المعايير السماوية لنصرة المظلوم وازدواجية المعايير الدولية

20 سبتمبر 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
284 زيارة

المعايير السماوية لنصرة المظلوم وازدواجية المعايير الدولية

ثقافة المبادرة واستنهاض الضمير الإنساني لنصرة المظلوم على الظالم

مقدمة:

الإنسان هذا المخلوق العجيب الذي خلق الله لأجله الكون بأسره وخلقه الله كإنسان لأجل نفسه لا لغاية في هذا الأجل وإنما لتتجلى قدرته وعظمته وكينونته في هذا المخلوق فيكون الخالق بصفاته الذاتية ويكون المخلوق انعكاسا له بالعرض.لذلك تجلت قدرة الخالق في الإنسان بأسمى المعاني وأهمها حينما خلقه ضمن مثلث وجودي يكمن فيه كماله وصيرورته الآدمية وهي الحرية والإرادة والاختيار وجعل على رأس هذا المثلث العقل ثم أبدع في ترجمة هذه الامور حينما أودعها الآلة الجسدية التي بها تترجم عمليا وفق حدود رسمتها الشريعة المقدسة لضبط الغرائز لتكون هناك لغة متناغمة بين الجسد الآلة والروح بمثلثها وعقلها.

ومن هنا جاء الاستخلاف ليكون الترجمة العملية على الأرض لإرادة الخالق في إظهار إبداعه لعياله,ففطر الإنسان على حب الكمال والسعي نحو الأفضل بل أودع به حب الذات الذي يعتبر الشرارة الأولى لكل شيء حسنه وقبيحه.

ومن حب الذات ينطلق الإنسان نحو ترجمة إرادته واختياره وحريته ويكون الفيصل بين الخير والشر هو من يكون الحاكم والموجه لحب الذات هذا؟

فإن كان العقل أبدع الإنسان وعمر الأرض بالخيرات والعدل والحب والتسامح بل كانت حياته مليئة بالعمل والعطاء والمبادرة في سبيل تحقيق الاهداف السامية,أما إن كان الحاكم هو الغرائز فإن حب الذات لن يخنق فيه حب المبادرة بل هو سيوجه هذه المبادرة إلى تكريس ذاته الأنانية بطريقة فاسدة تسعى للهيمنة والسيطرة على عباد الله وثروات الأرض بطريقة ظالمة تحطم فيها البشر والحجر وتغرس فيها المبادئ الهدامة وتحارب القيم والأخلاق التي ترتقي بالمجتمع ليصبح سفك الدماء من مقومات وجودها وكينونتها.

وبما أننا نعيش على الأرض وفي الدنيا فلا بد للحق أن يصارع الباطل ولابد لصراع الخير والشر وبالتالي تصبح للمفاهيم الكلية مصاديق كثيرة يعتمد فهمها على الأهداف المرجوة منها وبالتالي تكون المقدمات والمنطلقات مرتبطة بتلك الاهداف وهنا يأتي خيار النفس الإنسانية وفقا لتطلعاتها ورؤاها الكونية التي ترتكز في كل أبعادها على نظرية المعرفة ومكوناتها الفكرية والفلسفية.

وبما أن المبادرة ببعديها الحسن والقبيح هي من المقومات التي تترجم الدافع عند الإنسان لتحقيق أهدافه في هذه الحياة والتعبير عن حبه لذاته ووجوده وكينونته فإن من المنطقي أن يكون لهذا المصطلح نظريات فكرية وأبعاد عملية على مر التاريخ الإنساني سواء على مستوى الشرائع السماوية أو على مستوى التجربة الإنسانية التي راكمها التاريخ ولعب الإنسان دورا في تطويرها سواء بالاتجاه السلبي أو الإيجابي.

 

  1. مقدمات ثقافة المبادرة وصناعةالأحداث ضمن مفهوم: (اعقلها وتوكل):

 

يقول الإمام علي عليه السلام: ( ولا يقولن أحدكم أن أحدًا أولى بفعل الخير مني فيكون والله كذلك).

ثقافة المبادرة : هي نافذة (نقصد هنا المبادرة) رئيسية يجب أن تكون ذات أولوية من منطلق اعتبار الثقافة فعلا خلاقا وإبداعيا لا يرتهن إلاّ للإرادة التي لا يحركها سوى الدافع والهدف.

