الملاّ صدرا ومعضلة الانتحال

3 نوفمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
69 زيارة

الملاّ صدرا ومعضلة الانتحال

د. السيد حسن إسلامي(*)

ترجمة: عماد الهلالي

 

إشارةٌ ــــــ

اتُّهم الملا صدرا (صدر الدين الشيرازي) مراراً بنقل كلام الآخرين ونسبته إلى نفسه، أو انتحال كلامهم. ولقد سعى المدافعون عنه للإجابة عن هذا الاتهام. ويقدِّم هذا المقال في البدء تقريراً للمسألة، ثم يستعرض الأجوبة والدفاعات الناظرة إلى هذا السلوك، ثم يحلِّلها، ويقيّم قوَّتها. ثم يختار من المؤلفات المتناثرة التي سطرها المدافعون ستة دفاعات أو استدلالات تصدَّت للدفاع عن الملا صدرا، وبعد تحليلها يسعى إلى توضيح عدم جدواها ومواطن الخلل فيها.

ولتحقيق هذا الهدف قسّمنا هذا المقال إلى أربعة أقسام.

عرضنا في القسم الأول منه تقارير لعدة موارد للنقل الخالية من ذكر المصدر.

والقسم الثاني حلَّلنا فيه بشكل مختصر عدم صحة الانتحال.

وفي القسم الثالث حلَّلنا الاستدلالات التي أقيمت دفاعاً عن الملا صدرا.

وفي الختام أوضحنا العبرة والدرس الذي يمكن استفادته من هذه الواقعة.

وهذا المقال هو جهدٌ في مسار رسم أصول وقواعد أخلاق التحقيق والبحث، وسعي في اتجاه تعميق هذا النمط من البحوث، في مجال ثقافة البحث في العصر الحاضر، وازدهار الفلسفة الإسلامية.

 

مدخل ــــــ

إن صعوبة البحث النقدي والعلمي حول الملا صدرا تنشأ من أنه لم تُحدَّد مكانته بدقّة. وينتج عن ذلك أن البحث حول فكره لا يتمّ بصورة جيدة، ولا يمكن استنتاج مكانته في الفكر الإسلامي بنحو صحيح. وهذه الصعوبة وليدة فرض خاطئ يتبنى أن جميع نظرياته إما أن تكون في دائرة الكفر؛ أو في دائرة الإيمان. والسواد الأعظم من المدافعين عن الملا صدرا والمنتقدين له يتلقّون هذا الفرض غير المصرَّح به على أنه أمرٌ مسلّم، ويبحثون حوله بمنهجية واحدة. ثم إنه وفقاً لهذه الرؤية إمّا يجب القبول بالملا صدرا كله، و«الإيمان» بصحّة كل مدّعياته، أو إذا ثبت عدم إمكان الدفاع في موردٍ ما عن إحدى أفكاره فسوف تكون النتيجة هي أن جميع أفكاره خاطئة. ولقد تجاوز الملا صدرا في رؤية البعض مجرد كونه فيلسوفاً إسلامياً، بل هو عند هؤلاء فيلسوفٌ عالمي، بل مقدَّم ومفضّل على جميع الفلاسفة، ولذلك عُبّر عنه بعبارات من قبيل: «صدر فلاسفة العالم»([1])، و«صدر متألِّهي العالم»([2])، و«صدر حكماء العالم»([3])، و«صدر الحكماء الإلهيين»([4])، و«صدر حكماء العالم الكبار»([5]). وفي المقابل هناك البعض، من أمثال: الميرزا علي أكبر الأردبيلي، يطلق عليه بكلّ بساطة: «صدر الكَفَرة»([6])، ويختم عليه بخاتم البطلان.

ثم إن السيد محمد علي كرمانشاهي يجيز لنفسه أن يتّهم الملا صدرا كل تهمة غير لائقة، وغير صحيحة، ثم يستند إلى فصلٍ من فصول كتاب الأسفار في باب «عشق الظرفاء و
الفتيان للأوجه الحسان»، ويستنتج منه قائلاً: والفاضل الحكيم الملا صدرا الفسوي الشيرازي يقلِّد النووي، بل يزيد عليه من الشعر بيتاً، ويذهب إلى تحسين معانقة وملامسة وتقبيل المعشوق، والدخول به واللواط، ردّاً على الشرع الشريف؛ لأنه يرتّب على هذا الفعل الخبيث السخيف فوائد عظيمة حكمية، وغايات فخيمة عقلية. حيث يقول في أواخر المجلد الرابع من أسفاره: «فصل في ذكر عشق الظرفاء و
الفتيان للأوجه الحسان…»([7]).

وفي المقابل يذهب رضا نجاد إلى أنّ كل مَنْ لا يمتلك محبّة للفلسفة الصدرائية فهو خارج عن دائرة الإنسانية، ومثل هذا الشخص لا قيمة لكلّ معلوماته، حيث يقول: «وفي عصرنا أيضاً إذا وجد فيلسوف محيط بفلسفة الشرق والغرب، ولم يرتوِ من معين فردوس الأسفار الأربعة، وسائر كتب الملا صدرا، فهو في الحقيقة لم يصل إلى عمق الفلسفة وتمامها، وعاش عيشة مفلسة بائسة»([8]).

وفي أجواء مثل هذه يمكن للبحث عن الانتحال أن يقع بدوره أسيراً للإفراط أو التفريط. وهو ما حدث فعلاً. فقد يستخدمه البعض لتوجيه سهامه إلى كلّ التراث الصدرائي، محاولاً إثبات عدم اعتباره، ويجلس شاكياً، متمنياً أنه لو لم يدوّن الملا صدرا حمل بعير من الكتب، واكتفى بتدوين كتيِّب مختصر يشتمل على أربعين أو ستّين صفحة على الأكثر، ليريح الآخرين من كلّ هذه المشقّة([9])؛ ومقابل هذا الموقف يوجد مَنْ نذر نفسه للدفاع عن جميع آراء ومؤلّفات الملا صدرا، حتّى عن مسألة الانتحال التي نحن بصددها، ولم يقبل هؤلاء بأيّ نوعٍ من التراجع، ظنّاً منهم أن القبول بوجود ضعف في مؤلّفاته هو من قبيل وجود ثقب في جدار السدّ، الذي سوف يؤدي بالتدريج إلى انهيار السدّ من أساسه.

والمقال الذي بين أيدينا، وبعيداً عن اصطفافات التسوية الرافضة، يقوم ببحث مسألة الانتحال في مؤلّفات الملا صدرا، ويحلِّل أجوبة المدافعين عنه. وفي خضم هذه المعمعة من التمجيد والتكفير، والتعظيم والتهوين، يبحث هذه المسألة بأسلوب تحليلي، مع التأكيد على أن إثبات الانتحال في مؤلّفات الملا صدرا لا يعني أبداً إسقاطه عن الاعتبار. وانطلاقاً من هذا الهدف ينبغي أن نوضِّح النقاط التالية:

1ـ هل حدث انتحال في مؤلّفات الملا صدرا؟

2ـ هل يعتبر هذا العمل غير أخلاقي؟

3ـ ما هي أدلّة المدافعين عن الملا صدرا في هذا المجال؟ وما هو مدى مقبوليتها؟

4ـ لماذا لا يمكن المرور بهذه المسألة مرور الكرام؟

 

1ـ هل حدث انتحالٌ في مؤلّفات الملا صدرا؟ ــــــ

يسود تسالم اليوم بين مؤيِّدي الملا صدرا ومخالفيه على أن بعض البحوث والنصوص الموجودة في مؤلّفاته نقلها عن الآخرين؛ تارة بالنصّ؛ وأخرى بالمضمون، دون أن يذكر المصدر. وهذا النقل الخالي عن ذكر المصدر لا يقتصر على موردٍ أو موردين، أو صفحة وصفحتين، بل قام بذلك على نطاقٍ واسع. وصارت هذه المسألة منشأ لطرح ادّعاءات ضدّ الملا صدرا؛ فاتَّهمه البعض بالانتحال، أو السرقة العلمية من الآخرين؛ وفي المقابل حاول بعض المدافعين عنه دفع هذا الاتّهام والشبهة بكلّ ما أوتوا من قوّة. والمعروف أن أول مَنْ تنبَّه إلى هذا الأمر، وأشار إليه في مؤلّفاته، هو الميرزا أبو الحسن جلوه(1238 ـ 1314هـ)، الحكيم الشهير الذي عاش في القرنين الثالث والرابع عشر للهجرة، حيث كان يحظى بمنزلة رفيعة عند الملك القاجاري ناصر الدين شاه. وهو من أشهر المدافعين عن فلسفة ابن سينا والمدرِّسين لها، مع امتلاكه معرفةً دقيقة بفلسفة الملا صدرا، وهو أوّل مَنْ تصدّى لمعارضتها، ووجّه انتقادات إلى الفلاسفة الصدرائيين المعاصرين له. وقد كان معروفاً بدقة الرأي. وكان من عادته أنه يبدأ بتصحيح المؤلّفات، واستخراج مصادرها، قبل قيامه بتدريسها. وفي هذا المجال يقول مرتضى مدرسي جهاردهي، نقلاً عن ميرزا طاهر التنكابني، الذي أخذ يدرِّس كتاب تهميد القواعد، لابن تركة، بدلاً عن الحكيم جلوه، بعد رحيل آقا رضا قمشه: «لقد كانت عادة الميرزا أنه لا يبدأ البحث (التدريس) في أيّ كتاب حتى يصحّحه قبل ذلك. ويقول الميرزا طاهر: لقد رأيت كتاب تمهيد القواعد، الذي كنّا قد درسناه على يد آقا محمد رضا، وفيه سقط لصفحات عديدة، وأحياناً أسطر كثيرة، لكنه كان يقرّر بحوث الكتاب بقوّة البيان العرفاني، لكنّ المرحوم الميرزا أبو الحسن جلوه كان أوّلاً يبدأ بتصحح الكتاب، ثم يبدأ بتدريسه»([10]).

وقد كتب جلوه حاشية على كتاب الأسفار للملا صدرا، وفيه مضافاً إلى إيضاح موارد الغموض في النصّ، وتوضيح ما يحتاج إلى التوضيح، يذكر المصادر الأصلية لكلام الملا صدرا في هذا الكتاب([11]). ومع أن لديه مواقف نقدية لفلسفة الملا صدرا، إلاّ أنه دافع عن رأيه في بعض الموارد، «قبال المعارضين له، ورجَّح نظريته»، وهو ما يتّضح من خلال مطالعة بعض الحواشي التي دوّنها. وكذلك نفهم من خلال مطالعة حواشيه أنه لم يكن لديه نزاعٌ مع الملا صدرا، وليس هذا فحَسْب، بل كان يكنُّ له احتراماً بالغاً، وفي كثير من الأحيان يذكره بإجلال وتبجيل واحترام»([12]).

مضافاً إلى ذلك هناك مَنْ ادّعى «أنه ألف كتاباً تحت عنوان «سرقات صدرا»، وأن هذا الكتاب موجودٌ في مكتبة مجلس الشورى. وقد قام في هذا الكتاب باستخراج وإرجاع الموارد التي أخذها الملا صدرا عن الآخرين»([13]). بينما لا يوجد عينٌ ولا أثر لهذا الكتاب ضمن مؤلّفات جلوه التي وصلت إلينا، وربما يكون المقصود هو نفس الحاشية التي كتبها على الأسفار؛ حيث إنه في بعض الموارد دوّن المصادر التي أخذ عنها هذا الكتاب. ومن الجدير بالذكر أن طريقة جلوه هي أنه كان يستخرج مصادر الأقوال، ويدوِّنها في حواشيه. ولا يختصّ ذلك بكتاب الأسفار؛ ومن هنا فقد كتب حاشية موسَّعة على كتاب الشفاء، لابن سينا؛ بحيث إنه وفقاً لما يذكره مدرسي: «حينما تُطبع حواشي جلوه فسوف يُعلم أنه كان قد عمل وفقاً لأحدث أساليب البحث والتحقيق العلمي والتاريخي»([14]).

