الملحدون والمسألة الأخلاقية.. تحليل نقدي من خلال المقارنة بين الإلحاد والأديان

6 سبتمبر 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
535 زيارة

الملحدون والمسألة الأخلاقية.. تحليل نقدي من خلال المقارنة بين الإلحاد والأديان

تمهيد
على الرغم من موقف الملاحدة الحرج جداً من المسألة الأخلاقية، إلا أنهم كثيراً ما يحاولون القيام بهجمات مرتدة على الأديان –كل الأديان- متهمين إياها بأنها السبب فيما تعانيه البشرية من تردي أخلاقي فضيع، لأنها لا تملك –على حد قول بعضهم- فلسفة أخلاقية حقيقية معتمدة على ضوابط عقلية ومنطقية وليس على نصوص دينية، وذلك لأن النصوص الدينية عادةً ما تستخدم لتبرير السلوكيات التي يمارسها المؤمنين بها حتى وإن كانت بعيدة كل البعد عن القيم والمبادئ الأخلاقية، وخير شاهد على ذلك ما تقوم به هذه الأيام جماعة داعش وأخواتها من أعمال إجرامية بشعة، حيث أنها تنطلق في سلوكياتها من منطلقات دينية تبرر لها إجرامها.
بهذا المنطق يتكلم بعض الملاحدة مختزلين المسألة الأخلاقية في الأديان عموماً وفي الإسلام خصوصاً بسلوكيات بعض الجماعات المتطرفة الشاذة، ومتجاهلين جميع من لا يحمل هذا الفكر ولا يُمارس هذا النوع من السلوكيات المنحرفة، ومتجاهلين كذلك ما مارسه بعض الملاحدة من مجازر بشعة قد تفوق بمراحل ما قامت به بعض الجماعات المحسوبة على الأديان، كما فعل بول بوت في كمبوديا، وماوتسي تونغ في الصين، وفلاديمير لينين في الاتحاد السوفيتي، وكذلك من بعده جوزيف ستالين، وبالخصوص في أوكرانيا فيما سُمى بـ(مجاعة أوكرانيا الكبرى) وغيرهم.
طبعاً، لا أريد بكلامي هذا التقليل من شأن وبشاعة الجرائم التي تقوم بها بعض الجماعات المحسوبة على الأديان، ولا أريد كذلك القول بأن الملاحدة لابد وأن يكونوا مجرمين بالضرورة، كلا ولا، ولكن أريد لفت الانتباه إلى أن هذا غير مقتصر على الجماعات الدينية كما يُصور البعض من الملاحدة.
من هذا المنطلق سأحاول تسليط الضوء على هذا الأمر، وذلك بإجراء بعض المقارنات بين الفكر الديني والفكر الإلحادي حول المسألة الأخلاقية، وسيتبين لنا من خلالها بشكل واضح وجلي أنه لا وجود لفلسفة أخلاقية حقيقية للملاحدة وليس للمتدينين كما يدعي بعضهم. ولقد استفدت في فهم وجهة نظر الملاحدة ليس مما قرأته في الكتب فحسب، بل من بعض الحوارات المباشرة مع بعضهم، وكذلك من متابعة بعض مقابلاتهم ومناظراتهم كمقابلات ومناظرات الملحد الشهير ريتشارد دوكنز صاحب كتاب (وهم الإله) وغيره[1].
معايير وضوابط كون الأفعال أخلاقية
ما هي المعايير والضوابط التي تجعلنا نحكم بأن هذا الفعل أخلاقي وذاك غير أخلاقي؟؟ فهذه المسألة مهمة جداً، ومن خلالها سيتحدد مصير وجود أو عدم وجود فلسفة أخلاقية للمتدينين أو للملاحدة.
يُجيب العديد من الملاحدة بأن معيار الأخلاق هو تحقيق المنفعة أو الرفاه الاجتماعي، وكذلك دفع الألم والضرر، فهذا هو الذي يحدد مصير كون الفعل أخلاقي من عدمه، فهو أخلاقي إذا حقق المنفعة والرفاه أو الرخاء الاجتماعي، وهو غير أخلاقي إذا أدى إلى ألم أو ضرر. وأما كيف يتم تحديد المنفعة والضرر وعلى أي أساس؟! فيرى هؤلاء أن ذلك يتم من خلال ما يُبينه العلم، فالعلم هو المؤهل الوحيد لديهم لإثبات ذلك من عدمه، ولذلك يُعلنون رفضهم الاعتماد على النصوص الدينية في مسألة الأخلاق، بل ويشترط بعضهم أن لا تكون الفلسفة الأخلاقية معتمدةً على نصوص دينية. ولا شك بأن هذا الكلام مجانب للصواب، وسوف يتضح ذلك من خلال النقاط التالية:

النقطة الأولى: (التلاعب بالألفاظ):
ما ذكره بعض الملاحدة في هذا الشأن لا يمثل معياراً حقيقياً للمسألة الأخلاقية، وذلك لأنه لم يبين كيفية تمييز الأخلاق من عدم الأخلاق أو الخير من الشر، فالتعبير بالرفاه أو الرخاء الاجتماعي أو الألم والضرر لن يحل المسألة، لأن تبديل الألفاظ لا يُغير من حقيقة الأمر، وسيبقى السؤال: ما الذي يجعل زيادة الرفاه أو الرخاء الاجتماعي أمراً أخلاقياً؟ وما الذي يجعل إلحاق الضرر أو الألم أمراً غير أخلاقي؟! فهذا السؤال تم الالتفاف عليه، لأن كل ما ذكره هؤلاء هو إعادة تعريف لمسألة الخير (الرفاه أو الرخاء الاجتماعي)، وكذلك لمسألة الشر (الألم والضرر) من جديد، وهذا الأمر لا يمكن أن يُعتبر معياراً حقيقياً للتمييز بين الأخلاق وغير الأخلاق أو الخير والشر.
وهذا هو ما أشار إليه ويليام لان كريغ[2] في مناظرته مع سام هاريس[3] حول المسألة الأخلاقية، إذ يقول قاصداً الأخير: “فهو يعيد تعريف كلمة “خير” لتصبح “رخاء الكائنات الواعية”، ولذلك فإن تسأل: “لماذا تعتبر زيادة رخاء الكائنات أمراً خيراً؟” يعادل وفق تعريفه الجديد سؤال: “لماذا تعتبر زيادة رخاء الكائنات زيادة في رخاء الكائنات؟” إنه مجرد حشو، إنه مجرد الحديث في دوائر مفرغة! وهكذا “حل” الدكتور هاريس مشكلة القيم بإعادة تعريف مصطلحاته فقط، وهذا مجرد تلاعب بالألفاظ”[4].
إذاً، فالقول بأن الأخلاق وعدم الأخلاق يُحدد بالمنفعة أو الرفاه الاجتماعي أو باجتناب الألم والضرر، لا يُمكن أبداً أن يُعتبر معياراً حقيقياً لتمييز المسألة الأخلاقية من غيرها.

