بعضهم أو مع الدولة، ولكن الامتثال لهذا النظام القانوني ليس من شؤون الدين أو التدين، والشيء الذي له صلة بالدين والتدين هو لكي يتضح لنا بأنّ أيّاً من هذه الممارسات يساعد على تقوية التجربة الدينية، وأيّاً منها يؤدي إلى إضعاف التجربة الدينية، وهذا هو ما يعنيه الغزالي بقوله في كتاب (إحياء علوم الدين): الفقه علم دنيوي، وما هو بمتعلق بعلم الآخرة هو علم المهلكات والمنجيات([47]).

وعندما يقول شبستري في ذلك الموضع بأنّ مفهوم دنيوية الفقه يعني علمانيته، ومن هنا اعتبره كمذهب قانوني إلى جانب سائر المذاهب القانونية العرفية الأخرى، نراه يشتكي في موضع آخر من هذا الكتاب من تحوّل الفقه إلى نظام عرفي دنيوي، ويتمسك هذه المرّة برأي الغزالي قائلاً: علم الفقه هو علم بيان أوامر الله تعالى ونواهيه، وينظر في أهم الاحتياجات الدينية للعامة، وإذا كان الفقه ينفصل عندها عن التجربة الدينية وروحها، ويقتصر بيان الأوامر والنواهي الإلهية على شكل بيان أنماط السلوك حصراً، وتـنقطع فيها العلاقة بين طاعة الله مع الهمّ الديني والغاية القصوى والأمر غير المشروط للإنسان المسلم، فإنّ هذا العلم كان يبدو دنيوياً تماماً على قول الغزالي، ويتعرض لنقد العارفين([48]).

ويستـنتج شبستري عند نقل القول الأول أنّ الدنيوية تعني نفي العلاقة بين الفقه والدين، معتبراً ذلك خصوصية ذاتية ومرغوبة في الفقه، وأنها ستمهد لتغييره وتطوره، ولكنْ في القول الثاني ينظر إلى هذه الصفة بأنها خصوصية عارضة وغير مرغوبة، ويرى أنها تعني خلوّ الفقه من العلاقة الروحية مع الله تعالى، وفي كلا الموضعين يفرض فهمه على نظرية الغزالي.

هذا التـناقض الواضح الحال في كتاب واحد وفي بضع صفحات يعكس لنا الحقيقة التالية، وهي أنّ صاحب هذا الكتاب يفتقد رأياً منقحاً في هذا الخصوص، هذا أولاً؛ وثانياً: إنّ رأي الغزالي لم يُفهم من قبله بشكل صحيح في كلا الموضعين؛ وثالثاً: اتخاذه من رأي الغزالي أداة لتأييد أغراضه الشخصية فقط، ولهذا السبب كان الرأي غير الناضج، المصحوب بهدف غير علمي، لا يقوى على إدراك آراء العظماء، ويضع نفسه في مأزق من التـناقض الواضح.

خلاصة نظرية دنيوية علم الفقه

يمكن تلخيص النظرية الآنفة الذكر بالشكل التالي:

1ـ إنّ الفقه علم دنيوي؛ لأنه أولاً يهتم بمصالح الدنيا فقط، ولا تترتب عليه أية مصلحة ومفسدة أخروية بدون واسطة؛ ويتعرض فقط إلى ظواهر الأعمال، ولن يتـناول باطن الأعمال إطلاقاً. إذاً فهو يتأثر دائماً بسائر الإنجازات العلمية للإنسان في كشف مصالح ومفاسد الدنيا([49]).

وتجدر الإشارة إلى أنّ جميع الادعاءات الأربعة المذكورة قابلة للنقاش البنّاء؛ لأنه أولاً: مفهوم دنيوية هذه النظرية هو مفهوم غير شفاف، ولا يمكن بموجبه بلورة نظرية معينة في هذا الإطار. ثانياً: للفقه نتائج أخروية مباشرة وبدون واسطة. ثالثاً: لا يقتصر اهتمام الفقه على ظواهر الأعمال فقط، بل يتعرض أحياناً للتحدث عن باطن العمل أيضاً. رابعاً: حتى لو قلنا بأنّ الفقه يهتم فقط بمصالح الدنيا، فإنّه سوف لن يكون في مأمنٍ من التأثر بسائر الإنجازات العلمية للإنسان فحسب، بل سوف لن يكون كذلك من مستواها، ويرقى إلى مرتبةٍ أسمى منها.

نظرية دنيوية علم الفقه، نقد وتحليل([50])

1ـ عدم الاهتمام بنظرية الغزالي خلال تاريخ علم الفقه

على الرغم من أنّ نظرية دنيوية علم الفقه أُثيرت في بداية القرن السادس، وفي كتاب مهم مثل كتاب (إحياء علوم الدين)، إلاّ أنها لم تحظَ بالاهتمام البنّاء من قبل العلماء والفقهاء في ذلك الوقت وحتى وقتـنا الحاضر، ومن هنا قلما نجد عالماً من العلماء المسلمين تعرض إلى طرح هذه النظرية وتقييمها بشكل جدّي([51]). وتجدر الإشارة إلى أنّ السبب الرئيسي لهذا المستوى من قلّة الاهتمام يعود إلى أنّ علماء المسلمين ـ بما فيهم الفقهاء ـ لم يعتبروا هذه النظرية رأياً مهماً وأساسياً، بل كأنهم اعتبروها أشبه ببحثٍ لفظي، يدور حول أنّ الفقه هل يجب أن نسميه علماً دنيوياً أم أخروياً؟ وهل نسمي الفقهاء بأنهم علماء الدنيا أم علماء الآخرة؟ لأنه إذا كان رأي فقيهٍ وعالم كبير كالغزالي ـ في القول بدنيوية الفقه ـ يصبح سبباً في حدوث تحوُّلِّ عميق وجذري في الرؤية إلى علم الفقه وطرق الاستـنباط ـ وبتعبير البعض: الاجتهاد في الأصول([52])ـ، فمما لا شك فيه أنه سيواجه معارضة شديدة من فقهاء عصره وما تلاه، وهذا الموضوع يعدّ أكبر دليل على أنّ قراءة بعض الكتّاب، مثل: سروش، وشبستري، لنظرية الغزالي يعبّر عن فهم شاذ ونادر للغزالي، الذي لا يمكن أن نعثر على من يتفق فكرياً مع هذه النظرية على الرغم من مرور ثمانية قرون مديدة عليها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر: يتعرض العلامة عبد الحسين الأميني (1392هـ) في جانبٍ من كتاب (الغدير) إلى دراسة وتقييم كتاب (إحياء علوم الدين)، وبعد أن ينقل عبارات البعض من علماء السنة في مدح هذا الكتاب يتعرض لنقل كلام عبد الرحمن بن الجوزي (597هـ) في ذم كتاب الإحياء، وبيان انحرافات الغزالي الواردة فيه، ثم يضيف قائلاً: إنّ سلبيات هذا الكتاب تفوق ما ذكره ابن الجوزي، ومن ثم يذكر موارد أخرى عن انحرافات كتاب الإحياء وما يتضمَّنه من بدع.

