المعتقدات الدينية بين المعقول واللامعقول – (بيان جديد لنظرية الفطرة)

5 يونيو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬323 زيارة

المعتقدات الدينية بين المعقول واللامعقول –  (بيان جديد لنظرية الفطرة)

ترجمة: مشتاق الحلو

توظيفات نظرية الفطرة في التراث الإسلامي ــــــــــ

1 ــ استخدم العلماء المسلمون نظرية الفطرة لإثبات مدعيات كثيرة، وبشكل عام، طرحت هذه النظرية في مجالين مختلفين:

1 ـ1 ــ مجال الأمور الاعتبارية وخاصة الأحكام القانونية والأخلاقية: كان الهدف من طرح نظرية الفطرة في هذا المجال، صياغة مبنى معقول ورصين لقبول الأحكام والإلزامات القانونية والأخلاقية للدين. وقد فسرت bفطرية الدينv في هذا المجال بشكلين متفاوتين على أقل تقدير:

1 ـ1 ـ1 ــ يفترض التفسير الأول أو يثبت وجود خصال مشتركة ثابتة بين جميع البشر، وبناء عليه، يبيّن فطرية النظام الحقوقي والأخلاقي للدين، والمراد من bالفطريv هنا، مجاراة الطبع الإنساني، وهذا هو التفسير الشائع بين علماء المسلمين.

2 ـ1 ـ1 ــ يعتبر التفسير الثاني bفطريةv الدين ــ ونظامه الحقوقي والأخلاقي بالذات ــ إنسانيته. أي أنه نفي التكليف بما لا يطاق؛ فالمراد من كون الدين فطرياً، أنه يراعي طاقة الإنسان وميزان تحمّله وحقوقه الطبيعية والأولية([1]).

2 ـ1 ــ مجال الأمور غير الاعتبارية: وقد استخدمت نظرية الفطرة في هذا المجال على مستويين متفاوتين:

1 ـ2 ـ1 ــ استخدام علمي ــ وجودي([2]): سعى بعض العلماء ــ وبالاعتماد على نظرية الفطرة ــ أن يثبتوا وجوداً خاصاً كوجود الله سبحانه وتعالى في العالم الخارجي، أو حالة خاصة لوجود ما كالميل عند الإنسان للخالق في عالم الباطن، وبعبارة أخرى، تتناول نظرية الفطرة في هذا المستوى من البحث موجودات العالم؛ لذا تعدّ نظرية في علم الوجود.

2 ـ2 ـ1 ــ استخدام معرفي (إيبستمولوجي) ([3]): تتناول نظرية الفطرة في هذا المستوى من البحث المعتقدات لا الموجودات بما هي موجودة، والاستخدام المعرفي لهذه النظرية يتم ــ أيضاً ــ على مستويين:

أ. إثبات حقانية المعتقدات الدينية باعتماد نظرية الفطرة: شكّك كثير من منتقدي الفكر الديني بصدق الاعتقاد بوجود الله وحقانية الدين، وفي المقابل سعى بعض علماء الدين للدفاع عن حقانية المعتقدات الدينية باعتماد نظرية الفطرة، وأهم هدف سعى هؤلاء لتحقيقه كان إثبات كون الاعتقاد بوجود الله ــ بوصفه أهم معتقد ديني ــ أمراً فطرياً؛ أي أن إثبات حقانية هذا المعتقد وصدقه لا يحتاج إلى برهان أو دليل، وأقاموا براهين عدة لإثبات ذلك، أهمّها تمسّكهم بـ bالعلم الحضوريv و bالإدراك الوجدانيv.

ب. إثبات معقولية المعتقدات الدينية: يشكّك كثير من منتقدي الفكر الديني اليوم بمعقولية المعتقدات الدينية بدل التشكيك في صدقها، أي أنهم يعدّون الاعتقاد بوجود الله وقبول حقانية الدين أمراً غير معقول، بل مرفوض عقلاً رفضاً تامّاً، فإذا قبلنا بافتراض كون المعتقدات الدينية غير عقلانية، فلا معنى للحديث عن صدقها أو كذبها، فالبحث عن معقوليتها مقدّم على البحث عن صدقها، وإن لم تستلزم معقولية معتقد ما صدقه، لكن إثبات صدقه يستلزم افتراض معقوليته.

فهل يمكننا تقديم بيان لنظرية الفطرة يكشف معقولية المعتقدات الدينية؟ وبعبارة أخرى، هل يمكننا الادعاء بأن الاعتقاد بوجود الله، بوصفه أهمّ معتقد ديني، أمر فطري، بحيث يغدو الإقرار به دون الاستناد إلى الشواهد والبراهين أمراً معقولاً؟

يهدف هذا البحث إثبات هذا الأمر؛ لذا ندرس أولاً الأساس المعرفي لهذا المدعى([4]).