وهناك ارتباط عضوي بين المبادرة والهوية,فالأولى تنطلق في سماء الثانية,حيث أن المبادرة تكون في الإطار الفكري الذي يشكل هوية المبادر.

مبدأ إعقلها وتوكل:

الإعقال هو الإدراك والوعي المستلزمان للمعرفة للواقع بدقة عالية وتشخيص الخلل والمشاكل ومن ثم تحديد الحلول المناسبة,ويتطلب حالة من الهمة والإقدام يستشعرها الفرد أو الجماعة اتجاه الاحداث أو المشاكل المحيطة بالمجتمع.وبعد الاخذ بالأسباب باستخدام الوسائل المناسبة يكون التوكل وفق خطة محكمة ومدروسة وواقعية تتناسب وواقع المجتمع ومشاكله.

1.1تعريف المبادرة:

يعرف الدكتور أحمد بن عبد الله العماري المبادرة على أنها:”عمل ظاهر يقوم به فرد أو جماعة الهدف منه التغيير والإصلاح”.ونحن نعتبر أن المبادرة ليست عمل ظاهر فقط بل هي ترجمة فعلية للدافع الداخلي  تحركه الإرادة هادف للتغيير والإصلاح.إذ أن الشعور بالمسؤولية الخلافية على الأرض ومعرفة الذات والهدف من الوجود يخلق لدى الإنسان الدافع الداخلي لتحقيق الهدف خاصة إذا ما وجدت معوقات أمام هذا الفرد أو الجماعة لتحقيق الهدف فإن ذلك يدفع إلى المبادرة من أجل التغيير والإصلاح لتحقيق الهدف المراد الوصول إليه.وهذا يتطلب وعيا لدى الفرد والجماعة تحت شعار رحم الله امرئ عرف من أين وفي أين وإلى أين.

  1.2عناصر المبادرة:

تنقسم المبادرة إلى قسمين :

1.مبادرة فردية:

وهي كثيرة في القرآن الكريم كمبادرة نبي الله يوسف عليه السلام ومبادرة مؤمن آل ياسن ومؤمن آل فرعون ومبادرة أباذر في التعرف على الإسلام وتغيير واقع قبيلته ومصعب بن عمير وسلمان المحمدي  وإبراهيم  النبي الذي وصفه القرآن الكريم بأنه كان أمة ومبادرة الإمام الخميني والشهيد محمد باقر الصدر وهي مبادرات فردية كان لها الأثر الكبير في تغيير وجهة المجتمع.

 2.مبادرة جماعية:

كمبادرة أصحاب الاخدود,وأصحاب الإمام الحسين عليه السلام في واقعة الطف,ومبادرة الشعب الإيراني في الثورة الإيرانية,ومبادرة المقاومة الإسلامية في لبنان  والتي غيرت وجهة الصراع العربي الصهيوني وقلبت لعبة الموازنات والقوى في المنطقة.

 

1.3 أسباب ومقدمات المبادرة (إعقلها)

وللمبادرة أسباب محركة ومقدمات:

1.التفكر فإن أكثر عبادة أبا ذر التفكر وتفكر ساعة خير من عبادة سنة

والتفكر يؤدي إلى التعمق واستيعاب الحقيقة والحق والتشخيص السليم لواقع المشكلات المعاصرة.

2.الهم المتحرك فمن علت همته زاد همه  وياتي الهم كنتيجة طبيعية للتفكر ومعرفة الحق والحقيقة.

3.وعي الواقع المحيط بطريقة يعرف فيها المشاكل الحقيقية التي يعاني منها مجتمعه ويشخص بدقة ويتحرى طرق الحل المناسبة لبيئته ثم يضع الخطط المناسبة لحلها.

4.في مرحلة وضع النظريات المعبرة عن المبادرة لابد لهذه النظريات أن تحاكي الواقع وتنطلق من رحم الثوابت الشرعية الناطقة بلغة العصر.