وأوّل شخص بعد جلوه ـ الذي حدَّد ودوَّن مصادر كلام الملا صدرا ـ تصدّى لاتّهام الملا صدرا بالانتحال صراحةً هو الأستاذ ضياء الدين دُري، الذي يعدّ من أساتذة الفلسفة في القرن الرابع عشر للهجرة. فقد خصّص في آخر ترجمة كتاب «كنز الحكمة»، للشهرزوري، قسماً للفلاسفة الذين لم يرِدْ ذكرهم في هذا الكتاب. وحين يأتي على ذكر الملا صدرا يتطرق إلى هذا الموضوع. وحينئذٍ يصرّح بانتحالات الملا صدرا، ويذكر موارد عديدة، ويقدم تقريراً أولياً يشتمل عليها. وحين يقوم بتصحيح الأسفار، واستقصاء مصادره ـ وهي أكثر من 115 مصدراً ـ، يكتشف هذا الأمر، الذي يعبِّر عنه قائلاً: «يقوم صاحب الأسفار بإسقاط صدر العبارة وذيلها، وفي أغلب الموارد تكون العبارة المنقولة خطأ. ومن هنا أوقع المدرِّسين السابقين في الشبهة، فتصدّوا لتوجيه العبارات، ووقعوا في الخطأ؛ بسبب ذلك»([15]).

ثم يذكر الموارد التي نقلها الملا صدرا عن غيره، دون أن يذكر مصدرها، ونماذج من الأقوال التي نقلها نقلاً بنحوٍ خاطئ عن مصادر أخرى، ممّا أدّى إلى وقوع شرّاح عباراته في القلق والاضطراب، واضطروا بسبب ذلك إلى توجيه تلك العبارات. وكذلك يوضّح أن الملا صدرا ينقل كلام ابن سينا عن طريق الفخر الرازي، ويرجع إلى مؤلّفات ابن سينا، دون أن تكون كتبه بين يديه. ثم يصرّح بأن الملا صدرا «ينسب إلى نفسه في كثير من الموارد مطالب وأجوبتها، مع أنها ليست له»([16]).

وشيئاً فشيئاً بدأ هذا الادّعاء يكتسب قوّة، فنرى كلّ مَنْ يتصدّى لتصحيح مؤلّفات الملا صدرا يصرّح بذلك ويؤيّده. وكمثال على ذلك: ننقل ما قاله الدكتور جهانگيري في مقدمة تصحيح كتاب «كسر أصنام الجاهلية»، لصدر الدين الشيرازي، حول مصادر هذه الرسالة: «جميع المطالب تقريباً، وأكثر العبارات والروايات المذكورة في كتاب كسر أصنام الجاهليّة، إلاّ موارد قليلة، منقولة عن مؤلفات لآخرين سبقوا الملا صدرا، لكنّه نقلها دون ذكر مصدرها، وبحسب الظاهر دون مصادره الروائية من كتب الحديث المختلفة، إلاّ أنه من بين جميع المصادر يلاحظ أن كتاب إحياء علوم الدين، للغزالي، كانت له مكانةٌ خاصة، حيث اهتمّ به أكثر من غيره من الكتب، وقام بتلخيص مطالبه»([17]).

ثم يذكر في ثماني عشرة صفحة نماذج مفصَّلة لنقل الأقوال دون ذكر المصادر في هذه الرسالة، ثم يقارنها بالمصادر الأصلية.

والدكتور رضا أكبريان الذي صحّح المجلد التاسع من الأسفار، وفي عدة موارد من هوامش الكتاب، يقول مع شيء من الحيطة: «عبارات المصنّف في هذا الباب جاءت في المباحث المشرقية مع شيءٍ من التغيير»([18])؛ أو «مطالب هذا الفصل شبيهة بمطالب المباحث المشرقية»([19])، ثم يذكر المصدر الأصلي من أجل المقارنة.

وفي الحقيقة فإن الملا صدرا هنا([20]) ينقل ما يقارب عشرين صفحة عن الفخر الرازي([21])، طبعاً دون أن يشير إلى المصدر، بل يكتفي بمجرّد تجميلها ببعض كلماته وعباراته.

وكذلك يشير الشيخ جوادي الآملي، في شرحه على الأسفار الأربعة، في بعض الموارد إلى هذه النقطة، ومنها: قوله: «بعض مطالب هذا الفصل مطابقة للمطالب التي ذكرها الفخر الرازي في المباحث المشرقيّة»([22]).

و«المرحوم ابن سينا بيَّن برهان الصديقين في الفصل التاسع والعشرين من النمط الرابع من الإشارات والتنبيهات، والمرحوم المحقّق الطوسي شرحه، وقسم من عبارات هذا الفصل من الأسفار هو عين عبارات شرح إشارات الخواجة»([23]).

وقد ادّعى السيد أحمد خسروجردي أن الملا صدرا نقل كثيراً من مطالب الآخرين في كتبه، وهذا النقل: «لم يكن جملة أو جملتين، بل أحياناً نقل في كتابه صفحة كاملة، وأحياناً أربع صفحات، وأحياناً ينقل الفصل والفصلين من كتب الآخرين، دون أن يجري أيّ تغيير عليه»([24]).

ويشير السيد ذكاوت إلى نقّاد الملا صدرا الذي أشكلوا عليه في هذا المجال، قائلاً: «هناك فصل كامل في عشق الفتيان موجود في الأسفار، وهو بعينه موجود في رسائل إخوان الصفا، وكلّ مَنْ يريد التأكُّد فعليه المقارنة بينهما»([25]).

ولقد أجريت شخصياً هذه المقارنة، وكانت النتيجة عجيبة، وهي مطابقةٌ لما قاله بالضبط. فالرسالة السابعة والثلاثون من رسائل إخوان الصفا في ماهية العشق([26])، وقد خصّص الملا صدرا فصلاً من الأسفار لماهية العشق وأنواعه، وخاصة عشق الظرفاء و
الفتيان للأوجه الحسان([27]).

ويتّحد الفصلان تقريباً في البداية، والبحوث، والمسائل، والشواهد، والأساليب الأدبية، وطريقة الاستدلال. والاختلاف الوحيد بينهما إنما هو في تصدير وتذييل بعض العبارات، وإضافات إلى العبارات الأصلية لإخوان الصفا.

ورسالة إخوان الصفا دقيقة، وعباراتها مختارة، وخالية من الإضافات والعبارات الحادّة، لكن صدرا سمح لنفسه بتقديم وتأخير العبارات، والفصل بين عبارات إخوان الصفا بجملٍ من عنده، ممّا قلّل من انسجامها، وأدّى إلى الإطناب في المتن بلا موجبٍ.

وننقل هنا نموذجاً لأحد الموارد من أجل التقييم. حين يبحث كتاب إخوان الصفا عن علّة عشق الرجال للفتيان المُرْد يبيّن أنه يشتمل على حكمة وعلّة نشر المعرفة والعلم، حيث جاء في كتاب إخوان الصفا: «ثمّ اعلم أن الأطفال والصبيان إذا استغنوا عن تربية الآباء والأمهات فهم بعدُ محتاجون إلى تعليم الأستاذين لهم العلوم والصنائع؛ ليبلغوا بهم إلى التمام والكمال. فمن أجل هذا يوجد في الرجال البالغين رغبه في الصبيان، ومحبّة للغلمان؛ ليكون ذلك داعياً لهم إلى تأديبهم وتهذيبهم وتكميلهم للبلوغ إلى الغايات المقصودة بهم. وهذا موجودٌ في جبلة أكثر الأمم التي لها شغف في تعلم العلم…»([28]).

وصدرا أيضاً يرى نفس هذه الرؤية؛ لأن هذه العادة موجودة ـ طبعاً ليست بدافع الجنس والشهوة ـ بين الأمم المتعلِّمة، فإذن هي مطلوبة ولم تُخلق عبثاً. وإن كانت الأمم الخشنة القاسية بعيدة عن هذه العادة، وهي، كالحيوانات، بصدد الرغبة في النساء لا غير. ثم يكتب في بيان الفلسفة الوجودية لهذه العادة، ثم يأتي بنفس العبارة المتقدّمة لإخوان الصفا، مع شيءٍ يسير من الإضافة والتغيير، حيث يقول: «فإن الأطفال والصبيان إذا استغنوا عن تربية الآباء والأمهات فهم بعدُ محتاجون إلى تعليم الأستاذين والمعلمين وحسن توجههم والتفاتهم إليهم بنظر الاشتياق والتعطّف. فمن أجل ذلك أوجدت العناية الربانية في نفوس الرجال البالغين رغبةً في الصبيان وتعشقاً ومحبةً للغلمان الحسان الوجوه؛ ليكون ذلك داعياً لهم إلى تأديبهم وتهذيبهم وتكميل نفوسهم الناقصة وتبلغيهم إلى الغايات المقصودة في إيجاد نفوسهم…»([29])

وحين يبحث العلاّمة الحائري المازندراني في رسالة ابن سينا، في باب العشق، يقول: «عقد صدر المتألهين في الأسفار فصلاً للعشق، وقد مزج فيه بعض محتويات هذه الرسالة، دون أن يذكر اسمها، بكلامٍ آخر، وعنوان الفصل هو نفس عنوان الفصل الخامس من رسالة العشق»([30]).

ويشير الحائري اليزدي ـ وهو من المدافعين عن الملا صدرا، والمعارضين لنسبة الانتحال إليه ـ أيضاً إلى هذا الأمر، حيث يقول: «من الشائع لدى صدرا أنه كان أخذ أقساماً من كتابه الأسفار الأربعة، وبعض كتبه الأخرى، من الآخرين دون أن يذكر اسم المصدر المأخوذ عنه، ثم ينسبها إلى نفسه. والمؤلّف عثر بنفسه على عدّة موارد اقتبسها من المباحث المشرقية، وذكرها في الأسفار الأربعة دون أن يذكر مصدرها»([31]).

والسيد ذكاوتي قراگوزلو يشير إلى قوّة حفظ ملا صدرا، ويذكر موارد متعدّدة لما نقله عن الآخرين دون ذكر مصدر لها، ثم يستنتج قائلاً: «وهنا ينشأ شكّ وظنّ في بعض عبارات الأسفار الجميلة»([32]).

وفي الختام يصرح الدكتور غلام حسين إبراهيمي ديناني بأن صدرا «في كثير من الموارد يذكر نفس عبارات الفلاسفة والمتكلّمين والعرفاء السابقين، ولكن لا يشير من بعيدٍ ولا قريب إلى المصدر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن اعتبار هذا العمل الصادر من هذا الحكيم الإلهي عملاً مبرَّراً»؟([33]).

لكنه يمتنع عن الإجابة عن هذا السؤال، ويمرّ به دون أيّ توضيح.

ويستفاد من مجموع هذه الشواهد أن الملا صدرا نقل في مؤلّفاته، وخاصة الأسفار، الكثير من مطالب الآخرين، ولم يُشِرْ إلى مصادرها. وهذا ما اتَّفق عليه المؤيِّدون والمعارضون لصدرا. وعليه فإن الإجابة عن هذا السؤال الأساسي في البحث هو بالإيجاب؛ لكنّ المسألة الأصلية هي: هل أن هذا العمل مرفوض أخلاقياً أم يمكن توجيهه؟

 

 2ـ هل يعتبر الانتحال عملاً غير أخلاقي؟ ــــــ

لا شكّ اليوم بين المتخصِّصين في أخلاق البحث والتحقيق بأن الانتحال هو عمل غير أخلاقي، ويعرَّف بأنه جريمة أو سرقة علمية. وهذا الأمر متَّفق عليه. إن الانتحال هو تعدٍّ على حقوق الآخرين؛ حيث ينسب الإنسان إلى نفسه عملاً لم يقُمْ به، وهو كذبٌ وتحريف للحقيقة. وإذا ثبت في حقّ شخصٍ يمكن حينئذٍ ملاحقته قضائياً، ويؤدّي به إلى فضحية أخلاقية. إن قبح الانتحال، الذي هو بمنزلة سرقة النتاج الأدبي والفني والعلمي من الآخرين، ونسبته إلى النفس، شديدٌ جدّاً، بحيث سعى البعض إلى التقليل من قبحه، وعبَّروا عنه بعبارة أخفّ. مثلاً: يقول السيد ذكاوتي قراگوزلو: «التعبير بالانتحال إنّما هو لتجنُّب التعبير بـ «السرقة»؛ حيث إن كلمة السرقة هي في الواقع شديدة جدّاً، ولا تليق بمكانة الملا صدرا العلمية ونبوغه، بينما كلمة الانتحال تعني أن ينسب الإنسان إلى نفسه مطالب الغير دون وجه حقّ»([34]).