المقصود بمقولة bالمعقوليةv  ــــــــــ

أ ــ يقضي التصوّر السائد بأن bالمعقوليةv في الأمور النظرية تعني تناسب الدليل والمدعى، أي أن الادعاء الذي يمتلك أدلةً وشواهد تناسبه، يعدّ معقولاً، ويتضمن هذا التعريف إلزاماً، أي إنه يقول لنا: bتكلم بقدر ما تملك من أدلةv، وقد سمّي هذا التصور للمعقولية بـ bالدليليةv([5]).

ب ــ ذكر الدليليون الشروط التالية للقبول بمنظومة المعتقدات الدينية:

1 ــ من الخطأ القبول بالدين، إلا أن يكون هذا القبول أمراً معقولاً.

2 ــ من غير المعقول القبول بالدين، إلا أن يكون ذلك الدين مؤيداً ومقبولاً من قبل سائر معتقدات الفرد، التي تكون مدعومةً بالأدلة والبراهين.

بعبارة أخرى، لا دين مقبول إلا أن يكون معقولاً، ولا دين معقول إلا أن يكون مستدلاً.

كان لهذا التصور رواج واسع لدى كثير من مؤيدي ومنتقدي الفكر الديني على السواء، فادّعى المنتقدون ــ بناءً على هذا ــ أن أدلة إثبات وجود الله فقدت قوّتها وإتقانها وانسجامها، خاصّةً بعد كانط([6])، وأضافوا إلى ذلك مسألة الشرور، فأصبحت مؤيداً قوياً لنفي وجود الله، وفي المقابل سعى المتدينون إلى إثبات انسجام الأدلّة التقليدية على وجود الله أو إعادة صياغتها، على الرغم من قبولهم لتصوّر الدليليين، كما نفوا أن تشكّل مسألة الشرور نقضاً قاطعاً للاعتقاد بوجود الله.

وعلى أي حال، تلزم الدليلية المتدينين بإقامة أدلّة وشواهد متناسبة لإثبات معقولية منظومتهم العقائدية، وفي حال عدم تمكّنهم من ذلك، تنكر معقولية اعتقاداتهم الدينية وشرعيتها، وعلى هذا النحو دخلت bالدليليةv السجال في معقولية المعتقدات الدينية، لكن هل bالدليليةv نفسها مبتنية على أساس متين؟

ج. افترض غالب الفلاسفة الدليليين بناءً معرفياً خاصاً يدعى بـ bالمبنائية الشديدة أو الكلاسيكيةv ([7])، ويقسم المبنائيون مجموعة معتقدات أي نظام عقائدي إلى قسمين:

1 ــ المعتقدات الاستنتاجية: وهي الاعتقادات التي استنتجت من سائر المعتقدات، فتكون مدعومةً بالأدلّة.

2 ــ المعتقدات الأساسية: وهي التي لم تستنتج من معتقدات أخرى، بل تعدّ الأساس لسائر المعتقدات، أي أن معارفنا العقائدية جميعها مبتنية عليها.

فالشرط في كون معتقد ما bأساسياًv إنما هو عدم استنتاجه من معتقد آخر، لكن في بعض الأحيان تقبل بعض المعتقدات بالطريقة الجذرية عن خطأ، فعلى سبيل المثال، نعتقد باستحقاق شخص ما للعقوبة، لأنه لا يعجبنا، معتقد كهذا وإن حصل بطريقة المعتقدات الأساسية، لكنه غير معقول، لكن في ظروف أخرى قد يكون القبول بالمعتقدات التي تحصل بالطريقة الجذرية (أي التي لم يؤيدها معتقد أو يدل عليها) أمراً معقولاً، ويسمى هذا الصنف بـ bالمعتقدات الأساسية حقاًv ([8]).

وتعتقد bالمبنائية الكلاسيكيةv أن من غير الممكن أو من المستحيل أن يقع خطأ في bالمعتقدات الأساسية حقاًv، وفي الحقيقة، يعود تمايز هذا المنهج عن غيره في المعيار الذي قدمه للتمييز بين bالمعتقدات الأساسية حقاًv وبين غيرها من المعتقدات، وقد دوّن هذا المعيار ببيانين:

البيان القديم (يعود للقرون الوسطى): قضية p عند s bأساسية حقاًv إذا ــ وفقط ــ كانت عند s من الحقائق والبديهيات الأولية أو من البديهيات الحسية ([9]).

البيان الجديد: قضية p عند s من bالمعتقدات الأساسية حقاًv، إذا ــ وفقط ــ كانت p عند s من الحقائق والبديهيات الأولية أو من المعتقدات البديهية التي لا تخطأ([10]).