النقطة الثانية: (الفرق بين الأفعال الأخلاقية وغيرها)
ما يعتمده الملاحدة للتمييز بين كون الفعل أخلاقي أو غير أخلاقي مبني على الفلسفة المادية التي يؤمنون بها، ولذا تجدهم يعتمدون معايير مادية تنسجم مع هذه الفلسفة مثل المنفعة أو الرفاه وكذلك الألم والضرر، فهم يحاولون أن يصوروا كل المسائل بصورة مادية بحتة حتى مسألة الأخلاق والقيم، وهذا بالتأكيد مجانب للصواب، لأن القيم الأخلاقية لا يمكن أن تعتمد على المعايير المادية، وفي هذا يقول الشيخ المطهري: “والفرق بين الفعل الأخلاقي وسائر الأفعال هو أن الفعل الأخلاقي قابل للثناء والمدح، ويضفي الناس قيمة على مثل هذا الفعل، لكن هذه القيمة ليست من نوع القيمة التي يقيم بها عمل أحد العمال، وذلك لأن العامل يوجد قيمة مادية يستحق مبلغاً من المال أو شيئاً من السلع في مقابل عمله، بينما الفعل الأخلاقي يتميز بقيمة تفوق هذه القيم بحيث لا يمكن تقويمها بالمال ولا بالسلع المادية. فالجندي الذي يضحي بروحه من أجل الآخرين يقوم بفعل ذي قيمة، لكن هذه القيمة ليست من لون القيم المادية”[5].
لذلك لا يمكننا قياس القيم الأخلاقية بالمعايير الإلحادية (المادية)، لأنه يصعب عليها تفسيرها وتبريرها، وكلامنا هذا ليس عن الملحدين وإنما عن الفلسفة المادية الإلحادية، فهناك فرق بين الأمرين وسوف يتضح ذلك أكثر في النقطة القادمة.

النقطة الثالثة: الفلسفة الأخلاقية وليس الواقع الأخلاقي
لابد أن يكون المعيار للأخلاق منطلق من فلسفة أخلاقية وليس من واقع أخلاقي، ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون الحوار مع الملاحدة حول الفلسفة الأخلاقية للدين، وليس عن الواقع الأخلاقي العملي للمتدينين، وهذا الخلط يقع فيه بعض الملاحدة فيركز مثلاً على سلوكيات الجماعات الدينية المتطرفة لإثبات بأن الأديان تخلو من فلسفة أخلاقية، ولإثبات بأنهم يعتمدون على النصوص الدينية لتبرير تصرفاتهم وممارساتهم، وهذا الأمر بالتأكيد مجانب للصواب، لأن الفلسفة الأخلاقية تختلف عن الواقع الأخلاقي سواءً عند المتدينين أو عند الملاحدة.
ولذلك ينبغي أن أنوه إلى أن الأخلاق في الواقع العملي عند المؤمنين لا تعني بالضرورة أنها تمثل الفلسفة الأخلاقية الدينية، وكذلك العكس، فالأخلاق في الواقع العملي عند الملحدين لا تعني بالضرورة بأنها نتاج الفلسفة الأخلاقية عندهم، ولذا فعندما نجد ملحدون وقفوا مع المظلومين ضد الظالمين بل وضحوا بأرواحهم في سبيل تحقيق العدالة، ونجد في المقابل أشخاصاً يدعون الإيمان بالله سبحانه ولكنهم يقفون مع الظالمين في سحق المظلومين، فلا نحيل ذلك مباشرة إلى الفلسفة الأخلاقية عند الطرفين، لأن هناك من الطرفين من يفعل عكس ذلك، وكشاهد على ذلك نجد أمثال جماعة داعش من المسلمين، وأمثال جوزيف ستالين من جانب الملحدين.
لذا فالسؤال المهم المتعلق بالمثال المتقدم هو: ما هي الفلسفة الأخلاقية للإلحاد التي تجعل الملحد يضحي بنفسه وهو لا يؤمن بالحياة الأخروية ولا بالجزاء الأخروي؟ فالفلسفة الأخلاقية عند المتدين في حال تضحيته بنفسه في مناصرته للمظلومين واضحة ومعروفة وأما الملحدين فلا، إذ لا يوجد مبرر من الناحية الفلسفية يتوافق مع الفلسفة المادية التي يتبعونها. وهذا هو ما جعل الدكتور جون لينكس[6] يبين بأن الملحد ليس بعاجز عن أن يكون خيراً ولكن الإلحاد لا يدعم أي أسس فكرية للأخلاق، لأن فرضية الإلحاد –كما يقول- ليس لديها تأسيس لمبادئ الخير والشر[7].

النقطة الرابعة: المنفعة والضرر كمعيار أخلاقي
ترفض الأديان اعتماد معيار تحقيق المنفعة أو الرفاه أو دفع الضرر والألم كمعيار لتحديد الأخلاق، وذلك لأنه من الممكن تحقيق منفعة في أفعال غير أخلاقية، كما يمكن إلحاق الضرر في بعض الأفعال ومع ذلك تكون أفعالاً أخلاقية، ومن الأمثلة على ذلك الكذب، إذ قد يترتب عليه منفعة رغم كونه فعل غير أخلاقي، وكالتضحية بالنفس من أجل الآخرين، فهو بالتأكيد يؤدي إلى الضرر رغم كونه يُعد من الأفعال الأخلاقية، ولذلك نستطيع القول وبكل ثقة أن المعايير التي اتخذها الملاحدة للأخلاق غير صحيحة [8].
والأمر الآخر، فإن تحقق الرفاه الاجتماعي وانتفاء الضرر والألم ليست من المسائل الأخلاقية أصلاً، وإنما هي تعبير عن صور الحياة السعيدة (بالمفهوم المادي)، وهناك فرق كبير بين الحياة الأخلاقية والحياة السعيدة، وهذا هو ما ذكره ويليام لان كريغ رداً على سام هاريس، حيث قال: “ومقارنة الدكتور هاريس بين الحياة الحسنة والحياة السيئة ليست مقارنة أخلاقية بين الحياة الخيرة أخلاقياً والحياة الآثمة أخلاقياً، بل هي مقارنة بين الحياة السعيدة والحياة البائسة، وليس هناك أي سبب للمساواة بين “السرور والبؤس” و”الخير والشر”، وخصوصاً ضمن النظرة الإلحادية. وهكذا فلا يوجد مطلقاً أي سبب في الرؤية الإلحادية يدفع للاعتقاد بأن ازدهار الكائنات الواعية هو خير موضوعي”[9].
ويمكن أن نضيف إلى ما سبق أيضاً في نقد اعتماد المنفعة والضرر كمعيار للأخلاق ما ذكره الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي حول هذه المسألة، حيث طرح هذا السؤال: (على أي فعل من أفعالنا الاختيارية يطلق (الخير) وما هو معيار خيريته؟). وأجاب عليه بقوله: “إن العمل الذي له دور ايجابي في تحقيق كمال الإنسان، أي العمل الذي يسعى الإنسان بأدائه للوصول إلى مقصودة وغايته النهائية سيكون خيراً بسبب تأثيره في ضوء ذلك المطلوب بالذات والغاية النهائية، أي لكونه سبباً وواسطة للوصول الى الغاية النهائية والخير بالذات فهو خير بالواسطة ومطلوب بالغير اصطلاحاً ومنه ينتزع معنى (القيمة الأخلاقية)”[10].
ويردف قائلاً: “ومما ذكر نستنتج أن (الخير) ليس –في ذاته ومطلقاً- معياراً للقيمة الأخلاقية، بل يكون أخلاقياً مع ملاحظة القيود المذكورة، كما أن (الشر) يكون أخلاقياً فيما لو أطلق على الفعل الاختياري، والفعل الذي له دور سلبي في تحقق كمال الإنسان يكون (شراً). فالشر أيضاً يكون بملاحظة هذه القيود مفهوماً أخلاقياً وذا قيمة أخلاقية سلبية وبكمة أخرى: اللاقيمة”[11].
وهذا الكلام بالتأكيد لا ينسجم مع الرؤية الإلحادية التي ترى بأن الإنسان تسيره الحتمية وعملية الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح.
إذاً، اتضح لنا بشكل واضح أن معيار المنفعة والضرر ليس معياراً أخلاقياً للآتي:
 أولاً: أنه يمكن تحقيق المنفعة أو الرفاه الاجتماعي في أفعال غير أخلاقية كالكذب في بعض الحالات، كما يمكن إلحاق الضرر والألم في أفعال أخلاقية كالتضحية بالنفس من أجل الآخرين.
 ثانياً: إن تحقق المنفعة أو الرفاه وانتفاء الضرر والألم ليست من المسائل الأخلاقية، وإنما هي تعبير عن صور الحياة السعيدة وفقاً للرؤية المادية.
 ثالثاً: أن الخير لا يكون خيراً في ذاته وبالإطلاق حتى يُعتمد عليه بحد ذاته كمعيار للقيمة الأخلاقية، وإنما يكون من خلال ما يسعى الإنسان للوصول إليه (الغاية النهائية).