ومع ذلك فإن مجرد تغيير العبارة لا يغني من الحق شيئاً؛ لأن الانتحال هو السرقة بعينها. ونذكر لذلك مؤيِّداً واحداً، وهو أن التهانوي يعرِّف الانتحال بجملة واحدة، حيث يقول: «قسم من السرقة، وهو النَّسْخ»([35]).

ولا يرتفع الإشكال بتغيير التعبير. وفي كلٍّ من: التعريف العربي، والفارسي، والإنجليزي، للانتحال ورد تقريباً التعبير بالسرقة. والتعبير الإنجليزي (plagiarism) للانتحال يعني عملاً بمعنى السرقة. واليوم نرى مختلف المصادر التي تطرَّقت لبحث الانتحال تبدأ في تعريفه أولاً بذكر قيد السرقة، ثم تتطرّق إلى مختلف الأبعاد الأخلاقية، وتذكر الدليل على أنه عمل غير أخلاقي. مضافاً إلى ذلك فإن الحقّ مع مَنْ قال بأن الانتحال أسوأ حالاً من السرقة؛ لأنه في السرقة إذا تنازل المسروق منه عن حقّه والأموال التي سُرِقَتْ منه فإنها تصبح ملكاً للسارق، لكنّ الأمر مختلف في الانتحال، فحتّى لو تنازل الشخص المنحول منه، ورضي بفعل المنتحِل، وأن ينشر البحث العلمي باسم السارق المنتحِل، مع كلّ ذلك يبقى العمل من الناحية الأخلاقية سرقةً. والحقيقة أنّ صاحب النتاج العلمي لا يمتلك الحقّ بأن يُمارس مثل هذا الكَرَم؛ لأنه سوف يشارك بعمله هذا في خداع المجتمع العلمي، ويسهِّل ترويج الخداع([36]). والحاصل أن الانتحال هو السرقة بعينها، بل هو أشدّ منها قبحاً من الناحية الأخلاقية. وبما أننا بحثنا هذا البحث في مكانٍ آخر([37]) فلا أتوسَّع فيه هنا أكثر من ذلك.

 

3ـ ما هي أدلّة المدافعين عن الملا صدرا في هذا المجال؟ وما هو مدى مقبوليّتها؟ ــــــ

إن وضوح نقل الأقوال في مؤلّفات الملا صدرا دون ذكر مصدرها بلغ مستوىً لم يدع مجالاً لإنكاره من أيّ شخص في أيّامنا هذه. وغاية الأمر أنّه قلما نجد اليوم من يسلِّم بوجود الانتحال في مؤلّفات الملا صدرا بنحوٍ كامل. وباستعراض مؤلفات المدافعين عن الملا صدرا نفهم أنهم بذلوا جهوداً حثيثة لتوجيه هذا العمل بنحوٍ ما؛ لكي لا يصاب صدرا في مقامه العلمي وشخصيته الأخلاقية بصدمةٍ شديدة. وغالبية المدافعين عن صدرا يسعون إلى تقديم مختلف الأسباب لحلّ هذه المشكلة، أو على الأقلّ التقليل من قبحها. ومع كلّ ذلك، وفي حدود علمي، لم يتمّ تقديم شيء منتظم ومنسجم لتوجيه ما قام به صدرا. وغالباً ما يشير المدافعون عنه ضمن مؤلّفاته بشكل استطرادي أو في الهامش إلى هذه المسألة، ثم يتجاوزونها ويمرّون عليها مرّ الكرام. ومن هؤلاء: السيد جلال الدين الأشتياني، حيث أشار في مواضع عدّةٍ إلى هذه النقطة، وقال في أحدها: «إن أول شخص أراد تخطئة ملا صدرا تلويحاً، وحاول بشكلٍ مباشر القدح فيه، هو الميرزا أبو الحسن جلوه(1312هـ)، حيث إنه كان يشير في درسه إلى مصادر أقوال الملا صدرا. وفي عصرنا أيضاً فإن السيد ضياء دُرّي& وشخصاً أو شخصين آخرين من الفضلاء المعاصرين، من الذين لا أظنّ أنهم يدّعون المعرفة بالفلسفة، حاولوا بمنتهى عدم الإنصاف، وبسبب الجهل وعدم المعرفة، أن يشيروا إلى ما توهّموه سرقات علمية لملا صدرا. لقد كان السيد أبو الحسن جلوه متمكناً من الطبيعيات، أقصد طبيعي الشفاء والعلوم الرياضية التي كانت سائدة في المدارس القديمة قبل سبعين أو ثمانين عاماً، وكذلك في الإلهيات بأسلوب وطريقة الشيخ الرئيس، وكان يقرّر كلمات الشيخ بشكل سطحي، لكنْ لم يكن لديه أيّ تخصص في فلسفة الآخوند (الملا صدرا)، وأما في العرفانيات (الصوفيات) التي هي إحدى أدوات فهم كلمات الملا صدرا فقد كان صفر اليدين»([38]).

يحاول الدكتور مهدي الحائري اليزدي أيضاً أن يعالج هذه القضية في هامش كتابه بالنحو التالي: «ويقال بأن المرحوم جلوه ـ وهو من حكماء عصره ـ؛ لأنه كان يغبط الحكيم المؤسّس آقا علي مدرس على ما ناله من مكانة في التدريس، راح يبذل جهده في تتبع الملا صدرا، وألّف كتاباً أسماه «سرقات صدرا». وهذا الكتاب موجود في مكتبة المجلس. وقد استخرج في هذا الكتاب الموارد التي أخذها صدرا عن الآخرين، وأرجعها إلى مصادرها الأصليّة»([39]).

أما السيد غلام حسين رضا نجاد فنراه يكتب في وصف السيد ضياء الدين ـ وهو الذي كشف بصراحة انتحالات الملا صدرا ـ قائلاً: «لقد انتهى به تعصّبه وتشدّده في هذا الأمر إلى الإفراط، وهتك حرمة نابغةٍ في غاية السمو والرفعة والعظمة، من قبيل: صدر حكماء العالم الملا صدرا. وفي نهاية المطاف أثبت بهذا الأسلوب أن نفسه ليست مصداقاً لـ (الحكيم مَنْ أتقن قوله وفعله). ولم تكن الحكمة فيه سوى صور ونقوش ذهنية، وعلى مستوى حفظ الاصطلاحات، وموارد صحة استعمالها لا غير، وإلا لن ينسب إلى ربّ هذا الفنّ صدر المتألهين سرقة عبارات الحكماء. […] ولا يجوز […] طعن ومهاجمة فيلسوف عالمي، وحكيم إلهي، وعارف صمداني، وعالم متعالي، بحجم صدر المتألهين من أجل نقله بعض عبارات الحكماء، وبهذا النحو العنيف، وتجاهل الأوصاف التي لا تحصى، والتي تمتع به هذا العالم بالله، والعارف والسالك إلى الله. مضافاً إلى ذلك فإن ضياء دري غفل عن أن الحكيم والفيلسوف يتعاطى مع المنطق والمعقول، لا مع العلوم النقلية، بحيث كلما أورد عبارة لعالمٍ أو حكيم يجب عليه حتماً أن يذكر اسم صاحب العبارة. مضافاً إلى أنه أحياناً يكون مقتضى البلاغة في موارد الطعن والقدح اللفظي هو عدم ذكر اسم صاحب الكتاب، أو العبارة المنقولة. ولذلك نرى الحكماء في هذه الموارد غالباً ما ينقلون الكلام معبِّرين عنه بكلمة (قيل)، ولا يذكرون اسم القائل. وبغضّ النظر عن البحوث المتقدمة فإن الحكيم إنما يهمّه المقول، لا القائل. وهذا الأسلوب ما يزال متداولاً لدى أكابر علم الحكمة في عصرنا الحاضر»([40]).

إن كلاماً من هذا القبيل يكثر تداوله بين المدافعين عن الملا صدرا، لكن قلما توجد لديهم جهود استدلالية منظّمة. ومن خلال مراجعة كلام المدافعين عنه يمكن تصنيف الدفاعات التي أقيمت لأجله على النحو التالي:

أـ تسقيط مدعي الانتحال.

ب ـ تخفيف وطأة الانتحال.

ج ـ ادّعاء شيوع الانتحال في الماضي.

د ـ ادّعاء تعدد الأساليب في الإرجاع إلى المصادر.

هـ ـ ادّعاء أن بحث الانتحال غربيّ.

و ـ التمسّك بشعار أن «الحكيم إنّما يعنيه القول، لا القائل».

وربما يكون هذا التقييم غير دقيق ولا جامع، لكنه على كلّ حال مفيدٌ في تقدّم البحث. والآن يمكننا أن نتأمل في تحليل هذه الأدلة والدفاعات.

 

أـ تسقيط مدّعي الانتحال ــــــ

الأسلوب السائد لدى أشخاص من قبيل الآشتياني والحائري اليزدي في التعاطي مع مسألة الانتحال هو الهجوم على الميرزا أبو الحسن جلوه، والسيد ضياء دري، وسائر مدّعي الانتحال. وقد ركز هؤلاء المدافعون على جهل المنتقدين، وسوء نواياهم، ودوافعهم المغرضة، وسعَوْا إلى الكشف عن عدم صلاحيتهم. وكمثال لذلك: يدعي الآشتياني في حقّ جلوه ما يلي: «لقد كان عاجزاً عن فهم معضلات البحوث العرفانية، والحكمة الذوقية، والحكمة المتعالية بأسلوب الملا صدرا([41]). ومع أنه يبذل جهوداً لفهم الأسفار والكتب العرفانية لكنّه لم يحقق شيئاً»([42]).

ويسعى الآشتياني في عدّة صفحات كي يظهر الحكيم جلوه على أنه إنسان بليد، لا يمتلك القدرة على فهم كلام صدرا، ولهذا السبب اتّجه إلى نسبة الانتحال إليه. وحسب قول الآشتياني: «بدل أن يتجه ذلك المرحوم إلى حلّ معضلات الكتب الفلسفية ذهب إلى تتبُّع نسخ الكتب، وكان يقضي أغلب أوقات درسه (حسب نقل أساتذتنا الكبار) بتطبيق النسخ، قائلاً: «إنْ قلتَ قلتُ»([43]).

أو «المعروف أن آقا ميرزا حسن كرمانشاهي […] كان يقول بأن الميرزا أبا الحسن إلى أن مات كان عاجزاً عن تصوير حركة الجوهر»([44]).

ويرى الحائري اليزدي بأن هذه الحركة سوء ظن تجاه كتب صدر المتألهين، ويهاجم المنتقدين، ويتهمهم بعدم رعاية الأدب، ويدّعي أن جلوه ألّف كتاب «سرقات صدرا» بدوافع غير حسنة([45]).

ويذهب رضا نجاد بدوره إلى أن جلوه ليس حكيماً، وأنه لم ينتفع من الحكمة «سوى الصُوَر والنقوش»([46]).

وهذه الطريقة في الإجابة يعترضها ثلاثة إشكالات:

1ـ هي خلاف الواقع؛ 2ـ هي غير أخلاقية؛ 3ـ فيها خروج عن البحث.

والإشكال الأول في هذا الجواب هو أنه لا ينسجم مع الحقيقة العلمية، والحياة الفكرية لجلوه، ويبتني على مجرد الظنون الواهية؛ حيث إنه لم يثبت في المصادر وجود كتاب بعنوان (سرقات صدرا)، ولا يُعلم منشأ هذا الادّعاء. والأمر الآخر أن هناك شواهد بين أيدينا على القدرة العلمية لجلوه، منها: حاشيته على الأسفار، فهي تقرير لتدريس الحكمة الصدرائية. وبحسب ما كتبه رضا زاده: «إن حواشيه على الأسفار تكشف عن تدريسه لأسفار الملا صدرا مراراً وتكراراً»([47]).