وعلى الرغم من أنّ جميع اعتراضات هذين العالمين، الشيعي والسنّي، على الغزالي في هذا الكتاب هي ذات صبغة فقهية، وبسبب آرائه الفقهية النادرة، كما يقومان أحياناً بنقد ملاحظاته اللطيفة بهذا الخصوص، أو القصص والأخبار التي ينقلها، إلا أنّ أيّاً منهما لم يُشر إطلاقاً إلى رأي الغزالي هذا([53]).

واعتماداً على ما تم بيانه في ما تقدم يمكن القول بأنّ إطلاق مصطلح النظرية على ما ادّعاه الغزالي حول دنيوية علم الفقه هو أمرٌ لا يخلو من التسامح؛ لأنّه لا يمكن الحصول من مطاوي كلام الغزالي هذا على توليفة منسجمة متـناغمة استدلالية وتستحق الاهتمام من الآراء الفقهية العلمية، بحيث يمكن أن تكون متميزة عن سائر الآراء الأخرى في هذا المجال. وإذا حصل أن تمّ إطلاق تسمية النظرية على ادّعاء الغزالي في هذه المقالة منذ البداية وحتّى الآن وما بعد ذلك فإنما جاء ذلك تماشياً مع مؤيديه في أفكاره، ممَّن ينتمي إلى جماعة المثقفين الدينيين([54]).

2ـ غموض مفهوم الدنيوية

الركن الأول من أركان نظرية الغزالي وأهمها هو اتصاف علم الفقه بصفة العلم الدنيوي، إلا أنّ الدنيوية في هذه النظرية مفهوم غير شفاف ومشوَّش، وبما أنّ هذه النظرية لم تتعرض للنقد العلمي من قبل سروش وشبستري، وقبلاها جملةً وتفصيلاً، فقد سرى هذا الاضطراب والتشويش إلى آرائهما أيضاً.

ويصرح الغزالي ـ كما سبق ـ بأنّ الجزء غير العبادي للفقه، والذي يشمل المعاملات والأحكام الجزائية، شرّعت بهدف تدبير أمور الناس وتـنظيمها في الحياة الدنيا. ومن هنا فإنها ذات مصلحة دنيوية، ولا تترتب عليها أية مصلحة أخروية بشكل مباشر. وعليه فإنّ دنيوية هذا الجزء من الأحكام بمعنى أنها ذات مصلحة دنيوية، ولكن مما لا شك فيه أنّ الكثير من العبادات لا يمكن أن تكون بهذا المعنى، ولهذا السبب نراه يعطي معنىً آخر لمفهوم الدنيوية في العبادات.

ويرى أن الفقه ينظر إلى الجانب الظاهري للعبادات فقط؛ لأنه يتحدث فقط عن صحة ظاهر الأعمال العبادية وفسادها، والدنيوية هنا بمعنى النظر إلى ظاهر الأعمال وغض الطرف عن باطنها، وهذان المعنيان لا يقتصر تعارضهما على أنهما ليسا متشابهين، بل ـ من الناحية المنطقية ـ لا يوجد أي تلازم بينهما؛ لأنه لا يمكن القول بأنّ الأعمال وأجزاء المناسك العبادية وتفاصيل الصورة الظاهرية للحج والصلاة والصيام وسائر العبادات الأخرى لها مصلحة دنيوية بالضرورة بنفس المعنى المراد له في المعاملات، فالنظر إلى ظاهر الأعمال لا يلزم النظر إلى المصالح الدنيوية. إذاً فإنّ مصطلح الدنيوية هو عبارة عن مشترك لفظي يؤدي إلى إحاطة هذه النظرية بالغموض، في حين لو أردنا صياغة نظرية معينة ليس أمامنا سوى منهج تحديد وتبيين المفاهيم.

والواقع أنّ الغزالي لم يكن بصدد تأسيس نظرية أو فكرة معينة، ومن هذا المنطلق لم يقصد معنىً خاصاً من قوله بالدنيوية، وكان يريد أن يبيّن لمخاطبيه أنّ للدين أبعاداً أعمق وأهم من الفقه، والكثير من التعاليم الدينية تعكس جملة من الحقائق عن عمق الوجود وروح الإنسان، والتي من المؤكد أنها تحتل مكانةً أرفع من التعاليم الفقهية، ولكي يبيّن هذه الحقيقة، التي لا يمكن تجاوزها، وهي أن علم الفقه هو الذي يتصدى دائماً لتبيين رسالة الدين للأبعاد الظاهرية والسطحية لحياة الإنسان، فقد اختار مصطلح الدنيوي، وجعل له معنيين متباينين، وهذان المعنيان يعودان أيضاً إلى هذه الحقيقة، فمن جهة تحتل المصالح الدنيوية مرتبةً ظاهرية أدنى من المصالح الأخروية، ومن جهة أخرى تحظى الصورة الظاهرية للعمل بهذه المنزلة تجاه باطن العمل، فقد كان يريد أن يعطي عمقاً أكبر لتدين المؤمنين ومعرفتهم بالدين، ويمهِّد لهم أسباب النضوج الروحي، وأن يبعدهم عن الركود والتوقف عند النظرة الظاهرية والسطحية للدين، ورسالته الأساسية في ذلك هي تلك الهواجس نفسها، والمخاوف التي تدغدغ العارفين والحكماء وأساطين الدين من ذوي التفكير العميق على طول تاريخ الأديان السماوية([55]).

وهذا الأمر هو الذي أدّى إلى عدم تمكن رأي الغزالي من إثارة مشاعر علماء الإسلام على مرّ التاريخ، وخاصةً أنه لم يطرح رأياً جديداً يخالف رأي بقية العلماء الكبار. وتجدر الإشارة إلى أنّ الغزالي تعرض إلى بعض المزالق للتعبير عن هذا الرأي، وبالإضافة إلى ذلك استخدم تعبير «الدنيوية» غير الواضح تماماً، وهذا ما أدّى إلى اعتراض بعض العلماء، كالفيض الكاشاني.