1.4 شروط المبادرة وضوابطها (وتوكل):

كل إنسان مفطور على الإرادة والحرية والاختيار وهما مثلث تتكون في بيئته المبادرة في حال خرجت من معقل القوة الفطرية إلى ساحات العمل الفعلية أي أن الفرق بين الأفراد في المبادرة لتكون حراكا حقيقيا يأتي في إرادة الفعل إلا أن الجميع مفطور على ذلك.

لذلك يأتي التنظير الحقيقي للمبادرة في دائرة الفعل فهل كل مبادرة تعتبر هي من المبادرات الإيجابية التي تعود بالنفع على الإنسانية جمعاء؟

فلا بد أن يكون هناك ملازمة حقيقية وتتزاوج المفاهيم بين البعد المعنوي والآخر المادي بمعنى أن البعد المعنوي في الإنسان له أهمية كبيرة ولكن مع مزاوجته للبعد المادي المتمثل بالأخد بالأسباب  فالإيمان بالله تعالى والنية الخالصة له تعطي طاقة روحية داعمة ودافعة نحو المبادرة والعمل والأخذ بالأسباب المادية إذ أن الله تعالى أجرى مشيئته في هذا الكون وفق قانون السببية ولكن دون إغفال مبدأ التوكل عليه تعالى بعد قاعدة :”وأعدوا لهم ماستطعتم من قوة”

بالطبع هناك مجموعة من الشروط والضوابط التي يجب أن تحيط المبادرة في دائرة الفعل وهي من مصاديق الأخذ بالاسباب.

1.اختيار الوسيلة الأنجع في ترجمة المبادرة على ساحات العمل وهذا يعتمد على عمق الوعي والشعور بالمشاكل المحيطة بالمجتمع بل قدرته على التشخيص السليم وتحديد الحلول السليمة وفق الوسائل الأسلم والأقصر والأنجع.

2.تأتي المبادرة في دائرة أهداف وضعها المبادر لذلك لابد للمبادرة أن تكون مترجمة وخادمة للمنهج الذي تحمله.

3.تأتي المبادرة نتيجة الإحساس العالي بالمسؤولية بعد تشخيص مجموعة من المشاكل الحقيقية المؤثرة على مستقبل المجتمع والامة لذلك لابد للمبادرة أن تكون حافظة للمجتمع والامة.

4.تأتي المبادرة من رحم المبادر الفكري لذلك لابد لها ان تكون في داخل الإطار الفكري.

5.التخطيط السليم للمبادرة وفق خطط قريبة وبعيدة المدى لتكون الخطة قابلة لإعادة النظر والتطوير.

6.استخدام أحدث التقنيات التكنولوجية في تحقيق وترجمة المبادرة من باب “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”

7.توظيف الطاقات بعد تأهيلها وفق نظرية التخصص أي كل وفق تخصصه في ترجمة المبادرة عمليا.

8.مراقبة خطة تطبيق المبادرة وفق أسس تقييمية ورقابية متطورة تهدف لتطوير المبادرة وسد الثغرات الظاهرة أثناء تطبيقها تحت شعار التلازم بين النظرية والتطبيق.

9.استمداد العون من الله والتوكل عليه بعد الاخذ بكل الأسباب المتاحة والممكنة في تطبيق المبادرة.

10.الاستفادة من تجارب الآخرين من أجل استغلال الوقت وتوفيره وتلافي الأخطاء في تجاربهم والاستفادة من مقومات النجاح فيها وأخذ ما يناسب المجتمع المحيط وبيئته من هذه التجارب لا إسقاطها بكلها وكلكلها على واقع المجتمع المحيط لأن لكل مقام مقال ولكل مجتمع ظروفه الخاصة ومشاكله.

وكخاتمة لهذا المحور نرى أن المبادرة كي تتحول لثقافة لابد أن يكون لها مقدمات ضرورية وواجبة وأهما رفع مستوى الشعور بالمسؤولية لدى الاجيال الشابة من خلال برامج تثقيفية تتناول حاجات هذا الجيل وتنهض بمقوماته وترتفع بمستوى وعيه.بالإضافة إلى ضرورة إشراك الجيل الشاب في مهام ذات فاعلية في النهوض بالمجتمع واستغلال طاقاتهم وإيداعاتهم في ذلك ومن ثم تطويرها مما يرتقي بهم وبشعورهم بالمسؤولية اتجاه مجتمعهم وأمتهم.