وفي الأساس فإن هذا الفهم الذي يدعي أن جلوه كان بصدد معارضة صدرا يعترضه تشكيكٌ قوي. وفي هذا المجال يقول السيد رضا زاده، وهو الذي قام بتصحيح مؤلّفات جلوه، ومن الطبيعي أن يكون قد طالعها بدقّة: إنه بمراجعة هوامش جلوه على الأسفار نفهم «أن هذه الحواشي كانت تسعى لتوضيح مراد المصنف، والكشف عن مقصود الملا صدرا، وليس انتقاد آرائه»([48]). وكذلك فإن مراجعة هذه الهوامش والتعليقات تكشف عن أن مسألة عدم تمكّنه من الأسفار والحكمة الصدرائية «ليس كلاماً صائباً»([49]). وحسب ما كتب رضا زاده لا يفهم مما كتبه جلوه أنه كانت لديه عداوة مع صدرا، وهذا الادّعاء نموذج للمقولة المعروفة: ربّ مشهور لا أصل له، و«على الأقلّ لا يستفاد مثل هذا الأمر مما كتبه هو أو تلامذته»([50]).

ورضا زاده وإنْ كان يتصور في بداية عمله بأن حواشي الأسفار هي نقدية، لكنه في نهاية تحقيقه فهم «أن أكثرها توضيحية، وشرح لكلام المصنّف»، وجاءت على خلاف ما كان يتوقّع، و«في هذه الحواشي ليس أنه لا يوجد نقدٌ جادّ فقط، بل يذكر فيها صدرا بإجلال وتقدير»([51]). وعليه فإن الإشكال الأول على طريقة الإجابة هذه هو أن هذا الجواب لا دليل عليه، وهو خلاف الحقيقة. وكذلك فإن حواشي جلوه على فصوص الحكم لابن عربي، وتدريسه للعرفان، يخدش ادّعاء كونه صفر اليدين في مجال العرفان.

الإشكال الثاني على هذا النمط من الإجابة هو أن فيه خروجاً عن الأصول الأخلاقية في فهم وتفسير عبارات الآخرين. فعلى فرض أن جلوه كان معارضاً لصدرا لماذا يُدّعى أن ذلك ناشئٌ عن الحسد؟ فيتم تصويره على أنه يحمل ضغينة وأشياء من هذا القبيل، ثم يُصوَّر نقده على أنه ناشئ عن ضعف المستوى العلمي، وأنه فاقد للحكمة. لقد تمّ هنا تجاهل أحد بديهيات فهم رأي الآخرين، ألا وهو أصل الحمل على الصحّة، وتفسير كلام الآخرين بأفضل ما يمكن. لقد كان جلوه حكيماً بمستوى الحكماء المعاصرين له، أو أفضل قليلاً منهم أو أدون كذلك، لكنْ مجرد انطلاقه من مسلكه السينائي، ونقده لصدرا والحكماء الصدرائيين المعاصرين له، لا يجوِّز لنا عدَّه فاقداً للسجايا الأخلاقية النبيلة، وأن نهاجم شخصيته. وحسب قول رضا زاده فإن الآشتياني؛ وبسبب محبته الشديدة لصدرا، هاجم شخصية جلوه، و«مع الأسف انتقل من انتقاد الرأي إلى انتقاد الشخص نفسه»([52]). ومن المفارقات أن جلوه كان من الناحية الأخلاقية يمتلك شخصية محبَّبة، ولقد تحدَّث كتّاب السيرة حول منعة طبعه، وبساطة عيشه، وسهولة خُلُقه، وسلوكه الإنساني»([53]).

والإشكال الثالث على هذا الجواب هو أنه على فرض صحة جميع الكلمات والأحكام التي أصدرها أشخاصٌ من قبيل: الآشتياني والحائري فليس المقام مقام جرح وتعديل شخصية جلوه. والنزاع يدور في موضعٍ آخر. فقد حدثت واقعة باسم «الانتحال»، وعلى هؤلاء العلماء أن يجيبوا عنها، وأن يبيِّنوا أن لهذا العمل توجيهاً معقولاً. ولا نواجه اليوم مجرّد اتهام غير ثابت أصدره جلوه؛ لكي نحاول من خلال جرح شخصيته أن نثبت أن هذا الاتّهام باطل. فالانتحال واقعي، يعترف به حتّى الآشتياني والحائري. لذلك يجب البحث حول الانتحال في مؤلّفات الملا صدرا، بغضّ النظر عن شخصية جلوه وكيف كان. وينبغي الابتعاد عن المساس بشخصية جلوه وغيره.

 

ب ـ تخفيف وطأة الانتحال ــــــ

يقبل البعض ضمناً بوجود الانتحال، لكنّهم يسعون إلى تصويره على أنّه كان طفيفاً، وفي موارد قليلة. وهذا الأسلوب يتمّ بطريقتين أساسيتين: فأحياناً يُقال بأن كمية موارد الانتحال قليلة جداً؛ وأحياناً يقال بأن المسائل التي تمّ الانتحال فيها هي مسائل فرعية ومعلومات عامّة.

والطريقة الأولى يمكن ملاحظتها في المقطع التالي بوضوح: «إذا ذكر المؤلف في بداية الكتاب، أو في أيّ فصل من فصوله، عبارة بسم الله، أو أدرج آية أو رواية ضمن كلامه لتجميل عبارته، وكذلك إذا استخدم مقطع شعر لغيره ضمن مقطوعته الشعرية أو النثرية، فقطعاً لا يسمّى كلّ واحد من هذه سرقة، بل يعتبر هذا من المحسِّنات. وإذا كان هذا الاقتباس ليس طبيعياً في الأسلوب الأدبي الغربي فلا يعتبر هذا سبباً لنحترق بنارهم، أو نرقص على أنغامهم»([54]).

والآشتياني يستعمل الطريقة الثانية في جوابه في النصّ التالي، حيث يقول: «ذكر صدر المتألهين مطالب كثيرة للناس في كتابه هذا [الأسفار]. لكن هذه المطالب التي أخذها من غيره كانت بسيطة وسطحية وشائعة، وهي غير التحقيقات المختصة به. وأهمية صدر المتألهين إنما هي في التحقيقات الرشيقة المختصة به»([55]).

وكذلك يستفيد الحائري اليزدي من هذه الطريقة بالكيفية التالية: «إنما تصدق السرقة فيما لو أخذ السارق فكرة أو مالاً مختصّاً بالآخرين، عمداً ودون شراء ولا إجراء المراسم الشرعية والقانونية في مجال نقل وانتقال الملكية. وأما الأفكار العامة فحالها حال الأملاك العامّة والشوارع العامّة، ليست ملكاً لشخصٍ خاص، ويحق للجميع الاستفادة منها»([56]).

وهذا الجواب، مضافاً إلى أنه غير أخلاقي؛ لأنه يقدّم تصويراً مضحكاً لانتقادات الآخرين، ويمسخ ادّعاء النقّاد، هو لا يسمن ولا يغني من جوع؛ حيث إن ادّعاء المنتقدين ليس هو لماذا ورد في مؤلفات الملا صدرا «بسم الله»، أو مقطع شعريّ، دون ذكر المصدر؟ حيث إن الكلام ليس حول نقل جملة أو جملتين ليمكن التغاضي عنها، بل المسألة نقل الفصل والفصلين، وفي بعض الأحيان نقل الملا صدرا بحثاً كاملاً من كتاب آخر. كما أن البحوث التي أثيرت حولها الانتقادات لا تدخل ضمن العلوم العامة، وبحسب تعبير الحائري: الشوارع العامة، ليمكن الإجابة عن النقد بهذا النحو، بل هي بحوث محدَّدة، ووليدة تأمّلات شخصية للآخرين. وحسب ما كتبه السيد ضياء دري فإن صدرا «في كثير من الموارد ينسب بيان المطالب وجواب الآخرين إلى نفسه»([57]).

إن نقل مطالب الآخرين على نحو واسع، وخاصّة البحث الخاص بأحد العلماء، يختلف اختلافاً كلياً عن آية أو رواية دون ذكر مصدرها. ينقل واعظ زاده الخراساني قائلاً: «في مجلس ضمّ كلاًّ من: الشهيد مرتضى مطهري، والشهيد محمد بهشتي، قال السيد محمد فريد النهاوندي ـ وهو أحد فضلاء طلاب العلوم الدينية ـ: نسب صدرا إلى نفسه في كتاب الأسفار بعض آراء الفخر الرازي في المباحث المشرقية، دون أن يذكر المصدر، بل حتّى في الموارد التي قال فيها الفخر: «هذا ممّا لم يسبقني إليه أحدٌ» نقله ونسبه إلى نفسه. فتعجّب البعض، وأنكر آخرون. فجاء بالكتابين، فقرأ أحدهم المباحث المشرقية، وقام الآخر بمقارنته بالأسفار، فكانت النتيجة أن العبارة كانت متطابقة تماماً»([58]).

ويرى الدكتور محسن جهانگيري أن الجزء الأصلي من كتاب كسر أصنام الجاهلية مأخوذٌ من المتقدمين، وخاصة من كتاب إحياء علوم الدين، للغزالي. وعليه فإن الدفاع المتقدّم لا يجدي نفعاً. مضافاً إلى ذلك فإنه في بحث الانتحال لا يؤثّر العمد والتعمد، بل يكفي تحقّق هذا العمل، لكي يثبت الانتحال([59]). هذا أوّلاً.

وثانياً: هناك قرائن تدلّ على أن الملا صدرا كان بحسب الظاهر يترك ذكر المصادر عن علم وتعمّد؛ حيث إنه، وفقاً لما نقله الدكتور جهانگيري، أشار في كتابه كسر أصنام الجاهلية بنحوٍ عام إلى أن هذا الكتاب مأخوذ من كتب المتصوّفة والعرفاء، حيث قال: «فهذه جملة من مجامع علامات المحبين لله (تعالى)، نقلتها تلخيصاً من كتب المتصوّفة والعرفاء، ليكون دستوراً لمَنْ أراد أن يتعرف على حال أحباء الله»([60]).

ومع ذلك، ووفقاً لتصريح مصحّح هذه الرسالة الدكتور محسن جهانگيري، فإنه في النسخة الأصلية بخط المؤلِّف جاء بعد عبارة: «من كتب المتصوِّفة والعرفاء» عبارة: «خصوصاً الأحياء»، لكنّ الظاهر أن المؤلِّف نفسه حذفها([61]).

 

ج ـ ادّعاء شيوع الانتحال في الماضي ــــــ

أكثر الأجوبة رواجاً في ردّ المنتقدين هو ادّعاء أن هذا العمل كان طبيعياً في الماضي، وكان دأب العلماء على عدم ذكر المصادر التي ينقلون عنها، وأنهم كانوا ينقلون أقوالاً عن هذا وذاك، دون الإرجاع إلى قائلها. وأحياناً يستفيد الآشتياني من هذا الجواب، حيث يقول: «خلافاً لما يتصوّره قصّار النظر، فإنّ الآخوند الملاّ صدرا لم يكن مستعدّاً لأن ينسب لنفسه أقلّ بحث أو مطلب علمي من بحوث ومطالب الآخرين. وأما العبارات الكثيرة التي تُرى في مؤلَّفاته من كلام الآخرين، والمنقولة عنهم، فأوّلاً: هو يذكر في بعض كتبه المصدر الذي ينقل عنه؛ وثانياً: إن هذه العادة كانت متعارفة بين علماء السلف، ولا تختصّ بالملاّ صدرا»([62]).

فهو، مع قبوله أنّ «ملاّ صدرا نقل في بحوث الحركة عبارات عن الفخر الرازي، ولم يشِرْ إلى مصدرها»، يدّعي «أنّ ما نقله صدرا كانت مطالب رائجة، وهذا النهج كان طبيعياً ومتعارفاً بين القدماء والمتأخِّرين، وكلّ مَنْ كان يحضر درس الآخوند، أو كان من أهل قراءة ومطالعة هذه الأفكار، فهو يعلم أن هذه العبارات منقولة عن المباحث المشرقية، للفخر الرازي»([63]).