3ـ المصلحة الأخروية للفقه

يدّعي الغزالي أنه ليس للفقه أيّة مصلحة أخروية بشكل مباشر، بل إن تأمين المصالح الدنيوية يُهيّئ الأرضية المناسبة للسعادة الأخروية، ومن هذه الناحية فهو كالطب، الذي يهيّئ أسباب السلامة للإنسان؛ كي يقضي عمره في النضج والكمال المعنويين.

ما هو المقصود من المصلحة الأخروية؟ ولو أنّ عملاً ما في الدنيا أصبح سبباً لأجرٍ أخروي أو دفع عقابٍ معين في الآخرة ـ بدون أي شرط أو واسطة ـ فهل يمكن القول أيضاً بأنّ هذا العمل ليست فيه مصلحة أخروية؟! إنّ أقلّ نتيجة يمكن أن تـنجم عن عملية الالتزام بالتكاليف الإلهية التي يتحدث الفقه عنها ـ حتى في المعاملات ـ تتمثل في دفع العقاب الإلهي، ويعترف جميع الفقهاء والمتكلمين بأنه لو ارتكب الإنسان عملاً حراماً، كالزنا أو الربا، ولم يوفق إلى التوبة، أو لم تشمله شفاعة الشافعين، أو غفران الله تعالى، فإنّه سيستحق العذاب الأخروي؛ ولو أنّه ترك هذا النمط من الأعمال ـ حتى لو لم يكن تركه إياها بقصد العبودية لله، أو يؤدي تركه لهذه الأعمال إلى إصلاح باطنه وروحه ـ فإنه سينجو من العقاب المترتب على ارتكاب هذين الإثمين؛ وإن كان يقصد القربة إلى الله تعالى في تركه لهذا الفعل الحرام، فإنّه سيؤجر على ذلك، فضلاً عن دفع العقاب عنه. إنّ جميع الأوامر والنواهي والحلال والحرام المولوي في الفقه تسير وفقاً لهذه القاعدة الواضحة والمتفق عليها، ومن هنا يمكن القول وبكل وضوح، ووفقاً لما ادعاه الغزالي: إنّ التمسك الظاهري بالحلال والحرام سينجي الإنسان من تبعات ارتكاب الذنب في الآخرة أيضاً.

إنّ الخطأ الكبير الذي ارتكبه الغزالي يتمثل في أنّه جعل جميع الأوامر والنواهي الإلهية، التي يسعى الفقه للكشف عنها، محصورة في إطار الأوامر والنواهي الإرشادية، التي ينظر الله سبحانه وتعالى فيها إلى المصالح والمفاسد الدنيوية والتكوينية التي تترتب على الفعل فقط، وإنّ النتيجة الصادرة عن اتباع هذه الأوامر تتمثل فقط في الاستفادة في الجزاء والابتعاد عن الضرر الدنيوي الذي يترتب على ما هو مأمورٌ به ومنهيٌّ عنه، ولا يوجد أيّ عقاب أو أجر أخروي آخر عن الطاعة والتمرّد على هذه الأوامر، غير هذا المقدار من الجزاء والضرر، وهذا النوع من الأحكام أو الأوامر الفقهية يشبه تماماً أوامر الطبيب ونواهيه.

ويبدو أنّ تشبيه الغزالي المستمر لعلم الفقه بالطب في دنيويته لم يكن اعتباطاً، ولعله كان غافلاً أثناء تأليفه لهذا الجزء من كتاب (الإحياء) عن الاختلاف بين الأوامر والنواهي الإرشادية والمولوية، في حين أنّ أكثر الفقه هو عبارة عن أوامر ونواهٍ مولوية، ومعنى الأمر والنهي المولوي هو أنه، بالإضافة إلى المصالح والمفاسد التكوينية، فإنه يؤدي إلى رضا الله تعالى وغضبه، ومن ثَمَّ ثوابه وعقابه.

إذاً فإنّ الالتزام بالتكاليف المولوية في الفقه ـ وبدون أية واسطة ـ تـنجم عنه نتائج أخروية، ومن هذا المنطلق يمكن تسمية الفقه بأنه علم أخروي.

ومن الجدير ذكره أنّ تـنزّل الفقه إلى مستوى الأوامر والنواهي الإرشادية يمهد لبروز فكرة تحويل الفقه إلى علم عرفي، ذلك الفقه الذي يتحدث عن المصالح والمفاسد الدنيوية فقط، ويدخل من حقائق الوجود إلى دائرة العلوم الكاشفة، ويهيّئ الأجواء التي تجعل البعض يعتقد بأنّ الفقه يتساوى مع سائر المعارف البشرية، التي تتعاطى مع الحقائق العينية للدنيا، وبالنتيجة سوف يحتك بها، فإمّا أن يضاف إليه شيء، أو يحذف عنه شيء، ويصبح أخيراً من سنخ العلوم القانونية المتداولة.

4ـ اهتمام الفقه بباطن الأعمال

قسّم الفقهاء التكاليف الإلهية إلى العبادات وغير العبادات. والعبادات هي تلك الأعمال التي يتحقق فيها الامتثال، وتبرأ فيها ذمّة المكلّف من التكليف الإلهي، في حالة القيام بها بدافع العبودية لله والتقرب إليه فقط. وعليه فإنّ قصد القربة هو أحد الأجزاء اللازمة لصحة وقوع هذه الأعمال، والذي بدونه يعتبر العمل باطلاً من الناحية الفقهية. ومن هذا المنطلق فإنه ليس أمام الفقه، الذي يتحدث عن شروط صحة وبطلان الأعمال العبادية، من سبيل سوى اهتمامه بإثارة المواضيع المتعلقة بدوافع ونيّة المكلف في أبواب العبادات، ولهذا السبب نجد في النصوص الفقهية مباحث تفصيلية دقيقة وملفتة حول قصد القربة والإخلاص والعُجب والرياء… وغيرها، والتي ترتبط بمبحث النية، قد وردت في بداية باب الطهارة والصلاة([56]).

   إذاً فإنّ الفقه يتعرض أحياناً إلى المباحث المرتبطة بروح الإنسان وباطنه، وليس لهذا المبحث جنبةٌ استطرادية، بل هو عبارة عن بحث فقهي بالأصالة.

