المخطوطات بوصفها مصدراً تأريخياً

28 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
134 زيارة

المخطوطات بوصفها مصدراً تأريخياً

د. الشيخ رسول جعفريان(*)

ترجمة: وسيم حيدر

مقدّمة ــــــ

إن النصوص التاريخية القديمة ـ والتحقيقات التي نقوم بها انطلاقاً من تلك النصوص بطبيعة الحال ـ تحتوي على ثغرات تمنع الباحث والمحقِّق من الوصول إلى تاريخ دقيق وشامل. إن هذه الثغرات تنشأ من الضعف الذي تعاني منه النصوص القديمة، من الناحية الكمّية والكيفية، في إطار تقديم صورة كاملة ومتقنة عن «الماضي». ومن الواضح أن ضعف المؤرِّخين والتحقيقات التاريخية لا يقتصر بمجموعه على الإشكالات «النصِّية» فقط، وإنما يعود الكثير منها إلى «مناهجنا» التحقيقية. وبحثُ ذلك خارج عن نطاق هذا المقال.

إن هذا البحث يشتمل على قسمين:

الأوّل: جولة على نطاق ضعفنا في «النصوص التاريخية».

الثاني: كيفية الاستفادة من «المخطوطات»؛ لرفع هذا النقص.

نطاق الضعف في «النصوص التاريخية» ــــــ

وفي ما يتعلَّق بالقسم الأول سوف نتناول ثلاث مسائل على نحو الإجمال، وهي:

أـ عدم شمولية تواريخنا الرسمية ــــــ

إن فرضنا الأول في هذا البحث هو أن تواريخنا الرسمية ليست كافية لكتابة التاريخ. وإن عدم الكفاية هذا إنما يعود في الدرجة الأولى إلى المفهوم الذي كان يحمله المؤرِّخون قديماً عن التاريخ.

إن التاريخ بمعناه التقليدي ناظر إلى التحوُّلات والمتغيِّرات السياسية، وهي إلى ذلك تعني خصوص المتغيّرات السياسية الحاصلة في مركز الحكم وما يُحيط بالأُسَر الحاكمة. وفي هذه الرؤية تكون «السياسة والسلطة» هي المحور الرئيس لكتابة التاريخ؛ حيث يتمّ رصد القريبين من السلطة ودوائر صنع القرار السياسي. وأما سائر الأفراد الآخرين فكلما كان أحدهم أقرب إلى مركز السلطة كان أكثر قرباً من عدسة التاريخ.

إن ما يُسمّى «حادثة» في هذه التواريخ هي الحادثة التي تقع في دائرة الحكم، بقيد أن تؤدّي إلى «تغيير» جدير بالذكر والتخليد، من قبيل: العزل والتنصيب، والوفيات والمواليد، والأفراح والاحتفالات، والفرامين السلطانية، وما إلى ذلك ممّا يُشكِّل المحور الرئيس للمعلومات المتوفرة في التراث التاريخي.

إن مثل هذه الرؤية تضع بين أيدينا صورة ناقصة عن الماضي، وهذه الصورة الناقصة لا تنفعنا في التعرّف على «ماضينا» بشكلٍ كامل.

هذا مضافاً إلى أننا نكتب على الدوام تاريخ «العواصم»، وليس تاريخ «القرى» و«القصبات». إن تواريخنا «تتمحور حول العواصم»، ولا تتناول المناطق البعيدة والنائية عن دائرة الاهتمام.

توضيح ذلك: إننا بالاستناد إلى المصادر الرسمية محرومون من الحصول على تاريخ ثقافي، أو تاريخ للعلم، أو تاريخ للحضارة، أو علم الرجال بشكلٍ دقيق، وتاريخ عامّة الناس. إن تاريخنا يمثِّل جبلاً يتوسط سهلاً مزدحماً بملايين الناس، الذين لفّهم الغموض والظلام الدامس، ولم يظهر من هذا الجبل سوى رأس القمّة التي يتربَّع عليها شخصٌ واحد، هو السلطان أو الخليفة أو الحاكم أو الملك، مع عدد قليل من أفراد أسرته وبطانته وحاشيته.

ب ـ إن مصادرنا الرسمية غير جديرة بالوثوق والاطمئنان ــــــ

الأمر الآخر هو أن مصادرنا الرسمية غير موثوقة تماماً. ويعود ذلك من جهة إلى تدخّل الدوافع الخاصة في تدوين الوقائع والأحداث بشكلٍ رسمي في النصوص التاريخية. وهي إما دوافع مفروضة على المؤرّخ من قبل الحكومات، أو أنها من مختلقات المؤرِّخين، حيث يثبتون الوقائع من منطلقات شخصية تؤدّي إلى عدم الوثوق بها.

إلاّ أن الإشكال لا يكمن في الدوافع الخاصّة فقط، بل إن منهج التأليف والاستفادة من المصادر غير المعتبرة، وأدبيات التأليف، من المسائل التي تؤدّي إلى عدم ارتقاء الرؤية التاريخية إلى الحدّ المطلوب.

فعلى سبيل المثال: إن الأخطاء اللغوية والتعبيرية، والاستفادة من المصادر المتأخِّرة، وعدم الاستفادة من التاريخ الشفهي، وعدم الاستفادة من الوثائق الرسمية، من بين المشاكل التي كانت تعترض كتابة تاريخنا الرسمي.

ومن الطبيعي أن جميع المصادر ليست على مستوى واحد من هذه الزاوية؛ فإن منها ما هو أكثر قابلية على الوثوق، وبعبارةٍ أخرى: إن هناك فيها ما هو أدقّ من غيره؛ في حين أن البعض الآخر يعاني من الضعف بحيث يكون عاجزاً عن أن يكون مرآةً صادقة لبيان ما وقع في الأزمنة «الغابرة».

 

ج ـ أغلب مصادرنا التاريخية متكرِّرة، وتعاني من محدودية زاوية الرؤية ــــــ

عندما نتحدّث عن تكرار المصادر التاريخية الرسمية نعني بذلك أن أغلب هذه المصادر لا تحتوي إلاّ على القليل من الموضوعات الجديدة.

وهذه المسألة تبدو من بعض النواحي طبيعية؛ وذلك لأن المصدر الذي يروم كتابة تاريخ مرحلةٍ تعود إلى ما قبل حياة المؤلِّف والمؤرِّخ فإنه يضطرّ إلى الرواية عن المصادر المتقدِّمة عليه. ولكنْ يجب القول في المجموع: إن مؤرِّخينا إنما اعتادوا على استنساخ التراث السابق دون تحقيق أو تتبُّع. وكانوا أحياناً يلجأون إلى التلخيص، ويذكرون من حينٍ لآخر بعض المسائل الجديدة.

وعندما ننظر إلى هذه المصادر من الخارج نشعر بأن هذه المصادر تذكر أموراً متكرِّرة، وقلَّما يمكن العثور فيها على مسائل جديدة.

وبطبيعة الحال هناك بعض المؤلفات الاستثنائية، ولا سيَّما تلك التي يتعرّض فيها المؤلِّف إلى مرحلةٍ لم تشهد حضوراً لمؤرِّخ آخر. إلاّ أن هذا النوع من المؤلَّفات محدودٌ جدّاً. وهذه المحدودية تفرض علينا ضعفاً جوهرياً في التعرّف على «ماضينا».

إن المرحلة التي يمكن لنا أن نعتبرها مفعمة بالمصادر هي المرحلة التي نحصل فيها على روايات مختلفة لمقطعٍ تاريخي واحد، بمعنى أن تكون لدينا أكثر من زاوية واحدة للرؤية، ونحصل على رواية غير منفردة لتقرير مرحلةٍ من الزمن.

فعلى سبيل المثال: إذا كان هناك أحزابٌ وجماعات مختلفة ـ سواء في السلطة أو خارجها ـ يمكن أن يضعوا بين أيدينا روايتهم التاريخية عن المتغيِّرات السياسية والجارية.