ويرى رضا زاده بدوره أن عدم ذكر المصدر لا يعتبر نقصاً في عمل ملاّ صدرا؛ لأنه «لم يكن من المتعارف أصلاً ذكر المصادر»([64]).

وبحسب قول واعظ زاده، فإن الشهيد مرتضى مطهّري استند في دفاعه عن صدرا إلى هذه النقطة، حيث يقول: «لقد كان متعارفاً بين العلماء أنهم في بيان المطالب العلمية إذا رأوا أن كلام عالمٍ آخر يبيِّن بشكلٍ مناسب نظرياتهم فإنهم ينقلون نصّ عبارته، دون أن يذكروا مصدرها، فينقلون تلك العبارة اقتباساً»([65]).

وهذا الجواب يدّعي بأن قبح الانتحال أمرٌ طارئ وجديد، وأما في الماضي فقد كان العرف السائد والثقافة الشائعة بين العلماء السَّلَف نقلَ قول الآخرين دون إسنادٍ إليهم. فإذا كان هذا الادّعاء يريد أن يقول: إنه في الماضي كان يوجد أشخاص، وربما أشخاص كثيرون، لا يذكرون مصادر الأقوال التي ينقلونها، فهذا الأمر صحيحٌ، لكنّه لا يستفاد منه صحّة الانتحال. وإذا كان المقصود هو أنه في الماضي كان السلوك والمعيار العلمي السائد في المجتمع هو تقبُّل الانتحال فهذا الادّعاء مخالف للواقع. فالانتحال بمعنى أن ينسب الإنسان مؤلّفات الآخرين إلى نفسه لم يكن أمراً مقبولاً ولا مستساغاً في التقاليد الإسلامية، وبين علماء السلف، ولقد كان العلماء طوال التاريخ يشكون من سرقة مؤلَّفاتهم من قبل اللصوص، ويؤكِّدون على عدم صحّة هذا العمل. ونفس بحث الانتحال أو السرقات وتهمة الانتحال وسرقة نتاج الآخرين العلمي، التي كانت توجَّه طوال التاريخ إلى هذا العالم أو ذاك، تكشف بوضوحٍ عن قبح هذا العمل في الساحة الثقافية الإسلامية.

وهنا نكتفي بنقل تصريح بعض العلماء في فتراتٍ تاريخية مختلفة.

ينقل أبو الحسن الهويجري، في مقدّمة كتابه كشف المحجوب، أنّ الآخرين سرقوا كتابه مرّتين، ونسبوه إلى أنفسهم. لذلك ومن أجل منع تكرار هذا الأمر نراه يصرّ على تدوين اسمه على الكتاب([66]).

ويعدّ الغزالي، في القرن الخامس الهجري، الانتحال أحد نماذج انخداع العلماء والمؤلّفين، وذلك في كتاب ذمّ الغرور من كتابه (إحياء علوم الدين)، حيث يقول: «ولعلّه يحكي من الكلام المُزيَّف ما يزيد في تزييفه، فيعزوه إلى قائله، وما يستحسنه فلعلّه لا يعزوه إليه، ليظنّ أنه من كلامه، فينقله بعينه، كالسارق له، أو يغيِّره بأدنى تغيير، كالذي يسرق قميصاً فيتَّخذه قباءً، حتّى لا يُعرف أنه مسروق»([67]).

ويترجم مؤيد الدين الخوارزمي، في القرن السابع، هذا النصّ في كتابه([68]).

وبعد أن كتب سعد الدين التفتازاني شرحاً على كتاب تلخيص المفتاح، للقزويني، يتحدّث في مقدّمة شرحه المختصر عن المنتحلين، الذي أغاروا على كتابه وانتهبوه، ومسخوه، مبدياً قلقه من ذلك([69]).

وأما السيد علي خان المدني الشيرازي فهو أيضاً، في خاتمة شرحه على الصحيفة السجادية، يلجأ إلى الله من لصوص العلم، ويذكر تقريراً مرّاً عن السرقة التي تعرض لها نتاجه العلمي، ويستعين بالله في حفظ كتابه، حيث يقول: «وأنا أسأل الله تعالى بجاههم العظيم، المحلّى بدرّ الشرف النظيم، أن يصونه عن كلّ ناصب مارق، وكلّ غاصب سارق». ثم ينقل الحادث الذي حدث له([70]).

وأخيراً فإن الشيخ آغا بزرگ الطهراني حين يتعرّض لكتاب بيان السعادة في مقامات العبادة، تأليف سلطان محمد الكنابادي، يوضِّح قائلاً: «نبَّهني العالم البارع المعاصر السيد حسين القزويني الحائري بانتحالٍ وقع في هذا التفسير، يكشف عن كونه لغيره، ولو في الجملة، فإنّ ما أورده في أوله من تشقيق وجوه إعراب فواتح السور من الحروف المقطّعات، وإنهاء تلك الشقوق إلى ما يبهر منه العقل، توجد بتمام تفاصيلها وعين عباراتها في رسالة الشيخ عليّ بن أحمد المهائمي الكوكني النوائتي (المولود سنة 776، والمتوفّى سنة 835)([71]). وسلطان حسين تابنده الكنابادي، في بيانه لحياة سلطان محمد، ينقل كلام الشيخ بعَتَبٍ، ويسعى إلى ردّ هذا الاتّهام، من خلال ذكر ستّ نقاط»([72]).

إن النماذج المتقدمة، وبحث السرقات، والجهود المبذولة لتعيين حدودها، تكشف بوضوحٍ أن الانتحال لم يكن بأيّ حالٍ أمراً قانونيّاً في المجتمع العلمي، بل الأمر على العكس، حيث كان يعتبر أمراً غير قانوني، وسلوكاً غير أخلاقي. ولم يكن الانتحال فقط غير أخلاقي، بل إنّ المؤلفين كانوا ملزمين بتجنُّب الإسناد المباشر إلى المصادر التي لم يأخذوا منها مباشرة، وعليهم الاكتفاء بالمصادر التي راجعوها بشكلٍ مباشر. وقصة جلال الدين السيوطي توضِّح هذا الأمر.

وحسب ما جاء في كتاب حاجي خليفة، فإن جلال الدين السيوطي كان يزعم أن شهاب الدين، أبي العباس، أحمد بن محمد القسطلاني المصري(923هـ) كان يسرق من كتبه. وعبارة حاجي خليفة هي: «يُحكى أن جلال الدين السيوطي كان ينقصه، ويزعم أنه يسرق من كتبه، ويستمدّ منها، ولم ينسب النقل إليها. وادّعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، فألزمه بيان مدّعاه، فقال: إنه نقل عن البيهقي، وله عدّة مؤلفات، فليذكر لنا أنّه ذكره في أيِّ مؤلَّفاته؛ لنعلم أنه نقله عنه. ولكنّه رأى ذلك في مؤلَّفاتي، فنقله. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عنه. ثمّ إن الشيخ القسطلاني قصد إزالة ما في خاطره، فمشى من القاهرة إلى الروضة، وكان السيوطي معتزلاً عن الناس بها. فوصل إلى بابه، ودقّه، فقال له: مَنْ أنتَ؟ فقال: أنا القسطلاني، جئت إليك حافياً؛ ليطيب خاطرك، فقال له: قد طاب، ولم يفتح له الباب»([73]).

وفي الحقيقة فإن السنة الإسلامية كانت قائمةً على تجنُّب حذف الواسطة في النقل، وأطلقت على هذا العمل عنوان «الكذب المفترع»([74]). وفي رواية الكليني عن الإمام الصادق× أنه حذرهم من «الكذب المفترع»([75]). وكذلك ينقل الإمام الصادق عن الإمام عليّ’ أنه قال: «إِذَا حَدَّثْتُمْ بِحَدِيثٍ فَأَسْنِدُوهُ إِلَى الَّذِي حَدَّثَكُمْ؛ فَإِنْ كَانَ حَقّاً فَلَكُمْ؛ وَإِنْ كَانَ كَذِباً فَعَلَيْهِ»([76]).

وعليه فإن الانتحال لم يكن سلوكاً أخلاقياً شائعاً بين السلف أبداً، بل كانوا ينظرون إليه على أنه سرقة. ومضافاً إلى ذلك فإن العلماء كانوا يلتزمون بذكر مصادر كلامهم ومنقولاتهم، إلى حدٍّ جعل البعض، مثل: ملاّ صالح المازندراني، يرى أن حذف الوسائط في النقل يعتبر نوعاً من الكذب والتدليس، كأنْ ينقل كلام ابن سينا عن الفخر الرازي، ويرجع إلى ابن سينا نفسه([77]).

ومقابل هذا الدفاع الفارغ عن الدليل، الذي يدّعي بأن علماء السلف كانوا ينقلون عن هذا وذاك دون إسناد الأقوال إلى مصادرها، نرى أشخاصاً كانوا مثالاً للدقّة والأمانة العلمية في الإسناد، وقد التزموا بذكر مصادر مؤلَّفاتهم. وفي الحقيقة فإن هذا كان عُرفاً أخلاقياً، وسلوكاً علمياً. يقول أيتان كلولبرغ([78]) عن هذا العُرف: «كما هو معروف فإنّ المؤلِّفين المسلمين في القرون الوسطى حين ينقلون قولاً عن كتابٍ فقد اعتادوا نقل عنوانه، وبعضهم حتّى كان ينقل القسم أو المجلَّد الذي نقل عنه. وفي الحقيقة فإن هذا النمط من الإسناد كان يعتبر أسلوباً دقيقاً في الإسناد إلى المصادر، قبل زمن رواج الطباعة»([79]).

وأحد المحقِّقين البارعين هو السيد ابن طاووس، حيث كان يذكر بدقّة كبيرة المصدر الذي ينقل عنه. وقبله أيضاً أبو الحسين، يحيى بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن محمد بن البطريق الأسدي الحلّي، المعروف بابن البطريق(600هـ)، حيث كان أسلوبه كذلك. ولقد تأثَّر ابنُ طاووس به([80]).

والسيد ابن طاووس أحياناً يذكر المواصفات المادية، وحجم المصدر الذي ينقل عنه، وتاريخ تأليفه، ووجه الصفحة أو خلفها، وقد يصف نوع الورق المستعمَل([81]). وهذه الدقّة في نقل المصادر تصل أحياناً إلى درجةٍ كبيرة، بحيث يذكر رقم السطر أيضاً، حين يذكر مصادره. وكمثالٍ على ذلك: إنه قبل أن يذكر نكتةً تفسيرية يحاول ذكر مصدرها، قائلاً: «في ما نذكره من الجزء الثاني من تفسير أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين×، من ثاني عشر سطر منه، من وجهة أوّله منه»([82]).

يقول السيد دستجردي، مشيراً إلى الدفاع الفاشل المتقدِّم: «إذا تصوّر شخص بأنه في زمان الملاّ صدرا كانت طريقة التأليف قائمة على نقل المطالب عن الآخرين بأيّ نحو كان فنحن نجيب بأن الميرداماد كان يلتزم بمنتهى الأمانة والصدق في النقل، فحتّى لو نقل جملة عن شخصٍ كان يشير إلى القائل والمصدر بشكلٍ دقيق»([83]).

وفي الواقع إنه حتّى عبد الرزّاق اللاهيجي، تلميذ الملا صدرا، وزوج ابنته، كان ملتزماً بذكر مصادر بحثه وكلامه، وقد اتَّبع هذه الطريقة في كلّ كتابه الشهير. ونذكر ـ على سبيل المثال ـ نموذجاً واحداً: عندما أراد أن ينقل كلاماً عن كتاب الأربعين، في (أصول الدين)، للفخر الرازي، يقول: «على ما قال الإمام في الأربعين»([84]).

وفي بعض الموارد نقل كلاماً بالواسطة، وقد أرجع إلى تلك الواسطة. وكمثال على ذلك: حين يبحث في خواصّ الكمّ في شوارق الإلهام يقول: «ونقل في شرح المقاصد عن الإمام»([85]).

