المنهج القصدي في اللغة والنظام القرآني

31 مايو 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
71 زيارة

المنهج القصدي في اللغة والنظام القرآني

مطالعةٌ وتعريف

حيدر حبّ الله([1])

تحرير وتنظيم: الشيخ سعيد نورا

تمهيد

تعتبر مسألة فهم النصوص أمراً ضروريّاً بالنسبة إلينا بوصفنا طلّاب العلوم الدينيّة؛ لأنّها تشكّل مِدماكاً أساسيّاً لفهم الدين، وهناك دراساتٌ كثيرة ومعمّقة حولَ مناهج فهم النص في أوساطنا العلميّة في مختلف العلوم الإسلاميّة من اللغة والتفسير والحديث وأصول الفقه وغيرها من العلوم المتّصلة بفهم النصوص، لكنّ هذا ليس مبرّراً كافياً لنا لكي نغفل عن الدراسات والأفكار الحديثة في هذا الموضوع، حتى نستطيع أن نستفيد من هذه البحوث من جهة، ونتمكّن من جهةٍ أخرى من التصدّي للأفكار الخاطئة في هذا المجال على تقدير وجودها.

ومن هذه الأفكار الحديثة التي طُرحت في العقود الأخيرة، ما بات يُعرف بالمنهج القصدي في اللغة والتفسير، والذي طرحه بشكل فاعل الباحث العراقي عالم سبيط النيلي (2000م)، ونظّر له ودافع عنه بقوّة في كتاباته المختلفة.

وللأسف الشديد، ثمّة جهلٌ مُطبَق بالنسبة إلى أعمال عالم سبيط النيلي في الحوزة العلميّة عموماً، لاسيّما في قم، بل وهناك عدم اطّلاع على المدرسة القصديّة في فهم النص، ولا توجد دراسات تعنى بمشروع الفهم القصدي في فهم اللغة حوزويّاً إلا شيء نادر للغاية، لهذا أحببت أن أركِّز هنا على توضيح مختصر بسيط أوّلي جداً ومتسلسل لهذه المدرسة التي أرخت بظلالها على تفسير القرآن الكريم في الفترة الأخيرة في بعض الأوساط.

وسوف أقسّم البحث إلى أربعة محاور أساسيّة:

المحور الأوّل: تعريف موجز بمعالم المنهج القصدي.

المحور الثاني: المنهج القصدي وتفسير القرآن الكريم.

المحور الثالث: الملاحظات التي تسجّل على المنهج القصدي، حيث نشير إلى اثنتي عشرة ملاحظة نقديّة.

المحور الرابع: أسئلة وأجوبة حولَ عالم سبيط النيلي ومنهجه القصدي.

المحور الأوّل: تعريفٌ موجز بمعالم المنهج القصدي

قبل أن نبدأ بترسيم المعالم الأساسيّة لنظريّة عالم سبيط النيلي والمناصرين له في فهم النص، يجب أن نعرف أنّ هذه النظريّة من الطبيعي أن لا تكون واضحةً لدى كثيرين من بعض الجهات؛ كونها ما تزال في مرحلة الانطلاق ـ كما يقول عالم سبيط النيلي نفسُه في بعضه كتبه ـ ولذلك سوف أحاول أن أجمع مجموعة أفكاره الأساسيّة من متناثر كتبه، وأقوم بتفكيكها، وأستعرضها بطريقة منطقيّة متسلسلة، حتى تتّضح الفكرة؛ لأنّ هذا المنهج متشعّبٌ جدّاً.

إنّ حجر الزاوية في فكر عالم سبيط النيلي، يكمُن في رؤيته إلى اللغة، حيث لا يرى اللغة حاملةً للفكر، بل يعتبرها الفكرَ نفسه، وبناءً علىه تبدأ عمليّة إصلاح الفكر من خلال إصلاح اللغة، فما هو السائد من إصلاح الأفكار بعيداً عن اللغة أمرٌ مرفوضٌ تماماً؛ لأنّ البِنية التحتيّة للأفكار ليست إلا اللغة، فيجب أن نبدأ من اللغة نفسِها لإصلاح الأفكار، وهو شيء يذكّرنا بتوجّهات الفلسفة التحليليّة المعاصرة (Analytic Philosophy).

ولذلك، يمكن أن نقول بأنّه يعتقد بأنّ إصلاح الفكر ـ ولاسيّما الفكر الديني ـ ينشأ من إصلاح اللغة، لا من إصلاح العقل ولا الفلسفة، ولا من إصلاح الزوايا الأخرى.

إذن، حجر الزاوية هي اللغة، وهي المنطلق الأساس للعمليّات الإصلاحيّة، فإذا استطعنا إصلاح اللغة، وفهمنا القضيّة اللغويّة، فإنّنا بذلك نكون قد نجحنا في فتح الباب الصحيح للوصول إلى الحلّ، ولذلك هو يسمّيه (الحلّ القصدي)، ممّا يوحي بأنّ ثمّة مشكلة نريد أن نحلَّها، وهو يرى أنّ حلّ هذه المشكلة يكون بدايةً من اللغة.

من هذه الزاوية بالخصوص، انطلق القصديّون نحو انتقاد الفلاسفة والعرفاء وعلماء التاريخ وأصول الفقه وغيرهم، معتبرين أنّ الحلّ الوحيد للمشاكل الإنسانيّة اليوم، إنّما يكمن في اللغة، فهاجموا جميع المداخل الأخرى بما فيها المدخل الفلسفي والعرفاني والتاريخي وغيرها، وسوف نشير باختصارٍ بالغ، إلى بعض مداخلاتهم النقديّة على هذه المداخل.

وبما أنّ المنهج المقصدي، منهجٌ نقديٌّ بالدرجة الأولى، فلكي نوضِّح طريقة تفكير القصديّين، سوف أقوم في البداية بعرضٍ موجز لبعض مداخلاتهم النقديّة على الآخرين، ومن ثمّ أقوم ببيان طريقتهم للحلّ، فتكون المباحث في هذا المحور على الشكل الآتي:

أوّلاً: المنهج القصدي ونقد المداخل الفلسفيّة والمنطقيّة

ينطلق المنهج القصدي في نقد الفلاسفة والمناطقة من العلاقة الجدليّة بين تعاظم «الأنا» وتعالي الاختلاف بين أبناء الأمّة، حيث اعتبر القصديّون أنّ الفلاسفة ـ شرقاً وغرباً ـ اعتقدوا بأنّ إصلاح الفكر يتمّ عبر إصلاح العقل، أي بدراسة العقل، وبتحليل مناشط التفكير، فإذا أصلحنا حركة العقل في استنتاجاته، نكون بذلك قد أصلحنا حياتنا.

ينتقد عالم سبيط النيلي هذه الفكرة، ويعارض الفلسفة بمدارسها الشرقيّة والغربيّة معارضةً شديدة، معتبراً أنّ مدخلَهم العقلي لحلّ الأزمة الإنسانيّة هو مدخلٌ غيُر صحيح؛ لأنّهم انطلقوا من الذات إلى الخارج، حيث أسّسوا علم المنطق وعلم المعرفة، فانطلقوا من فهم الذات، وفهم العقل، وفهم التفكير للوصول إلى الخارج، وهو ما يسمّيه القصديّون بـ «الأنانية»، ولهذا يقولون: من هنا تعملقت الذات الفلسفيّة، وصار الفيلسوف يرى نفسه كبيراً.

كلّما كان الموضوع عبارة عن شيءٍ خارج الذات، تلاشى الاختلاف وأتى الاتّفاق، وكلّما كان الموضوع هو عبارة عن الذات تعاظم الاختلاف وزاد الشقاق.

ويسند القصديّون هذا الكلام بالنصوص القرآنيّة؛ لأنّ القرآن الكريم يعتبر أنّ أساس الاختلاف بين البشر هو البغي، حيث قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213) ([2]).

والبغي في الحقيقة أزمةٌ نفسيّة وسلوكيّة، لهذا يعتبر القصديّون أنّ المنهج القصدي هو في الحقيقة علاجٌ نفسانيّ لحلّ الأزمة، ولذلك يسمّي عالم سبيط النيلي نظريّته هذه بالحلّ القصدي.

من هنا، يعتبر المنهج القصدي أنّ العلوم الطبيعيّة أكثر توفيقاً ونجاحاً من العلوم الفلسفيّة؛ لأنّ العلوم الطبيعيّة لها موضوعٌ في الخارج تبحث عنه، وهو عبارةٌ عن المادّة، والأجسام، أو الأحياء، وهي تابعةٌ لهذا الموضوع، ذليلةٌ أمامَه، أمّا الفيلسوف فليس بتابعٍ لشيء في الخارج يحتكم إليه، بحيث يُجبر على أن يكون ذليلاً أمامه، بل هو الذي يُنتج، ويقوم بدراسة الذات، فتتعاظم عنده الأنا، وتدخل الفلسفة في العلوم الأدبيّة، فيختلّ توازنها وتنهار، ولا تُنتج سوى خلافاً للعالَم، بينما العلوم الطبيعيّة تُنتج وفاقاً وتعطي يقيناً ـ من وجهة نظره ـ لأنّها موضوعيّة.

لا يحتكم العالم الطبيعي كثيراً للمقدّمات التي يصطنعها هو بنفسه، بقدر احتكامه لما يراه في الخارج، فيتّبع ما هو في الخارج، وهذه هي الموضوعيّة في مقابل الذاتيّة، أي «الأنا» الفلسفيّة.

 إذن، المدخل العقلي الذي اعتمده الفلاسفة باطلٌ من وجهة نظر النيلي، كما جاء في كتابه
«الحلّ الفلسفي».