والإنسان مفطور على حب الذات لذلك يحتاج دائما إلى برامج تنمي فيه هذا الشعور بطريقة إيجابية وباسس أخلاقية تعود بالنفع على نفسه أولا ومن ثم على مجتمعه.

 

2.آليات المبادرة على مختلف الأصعدة وصناعة النصر

“يعرف الشعب سر النصر,وستقرأ الاجيال أن ركنيه الأصليين هما:

1.الدافع الإلهي

2.الهدف السامي

3واجتماع الشعب في جميع أنحاء البلاد مع وحدة الكلمة من أجل ذلك الدافع وذلك الهدف”[1]

إن المبادرة هي نتيجة لتفاعل الفرد مع مجريات الأحداث حوله بقدر ما يمتلكه من وعي وإدراك وقدرة على تشخيص المشاكل التي تعصف بأمته,ونتيجة لهذا التفاعل النفسي الداخلي تتولد لديه رغبة دافعة لتحقيق الهدف الذي من خلاله يرتقي بقابليات المجتمع والأفراد ووعيهم.

يقول د.بكار( من سمات الذين يعيشون خارج العصر أنهم يفقدون روح المبادرة الشخصية فهم ما زالوا ينتظرون من غيرهم نوعا من الرعاية لهم! وإن مجموع المبادرات الفردية في أي مجتمع هو مقياس دقيق لمدى حيوية ذلك المجتمع وقابليته للنمو والتقدم) ويقول:” المبادرة في نظري لا يمتلكها إلا أصحاب النفوس الحرة, أناس يطمحون أن يكونوا رقما صعبا في الحياة, أشخاص لا يرتضون المؤخرة و لا يهنأ لهم بال  طالما أن في مقدورهم أن تكون الأحوال أحسن مما هي عليه!”

أصحاب المبادرات أشخاص تتعدى نظرتهم التفكير في (الأنا) ويمتدّ طموحهم إلى أن يساهموا في نجاحات للغير ولو كانت لا تخصهم بالمستوى الأول..”

ويقول المهاتما غاندي:”كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم”

ويقول حسن البنا:”أقم دولة الإسلام في نفسك تقم في أرضك”

ويقول الدكتور محمد النشائي: “الحياة الحقيقية تبدأ على الشاطئ الآخر من اليأس”

ويقول الشهيد مرتضى مطهري:”…فهناك أفراد وأمم تعيش الامن والرفاه فتتعلق بأهداف الفردية,وتحرص على الأنس فتقع فريسة الذل,وهناك امم تدفعها سياط الجوع والبؤس نحو الحركة والعمل فتنال العزة والسيادة”

وبقول الدكتور الشهيد علي شريعتي:” إن الحياة ليست وجودا بل سير نحو الكمال المطلق وباتجاه القيم المتعالية هجرة دائمة من حيث نحن”

مما تقدم نستخلص مجموعة من آليات المبادرة والتي يكون لها الأثر الكبير في تحقيق النصر على كافة المستويات المادية والمعنوية.والنصر هو من أسمى غايات المجد حيث يقول عبد الرحمن الكواكبي:”خلق الله للمجد رجالا يستعذبون الموت في سبيله ولا سبيل إليه إلا بعظيم الهمة والإقدام والثبات وهي الخصائل التي تقدر بها قيم الرجال”

 

1.2آليات المبادرة وصناعة النصر:

1.الهدفية:وهنا يتطلب من الفرد أو الجماعة معرفة عميقة للإجابة على ثلاث أسئلة مهمة تشكل البناء الكلي للحياة في الدنيا والآخرة وتصنع المبادرات الحقيقية التي تصل بنا إلى واحة النصر وهذه الاسئلة هي رحم الله امرئ علم من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟ والإجابة على هذه الاٍسئلة تجعل من الإنسان مخلوقا هادفا ومسؤولا.بل تخلق لديه الأهداف السامية التي يعود نفعها على البشرية جمعاء وقد تتعدى الدنيا إلى الدار الآخرة.

2.إذا أصبح الإنسان هادفا فإن ذلك سيخلق لديه الدافع لتحقيق أهدافه السامية.

3.الإرادة وهي المترجم الحقيقي للدافع والتي بها ينتقل الهدف من رحم القوة إلى دنيا الفعل.