النقطة الخامسة: الفرق بين المصلحة والمنفعة
ثمة خلط واضح يقع فيه بعض الملاحدة بين مسألة المصلحة والمنفعة، وهناك كلام جميل للشيخ المطهري يبين فيه هذه المسألة، حيث يقول: “وفي هذا المجال لا ينبغي أن يختلط علينا الأمر فهناك فرق كبير بين الكذب ذي المصلحة والكذب ذي المنفعة، وكثير من الناس يشتبه عليه أمرهما أو يتظاهر بذلك، والواقع أن الكذب ذا المصلحة يعني ذلك الكذب الذي انسلخ عن فلسفته واكتسب فلسفة الصدق، فالإنسان بهذا الكذب ينقد حقيقة ما، بخلاف الكذب ذي المنفعة وهو الكذب الذي يتورط فيه الإنسان من أجل الظفر بربح”[12].
ويردف قائلاً: “إذن لا ينبغي الخلط بين موضوع المصلحة وموضوع المنفعة. فالمصلحة تدور مدار الحقيقة، والمصلحة والحقيقة توأمان لا ينفصلان. والمصلحة تعني مراعاة الحقيقة وليس مراعاة الربح الشخصي فهذه هي المنفعة”[13].
لذلك فإن تصوير تحقق المنفعة أو الرفاه مساوياً لتحقق المصلحة كما توحي بذلك بعض عبارات الملاحدة غير دقيق، بل غير صحيح، وبهذا يتضح بطلان الاعتماد عليها كمعيار للأخلاق.

النقطة السادسة: المسألة الأخلاقية والنصوص الدينية
يُطالب بعض الملاحدة بإثبات وجود فلسفة أخلاقية للأديان غير معتمدة على نصوص دينية، وذلك لأن النصوص الدينية كثيراً ما تستخدم لتبرير سلوكيات متطرفة أكثر من كونها فلسفة حقيقية مستقلة بذاتها. ولذا يحق لي أن أضع هذا السؤال: ما الضير في أن تكون المسألة الأخلاقية معتمدة على ضوابط مستلة من نصوص دينية؟! فالأخلاق لا تقاس بكونها معتمدة على نصوص أو لا، كما أن عدم الأخلاق أيضاً لا يُقاس بهذا الأمر، إذ لا ملازمة بين الأمرين !!
أضع هذا التساؤل لأني أعتقد بعدم وجود تناقض في هذا الأمر، وهذا الكلام يفترض أن النصوص الدينية تتقاطع بالضرورة مع العقل والمنطق، وهذا مجانب للصواب، وادعاء ذلك بحاجة إلى إثبات، فهل كل ما هو مدون في النصوص الدينية يتقاطع كلياً مع الفلسفة الأخلاقية؟! بالطبع لا.
اعتقد أن تصوير الأمر على هذه الشاكلة مجازفة على حساب الواقع، فحتى القوانين الوضعية نجدها تعتمد على نصوص مدونة، ومع ذلك لم يقل أحد بأن هذه القوانين غير صحيحة لمجرد كونها معتمدة على نصوص مدونة، علماً بأن بعض القوانين في بعض الدول تتقاطع مع قوانين أخرى في دول أخرى.
ولذلك فإن مطالبة الأديان وأتباعها كالمسلمين بأن تكون لهم فلسفة أخلاقية لا تعتمد على النصوص الدينية شيء، وإنكار وجود هذه الفلسفة من الأساس شيء آخر، ولا يصح أبداً الخلط بين الأمرين.
والأمر الآخر؛ فإن لدى الأديان (الإسلام تحديداً) ضوابط عقلية ومنطقية مستقلة عن النصوص الدينية كما يُطالب بعض الملاحدة بالضبط، فهذا هو مفاد مبدأ الحسن والقبح العقليين[14]، ومعنى ذلك بأن العقل يستقل بمعرفة الحسن والقبح بذاته، فهذه ركيزة أساسية في فلسفة الأخلاق الإسلامية، وهو مبدأ مستقل عن النصوص الدينية كما هو واضح. نعم، الكلام المتقدم لا يشمل من لا يؤمنون بهذا المبدأ كالأشاعرة وأما غيرهم فلا.
لذلك، فمن غير الصحيح تصوير اعتماد الأخلاق على نصوص دينية بأنه دليل على عدم وجود فلسفة أخلاقية حقيقية، وعلى من يدعي هذا الأمر أن يثبت لنا ذلك.