ثانياً: المنهج القصدي ونقد مداخل العرفان والتصوّف

إنّ المدخل الصوفي والعرفاني مدخلٌ باطلٌ وفاسد أيضاً؛ لجهة تكريسه للأنا، حيث يعتبر القصديّون أنّ المتصوّف والعارف يعمل جهدَه لكي يتّصف بالأسماء والصفات الإلهيّة، أي لكي يتعملق، فيصبح هو الله، وهذا هو مركز الخطأ.

على الإنسان أن يسعى نحوَ التذلّل، والعبوديّة، والفناء، لا نحو التعملق، مشكلة مشاكلنا هي الأنا، هذا الصّوفي وهذا العارف من حيث لا يشعر يسعى لتعظيم «الأنا»؛ لأنّه يسعى ليصبح هو الله، وهذه جريمة كبيرة يرتكبها في حقّه.

الطريقة التي تركّز على ذواتنا ودراستها كما فعل الفلاسفة، والطريقة التي تركّز على قلوبنا لكي نصبح آلهة في الدنيا، هذه كلّها ـ من وجهة نظر النيلي ـ مداخل أنانيّة، ومخالفة للقرآن الكريم والسنّة الشريفة.

المدخل الصحيح عنده إنّما هو الذلّ، والعبودية، والفناء، والتسليم، ولهذا يركّز على مفردة «التسليم» في كلّ كتاباته، ويقول: إنّ سبب مواجهة البشر للدين هو فقدانهم التسليم أمامَ الله؛ لأنّهم يريدون أن يكون لهم وجهة نظر في مقابله سبحانه، مع أنّ الله لا يحاوَر، بل علينا أن نسلّم له دونَ قيد ولا شرط، فما فعله الفلاسفة والعرفاء والمفسّرون من التحاور والاقتراب من الله ليس إلا نوعاً من التعملق والأنانيّة.

ثالثاً: المنهج القصدي ونقد المناهج التاريخيّة

طالت انتقادات القصديّن المناهج التاريخيّة أيضاً، فاعتبروا أنّ المناهج التاريخيّة بكلّ أشكالها بما فيها علم الحديث، وعلم الرجال، وعلم التاريخ وغيرها، كلّها أخطاءٌ كبرى حصلت في تاريخ الأمّة؛ لأنّه لا يمكن إثبات التاريخ بواسطة الوثائق وعلم الرجال والأسانيد والحديث وما شابه ذلك، بل جاء علم الرجال ـ من وجهة نظرهم ـ لتبرير المزيَّفات لا لتمييز المزيّف عن غيره، ولا قيمة لعلم الأصول بكلّ مناهجه الإثباتية التاريخية ـ نحو الخبر الواحد، السيرة، الإجماع و.. ـ ولا حتى علوم القرآن بالطريقة السائدة، إذاً، يجب إغلاق هذه الأبواب بأجمعها.

وبعد أن أنكر المنهج القصدي جميع المداخل العرفانية والعقلية والتاريخيّة بجميع أشكالها، لم يبقَ أمامه إلا اللغة، التي يعتبرها هو الحلّ، لكن لا اللغة في مناهجها القديمة؛ لأنّها أيضاً باطلةٌ من وجهة نظره، بل القصديّون يعتبرون أنّ أكبر مجرم في تاريخ الإنسانيّة هم علماء اللغة أنفسهم، الذين دمَّروا اللغة تحت شعار الدفاع عن اللغة وتقعيدها.

إذن، في البداية سوف نتناول نقدهم على المناهج اللغوية القديمة مستعينين بذلك لفهم نظريّتهم في اللغة، لننتقل بعدها إلى بعض أدلّتهم ومستنداتهم في ذلك.

رابعاً: المنهج القصدي ونقد المناهج اللغويّة القديمة

قلنا بأنّ المنهج القصدي يعتبر الحلّ في اللغة، لكن في البداية يجب أن نعرف أين تكمن المشكلة في اللغة حتى نقول: إنّ الحلّ فيها؟ أين هو مركز الخطأ في اللغة حتى نقول الحلّ يتمّ من خلال إصلاحها، ومن خلال إصلاح الفهم اللغوي؟

المشكلة الأساس هي اعتقاد المناهج اللغويّة القديمة باعتباطيّة اللغة، فلو رصدنا كلّ التيّارات اللغويّة ورموز اللغة في العالم، وعلى رأسهم «الجرجاني» من المسلمين، و«دي سوسير» في الغرب، وهم المنظّرون لأغلب التيارات اللغويّة السائدة، سنجدهم يقولون ما يعتبره القصديون تناقضاً، إنّهم يقولون: إنّ اللغة نظامٌ غير منطقي (اعتباطي). هذه الفكرة متناقضة في نفسها؛ لأنّها تعتبر من جهة أنّ اللغة نظامٌ ممّا يعني أنّها تقوم على أسسٍ منظّمة ومنطقيّة، ومن جهة أخرى تعتبر أنّ اللغة غير منطقيّة، وهذا ليس إلا التناقض! فكيف يمكن أن نعتقد بأنّ اللغة نظام، ولكنّها في الوقت عينه غير منطقيّة؟!

تعتبر المناهج اللغوية السائدة أنّ اللغة وُلدت بطريقة عفويّة، أي غير مخطّط لها، فلا توجد أيّة علاقة تكوينيّة بين اللغة والمعاني، وإنّما هي مواضعة اعتباريّة ارتبطت من خلالها كلمةٌ ما بمعنى معيّن، فاللغة قائمةٌ على الاعتباطيّة والعفويّة.

على هذا الأساس، لا توجد علاقة ذاتيّة تربط الألفاظ بمعانيها، وإنّما اتّفقنا على أن نضع مفردة (أ) لهذا المعنى، فبإمكاننا أن نلغي هذا الاتفاق؛ لأنّه لا توجد أيّة علاقة تكوينيّة ذاتيّة بينها وبين المعنى، وإنّما هي اعتبارات يمكن تغييرها في أيّ وقتٍ نشاء.

إنّ هذا التصوّر هو الذي أسّس للاعتباطيّة والفوضى اللغويّة؛ لأنّ المفروض عدم وجود علاقة ذاتيّة تكوينيّة بين الكلمات والمعاني خلافاً لما نراه في الأمور الطبيعيّة، حيث يرتبط كلّ شيء بالآخر نتيجةَ علاقاتٍ سببيّة تكوينيّة، فنحن في تعاملنا مع الأمور الطبيعيّة نكتشف القضايا الخارجيّة، ولكنّنا في تعاملنا مع اللغة لسنا مكتشفين، بل مبدعون ومخترعون.

من وجهة نظر القصديين، هذا هو الخطأ الأوّل الذي ارتكبته المناهج اللغويّة السائدة، إذ عندما ننتقل إلى البنيات الفوقيّة لهذه النظرية السائدة ـ أي اعتباطيّة اللغة ـ سنرى نظريّات من نوع «موت المؤلّف» التي اشتهرت في الغرب، فهذه النظريات ليست إلا نتيجاً طبيعيّاً للقول باعتباطيّة اللغة، فعندما أنكرنا وجود أيّ علاقة تكوينيّة بين اللفظ والمعنى، فمن الطبيعي حينئذٍ أن نفكّ المتكلّم، لنرتبط مباشرةً باللفظ؛ لأنّ المفروض أنّه لا دور للمتكلّم في انتقال المعاني، فمن الطبيعي أن تولد في الغرب فكرة موت المؤلف، والتي تفكّ العلاقة بين صاحب الصوت وبين المعاني، ومن الطبيعي حينئذٍ أن تنشأ علاقاتٌ موهومة في الدلالات ـ كما سوف نشير إليها بعد قليل ـ وتظهر تشوّهات حادّة في اللغة.

إنّ القول باعتباطيّة اللغة لن يقف هنا، بل هناك تجلّيات لهذه النظريّة لا يمكن القبول بها؛ لأنّها في الحقيقة جريمةٌ في حقّ اللغة والتفسير، وسوف تؤدّي إلى خسارةٍ عظيمة في اللغة نفسها، وسوف أذكر ستة نماذج أساسيّة من نتائج القول باعتباطيّة اللغة، وفقاً لقناعات القصديّين، وهي:

1 ـ الترادف

إنّ المناهج السائدة تقبل بوجود الترادف في اللغة، وهذا ما سيؤدّي إلى خسران كلمة من الكلمات، إذ بما أنّهم أنكروا أيّ علاقة بين الألفاظ والمعاني تصوّروا أنّ الكلمتين تؤدّيان معنى واحداً، في حين هذا الكلام غير صحيح أبداً؛ لأنّ هناك علاقة تكوينيّة بين الأصوات ومعانيها، ووراء كلّ لفظ (صوت) قصدُ للمتكلّم، وكلّ كلمة لها إيقاعٌ صوتي معيّن، ولها تسلسلٌ وتعاقبٌ للأصوات.

فما نراه في كلمات العلماء من إيجاد علاقة الترادف بين الكلمات والتراكيب اللغوية، كما فعله علماء اللغة في معاجمهم اللغويّة، أو كما فعله علماء النحو في دراساتهم النحويّة من إرجاع بعض التراكيب إلى بعضها الآخر أو إرجاع معاني الحروف إلى بعضها الآخر ـ مثل ابن هشام الأنصاري في كتاب «مغني اللبيب» ـ باطلٌ من الأساس.