4.ولكي تتحقق الإرادة فلا بد للإنسان أن يكون حرا “فلا تكن عبدا لغيرك وقد خلقك الله حرا” والغيرية هنا هي غيرية النفس الداخلية أو غيرية الأفراد والجماعات والدول,والحرية هي التخلص من كافة الاغلال المادية والمعنوية بحيث يتحرر هذا الإنسان من عبودية غير الله تعالى على صعيدين:

أ.النفسي أو صعيد الأنا حيث يتحرر من شهواته وعبئ غرائزه الخارجة عن دائرة الحلال وفي ذلك يقول الإمام علي عليه السلام: “وأكرم نفسك عن كل دنيئة وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا”. بل تصبح أناه جاهزة للتضحية بنفسها من أجل تحقيق الاهداف السامية حتى لو لم يعد ذلك عليها بالنفع الخاص.وهنا تتجلى أسمى معاني التضحية إذا استطاع الإنسان أن يبذل نفسه في سبيل تحقيق النصر والسعادة لأمته ومجتمعه.

ب.على الصعيد الخارجي والمحيط البيئي بحيث يرفض استعباد أي جهة له واستغلاله لصالحها.

وكما يقول الإمام الصادق عليه السلام:”من رضي بالذل طائعا ليس منا أهل البيت”

5.الشعور بالمسؤولية وهي تأتي على ضوء معرفة الإنسان لدوره الاستخلافي والهدف من وجوده على الأرض.

6.القدرة على المواصلة ومواجهة العقبات أمام تحقيق المبادرات الهادفة وتغيير الواقع إلى أحسن منه ,أي الإصرار والثبات.وهذا يتطلب من الإنسان المبادر إيمانا عميقا بذاته وتوكلا على الله صادقا وتسليما له.

فهناك حديث قدسي يقول:”عبدي تقدم مني ذراعا أتقدم منك سبعين ذراعا”

“وعبدي أطعني تكن مثلي أقل للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون”

ويقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز:”ومن توكل على الله فهو حسبه”,”ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب”

7.الإبقاء على مقومات تحقيق النصر أي المحافظة على الهدف بعد تحقيقه من خلال المحافظة على مقوماته وآلياته وتطويره.

يقول الله تعالى:”إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا”

ويقول:”الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر”

فلا تأخذنا نشوة النصر وتدفعنا إلى التكبر على عيال الله بل إلى تضخم الأنا,بل ما حققناه من نصر يجب أن يزيدنا تواضعا لله ولعياله وخدمة لهم.فمن تواضع لله رفعه.

8.وضع التجربة أو ما حققناه تحت عين التقييم الدائم لأن الانعجاب والغرور يؤديان إلى التراجع فالغرور لا يضر إلا بأهله.وليكن التقييم شاملا للنظريات والتطبيقات العملية والأفراد بطريقة بناءة هادفة بعيدة عن الشخصانية لأن الهدف هو تطوير العمل وليس تضخيم الذات ورفعتها وتعزيز مكانة الأشخاص.

9.العمل الجماعي والاخذ بكل إبداعات الأفراد وعدم الاستهانة بالاشخاص وآرائهم ورفض تقديس الأشخاص ووضع هالات تمنع من النقد والتقييم والتطوير.

10.التجديد والحداثة مع الحفاظ على الثوابت والأخذ بالمتغيرات. وأعني به تجديد الدماء وإعطاء الشباب بعد إخضاعهم لدورات تخصصية فرصة للتعبير عن ذواتهم ولتجديد المسيرة بروحهم المعطاءة وهمتهم العالية مع بقاء الصف الأول على تماس مباشر لنقل الخبرات والتجارب فلولا القديم لما كان للجديد مكانا لأن المسألة تراكمية فلولا ما أبدعه القدماء لما راكمنا التجربة وطورناها.

فالمبادرة السليمة وفق حيثياتها الصحيحة لابد لها أن تصنع النصر المعنوي والمادي والنصر لا يقتصر على المجالات العسكرية بل يتعداه ليشمل النصر على النفس الامارة بالسوء والنصر في ميدان الأٍسرة والنصر  في ساحات العمل الاجتماعي والنصر في ميادين الدولة وبناء مقومات وجودها بل النصر في تحقيق العدالة التي كانت هدف الانبياء في رسالتهم ودعوتهم إلى الله.