المقصود هنا بـ bالحقائق والبديهيات الأوليةv المعتقدات التي يكفي تصوّرها لتصديقها، كالحقائق البسيطة في الرياضيات، وbالبديهيات الحسيةv تعدّ معتقدات حول المدركات الحسية، كأن يقال: bتوجد شجرة هناv، وbالمعتقدات البديهيةv معتقدات تعكس التجارب المباشرة للشخص، كأن يقول: bأنا الآن أرى شجرة هناv.

إذن، يعتقد القائلون بالمبنائية الكلاسيكية أن الشرط في قبول معتقدٍ ما على أنه معقول ومبرّر، أن يكون من الحقائق والبديهيات الأولية، أو البديهيات الحسية، أو المعتقدات البديهية، أو يكون قد استنتج من هذه المعتقدات بطرق منطقية مقبولة.

د ــ تعيّن المبنائية الكلاسيكية معيار التمايز على صورة حكم قبلي وغير تجريبي ([11])، وتواجه إشكالين في ذلك:

1 ــ هل معيار التمايز عندهم معقول، وعليه يكون مقبولاً؟ ما لا شك فيه، أن هذا المعيار ليس بديهياً بالذات، كما لم يعد من المدركات الحسية أو التجارب المباشرة، إذاً فهو معقولاً فقط إذا كان مستنتجاً بطريقة منطقية من المقدمات البديهية أو المعتقدات البديهية، لكن لم يقدم لنا القائلون بهذا المعيار استنتاجاً كهذا، ويبدو من المستحيل استنتاج معيار كهذا من تلك المقدمات، وعلى أي حال، ماداموا لم يقدموا هذا الاستنتاج، فبناءً على رأيهم، هذا المعيار غير معقول وفي النتيجة غير مقبول.

2 ــ لا تلاحظ هذه المدرسة نظام المعتقدات المعقول القائم بالفعل بسبب طبيعتها غير التجريبية والقبلية، وبسبب الصيغة الأمرية([12]) التي يكتسبها معيار التمييز الذي قدّمته، ولذا تخرج كثير من المعتقدات المقبولة من دائرة المعقولات، فإذا كان هذا الرأي صائباً، فكثير من معتقداتنا التي كنا نتصورها معقولة، ستغدو غير معقولة.

هـ ــ يجب الالتفات إلى عدّة نقاط مهمة في مجال نقد المبنائية الكلاسيكية:

النقطة الأولى: رفض المبنائية الكلاسيكية لا يعني بالضرورة رفض الدليلية، فهذان التصوّران غير متكافئين منطقياً، إلا أنّ بعض الفلاسفة يرى أن رفض المبنائية الكلاسيكية من الصعب جداً أو من المحال أن لا يؤدي إلى رفض الدليلية، بحيث يخلق العراقيل في طريق الاعتقاد بوجود الله.

النقطة الثانية: رفض المبنائية الكلاسيكية لا يعني رفض المبنائية من الأساس، بل من الممكن إعطاء صورة معدّلة عن المبنائية، على أساس بعض التعاليم الأساسية المقبولة عندها، بحيث تمتلك هذه الصورة الجديدة المواصفات التالية:

1 ــ لا تعتبر bأساسية المعتقد حقاًv مستلزمةً لصدقه.

2 ــ يفترض صحة البناء العام للمعرفة، ومن ثم بناء أمور أخرى عليه، أي لا يُستبدل النظام المعرفي القائم بنظام مثالي أو إصلاحه من الجذور.

و ــ تقبّل المبنائية المعدّلة القضيتين التاليتين:

1) تعتبر مجموعة من المعتقدات في أي نظام اعتقادي ومعرفي معقول bأساساًv، أي لم تبن على عقائد أخرى.

2) يجب أن تكون المعتقدات غير الأساسية في أيّ نظام عقائدي ومعرفي معقول مؤيدةً من قبل أسس ذلك النظام وإن بدرجة بسيطة.

ويرفض هذا البيان من المبنائية المعيارَ الضيق الذي حدّدته المبنائية الكلاسيكية.

ز ــ bالمعتقدات الأساسية حقاًv في المبنائية المعتدلة، هي المعتقدات التي لم تستنتج من سائر المعتقدات، ويتم التوصل إليها بصورة جذرية، وعلى سبيل المثال، بإمكاننا في ظروف معيّنة، عدّ المعتقدات التالية معتقدات bأساسية حقاًv:

1 ــ المعتقدات المبتنية على الإدراك الحسي؛ مثلاً: أنا أرى وردة أمامي.

2 ــ المعتقدات المبتنية على الذاكرة؛ مثلاً: أنا تناولت طعام الفطور اليوم.

3 ــ المعتقدات التي تعكس حالةً نفسية أو ذهنية أو روحية خاصة؛ مثلاً: هو غضبان.