فنراه، بدلاً من أن ينقل كلام الفخر الرازي مباشرةً، ينقل عن المصدر الذي كان متوفراً لديه، ثمّ نظر في كلام الفخر الرازي، وهو شرح المقاصد، للتفتازاني. ثم يحدِّد في خاتمة عبارته نهاية النقل بقوله: «انتهى». ومن خلال مقارنة هذين النقلين يتّضح دقّة اللاهيجي في هذا الموضوع([86]). ولا يكتفي بمجرد نقل مصادر كلامه، بل أحياناً يوضِّح أن المطلب المنقول إنما نقله بتلخيصٍ أو بالمضمون، وليس نقلاً مباشراً، فحين ينقل كلاماً عن أرسطو يصرح بأنه نقله مع أدنى تلخيص([87]).

والآشتياني ـ الذي يرى أن الانتحال كان عرفاً شائعاً ـ يتحدّث عن الفيض الكاشاني وأسلوبه بنحوٍ آخر، حيث يقول: «المحقِّق ملاّ محسن الفيض، التلميذ المتعبِّد بمباني الآخوند الملا صدرا، نقل هذه العبارات عن الفخر الرازي، وذكر مصدر نقله. وأنا في هذا المورد أفضِّل ذوق المفكِّرين الغربيين. وليت أنه كان شائعاً منذ قديم الزمن أن لا ينقل أحدٌ كلمةً واحدة دون مصدرها. ولو كان هذا النهج هو السائد في العلوم المتداولة، سواء المعقول أو المنقول، لانحلَّت الكثير من مشاكلنا»([88]).

 

د ـ ادّعاء تعدُّد الأساليب في الإسناد إلى المصادر ــــــ

أحياناً يطرح المدافعون عن صدرا بحث الإسناد إلى المصادر بنحوٍ يفيد أنه لدى العلماء المسلمين أسلوبان في الإسناد: أحدهما: أسلوب أمثال السيد ابن طاووس، حيث كان يذكر مصادره بدقّة؛ والأسلوب الآخر: هو أسلوب الملاّ صدرا وأمثاله، الذي لم يكن يركّز على ذكر المصادر التي نقل عنها. ويقرّر ذكاوتي هذا الكلام بالنحو التالي، حيث يقول: «لقد كان للقدماء أساليب متعدّدة في التأليف؛ فالبعض ـ وهم الأقلّ ـ كان يسعى إلى ذكر المصادر التي اعتمدها في نقد وحلّ البحوث؛ وبعض آخر كان يمتنع عن ذلك»([89]).

والآشتياني، من خلال الإشارة إلى الأساليب المختلفة في مجال الإرجاع، يختم الأمر بمصراع بيتٍ من الشعر، وهو: «وللناس في ما يعشقون مذاهب»([90]).

وهذا الدفاع بدوره في غاية السقوط. فما هو المقصود من وجود الأساليب المتعدّدة؟ فهل هو بيان الحقيقة الواقعة، أم اعتبار أن تلك الأساليب متساوية؟ فإنْ كان الهدف هو مجرد بيان ما وقع فهذا أمرٌ صحيح. لكنْ بين الأسلوبين المتقدّمين هناك أسلوبٌ واحد صحيح، وهو رعاية حقوق الآخرين وعدم الانتحال. وإذا أردنا أن نجرّ البحث إلى مسألة العشق، ونقول: العشّاق حالهم يختلف عن سائر الناس، فبنفس هذا المعيار يمكن أن نخاطب الآشتياني بأنّ مخالفي صدرا كانوا كذلك، وهم يعشقون انتقاد صدرا بحقٍّ أو بباطل، وللناس في ما يعشقون مذاهب. وبهذا المعيار لن يمكن الحكم على سلوك الآخرين وتقييمه. وكلّ شخص سوف يسمح لنفسه أن يختار أيّ أسلوب يحبّ انتقاد الآخرين به، أو الدفاع عنهم، متسلِّحاً بأشعار من هذا القبيل، ولحسن الحظّ ذاكرتنا متخمةٌ بها، فيبقى بمأمنٍ من نقود الآخرين. وهذا النمط من الأشعار إنما يستعان به للتملّص من البحث الجادّ، وليس من أجل التقدّم في البحث الفلسفي أو البيان الحِكَمي.

وأحياناً تذكر بعض الأسماء؛ للتقليل من قبح الانتحال، فيُقال: إنها اتّخذت الأسلوب نفسه. وكمثالٍ على ذلك: نرى الآشتياني يصرّ على أن النقل دون إرجاع إلى المصدر لا يختصّ بصدرا، فهو يدّعي أن صاحب الجواهر أيضاً نقل عبارات الرياض في كتابه دون أن يذكر المصدر، بينما كان هو أفقه من صاحب الرياض([91]). وكذلك الحائري اليزدي سعى لإثبات أن تجاهل مصادر النقل لا يختصّ بصدرا، و«العلامة الطوسي والكثير من المحقّقين المسلمين المتقين اتّخذوا نفس هذا الأسلوب»([92]).

لكنّ هذا ليس جواباً عن الإشكال. ففي حالة كون الانتحال خطأ لا يحلّ المشكلة استعراض أسماء العلماء الآخرين الذين ارتكبوه. وإذا كان الانتحال صحيحاً ومتعارفاً فلا حاجة إلى أن يذكر هؤلاء العدّة من العلماء، بل يجب أن يتم بشكلٍ واضح إثبات أنه فعلاً كان هناك تعدُّد في الأساليب.

هـ ـ ادّعاء أن بحث الانتحال غربيٌّ ــــــ

أحياناً يُجاب عن إشكال الانتحال بادّعاءٍ يقول: إن قضية الإرجاع والاستناد إنما جاءتنا من الغرب، ومع أنه أمرٌ حسن لكنّه يعتبر ظاهرة جديدة، وليس له جذور في التقاليد العلمية الإسلامية؛ لذلك لا يجب تقييم مؤلّفات صدرا والحكم عليها وفقاً للمعايير الغربية. والمثال على هذا النوع من الإجابة ما أفاده الآشتياني، حيث ربط النزاع حول الانتحال بـ «ذوق العلماء والباحثين الغربيين»([93]).

وهو يرى أن هذا المنهج وإنْ كان حسناً، لكنّه لم يكن متعارفاً في التقليد الإسلامي، وكان للعلماء المسلمين ذوقٌ آخر.

ويكتب الحائري دفاعاً عن الأسلوب الصدرائي قائلاً: «إن هذا الأسلوب الإسلامي يختلف ولا ينسجم مع الأساليب الأوروبية التي شاعت اليوم بين علمائنا المعاصرين، لكنْ لا ينبغي، بل لا يمكن، المقارنة بين مشارب البحث والتحقيق المختلفة، وإصدار الحكم؛ لأنه في الأسلوب الغربي يتمّ فتح ملفّ لكلّ جملةٍ قصيرة أو طويلة، وفي التحقيقات الإسلامية يجب أن يكون الأمر كذلك، وبما أن هذا الملفّ لا يضم مثل هذه الجمل فهذا يعني أن صاحب الكتاب كان ينوي الإلحاق […]. وإذا كان هذا الاقتباس ليس طبيعياً في الأسلوب الأدبي الغربي فلا يعتبر هذا سبباً لنحترق بنارهم، أو نرقص على أنغامهم»([94]).

من أول المسائل التي يتعلّمها دارسو الفلسفة وطلاب العلوم الدينية في الحوزات العلمية هي «تحرير محلّ النزاع». وكأن الكلام المتقدِّم نسي هذه المسألة البسيطة. فهنا يجب التفكيك بين أمرين: أحدهما: لزوم ذكر المصادر المكتوبة التي استند إليها المؤلِّف؛ والآخر: استعمال الطريقة الدقيقة في ذكر تلك المصادر.

والأمر الأول هو نفس ما ذكرنا من لزوم تجنُّب الانتحال عن طريق ذكر المصادر؛ أما الأمر الثاني فهو ناظرٌ إلى طريقة استعمال الأساليب القياسية في الإرجاع، من قبيل: استعمال ترتيب خاصّ في ذكر مواصفات المصادر المستفاد منها، من قبيل: الاسم الكامل للمؤلِّف، والناشر، ومكان الطباعة والتوزيع، وتاريخ الطباعة. والجديد والغربي هو هذا الأمر الثاني، يعني أن هذا هو المأخوذ من الباحثين الأوروبيين، وهو ما يتمّ تدريسه في كتب أساليب البحث والتحقيق. بينما مسألة ضرورة ذكر المصادر لم تأتِ من الغرب، بل هي وليدة التربية الدينية والأخلاقية للعلماء المسلمين. فالسيد ابن طاووس لم يكن مطلعاً على أسلوب التحقيق الغربي، ومع ذلك ذكر مصادره بدقّة. والذين يشكلون على صدرا لا يقولون: لماذا لم يذكر في الأسفار مكان طباعة المصادر التي أخذ عنها، أو تاريخ نشرها، كالمباحث المشرقية؟ أو لماذا لم يذكرها بالتسلسل؟ أو إنه ذكر مواصفات مصادره بنحوٍ ناقص. فلو كان إشكالهم كذلك لكان جواب الحائري يفي في الردّ عليهم. لكنّ إشكالهم هو أنه لماذا ضمَّن الملا صدرا كتابه فصلاً كاملاً من كتاب الفخر الرازي، ومع ذلك لم يشِرْ أدنى إشارة إلى المصدر. لذلك لا يصحّ في الإجابة عن هذا الإشكال أن يقال: لماذا نقلّد الغربيين فنرقص على أنغامهم، أو نحترق بنارهم؟؛ فإنّ هذا النحو من الإجابة يعتبر تجاهلاً.

إن العُرف السائد لدى العلماء سابقاً، وإنْ لم يكن يلاحظ فيه وضع علامات نقل القول بنحو («»)، والذي يعتبر ظاهرة دخيلة، لكنْ مع ذلك كانوا يلتزمون بدقّة بالتنصيص على الكلام المنقول، بداية ونهاية، بعباراتٍ من قبيل: «انتهى»، أو «انتهى قوله»، أو «انتهى كلامه، رُفع مقامه». وهم بذلك قد أدّوا الحقّ المعنوي للآخرين. وكلام المنتقدين هو لماذا نرى صدرا ـ وهو الذي ترعرع في أحضان هذه الثقافة والتقاليد ـ لم يلتزم بها، وخرقها في موارد كثيرة جداً؟ وفي مثل هذا البحث لا ينبغي الحديث عن الغربيين، وجعلهم مثل الطبل الذي يقرع عليه في الأفراح والمآتم، فهذا لا يتلائم مع الخُلُق الفلسفي. وبتعبيرٍ فنّي: هو خلطٌ للبحث.

 

و ـ التمسُّك بشعار «إنّ الحكيم إنّما يعنيه القول، لا القائل» ــــــ

استدلّ السيد رضا نجاد بهذه الطريقة، حيث يرى أن العلوم العقلية، خلافاً للعلوم النقلية، لا يلزم فيها ذكر مصادر البحث، بل يكفي انتقاد المقول. وهذا الجواب له معنىً صحيح؛ ومعنى خاطئ. فإذا كان المقصود هو أنّه حين نناقش كلام الآخرين لا شأن لنا بالقائل، بل علينا أن نحلِّل كلامه والمدَّعى، وأن لا يتسرّى نقدنا من القول إلى القائل، فهو كلامٌ سليم، وفي محلّه. وقد أوصَتْ به التعاليم الإسلامية.

ومعنى هذا الكلام هو أنه إذا أردنا الردّ على ما ادّعاه السيد ضياء دري بأن صدرا نقل كثيراً من المطالب عن الآخرين، ولم يشِرْ إلى مصادر نقله، فعلينا أن نجيب عن هذا الإشكال، لا أن نتّجه نحو القائل، ونصفه بأنه ليس لديه من الحكمة سوى «نقوش» و«صور».