2 ـ الحذف

إنّ الجريمة الثانية التي ارتكبها المنهج الاعتباطي في فهم النصوص، هو حذف الألفاظ انطلاقاً من تفسيرهم الخاطئ للنصّ، وعلى سبيل المثال عندما واجهوا الآية القرآنية التي تقول: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (الحجر: 26)، تصوّروا أنّ المسنون هنا لا معنى له؛ لأنّنا إذا راجعنا الكتب اللغويّة، سنجد أنّ الحمأ يعني الطين المتعفّن، وإذا راجعنا معنى «المسنون»، فسنجدهم يترجمونها بالمتعفّن، فيصبح معنى الآية هكذا: (ولقد خلقنا الإنسان من طينٍ متعفّنٍ متعفّنٍ)، فتصبح كلمة المسنون بلا معنى، وبذلك نكون قد خسرنا كلمةً قرآنية، وكأنّ الله قد استخدم هذه الكلمة عبثاً ولغواً ، وهذا هو مركز الجريمة، بل ينبغي أن يكون لكلمة «مسنون» معنى، ولكلمة «حمأ» معنى آخر، وعلينا أن لا نفترض معاني متداخلة، حتى لا نخسر لفظاً من الألفاظ.

3 ـ التقديم والتأخير

بما أنّ الاعتباطيّ أنكر أيّ علاقة تكوينيّة بين الألفاظ والمعاني، فقد اخترع مفهوم «التقديم والتأخير» في الجمل والتراكيب النحويّة، ظنّاً منه أنّ المكان الحقيقي للألفاظ قد يختلف اعتباطاً، في حين ثمّة قصدٌ من وراء التراكيب النحويّة أيضاً، فكلّ كلمة تقع في مكانها الحقيقي دوماً، ولا يوجد تقديمٌ أو تأخيرٌ؛ لأنّ كلّ تركيب يفيد تعاقباً صوتيّاً معيّناً، فلا يمكن أن نقول بأنّ هذا التركيب في معنى ذاك التركيب اعتباطاً كما يفعل المفسّرون، انطلاقاً من عدم اعتقادهم بوجود علاقةٍ تكوينيّة بين الألفاظ ومعانيها.

أمّا في العقليّة القصديّة، ثمّة قصدٌ معيّن من وراء أيّ إيقاع صوتي في الكلام، فلا يمكن أن نعتبر المتقدّم متأخّراً أو نعتبر المتأخّر متقدّماً، فما يفعله العلماء من التقديم والتأخير في النصوص ليس إلا جريمة في حقّ اللغة.

4 ـ إيقاع التناقض داخل النصّ

لقد خلقت المناهج الاعتباطيّة في اللغة تناقضات في فهم النصوص، كما خلق الفلاسفة معارك فكريّة، ثم حاولوا إيجاد حلّ لما اختلقوه من تناقضات! وهذا ما أدّى إلى تصرّفهم في معاني الكلمات.

ويذكر النيلي هنا مجموعة من الشواهد على اختلاق المعارك وافتعال الأزمات، في حين لا توجَد أزمةٌ أصلاً، وعلى سبيل المثال فهم تصوّروا أنّ قوله تعالى: ﴿..فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14) متناقضٌ مع قوله: ﴿..قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد: 16)؛ لأنّ «الأحسن» صفة التفضيل، وهذا يعني أنّ هناك خالقاً آخر، ولكنّ الله هو الأفضل منهم، بينما على أساس الآية الثانيّة لا يوجد خالقٌ غير الله، فبدأت المعركة، وربما تصرّف بعضهم في معنى الأحسن ليقول: إنّ الأحسن هنا بمعنى الحسن، ولكن لو فكّرنا بعقليّة المنهج القصدي لا يوجد أيّ تناقض في هاتين الآيتين، لأنّنا نقول بأنّ الله تبارك وتعالى أحسن الخالقين؛ لأنّه خالق الخالقين، فيوجد هناك خالقٌ آخر، ولكنّه بدوره مخلوقٌ لله تبارك وتعالى، وبهذا لا نحتاج إلى التصرّف في معاني الكلمات.

إذن، لو فكّرنا بعقليّة المنهج القصدي في كثيرٍ من الأحيان، لن تبقى ـ من وجهة نظرهم ـ أيّة معركة أو أزمة في فهم النصوص، لكنّ العلماء افترضوا أزمات، ثم تحدّثوا عن حلول، فيما لا توجد أيّة مشكلة على أساس المنهج القصدي.

5 ـ المجاز

يعتقد المنهج القصدي أنّه لا يوجد مجازٌ في اللغة، وأنّ المجاز من مخترعات العلماء للخروج عن مشكلةٍ استصعب عليهم حلّها، ومن الطبيعي أنّ إنكار المجاز نظريّة قديمة، وهناك من يقول بها من القدماء كالسكّاكي، ومن المتأخرين كالخميني في الجملة، لكنّ كيفيّة تخريجهم تختلف عن تخريج القصديّين.

فكيف نحلّ مشكلة استخدام كلمة واحدة كالأسد في الحيوان المفترس والرجل الشجاع؟ إنّ الحلّ يكمن في العلاقة التكوينيّة بين كلمة الأسد ومعناها، إذ كلمة الأسد لها إيقاعٌ صوتيّ وإيقاعها الصوتي يعطي معنى واحداً، وهو القوّة والمِنعة، والأسد الذي اعتبروه المعنى الحقيقي هو أحد مصاديق هذا المعنى الأصلي، والأسد الذي اعتبروه المعنى المجازي ـ أي الرجل الشجاع ـ ليس تشبيهاً بالحيوان المفترس، بل لأنّه مصداقٌ حقيقيّ لهذا المعنى الأصلي بسبب وجود القوّة والمنعة فيه، وكلماتٌ نحو السُؤدَد والسيادة أيضاً أتت من نفس التركيبة اللغويّة لكلمة «الأسد»، فافتراض المعنى الحقيقي والمجازي باطلٌ من الأساس، بل يرجع الجميع إلى جامعٍ واحد، وهو المعنى الأصلي لكلمة الأسد والباقي مصاديق لهذا الجامع.

وهذه الفكرة ليست إبداعاً جديداً من القصديين في تقديري، بل إنّ نظريّة «روح المعنى» التي طرحها بعض الفلاسفة والعرفاء، وتحدّثنا عنها في عدّة محاضرات من دروسنا التفسيريّة، تصبّ في هذا الإطار، بل لقد وجدنا أنّ بعض الفقهاء ـ كالسيد البروجردي في تعليقته على الكفاية ـ يتحدّث عن شيء شبيه بذلك، عندما يحاول تفسير معنى البطون القرآنيّة.

6 ـ تقدير المحذوفات

بما أنّ المنهج الاعتباطي لم يفهم العلاقة الحقيقيّة بين اللفظ والمعنى، فقد ذهب إلى تقدير المحذوفات في بعض النصوص التي استصعب تخريجها، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا والْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف: 82)، حيث اعتبر أنّ السؤال عن القرية غير معقول، فكلمة الأهل هنا مقدّرة، فكانت الجملة في الحقيقة: واسأل أهل القرية، بينما المنهج القصدي يعتبر هذا التقدير جريمة في حقّ اللغة؛ لأنّه لا توجد ألفاظٌ مسكوت عنها، بل كلّ الألفاظ التي كانت مؤثّرة في إفادة المعنى قد ظهرت ولا يوجد شيءٌ خلف الستار لنفترض وجوده.

وبعبارة موجزة: إنّ المناهج اللغويّة السائدة باطلة من حيث إنّها تقوم على الاعتباطيّة؛ لأنّ اللغة نظامٌ صارم، فما افترضه العلماء من التساهلات في توصيف اللغة نابعٌ من عدم فهمهم الكامل لهذا النظام الصارم، فذهبوا إلى وجود الترادف، والتقديم والتأخير، والحذف، والمجاز وغيرها، في حين إذا علمنا العلاقة التكوينيّة في نظام اللغة ندرك أنّه لا دليل على أيّ واحد من هذه التصرّفات والتساهلات.

والغريب عند القصديين أنّ علماء اللغة رغم اعتباطهم قد وضعوا قواعد للغة! وهو ما اعتُبر ـ قصديّاً ـ تناقضاً في المناهج اللغويّة السائدة.

بعد أن انتهينا من عرض بعض أبرز إشكالات المنهج القصدي على المناهج اللغويّة السائدة، ننتقل إلى بيان مختصر لنظريّتهم في فهم اللغة التي اعتبروها حلّاً لجميع المشاكل المعرفيّة.

خامساً: نظريّة المنهج القصدي والخروج عن الاعتباطيّة

أدركنا حتى الآن أنّ المنهج القصدي اعتقد بأنّ جميعَ المداخل المعرفيّة باطلةٌ، والمدخل الصحيح هو المدخل اللغوي، ولكنّه انتقد جميع المناهج اللغويّة السائدة أيضاً، فما هو الحلّ؟ إذا كان كلّ ما قدّمه العلماء من جهود في سبيل المعرفة نابعاً من أنانيّتهم ـ كما يعبّرون ـ فما هو البديل؟

يقول النيلي: الحلّ هو التخلّي عن الاعتباطيّة إلى القصديّة، والقصديّة بعبارة موجزة تعني أنّ هناك نظاماً تكوينيّاً بين أصوات الألفاظ ومعانيها، كما أنّ هناك نظاماً تكوينيّاً يحكم حركة الأفلاك، ونظاماً يحكم عالم الضوء والنور، ونظاماً يحكم الأسباب والمسبّبات. ويرى أنّ لكلّ صوتٍ حركة فيزيائيّة لها علاقةٌ تكوينيّة مع المعنى.

إذن، لا يوجد شيءٌ اسمه المواضعات والاتّفاقات لكي تكون اللغة تحت سلطاننا، بل نحن مقهورون على اللغة؛ لأنّ هناك نظاماً تكوينياً يربط بين تعاقب الأصوات في الكلمات وبين ذلك المعنى المشار إليه من الخارج، هذه هي خلاصة الدعوى.