ولا نخفي أبدا دور الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والفرد ذاته والمجتمع في تفعيل ثقافة المبادرة والنهوض بهمة أفراد المجتمع ولا سيما الجيل الشاب وتأهيله ليكون وقودا للبناء وتحقيق النصر على كافة مستوياته المادية والمعنوية.

يقول الشهيد مرتضى مطهري:”فالأمم المستغرقة في الشدائد والمصائب تصبح قوية وذات إرادة صلبة,أما الطالبون للراحة والذين لا يرون سوى حياة منرفة فهم دائما تابعون بائسون,يقول الشاعر:بحكم الطبيعة لابد أن تعود ذليلة كل أمة اعتادت الراحة والأنس”.

 

3.العلاقة التبادلية بين ثقافة المقاومة وثقافة المبادرة: 

المبادرة مفهوم كلي أحد مصاديقه المقاومة,لأن المبادرة كما أسلفنا هي فعل ظاهري هادف إلى التغيير والإصلاح.فأي فعل هادف للتغيير والإصلاح يكون من مصاديق المبادرة,وبما أن المقاومة بشقها الإيجابي هي فعل هادف للتغيير والإصلاح إذا هي من مصاديق المبادرة.

والمقاومة أيضا مفهوم كلي له مصاديق كثيرة:

  1. مقاومة داخلية على المستوى النفسي والذي وصفه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بالجهاد الاكبر والنجاح في هذه المهمة التي تبدأ من التكليف إلى ساعة العروج إلى ساحة القدس الإلهية يترجم بالنجاح على ساحات الحياة المختلفة فمن قدر على نفسه كان على غيرها أقدر.
  2. مقاومة خارجية متعلقة بكافة ميادين الحياة ومن مصاديقها:
  • مقاومة الفساد الاجتماعي
  • مقاومة الفساد الاخلاقي
  • مقاومة الفساد الإدراري
  • مقاومة الفساد في مرافق الدولة
  • مقاومة الفساد في داخل الاٍسرة
  • مقاومة الاعداء وهو الجهاد الأصغير بل هو أرقى أنواع المقاومة الخارجية ومن أمثلته الواضحة البهية :

1.معركة بدر الكبرى الأولى في عهد الرسالة

2.معركة الطف

3. معركة بدر الثانية الصغرى في تموز 2006 التي استطاعت من خلالها المقاومة الإسلامية في لبنان أن تحقق نصرا أخذت من خلاله بأسباب النصر من تجهيز ما استطاعت من قوة لترهب به عدوها وعدو الله وتوكلت على الله.أي أخذت بالأسباب المادية والمعنوية.فالتوكل على الله لا يعني أبدا عدم التجهيز والاخذ بالأٍسباب المادية المتطورة مع الزمان والمكان بل هو أحد مقومات النصر الرئيسية فحينما نقول أن ما حدث في حرب تموز 2006 هو نصرا إلهيا فإن ذلك يعني النصر ببعديه المادي والمعنوي.ففي غزة أحد أعدوا العدة وتوكلوا على الله ففازوا في الجولة الأولى ولكنهم بعد أن أعرضوا عن كلام رسول الله الذي هو كلام من الله سقطت أحد مصاديق التوكل على الله فلم تنفعهم تجهيزاتهم المادية فخسروا وانهزموا وكان ذلك درسا أراد الله تعالى أن يعلمهم من خلاله مقومات النصر الحقيقية.

وكل أنواع هذه المقاومات تعتبر ترجمة حقيقية للمبادرات الفردية أو الجماعية التي تعبر عن إرادة التغيير عند أصحابها نتيجة استيعابهم ووعيهم لما يدور حولهم واستشعارهم بالمسؤولية الهادفة الإلهية.

ولو أخذنا نموذج المقاومة الإسلامية في لبنان نستطيع أن نستخلص التالي:

1.مجموعة من الأفراد استشعرت مسؤوليتها أمام ما يحدث لمجتمعها من احتلال واضطهاد وإذلال ودرست المشروع الاستعماري بدقة وأبعاده التي قد تعود على الأمة وليس فقط على لبنان بالضرر.(الوعي)

2.حددت الغايات والاهداف ودرست أنجع الآليات لتحقيقها.