وكذلك المقصود من هذا الأصل أنّه إذا كنّا على خلافٍ مع بعض المتكلِّمين، أو مدَّعيات علم الكلام، فعلينا أن نحدِّد تلك المدَّعيات، أو الموارد التي ننتقدها، لا أن نهاجم جميع المتكلِّمين، ونسقط علم الكلام برمَّته عن الاعتبار، ونقول: «إن الانحراف العلمي للمتكلِّمين القدماء في فهم وإدراك المباني العقائدية، وأصول المسائل وترتيب مقدّمات الاستنباط، يفهم من التعريف الذي ذكروه لعلم الكلام، فنعلم أن ظهور هذا العلم؛ من أجل فهم وإدراك أصول الاعتقاد، لم يكن مطابقاً لما جاء به القرآن الكريم والشارع المقدَّس. ولم يكن لهؤلاء هدف سوى التفوُّق على خصومهم، والتسلُّط في هذا المضمار عن طريق المناظرة والمباحثة، ولم يحقِّق هذا الجدال الذي قام به جامعو الثروة، ومحبّو السمعة والجاه، ومدّعو العلم الجهلاء، من الناحية العمليّة أيّ حكم من أحكام الله، ولا أيّ رأي إلهي في أصول الاعتقادات. ولو لم يتمّ ترجمة الكتب الفلسفية اليونانية إلى اللغة العربية في زمان خلافة المأمون العبّاسي عن طريق المترجمين الأوائل، فسعى نحوها هؤلاء المتكلّمون الأذلاّء، كالطفيليّات الوقحة، وألصقوا أنفسهم بجسد الفلسفة والمنطق اليوناني المشبَع بالدماء، وبدأوا بالارتزاق منه، لما كان وصل إلينا اليوم منهم أيّ كلامٍ فيه رائحة من الإدراك الإنساني، ومع ذلك لم يصِلْ منهم شيءٌ من هذا القبيل»([95]).

هذا الأسلوب وهذا النمط من تجاوز المدَّعى إلى المدَّعي نفسه، واعتبار الخصوم أذلاّء وطفيليات، لا ينسجم مع الاشتغال بالفلسفة. هذا في ما يرتبط بالمعنى الأول.

وأما إذا كان المراد هو أنه في العلوم العقلية يمتلك الفيلسوف كلّ الحقّ في أن ينسب كلام الآخرين إلى نفسه، ويقول: لا شأن لنا بالقائل، وإنّما بالقول، فهو في الحقيقة مصادرةٌ، ولا دليل على أن الفيلسوف له مثل هذا الحقّ.

إن احترام حقوق الآخرين، وتجنُّب سرقة نتاجهم العلمي، أمرٌ ضروري في البحث والتحقيق في كلّ المجالات والعلوم. ولا فرق من هذه الناحية بين العلوم العقلية والنقلية. ويكفي لإبطال هذا الادّعاء أن يقوم شخصٌ بسرقة جزءٍ كبير من الأسفار، ويطبعه باسمه اعتماداً على هذا الاستدلال، ثمّ يدّعي أننا نتعاطى مع القول، ولا شأن لنا بالقائل، وبما أنّني أقبل بهذه المضامين يحقّ لي أن أطبعها باسمي. فهل هذا أمرٌ مقبول؟!

والحقيقة هي أنه لا يوجد ضمن كلام المدافعين عن صدرا دليل يطمئن القلب، ويقنع العقل. ومؤلّف هذا المقال لم يحصل إلى الآن على استدلالٍ قويّ في هذا المضمار. وإذا كنا نحن وهذه الأدلة فالظاهر أنه يجب القبول بتحقُّق الانتحال، رغم مرارته. وبدلاً من إنكاره يجب أن نأخذ عبرةً من هذه الواقعة، ونفهم أنّ الفلاسفة هم أوّلاً وأخيراً أناس معرَّضون للخطأ، وأنّ العصمة لله.

 

 4ـ لماذا لا يمكن تجاوز هذه المسألة بسهولة؟ ــــــ

إن ازدهار العلم، ونموّ الفكر في مجال الفلسفة الإسلامية، رهين الفهم الصحيح للمسار الذي قطعته هذه الفلسفة طوال التاريخ. وعليه فمن الضروري تحقّق الفهم الصحيح لمسير تكامل الفلسفة الإسلامية، والمكانة الحقيقة لكلّ مفكِّر فيها. وهذا الهدف إنّما يتحقّق لو عرفنا نسبة كلّ كلامٍ إلى قائله، وأيّ كلام منها منحول عن الآخرين، وأن نعرف ما هو الإبداع والتجديد الذي جاء به كلّ فيلسوف، وما هو التقدّم الذي حقّقه؟ وبذلك يتّضح أن هدف هذا المقال ليس هو إثبات تحقق الانتحال من صدرا، وهو ما فعله الآخرون([96]). ومع افتراض إثبات هذه الواقعة لا نسعى إلى الحكم ببطلان مؤلَّفاته. بل الهدف هو تحليل الأساليب غير الفلسفية في التعامل مع النقاشات العلمية والنظرية في مجال الفلسفة. إن انتهاج الفلسفة يستلزم أن نصدر الأحكام الصحيحة على الأشخاص، ونتعلّم أنه كما أن العداوة مع شخص لا ينبغي أن تعمينا عن الحقائق، فكذلك حبّ الآخرين لا ينبغي أن يوقعنا في هذا الفخّ. إن تحقير إبداعات وابتكارات الملاّ صدرا؛ بسبب ارتكاب الانتحال، لا يقلّ خطأً عن تصغير أو إنكار حقيقة الانتحال؛ بسبب ما يمتلكه من إبداعات وعظمة فكرية، أو أن يعامل معاملةً خاصة في هذا المجال. إن الفلاسفة مهما كانوا عظماء وكباراً لا ينبغي، ولا يمكن، وضعهم فوق القوانين الأخلاقية. وعظمة أيِّ شخصٍ، ومنهم الفلاسفة، لا ينبغي أن يقف حائلاً دون البحث عن الحقيقة، وإعلانها مهما كانت.

إنّ وصية القرآن الكريم في مجال الحكم على الأعداء([97]) تنطبق على الفلاسفة أيضاً. إن الأحكام القطعية ـ كما ستلاحظون في المقطع التالي في مجال الدفاع عن صدرا ـ قبل أن تثبت حقّانية موقف المتكلِّم، وتعطي الصدارة لصدرا، هي تكشف عن العنف الفكري الذي يتبنّاه هذا الموقف، وتسدّ أبواب البحث الذي هو هدف فيلسوفٍ مثل سقراط: «إن جميع الذين تصدّوا للطعن به، وسعوا بأحد الطرق التي ذكرناها إلى تصغيره، إمّا أنهم لا يفهمون شيئاً من الفلسفة، أو لم يكن لديهم ذوق فهم كلماته وبحوثه. وعدم جدارتهم وقابليّتهم أدّى إلى أن يتعاملوا مع هذه البحوث الشامخة الإعجازية تعاملاً سطحياً، محاولين فهم هذا الفيلسوف العظيم من خلال نافذة فهمهم وتفكيرهم الناقص والمحدود»([98]).

إن هذا النمط من إصدار الأحكام القطعية، وذات الحدّين الكاذبة، لا تليق بالفلاسفة. إن مشكلة الحكم المتقدّم هي أن كلّ مذهب أو جماعة، ومنهم: المخالفون للفلسفة، الذين يتبنون الفلسفة الوضعية، يمكنهم أن يهاجموا خصومهم بنفس تلك القوّة، ويتّهمونهم بعدم اللياقة وضيق الفهم. وسوف ينغلق باب البحث. وكلّ شخصٍ سوف يرى أن من حقّه استعمال الأدوات غير العقلانية ضدّ خصومه. وقبل ألف سنة نرى أن يعقوب الكندي الفيلسوف الإسلامي الأوّل يطالب الجميع بالإقرار بالحقّ والخضوع له، حيث يقول: «وينبغي لنا أن لا نستحي من استحسان الحقّ، واقتناء الحقّ من أين أتى، وإنْ أتى من الأجناس القاصية عنّا، والأمم المباينة، فإنّه لا شيء أولى بطالب الحقّ من الحقّ. وليس يبخس الحقّ، ولا يصغر بقائله، ولا بالآتي به. ولا أحد بخس الحقّ؛ بل كان يشرّفه الحقّ»([99]).

وخلافاً لهذه الوصية فإن غالبية الجهود المبذولة للدفاع عن صدرا لم تخلُ عن احتقار المنتقدين، والاستخفاف بهم، والفرار من الحقّ، وكتمانه أو إنكاره. والأدبيّات المستخدمة في هذا النمط من الدفاع لا تليق بفيلسوفٍ همُّه الحقيقة، وصرف عمره سعياً وراءها. والذي يصنع من الإنسان فيلسوفاً هو تجميعه لكمٍّ كبير من المعلومات، وجهوده في الحفاظ على مواقفه مهما كان الثمن. وهذا السلوك الباحث عن الحقّ، وعشق الحقيقة، هو الذي يميِّزه عن الآخرين. والفيلسوف وفقاً للتعريف هو الشخص العاشق للحقيقة، والساعي دائماً للوصول إليها، وليس مَنْ يكتمها. وهذا الكلام الصادر عن أرسطو قبل أكثر من ألفي سنة كان ظاهراً لكلّ فيلسوف، وموجِّهاً لمسيره: «إن مسؤوليتنا في الواقع هي أن نتغلَّب على مشاعرنا من أجل الوصول إلى الحقيقة، خاصة لأننا فلاسفة أو محبّي العلم. ومع أن الأصدقاء والحقيقة كلَيْهما عزيزٌ علينا، لكنْ يجب ترجيح الحقيقة على الأصدقاء»([100]).

 

الهوامش

(*) باحثٌ في الحوزة والجامعة، وأستاذٌ في جامعة الأديان والمذاهب في إيران.

([1]) غلام حسين رضا نجاد، «نوشين» حكيم سبزواري، زندگي، آثار، فلسفه، [الحكيم السبزواري، حياته، مؤلفاته، فلسفته]: 17، 19 (المقدّمة)، طهران، كتابخانه سنايي، 1371هـ.ش.

([2]) المصدر السابق: 5.

([3]) المصدر السابق: 60، 142.

([4]) المصدر السابق: 286.

([5]) المصدر السابق: 62.

([6]) بعث النشور: 47، نقلاً عن: صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي، كسر أصنام الجاهلية: 25 (مقدمة المحقِّق).

([7]) آقا محمد علي كرمانشاهي (ابن العلامة الوحيد البهبهاني)، خيراتيه در إبطال طريقه صوفيه [الخيراتية في إبطال الطريقة الصوفية] 2: 308.

([8]) غلام حسين رضا نجاد، المصدر السابق: 286.

([9]) يقول على أصغر حلبي حول هذا الأمر: «لا تعود أهمية فيلسوفنا إلى أنه ألّف كتاباً عظيماً، كالأسفار الأربعة، بل لأن لديه بعض البحوث والرؤى الجديدة في كتابه هذا. ولا تتجاوز تلك البحوث رسالة صغيرة تتكوّن من 40 صفحة. ولو كتب هذا الرجل العظيم هذه الرسالة، بدلاً من أن يؤلف لنا حمل بعير من الكتب، لكان قد أراح نفسه، وأراح مَنْ جاؤوا بعده». (علي أصغر حلبي، تاريخ فلاسفه إيراني أز آغاز إسلام تا إمروز [تاريخ الفلاسفة الإيرانيين منذ صدر الإسلام إلى هذا اليوم]: 725).

ويكرِّر الحلبي نفس هذا الموضوع بعد عدّة سنوات، مع اختلافٍ واحد، وهو أن الرسالة ذات الأربعين صفحة، صارت ذات ستين صفحة، حيث يقول: «لا تتجاوز رسالة من ستين صفحة». (علي أصغر حلبي، تاريخ فلسفه در إيران وجهان إسلامي [تاريخ الفلسفة في إيران والعالم الإسلامي]: 488).

([10]) مرتضى مدرسي چهاردهي؛ آقا محمد رضا صهباي قمشه إي، يادگار، العدد 1: 77، السنة الثالثة، شهريور 1325.

([11]) ميرزا أبو الحسن طباطبائي، مجموعه آثار حكيم جلوه [مجموعة مؤلفات الحكيم جلوه]: 87.

([12]) المصدر السابق: 93.

([13]) مهدي حائري يزدي، كاوش هاي عقل نظري [بحوث العقل النظري]: 32.

([14]) مرتضي مدرسي چهاردهي، تاريخ فلاسفه إسلام [تاريخ فلاسفة الإسلام]: 41.