ولكنّ تاريخنا يخلو من هذا الأمر للأسف الشديد. وإن تنوُّع الكتب لا يعني الاختلاف في زاوية الرؤية بالضرورة.

 

ما الذي يمكن فعله لرفع الإشكال؟ ــــــ

إن المحدوديات والقيود المتقدّمة تقدّم لنا في المجموع صورة ناقصة. وإن هذه القيود والمحدوديات تقع على المستويين: الكمّي؛ والكيفي. وعليه لا بُدَّ من العمل على توسيع دائرة معلوماتنا وتعميقها من حيث الدقّة والوثوق. وفي الحقيقة فإننا؛ لكي نحصل على «تاريخ جامع وشامل»، علينا أن نستفيد من جميع الإمكانات المتوفِّرة والمتاحة. وفي الحقيقة يجب العمل على «توسيع دائرة المصادر»، والعمل على توظيف كلّ ما يمكن توظيفه بوصفه «نصّاً» أو «وثيقة تاريخية». وهذا الأسلوب هو المتَّبع حالياً في المناهج التاريخية، إلاّ أنه لم يتمّ توظيفها والاستفادة منها بالشكل المطلوب، وخاصّة في ما يتعلَّق بالاستفادة من بعض المصادر والوثائق في المناهج الدراسية والتحقيقية في مجال التاريخ.

وقد تمّ إعداد بعض الطرق في تدوين التاريخ الحديث؛ لتجاوز هذه القيود والمحدوديات. كما أضحَتْ بعض الطرق السابقة أكثر شيوعاً وانتشاراً. وإن من بين هذه النماذج الاستفادة من «الوثائق الرسمية»، و«الروايات الشعبية»، في التحقيقات التاريخية. واليوم تعمل المراكز الوثائقية على بذل جهودٍ أكبر ـ من خلال الحفاظ على الوثائق وجدولتها ونشرها ـ من دورها في التوضيح والبيان، بالقياس إلى «الماضي».

وفي المواطن التي يكون فيها تاريخنا المكتوب نادراً، أو إذا كان موجوداً، يتدخّل علم الآثار ليمدّ لنا يد العون بشكلٍ مناسب؛ ليرفع من معلواتنا «التاريخية».

وفي العقود الأخيرة شاع توظيف «التاريخ الشفهي» بوصفه أسلوباً لتعزيز المصادر التاريخية، ولا سيَّما في المجالات التي لا تتناولها التواريخ الرسميّة. إن هذا الجانب يُعتبر واحداً من أهمّ وأكثر الأدوات والمصادر شعبيّة، ويمكن أن يكون مؤثِّراً في تحسين التحقيقات التاريخية.

إلاّ أن الذي يرتبط ببحثنا هذا مسألة هامّة أخرى، وهي «الاستفادة من المخطوطات لتقويم علم التاريخ».

عندما نتحدَّث عن المخطوطات والتاريخ فإن واحداً من أبعاد ذلك فقط هو الاستفادة من النُّسَخ التاريخية التي تصلح للتحقيقات التاريخية بشكلٍ صريح. في حين يمكن للاستفادة من المخطوطات أن ينفعنا بمختلف الصور في أبحاثنا التاريخية، في مجال التاريخ السياسي والثقافة والاجتماع والديموغرافيا.

وفي ما يلي نستعرض عدداً من المسائل باختصارٍ.

 

أـ العثور على المخطوطات التاريخية؛ للعمل على تصحيحها ونشرها ــــــ

يمكن القول بضرسٍ قاطع: هناك الكثير من الآثار على شكل مخطوطات في المجالات التاريخية. ومن شأن نشر هذه الآثار أن يُظهر جوانب هامّة من تاريخنا الماضي. وفي هذا المجال يتعيَّن على أساتذة التاريخ أن يُشمِّروا عن سواعدهم قبل غيرهم؛ وذلك لتسلطهم على التاريخ ـ وبطبيعة الحال بعد استيعاب علم تصحيح النصوص ـ، للعمل على نشر هذا التراث. ومن الملفت أن نعلم أن هذه الآثار وإنْ كانت قد تبدو قليلة الأهمِّية بالقياس إلى النصوص التاريخية الرسمية، إلاّ أن بإمكانها أن تساعدنا في الكشف عن جوانب من تاريخنا. وعندما يتمّ الحديث عن «التاريخ» والمخطوطات في مجال التاريخ لا يكون المراد من المخطوطات ـ بطبيعة الحال ـ مجرَّد المؤلَّفات التي تعرَّضت للتاريخ بشكلٍ مباشر؛ فإن الكتب المصنَّفة في علم الرجال والسِّيَر والجغرافيا والرحلات، إلى غير ذلك من المجالات الأخرى الكثيرة التي يمكن أن تقدِّم لنا فائدة، مؤثِّرةٌ للغاية في الأبحاث والتحقيقات التاريخية.

 

ب ـ توظيف الملاحظات المدوَّنة على ظهر النُّسَخ ــــــ

يمكن للاستفادة من المفكرات والملاحظات المدوّنة في بداية وخاتمة النُّسَخ الخطيّة، أو حتّى تضاعيف هذه النُّسَخ، وما كتب على الصفحات البيضاء منها، أو حتّى الهوامش، أن يكون مؤثراً في تسليط الضوء على جوانب من التاريخ.

إن هذه الملاحظات قد وردت غالباً في مجال تاريخ الثقافة، وخاصّة «تاريخ الكتاب»، ويمكن لها أن تقع مفيدة على كلّ حال.

تحتوي بعض هذه الكتب على ملاحظات متنوّعة، وتبيّن تطوّر مسألة محدَّدة منذ قديم الزمان إلى الأزمنة اللاحقة. إن العثور على الكثير من تواريخ الولادات، أو حتّى الوفيات، وتاريخ انتقال ملكية الكتاب من شخصٍ إلى آخر، والملاحظات حول الحروب والكوارث الطبيعية وغيرها، يمكن الحصول عليها من خلال هذه الملاحظات والمعلومات المدوَّنة على ظهر هذه النُّسَخ. في حين أن ما يقلّ عن 1% من هذه المعلومات قد تمَّتْ الاستفادة منه في مجال النُّسَخ الفارسية والعربية والتركية.

ويبدو أن واحداً من الأعمال الضرورية في مسألة فهرسة المخطوطات هي إلزام المفهرسين بالضبط الصحيح لهذا النوع من الملاحظات. والآن حيث إن الكثير من الكتب المفهرسة التي لم يُشَرْ فيها إلى هذا النوع من الملاحظات يُمكن للمراكز التي تحتوي على المخطوطات أن تقوم بمشروعٍ تحقيقي تحت عنوان ضبط الملاحظات المدوَّنة على ظهر النُّسَخ، والعمل على جمع كلّ ما هو مفيد منها في مجلّدات، والقيام بنشرها؛ ليستفيد منها الباحثون والمحقِّقون في مختلف مجالات التاريخ.

ومن باب المثال: نذكر تقريراً عن ظهر نسخة من كتاب النهاية في الفقه الشيعي، من القرن الهجري السادس، والمحفوظة في مكتبة السيد المرعشي النجفي برقم (3126)، على النحو التالي:

من العشرة الأولى من جمادى الأولى من عام 595هـ. نرى على الورقة الأولى حيازة عبد الكريم التبريزي، والختم الدائري لـ «عبد الكريم بن السلطان محمد». كما نشاهد هذه الحيازة والختم في صفحاتٍ أخرى أيضاً.

وخلف الصفحة الأولى صورة ما نقل في نسخة ابن إدريس: «لقد أنهى ابن إدريس مقابلة النُّسخة في النجف الأشرف على نسخة المؤلِّف بتاريخ رجب من عام 573هـ، وكان عليّ بن يحيى بن علي وورّام بن نصر حاضرَيْن في مجالس المقابلة. كما قابلها الحسن بن أبي الفضل بن الحسين بن الدربي، بتاريخ: 570هـ، وابن شهريار الخازن ومحمد بن عليّ بن شعرة أيضاً.