وقد بذل النيلي في كتابه «اللغة الموحّدة» جهداً ضخماً في عمليّة تتبع الحروف من الألف محاولاً اكتشاف العلاقة الفيزيائيّة الماديّة بين كلّ حرف والمعنى، خصوصاً حرف «الدال» الذي أخذ منه أهميّة كبيرة، لكنّ العمر لم يُسعفه لإكمال جميعها، وحاول أن يكتشف هذه العلاقة بين الحروف وما بين معانيها مستخدماً معرفته بثلاث لغات (الروسيّة، والعربيّة، والإنجليزيّة)، ويطبِّق نظريّته على هذه اللغات الثلاث، ليتوصّل إلى القول بأنّه توجد عندنا لغةٌ واحدة للعالم كلّه.

إذا قلنا بأنّ العلاقة بين الألفاظ ومعانيها علاقةٌ تكوينيّة، فلا توجد لغاتٌ متعدّدة، بل إنّما هناك لغةٌ واحدة، وهي التي تمثّل الفكر الصحيح، وما نراه اليوم في العالم من الأخطاء في الفكر ناجمٌ عن ابتعاد البشر من البنية الفيزيائية لعلاقة الألفاظ بالمعاني. وإعجازُ القرآن أيضاً هو اتصاله بتلك البنية التكوينيّة لعلاقة اللفظ(الصوت) بالمعنى.

إذن، ما نراه الآن من تواضع البشر على لغات متعدّدة ليس دليلاً على صحّتها، وإنّما خطأٌ شاع بين الناس واستمرّ شائعاً مئات السنين كما شاع الخطأ في الفكر؛ لأنّ اللغة هي الفكر، ولأنّهم ابتعدوا عمّا وضعه الله في فطرتهم من التناسب بين حركة الصوت وتعاقب أصوات الأحرف وبين المعاني، وبهذا ابتعدوا أيضاً عن الفكر الصحيح.

لو لم يكن للصوت دلالةٌ تكوينيّة على المعنى، لماذا ربط هذا الصوت بهذا المعنى؟ إذاً، لكلّ حرف صوتٌ، ولكلّ صوت معنى، وتسلسل الأصوات يفضي إلى تسلسل في المعاني، وهو الذي يكثِّر المعاني ويخلقها أيضاً، والتعاقب الصوتي هو الذي يرتبط بالمعنى ارتباطاً تكوينيّاً.

سادساً: المنهج القصدي، الأدّلة والمستندات

بعد أن تعرّفنا على خلاصة بالغة للمنهج القصدي ودعواه الكبيرة على سائر المداخل المعرفيّة، سوف ننتقل إلى الأدلّة التي أقاموها لإثبات دعواهم؛ لنرى مدى صحّة هذه النظريّة التي وصفها بعضهم بخلاف الوجدان، فيما نعتها آخرون باللاعقلانيّة.

استخدم عالم سبيط النيلي طريقتين أساسيّتين لإثبات دعواه، هما:

الطريقة الأولى: تشويه صورة الاعتباطيّين

إنّ الطريقة الأولى التي اعتمد عليها القصديّون لإثبات دعواهم، هي تشويه صورة المناهج اللغويّة السائدة التي يعتبرونها اعتباطيّةً، ومحاولة جادّة في الكشف عن تعثّراتهم وأخطائهم، وهذا ما تحدّثنا عنه آنفاً عند الإشارة لنقدهم المناهج اللغويّة السائدة.

الطريقة الثانية: الإحصاء والاستقراء

يعتمد النيلي بشكلٍ ملحوظٌ على الإحصاء والاستقراء متكئاً على معرفته بثلاث لغات (الإنجليزيّة، والروسيّة، والعربيّة)، وقد حاول أن يكتشف العلاقة التكوينيّة بين الأصوات والمعاني في هذه اللغات، ويأتي بشواهد كثيرة ليُثبت هذه العلاقة التكوينيّة، ومن ثمّ اتّحاد اللغات جميعاً.

على سبيل المثال يأتي إلى صوت «الدال» المشترك في اللغة العربيّة والإنجليزيّة في مثل كلمة الدار و«Door» ليتوصّل إلى أنّ صوت الدال يدلّ على الثقل والانطلاقة القويّة في الشيء، وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر الأصوات، ثمّ ينتقل إلى حالة ضمّ بعض هذه الأصوات إلى بعضها الآخر وتركيب معانيها، ليستنتج العلاقات التكوينيّة بين الكلمات والتراكيب المؤلّفة من إيقاعات صوتيّة ومعانيها، طبعاً الأمثلة التي يستحضرها كثيرةٌ، لكنّ معظمها يبدو بعيداً عن الذهن العرفي والمزاج اللغوي السائد.

حاول النيلي أن يثبت من خلال هاتين الطريقتين أنّ هناك لغةً واحدة في العالم، ولذلك نجده يسمّي كتابه العمدة بـ«اللغة الموحّدة»؛ لأنّه يعتبر أنّ الحلّ لجميع المشكلات هو تصحيح اللغة التي تفرّقت بفعل البغي الإنساني، فإذا أراد البشر أن يُصلح أفكاره، فعليه أن يقترب إلى تلك اللغة الموحّدة. والذي فعله القرآن الكريم ـ وهو سرّ إعجازه ـ أنّ كلّ كلماته وتراكيبه مطابقةٌ تماماً للوح التكوين الذي وضعته الخلقة في عالم العلاقة بين الأصوات والمعاني، فكلّما ابتعدنا عن الاعتباطيّة واتّجهنا نحو القصديّة، فنحن نقترب من تلك اللغة الفطريّة الموحّدة في العالم، ولا أحد يعرف تلك اللغة التي استخدمها القرآن أو ذلك النظام المطابق للفطرة، إلا النبي‘ وأهل بيته^ ومن أعلمه الله سبحانه.

المحور الثاني: المنهج القصدي وتفسير القرآن (مبادئ التفسير)

انتهينا من عرض مختصر جداً للبنية التحتيّة للمنهج القصدي، وسوف ننتقل في هذا المحور إلى نظريّة المنهج القصدي في تفسير القرآن الكريم. وقد رأينا حتى الآن أنّ المنهج القصدي يرى الحلّ الوحيد للمشاكل الفكريّة في اللغة، لكنّه يخالف جميع المناهج اللغويّة السائدة، ويصفها بالمناهج الاعتباطيّة، ويتصوّر أنّها وقعت في أخطاءٍ فادحة؛ لأنّه يعتقد أنّ اللغة نظامٌ صارم جدّاً، وهناك علاقاتٌ تكوينيّة بين الأصوات (الألفاظ) ومعانيها، فاللغة هي لغة واحدة ولكنّ البشر بسبب بغيهم كثّروها، وإعجاز القرآن في أنّه مطابقٌ لتلك اللغة الموحّدة، فلا يدخل فيه أيّ اعتباط ـ حسب تعبيره ـ كما فهمه الآخرون، فكلّ كلمة في القرآن الكريم في مكانها، ولا يوجد تقديمٌ أو تأخير، وكلّ كلمة لها معناها الواحد في جميع استخداماتها في القرآن الكريم، فلا مجال لحمل كلمة واحدة على معاني مختلفة، ولا يوجد حذفٌ، أو تقدير في النص القرآني، بل النص القرآني نظامٌ صارم، من هنا يعتقدون أنّ مبادئ تفسير القرآن الكريم تقوم على:

المبدأ الأوّل: مبدأ عدم الاختلاف

لا يوجد اختلافٌ بين الآيات القرآنيّة، والذي جعل المفسّرين يقعون في الاشتباه هو:

  • اعتقادهم بوجود الترادف في اللغة، فتصوّروا أنّ هذه الكلمة لها نفس معنى تلك الكلمة، فقالوا هذه الآية تعارض تلك الآية.
  • اعتقادهم بوجود المجاز في اللغة، فأخذوا يبحثون عن معنى المجازات، وإذا تعدّدت المحتملات صاروا يبحثون عن الأقرب، وضاعوا في ما هو الأقرب، وهذا ما أدّى بهم إلى الاشتباه وتصوّر وجود الاختلاف في القرآن الكريم.

لكن لو وضعنا أيّ كلمة في مكانها الصحيح، ولم نخلط الأوراق ببعضها، سنجد أنّه لا يوجد أيّ اختلاف في القرآن الكريم، ويطبّق النيلي وأنصاره كلامهم هذا على عشرات النماذج والأمثلة.

المبدأ الثاني: مبدأ قصور المتلقّي

على المفسّر أن يعترف بقصوره عن الفهم الكامل للنص القرآني؛ لأنّ الذي يعرف اللغة الحقيقيّة الموحّدة إنّما هو الله سبحانه، وبما أنّ كل متكلّم يعبّر بكلامه عن نفسه والمتكلّم هو الله سبحانه وتعالى، فلا نستطيع أن نفهم كتابه؛ لأنّنا لا نستطيع أن نعرفه، إذاً، معلوماتنا عن القرآن ستبقى محدودة دائماً.

المبدأ الثالث: مبدأ التمايز عن كلام المخلوقين

وهذا هو المبدأ الأساس عند القصديّين، إنّهم يعترضون بشدّة فيقولون: ما هذا الذي تقولونه من أنّ القرآن والسنّة جاءا بلغة البشر؟! ما معنى أنّ القرآن جرى على ما جرى عليه لسان العرب؟! إنّ لغة البشر انحرفت عن الصراط السوي وباتت مليئةً بالأخطاء، ولم يتنزّل القرآن الكريم من العليّ القدير ليرتكب الأخطاء والاعتباطات نفسها، بل جاء ليصحّح اللغة، ومن ثمّ يصحّح الأفكار.