([15]) ضياء الدين دُري، «كنـز الحكمة» (ترجمة تاريخ الحكماء لشمس الدين شهرزوري) 2: 157، طهران، [الناشر: المترجم، المطبعة دانش]. وأتقدم بالشكر إلى الأستاذ حسين توفيقي الذي أرشدني إلى هذا المصدر.

([16]) المصدر السابق: 160.

([17]) صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي، كسر أصنام الجاهلية: 34 (مقدّمة المصحِّح).

([18]) صدر الدين محمد الشيرازي (الملاّ صدرا)، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة 9: 101.

([19]) المصدر السابق: 103.

([20]) المصدر السابق، السفر الرابع، الباب التاسع: 103 ـ 117.

([21]) فخر الدين الرازي، المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات 2: 421 ـ 428.

([22]) عبد الله جوادي آملي، رحيق مختوم، شرح حكمت متعاليه [الرحيق المختوم، شرح الحكمة المتعالية، الأسفار الأربعة] 9: 205.

([23]) المصدر السابق: 133.

([24]) مجموعه مقالات كنگره كرمان [مجموعة مقالات مؤتمر كرمان] 3: 627 ـ 628، 1356هـ.ش، نقلاً عن: علي رضا ذكاوتي قراگوزلو، سير تاريخي نقد ملاّ صدرا [المسار التاريخي لنقد ملا صدرا]: 16، طهران، هستي‌ نما، 1386.

([25]) علي رضا ذكاوتي قراگوزلو، سير تاريخي نقد ملا صدرا: 18.

([26]) رسائل إخوان الصفا وخلاّن الوفا 3: 269 ـ 286.

([27]) الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة 7: 229 ـ 239.

([28]) رسائل إخوان الصفا وخلاّن الوفا 3: 277.

([29]) الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة 7: 231.

([30]) محمد صالح الحائري المازندراني، حكمت بو علي [حكمة أبو علي بن سينا] 1: 60.

([31]) مهدي الحائري اليزدي، كاوش هاي عقل نظري [بحوث العقل النظري]: 32.

([32]) علي رضا ذكاوتي قراگوزلو، سير تاريخي نقد ملا صدرا: 21.

([33]) غلام حسين إبراهيمي ديناني، نيايش فيلسوف [دعاء الفيلسوف] (مجموعة مقالات): 451 ـ 452.

([34]) علي رضا ذكاوتي قراگوزلو، سير تاريخي نقد ملا صدرا: 21.

([35]) محمد علي التهانوي، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1: 274.

([36]) Janice Moulton and George Robinson, Plagiarism, in Encyclopedia of Ethics, edited by Lawrence C. Becker and Charlotte B. Becker, London, Routledge, 2001, V. 3, p. 1317.

([37]) سيد حسن إسلامي، چو دزدي با چراغ آيد: سرقت علمي در سطح دانشگاهي [عندما يأتي كلصّ يحمل مصباحاً: السرقة العلمية في الجامعات]، مجلة آينه پژوهش، العدد 126، فروردين وأرديبهشت 1390.

([38]) محمد بن إبراهيم صدر الدين شيرازي، الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية: 67 ـ 68 (مقدمة المصحِّح)، تصحيح: سيد جلال الدين الآشتياني، طهران، مركز نشر دانشگاهي، 1360هـ.ش.

([39]) مهدي الحائري اليزدي، كاوش هاي عقل نظري [بحوث العقل النظري]: 32.

([40]) غلام حسين رضا نجاد، «نوشين» حكيم سبزواري، زندگي، آثار، فلسفه: 216 ـ 217.

([41]) محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي، رسائل فلسفي [الرسائل الفلسفية]: 8.

([42]) المصدر السابق: 9.

([43]) المصدر السابق: 8.

([44]) المصدر السابق: 11.

([45]) مهدي الحائري اليزدي، كاوش هاي عقل نظري [بحوث العقل النظري]: 32.

([46]) غلام حسين رضا نجاد، «نوشين» حكيم سبزواري، زندگي، آثار، فلسفه: 217.

([47]) ميرزا أبو الحسن طباطبائي، مجموعه آثار حكيم جلوه [مجموعة مؤلفات الحكيم جلوه]: 47.

([48]) المصدر السابق: 92.

([49]) المصدر السابق: 93.

([50]) المصدر السابق: 94.

([51]) المصدر السابق: 15.

([52]) المصدر السابق: 14 ـ 15.

([53]) وكنموذج لذلك راجع: مرتضى مدرسي جهاردهي، فلاسفه إسلام [فلاسفة الإسلام]؛ وحسن رضا زاده، مجموعه آثار حكيم جلوه [مجموعة مؤلفات الحكيم جلوه]، مقدّمة المصحِّح؛ ودائرة المعارف الإسلامية الكبرى، إشراف: كاظم الموسوي البجنوردي 18: 377.

([54]) مهدي الحائري اليزدي، كاوش هاي عقل نظري [بحوث العقل النظري]: 33.

([55]) محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي، رسائل فلسفي [الرسائل الفلسفية]: 58 ـ 59.

([56]) مهدي الحائري اليزدي، كاوش هاي عقل نظري [بحوث العقل النظري]: 34.

([57]) ضياء الدين دري، كنـز الحكمة 2: 160.

([58]) محمد واعظ زاده الخراساني، سيري در زندگي علمي وانقلابي أستاد شهيد مرتضي مطهري [مطالعة الحياة العلمية والثورية للأستاذ الشهيد مرتضى مطهري] 1: 327.

([59]) من أجل زيادة التوضيح حول هذا الأمر راجع: سيد حسن إسلامي، چو دزدي با چراغ آيد [يأتي كلصٍّ يحمل مصباحاً].

([60]) صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي، كسر أصنام الجاهلية: 123.

([61]) المصدر السابق، مقدّمة المصحِّح: 35.

([62]) محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي، رسائل فلسفي [الرسائل الفلسفية]: 11.

([63]) المصدر السابق: 20.

([64]) ميرزا أبو الحسن طباطبائي، مجموعه آثار حكيم جلوه [مجموعة مؤلفات ومصنفات الحكيم جلوه]: 61.

([65]) محمد واعظ الخراساني، سيري در زندگي علمي وانقلابي أستاد شهيد مرتضي مطهري 1: 327.

([66]) أبو الحسن علي بن عثمان الهويجري، كشف المحجوب: 2 ـ 3.

([67]) أبو حامد الإمام محمد الغزالي، إحياء علوم الدين 3: 518. ونقل نفس هذا المطلب بلا زيادة ونقيصة في كتاب المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء 6: 317.

([68]) محمد بن محمد غزالي، إحياء علوم‌ الدين 3: 862، ترجمة: مؤيد الدين محمد الخوارزمي، بسعي: حسين خديوجم، طهران، 1386هـ.ش. ولا يخفى أن بعض المعاصرين اتّهموا الغزالي نفسه بالسرقة عن مؤلفات الآخرين، وأحدها الذريعة إلى مكارم الشريعة. (ولزيادة التوضيح راجع: يوسف القرضاوي، الإمام الغزالي بين مادحيه و ناقديه).

([69]) هذا نص كلامه: «ثمّ رأيت الجمع الكثير من الفضلاء والجمّ الغفير من الأذكياء، يسألوني صرف الهمّة نحو اختصاره، والاقتصار على بيان معانيه وكشف أستاره؛ لما شاهدوا من أن […] المنتحلين قد قلبوا أحداق الأخذ والانتهاب، ومدوا أعناق المسخ على ذلك الكتاب، وكنت أضرب عن هذا الخطب صفحاً». (سعد الدين التفتازاني، شرح المختصر على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني 1: 5). وأتقدم بالشكر لجناب الدكتور محمد حسن محمدي مظفّر الذي أرشدني إلى هذا الموضوع.

([70]) «رأيت مؤلّفها قد ركب الخطّة الشنعاء، وغار غاره الشعواء، فانتحل جلّ ما وقف عليه من رياض هذا الكتاب، ولم يبالِ في ما فعل بلومٍ ولا عتاب، وساق هذا اللصّ عبارتي بالنصّ، ونسبها إلى جنابه، وسوَّد بانتحالها وجه كتابه، موهِماً أن تلك القلائد ممّا فصله كلامه، وأنّ تلك الأوابد مما قيّده أقلامه». (سيد علي خان الحسيني الحسني المدني الشيرازي، رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين صلوات الله عليه 7: 449، قم، مؤسَّسة النشر الإسلامي، بلا تا).

([71]) الشيخ آغا بزرگ الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 3: 182.

([72]) سلطان حسين تابنده الكنابادي، نابغة العلم والعرفان في القرن الرابع عشر: 235 ـ 240.

([73]) مصطفى بن عبد الله (المعروف بـ «حاجي خليفة»)، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون 2: 1897. وقد أرشدني إلى هذا المورد الأستاذ حسين توفيقي، فشكراً له على ذلك.

([74]) توجد عدة آراء حول هذا المصطلح ومعانيه. فذهب البعض إلى أنه بمعنى الحاجز والمانع، وبعض إلى أنه مأخوذ من الارتفاع وحدف الواسطة. (راجع: الكليني، الكافي 1: 130).

([75]) «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ الْمُفْتَرِعَ. قِيلَ لَهُ: وَمَا الْكَذِبُ الْمُفْتَرِعُ؟ قَالَ: أَنْ يُحَدِّثَكَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ، فَتَتْرُكَهُ، وَتَرْوِيَهُ عَنِ الَّذِي حَدَّثَكَ عَنْهُ». (الكليني، الكافي 1: 130).

([76]) المصدر السابق: 129.

([77]) ملاّ صالح المازندراني، شرح أصول الكافي 2: 27.

([78]) Etan Kohlberg.

([79]) أتان كلبرغ، كتابخانه ابن طاووس وأحوال وآثار أو [مكتبة ابن طاووس، وأحواله، ومؤلفاته]: 140. وهنا أتقدم بالشكر إلى السيد الباحث جويا جهانبخش؛ لإرشاده إيّاي إلى هذا المصدر.

([80]) المصدر السابق: 141

([81]) رضي الدين عليّ بن موسى بن طاووس، سعد السعود للنفوس، مقدّمة المحقّق: 166.

([82]) المصدر السابق: 246.

([83]) علي رضا ذكاوتي قراگوزلو، سير تاريخي نقد ملا صدرا: 17.

([84]) عبد الرزاق اللاهيجي، شوارق الإلهام في تجريد الكلام 5: 61.

([85]) المصدر السابق 4: 35.

([86]) راجع: مسعود بن عمر بن عبد الله (المعروف بـ التفتازاني)، شرح المقاصد 2: 170.

([87]) عبد الرزاق اللاهيجي، شوارق الإلهام في تجريد الكلام 5: 204.

([88]) محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي، رسائل فلسفي [الرسائل الفلسفية]: 20.

([89]) علي رضا ذكاوتي قراگوزلو، سير تاريخي نقد ملا صدرا: 21.

([90]) محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي، المصدر السابق: 21.

([91]) المصدر السابق: 11.

([92]) مهدي الحائري اليزدي، كاوش هاي عقل نظري [بحوث العقل النظري]: 33.

([93]) محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي، رسائل فلسفي [الرسائل الفلسفية]: 20.

([94]) مهدي الحائري اليزدي، المصدر السابق: 33.

([95]) غلام حسين رضا نجاد، «نوشين» حكيم سبزواري، زندگي، آثار، فلسفه: 275.

([96]) في هذا المجال راجِعْ على الخصوص: «انتقاد بر ملا صدرا در عصر ما» [نقود الملا صدرا في عصرنا الحاضر] في: علي رضا ذكاوتي قراگوزلو، ما جرا در ما جرا، سير عقل ونقل در پانزده قرن هجري [مغامرة في مغامرة، مسار العقل والنقل في خمسة عشر قرناً هجرياً]، 1381هـ.ش.

([97]) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).

([98]) محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي، رسائل فلسفي [الرسائل الفلسفية]: 6 ـ 7.

([99]) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، رسائل الكندي الفلسفية: 33.

([100]) أرسطو، أخلاق نيكوماخوس: 22.