النقطة السابعة: دور النية في الأفعال والسلوكيات
لاشك أن للنية دور في الأفعال والسلوكيات التي توصف بكونها أخلاقية، إذ أن لها قيمة كبرى في تمييز الأخلاق الإسلامية (الدينية) عن غيرها، فلقد شدد الإسلام على أهمية صفائها وسلامتها، وحول ذلك يقول الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي: “يمكن القول: من امتيازات النظام الأخلاقي في الإسلام هو أنه يقدم النية كأساس للقيمة الأخلاقية، والمصدر لكل صلاح وسوء. ويعد هذا فارقاً رئيسياً بين النظرية الأخلاقية في الإسلام وسائر النظريات الأخلاقية، لأن أغلب المذاهب الأخلاقية لا تعبأ بنية العمل، والمذهب الوحيد الذي استند إلى النية كأساس للقيمة ويٌعرف بهذه الخصيصة هو مذهب (كانت). ولكن ينبغي الإلتفات إلى أن النية التي يعتبرها (كانت) ملاكاً للقيمة هي نية الطاعة لحكم العقل واحترام القانون، ويختلف بذلك مع النظرية الإسلامية”[15].
وتتجلى القيمة الفعلية لمسألة النية في كونها تقدم الدافع النفسي للعمل، وبتعبير الشيخ اليزدي: “إن أي عمل-أساساً- لا يتم بدون نية ودافع، وكل عمل ينجز بالاختيار فان له داعياً أو دافعاً لإنجازه في نفس فاعله بحيث يكون سبباً لعدم تركه أو انتخاب عمل آخر بدلاً عنه”[16].
وأما الملاحدة فلا نجد أي أثر عندهم لمسألة النية (نية العمل) بخلاف الإسلام الذي يرى بأنه لا يكفي حسن الفعل وحده ليكون ذا قيمة أخلاقية، بل يلزم أتباعه أن يكون هذا الفعل مقترناً مع حسن النية في فاعله، لأن آثار الأفعال الحسنة تتوقف على وجود النية الصالحة لدى فاعلها[17].
العلم والمسألة الأخلاقية
بحسب كلام بعض الملاحدة فإن العلم هو من يحدد المنفعة من الضرر كما أشرنا لذلك سابقاً، ولذا فإن للعلم دور فعال في البت في المسائل لإثبات كونها أخلاقية أو لا عندهم، والسؤال هنا: هل يمكن اشتقاق الأخلاق من العلم أم لا؟ وكإجابة على هذا السؤال أستطيع أن أنفي هذا وبكل ثقة، وذلك للآتي:

أولاً: الأخلاق الإلحادية وحتمية التطور
لا يمكن إثبات وجود فلسفة أخلاقية حقيقية للإلحاد، وذلك لأن الكون وما فيه وفقاً للرؤية الإلحادية خاضع لقوانين حتمية كالتطور والانتخاب الطبيعي الذي يحتم مبدأ البقاء للأصلح، وهذا المبدأ لا يمكن له أن يعرف الخير من الشر، وحول ذلك يقول الدكتور جون لينكس: “كيف تستطيع في عالم مادي أن تفسر لي عدم السرقة والقتل إن كان فيهما مصلحة (أي منفعة) وإذا أمنت العقاب (عدم الضرر) أو أن يكشف أمرك أحد؟ كيف تفسر عدم غواية زوجة جارك أو أخيك أو صديقك واستغلال غيابه عنها إذا تأكدت من عدم الفضيحة؟ كيف تفسر عدم خيانتك لزوجتك؟ كيف تفسر أمانتك في العمل؟ بل ما هو الدافع المادي لديك مثلاً للمخاطرة بنفسك لإنقاذ طفل يغرق؟ هل يمكن (اختراع) أي فكرة مقنعة ساعتها للإجابة عن مثل هذه الأسئلة بالغاً ما بلغت من الخيال؟”[18].
وفي مورد آخر يقول حول هذه المسألة نفسها: “من الصعب جداً أن نرى كيف للعملية التطورية غير الواعية أن تشرح لنا حالة الإيمان بالأخلاق ذات المكانة المتأصلة والشاملة في البشر والتي توجب علينا دعم الناس الذين –في طبيعة الأمور- مسؤولين عن إيقاف أو حتى تهديد “التقدم” التطوري كالضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والكبار في السن”[19].
وفي هذا الشأن أيضاً يقول الدكتور عمرو شريف: “إذا كان الدراونة قد عجزوا عن تفسير نشأة التعاطف بين البشر، فلا شك أن تفسير نشأة خلق “الإيثار Altruism” سيكون أصعب، فهو يعمل ضد هدف التطور الرئيسي، وهو المحافظة على النوع. فعلى المستوى الفردي، ما الذي يدفعني للتضحية بذاتي من أجل المجتمع والجنس البشري؟ ما الذي يدفع جيناتي الأنانية للتضحية بذاتها؟ وما الذي يدفع جينات كرات الدم البيضاء للتضحية بذاتها في صراعها ضد الميكروبات لدفع المرض عن الجسد؟!. وعلى المستوى الأكبر، ما الذي يدفع المجتمع للتضحية بموارده وجهد أفراده من أجل العناية بالضعفاء والمرضى والمعوقين والمسنين؟. أليس ذلك ضد البقاء للأصلح؟ ألا يزيد ذلك من فرص بقاء الأقل صلاحية؟”[20].
ويردف قائلاً: “يفرض الدراونة إننا نفعل ذلك من أجل أن يفعله معنا الآخرون عندما نمرض أو نهرم، بالرغم من أن هذا التفسير مرفوض داروينياً!! فالتطور ليس له بصيرة مستقبلية، ومن ثم لا يفرض علينا التزاماً أخلاقياً تجاه ضعفائنا حتى يساعدنا الآخرون فيما بعد. إن التطور لا يعرف مثلنا الشعبي “من قدم السبت يلقى الحد (يوم الأحد) قدامه”[21].
لذلك، فإنه من الواضح جداً عدم إمكانية التوفيق بين الفلسفة المادية ونظرية التطور التي يؤمن بها الملاحدة وبين القيم الأخلاقية.

النقطة الثانية: العلم يحدد (ما يكون) وليس (ما يجب أن يكون):
إن العلم يخبرنا فقط عما يكون What is، ولا يخبرنا عما يجب أن يكون What ought to be، فالكائنات البشرية من وجهة نظر المذهب الطبيعي مجرد حيوانات وليس على الحيوانات أي واجب أخلاقي تجاه بعضها البعض، فعندما يقتل الأسد الحمار الوحشي فإنه يقتله فقط، ولا يرتكب جريمة قتل.
ولذا لو لم يكن الإله موجوداً، فلماذا نعتقد أن علينا أي واجبات أخلاقية لفعل أي شيء كان؟ من أو ما الذي يفرض علينا هذه الإلزامات؟ من أين تأتي؟. من وجهة النظر الإلحادية قد لا تكون بعض الأفعال كالاغتصاب ونكاح المحارم مفيدة بيولوجياً أو اجتماعياً، ولكنها في سياق تطور الإنسان وتحضره أصبحت من المحرمات، أي أصبحت سلوكاً غير مقبول اجتماعياً، لكن ذلك لا يثبت أبداً أن تلك الأفعال خطأ حقيقي، فمن وجهة النظر الإلحادية فإن المغتصب الذي اختار خرق أخلاقيات القطيع، لا يقوم بفعل أكثر خطراً من ممارسة شيء غير مألوف[22].
إذاً إحدى الأمور المهمة هي معرفة طبيعة العلاقة بين العلم أو عالم المعرفة (ما هو كائن) وبين الأخلاق أو عالم القيم (ما يجب أن يكون)، ومن المستحيل أن تخضع القيم الأخلاقية للعلم، وفي ذلك يقول الدكتور جون لينكس: “فالمعرفة هي وصف للواقع بـ “يكون” والقيم هي ما يجب أن يكون أي “الحتمية” من “يكون” وهذا مستحيل. فإن كان الأمر صواباً وأن ليس هناك من هدف في الكون، وأن البشر نتاج الصدفة المحضة، فلا يمكنك اشتقاق أي “يتحتم” من “يكون”[23].