ويعلم الغزالي جيداً بأنّ الفقهاء يتـناقشون في العبادات ـ ومنها الصلاة ـ حول النية وقصد القربة، التي تعتبر من شروط أو أجزاء صحة العبادة، ولذلك استثنى ضمن حديثه تكبيرة الإحرام المقرونة بالنية التفصيلية للمصلي من مبحث ظواهر الأعمال([57]). ولكنه غفل عن المسألة التالية، وهي أنّ النية في العبادات ليست شرطاً في بداية العمل فقط، بل يجب أن تستمر ـ إجمالاً ـ إلى نهاية العمل، وهذا ما يعبرون عنه بـ «الاستدامة الحكمية». وبعبارة أخرى: يجب على المكلف أن يؤدّي جميع أجزاء العبادة بقصد العبودية لله تعالى، وإذا أتى بواحدة منها بقصد الرياء، أو النفاق، أو أي شيء آخر ليس وجه الله تعالى، فإنّ عمله العبادي باطل([58]).

ويقول في كتبه الفقهية، وبصريح العبارة: إنّ المكلف لو شك أثناء الصلاة ـ وحتى في نيّة صلاته ـ وجاء بأحد أركان الصلاة، كالركوع أو السجود، مع هذا الشك بطلت صلاته([59]).

ولكي يثبت الغزالي ادّعاءه في الزكاة يترك الموضوع ناقصاً دون أن يكمله([60])؛ إذ إنّ الزكاة ـ بإجماع علماء الشيعة وجمهور العامّة ـ هي من جملة العبادات التي يشترط فيها قصد القربة، وقد أشير في الكتب الفقهية للشيعة والسنة ـ كالأوزاعي (157هـ)، وهو من فقهاء أهل السنّة ـ إلى اعتبار الزكاة من قبيل أداء الدين، وليست تكليفاً عبادياً([61]). وعليه فإنّ الشخص الذي لم يقصد القربة إلى الله تعالى عند دفعه الزكاة لا تبرأ ذمته من هذه العبادة. وبناءً على ذلك فإنّ ادّعاء الغزالي أنّ الفقيه ينظر فقط إلى أن تكون الزكاة من صلاحية السلطان هو أمرٌ بعيد عن الحقيقة، ولا ينسجم كذلك مع آرائه الفقهية.

ولكن على افتراض أنّ الغزالي قال بذلك ـ أي إنّ من يمتـنع عن دفع الزكاة، ويأخذ الإمام والحاكم الزكاة منه على وجه الإجبار، ولهذا السبب لم يقصد الإخلاص والعبودية لله تعالى عند دفعه للزكاة ـ فهناك اختلاف بين الفقهاء الشيعة والسنّة حول هذه المسألة، فهل أنّ فرداً كهذا ستبرأ ذمته بحسب الظاهر فقط، أم أنّ ذمته تبرأ واقعاً وباطناً أيضاً عن تكليف الزكاة؟

اختارت طائفة من الفقهاء الشيعة والسنة الوجه الأول، واختارت طائفة أخرى الوجه الثاني. وقال البعض أيضاً في تبرير الوجه الثاني: ينوي الإمام والحاكم قصد القربة نيابةً عنه، وقال البعض الآخر: إنه يسقط وجوب النية للمكلف في مثل هذه الحالة([62]). ولم يذكر الغزالي هذا الاختلاف في الرأي في كتبه الفقهية ـ على العكس مما جاء في كتاب الإحياء ـ ويتحاشى إصدار حكمه بهذا الخصوص([63]).

وتكفي هذه الأمثلة ـ التي حظيت باستشهاد الغزالي بها ـ لكي تبيّن أنّ الفقه ينظر أحياناً إلى باطن العمل، وهي ما يُقصد به نيّة المكلف ووازعه.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الفقيه يكتفي في بحث ظاهر العمل وباطنه بالمقدار التالي فقط: ما هو الحدّ الأدنى للشروط الظاهرية والباطنية التي يتحقق معها الامتثال للتكليف، وتبرأ فيها ذمة المكلف، ولا يتعرض للمؤاخذة يوم القيامة بسبب عصيانه؟ وأما بالنسبة لتسامي ذلك الحدّ الأدنى اللازم في الأعمال الباطنية والقلبية وإنضاجه فغالباً ما يكون خارج دائرة مباحث الفقه([64]).

5ـ اختلاف الفقه مع سائر الإنجازات العلمية للإنسان

أراد المثقفون الدينيون ـ ومن خلال تبنيّهم لرأي الغزالي ـ إجراء تغيير في أساليب الاستـنباط الفقهي، وادّعوا أنّ التعاليم الفقهية تكشف فقط عن المصالح والمفاسد الدنيوية، وعليه فهي تحتل مكانها إلى جانب سائر المصادر العقلية والعلمية للإنسان، إلاّ أنّهم لم يكتفوا في نهاية المطاف حتى بهذا المقدار أيضاً، ولم يجعلوا الفقه بمستوى القانون وسائر المعارف البشرية الأخرى، بل رأوا أنّ الفقه يحتلّ مرتبةً أدنى ـ والتي يعبّرون عنها بالعلوم الاستهلاكية([65])ـ، معتبرين أنّ الفقه هو علم منفعل دائماً، ومتأثر بسائر العلوم البشرية الأخرى (العلوم المنتجة).

ولو افترضنا أنّ جميع التكاليف الدينية هي من سنخ الأوامر والنواهي الإرشادية، التي ترشدنا إلى المصالح والمفاسد الدنيوية فقط، فهل يمكن الادّعاء أنّ علم الفقه سيتأثر دائماً بسائر الإنجازات العلمية للإنسان؟ نقول: حتى مع وجود الافتراض لا يمكن ـ من الناحية المنطقية ـ الوصول إلى هذه النتيجة؛ لأنّ أي فرد مسلم ومؤمن يفترض مسبقاً أنّ الخطاب الديني صادر عن الله تعالى، وهو عالمٌ بجميع أسرار الوجود، وبوجود هذا الأصل الموضوعي يبقى هذا الاحتمال موجوداً على الدوام، وهو أن الله سبحانه وتعالى يُنبئنا في أوامره ونواهيه عن تلك المصلحة والمفسدة التي لم يتوصل علم الإنسان إلى اكتشافها بعد، ويكفي هذا الاحتمال لكي يجعل المعرفة الدينية تخرج عن دائرة الانفعال المستمر، ويتفوق في بعض الظروف المنطقية على بعض العلوم البشرية الأخرى([66]).

الخاتمة

وأود أن أُعطِّر ختام المقالة بنفحات من كلام الباري عزّ وجل([67]). إنّ الله سبحانه وتعالى يذكر في أوائل سورة النساء جملة من التشريعات المتعلقة بالإرث، وتبدأ الآيات الكريمة بقوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ…}.