بعبارة أخرى، إذا راجعنا معتقداتنا المعقولة، فسنرى أننا قد نعتقد بأمور من دون الاستناد إلى معتقدات أخرى تحت ظروف معينة، كاعتقادنا: bإني تناولت طعام الفطور اليومv. إذاً لو كنا معتقدين بهذا الأمر على سبيل المعتقد الأساسي، نكون قد توصلنا إلى معتقد من المعتقدات الأساسية حقاً، كما يمكننا التوصل إلى هذا المعتقد من خلال القرائن والشواهد وعلى أساس سائر المعتقدات، فمثلاً: بإمكاننا استنتاج bأننا تناولنا طعام الفطور اليومv، من آثار الطعام على ثيابنا، وفي هذه الحالة لا يكون هذا المعتقد أساسياً.

وبهذا يتبيّن أن المعتقد الذي يمكنه أن يكون bمعتقداً أساسياً حقاًv تحت ظروف معينة، ولا يكون كذلك تحت ظروف أخرى، من الواضح أن الإيمان بمعتقد أساسي حقاً لا يستلزم صدقه، لكن الإيمان به أمر معقول ومقبول.

ح ــ هل المعتقدات الأساسية حقاً لا تمتلك أساساً([13])؟ أي هل الاعتقاد بها أمر معقول ومقبول؟

يبدو أن كل اعتقاد يكون مبرراً ومقبولاً([14]) بطريقتين على الأقل:

1 ــ إذا استنتج المعتقد من معتقدات مقبولة؛ في هذه الحالة، يكون الاعتقاد مؤيداً بـ bقرائن استنتاجيةv ([15])، وبإمكاننا تسميته للاختصار بـ bالأمارةv ([16]).

2 ــ إذا استند المعتقد إلى ظروف وتجارب مقبولة؛ في هذه الحالة، يكون المعتقد مؤيداً بـ bقرائن غير استنتاجيةv ([17])، وتسمّى هذه القرائن للاختصار بـ bالأساسv أو bالقاعدةv ([18]).

لا تستند المعتقدات الأساسية حقاً إلى bأمارةv بالمعنى الدقيق، أي أنها لم تستنتج من معتقدات أخرى، لكن لا تعتبر فاقدةً للقاعدة والأساس، فالمعتقدات الأساسية ناتجة عن نوع خاص من التجارب ومسبوقة بمجموعة من العوامل والظروف، فلو كانت تلك العناصر مقبولةً في مجموعها، تصبح المعتقدات مقبولةً أيضاً، وعليه لو افترضنا أن قضية bأرى وردةً أماميv، معتقد أساسي حقاً، سبب حصولها مجموعة من الظروف البيئية والفسيولوجيا والإدراك الحسي (النظر)، فإذا اعتبرنا النظر صائباً (عادةً) ولا نملك دليلاً لتخطئة الظروف البيئية والفسيولوجيا، فسيكون اعتقادنا بتلك القضية أمراً مقبولاً، إذاً تلك العملية الإدراكية والظروف والعناصر الخارجية والداخلية أصبحت أساساً لقبول ذلك المعتقد، وبإمكاننا اعتبارها أساساً لذلك الاعتقاد.

ملخص القول: قد يغدو أيّ معتقد bأساسياً حقاًv في ظروف معينة، أي أن الظروف تعدّ أساساً لقبول ذلك الاعتقاد، وإذا توسعنا في الأمر، نعدّها أساس ذلك الاعتقاد، إذاً المعتقدات الأساسية ليست بالضرورة فاقدة للأساس، لذا نستطيع القول: إن bفي ظل ظروف c، معتقد p أساسي حقاً عند sv أوbs مبرّر في اعتقاد p بوصفه معتقداً أساسياً في ظروف cv.

ط ــ ما هو معيار تمييز المعتقدات الأساسية عن غيرها في رأي المبنائية المعدّلة؟

ترفض المبنائية المعدّلة المعيار المحدود الذي تتبناه المبنائية الكلاسيكية، كما مرّ الحديث عن ذلك، مما يجعل من الضروري إعطاء معيار جديد للتمييز، وفي غير هذه الحالة، من الممكن عدّ أي معتقد ــ مهما كان سخيفاً ــ معتقداً أساسياً؛ لكن في الواقع، نفي معيار المبنائية الكلاسيكية لا يسبّب اعتبار جميع المعتقدات أساسيةً، حتى لو كانت سخيفة، وإن لم يقدّم لنا معيار بديل، كما أن إلغاء معيار امتلاك المعنى في المذهب الوضعي (أي قابلية الاختبار) لا يستلزم إطلاقاً اعتبار أيّ كلام فارغ ذا معنى، من هنا يرفض أغلب الفلاسفة اليوم المعيار المذكور، لكنهم يعتبرون الجملة القائلة: bغداً طيسفون من نيويورك سبتv فاقدة للمعنى إطلاقاً.