وعلى الصفحة الثانية عنوان الكتاب واسم المؤلِّف، وأنها قوبلت بنسخة ابن إدريس التي كتبت بخط عليّ بن محمد بن السكون». وفي هذه الصفحة نشاهد الختم البيضوي «الفقير عبد الكريم»، و«على الله في كلّ الأمور توكُّلي عبده طاهر» أيضاً.

وعلى الصفحة التاسعة بيوغرافيا الشيخ الطوسي التي كتبها محمد مهدي بن الحاج محمد إسماعيل، بتاريخ الاثنين التاسع والعشرين من ذي الحجّة من عام 1256هـ. وفي ظهر هذه الصفحة مصادقة الشيخ بهاء الدين العاملي على خطّ وتوقيع المحقِّق الحلي الوارد في الصفحة المقابلة.

وعلى الصفحة العاشرة، التي هي الصفحة الأولى من الكتاب، الإجازة التي كتبها المحقِّق الحلّي لسديد الدين أبي الحسن بن أحمد، بتاريخ 654هـ.

وفي نهاية النسخة الخاتمة التي كتبها المحقِّق الحلّي، بتاريخ الثالث عشر من شوال سنة 645هـ.

إن هذا النوع من الملاحظات، التي يمكن أن تكون مصدراً هامّاً لتاريخ العلم والثقافة بين المسلمين، موجودٌ في المخطوطات بكثرةٍ.

وقد كتب السيد حسين المتَّقي مقالاً تحت عنوان: «عدد من الملاحظات المبعثرة على ظهر النُّسَخ»، (وقد طُبعت في احتفالية تكريم الأستاذ محمد علي مهدوي راد، قم، 1391هـ.ش، ص 467 ـ 483)، ويمكن من خلالها التعرُّف على نماذج من هذا النوع من الملاحظات.

وقد كان لكاتب هذه السطور مقالٌ في شرح ملاحظة على ظهر نسخة بشأن المجاعة الكبرى التي اجتاحت إيران عام 1288هـ، وقد تمّ نشرها في العدد الخامس من مجلة (بهارستان) الوثائقية.

ومن الملفت أن نعلم بأن الكثير من الملاحظات المكتوبة على ظهر النُّسَخ عبارة عن توضيحات أو أختام لوقف الكتاب.

إن لهذه الملاحظات قيمةً كبيرة للتعرُّف على الأُسَر ميسورة الحال، والمكتبات الهامّة على طول التاريخ، وكيفية الوقف وشرائطه، والوضع الاقتصادي في مختلف المراحل، والآراء الأخرى لهؤلاء الواقفين في الاهتمام بموضوعات الكتب الموقوفة، وسائر المسائل المختلفة الأخرى، وهي المسائل التي لم يتمّ التعرّض لها حتّى هذه اللحظة، إلاّ على نحوٍ محدود.

 

ج ـ توظيف مطالع وخواتم المخطوطات ــــــ

إن من بين المصادر التحقيقية الهامّة في التاريخ العبارات الواردة في مطالع وخواتم المخطوطات، وهو ما يُصطلح عليه بـ «حَرْد المتن» أو «الترقيمة»، ويُطلق عليه في اللغة الإنجليزية تسمية الـ (colophon).

وقيل في تعريف الترقيمة: «إنها تعني في مصطلح علم المخطوطات وعُرْف الناسخين: مجموعة من الكلمات والعبارات القصيرة أو الطويلة التي يكتبها الكاتب بعد فراغه من كتابة النصّ، والتي يدعو فيها ويبتهل ويُسبِّح الله، مع بيان كلمات الاستثناء ـ من قبيل: إنْ شاء الله ـ، ثم يذكر اسمه وعنوانه، ومكان وتاريخ كتابة الكتاب، وأحياناً اسم الذي أوصى بكتابة هذا الكتاب».

إن هذه الموارد، بالإضافة إلى ما يرد في مقدّمة الكتاب، تمثِّل شرحاً لسبب تأليف الكتاب، وعلّة تسميته، وضرورة تأليفه أو ترجمته، واسم الذي أُهدي له هذا الكتاب من الأمراء أو الملوك أو الخلفاء والسلاطين، والكثير من المسائل التي تنطوي على أهمِّيةٍ كبيرة لمعرفة التاريخ الثقافي للمرحلة التاريخية.

وفي الختام يتمّ إدراج تاريخ التأليف، وتاريخ الكتابة، واسم الكاتب، إلى غير ذلك من الأمور الأخرى الهامّة في التعرّف على تاريخ ثقافتنا.

إن للأستاذ (پور جوادي) مقالاً تحت عنوان: «أهمِّيت أنجامه ها در تاريخ فرهنگي شهرها» [مجلّة بهارستان، العدد الأول، السنة الثالثة، ربيع سنة 1381هـ.ش] تعرَّض فيها إلى ذكر نماذج من هذه الترقيمات، ومعطياتها بشأن تاريخ المدن. ويبدو أن من بين أهمّ المصادر لـ «التاريخ المحلّي» هي المخطوطات الموجودة في تلك المدينة والمنطقة.

إن من الأمور الملفتة في الترقيمات تحديد مكان كتابة المخطوطة. في هذه الموارد جاء ذكر اسم الكثير من المدارس الهامّة في العالم الإسلامي في القرون المنصرمة، والتي على أساسها يمكن الوصول إلى تاريخ هذه المدارس.

إن المقال المذكور، من خلال التأكيد على مجموعة من الكتب العرفانية والفلسفية منذ القرن السادس إلى القرن العاشر الهجريّين، يُثبت أيّ المدن الإيرانية كان يهتمّ بهذا النوع من العلوم.

وقد تمّ نشر مقالٍ آخر تحت عنوان: «أنجامه هاي أرمني سده هاي سيزدهم وچهاردهم ميلادي (السابع والثامن للهجرة)» بوصفه مصدراً لتاريخ الأرمن ومَنْ جاورهم، في العدد 39، من مجلة پيمان، الصادرة في ربيع سنة 1386هـ.ش، بقلم: روبرت بطرسيان، ترجمه إلى الفارسية: محسن جعفري مذهب.

النموذج الآخر مقالٌ تحت عنوان: «بررسي ترقيمه در چند نسخه أز مثنوي مولاناي روم»، بقلم: د. ريحانة خاتون، وتمّ نشرها في مجلة «زبان وأدبيات فارسي دانشگاه سيستان وبلوجستان»، السنة الثانية، ربيع وصيف سنة 1383هـ.ش.

كما تمّت كتابة ترقيمة نموذجية أيضاً عن كتاب «سراج اللغة»، والتي تشتمل على معلومات قيِّمة، وقد نشرت في مجلة بهارستان، العدد 5، السنة 1381هـ.ش، بقلم البيبليوغرافي البارز (عارف نوشاهي).

د ـ المخطوطة بوصفها «وثيقة تاريخية» ــــــ

بغضّ النظر عن الاستفادة من المحتوى العلمي للمخطوطات في التحقيق بشأن التاريخ، فإن المخطوطة في حدّ ذاتها تعتبر وثيقةً تاريخية، بمعنى أننا عندما ننظر إلى الآثار المتبقية عن القرون الماضية، من قبيل: الجسور والجدران والقصور والمساجد والمعابد، وما إلى ذلك من الأبنية التاريخية القديمة، بوصفها شيئاً تاريخياً، يجب أن ننظر إلى المخطوطة بوصفها شيئاً تاريخياً أيضاً.