في البداية ينبّه القرآن الكريم إلى أنّ الله سبحانه وتعالى لديه مشروع معين في مجال الميراث، وهذا الأمر هو دليل واضح على تشريع القانون من قبل الله تعالى، وينطق بالبعد المولوي لهذا الأمر؛ لأنّ الأوامر الإرشادية تعتمد على الحقائق العينية، على العكس من الأوامر المولوية التي تأخذ كل حقيقتها عن المولى والمشرع.

ثم إن القرآن الكريم ينتقل إلى بيان أحكام متعددة حول الإرث: {…آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}.

ويدور الحديث في هذا المقطع من الآية الكريمة وبكل صراحة حول جهل الإنسان بما يضرّه وينفعه، وإلى جانب ذلك تحدثت الآية عن علم الله وحكمته اللامتـناهية؛ لكي يستدل الحكم باتباع الأحكام الإلهية بالبرهان العقلي، وتم التأكيد في وسط الآية مرةً أخرى على أنّ هذه الأحكام هي قوانين إلهية واجبة التـنفيذ، وتستـند إلى التشريع الإلهي.

وتبدأ الآية التالية بمجموعة متـنوعة من أحكام الإرث، ويتم التأكيد في نهاية الآية مرةً أخرى على أنّ جميع هذه الأحكام صادرة من الله العليم الحكيم: {… وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ…}

ثم يشير القرآن الكريم صراحة إلى مولوية هذه الأحكام، والعلاقة المباشرة بين اتباعها وطاعة الله تعالى ورسوله ـ وهو ما نعنيه بالتدين ـ، والعلاقة المتلازمة بين الالتزام بهذه القوانين مع عالم الآخرة: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

ونلاحظ في هذه الآيات تكرار التشريع الإلهي في مجال أحكام الإرث عدّة مرات من جهة، وكذلك أفضلية القوانين الدينية؛ بسبب استـنادها إلى العلم اللامتـناهي لله تعالى، ووضوح ذلك للفهم البشري من جهة أخرى، وبناءً على ذلك فإنّ امتثال أحكام الله أصبح مبرهناً. وفي النهاية تمّ تبيين العلاقة المباشرة بين طاعة الشريعة وعالم الآخرة صراحة.

إنّ التأمل بإنصاف في هذه الآيات الكريمة يزيل أي نوع من أنواع الشك في دينيّة علم الفقه وأُخرويته.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ ألقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.

الهوامش

(*) باحث في الفقه الإسلامي والدراسات القانونية المعاصرة، ورئيس قسم دراسة المصنّفات الإمامية في مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي.

([1]) حول هذا الموضوع راجع: العدد الأول من سلسلة هذه المقالات، مجلة فقه أهل البيت^ الفصلية التخصصية، العدد 39 ـ 40.

([2]) عبد الكريم سروش، قصة أرباب المعرفة: 35 ـ 45 و176 و184. المداراة والإرادة: 138، 191، 366. شرح التجربة النبوية: 71 و90. في باب الاجتهاد: 29، المجلة السياسية: 145 و242. القانون في المرآة: 348.

([3]) محمد مجتهد شبستري، نقدٌ على القراءة الرسمية للدين: 163، 420.

([4]) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم (113 ـ 182)، القاضي المعروف وأحد مؤسسي الفقه الحنفي. واستأنس لحلقة الفقه لدى أبي حنيفة بعد فترة من تردده على مجلس المحدثين، واستـناداً إلى بعض الروايات فقد لازمه سبعة عشر عاماً، ومنذ ذلك التاريخ أصبح من أبرز تلاميذ أبي حنيفة وفقيهاً بارزاً في محافل العراق العلمية، ويعتبر ـ بعد أبي حنيفة ـ المؤسس الثاني للمذهب الحنفي، ويشكل الاثنان إلى جانب محمد بن حسن الشيباني الأركان الثلاثة للفقه الحنفي، وتصدى في عهد بعض خلفاء بني العباس ـ ومنهم هارون ـ لمنصب قاضي بغداد، ولُقّب لأول مرة ـ في الحضارة الإسلامية ـ بقاضي القضاة من قبل الخليفة، وحمل هذا اللقب إلى أن وافته المنيّة… (أحمد الپاكتچي، دائرة المعارف الإسلامية الكبيرة 6: 441، الطبعة الأولى، طهران، 1373هـ ش، 1994م).

([5]) يقوم الغزالي في بداية الباب الثاني من كتاب العلم، وقبل أن يطرح الأمور الخاصة بأقسام العلوم الشرعية وغير الشرعية، يقوم بذكر جملةٍ من العلوم التي يعتبر تعلّمها واجباً عينياً على كل مكلّف، ومن بين ذلك يتطرق إلى ذكر الأحكام الشرعية العبادية وغير العبادية، التي هي محل ابتلاء كل مسلم. إذاً فهو يعتبر علم الاستـنباط واجتهاد الأحكام الشرعية واجباً كفائياً، بينما يقول بأنّ تعلّم الأحكام الشرعية الضرورية واجباً عينياً على كل مسلم.

([6]) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (505هـ)، إحياء علوم الدين 1: 20 ـ 33، دار القلم، بيروت، الطبعة الثالثة. وللاطلاع على رأي الغزالي في هذا الخصوص، وآرائه الأخرى الواردة في كتاب (إحياء علوم الدين)، راجع: عبد الكريم سروش، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى 7: 138، مركز دائرة المعارف، طهران، 1375هـ. ش، 1996م، مقالة «إحياء علوم الدين».

([7]) المصدر نفسه 3: 213 ـ 215.

([8]) المصدر نفسه 4: 369.

([9]) أبو حامد محمد الغزالي، جواهر القرآن: 9 ـ 22، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الخامسة، 1403هـ.

([10]) المولى محسن الفيض الكاشاني (1007 ـ 1091)، الفقيه والمحدّث والمفسّر الإمامي الكبير، الذي تصل مؤلفاته إلى حوالي تسعة وثمانين مصنفاً، وقد أكمل تأليف كتاب المحجة البيضاء في تهذيب الأحكام عام 1046هـ. وهذا الكتاب هو نسخة منقحة ومعدّلة لكتاب إحياء علوم الدين، طبقاً للعقائد الشيعية وآراء الفيض، حيث من الممكن أن نجد أكثر تصرفاته بكتاب الإحياء في المواضيع الفقهية والعقائد الكلامية والفلسفية والتصوف والأخلاق الصوفية والروايات.

([11]) عبد الكريم سروش، قصة أرباب المعرفة: 33 ـ 53.