النقطة الثالثة: الوجوب يقتضي الاستطاعة
إن “الوجوب” في الأخلاق والقيم يقتضي “الاستطاعة”، فالشخص غير مسؤول أخلاقياً عن فعل لا يستطيع اجتنابه، فعلى سبيل المثال إن دفعك أحدهم من الخلف نحو شخص آخر فلن تكون مسؤولاً عن اصطدامك به، إذ ليس لديك خيار. وهكذا لا يوجد أي أساس للواجبات الأخلاقية الموضوعية لأنه لا يوجد مشرع للقانون الأخلاقي، وليس هناك إمكانية لوجود الواجبات الأخلاقية الموضوعية بسبب غياب الإرادة الحرة[24].
 وينقل الدكتور جون لينكس عن أينشتاين قوله: “إن إحساسنا بالجمال وغرائزنا الدينية ما هي إلا: أشكال مساعدة تدفع القدرة الاستنتاجية باتجاه أعظم الإنجازات. أنت محق في الكلام عن الأسس الأخلاقية للعلم، ولكن لا يمكنك عكس الأمر والكلام عن الأسس العلمية للأخلاق”.
ويبين بعدها بأنه وفقاً لأينشتاين، فإنه لا يمكن للعلم أن يشكل أسساً للأخلاق، ويعقب موضحاً بقوله: “يمكن أن تساعدنا معرفة مقدار الألم الذي تحس به الحيوانات في صياغة الأحكام التي تخص القيام بالاختبارات الحيوانية، ولكن يبقى الحكم مقدراً على أساس اقتناع أخلاقي سابق بأن الألم والمعاناة أمر سيء. يمكن للعلم أن يخبرنا أن وضع مادة الستركنين السامة في شاي جدتك سيقتلها، ولكن لا يقدر العلم على إخبارنا إن كان يلزمك أو لا يلزمك فعل ذلك لكي تحصل على أملاكها”[25].
الدين ضرورة للأخلاق
في اعتقادي من المهم قبل البدء في الحوار مع الملاحدة حول فلسفة الأخلاق في الدين الحديث عن ثبوت أصل الدين نفسه، فالحديث يفترض أن يتقدم خطوة نحو إثبات أصل الدين قبل أن يكون متعلق بـفلسفته الأخلاقية فقط، لأن الحديث عن الأخلاق يُفترض أن يأتي كخطوة لاحقة، إذ ليس من الصحيح أن يكون الحوار حول مسألة فلسفة الأخلاق الدينية قبل الحوار حول مسألة الدين نفسه من ناحية أصل ثبوته، فهل الدين ثابت أم لا؟! وما هي الأدلة المؤيدة لذلك؟ وما هو موقف المعارضين (الملحدين) منها؟ وما هي أدلتهم؟! فلا بد من تحرير هذه المسألة أولاً، لأن هذا سيسهم في تهيئة الأرضية المناسبة للبحث في الفلسفة الأخلاقية للدين بعد ذلك، وغيرها من المسائل الأخرى المترتبة عليها.
وهذا الأمر ليس هروباً من الحوار حول هذا الموضوع كما يظن بعض الملاحدة، ولكن لأني أعتقد أنه من الخطأ مناقشة أمور جزئية وتجاهل الأمور الكلية الكبرى، فلنفرض جدلاً أن الملاحدة آمنوا واقتنعوا بأن للدين فلسفة أخلاقية، فهل سيتغير موقفهم من الدين ككل؟ بالطبع لا، لأن هناك العديد من القضايا الأخرى العالقة التي قد يكون لها بداية ولكن لا نهاية لها، ولذا ينبغي أن يكون النقاش معهم وفق مبدأ الأولوية الأهم فالمهم، علماً بأن بعض القضايا الأخلاقية لن تتجلى بوضوح كامل إلا من خلال فهم الرؤية الدينية الكلية أولاً.
مهما يكن، فإن دور الدين في المسألة الأخلاقية يتجلى أكثر في النقطتين التاليتين:

النقطة الأولى: مسألة البت في بعض القضايا الأخلاقية
لا شك بأن هناك مجموعة من الفضائل الأخلاقية التي يستقل العقل بإدراكها من دون الحاجة للدين كحسن الصدق وقبح الكذب، وكحسن العدل وقبح الظلم مبدأ (الحسن والقبح العقليين)، ولكن ليست كل القضايا الأخلاقية على هذه الشاكلة من الوضوح، فهناك بعض الأفعال التي يصعب –ولا أقول بأنه ينعدم- على العقل عند البعض أن يدرك قبحها كالعلاقات الجنسية المثلية إذا تمت برضا الطرفين ومن دون مشكلة قانونية كما في بعض الدول التي تسمح قوانينها بذلك[26]، ففي مثل هذه الأمور نجد أن الدين سوف يحسم الأمر بسهولة من خلال تحريمه لمثل هذه الأفعال القبيحة، وإن سمحت بها بعض القوانين الوضعية وكان الطرفان راضيان[27].
وأما في الفكر الإلحادي فليس هناك أي مانع أخلاقي من هذه الممارسات إذا تمت برضا الطرفين ومن دون أي مشكلة قانونية كما في بعض الدول وفقاً لمعيار (المنفعة الرفاه /الألم الضرر). والغريب أن بعض الملاحدة يقول بأن هذه المسألة ينبغي أن يترك البت فيها للعلم، وإذا أكد لنا وجود الضرر فهي غير أخلاقية، وأما إذا لم يكن فيها أي ضرر فلا مشكلة فيها، كما ذهب بعضهم للقول بأن استقباح مثل هذه الممارسات ربما يكون نتيجة برمجة اعتاد عليها الإنسان، كأن يكون قد ربي على ذلك، وليس نتيجة لأمر حقيقي موجود في طبيعتها ويكشف عن قبحها بالفعل، ولذلك لا يمكن الاعتماد على النصوص الدينية في هذا الشأن.
وهذا الكلام يلاحظ عليه ما يلي:
 أولاً: إن إحالة الأمر للعلم –رغم عدم صحة ذلك كما مر بنا- إلا أنه كذلك لن يحسم المسألة، لأنه في الكثير من الحالات تختلف النتائج العلمية من بحث لآخر، فعلى فرض صحة كلامهم –وهو غير صحيح طبعاً- فما هو رأي الملاحدة في حال اختلفت النتائج العلمية حول هذا الأمر؟ وكيف سيكون موقفهم إزاء هذه الاختلافات؟ وعلى أي أساس سيتم الترجيح بين الآراء العلمية المختلفة؟!
 ثانياً: لم يكن الكلام حول خلفيات الحكم على أمر من الأمور (كالمثلية الجنسية مثلاً) حتى يقول لي قائل: بأن الإنسان قد يصعب عليه الحكم عليها، لأنه ربما يكون مبرمجاً ومعتاداً على أمر معين، وإنما كان حول من هو المخول لحسم الخلاف في هذه المسألة في حال وقوعه، لأن الناس وإن كانوا مبرمجين في بعض المسائل إلا أن برمجتهم مختلفة ومتعددة أيضاً، فحتى على فرض صحة كلامهم في هذا الشأن، أي وجود برمجة باتجاه معين، فإن هناك من تكون برمجته –بحسب تعبير بعض الملاحدة- مع المثلية الجنسية بالفرضية التي ذكرناها، وهناك في المقابل من تكون نتيجة برمجته الوقوف ضدها، والسؤال هنا: كيف سيحسم الخلاف في هذه المسألة؟ ! فهذا هو السؤال الأساسي، وليس حول الخلفيات التي تؤثر في نظرة الإنسان حول هذه المسألة وغيرها من الأمور.