وقد تمّ الاهتمام في القرون الأخيرة بأمر التحقيق بشأن الأبنية والآثار المعمارية، وقد اتَّضحت لنا مكانتها في بيان أبعاد من التاريخ، بعد أن لم تكن واضحة لنا قبل ذلك.

ولكنْ ما الذي يمكن أن نفعله بالمخطوطة؛ لنكون قد أدَّينا حقَّها بوصفها وثيقةً تاريخية؟

عندما تكون بحوزتنا مخطوطةٌ من القرن الهجري السادس يمكن أن نقوم بالعديد من أنواع التحقيقات بشأنها.

وفي الدرجة الأولى تعتبر أوراق المخطوطة، بوصفها ظاهرة حضارية، قابلةً للدراسة، حيث نبحث فيما إذا كان هذا الورق من بُخارى أو إصفهان أو غيرهما.

وفي الدرجة الثانية يحظى الحبر المستعمل في الكتابة على هذه الأوراق بأهمِّية كبرى، حيث نصل من خلاله إلى الأدوات التي كان الناس يستعملونها للكتابة في ذلك الحين. يضاف إلى ذلك أنواع التذهيب، وكيفية الخطوط، وأبعاد السطور والصفحات، والتجليد، وما إلى ذلك من المسائل الأخرى التي تحظى بأهمِّية كبيرة من الزاوية التاريخية والحضارية.

إلاّ أن العالم الإسلامي لا يزال يعاني في هذا المجال ضَعْفاً، وافتقاراً إلى المختبرات المزوّدة بالأجهزة الحديثة والمتطوّرة؛ لدراسة وتقييم هذا الكمّ الهائل من المخطوطات المنتشرة في جميع الأقطار الإسلامية المختلفة. وفي هذا المجال يمكن القيام بمئات التحقيقات والأبحاث حول الآثار المتنوِّعة التي تعود إلى مختلف القرون المنصرمة.

هـ ـ تحقيق في عموم المخطوطات بلحاظ التبويب الموضوعي؛ لمعرفة تاريخ الثقافة ــــــ

هناك مجموعة كبيرة من المخطوطات الإسلامية بمختلف اللغات العربية والفارسية والتركية، وحتّى الأردية وغيرها، في مختلف الأقطار الإسلامية، وفي المكاتب الكبيرة والصغيرة، وقد يصل عددها إلى ما يقرب من مليون مخطوطة.

إن هذه المخطوطات تمثِّل تراثاً وصل إلينا من القرون الماضية، ولم يتمّ التعرّف بدقّةٍ إلا على 20% منها فقط.

وبطبيعة الحال إن وظيفة التعرّف على هذه المخطوطات تقع على عاتق الخبراء في الكتب والمخطوطات، أما المؤرِّخون فما الذي يمكن أن يفعلوه تجاه هذه المجموعة من المخطوطات، بالإضافة إلى التصحيحات الجزئية والموردية عليها؟

إن أوّل ما يمكن فعله من هذه الزاوية تجاه هذه المجموعة الكبرى هو العمل على تبويب وتصنيف هذا التراث من الناحية العلمية والحضارية. ويجب القيام بهذا الأمر على عدّة مستويات:

أوّلاً: أن نعرف ما هو القرن الذي تنتمي إليه المخطوطات الواصلة إلينا. فمن المهم جدّاً معرفة ما هي الآثار المتوفِّرة لدينا منذ القرن الهجري السادس إلى القرن الهجري الرابع عشر.

ثانياً: أن نعلم ما هي العلوم التي تتناولها هذه المخطوطات؟ فهل هي علوم دينية أو فلكية أو طبية أو رياضية أو أدبية أو غير ذلك؟ يمكن لهذا التبويب أن يعمل على بناء القواعد التاريخية لأدبياتنا، ويرفع من مستوى معلوماتنا.

ثالثاً: تبويب المخطوطات على أساس الأقطار والبلدان، وبيان ما هي المخطوطات التي تنتمي إلى ذلك القطر المعيَّن، وما هو العلم والتحقيق الذي يحظى بأهمِّية أكبر في ذلك القطر المحدَّد؟ وبعبارة أخرى: ما هي الجغرافية الحضارية لنا، الممتدة من خراسان إلى العراق والشام ومصر، وصولاً إلى المغرب، التي تتوفَّر على تراثٍ مكتوب في مختلف العلوم؟

وفي القسم الأخير يمكن لنا أن نقتفي آثار الفقه الحنفي إلى ما وراء النهر بكلّ يُسْرٍ. كما أن الكثير من تراثنا الأدبي موجودٌ في دائرة خراسان، وإنّ أكثر تراثنا الرجالي في العراق والشام، كما أن التراث الزيدي والمعتزلي يتوفَّر في اليمن. وعلى هذا الترتيب يمكن لنا التعرّف على دوائر أضيق، والعمل على إحصاء المخطوطات فيها.

إنه من خلال دراسة هذه المجموعة الكبيرة من المخطوطات يمكن لنا أن نتوصّل إلى مزيدٍ من المعلومات بشأن مسار تطوّر العلم، وأسباب ازدهار الفكر من جهةٍ، وأن نتعرَّف على نقاط ضعفنا من جهةٍ أخرى.

 

فصل حول عشق آباد، مقتبس من مخطوطة يعود تاريخها إلى شهر شوال من عام 1315هـ، الموافق لشهر مارس من عام 1897م ــــــ

نحن الآن في مدينة «عشق آباد»([1]). وأودّ أن أقدّم للضيوف مخطوطةً عثرت عليها ضمن مجموعة تعود ملكيّتها لبعض الأسر الإصفهانية، وتشتمل على بعض المعلومات حول مدينة «عشق آباد».

إن هذه المخطوطة عبارةٌ عن رحلة لشخصٍ إيراني قام بها في شوال من عام 1315هـ، الموافق لشهر مارس من عام 1898م، أي الشهر الذي نحن فيه الآن. وقد انطلقت الرحلة من مدينة إصفهان باتجاه مدينة مشهد، ومنها إلى نقطة الجمارك على الحدود الإيرانية التركستانية، وبعدها إلى «عشق آباد»، ومن هناك إلى «شهر نو»، ليصعد من هناك على متن سفينة متَّجهة إلى مدينة «باكو»، ومنها إلى إسطنبول، ليتَّجه منها إلى أداء فريضة الحجّ.

إن هذه الرحلة التي تمَّتْ إلى مدينة «عشق آباد» بوسائط النقل المتعارفة، تواصلت من هناك بواسطة القطار، ثمّ على متن البحر والسفن. ومن الواضح أن المسافر العادي لا يمكنه التعرُّف على كلّ شيءٍ بدقّة وتدوينه أثناء تجواله، ولكنه على كلّ حال يعمل على رصد ما يراه بشكلٍ يومي، ويضبطه كتابةً. ويمكن لهذه المعلومات أن تكون قيِّمةً من وجهة نظر الباحث والمحقّق. وفي هذا المجال مهما كانت معلوماتنا بشأن التاريخ كبيرة، أو مهما امتلكنا من الوثائق في هذا الشأن، يمكن لبعض المعلومات، ولو في إطار تدوين رحلةٍ، أن تكون قيِّمةً بالنسبة لنا، مهما كانت بعض المعلومات الواردة فيها ناقصةً أو خاطئة. [ملاحظة: العناوين منتخبةٌ من قبلنا].

