المرأة والتخدير الديني

21 أبريل 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
161 زيارة

المرأة والتخدير الديني

إيمان شمس الدين

لست أدعي أن التخدير الديني أمرا خاصا بالمرأة، بل هو عارض مرضي يصيب الجميع، لكن تختلف نسبة التخدير من فرد إلى آخر باختلاف نسبة التلقي وكيفيتها والقابلية وأيضا بحقيقة الفاعل في هذا الحقل، وأقصد به الجهة التي تمارس عملية التخدير سواء عن قصد أو من غير قصد.

وكون أكثر الفاعلين في هذا الحقل هم من الرجال، ونسبة التلقي عند النساء عالية هذا فضلا عن التصديق، ونسبة الوسطاء في النقل والتأثير أيضا أعلى عند النساء، لذلك سأسلط الضوء على المرأة حتى لا أتهم بالعنصرية، وحتى لا أظلم فئة من الرجال أيضا هم ضحايا هذا العارض الخطير.

وهنا لا أقصد الدين بذاته وحقيقته، وإنما ما أعنيه هو الفهم البشري للدين، وتوظيف بعض جزئياته توظيفا موجها للأذهان باتجاهات خاصة ومعينة، تعطل وتشل قدرة المتلقي على الخروج خارج هذا التوجيه، أو أنها تعطل قدرته على الاختيار خارج هذا التوجيه.

ويكون ذلك من خلال الفهم التجزيئي والفردي للنص الديني، أو من خلال التركيز على الفقه الفردي وفقه الأحكام، دون النظر إلى باقي أفراد ومفردات المنظومة الدينية.

هذا فضلا عن الوقوف على النص وقوفا ماضويا بعيدا عن الزمان والمكان.

وعل أكثر ضحايا هذا المنهج هي المرأة، وخاصة في الوسط الديني والذي يمارس في غالبيته دور شبيه بما كان أيام الجاهلية، حيث كانت المرأة جزء من المتاع الذي يملكه الرجل، و يتحكم فيه كيف ما شاء.

الفرق فقط في أنه في الجاهلية كانت الأعراف العامة والتقاليد الموروثة هي التي تحكم، بينما اليوم باتت الأفهام البشرية للنص الديني ومحملات هذه الأفهام بالبيئة و التقاليد، و الذاتية والتي قَنّنَت كثير من الماضي بقوانين نسبتها للدين وشرعنتها، فكبلت بذلك عقول بل قلوب كثير من النساء.

ففي الجاهلية كان تكبيلا للجسد، واليوم تكبيلا للعقل والروح.

تخدير بلا ممانعة:

ما أعنيه بالتخدير هو شل قدرة العقل على الاختيار ومحاولة الخروج، ولا يكون ذلك إلا من خلال ممارسة نوع من الارهاب الناعم في لاوعي الإنسان، وخاصة حينما يستغل الدين من قبل البعض في الترويج لهذا النوع من التخدير، ولهذا النوع من الإرهاب، فالإنسان بفطرته متدين، بمعنى أنه يميل للخضوع لجهة عليا قادرة، ويميل فطريا لإرضاء تلك الجهة، ولذلك كان وجود دين يعتبر من الحتميات الضرورية لتلبي حاجة الفطرة وتنظم إيقاعها وفق طريقة سليمة توجه فيها الإنسان نحو أقصر طرق الوصول إلى الله.

واستغلال هذه الفطرة بطريقة مخالفة لما يجب أن تكون عليه، هو معاندة للطريق القويم ولمشيئة الله التي خلقت الإنسان بفطرته وخلقت له حرية الإرادة والاختيار.

والتخدير الديني مصداق من مصاديق المعاندة التي يمارسها كثير ممن وظف الدين أو فهمه بطريقة غير مكتملة.

أو حتى تأثر ببيئة محيطة في قراءة النص ولم يستطع الخروج من الذاتية في قراءته.