3.اخذت بالاسباب والمقومات.

4.امتلكت الإرادة والعزيمة والإيمان العقائدي السليم.

5.عرفت قدراتها الحقيقية في تحقيق الهدف

6.توكلت على الله

7.بادرت

8.ثبتت وصمدت وقدمت التضحيات

9.واجهت كل العقبات

10.حققت النصر وغيرت موازين المعادلة الدولية وأصبحت الآن قوة يحسب لها حساب لا يحسب لدول في المنطقة.

11.تقييم التجربة ووضعها تحت عين النقد  وتطويرها كان سببا مهما في استمراريتها ونجاحها واتساع رقعتها ورقعة تأييدها.

12.الابتعاد عن الشخصنة والتقديس فلا يوجد أنا بل يوجد نحن والكل تحت دائرة المساءلة والحساب بما فيهم القيادة.فقد قال الإمام علي عليه السلام:”لا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي من الله من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لابد من إمضائها,فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة, ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به أهل البادرة,ولا تخالطوني بالمصانعة,ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي,فإنه من استثقل الحق أن يقال له,أو العدل أن يعرض عليه,كان العمل بهما أثقل عليه”.

13.القيادة الجدية الأبوية المتواضعة والرشيدة كان لها أثر كبير في نجاح التجربة فنجاح القائد في نموذج القدوة هو نجاح لكل السائرين خلفه,بل نجاحه لا يمكن أن يكون واضحا إلا حينما ينجح المجموع في تحقيق الاهداف وبمدى ما يمكن أن ينجزه القائد من ارتقاء في وعي الجماعة التي يقودها ويرتقي بهم ليصبحوا قادرين على تشخيص المشاكل المحيطة بالمجتمع ووضع الخطط السليمة والملاءمة لحلها ومعالجتها.فمقياش نجاح الحاكم أو القائد في نظر الإمام علي عليه السلام ينحصر بمدى الوعي الذي يثيره في الرعية لتفهم طبيعة مشكلات المجتمع الذي يعيشون فيه والمساهمة الإيجابية المباشرة وغير المباشرة في علاج تلك المشكلات بالاسلوب السليم.

14.إضاعة الحقوق داعية للعقوق.ومن هذه الجملة نعرف أن العلاقة التبادلية بين القيادة والأتباع هي علاقة حقوق وواجبات رسمها لنا الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر حيث قدم حق الرعية على القائد على حق القائد على الرعية,لأن الطاعة تتطلب من القيادة أن تهيؤ كل الظروف والحيثيات وتأدية الحقوق من أجل أن تجعل الرعية تنجذب إلى طاعتها بحب ودون أي عائق فقال:”أيها الناس لي عليكم حق ولكم علي حق:فاما حقكم علي فالنصيحة لكم, وتوفير فيئكم عليكم,وتعليمكم ىكيلا تجهلوا,وتأديبكم كيما تعلموا,وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة,والنصيحة في المشهد والمغيب,والإجابة حين أدعوكم,والطاعة حين آمركم” فأي خلل في من جانب القائد في تأدية حقوق الأتباع يحدث خللا في واجبات الرعية اتجاه القيادة.

  وكخاتمة تعتبر المبادرات من الوسائل الفعلية الناجحة في التعبير عن القدرات الهائلة التي اكتنزها الخالق في الإنسان ليسعى من خلالها إلى إصلاح وضعه وتغيير واقعه إلى الأحسن فالفقير إذا لم يبادر إلى تغيير وضعه الاقتصادي كفر وخرج عن الإيمان فما دخل الفقر من باب إلا خرج الإيمان من باب آخر.لذلك كان على الإنسان أن يبادر دائما إلى تغيير واقعه وإصلاحه والنهوض ببيئته المحيطة نحو الأفضل.فالحياة كما يقول الدكتور علي شريعتي ليست وجودا بل سيرا نحو الكمال المطلق والقيم المتعالة فهي هجرة دائمة من حيث نحن.

الهوامش

[1] الإمام الخميني قدس