المناهج التفسيريّة السائدة تقوم على أساس قياس كلام الله على كلام البشر، حيث ذهبوا إلى كلام العرب وأشعار شعرائهم مثل امرؤ القيس، ليفسّروا القرآن الكريم على وفقه، فوقعوا في التباساتٍ كثيرة، بينما لغة القرآن الكريم تختلف عن لغة البشر؛ لأنّها متطابقةٌ مع اللغة الموحّدة التي تقوم على أساس علاقاتٍ تكوينيّة بين الأصوات والمعاني، فنظام القرآن نظامٌ صارم، ولا يُوجد فيه هذا التساهل والتسامح.

المبدأ الرابع: مبدأ خضوع المتلقّي لصرامة النصّ القرآني

إذ كما قلنا سابقاً يركّز المنهج القصدي على نفي الذاتيّة، ويعتبرها أنانيّةً، فعلى المفسّر أن يكون خاضعاً تماماً لهذا النظام الصارم الموجود في القرآن الكريم، حتى يستطيع أن يفهمه؛ لأنّ فهمه معقّد جدّاً ويحتاج للرجوع إلى الفطرة.

وكما يتعامل علماء الطبيعة مع العلوم الطبيعيّة، وهم مقهورن أمام نتائج التجربة، يجب على المفسّر أن يقوم بالشيء نفسه مع القرآن، بأن يكون خاضعاً لنتيجة التجربة؛ لأنّه يحاول أن يكتشف العلاقات التكوينيّة بين الأصوات والمعاني.

المبدأ الخامس: مبدأ التبيين الذاتي

إنّ القرآن في ذاته نورٌ وبيّن، والمهمّ أن نخرج نحن من الاعتباطية، ونُصلح عقولنا، الأمر الذي يحصل بإصلاح لغتنا، عندها فقط سنرى الأمور واضحة؛ ولأنّ أهل البيت والنبيّ أصلحوا عقولهم ونفوسهم، فقد فهموا القرآن كلّه، واتصلوا بذلك اللوح الفطري الصحيح المطابق للواقع (اللغة الموحّدة).

نتائج المنهج القصدي

ما هي النتائج التي تترتّب على استخدام المنهج القصدي في تفسير القرآن الكريم؟

الجواب عند القصديين هو:

النتيجة الأولى: اكتشاف القراءة الصحيحة للقرآن الكريم

إذ سيُمكّننا المنهج القصدي من اكتشاف القراءة الصحيحة للقرآن الكريم، عبر مدى انسجام القراءة مع تلك اللغة الموحّدة، فإذا كانت قراءة منسجمة مع تلك اللغة الموحّدة، نستنتج أنّها هي القراءة الصحيحة. وعلى سبيل المثال عندما وصل عالم سبيط النيلي إلى كلمة «قضى» وفقاً لحساباته، استنتج أنّها تفيد معنى الحتم، ثمّ استقرأ جميع الآيات القرآنية فاستجابت جميعها للفكرة التي اكتشفها في هذه الكلمة، إلا آية واحدة، وهي: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ولاَ تَنْهَرْهُمَا وقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ (الإسراء: 23) حيث لا يمكن أن تكون «قضى» في هذه الآية الشريفة بمعنى الحتم والتحقّق، إذ لو كان المقصود الحتم، يجب أن لا يكون على وجه البسيطة مشركٌ بالله تعالى، وغير محسن إلى والديه، بينما نرى بأمّ أعيننا أنّ الشرك وعدم الإحسان للوالدين شائعٌ بين أبناء البشر، فما هو الحلّ؟

بقي النيلي ـ حسب قوله ـ أربع سنوات يفكّر في هذا الموضوع؛ لأنّ جميع القراءات الموجودة والمتداولة هي: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾، إلى أن وصل إلى رواية ضعيفة السند، جاء فيها: «وقضى! لو قضى ما أشرك بالله أحد، إنّما هي ووصّى ربك»([3]).

من هنا رجّح النيلي هذه القراءة الضعيفة ـ حسب المناهج التاريخيّة ـ على غيرها؛ تمسّكاً بالمنهج القصدي في التفسير؛ لأنّه يعتبر أنّ آليات البحث التاريخي لإثبات القراءات القرآنيّة غير صحيحة، بل المهمّ انسجام القراءة مع تلك اللغة الموحّدة؛ لأنّها أمرٌ يقيني لا يمكن التخلّف عنه.

إذن، النتيجة الأولى هي اكتشاف القراءات الصحيحة للقرآن الكريم وتحديدها.

النتيجة الثانية: ارتفاع التناقضات

إذا طبّقنا المنهج القصدي في التفسير فلن نجد أيّ تناقض في القرآن كي نحتار في حلّه، ونتمسّكَ بتأويلات وتكلّفات في تفسير الآيات، وعلى سبيل المثال تصوّر المنهج السائد في التفسير أنّ يوم القيامة له 24 أو 27 إسم في القرآن الكريم، ولهذا وقع في تهافتات وتناقضات في توجيه أحوال يوم القيامة، بينما هذا التصوّر باطلٌ من الأساس؛ لأنّ هذه الأيام هي غير يوم القيامة، إنّها أيامٌ مستقلّة ولها أحوالها المستقلّة، فيوم التغابن غير يوم القيامة، ويوم الدين غير يوم التغابن وهكذا، فهناك أربع وعشرين يوماً في نهاية الزمان، وعلى هذا بنى النيلي رؤيته لقضيّة المهدويّة، وأعاد النظر في كثير من الآيات التي افترضت أنّها تتحدّث عن يوم القيامة، لكي يقول بأنّ هذه الآيات مرتبطة بالإمام المهدي×، وكلّ هذا الخطأ نشأ من تصوّر الترادف بين هذه الأسماء، فافترضوا وجود أسماء مختلفة ليوم القيامة، بينما هذه الآيات تتحدّث عن حُقب زمنيّة مختلفة سوف تحدث في آخر الزمان، وهذا ما سيغيّر نظرتنا لكلّ قضيّة المعاد، وسترتفع التناقضات المتصوّرة في أحوال القيامة، حيث تحدّث القرآن الكريم في موضعٍ عن تكفير السيئات، وفي موضعٍ آخر يتحدّث عن الحبط، وفي موضعٍ ثالث عن رؤية جميع الأعمال وهكذا، الأمر الذي قد يبدو تناقضاً في بيان أحوال القيامة، لكنّها سوف ترتفع بهذا التصوّر الذي أتى به المنهج القصدي.

النتيجة الثالثة: ارتفاع الجدل التفسيري القائم على التقديرات

إذا طبّقنا المنهج القصدي في التفسير، ستزول مساحةٌ هائلة من الجدل التفسيري القائم على الافتراضات والتقديرات، حيث اعتبروا الفعل الماضي في مكانٍ فعلاً مضارعاً وبالعكس، أو حملوا بعض الكلمات على كلماتٍ أخرى نتيجةَ عدم فهمهم الصحيح للغة التكوينيّة الموحّدة، فكلّ هذه التقديرات والافتراضات التي نجدها في الكتب التفسيرية، ستذهب أدراج الرياح.

النتيجة الرابعة: تحوّلات في هويّة التعامل مع القرآن الكريم

سيخرج تفسير القرآن الكريم عن إطار العلوم الإنسانيّة، ويدخل في ضمن العلوم الطبيعيّة؛ لأنّنا حسب الفرض نبحث عن العلاقات التكوينيّة الواقعيّة بين الأصوات ومعانيها، وهذا من شأن العلوم الطبيعيّة لا العلوم الإنسانيّة كالفلسفة والآداب.

النتيجة الخامسة: تصحيح الكثير من الروايات

كما قلنا سابقاً، يُنكر المنهج القصدي جميع المداخل التاريخيّة، ومنها علم الرجال والحديث؛ لأنّ المعيار في تقويم الروايات عنده انطباقها على تلك اللغة الموحّدة، وليس المعيار تصحيح الأسانيد أو غيرها كما هو الأمر في علم الرجال أو الحديث، وبهذا سيتمكّن القصدي من تصحيح عددٍ هائلٍ من الروايات الواردة عن النبيّ‘ وأهل البيت^، والتي افتُرضت معارضةً للقرآن الكريم أو ضعيفةً من جهة الإسناد.

ولذلك يمكن اعتبار النيلي رجلاً إخباريّاً من هذه الزاوية، بل متمرّساً في الإخباريّة، حيث يعارض الأصوليّين ويعتقد بصحّة الكثير من الروايات التي تصنّف في عداد الضعاف.

إذن، سيؤدّي المنهج القصدي إلى تغييرات كبيرة جدّاً في منظومتنا المعرفيّة.

المحور الثالث: جولة مع بعض ملاحظات خصوم القصديّين

سوف نتناول في هذا المحور نماذج من أبرز الانتقادات التي وُجِّهت إلى المنهج القصدي، بوصفه نقداً شاملاً على جميع مناهج العلوم الإسلاميّة من الفلسفة والعرفان، مروراً بالتاريخ والحديث، وصولاً إلى الفقه والأصول.

وقد تعدّد نقّاد هذا الاتجاه في مختلف جوانب الساحة الإسلاميّة، نتيجةَ استيعاب الإشكاليّات التي طرحها عالم سبيط النيلي، سواء في الوسط الديني أم في خارجه، من جميع الذين يمتّون إلى الدراسات اللغويّة بصلة، من الفقهاء والأصوليّين إلى علماء اللسانيّات وفقه اللغة، حتى وصفه بعضهم بالمنهج اللاعقلائي، ووصفه آخرون بأنّه منهج اعتباطي بامتياز، خلافاً لما يصف هو به خصومَه.