 

القسم الخاصّ بالوصول إلى تركستان، والخروج منها ــــــ

تحركنا يوم الخميس الثامن [من يوم] الانطلاق، والعاشر من شهر [شوال]، بعد ما يقرب من ساعتين من طلوع النهار، باتجاه النقطة الجمركية الواقعة في آخر الأراضي الإيرانية، وبعدها نصل إلى النقطة الجمركية في أرس [روسية]، التي تقع في بداية أراضي أرس، ومن «درآباد» إلى هناك مسافة أربعة فراسخ. وقد قطعنا كامل المسافة ما بين جبلين، إلاّ أن قاعدتي الجبلين كانتا تقتربان من بعضهما في بعض المراحل، حتّى يكون الطريق أشبه بدهليزٍ طويل، ثمّ تأخذ القاعدتان بعد ذلك بالتباعد. ولم يكن هناك من وجود لذلك النهر في هذه الأمكنة. وكلّ ما كان هناك عبارة عن جبال شاهقة مرتفعة إلى عنان السماء. كان شجر الأرس [السرو الجبلي] ينمو في تلك الجبال بكثرةٍ، حتّى غطّت الجبال بأسرها. وكان منها ما يعود إلى الأزمنة السحيقة الضاربة في القدم، وكان منها الصغير جدّاً. وهي أشجارٌ دائمة الخضرة، حتّى في فصل الشتاء، مثل: السرو والسنديان. وكانت نارها سريعة الخمود، فما أن تحترق حتّى تسوَدّ، وما أن تضعها على رأس النرجيلة حتّى تصبح سوداء دفعةً واحدة. وهي ذات جودة عالية بالنسبة إلى الصاغة والحدّادين. يقال: إنها لا تبلى في الأرض. وهي جيِّدةٌ لكي يُتَّخذ منها أعمدة للتلغراف. وإنّ أغلب الخشب في هذه النواحي إلى «عشق آباد» هو من هذا النوع. ويقال أيضاً: يمكن العثور في هذه الجبال على أنواع جيِّدة من الريباس [ريواس]، بحجم معصم اليد، وهو في غاية الحموضة، ولا يحتوي على وزنٍ كبير.

يقع هذا المنزل على الحدود الإيرانية، والطرق إليه في غاية الصعوبة والغرابة. وكلّها يمرّ عبر الجبال. وقد تمّ شقّ طريقٍ عبر الجبل، يلتوي مثل أفعى من سفح الجبل، ليصل بالتدريج إلى منتصفه، ويصعد من المنتصف، الأعلى فالأعلى، حتّى يصل في بعض المواطن إلى القمّة، ليستمر بعد ذلك آخذاً في الانحدار نحو الوسط، وصولاً إلى السفح، ليصعد بعد ذلك نحو الوسط والأعلى، وهكذا دواليك حتّى يتمّ الصعود والنزول مراراً وتكراراً، وقد تضطرّ أحياناً إلى سلوك الطريق ذهاباً وإياباً لعدّة مرّات، قد تبلغ مرتين أو ثلاث، وحتّى أربع أو خمس مرّات، حتى تكون على الطريق الصحيح.

وعندما أكون في أعلى الجبل يبدو أولئك الذين لا يزالون في الأسفل مثل الغربان السُّحْم، فكان المشهد يثير في النفس الكثير من الخوف والفزع. الأمر الذي اضطرني إلى الترجُّل عدّة مرّات، ومواصلة ما يقرب من الفرسخ من الطريق أو يزيد على ذلك مَشْياً على الأقدام. وقد سقطت لنا عربتان أو ثلاث عربات عند منحدر الجبل، وسقطت معها الخيول أيضاً. كما تهاوَتْ عربةٌ لنا على بُعْد ميدان من الوصول إلى المنزل، مع أن الأرض كانت منبسطةً، ولم يكن هناك جبلٌ! فتأخَّرنا لذلك فترة، ساعدنا فيها الحوذي لإصلاح تلك العربة المحطمة، والتي لم تكن تحتوي على غطاء. وتنبّهت هنالك إلى أن الله يريد منا الإفاقة من غفلتنا، والإيمان بأنه هو وحده الحافظ والحامي؛ حيث ألقى في روعنا أنّه يقول: كلما كان الفزع والخوف مسيطراً عليكم حفظتكم، وحيثما اطمأننتم وكلتكم إلى أنفسكم وتركتكم وشأنكم؛ لتعلموا أن لا حافظ سواي.

يقال: إن هذا الطريق الملتوي قد بدأ شقّه على يد أرس [روسية]، من عشق آباد ليصل إلى نقطة الجمرك في إيران، ثمّ قام «حاجي ملك» من جهته بتعبيد طريقٍ يصل إلى هذا المكان. وهناك روايةٌ تعكس هذا الأمر. والعلمُ عند الله. وعلى أيّ حالٍ فإنه طريقٌ عجيب وغريب. ولا يمكن لشخصٍ أن يتصوّر مدى غرابته حتّى يراه بعينه. فهو على هذه الشاكلة، حيث يجتاز الجبال والوديان والبطاح، وصولاً إلى الفرسخ الأخير المتبقي للوصول إلى «عشق آباد»، حيث نصل إلى غيطة. ومن هناك بيداء منبسطة، بل على شيء من الانحدار الانسيابي، الأمر الذي يسهِّل حركة العربات، ويزيد من سرعتها واندفاعتها. وهناك أدركت حُسْن العربة في البيداء المنبسطة الخالية من الصقيع والأزهار، وإلاّ لن يكون الطريق مريحاً في غير هذه الحالة، بل هو مذمومٌ، ومفعم بالعقبات التي تعيق الحركة.

ضبط التذاكر، وتفتيش بضائع المسافرين ــــــ

الخلاصة أننا قد بلغنا نقطة الجمارك قبل الغروب بساعتين. كان هناك منزل مريح. الحمد لله شعرنا بارتياح. ولكنْ ما الفائدة؟ فقد تمّ تزويدنا هناك بلحم الوعل. وقد أضرمنا النار تحته لثلاث ساعات متتاليات من أوّل الليل، دون أن تفلح في إنضاجه، حتّى لم نتمكَّن من مضغه، وبقي منه مقدار النصف، فرميناه بعيداً.

وفي الصباح، حيث تهيّأنا للرحيل، جاء مندوب رئيس الجمرك؛ لأخذ التذاكر وفحصها، فبعثت معه الميرزا رضا. وعند عودته أثنى كثيراً على أدبه ورجاحة عقله وعطفه. أخذ عن كلّ شخص قراناً([2])، وأعفاه وأعفاني عن دفع القران. وبعد ساعةٍ من طلوع النهار ركبنا العربات قاصدين منزلاً آخر.

يوم الجمعة، اليوم التاسع من انطلاقتنا، والحادي عشر من شهر [شوال]، تحرّكنا من نقطة الجمارك الإيرانية إلى «عشق آباد». المسافة إلى هناك تقدَّر بستة فراسخ، ولكنْ حيث تأخَّرنا في نقطة الجمارك الروسية لم نذهب إلى هناك، وأقمنا في نزلٍ بَنَوْه حديثاً على مسافة ثلاثة فراسخ، حيث بتنا ليلتنا هناك. فبعد أن قطعنا مسافة نصف فرسخ من النزل دخلنا الأراضي الروسية. وأوّل ما طالعتنا عمارات روسية، يبدو أن الروس كانوا في السابق قد اتّخذوها نقطة جباية لهم، ولكنّها الآن خالية. فتجاوزنا ذلك المكان، حتّى وصلنا على رأس الفرسخ إلى نقطة الجمرك الروسية، فنزلنا ونزل الناس بأجمعهم، وأنزلوا أمتعتهم وأثاثهم، من أدواتهم وما إلى ذلك، ونشروها على الأرض، وانتظروا وصول رئيس الجمرك الروسي؛ لتفتيشها والبحث فيها. وقد حذَوْنا حَذْوَهم بدورنا، وكنّا ننتظر مثلهم، حتّى جاء رئيس الجمرك، وكان معه شخصٌ إيراني يرتدي ثياباً مثل ثيابه، فكان عناصره يفتشون في الأثاث والأدوات وهو يراقب الوضع من بعيدٍ، وكانوا يعزلون كلّ بضاعة مشمولة للضريبة الجمركية. الحمد لله لم يكن في أمتعتنا بضاعة يشملها الجمرك. ثمّ طلبوا منّا التذاكر؛ لفحصها. كان وصولنا قبل الظهر بثلاث ساعات تقريباً، وقد تمّ إيقافنا وتأخيرنا حتّى حان وقت صلاة الظهر، فتوجَّهْتُ مع الميرزا رضا ناحية الصحراء، وصلَّيْنا هناك. وبعد عودتنا مكثنا ساعتين؛ حتّى أعادوا إلينا التذاكر.