وفي الحقيقة، يبدو أن الكلام حول طريقة تعيين معيار التمييز أهمّ من إعطاء المعيار نفسه، إذاً قبل السؤال عن bما هو معيار التمييز؟v، يجب أن نسأل: bكيف يمكننا إعطاء معيار للتمييز بين المعتقدات الأساسية عن غيرها؟v.

ي ــ أشرنا سابقاً إلى أن عدم الانسجام الداخلي وضيق معيار التمييز وانحصاره في المبنائية الكلاسيكية ناشئ عن طبيعتها المسبقة وغير التجريبية، فلأجل أن يكون معيار التمييز بعيداً عن الإيرادات المذكورة، يجب الاستفادة من الطرق البعدية وتحديداً الطريقة bالاستقرائيةv، وللحصول على معيار كهذا، يمكننا اتّباع الخطوات التالية:

1 ــ جمع عينات من المعتقدات الحقيقية والفعلية للناس، والتي نراها معقولة ومبرّرة.

2 ــ نسأل أنفسنا عن سبب قبولنا لكلّ واحد من هذه المعتقدات. هل نقبلها لأن سائر معتقداتنا تؤيدها؟ أي هل نقبلها لأننا استنتجناها من سائر معتقداتنا؟ أو لأن بإمكاننا افتراضها من المعتقدات المعقولة وإن لم تؤيّدها سائر معتقداتنا؟

1 ــ نسمّي هذا القسم من المعتقدات bأساسية حقاًv.

2 ــ نقدم فرضية لتحديد معيار التمييز بناءً على هذا القسم من مصاديق المعتقدات الأساسية، ونختبر مصداقيتها باستخدام النماذج المتوفرة لدينا، وإذا اقتضى الأمر نجري عليها التعديلات اللازمة.

لكن إعطاء معيار للتمييز يحتاج إلى بحث طويل، ولا يمكن التوصل إليه بسهولة، وعلى الرغم من ذلك، يجب الالتفات إلى النقاط التالية:

1 ــ عدم إعطاء معيار للتمييز لا يسبّب غلق باب الحوار، ولا ينفي التفاوت بين المعتقدات الأساسية وغير الأساسية.

2 ــ من الممكن القبول ــ بشكل إجمالي ــ بأن كون المعتقدات أساسيةً حقاً متوقف على ظروف معينة، وفي تلك الظروف يصبح معتقدٌ ما أساسياً حقاً عند فرد معيّن.

3 ــ لا يوجد دليل مسبق يثبت أن البحوث المذكورة توصلنا إلى نتيجة واحدة.

أي من غير المعلوم أن نتوصل إلى نتيجة يقبلها الجميع بعد خوضنا مسار البحث لتعيين معيار التمييز، ولا يستبعد أن توصلنا الطريقة الواحدة إلى نتائج مختلفة، فالنتيجة ليست رهينة المنهج فحسب، ذلك أنّ الأحكام القبلية والافتراضات المسبقة التي تهيئ الأرضية لتطبيق المنهج، تلعب دوراً في تعيين النتائج.

ك ــ ملخص الكلام، أن في أيّ نظام عقائدي معقول، يعتبر القبول ببعض المعتقدات من دون الاستناد إلى شواهد أو أدلة أو قرائن، أمراً معقولاً، ونسمي هذه المعقدات bأساسية حقاًv.

من ناحية أخرى، الهدف من هذا المقال، كما مرّ، إثبات أن bالاعتقاد بوجود الله (بصفته أهمّ معتقد ديني) أمر فطري؛ أي قبوله من دون الاستناد إلى القرائن والشواهد والأدلة، أمر معقولv. (انظر الفقرة 2 ـ2 ـ1 من ب) وبإمكاننا الآن بيان المسألة بصورة أخرى: bهل الاعتقاد بوجود الله ــ بوصفه أهمّ معتقد ديني ــ أساسي حقاً؟v.

3 ــ هل الاعتقاد بوجود الله معتقد أساسي حقاً ؟ ــــــــــ

1 ـ3 ــ أولاًـ عامّة المتدينين واثقون من أن الإيمان بالدين أمر مسموح به عقلاً؛ أي يعتبرون الاعتقاد بوجود الله أمراً معقولاً، فإذا لم يستنتجوا هذا المعتقد من سائر معتقداتهم، أي توصلوا إليه بطريقة جذرية، فسيكون معتقدهم هذا أساسياً حقاً.