النقطة الثانية: الدين وضغط العامل الأخلاقي
لو استقل العقل بإدراك بعض الأمور الأخلاقية كقبح الكذب مثلاً، فما الذي يجعل الإنسان يحرص على الالتزام بالصدق وعدم الكذب، وبالخصوص في حال تعرض منفعته الشخصية (في كسب ربح معين أو دفع الضرر) للخطر. نعم هناك بعض الأمور الأخلاقية التي يمكن فرضها قانونياً بالقوة كمعاقبة القانون على السرقة والتعدي على الآخرين، ولكن هناك أمور أخرى لا يمكن فرضها من خلال القانون، ومنها الكذب في بعض الحالات. فهنا يأتي دور الدين ليشكل عامل ضغط على الإنسان يساعده في مثل هذه المواقف لضبط سلوكه من الناحية الأخلاقية، لجعله يلتزم بالصدق وإن كان فيه ضرره وترك الكذب وإن كان فيه منفعته[28].

طبيعة الفلسفة الأخلاقية للدين
تختلف الفلسفة الأخلاقية عند الأديان عن الفلسفات الأخلاقية عند المذاهب والتيارات الفكرية الأخرى، وذلك لأنها تعتمد على الدين أو بتعبير معاصر الميتافزيقيا أو ما وراء الطبيعة, في حين نجد بعض الفلسفات الأخرى تبدأ في تنظيرها -بل وتعتمد- على ما هو الموجود في الواقع، وهذا اختلاف جوهري كبير جداً، فشتان بين فلسفة تدعي بأنها تعتمد على الواقع وفلسفة تستقي من الوحي، وإن كانت تراعي مصلحة الواقع أيضاً.
ومن الطبيعي أن تكون المسألة الأخلاقية لدى الأديان معتمدة على تعاليم السماء، بل من غير المنطقي أساساً أن تكون الفلسفة الأخلاقية عند المسلمين غير مستلهمة من الأصول والمبادئ الدينية، إذ أن هذا لا يتصور أصلاً، لأن الأخلاق لها مدخلية في ضبط سلوك الإنسان في علاقاته بنفسه وبغيره، وهذا موضوع أخلاقي وديني بامتياز، إذ لا بد أن يكون هذا الأمر مبني على ما يؤكد عليه الدين بناءً على الفلسفة الأخلاقية التي يمتلكها، علماً بأنه لا يوجد أصلاً ما يؤكد وجود تقاطع كلي بين الدين والفلسفة الأخلاقية كما ألمحنا لذلك سابقاً.
لذلك يمكننا القول بأن للدين فلسفة أخلاقية. نعم، هذه الفلسفة لها خصوصياتها، فهي تختلف عن الفلسفات الأخرى، ولكن هذا لا يجعلنا ننكر ذلك من أساسه، علماً بأن الفلسفة الأخلاقية تختلف بين الأديان أيضاً، فالفلسفة الأخلاقية عند الديانة الإسلامية مثلاً تختلف عن الفلسفة الأخلاقية عند الديانة المسيحية[29]، فلكل منهما بعض الخصوصيات التي تميزها عن غيرها.
والغريب أن بعض الملاحدة ينكر وجود فلسفة أخلاقية للدين، ويُطالب بذكر مصادر كتبت في هذا المجال، ويبدو بأنه غير مطلع على هذا الأمر ومع ذلك ينفيه بضرس قاطع، وهنا تكمن المشكلة، فهو بهذا ينطلق من الجهل لإنكار وجود المسألة الأخلاقية، وشأنه في هذه المسألة كشأنه في مسألة إنكار وجود الخالق سبحانه وتعالى، حيث أنه ينكر وجوده سبحانه وتعالى فقط لعدم تمكنه من الوصول إلى ذلك من خلال معطيات العلم التجريبي !!

المبادئ الموضوعية للأخلاق الإسلامية
ثمة عدة أمور يمكن عدها كمبادئ موضوعية للأخلاق الإسلامية وهي كالتالي[30]:
1. حرية الاختيار: أن الإنسان موجود مختار، لأنه إذا كان مجبراً في أعماله، وافتقد إرادته في تقرير مصيره فإن الأمر والنهي المتوجهين إليه سوف يفقدان محتواهما، والالتفات إلى ذلك ذو أهمية بالغةً تربوياً، فإن ظهور لون من الجبر في الإنسان واعتقاده بعدم الاختيار في أعماله، ورضوخه للمؤثرات الخارجية سوف يثبط عزيمته ويجرده من الشعور بالمسؤولية.
2. الغاية النهائية: إذا كان الإنسان مختاراً فهو ينتخب غايةً ثم يباشر أفعاله الاختيارية بغية الوصول إليها، فهناك عدة غايات نقصدها عند انجاز أعمالنا، وبما أن التسلسل في الغايات أمر غير ممكن، فإنا نلاحظ غايةً نهائية لتلك الأعمال، وتزكية النفس وتهذيب الأخلاق يقعان في إطار الأعمال الاختيارية للإنسان، وتنجز بقصد الوصول إلى الغاية والمطلوب النهائي.
3. لابد من السعي للوصول إلى الغاية: على الإنسان أن يعلم بأن لمساعيه دوراً في الوصول إلى غاياته ومقصوده، وأن نتائجها تعود عليه، وذلك لكي يبادر بشوق الى النشاط والسعي. فالإنسان إذا كان له مقصود نهائي ثم ظن أن أعماله ومساعيه لا تأثير لها، أو أن نتائجها تعود الى الغير ولا تقربه من المقصود والغاية النهائية ضعف دافعه للعمل والسعي، فلا يتعب نفسه للوصول اليه. من هنا كان من الضروري الاعتقاد بتأثير أعمال وسلوك الإنسان على مصيره، وذلك لحثه على التحرك والسعي في طريق الأهداف الأخلاقية السامية، وليعلم أن كل حركة أو عمل يقوم به باختياره ستعود نتيجته وما يترتب عليه من نفع أو ضرر على نفسه حتماً[31].