([12]) على سبيل المثال انظر: إحياء علوم الدين 3: 363 ـ 388، كتاب ذم الغرور؛ المحجة البيضاء 6: 309 ـ 357. يوضح الغزالي في هذا الباب من كتاب (أحوال أهل الغرور)، وفي الصنف الأول من أهل الغرور، يبدأ بالعلماء، معتبراً العلماء المنهمكين بدراسة العلوم الشرعية والعقلية والمنكفئين عن تمحيص صفاتهم الباطنية بأنهم من المغرورين، وهو ينتقد في هذا السياق الفقهاء والفلاسفة والمتكلمين والوعّاظ والمحدّثين والأدباء وعلماء الأخلاق والمدّعين للعرفان على حدٍّ سواء، ثم يتوجه صوب أهل العبادة والعمل، ويتطرق إلى ذكر أنواع المكائد والوساوس المعلنة والخفيّة لهذه الفئة بكل دقة وأناة، كما أنّ الفيض يقوم في كتاب (تهذيب الإحياء) ـ وبشيء من التلخيص ـ بنقل جميع أحوال الغزالي، ويحكم عليها بالصحة.

ويعتقد المثقف المصري المعاصر نصر حامد أبو زيد بأنّ الغزالي إنما ينتقد نفسه وماضيه حين ينتقد العلماء وحرصهم على الدنيا، إذ يقول: والغزالي في إدانته للفقهاء، لتعلقهم بالدنيا واختلاطهم بالحكام والسلاطين، يدين عصره كله في الحقيقة. ومن منطق الإدانة هذا يمكن لنا أن نفهم بعض جوانب الأزمة الروحية الحادّة التي مرّ بها الغزالي، حين أدرك أنّ نشاطه الفكري كلّه من تأليف وتدريس لم يكن يراد به وجه الله والآخرة بقدر ما كان يراد به الشهرة والصيت في الدنيا وفي أعين الحكام (انظر: المنقذ من الضلال: 125). والحقيقة أنّ بعض كتب الغزالي ـ وأهمها من هذا المنظور الردّ على الباطنية ـ قد كتبت بناءً على أوامر سلطانية بالتصدي للرد على الشيعة وتفنيد آرائهم ومعتقداتهم، ومما له دلالة مهمة في هذا الصدد الطريقة التي يشير لها الغزالي إلى ذلك بقوله: «فإني لم أزل مدة المقام بمدينة السلام متشوقاً إلى أن أخدم المواقف المقدسة النبوية الإمامية المستظهرية ضاعف الله جلالها، ومدّ طبقات الخالق ظلالها، بتصنيف كتابٍ في علم الدين، أقضي به شكر النعمة، وأقيم به رسم الخدمة، وأجتـني بما أتعاطاه من الكلفة ثمار القبول والزلفة، لكن جنحتُ إلى التواني؛ لتحيري في تعيين العلم الذي أقصده بالتصنيف، وتخصيص الفن الذي يقع موقع الرضا من الرأي النبوي الشريف، فكانت الحيرة تغيِّر وجه المراد، وتمنع القريحة عن الإذعان والانقياد، حتى خرجت الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية بالإشارة إلى الخادم في تصنيف كتاب في الرد على الباطنية» (الرد على الباطنية: 32). ويكفي هنا أن نلاحظ إشارة الغزالي إلى نفسه بصفة «الخادم»، ونلاحظ صفات القداسة والنبوة التي يضيفها على الخليفة العباسي.

إن تسخير العلم في خدمة الأهداف السياسية للحاكم أمر تورط فيه الغزالي في هذا الكتاب تورطاً لا يستطيع أحد تجاهله، فالغزالي الذي يفند الفكر الشيعي؛ استـناداً إلى أسس عقلية مكينة، يتجاهل هذه الأسس تجاهلاً شبه تام في الباب التاسع من الكتاب في إقامة البرهان الفقهي الشرعي على أنّ الإمام الحق في عصرنا هذا هو الإمام المستظهر بالله (حرس الله ظلاله) حيث يكاد يخلع على الخليفة العباسي كل الصفات التي يخلعها الشيعة على (الإمام)، من حيث العلم والعصمة والاتصال بمشكاة النبوة، وهي الصفات التي يردّها الغزالي على الشيعة في جميع فصول الكتاب، ولا شك أنّ إدراك الغزالي بعد ذلك وصلت إلى حد «حبسة» اللسان عن النطق، وهي أزمة يصفها على النحو التالي: فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمئة، في هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ قفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرّس يوماً واحداً، تطييباً لقلوب المختلفة، وكان لا ينطق لساني بكلمة، ولا أستطيعها البتة، ثم أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب، بطل معه قوة الهضم وقرم الطعام والشراب، فكان لا تـنساغ لي شربة، ولا تهضم لي لقمة، وتعدى ذلك إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء «طمعهم في العلاج» (انظر: المنقذ من الضلال: 64). (نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص دراسة في علوم القرآن: 256، المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، بيروت، 1998).

([13]) الغزالي، إحياء علوم الدين 1: 25: «فاعلم أنّ التسوية غير لازمة، بل بينهما فرق، وإنّ الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه، أحدها…». وعلى أية حال فإنّ هذه العبارات تم نقلها في الصفحات السابقة.

([14]) عبد الكريم سروش، قصة أرباب المعرفة: 39.

([15]) الغزالي، إحياء علوم الدين 1: 55.

([16]) عبد الكريم سروش، قصة أرباب المعرفة: 41.

([17]) عبد الكريم سروش، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، مقالة إحياء علوم الدين 7: 138. إنّ الضعف الموجود في كلام الغزالي والذي قيل بهذا الشكل من الوضوح والبداهة، بحيث إنه ليس بحاجة إلى الاستدلال عليه، فالذين لديهم من المعرفة بالفقه يعلمون جيداً أنّ جانباً مهماً من الأبواب الفقهية، من قبيل: الطهارة والصلاة والصيام والاعتكاف والحج والصيد والذبح والأطعمة والأشربة والوقوف واليمين والنذر والعهد والكفارات…وغيرها، مختصة بالإنسان حتى لو كان بعيداً عن الحياة الاجتماعية، وليس بمقدور الغربة والوحدة أن تجعله يستغني عن الفقه.

([18]) عبد الكريم سروش، قصة أرباب المعرفة: 39.

([19]) عبد الكريم سروش، قصة أرباب المعرفة: 42.

([20]) المصدر نفسه: 15.

([21]) المصدر نفسه: 21.

([22]) المصدر نفسه.

([23]) المصدر نفسه: 41.

([24]) المصدر نفسه: 42.