ثانياً ــ لا يستند الاعتقاد بوجود الله عند كثير من المؤمنين إلى شاهد أو دليل، وهو أيضاً غير مستنتج من اعتقاد آخر، ويعتبر المؤمنون أنفسهم محقين ومجازين عقلاً بأن يؤمنوا بوجود الله، وإن لم تكن لديهم أدلة على ذلك، أو لم يعتقدوا بوجود أدلة، أو لم تكن هناك أية أدلة بالفعل، إذاً حسب اعتقادهم، الإيمان بالله معتقد معقول من دون استناده إلى معتقدات أخرى.

ثالثاً ــ يحتاج الادعاء المذكور إلى تمحيص أكثر، فمن الممكن الحصول على بعض المعتقدات الأساسية حقاً عند المؤمنين، وعلى سبيل المثال، يرى مؤمن وردة في ظروف معينة، ويعتقد بأن bهذه السماوات صنع اللهv، أو يقرأ كتاباً سماوياً، ويعتقد بأن bالله يتحدث إليّv، أو حينما يعصي، يعتقد بأن bالله غير راض عن أفعالي الخاطئةv، أو يحسّ بالرضى والراحة ويعتقد بأن bالله قد غفر ليv و…

ومن الممكن أن يعتقد المؤمن بهذه الأمور بطريقة جذرية، إذاً تصبح هذه المعتقدات من معتقداته الأساسية حقاً، وفي جميعها يجب الالتفات إلى النقاط المهمّة التالية:

1 ــ لا يوجد حديث مباشر عن bأن الله موجودv في تمام الموارد التي ذكرناها، لكن وجود الله شرطٌ لصدق المعتقدات التي تتكلّم عن صفات الباري وأفعاله، إذاً بتساهل بسيط نستطيع اعتبار وجود الله معتقداً أساسياً حقاً.

2 ــ تكون النماذج المذكورة أساسية حقاً إذا حصلنا عليها بطريقة جذرية كما أشرنا سابقاً، فعلى سبيل المثال، لو رأى أحد وردةً، ثمّ تأمل في نظمها الفائق، واستنتج من ذلك وجود ناظم اسمه bاللهv، لم يكن معتقده في أن bهذه الوردة مخلوقة للهv أساسياً، لكن لو نظر أحد إلى وردة، ورأى بأنها مخلوقة الله، يكون معتقده هذا أساسياً.

3 ــ ليست النماذج المذكورة أموراً نادرةً أو خاصة بالعرفاء وعلماء الأديان، بل يمكن حصول تجارب كهذه للمتدينين كافة.

ملخص الكلام: إن حصول الاعتقاد بوجود الله وسائر المعتقدات في أفعال الباري وصفاته يكون بطريقة جذرية للذين جرّبوا حضور الله وأثره في ظروف معينة، وتكون هذه المعتقدات معقولة ومبررة لديهم؛ إذاً فهي أساسية حقاً.

ومن الواضح أن هذه المعتقدات تعتبر أساسيةً حقاً عند المتدينين؛ دون أن تسبب هذه المسألة قدحاً في أنها bأساسية حقاًv، فالمعتقد الأساسي دائماً يكون أساسياً لدى جماعة معينة.

2 ـ3 ــ ترد عدة أسئلة عن المدعيات آنفة الذكر:

1 ـ2 ـ3 ــ ألا يجعل هذا البيان المعتقدات الدينية ماوراء العقل، وأرفع من أن ينالها النقد؟ بعبارة أخرى، أليس هذا البيان شكلاً آخر للإيمانية (Fideism)؟

يبدو أن الأمر ليس على هذا النحو، فبناءً على البيان المذكور (تحت رقم 1 ـ3)، معتقدات الأفراد ليست نزيهة عن التقييم العقلاني، بل المدعى هو أن المعتقدات الدينية تستطيع أن تكون معقولة ومقبولة، حتى لو لم تؤيدها أي قرينة، فلا ينافي هذا البيان التدقيق العقلاني في المعتقدات الدينية.

2 ـ2 ـ3 ــ هل جعل الاعتقاد بوجود الله أساسياً حقاً، لا يسبب فقدان هذا الاعتقاد أسسه؟

كما أسلفنا (رقم2 من محور ح)، لا يستلزم اعتبار المعتقد أساسياً حقاً، أن يكون بلا أساس.

3 ـ2 ـ3 ــ ألا يفسح اعتبار الاعتقاد بوجود الله أساسياً حقاً، المجال لاعتبار أي معتقد ــ مهما كان سخيفاً ــ أساسياً؟ أي ألا نروج بذلك للتضاد مع العقل؟

يمكننا الإجابة بإحدى طريقتين، بناءً على قصد الناقد:

1 ــ إذا كان القصد من هذا السؤال أن على المتدينين القبول بالمعتقد الخرافي الفلاني، كعودة اليقطينة الكبيرة ([19]) على أنه أساسي حقاً، فالسؤال خاطئ، فما من معتقد كهذا في المعتقدات الأساسية للمتدينين، وليس هناك أي دليل على وجوب قبولهم بمعتقد كهذا، بعبارة أخرى، يجب على المتدينين اعتبار الاعتقاد بـ bاليقطينة الكبيرةv أو مصاديق مشابهة لها، معتقداً أساسياً شريطة أن يكونوا قد توصلوا إليها بشكل جذري، وبما أنه لم يكن كذلك، فلا يوجد إلزام كهذا عليهم.