والجدير بالذكر أنّنا سنكتفي بعرض إجماليّ لبعض هذه الملاحظات، ولا نريد أن نخوض في هذا المختصر في دراسةٍ معياريّة، نقوم من خلالها بتبنّي هذه النظريّة أو ردِّها.

أ ـ التعميم على أساس الاستقراء الناقص

من الملاحظات الأساسيّة على هذا المنهج اعتماده على الاستقراء الناقص، حيث انحصرت تجربته بثلاث لغات من لغات العالم التي تصل إلى الآلاف بل عشرات الآلاف منذ بداية الخلق، والتي انتشرت ـ وما تزال ـ في مختلف أرجاء العالم، فلا يكفي هذا المقدار من الاستقراء لهذا التعميم الذي يدَّعيه هذا المنهج.

تقوم دراسات هذا المنهج، على اللغات العربيّة والإنجليزيّة والروسيّة، لكنّ وجود التشابه في الألفاظ أو القواعد بين هذه اللغات الثلاث، لا يكفي للحكم على جميع لغات العالم، فلا نستطيع أن نبني نظاماً عامّاً لجميع اللغات اعتماداً على هذا الاستقراء الناقص.

لنفرض أنّ اللغة العربيّة والإنجليزيّة والروسيّة حصل بينها تشابهاتٌ، واستطعنا من خلال استقراءات ناقصة لبعض الكلمات أن نكتشف تشابهاتٍ كثيرة فعلاً، فهل يسمح لنا هذا بافتراض أنّ اللغة الإنسانيّة هي لغة موحّدة على امتداد التاريخ؟!

هذا هو الإشكال الأساس على هذا المنهج من وجهة نظر ناقديه، حيث لا يقوم على برهان، وإنّما عمدة الدليل عليه هو الاستقراء الناقص الذي لا يستطيع أن يُثبت هذا الدعوى الكبيرة، وما أصرّ عليه من نقد الآخرين لا يستطيع أن يُثبت مدّعاه أبداً؛ لأنّ إثبات منهجه أيضاً يحتاج إلى دليل مضاعفٍ غير ما سرَده من نقديّات على الآخرين.

إذن، الإشكال الأوّل هو أنّه لم يقدّم برهاناً مُقنعاً وحاسماً على مدّعاه، وإنّما هي تراكمات احتماليّة قد يقتنع بها شخصٌ، وقد لا يقتنع بها آخرون.

ب ـ ورطة الاعتباطيّة في بعض الأفكار

اعتبر القصديّون أنّ منهجهم هو الحلّ الوحيد للمشاكل المعرفيّة، وهو الذي يستطيع أن يرفع الاختلافات بين البشريّة، لكن يبدو أنّ منهجهم أيضاً غيرُ قادرٍ على رفع الخلافات، بل قد زاد فيها اختلافاً آخر.

وعلى سبيل المثال، فإنّ ما طرحه القصديّون من إنكار المجاز بإرجاع الكلمات إلى معنى جامع، لا يستطيع أن يحلّ المشكلة، لماذا إذا قلنا: «قُطعت يد زيد» أو «شُلّت يد زيد» نفترض أن (اليد) هنا بمعنى العضو الإنساني؟! ولكن إذا ورد في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ..﴾ (الفتح: 10) لا نحمله على ذلك العضو؟! إذا كانت الكلمة لها معنى واحد في جميع الحالات، لماذا هنا نفصّل، ونحملها في مكان بمعنى وفي مكان آخر بمعنى آخر؟ وإذا قيل بأنّ كلمة اليد في الموضعين لا تدلّ على العضو الجسدي، فكيف نفسّر انسباق هذا المعنى في الاستخدامات اللغويّة؟ وهل وجوب الوضوء في آىة الوضوء في القرآن الكريم يعني غسل القوّة والمنعة؟!

ج ـ العناصر غير الصوتيّة في اللغة

لا تتألّف اللغة من الأصوات فحسب، بل هناك دورٌ كبير للقرائن الحاليّة والسياقيّة في فهم مراد المتكلّم، كملامح وجهه وحركات بدنه، فكيف يفسّر المنهج القصدي تأثير هذه العناصر غير الصوتيّة في اللغة، مع أنه يبني نظريّته على علاقة الأصوات بمعانيها فحسب.

د ـ تعدّد اللغات

إذا كانت العلاقة بين الأصوات والمعاني علاقة تكوينيّة، كالعلاقة بين النار والحرارة، فلماذا تعدّدت اللغات؟ ولماذا تحتاج هذه اللغات إلى التعلّم؟

يقول النيلي في الجواب عن هذا السؤال: إنّ سبب تعدّد اللغات هو ميل الإنسان للاختصار، معتبراً كأنّ الأصل في اللغة هو الإطالة ـ إن صحّ التعبير ـ فكلّما كانت اللغة صحيحة كانت أكثر بسطاً في الكلام، فأراد الناس أن يختصروا، فاخترعوا كلمات صغيرة مقابل الجمل، فبدأت الأزمة وبدأت تكثُر اللغات.

لكنّ هذا التبرير لا يبدو منطقيّاً ـ فضلاً عن أن يقوم عليه دليل ـ لتوجيه جميع اختلافات اللغات على كثرتها في العالم، إذ تبلغ الآلاف، إضافةً إلى أنّ القرآن الكريم يجعل اختلاف اللغة آيةً من آياته، وكأنّه يفتخر بذلك تكويناً، حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: 22) وكأنّها منسوبة إليه، لا أنّها عبارة عن جريمة ارتكبها البشر بواسطة الاعتباطيّة التي يذمّهم القصديّون عليها.

هـ ـ تعدّد معاني الكلمة الواحدة وبالعكس

إذا كانت الإيقاعات الصوتيّة هي المعيار، فلماذا نجد لمعنى واحد إيقاعين صوتيّين في لغتين؟ وعلى سبيل المثال هناك «ماه» في اللغة الفارسية و«قمر» في اللغة العربية لإفادة معنى واحد، بينما كان المفترض أن يكون هناك إيقاعٌ صوتي واحد في اللغات جميعاً؛ لأنّ المفروض أنّ الإيقاعات الصوتيّة تعطي نفس الأداء، فلماذا اختلفت؟

في المقابل، لماذا نجد أنّ إيقاعاً صوتيّاً معيّناً في لغاتٍ مختلفة يفيد عدّة معانٍ؟ بينما إذا كانت العلاقة تكوينيّة كان ذلك الإيقاع يفيد نفس المعنى في جميع الموارد.

و ـ الألفاظ المتضادّة

هناك ألفاظٌ لها معاني متضادّة مثل كلمة «القرء» في اللغة العربية، حيث لها معنيان متضادّان، فقد تأتي بمعنى (الطهر) وقد تأتي بمعنى (الحيض)، ولها نماذج في سائر اللغات أيضاً، كيف يستطيع أن يفسّر القصدي هذه الظاهرة؟ إذا كانت العلاقة تكوينيّة كيف اختلفت هذه المرّة؟

هل نستطيع حلّ هذه المشاكل بافتراض أنّها أخطاءٌ من البشر؟ هل هذا تفسيرٌ مقبول معقول؟ وكيف حصلت عملية التورّط في الخطأ في هذه المواضع؟ هذا أمرٌ تحتاج النظريّة القصديّة لتفسيره أكثر بشكل واقعي ميداني، بدل إلقاء عنوان عريض اسمه: «أخطاء البشر أو زيغهم».

ز ـ أزمة التطبيقات

إنّ النظرية التي أتى بها النيلي، بصرف النظر عن مدى صحّتها، هي نظريّة جميلة في حدّ نفسها، وقد بذل جهداً بالغاً في تكميلها، حيث رتّبها بشكل منظّم جدّاً، وهذا ليس أمراً بسيطاً، لكن عندما نأتي إلى تطبيق النظريّة، وإلى تفسير النصوص على أساس هذا المنهج، يبدو أنّنا سوف نواجه تكلّفات كثيرة وقع فيها القصديّون.

سأقسّم أهمّ كتب النيلي إلى قسمين:

1 ـ الكتب النظريّة: ويتناول النيلي فيها تبيين نظريّته وتشييدها، مثل كتاب «النظام القرآني»، وكتاب «اللغة الموحّدة»، وكتاب «الحلّ القصدي»، وكتاب «المحاضرات القصديّة».

2 ـ الكتب التطبيقيّة: وهي تعبّر عن ممارساته ـ بوصفه قصديّاً ـ في مجالاتٍ متنوّعة، كردّه على الأستاذ أحمد الكاتب في نقده على الإماميّة، وردّه على الفلاسفة في كتابه «الشهاب الثاقب»، وكتاب «طور الاستخلاف» وغيرها.

وعندما نأتي إلى النوع الثاني من كتبه، وهي تمثّل تطبيقاً لنظريّته، نجد قدراً هائلاً من التكلّف يزيد عن الحدّ الطبيعي في معالجة الأمور، وعلى سبيل المثال تفسير قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (المطففين: 7)، إذ يبدأ النيلي كتابه بهذه الآية ويعيب على العلماء والمفسّرين، حيث بحثوا في معنى السجّين، وذهبوا إلى أقوالٍ مختلفة، بينما هو يعتقد أنّ المسألة واضحة؛ لأنّ القرآن الكريم بنفسه يوضّح معنى السجين في الآية التي تليها، حيث جاء فيها ﴿ومَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المطففين: 8 ـ 9) فالسجّين يعني كتابٌ مرقوم.

ولكن إذا طبّقنا هذا الكلام سيصبح معنى الآية: كلاّ إنّ كتاب الفجار لفي كتاب مرقوم، فالكتاب في كتاب، وهذا لا معنى له! ولعلّ عدم القدرة على فهم هذه النتيجة هو الذي دفع العلماء والمفسّرين للذهاب إلى مكانٍ آخر.