([25]) المصدر نفسه: 48.

([26]) المصدر نفسه: 46.

([27]) المصدر نفسه: 50.

([28]) الغزالي، إحياء علوم الدين 1: 54.

([29]) الغزالي، مجموعة رسائل الإمام الغزالي 3: 65، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1414.

([30]) يتعرض الغزالي في كتاب المستصفي، بعد الكلمات التي سبق أن ذكرناها، إلى ذكر مؤلفاته الأخرى، ومنها: كتاب (إحياء علوم الدين)، و(جواهر القرآن).

([31]) أبو حامد محمد الغزالي، المستصفي من علم الأصول: 3، دار نشر الرضي، الطبعة الثانية، قم، 1364هـ ش، 1985م.

([32]) عبد الكريم سروش، المداراة والإدارة: 191.

([33]) المصدر نفسه: 194.

([34]) المصدر نفسه: 190.

([35]) المصدر نفسه: 197.

([36]) المصدر نفسه: 196.

([37]) المصدر نفسه، المقدمة: 31. ويمضي سروش في البعض الآخر من مؤلفاته على هذا المنوال، وراجع كذلك: كتاب السياسة: 145 و353؛ دين المملكة (آيين شهرياري): 52.

([38]) عبد الكريم سروش، شرح التجربة النبوية: 89.

([39]) عبد الكريم سروش، شرح التجربة النبوية: 90.

([40]) عبد الكريم سروش، السياسة: 262؛ في باب الاجتهاد: 29.

([41]) الغزالي، إحياء علوم الدين 1: 22: «…وأعني بالشرعية ما استفيد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ولا يرشد العقل إليه، مثل: الحساب، ولا التجربة، مثل: الطب، ولا السماع، مثل: اللغة…».

([42]) المصدر نفسه: 25: «…إنه علم شرعي؛ إذ هو مستفاد من النبوة، بخلاف الطب؛ فإنّه ليس من علم الشرع».

([43]) المصدر السابق 3: 215: «…الفقه وهو معرفة القانون الذي ينبغي أن يضبط به الخلق، وأن يلزموا الوقوف على حدوده، حتى لا يكثر النزاع، وهو معرفة حدود الله تعالى في المعاملات وشروطها».

([44]) المصدر السابق 1: 22: «الضرب الثاني الفروع، وهو ما فهم من هذه الأصول لا بموجب ألفاظها، بل بمعان تـنبّه لها العقول، فاتّسع بسببها الفهم حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره، كما فهم من قوله‘: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» أنّه لا يقضي إذا كان خائفاً أو جايعاً أو متألماً بمرض».

([45]) الغزالي، المستصفي: 3: «وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنّه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد».

([46]) للغزالي أربعة كتب فقهية وعناوينها: البسيط، الوسيط، الوجيز، والخلاصة، إذ إنّ كلاًّ منها هو تلخيص للكتاب السابق على التوالي، وأصبحت مؤلفاته في الفقه الشافعي محوراً لهذا المذهب الفقهي. وقام كبار الفقهاء في هذا المذهب بشرح وتحشية وتلخيص تلك الكتب من بعده، وإنّ البعض من أكبر المؤلفات الشافعية كتبت على أساس كتب الغزالي. (راجع مقدمة تحقيق الوسيط في المذهب، بقلم أحمد محمود إبراهيم الغزالي، الوسيط في المذهب 1: 11، دار السلام، الطبعة الأولى، مصر، 1417).

([47]) محمد مجتهد الشبستري، نقد على القراءة الرسمية للدين: 420.

([48]) المصدر نفسه: 163.

([49]) الفقرة الرابعة ـ وكما مرّ آنفاً ـ يمكن ملاحظتها في رأي المثقفين فقط، ولا أثر لها في آراء الغزالي.

([50]) النقاط القابلة للنقد والنقاش في ثنايا حديث الغزالي أكثر مما هو مذكور في هذا الجزء من المقالة. ونكتفي فقط بأهم النقاشات التي لها ارتباط وثيق بموضوع المقالة.

([51]) بعد مزيد من البحث عثرت فقط على عدد محدود من الكتب التي تعرضت وبشكل مختصر إلى نقل رأي الغزالي في هذا المجال، وجعله البعض منهم نقداً قصيراً، وأولهم هو محدّث أهل السنّة محمد عبد الرؤوف مناوي (1031هـ) في كتاب (فيض القدير شرح الجامع الصغير)، حيث يتطرق أثناء شرح بعض الروايات إلى نقل مقاطع من كتاب الإحياء في هذا المجال، معرضاً عن تأييدها أو رفضها (فيض القدير شرح الحاج الصغير 1: 329. دار الكتب العلمية الطبعة الأولى، بيروت، 14150هـ)؛ والملا محمد صالح المازندراني (1081هـ) المحدّث والمتكلم الإمامي نقل أيضاً في (شرح أصول الكافي) رأي الغزالي القائل بأنّ الفقه ينظر فقط إلى الصورة الظاهرية للأعمال والعبادات، ومن هذا الجانب فهو أمر دنيوي، مؤيداً هذا الرأي (شرح أصول الكافي 1: 37، دار الكتب الإسلامية، طهران)؛ والفيض الكاشاني (1091هـ) ـ كما مرّ آنفاً ـ، وبعد أن يقوم بنقل عبارات الغزالي في كتاب الإحياء يكتفي بتوجيه نقد مختصر لها (المحجّة البيضاء في تهذيب الاحياء 1: 59، مكتب النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، قم). والسيد محمد محقق الداماد (1388هـ) في بداية درسه للبحث الخارج للفقه يتعرض إلى ذكر رأي الغزالي، ويكتفي في نقده لهذا الرأي بنقل كلام الفيض الكاشاني (عبد الله جوادي آملي، كتاب الصلاة: 7، تقريرات درس السيد محقق الداماد، مؤسسة النشر الإسلامية، الطبعة الأولى، قم، 1405هـ)؛ وأخيراً فإنّ الدكتور نصر حامد أبو زيد يتطرق في كتاب (مفهوم النص) ـ وبتفصيل أكثر ـ إلى طرح هذه النظرية، وقام بنقدها. فهو يرى أنّ جذور الكثير من آراء الغزالي، ومنها القول بدنيوية علم الفقه، إنما تـنبع من أفكاره الصوفية في ميدان التضاد بين الدنيا والآخرة، وحصر هدف الدين في الفلاح الفردي والأخروي، معتبراً هذا الرأي مخالفاً لرسالة القرآن، قال: إنّ (إحياء علوم الدين) يفترض ـ من ناحية ثانية ـ تصنيفاً للعلوم إلى نمطين: علوم الدين؛ وعلوم الدنيا، ويفترض في نفس الوقت أنّ كفة الميزان ـ في عصر الغزالي على الأقل ـ كانت تميل في صالح «علوم الدنيا» على حساب «علوم الدين». لكن هذا الافتراض الثاني لا يكون صحيحاً بالنسبة لعصر الغزالي، إلا إذا ارتضينا تصوره لغاية الدين ووظيفته، وهي غاية تـنحصر في الخلاص الفردي والنجاة في الآخرة. ومن هذا المنطلق لا ينبغي أن ندهش حين يجعل الغزالي «علم الفقه» أحد علوم الدنيا، وهو علم تـنحصر ضرورته في أنه علم تمهيدي لتهيئة المناخ الملائم اجتماعياً لتحقيق غاية الدين الأصلية.