انطلقنا من هناك قبل ثلاث ساعات من الغروب. إنه لمن الظلم الكبير على الزائرين والحجيج، حيث يتمّ فتح بضائعهم على تلك الشاكلة، ويتمّ إيقافهم وإجبارهم على الانتظار، وتأخيرهم وإعاقتهم عن الحركة. يقولون: إن غايتهم البحث عن الترياق والفيروزة، وإنْ وجدوا ترياقاً في بضاعة أحدهم أرسلوه إلى سيبريا. يقولون: إن تقاليدهم تقضي بإعاقة الناس مدّةً معينة. ورأيت فيهم سيدة منهم، ترتدي زيّاً عسكرياً، وتنتعل جزمة، وهي تشرف على تفتيش أثاث الناس وخَزْنات النساء. ويبدو أن هذا الموقع الجمركي كان حديث العمارة، حيث رأينا بعض النجّارين والعمّال منهمكين في عملهم. وقد كان هناك بعض العمارات التي بنيت على عجلٍ، ويجري إلى جوارها خيط ماء رفيع. تبلغ أوّلاً أربع جدران منخفضة، ذات بوّابة عريضة ومنخفضة، ثمّ تذهب بعد ذلك إلى ما يُشبه هذه العمارة، وهي مدوّرة أيضاً، ولها باب عريض ومنخفض تلج منه، ليقابلك بابٌ مماثل تخرج منه، وعلى كلّ باب هناك حارس واقف، يحمل سيفاً، وتحت إمرته عددٌ من الجنود يناورون في النهار، وكان لكلّ واحد منهم حصان، وقد تمّ جمع علف جافّ من تلك الصحراء؛ ليكون طعاماً لخيلهم. ورأيت هناك حماماً من جميع الأصناف، وكان هناك دجاجٌ وديوك إيرانية وهندية أو شامية، كما كان هناك الكثير من البطّ.

خلاصة القول: إننا غادرنا ذلك المكان قبل الغروب بثلاث ساعات. وفي أثناء المسير، وعلى بعد خطوات، نصبوا على جانب الطريق حجراً صبغوا منتصفه باللون الأصفر، وحول اللون الأصفر لون أسود، وكتبوا عليه شيئاً بالخط الإفرنجي. قيل: إنه للدلالة على فواصل المسافات، حيث وضعت على مسافة ربع فرسخ، ونصف فرسخ، وفرسخ. كما كانت خشبات التلغراف عالية ومستقيمة على ارتفاعٍ واحد، وعلى كلّ واحد منها كتب شيءٌ لم أفهم مضمونه، قال البعض: إنها تشير إلى أرقام الأعمدة. وفي هذا المسير سلكنا في أغلب الأوقات طرقاً جبلية، من تلك الطرق الملتوية، ومضافاً إلى الجبلين اللذين كانا على يميننا وعلى يسارنا، كان هناك جبلٌ شاهق يمتدّ أمامنا لفترةٍ زمنية طويلة، وكأنّه كان يشتمل على علامة برجية عند كلّ بضعة خطوات. وقد حُجِب أعلى هذا الجبل بالغيوم والضباب، وقد مشينا صعوداً حتّى دخلنا في تلك الغيوم، وكنا ننزل منه لنصعد مرّةً أخرى. وكانت هذه الجبال والأراضي المحيطة بها مخضرّةً بأجمعها.

كلّما اقتربنا من عشق آباد كانت الأرض تزداد خضرة. يقال: بعد أيام من العيد تصبح هذه الجبال والأودية خضراء ومزدهرة، ويبلغ ارتفاع الكلأ إلى منتصف الإنسان، وسيغدو بالإمكان العثور على جميع أنواع الأزهار والأقاحي. يقولون: لا يوجد في إيران رياضٌ خضرة ونضرة على مثل هذا الحسن والجمال. ونفس هذا العلف الذي يُتَّخذ طعاماً للماشية في الصيف رطباً يعلفونه لها في الشتاء يابساً. وحيث لا يمارس الناس الزراعة هنا على نطاق واسع تجد شحّاً في التبن.

وفي أثناء الطريق صادفنا عربة جندي جلس في مقدّمتها شخصٌ روسي، بينما كان هناك بعير داخل العربة. كان المشهد مثيراً للضحك.

قبل الغروب وصلنا إلى نُزُل، قيل: إن اسمه «الماء الساخن». كان هذا النُّزُل نصف مكتمل. وعندما تخرج منه تواجه جبلاً، في أسفله حفرةٌ يفور منها ماءٌ قليل جدّاً، وطعمه على شيءٍ من المرارة في الجملة. وكانوا يمتحون ما يصلح للشرب منه من البئر. أمضينا الليل في حجرةٍ اقتسمناها مع شخصين من أتراك تبريز. وقد أخذوا عن كلّ شخص عشرة شاهيات([3]) أجرة على المنام. لا يتمّ التعامل هناك بالنقود الإيرانية، أو إنهم نادراً ما يتعاملون بها. وكان هناك مساكن وقبور للروس أيضاً.

يوم السبت، التاسع [عاشر أيام] انطلاقتنا، والثاني عشر من شهر [شوال]، مع بزوغ الشمس بدأنا الانطلاق باتجاه «عشق آباد». وكانت المسافة التي تفصلنا عنها تقدر بثلاثة فراسخ. وكان ما يزيد على نصف هذه المسافة عبارة عن طريق جبلي طوّح بنا صعوداً ونزولاً، مثل: الطرق السابقة، مع فارق أن الجبال والوديان في هذه المناطق كانت أشدّ خضرة. وقبل الوصول إلى «عشق آباد» بفرسخٍ واحد وجدنا أنفسنا في أحضان مراتع وأودية منبسطة، وعلى الرغم من برودة الطقس كانت مخضرّة ومزدهرة بشكلٍ بهيج. وعلى مسافة نصف فرسخ صادفنا جنوداً وفرساناً من الروس يستعرضون قوتهم في الصحراء على وقع العَزْف الموسيقي. كان المشهد يستحقّ الرؤية. كان عدد العساكر في حدود أربعة أو خمسة أفواج، وكان جميع الجنود يرتدون زيّاً موحّداً، وكان كلّ واحد منهم يحمل خلفه حقيبة ظهر بيضاء، وقد شُدّت إليها زجاجة نبيذ، وعلى كتف كلّ واحد منهم سدارة مطوية ذات لون واحد، وكان كل واحد منهم ينتعل جزمةً طويلة الساق، وكان بالإمكان مشاهدة الكثير من الخيّالة. وكانوا على عدّة مجموعات، ومن بينهم فوج خيّالة من الترك. وكان الجميع يرتدي ذات الزيّ الموحّد، وحتّى الترك الذين كانوا من رعايا الروس لم يتميَّزوا منهم في الملبس، ومع ذلك كنْتَ تعرفهم وتميِّزهم من خلال الذلّ والهوان الذي بدا عليهم، وكان على كلّ عشرة منهم رقيبٌ من الروس…

 

عشق آباد ــــــ

عندما بلغنا أبنية المدينة وصلنا إلى حجرات الجُنْد. وبعد مدّة وصلنا إلى بئر مسقّفة، حيث وضع عليها ما يُشبه المنارة. قالوا: إنها بئرٌ قد بدأوا حفرها منذ زمن بآلات متطوّرة؛ للوصول إلى مصدر مائها الذي لا قرار له، وعندها سوف يتدفّق الماء منها مثل: النافورة، وقد أنفقوا على حفرها حتّى تلك اللحظة ثمانين ألف مناط([4])، بل أكثر من ذلك، ولم يصلوا إلى مصدر الماء، وقد قدَّروا ضرورة تخصيص أربعين ألف مناط آخر؛ للوصول إلى النتيجة المطلوبة.