ويفصّل النيلي في مكانٍ آخر بين القول والكلام، معتبراً أنّ القول يعني قول شيء في النفس، بينما الكلام يعني قول شيء باللسان، ويستقرئ الآيات القرآنيّة كلّها في كتابه «النظام القرآني» ليُثبت هذه المقولة، فلا نحتاج أن نبحث في كيفيّة قول السماء والأرض في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا ولِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت: 11) وهل أنّ المقصود هو القول التكويني أو إصدار صوت أو..؟ حيث اعتبر النيلي أنّ كلّ هذه المباحث تضييع للوقت؛ لأنّه يعتبر أنّ القول يختلف عن الكلام، إذ لا يؤمن بالترادف، ويعتبر أنّ القول هو في النفس، فتنحلّ المشكلة.

لكنّ هذا الكلام لا ينسجم في بعض الآيات إلّا بتكلّفٍ شديد، وعلى سبيل المثال، جاء في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (الأحزاب: 32)، فإذا كان القول شيئاً في داخل النفس، فما معنى الخضوع بالقول بحيث يطمع الذي في قلبه مرضٌ؟ أجاب النيلي عن هذا السؤال بأنّ المقصود في الآية، النهي عن الخضوع في النفس حتى لا يظهر على اللسان، فيطمع الذي في قلبه مرض، لكنّه عود إلى التقدير الذي كان قد أنكره النيلي بنفسه! وإذا كان يمكن التأوّل بهذه الطريقة فلماذا كل ّهذه الهجمة على الاعتباطيّين.

يعتقد المناقشون لهذه النظريّة أنّ مثل هذه التكلّفات عند النيلي في مجال التطبيق كثيرةٌ جدّاً، لكن قد يقال: إنّ أخطاء التطبيق لا تضرّ بأصل النظريّة، خاصّةً وأنّ النظرية ما تزال في طور الانطلاق، وحصول مثل هذه الأخطاء في هذه المرحلة أمرٌ طبيعيّ جدّاً كما هي الحال في سائر العلوم والنظريّات، وعلى سبيل المثال: إنّ الفلسفة الصدرائيّة مع أنّها تؤمن بأصالة الوجود، لكنّ لغتها تناسب ـ في كثير من الأحيان ـ أصالة الماهيّة، وهذا ما أوقعهم أو القارئين لهم في أخطاء؛ لأنّها نظريّة جديدة بمعنى من المعاني، وأدبيات الفلسفة كانت منذ قديم الأيام أدبيّات أصالة الماهية، فتعثّرت كلماتهم، وحسب تعبير المحقّق الإصفهاني، فإنّ الراسخ في الذهن العقلائي هو أصالة الماهية.

لكن على أيّة حال، يعتقد المناقشون بأنّ هذه الأخطاء قد بلغت مبلغاً عظيماً لا يمكن تجاوزها بسهولة.

ح ـ العلوم الطبيعيّة والتعالي عن الذات!

أخذ النيلي على العلوم الإسلاميّة السائدة أنّها علومٌ ذاتيّة، وتؤدّي إلى تعملق الذات، وتُبعِدُ الإنسانَ عن العبودية لله سبحانه، بينما افترض أنّ العلوم الطبيعيّة ـ ومنها منهجه الخاص في دراسة اللغة ـ علومٌ موضوعيّة ويقينية ومتعالية عن الذات، لكن هل حقّاً هي علوم يقينيّة؟ هل حقّاً العلوم الطبيعيّة متعالية عن الذات؟ ألا تقوم العلوم الطبيعيّة على الفروض؟ أليست ذواتنا هي التي تحدّد هذه الفروض؟ أليس هناك خلافات في العلوم الطبيعيّة؟ ألا تُنسخ النظريّات في هذه العلوم إلى يومنا هذا؟

لقد بُحث في فلسفة المعرفة، أنّ العلوم الطبيعيّة أيضاً متأثّرة بالذات، وغير يقينيّة في تمام قضاياها، وهناك خلافاتٌ كثيرة بين علمائها، فكيف صارت العلوم الطبيعيّة محكمة يقينيّة، وصارت الفلسفة خِلافيّة مفتعِلة للأزمات والمشاكل؟ فما صوّره لنا النيلي من تعالي العلوم الطبيعيّة، والتعييب على العلوم الإنسانيّة محلّ تأمل.

إذن، التخبّط في التعاطي مع العلوم الطبيعيّة كان ملاحظةً نقدية أخرى ذكرت على المنهج القصدي.

ط ـ المنهج القصدي وتحريف القرآن الكريم

انتصر النيلي لفكرة تحريف القرآن بكلّ وضوح، لكن ثمّة مشكلة ستظهر على المنهج القصدي إذا كان القرآن محرّفاً؛ لأنّه لابدّ أن يفترض أنّ مقاطع سقطت داخل آية واحدة، ولابدّ أن يفترض أنّ هناك آيات سقطت في داخل سورة، وهذا ما فعله النيلي؛ لأنّه كان بصدد حلّ بعض المشاكل.

من هنا نقول: إذا كان المعيار هي تلك اللغة الموحّدة، فلا نحتاج لإثبات قرآنيّة شيء أو عدمها إلى رواية تاريخيّة، بل المهم هو انسجام الآية مع تلك اللغة، فما فعله النيلي من الاستناد إلى الروايات في اختلاف القراءات، كما رأينا في قول تعالى: ﴿وقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً..﴾ (الإسراء: 23) غير ضروري انسجاماً مع منهجه وأصول تفكيره؛ لأنّ المفروض أنّ المنهج القصدي منهج يقيني صارم، بخلاف التاريخ، فلا حاجة إلى تلك الروايات لإثبات الآيات القرآنيّة وقراءاتها الصحيحة.

ومعنى هذا الكلام أنّ بإمكان القصديّ الآن إذا واجه آية معيّنة تصطدم بمشكلةٍ ما، أن يفترض تحريفها، ثم يُثبت النصّ الأصلي بعمليّة ترجيح لغوية محضة، دون ضرورة لوجود رواية أو قراءة أو نقل تاريخي ولو ضعيف على صيغة لفظيّة معيّنة!

ي ـ القصديّة والادّعاءات الكبيرة

هناك ملاحظة عامّة على القصديّين، وهي الادّعاءات الكبيرة التي طرحوها، وعلى سبيل المثال نجد في أدبيّاتهم أنّ المنهج القصدي مفتاح حلول المشاكل البشريّة أو ستقف جميع الأزمات في العالم جرّاء تطبيق الحلّ القصدي. إنّ طرح مثل هذه الادّعاءات الكبيرة لم يعد يتناسب مع مجال البحث العلمي وقواعد التواضع فيه، بل في تقديري لعلّه لا يناسب السلامة الروحيّة والخلقيّة أحياناً أيضاً.

ك ـ الوقوع فيما تمّت مؤاخذةُ الآخرين عليه!

عاب النيلي على أحمد الكاتب أنّه بنى نقده لنظريّة الإمامة على علماء الكلام الشيعة وتناقضاتهم، والاعتماد على الرجال مهلكة؛ لأنّه لا يُعرف الحقّ بالرجال، ولا ينقض الباطل بالرجال أيضاً.

لكنّنا نجده يستخدم الأسلوب عينه في نقده للفلاسفة، وذلك في كتابه «الحلّ الفلسفي» الذي انتقد فيه كلّ الفلاسفة والعرفاء، فهذا الكتاب في الحقيقة قصّةُ حوارٍ بين الشياطين، حيث هناك إبليس وبين يديه مجموعة من الجنرالات الكبار الذين يديرون العالم، وهذه الجنرالات تتحاور فيما بينها: كيف أفسدت عقول الخلق بالفلسفة.

ولو تأمّلنا في هذه القصّة بشكل هادئ، لوجدنا أنّ الطريقة التي تمّ فيها نقد الفلسفة قامت على تناقضات أقوال الفلاسفة المتقدّمين والمتأخّرين، أي نفس الطريقة التي استعملها أحمد الكاتب في ردّ فكرة الإمامة كما يقول النيلي، حيث أقام ردّه على تناقضات علماء الكلام.

إنّني أعتقد بأنّ هذه الطريقة لإغلاق علمٍ بحجم علم الفلسفة غير منطقيّة وصعبة جداً، إضافة إلى تورّط النيلي في تناقض الأداء، فلماذا كان منهج أحمد الكاتب خطأ بينما المنهج عينه في نقد كلام الفلسفة صحيح؟!

ل ـ اللغة العنيفة والاستعلائيّة

استخدم العديد من أتباع المنهج القصدي ـ للأسف الشديد ـ أسلوباً عنيفاً لمواجهة خصومهم، وشخصيّاً أنصح جميع أتباع هذا المنهج وخصومه معاً، بالإقلاع عن هذه اللغة العنيفة، سواء كانت موجّهة للقدماء أم للمعاصرين أم لأيّ شخصٍ آخر. إنّ هذه اللغة تجلّت في بعض كتب عالم سبيط النيلي نفسه إلى جانب أنصاره، بينما كان ينبغي أن يُطرح مشروعه بوصفه نظريّةً على بساط التداول دون هذا القدر من الجزم، محاولين تنضيجَها بواسطة المشاركة الفكريّة، وربّما كان يؤدّي ذلك إلى ردم بعض المشاكل الموجودة.

إنّ أدبيات القصديّين غالباً أدبياتٌ استعلائيّة بالإجمال العام، وأنا أدعوهم إلى التواضع، والتطبيق الهادئ للفكرة، بعيداً عن هذه اللغة التي لن تؤدّي إلى خدمة الأهداف القصديّة أيضاً.