2 ــ وإذا كان المقصود من هذا السؤال، أن من الممكن أن يعتبر شخص أمراً خرافياً، كاليقطينة الكبيرة، معتقداً أساسياً حقاً، فالجواب إيجابي، لكن لا يسبّب ذلك أيّ مشكلة.

وكما ذكرنا سابقاً، من الممكن أن ينتهي منهج فلسفي واحد إلى نتائج مختلفة؛ فكلّ فيلسوف يستخدمه حسب أحكامه المسبقة وقبلياته الذهنية، مما يؤدي إلى عدم الاتفاق في قضايا فلسفية مهمة، كتعيين معيار التمييز بين القضايا الأساسية عن غيرها، فليس من المستبعد أن يسلك شخص المنهج المقترح (تحت رقم 2 من الحقل ي)، ويصل إلى معتقدات أساسية غير التي وصل إليها المتدينون.

4 ـ2 ـ3 ــ إذا كان أمرٌ محلّ اختلاف شديد بين طرفين، هل يقبل العقل السليم أن لا يأتي أحد الطرفين ببرهان أو دليل لرأيه؟

من الطبيعي أن تتاح لنا فرصة النقاش في معيار تعيين الأساسي عن غيره، لكن ليس هناك دليل على الاعتقاد مسبقاً بأن الجميع يجب أن يتفقوا في مصاديق المعتقدات الأساسية، فالمؤمن يعتبر اعتقاده بوجود الله أمراً معقولاً ومقبولاً بصورة كاملة، وإذا لم يستنتج معتقده هذا من معتقداته الأخرى، يعتقد بأنه أساسياً حقاً بالنسبة إليه، وقد يخالف الملحدين في هذا الأمر، لكن لم يلزم المتدينون أنفسهم بمعايير الملحدين ومصاديقهم؟ فلا يبدو وجود إلزام كهذا عليهم، فالمجتمع المتدين مسؤول عن المصاديق التي يعتبرها هو أساسية، لا التي يعتبرها غيره، إذاً من حق المتدينين أن يعتبروا الاعتقاد بوجود الله أساسياً حقاً حتى لو خالفهم الآخرون في ذلك.

5 ـ2 ـ3 ــ ألا يعني القبول بالمدعيات المذكورة أن لا وجود لأيّ منهج معقول للحكم على المجاميع الاعتقادية الأساسية التي تدعيها الجماعات المختلفة؟ ألا ينتهي وجود معتقدات أساسية مغايرة إلى نفي بعضها بعضاً؟ وفي هذه الحالة، ألا يكون تغيير المرء دينه، كدخول شخص مسيحي في الإسلام، أمراً غير معقول؟ وبناء على هذه المقدمات ومن خلال المعتقدات الأساسية، ألا تلزم الاعتقادات الدينية نسبيةٌ مدمرة؟ و… ([20]).

لا تخفى أهمية هذه الأسئلة على أحد، كما تتضمن بعض الانتقادات على الفكرة الأساسية، لكن وإن لم تحصل على أجوبة مقنعة في الظرف الراهن، تبقى هناك قضية مهمة أخرى، وهي أن مصير هذا البيان من نظرية الفطرة قد ارتبط بمصير فرع مهم من فروع علم المعرفة المعاصر، إذاً لا ترد هذه الاشكالات على هذه النظرية فحسب، بل تشمل الأرضية المعرفية التي تحرّكت عليها هذه النظرية، فعلم المعرفة الذي يشكّل خلفية هذه النظرية، يستخدم في فلسفة العلوم، ومثل هذه الإشكالات ترد على تلك المجالات أيضاً، فالنقد لا يتوقف عند هذه النظرية، بل يتسرب منها إلى المجالات الأخرى، وأيّ حلّ يتوصل إليه في تلك المجالات، سيخدم هذه النظرية أيضاً.

النتيجة النهائية ــــــــــ

إذا قبلنا الأساس الفلسفي ــ المعرفي لهذا المقال، فسنتمكن من الادعاء بأن bالاعتقاد بوجود الله ــ بوصفه أهم معتقد ديني ــ أمر فطري، أي bأساسي حقاًv. فالالتزام به من دون الاستناد إلى شواهد وقرائن وأدلة أمر معقول.