ومن هناك وصلنا إلى المنازل السكنية والشوارع. يا لها من عمارت أنيقة ورائعة. كان على يمين الطريق ويساره حدائق وأشجار تمتدّ لربع فرسخ، وكانت البيوت والمساكن قائمة في تلك الحدائق. لا تحتوي المدينة على قلعة. كان الطريق على مسافة نصف فرسخ على هذه الشاكلة، من بدايته وحتّى منتهاه. يتوسّط المدينة ميدان كبير، تقوم على محيطه محالّ تجارية في غاية الأناقة والنظافة، وللمدينة شوارع طويلة وعريضة جدّاً. وبعد كلّ بضعة خطوات تتفرَّع الشوارع إلى طرق عن اليمين والشمال، وفي جميعها دكاكين جميلة للغاية على كلا الطرفين. لجميع الدكاكين أبواب كبيرة وعريضة مزجَّجة حتّى النصف، وأصحابها حريصون غاية الحِرْص في أمر تنظيفها، وكنس مقدّمتها، ويحتوي أغلبها على تأطير خشبيّ جميل في واجهاتها.

يحتوي كلّ شارع على ساقية ماء حجرية صغيرة على اليمين واليسار، وتحتوي أغلب البيوت على حجرات تطلّ على الشارع بشبابيك زجاجية. كان في المدينة كنيستان أو ثلاثة، وكنيسة أخرى قيد الإنشاء. وكان في المدينة مسجدٌ في غاية الروعة والجمال، وقد تمّ بناؤه حديثاً، ولم يكتمل منه سوى النصف، وقد أوصى ببنائه الأتراك الذين يقيمون هناك، وهو ما باشروا به، ولهم إمامُ جماعة، هو الآخر من الأتراك أيضاً. وهناك في المدينة حمّامات جميلة. ومن بينها: حمّام البابيين. وقد قصدناه برفقة المشهدي جواد الإصفهاني ـ الذي يمارس الآن البقالة هناك ـ؛ لمجرّد الفرجة. كان لنظافته جديراً بالثناء. كان منزلنا في بناية الحاج محمد تقي الميلاني، الذي يُقال: إنه شيخي [العقيدة]. أقمنا في واحدةٍ من الحجرات العليا، التي تحتوي على باب مطلّ على الشارع والسوق. يقع هذا النُّزُل في وسط الميدان. يقولون: لا يوجد هناك نُزُل أفضل من هذا النُّزُل. كما يشتمل هذا النُّزُل على حمّامٍ ومخزن للماء. يقال: إن بناء المدينة يعود إلى ثمانية عشر عاماً، وقبل ذلك لم يكن هناك أيُّ بناء فيها، وكلُّ ما كان هناك بيداءٌ ينبت فيها الكلأ. سبق للأتراك أن أقاموا هناك خياماً وبيوتاً من القصب، واشتغلوا بزراعة الجت، ويجلبون المياه من على مسافة فرسخين. ثمّ جاء الروس، وأخذوا المكان منهم، وجعلوهم من رعاياهم، وبنوا المدينة منذ ذلك الحين. توجد حالياً أربع قنوات للماء، وهناك مشاريع جديدة لحفر المزيد من القنوات المائية، وبناء المزيد من الوحدات السكنية.

 

مدينة كُفْرٍ عجيبة! ــــــ

أما سكانها فهم خليطٌ من مختلف الأعراق والأديان والمذاهب؛ ففيهم السنّي، والاثني عشري، بالإضافة إلى الروس بطبيعة الحال، فهم السكان الأصليون، والجميع ممتزجٌ بعضه ببعض. وليس هناك ما يُشير إلى سعيٍ منهم إلى تجنُّب بعضهم لبعض. تخرج النساء الروسيات سافرات، مثل: الرجال، ولا يتورَّعْنَ عن الاختلاط بهم، وغالباً ما يتقدَّمْنَ على رجالهنَّ عند المشي في الطرقات، بل يقدِّم الرجال لهنَّ فروض السمع والطاعة. تقع على عاتقهنَّ مهمة البيع والشراء. لا تخرج الواحدة منهنَّ إلاّ برفقة كلبها، وهناك منهنَّ مَنْ يحملْنَ كلابهنَّ على أيديهنَّ. فإنْ طمعَتْ امرأةٌ في رجل اصطحبَتْه معها، دون أن يملك زوجها حقَّ الاعتراض، بل إذا كان الرجل يضاجعها في الغرفة المجاورة لا يجرؤ الزَّوْج على الدخول أو الاحتجاج على ما يقومان به. كانت هذه هي تقاليدهم وأعرافهم، دون أن يرَوْا فيها قبحاً أو محذوراً. كان الرجال يغتسلون مع النساء في حمّامٍ واحد، يا لها من مدينة كُفْرٍ عجيبة!

وقد تمَّتْ عليهم النعمة من جميع أطرافها. فهم يتمتَّعون بجميع وسائل الراحة والرفاه. فطحين خبزهم ـ على سبيل المثال ـ من لباب القمح، الذي لا يوجد ما هو أكثر جودةً منه في العالم، ولكنّ جميع البضائع عندهم غالية، والنقود متوفِّرة بكثرةٍ. والعربات متَّصلة ببعضها في الطرقات، لا ينقطع تردُّدها في جميع الدروب، منذ الصباح وحتّى المساء، ومن المساء إلى الصباح. لا يمكن النَّوْم بسبب الأصوات التي تحدثها العَرَبات. وهناك الكثير من الخيول [العَرَبات] الحديدية والخشبية. رأيت شخصاً كان قد اعتلى واحدةً منها ـ وربما كانت من الحديد أو الفولاذ ـ، وما أن حرَّك رجله حركةً مسرعة حتّى غاب عن الأنظار فجأةً. وهناك تفاصيل كثيرة، لا فائدة من ذكرها سوى استهلاك الأوراق.

وعلى كلّ حال لا زلتُ أرى بلادنا من جميع الجهات أفضل من جميع هذه البلاد الكافرة، رغم أناقتها الظاهرة. فحيثما أمكن للمَرْء أن يحافظ على عبادته وطهارته ونقائه فإنّ يوماً واحداً من حياته يفوق في الفضل مئة ألف يومٍ من أيّام هؤلاء.

يوم الأحد الثالث عشر [من شوال] بقينا في «عشق آباد». وفي ليلة الاثنين بدأت السماء قرابة الصبح تهطل نتفاً من الثلج. وبعد طلوع الصباح بساعتين شددنا الرحال، وانطلقنا؛ لنواصل مسيرنا.

 

الانطلاق من «عشق آباد» بالحافلة [القطار] ــــــ

يوم الاثنين، الرابع عشر [من شوال]، بعد ساعتين أو أكثر من طلوع النهار، تمّ إنزال أثاثنا وبضائعنا من القطار، وصعدنا بدورنا في عَرَبة، بعد أن نزلنا من القطار. وفي بداية الأمر تمّ وضع جميع الحجّاج في غرفةٍ كبيرة. وكانت تلك الغرفة تحتوي على جميع أدوات الأكل والشرب. وكان الكلّ منشغلاً بأمره. ثمّ تمّ تزويد كلّ شخصٍ منا بتذكرة للذهاب، وتأخرنا شيئاً قليلاً عند القطار. وكان هناك بعض الثلج الذي يهطل من السماء، ومكثنا إلى الساعة الرابعة في واحدة من غرف القطار، التي تبدو من بين أسوئها حالاً، ولكنّ الذي يهوِّن الخطب أنها لم تضمّ روسياً أو خارجاً عن المذهب. ينطلق صوت صفيرٍ لثلاث مرّات: الأولى للإيذان بالاستعداد إلى الانطلاق؛ والثانية للصعود؛ والثالثة للانطلاق. وبعد انطلاق الصافرة الثالثة لن يكون هناك من توقُّفٍ أبداً، فإنْ تخلَّف شخص سيبقى هناك، وإذا أراد اللحاق تعيَّن عليه دفع تذكرته إلى قطارٍ آخر، وانتظار انطلاقته، والسفر على متنه.