وأكثر ضحاياه هم من النساء، ولأن ما يمارس اليوم على أغلبهن باسم الدين هو معاند للطريق القويم في أغلبه، بدأت إرهاصات هذا السلوك بالظهور جليا في ساحاتنا، حيث التمرد بشكل كبير بات اليوم لا على من يمارس هذا النوع من الارهاب الناعم، بل على الدين برمته.

كون معاندة السنن الكونية وتحدي القوانين الطبيعية والفطرية، سيؤدي حتما للانقلاب وإن جزئيا حتى يعود المسار الطبيعي موافقا لما يجب أن يكون عليه.

لكن عودته تعتمد على مدى وعي المتلقي للتخدير باسم الدين، ومدى ممانعته ومقاومته ومحاولته النهوض وكشف الخلل.

وكون المرأة من أكثر ضحايا التخدير الديني، فأستطيع القول أن أغلبية النساء مستسلمات بل مقتنعات بما يمارس بحقهن، بل بعضهن يتصدين لكل محاولة من الوسط النسوي للمواجهة والرفض ومقاومة هذا الفهم الماضوي للمرأة في الإسلام.

ونحن هنا لا ننكر وجود محاولات ناهضة في قراءة النص الديني فيما يتعلق بالمرأة، ولكن مازالت عملية مقاومة هذه المحاولات الناجحة قائمة على قدم وساق، وأغلب جنودها من النساء، اللواتي وقعن في شبهة الخلط بين المراة كإنسان وهي كأنثى، والخلط بين الوظائف المترتبة على كل بعد.

فالأغلب ونتيجة الفقه الذكوري الذي كرس البعد الأنثوي في المرأة، نسين كونها إنسانا، وتحت سياط الفقه الذكوري كرسن البعد الأنثوي للمراة ووقعن ضحية الإفراط والتفريط.

إن الوصاية التي كانت تمارسها الجاهلية على المرأة من عضل ووأد وغيرها، هي نفس الوصاية التي تمارس على المرأة اليوم باستخدام الدين ولكن بأشكال مختلفة.

هذه الوصاية تعطل دور هام في المجتمع، بل تعطل نصف المجتمع، وتقوم بالسيطرة على النصف الآخر، وتشتت كل محاولات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقلل من مستوى الزخم في هذا المجال بعد أن عطلت المرأة بحجج دينية.

فلو وضعت المرأة في موضعها الطبيعي، لتعاضدت جهودها مع الرجل في مواجهة الأنظمة الفاسدة، والسعي نحو تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية.

فالولاية التبادلية بين المرأة والرجل هي في ذات الوقت تعاضدية في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه الولاية التبادلية والتعاضدية بل والتكاملية تم تعطيلها من خلال تحويلها اجتماعيا لولاية تحكمية لصالح الرجل، من خلال فهم فردي للنص وليس اجتماعي ولا مقاصدي.

بل من خلال فهم تداخلت فيه أحكام الأسرة مع أحكام المجتمع.

وبدل تنمية إرادة المرأة واختيارها وجانبها الإنساني، وتوعية جانبها الأنثوي بالعفة والعفاف وارتباطهما بكرامتها كإنسان، مورس بحقها وصاية سلبتها ذاتها الانسانية، ونمت فيها جانبها الأنثوي حتى باتت مقتنعة بأنها شر وشر لابد منه، ومع التقادم نمى الجانب الأنثوي على حساب جانبها الإنساني وعطلت بذلك وظائف هامة أنيطت بها تكوينيا كخليفة الله على الأرض.

وتكرست الوظائف الخاصة بأنوثتها حتى وصلنا اليوم إلى مرحلة تحولت بها النساء فعليا وغالبا إلى عبيء على المجتمع وتكاثرت المشكلات الأسرية والأخلاقية والانقلابات المتتالية على الدين ليس لقصور فيه، وإنما بسبب ممارسات من تصدى للمجتمع باسم الدين، وقدم نموذجا متطرفا لشخصية المرأة فيه، مُفَرَّطاً بجانبها الإنساني لحساب جانبها الأنثوي.