الأخلاق ووجود المطلق
إذا عرفنا بأن وجود الأخلاق هو وجود لقيم مطلقة يدركها الإنسان بذاته، فإن هذا الأمر سوف يقودنا إلى أمر مهم وهو وجود المطلق سبحانه وتعالى، ولهذا فإن هناك ارتباط وثيق بين إثبات القيم المطلقة ووجود الخالق المطلق سبحانه، فمعرفة الخالق تقودنا إلى الأخلاق، وكذلك إثبات وجود الأخلاق والقيم المطلقة يقودنا حتماً إلى إثبات وجود الخالق المطلق سبحانه، بل حتى مسألة الشر التي كثيراً ما يستدل بها الملاحدة لإنكار وجود الخالق يمكن الاستدلال بها بشكل معاكس على إثبات وجوده سبحانه.
وهذا ما أشار إليه أيضاً ويليام لان كريغ في مناظرته مع سام هريس، حيث قال:”لاحظوا أن الشر في الحقيقة يثبت وجود الرب، لأن الرب لو لم يكن موجوداً، فإن القيم والواجبات الأخلاقية الموضوعية لن تكون موجودة! وإذا وجد الشر، فذلك يقتضي أن القيم والواجبات الأخلاقية موجودة، وبالتحديد لأن بعض الأشياء شريرة. إذاً فالشر يثبت وجود الرب فعلياً، لأنه بغير الرب لن يوجد الشر والخير كما هما الآن”[32].
وإذا ثبت لدينا وجود الخالق المطلق فيجب علينا عبادته بغض النظر عن الأمور الأخرى كمسألة المثوبة والعقوبة الأخروية، لأن الخالق سبحانه يُعبد لكونه مستحقاً للعبادة، وليس كما يظن بعض الملاحدة بأنه يُعبد فقط من أجل الدخول إلى الجنة واجتناب النار. وفي ذلك يتحدث ويليام لان كريغ أيضاً رداً على قول سام هريس بأن هدف الإيمان بالله عند أصحاب الأديان هو تجنب نار جهنم، حيث يقول: “وبكل أمانة إن هذا يبين ببساطة الفهم القاصر عند سام هاريس للمسيحية (وللأديان عموماً). أنت لا تؤمن بوجود الرب لمجرد تجنب دخول الجحيم، فالإيمان بالله ليس نوعاً من التأمين ضد الحريق. أنت تؤمن بالرب لأن الرب، بكونه الخير المطلق، هو الخليق بالتعبد والمحبة فهو الخير نفسه، الذي يطلب لذاته لا لشيء آخر. وهكذا فتحقيق وجود الإنسان سيوجد في العلاقة مع الرب. والله حقيق بالعبادة بسبب كينونته وقيمته الأخلاقية. ولا يتعلق الأمر بتاتاً باجتناب النار، ولا بتعزيز رفاهيتك الخاصة”[33].
وحول مهاجمة الملاحدة للأديان لكونها تأسس لسلوكيات غير أخلاقية بحسب زعمهم، حيث يقول ويليام لان كريغ رداً على سام هريس: “لاحظوا أن د.هاريس ليس لديه أساس أخلاقي ليقول بأن المعتقدات المسيحية (الدينية) بغيضة أخلاقياً، لأنه يفتقد إلى الأساس الذي يبني عليه حكمه هذا. لو كان الإلحاد صحيحاً، فما هو الأساس الموضوعي للجزم بأن نظرة ما بغيضة وأخرى ليست كذلك؟ لأنه لا يوجد ببساط أي أساس لأحكام كهذه”[34].
ولقد تناول الشيخ الشهيد مرتضى المطهري مسألة الارتباط بين الأخلاق ووجود الخالق في كتابه فلسفة الأخلاق تحت عنوان (معرفة الله هي أساس الأخلاق) بقوله: “يقول البعض أن للأخلاق أساساً ومرتكزاً، فكما أن “أول الدين معرفته” حيث تشكل معرفة الله سبحانه الحجر الأساسي للدين، فكذا معرفة الله تشكل الحجر الأساسي للإنسانية، ولا معنى للإنسانية ولا للأخلاق من دون معرفة الله تعالى. أي لا معنى لأي شيء معنوي إذا لم يرتبط برأس المعنويات ومنبعها”[35].
ويقول كذلك تحت عنوان (ذات الله تعالى هي أساس الفضائل الخلقية): “على أساس أي منطق يمكننا أن نبني الأخلاق؟. أيمكننا أن نجد للأخلاق منطقاً استدلالياً بعيداً عن طريق معرفة الله؟.كلا، إن الخلفية والرصيد لجميع هذه المفاهيم هي معرفة الله. وإن فقد الإيمان أصبحت الأخلاق كقطعة نقود لا رصيد لها. قد يكون البعض غير ملتفت إلى هذا الأمر ولكنه لا يكون مبنياً على أساس محكم.”[36].
ويبين الشهيد المطهري ذلك بذكر شاهد على كلامه بذكر ما فعله الفرنسيون، حيث أنهم أول من نشر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن لم يكن لهذا الإعلان أي أثر في حرب الاستعمار الفرنسي على شعب الجزائر[37].
كلمة الختام
تناولنا في هذا الموضوع المسألة الأخلاقية، وذلك من خلال إجراء مقارنة وتحليل نقدي للمسألة الأخلاقية بين الفكر الديني والفكر الإلحادي، وذلك كالتالي:
 تناولنا مسألة المعايير والضوابط التي اعتمدها الملاحدة لتميز الأفعال الأخلاقية عن غيرها وهي: (المنفعة والرفاه-دفع الضرر والألم)، حيث أثبتنا عدم صحتها وجدواها.
 تناولنا أيضاً مسألة العلاقة بين العلم والأخلاق، وأثبتنا عدم صحة ما يقوله بعض الملاحدة من أن الذي يحدد معايير الأخلاق هو العلم، حيث بينا عدم إمكانية اشتقاق الأخلاق من العلم.
 استعرضنا بعض المبادئ الموضوعية للأخلاق الإسلامية، وهي: (1-حرية الاختيار.2-الغاية النهائية. 3-دور السعي للوصول إلى الغاية).
 أخيراً وتحت عنوان (الدين ضرورة أخلاقية) أشرنا إلى أن وجود قيم أخلاقية مطلقة يثبت وجود المطلق سبحانه وتعالى.