القطار واسطة نقلٍ جيِّدة، لا يمكن تصوُّر ما هو خيرٌ منها، حيث يجلس الفرد في غرفة دافئة ومضيئة؛ إذ يتوسط الغرفة مدفأة تضطرم النار في داخلها، وأبواب الغرفة محكمة الغلق، وعليها زجاج يمكن للمرء مشاهدة الفضاء الخارجي من خلالها إلى أبعد المَدَيات، هذا والقطار يسير بأقصى سرعته، حيث يقطع خمسة فراسخ إلى ستّة في الساعة الواحدة، يطوي منزلاً من الطريق طويلاً دون أن يخلف الكثير من الاهتزاز، كما هو محميٌّ من البرد والثلج والصقيع والطين. يمكنك القيام ـ وأنت في داخله ـ بكلّ شيء، من ارتشاف الشاي، وتدخين النرجيلة، والاستغراق في النوم، أو القراءة والمطالعة.

في أوّل الوقت كنتُ على وضوء، وما أن وصلنا إلى المنزل [المحطة] حتّى عمدنا إلى تحديد اتجاه القبلة، وأقمْتُ الصلاة. ثمّ أضرمنا النار في السماور، وبدأنا بإعداد الشاي. تناولنا الشاي، ودخّنا النرجيلة عدّة مرّات، وتلوْتُ جزءاً من القرآن الكريم، ونمْتُ في الليل نوماً عميقاً إلى وقت السَّحَر. كنّا مع قادة الحملات والحجّاج من سبزوار في غرفةٍ واحدة، وقضينا معهم وقتاً ممتعاً.

تحتوي كلّ محطة على مدينةٍ عامرة. لا يتوقَّف القطار في بعض المحطات لأكثر من عشر دقائق؛ وذلك لغاية التزوّد بالمياه، أو الوقود، ثمّ يواصل طريقه. وصلنا إلى مدينة جميلة الأبنية. قيل: إنها مدينة الموصل! ثمّ وصلنا إلى مدينةٍ كانت الأبنية فيها أجمل، وكانت العمارة فيها أفضل وأكثر. هنا غزل أرباط [كذا]. وقف القطار هناك مدّةً أطول، فقد استمرّ وقوفه ساعةً كاملة، دون معرفة السبب. كانت المنازل في هذه البلدة بأجمعها روسية، وهي في غاية النظافة والأناقة والبهاء. كانت تقع دائماً على يسارنا عند الرحيل، وفي المساء كان هناك مصباحٌ مضيء على باب كلّ بيتٍ من تلك البيوت، وعلى طريقه مصباحٌ يتحلَّق عددٌ من الناس تحت ضوئه. قيل: إن هذه البوادي كانت منازل للترك. ولا يزالون يمتلكون البيوت فيها. وعلى اليمين تكثر البيوت والخيام. وعلى جهة الشمال عند المجيء كان هناك جبلٌ، وعلى اليمين لم يكن هناك جبلٌ. قالوا لنا: إن هذا هو جبل إسترآباد. وإن تلك الناحية من إسترآباد وشاهرود تقع ضمن الحدود الإيرانية، وأما هذه الناحية فقد كانت بيد الأتراك سابقاً، أما الآن فهي خاضعةٌ لسيطرة الروس.

وفي الحقيقة فإن الطريق الذي سلكناه كان يؤدّي في العودة إلى مدينة مشهد المقدَّسة. وفي الصباح، على مسافة منزل من مدينة «شهر نو» [=كراسنودسك أو تركمن باشي]، وصلنا إلى بحر القلزم [مازندران]، حيث أمكن لنا مشاهدته من جهة اليسار، وعلى اليمين كان هناك جبلٌ، فسلكنا بضعة فراسخ، على امتداد سفح ذلك الجبل وساحل ذلك البحر، حتّى وصلنا إلى مدينة «شهر نو». قالوا: تفصل المسافة من «عشق آباد» [إلى «شهر نو»] خمسة وأربعين منزلاً، ولكنّنا طويناها في يومٍ وليلة.

 

«شهر نو» على ساحل بحر مازندران، وركوب السفينة ــــــ

يوم الثلاثاء، الخامس عشر من [شوال]، بعد قرابة ساعتين من طلوع النهار، وصلنا إلى مدينة «شهر نو». كانت هذه المدينة في أوّل أمرها قريةً، وقد آلت بعد ذلك إلى الخراب. ومنذ سنتين أقام الروس على أنقاضها مدينةً جديدة. تقع هذه المدينة على سفح الجبل، وعلى ساحل بحر القلزم. وهي تحتوي على شوارع وأبنية جميلة على غرار «عشق آباد»، ولكنّها ليست على مثل كثرتها، وإنّما قريبة منها. كان الطقس بارداً جدّاً، مع شيء من النسيم، وكانت السماء غائمةً أيضاً. وبعد أن نزلنا وأنزلنا حوائجنا توجَّهنا إلى المقهى، حيث تناولنا الشاي، وقمنا بتدخين النرجيلة. وقمْتُ بتجديد وضوئي هناك.

ثمّ توجَّهْنا إلى حيث مرسى السفن. وقبيل الظهر صعدنا على متن سفينة، وكانت سفينةً سيِّئة. كانت تحمل الكثير من البضائع، وتحتوي على غرفةٍ واحدة اتَّخذ منها الروس مكاناً لهم. وكان عنبر السفينة مشحوناً بأكياس القطن. وقد استقر السبزواريون في مقدَّم السفينة أمام تلك الغرفة. أما نحن فقد توجَّهنا إلى مؤخَّر السفينة [122]، لنستقر هناك على أكياس القطن. وكان ذلك الموضع من السفينة أفضل من مقدَّمها! كان الروس نادراً ما يتنقَّلون على متن السفينة. وكان اهتزاز السفينة في المؤخَّرة أقلّ. وعلى كلّ مَنْ يتورط مع قادة الحملات أن يوطِّن النفس لمثل هذه الأمور، في حين أنّ المبلغ الذي تقاضوه منا يكفي للحصول على الأماكن المفضَّلة من السفينة.

باختصارٍ قمْتُ في أوّل الظهر بتحديد اتجاه القبلة على متن السفينة، ووقفْتُ للصلاة، ثمّ تلوْتُ جزءاً من القرآن الكريم. لم يكن الجوّ سيئاً، وقد أشرقت الشمس، ولم يكن هناك من رياحٍ، وكان البحر ساكناً، والسفينة تجري هادئةً. أخذ الميرزا رضا ركوة الشاي إلى المقهى الروسي؛ لإعداد الشاي هناك، كان طعم الشاي سائغاً جدّاً. وقد ارتشفناه.

الهوامش

(*) أحد أبرز المؤرِّخين الإيرانيّين المعاصرين. رئيس قسم التاريخ في جامعة طهران، ورئيس مكتبة الإسلام وإيران التخصُّصيّة، والرئيس السابق لمكتبة مجلس الشورى الإسلامي.

([1]) ألقيت هذه المحاضرة في اجتماع عقد في مدينة (عشق آباد). وبهذه المناسبة تمّ استعراض نصٍّ عن رحلةٍ تعود إلى العصر القاجاري بشأن (عشق آباد) في نهاية هذا المقال.

([2]) عملة نقديّة زهيدة.

([3]) جمع شاهي: عملة نقديّة.

([4]) وحدة نقديّة.