ولا يجوز التغاضي عن أن هذا البيان من نظرية الفطرة ليس الشكل النهائي لها، والمشاكل المعرفية فيه مازالت محلّ تداولٍ بين العلماء، لكن هذا البيان ــ على أقلّ التقادير ــ يدلّل أن بإمكاننا إعادة صياغة bنظرية الفطرةv على أساس عقلاني جديد، وسيبقى باب الحوار والنقاش فيه مفتوحاً للمفكرين.

*    *     *

الهوامش



(*) باحث وكاتب، من أبرز المهتمّين بفكر أستاذه عبدالكريم سروش توضيحاً وتصحيحاً وتلخيصاً.



1 ــــ هذا الرأي للدكتور عبدالكريم سروش الذي تناوله مفصلاً في أبحاث bأسباب إقبال الناس على الأنبياءv.

2 ــــ Ontological.

3 ــــ Epistemological.

4 ــــ لأساس الفلسفي ــ المعرفي لهذا المدعى مأخوذ من آراء bعلماء المعرفة البروتستانتيينv، Reformed epistemologists) وخاصة bالفين بلانتينجاv. للتعرف بشكل مفصّل على آراء بلانتينجا راجع المصادر التالية:

1) Plantinga, Alvin, “Is Belief in God Rational?” C.F.Delaney ec. Rationality and Religious Belief, University of Notre Dame Press 1979 Ch.1, PP. 7-27.

2) …, “Reason and Belief in God”, Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstroff, eds. Faith and Rationality: Reason and Belief God, University of Notre Dame Press, 1983. Ch.1. PP. 16-93.

3) …, “Coherentism and the Evidentialist objection to Belief in God”, Robert Aud: and William J. Wainwright, eds. Rationality, Religious Belief, and Moral Commitment. Cornel University Press, 1986.Ch.4, PP. 109-138.

4) M. Peterson, w. Husker, B. Reichenbach, D. Basinger. Reason and Religious Belief. Oxford University Press, 1991, Ch.7, PP. 117-127.

5) فلسفة الدين، جون هيغ، ترجمه للفارسية: بهرام راد، تنقيح: بهاء الدين خرمشاهي، ط1، طهران: انتشارات الهدى، 1372  هـ. ش. (1993)، الفصل السادس.

6) محمد لغنهاوزن، تبيين تجربه هاى دينى (بيان التجارب الدينية): 30 ــ 34، ترجمه للفارسية: محمدرضا اثنى عشري، مجلة كيان، السنة الثانية، العدد التاسع، 7 و8/ 1371 هـ. ش. (10 و11/ 1992).

5 ــــ Evidentialism.

6 ــــ عمانوئيل كانط، فيلسوف ألماني من أسرة أسكتلندية Emmanuel Kant (1724-1804).

7 ــــ Strong / Chassical foundationalism.

8 ــــ Properly basic beliefs.

9 ــــ Evident to the senses.

10 ــــ Incorrigible.

11 ــــ Aperiori.

12 ــــ Normative.

13 ــــ Groundless.

14 ــــ Justified.

15 ــــ nferential evidence.

16 ــــ Evidence.

17 ــــ None – inferential evidence.

18 ــــ Ground.

19 ــــ bاليقطينة الكبيرةv (The great pampkin) إشارة إلى قصة طفل يعتقد أن في أكتوبر من كل عام تظهر يقطينة كبيرة في مزرعة اليقطين، وفي الليلة المحدّدة يذهب إلى المزرعة ويحدّق في الظلام بانتظار ظهور اليقطينة، وقد ادعى منتقدو بلانتينجا (Alvin Plantinga) أن لو تصوّر أحد رؤية اليقطينة الكبيرة تحت ظروف محيطية وذهنية معينة، واعتقد بأنها ظهرت حقاً، فبناء على آراء بلانتينجا، سيكون معتقده هذا أساسياً حقاً، وقد تحوّل هذا المثال في نقد آراء بلانتينجا إلى مصطلح. راجع: تبيين تجربه هاي ديني (بيان التجارب الدينية): 32.

20 ــــ تعرّضت آراء بلانتينجا في هذا المجال إلى انتقادات مختلفة. لمطالعة بعضها راجع المصادر التالية:

1) Wykstra, Stephan J. “Toward a Sensible Evidentialism: On the Notion of Needing Evidenct”. William L: Row and william J. Wainwright. Philosophy of Religioun (Selected Reading). Harcourt Brace Jovanovich, Inc. Second edition, 1989, PP. 426-437.

2) Gutting, Gary, Religious Belief and Religious Skepticism, University of Notre Dame Press. 1982. Ch.3: Disagreement and the Need for Justification, Sec.1: Plantinga’s Claim that “God Exists Is Properly Basic”. PP. 79-108, esp. PP. 79-92.

3) تبيين تجربه هاى دينى (بيان التجارب الدينية): 33، 34.