يرتد تصنيف العلوم عند الغزالي إذن إلى ثنائية حادة في تصوره للعلاقة بين الدنيا والآخرة، وإذا كان القرآن لا يضع مثل هذا التعارض الحاد بين الدنيا والآخرة، ويطلب من المسلم أن لا ينسى نصيبه من الدنيا، كما تطلب منه المأثورات أن يعمل للدنيا كأنه يعيش أبداً وأن يعمل للآخرة كأنه سيموت غداً، فإنّ الغزالي يعبّر عن تصوره لتعارض حاد بينهما، بحيث يستحيل جمعهما.

([52]) دعا كل من سروش وشبستري في كتبهما دائماً إلى إعادة النظر في أعمق القواعد الأساسية في استـنباط الشريعة، معتبرين ذلك بأنه اجتهاد في الأصول. راجع: سروش (سياست نامه): 254؛ والشبستري، نقدٌ على القراءة الرسمية للدين: 467.

([53]) عبد الحسين الأميني، الغدير في الكتاب والسنة والأدب 11: 209 ـ 215، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى، قم، 1416هـ.

([54]) يصف سروش رأي الغزالي هذا بالقول المهم في (سياست نامه: 145؛ المداراة والإدارة: 139)، والرأي الصائب الثاقب في (المداراة والإدارة: 192)، الذي لم يعكسه الكثير من علماء عصره (قصة أرباب المعرفة: 36).

([55]) تحدثنا في الأعداد السابقة لهذه السلسلة من المقالات عن مرتبة الفقه إزاء سائر تعاليم الدين العميقة.

([56]) كنموذج لذلك يرجع إلى كتابين مهمين في الفقه الاستدلالي والفتوائي لكل من: محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 2: 81 و96، المصدر السابق 9: 154، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، طهران، 1365هـ ش، 1986م؛ والسيد محمد كاظم اليزدي، العروة الوثقى 1: 432، والمصدر السابق 2: 441، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى، قم، 1420هـ.

([57]) إحياء علوم الدين 1: 24: «…وأما الصلاة فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط، وإن كان غافلاً في جميع صلاته من أولّها إلى آخرها مشغولاً بالتفكير في حساب معاملاته في السوق إلاّ عند التكبير…».

([58]) النجفي، جواهر الكلام 2: 105؛ الأنصاري، الطهارة 2: 114، مؤتمر الشيخ الأنصاري، قم، 1418؛ السيد الخميني، تحرير الوسيلة 1: 280، دار الكتب العلمية، قم؛ السيد الخوئي، منهاج الصالحين 1: 155، مدينة العلم، قم، 1410هـ.

([59]) الغزالي، الوسيط في المذهب 2: 87، دار السلام، الطبعة الأولى، 1417هـ؛ الغزالي، الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي: 40، دار المعرفة، بيروت، 1399هـ: «ولو شك في أصل النية، ومضى مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة، كركوع، بطل».

([60]) الغزالي، إحياء علوم الدين 1: 24: «وأمّا الزكاة فالفقيه ينظر إلى ما يقطع به مطالبة السلطان، حتى إنه إذا امتـنع عن أدائها فأخذها السلطان قهراً حكم بأنه برئت ذمّته».

([61]) الموسوعة الفقهية (الكويتية) 3: 292، وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الثانية، الكويت، 1412هـ؛ الغزالي، الوسيط في المذهب 21: 442؛ الوجيز 1: 87؛ النجفي، جواهر الكلام 15: 471؛ اليزدي، العروة الوثقى 4: 198؛ العلامة الحلّي، تذكرة الفقهاء 5: 325، مؤسسة آل البيت^، الطبعة الأولى، قم، 1414هـ.

([62]) الموسوعة الفقهية (الكويتية) 23: 293؛ النجفي، جواهر الكلام 15: 475؛ اليزدي، العروة الوثقى 4: 198؛ العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء 5: 332.

([63]) الغزالي، الوسيط في المذهب 2: 443: «أما الممتـنع فيأخذ السلطان منه قهراً، وهل تبرأ ذمته باطناً؟ فيه خلاف، فإن قلنا: تبرأ، ففي وجوب النيّة على الإمام وجهان: أحدهما: لا؛ تغليباً لسدّ الخلّة، والثاني: نعم؛ لأنّ أثر الامتـناع في أن صار مولّياً عليه»؛ وكذلك: الوجيز 1: 87.

([64]) لا يفوتـنا القول بأنّ الأحكام المستحبة والمكروهة في الفقه تعكس جانباً من التعاليم الدينية باتجاه نضج وتكامل ذلك الحد الأدنى اللازم.

([65]) سروش، شرح التجربة النبوية: 317.

([66]) لست هنا بصدد شرح النقاش الحاد الصعب في علاقة المعرفة الدينية مع سائر المعارف البشرية، أو بعبارة أخرى: التعارض القائم بين العلم والدين؛ لضيق المجال. كما أني لا أُنكر ـ إجمالاً ـ الأشكال المتعددة لتأثير العلوم البشرية على فهم الإنسان للدين، بل إني أرفض تساوي هذه العلاقة والانفعال الدائم للمعرفة الدينية.

([67]) هناك مجال واسع للاستدلال بالنصوص القرآنية والروائية لكلٍّ من الادعاءات السابقة، ولكن بما أنّ أسلوب هذه المقالة مبني على الاجتـناب عن المباحث النقلية، والاكتفاء بالأدلة العقلية؛ بهدف التـناغم مع المنهج العلمي للمثقفين الدينيين، فقد اكتفينا باستدلال واحد فقط من القرآن الكريم، والذي يبرهن على صحة أهم الادعاءات السابقة مرةً أخرى.