بين قراءتين:

المرأة اليوم تتلاقفها قراءات عدة لها كشخصية:

  • القراءة الأولى:

قراءة أفرطت بعنصر الخلود في الإسلام، بحجة الحفاظ على الثوابت، من خلال قراءة ماضوية لهذه الثوابت ومجتزأة وفردية، وتم توظيف هذه القراءة حول المرأة خاصة في بعدها الفقهي، لممارسة تخدير المرأة باسم الدين وبالتالي تعطيل كثير من دورها في الأسرة والمجتمع، وتهميش قدراتها العقلية وتحييدها في مجالات محددة وبالتالي تعطيل باقي الوظائف والمجالات العقلية.

وقد نقل لي ثقاة أن هناك من يرفض تدريس المراة الفلسفة والمنطق إلى الآن بحجة أنها دروس عقلية تفقد المرأة أنوثتها، وأيضا لا تدرس المرأة في بعض المدارس الدينية علم الأصول الحلقة الثالثة حتى لا تمكن من أداة تكون قادرة فيها على قراءة النص الديني واكتشاف الحقيقة.

  • القراءة الثانية:

قراءة تفريطية، جاءت تلبية لشعارات تحرير المرأة والنسوية، ولأن بعضهم اكتشف حقيقة ما يمارس على المرأة باسم الدين، قام بالانقلاب أو التفلت، بدل أن يعمد إلى الاصلاح بالسبل السليمة، بل وانتزع مصطلحات كالنسوية، ومارس عملية ترقيع فكري لها في الاسلام، ليصبح لدينا نسوية إسلامية.

هذا فضلا عن التفريط بكثير من عناوين العفة والعفاف بحجة الحد الشرعي وما يفرضه، غير ناظرين لملابسات كثيرة اجتماعية وعرفية، تتطلب تهيأة القابليات.

فأي حقيقة تطرح دون وجود قابليات ستقتل في مهدها.

  • ماذا نريد:

ما نريده هو موقف يأخذ بالحسبان إعادة قراءة شخصية المرأة في الإسلام قراءة حضارية تستطيع الخروج بنظرية وليس فقط أحكام، ونظرية تأخذ في حسبانها المرأة في كافة أبعادها حتى يتبين على ضوء ذلك وظائفها وبالتالي دورها.

وهذا ما يتطلب عقلا قارئا للواقع وللنص الديني، وقادرا على عمل قراءة تثويرية تنهض بالواقع وتأخذ بحسبانها الله والاسلام، لا الموقع والمصلحة والذاتية والبيئة والمكاسب.

قراءة قادرة على الفصل بين التشريع الثابت القائم على أساس طبيعة المرأة الثابته، وبين تلك التي تحاكي بعدها الإنساني والوظيفي المتغير بتغير الزمان والمكان، وآخذا في الحسبان تبدل معطيات المجتمعات، وقابليات النساء ومتطلبات الحياة الأساسية لا الكمالية.

فالأصل إقامة العدل وتحقيق الكرامة الإنسانية، وليس مجرد أحكام فردية لا علاقة لها بالنظريات الاجتماعية والأسرية، ولا بجسد الاسلام ككل.

فلم يعد مقبولا ممارسة وصاية عقلية واجتماعية على المرأة بحجج فقهية لم يعاد قراءتها وفق منهج متطور قادر على استكشاف ما ورائيات النص الديني، ضمن قراءة كاملة لشخصية المرأة في المنظومة الإسلامية.

فأن تنتقد الهجمة الثقافية الغربية فهو حق، لكن الأجدر أن تنتقد ثقافتك الداخلية، وترمم الثغرات وتبني جدرا عقلية قادرة على محاكاة الواقع والنهوض به، وبالتالي إغلاق النوافذ والأبواب والثقوب في وجه اللصوص القادمين للهيمنة والسلب.