الهوامش
________________________________________
[1] توجد العديد من المقابلات والمناظرات على اليوتيوب، وهي مترجمة للغة العربية.
[2] ويليام لين كرايغ (بالإنجليزية: William Lane Craig) وهو فيلسوف تحليلي ولاهوتي مسيحي أمريكي ولد في يوم 23 أغسطس 1949 في مدينة بيوريا في ولاية إلينوي في الولايات المتحدة وهو من أشهر اللاهوتيين الدفاعيين في العالم وهو خريجي جامعة بيرمنغهام وجامعة لودفيش ماكسيميليان في ميونخ وقد قام بمُناظرة عدة مروجي للإلحاد منهم ريتشارد دوكينز وسام هاريس وقد أنشأ عدة كُتُب منها الايمان المنطقي (ويكيبيديا الموسوعة الحرة).
[3] سام هاريس (المولود 9 أبريل، 1967) هو مؤلف وفيلسوف ومفكر و عالم أعصاب أمريكي وهو أحد مؤسسي مشروع إدراك و مديره التنفيذي- مؤلف كتاب “نهاية الإيمان” الذي صدر عام 2004 والذي ظهر في لائحة النيويورك تايمز لأفضل المبيعات 33 أسبوعًا على التوالي. – مؤلف كتاب 2006م، “رسالة إلى أمة مسيحية” ردّا على انتقادات لكتاب “نهاية الإيمان”. تَبِع هذا العمل كتابه “المشهد الأخلاقي”، الذي صدر سنة 2010، ليتبعه بمقاله من الطراز الطويل “أنْ تكذب” سنة 2012، لتتم سلسلة مؤلفاته مع كتاب “الإستيقاظ: دليل إلى الروحانية الخالية من التدين” (ويكيبيديا الموسوعة الحرة).
[4] الألحاد بين قصورين ترجمة مناظرة ويليام لان كريغ وسام هاريس. ترجمة د.مؤمن الحسن، د، عبدالله الشهري. ص25، الطبعة الأولى 1437هـ، مركز دلائل، الرياض-المملكة العربية السعودية.
[5] فلسفة الأخلاق للشيخ الشهيد مرتضى المطهري ص5-6، منشور ضمن كتاب سلوك وأخلاق الإسلام، الطبعة الأولى 1432هـ-2011م. طبعاً أعتقد بأن كلام الشيخ المطهري خاص بمن يضحي بنفسه دون أن يكون همه المقابل المادي، وأما الجندي الذي يقوم بواجباته مقابل ما يتقاضاه من أجر، فلا ينطبق عليه هذا الكلام.
[6] جون كارسون لينكس (بالإنجليزية: John Carson Lennox) عالم بريطاني في الرياضيات وفلسفة العلوم ومناظر مؤيد للمسيحية ويعمل كبرفسور في الرياضيات في جامعة أكسفورد.وهو عضو في زمالة في الرياضيات وفلسفة العلوم في كلية تمبلتون الخضراء، جامعة أكسفورد. وهو أيضا مستشار الرعوي في كلية تمبلتون الأخضر وقاعة يكليف، ومحاور وكاتب معروف في قضية العلاقة بين العلم والإيمان (ويكيبيديا الموسوعة الحرة).
[7] أقوى براهين د.جون لينكس في تفنيد مغالطات منكري الدين، جمعه وعلق عليه م.أحمد حسن، ص509، الطبعة الأولى 1437هـ مركز دلائل الرياض- المملكة العربية السعودية.
[8] نلاحظ أن بعض الملاحدة يتكلمون عن الضرر والمنفعة ولكنهم لا يبينون إن كان مرادهم من كون الضرر أو تحقيق المنفعة مرهون بالأمور الفردية أو الجماعية أو إن كان القيمة لهذه المنفعة مادية أو معنوية، فهذا الأمر مهم ولا ينبغي التغافل عنه، كذلك لم يحددوا الحالة إذا كانت النتائج العلمية مختلفة أو إذا لم يستطع العلم التوصل إلى نتيجة تفضي لذلك.
[9] الإلحاد بين قصورين، ص52.
[10] الأخلاق في القرآن الكريم، محاضرات للشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، ج1، ص57، تدوين وتحقيق: محمد حسين اسكندري، ترجمة الشيخ كاظم الصالحي، دار التعارف للمطبوعات لبنان، 1425هـ-2004م.
[11] المصدر السابق، ج1، ص57-58.
[12] فلسفة الأخلاق المطبوع ضمن كتاب سلوك وأخلاق الإسلام، ص44.
[13] المصدر السابق، ص44.
[14] للمزيد حول علاقة الحسن والقبح العقليين بالأخلاق في الإسلام يمكن الرجوع إلى كتاب تزكية النفس، للسيد كاظم الحسيني الحائري، ص13 وما بعدها،دار الفقه للطباعة والنشر الطبعة الأولى 1422هـ.
[15] الأخلاق في القرآن الكريم، ج1، ص105.
[16] المصدر السابق، ج1، ص106.
[17] المصدر السابق، ج1، ص106.
[18] أقوى براهين د.جون لينكس في تفنيد مغالطات منكري الدين، ص507-508.
[19] المصدر السابق، ص532.
[20] خرافة الإلحاد للدكتور عمرو شريف، ص 302، الطبعة الأولى 1435هـ2014م مكتبة الشروق الدولية، القاهرة-جمهورية مصرالعربية.
[21] المصدر السابق، ص302.
[22] منقول بتصرف واختصار من كتاب الإلحاد بين قصورين، ص26 وما بعدها.
[23] أقوى براهين د.جون لينكس في تفنيد مغالطات منكري الدين، ص526.
[24] منقول بتصرف واختصار من كتاب الإلحاد بين قصورين، ص28 وما بعدها.
[25] أقوى براهين د.جون لينكس في تفنيد مغالطات منكري الدين، ص513.
[26] اخترت هذا المثال بالتحديد، لأن العديد من الملاحدة كثيراً ما يتطرق له في أحاديثهم.
[27] راجع كتاب أفي الله شك؟ للشيخ الدكتور مرتضى فرج، ص 123 وما بعدها، الطبعة الأولى 2013م، مؤسسة الإنتشار العربي، بيروت-لبنان.
[28] راجع الصدر السابق، ص123 وما بعدها.
[29] لمعرفة المزيد راجع كتاب فلسفة الأخلاق للشهيد المطهري المطبوع ضمن كتاب سلوك وأخلاق الإسلام، ص17 وما بعدها.
[30] ما سوف أورده مأخوذ بكامله من كتاب الأخلاق في القرآن الكريم، للشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، ولكن باختصار وبتصرف، ولقراءة البحث كاملاً يمكن مراجعة الكتاب ج1، ص17 وما بعدها، طباعة دارة التعارف للمطبوعات، 1425هـ -2004م.
[31] ولمعرفة المزيد عن اختلاف النظام الأخلاقي في الإسلام مع النظم الأخرى يمكن مراجعة المصدر السابق، ج1، ص89 وما بعدها.
[32] الإلحاد بين قصورين، ص68.
[33] المصدر السابق، ص66.
[34] المصدر السابق، ص69.
[35] فلسفة الأخلاق المطبوع ضمن كتاب سلوك وأخلاق الإسلام، ص154.
[36] المصدر السابق، ص159.
[37] راجع المصدر السابق، ص159.