هذه بعض الإشكاليّات التي طرحت أو يمكن أن تطرح في نقد المنهج القصدي، وشخصيّاً أعتقد ببعضها فيما بعضها الآخر يمثل إشكاليّات أوّلية تحتاج للمزيد من التعمّق سلباً وإيجاباً.

وفي الختام، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ نقد النظريّة القصديّة في البنية التحتيّة لا يساوي نقدها في البنية الفوقيّة تماماً، بل يمكن الفصل بينهما، فيمكن أن لا يؤمن شخصٌ بنظريّة اللغة الموحّدة، لكنّه يؤمن بفكرة عدم الترادف في القرآن، أو فكرة عدم المجاز في اللغة، انطلاقاً من قناعة أخرى غير ما ذهب إليه المنهج القصدي، فإذاً، قد نرى من لا يؤمن بنظريّة اللغة الموحّدة، مؤمناً بصرامة النص القرآني، فينبغي عدم الخلط بين الموضوعات، وعدم مصادرتها في الوقت عينه.

المحور الرابع: أسئلة وأجوبة

السؤال الأوّل([4]): كيف يفسّر النيلي قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ..﴾ (الفتح: 10) بناءً على منهجه القصدي؛ إذ لا يقبل بالمجاز؟

الجواب: إنّه يحلّ الأمر بطريقة سهلة، حيث إنّ كلمة «اليد» عنده ترجع إلى معنى جامع، وهذا الجامع يعني القوّة أو البطش، حسب تعبيره على ما أذكر، وهذه الكلمة لها مصاديق متعدّدة، وأحد مصاديقها القوّة الموجودة في الله، ومصداقها الآخر قوّة الحكّام والملوك، واليد العضويّة أيضاً إنّما هي أحد المصاديق، وليست هي المعنى، وما نتصوّره من أنّ اليد بمعنى اليد العضويّة ليس إلا اشتباهاً منّا بين المفهوم والمصداق، نتيجةَ كثرة تعاملنا معها، وإلا فمعناها هي القوّة فحسب، تماماً كما ترى نظريّة «روح المعاني» التي طرحها بعض الفلاسفة والعرفاء، وليس آخرهم العلامة الطباطبائي.

وهذا لا يبطل الإشكال الذي سبق أن ذكرناه؛ لأنّ نقّاد النيلي سوف يقولون بأنّ تعيين هذا المصداق هنا أو هناك لم نعرف من أين نحصل عليه؟!

قد يصل القصديّ إلى نفس النتيجة التي وصل اليها المنهج السائد المعتقد بالمجاز، لكن بطريقة مختلفة، ومن مكان مختلف، دونَ أن يضطرّ إلى فرض وجود مجازات في القرآن الكريم، ونحن نعرف أنّ وحدة النتائج أحياناً أو تلاقي بعض النتائج بين منهجين لا تعني وحدة المنهج، وهذا شيء واضح.

السؤال الثاني: إذا كان عالم سبيط النيلي إخباريّاً، فهل استشهد على صحّة منهجه بالأخبار، وهل له طريقة خاصّةً في تفسير الأخبار وفهمها؟

الجواب: عندما نقول: هو إخباريّ، فلا يعني هذا بالضّرورة أنّه يعتقد بجميع ما قاله الإخباريّون من قبل، بل المقصود أنّ له نزعةً إخباريّة، ويشترك معهم في بعض المقولات المهمّة والعمدة، علماً بأنّ الإخباريّة ليست مدرسةً واحدة، وإنّما في داخلها مدارس متعدّدة مختلفة فيما بينها، بل بينهم من يقول بحجيّة ظواهر القرآن الكريم.

وربما من مظاهر إخباريّته:

  1. الاعتقاد بتحريف القرآن.
  2. لا يرى قيمة لعلم الحديث والرجال، ويأخذ بالروايات بلا تمييز في النقد السندي.
  3. يرفض كلّ نظام مباحث الألفاظ في علم الأصول.
  4. يرفص حجيّة العقل المطروحة في علم الأصول.
  5. يُنكر الملازمة العقليّة.

أمّا بالنسبة إلى استشهاده بالأخبار، فهناك حضورٌ واضح للأخبار والأحاديث في أبحاثه، وهو يركّز عليها، لا ليستدلّ على صحّة نظريّته بالأخبار بالضرورة، بل لكي يستشهد بها لتأكيد تطبيقات فكرته في الموارد والأبواب المختلفة، ولذلك يصحّح بطريقته هذه أغلبَ الروايات التفسيريّة التي افترضت معارضةً للقرآن وغريبة وباطنيّة.

ومع أنّ النيلي له نزعة إخباريّة، لكنّه في الوقت نفسه قرآنيّ متحمّس، ويرى أنّ هذه الروايات تدعم قرآنيّته، غير أنّه ليس قرآنيّاً يرفض الحديث الإمامي، ولذلك إذا قارنّا بين قرآنيّته وبعض القرآنيّين المصريّين، سنجد أنّ نتيجة مذهب بعض القرآنيّين المصريّين رفعُ المذهبيّة، أمّا قرآنيّة عالم سبيط النيلي، فهي تكرِّس المذهبيّة الإماميّة، وهذا فرقٌ جوهريّ، إذاً كونه قرآنيّاً لا يعني رفضه للأحاديث أو ترك فكرة الإمامة.

السؤال الثالث: ما هي منهجيّة النيلي في التعرّف على الله والإيمان به؟

الجواب: لا أذكر له بحثاً في هذا الموضوع، لكن يبدو أنّه ينطلق من الفطرة، غير أنّه لم يعالج قضيّة وجود الله حتى في كتابه «الحلّ الفلسفي»، حيث لم يبحث فيه عن المسائل الفلسفيّة بقدر ما انتقد فيه الفلاسفة وحاول الكشف عن تعثّراتهم، فلم يقم بـ«دورة فلسفيّة» حتى نعرف طريقته لإثبات الله، ربّما يكون في ثنايا أبحاثه شيءٌ من هذا القبيل لم أره أو لا أذكره الآن.

لكن رغم هجومه على المتصوّفة والعرفاء، يبدو لي أنّه رجلٌ روحي، ينتمي للمدرسة الروحيّة، غير أنّ روحيّته ليست صوفيّة أو عرفانيّة مدرسيّة، وإنّما هي روحيّة التسليم وقائمة على أنّه يرى القرآن من أوّله إلى آخره يدعو إلى هذه الفكرة، لهذا أظنّه أو أخمّنه ـ انطلاقاً من هذه النزعة الروحيّة ـ يميل إلى برهان الفطرة.

السؤال الرابع: ادّعى عالم سبيط النيلي أنّ الإعجاز موجودٌ في القرآن، ويكمن في النظام الصوتي، لكنّه اعتقد في الوقت نفسه أنّنا لا نعلمه، وإنّما يعلمه الله سبحانه ومن أعلمه، فهذا الكلام يلزم منه الاعتباطيّة في نظريّته أيضاً؛ وذلك لانسداد باب العلم علينا لمعرفة النظام التكويني والصوتي لألفاظ القرآن؟

الجواب: لا يعتقد النيلي بسدّ باب العلم هنا، بل على العكس تماماً يدّعي انفتاح باب العلم، ولهذا كتب كتابه «اللغة الموحّدة» لكي يفتح آفاقاً جديدة لفهم النص القرآني فهماً قصديّاً، فهو يؤمن بأنّه قدّم حلّاً، واستطاع أن يلامس البنية الحقيقيّة التكوينيّة للغة، ويعتقد أنّ علماء اللغة والمعاجم هم الذين سدّوا باب العلم، الأمر الذي أدّى إلى وقوع الخلافات والمشاكل.

نعم هو لا يعتقد بأنّ العلم كلّه منكشف لنا، ولهذا قال بأنّ العلم التام باللغة الموحّدة خاصّ بالله ورسوله ومن أعلماه.

السؤال الخامس: أليست جدّية وقوّة القرآن أقرب إلى القصديّة من الاعتباطيّة؟

الجواب: نعم إذا صحّت نظريّته، أعتقد أنّها ستكون رائعة، وسوف تُحدث إنجازاتٍ كبيرة، عندما قلنا بأنّ كلّ حرف في مكانه، ولا يوجد تقديمٌ أوتأخير.. سوف نقترب إلى نظامٍ محكم أكثر، لكن هذا ليس بمعنى أنّ الآخرين الذين سمّوهم بالاعتباطيّين، يعتقدون بأنّ القرآن مترهِّل، غاية الأمر أنّهم يختلفون في فهم هذا الكتاب الكريم.

المهمّ هنا هو التطبيق العملي للنظريّات، فلا تكفي اليوم الادّعاءات الكبيرة، أعتقد أنّنا إذا طبقنا المنهج القصدي في التفسير، سوف تكون هناك خلافات فيما بينهم أيضاً في تفسير النص؛ لأنّ قضيّة اللغة أكبر مما نتصوّر، فسيكون الخلاف أمراً طبيعيّاً سواء كنّا قصديّين أم لا.

السؤال السادس: ألا ترون أن القصديّة دفعت باتجاه جديّة اللغة ودقّة الاستعمال للخروج من فوضى الاستعمال العارم الذي يضرب المتكلّمين والعرف العقلائي والتخلّص من متابعة كون المتكلّم جادّاً أو هازلاً، واضعاً آليّة منطقيّة، وعند ذلك سوف نتخلّص من الأزمة؟

الجواب: نعم، إذا صحّت النظريّة سوف تنضبط الأمور بشكلٍ أكبر، لكن لن تنتهي الخلافات في اللغة، ليس لأجل الاعتباطيّة فقط، بل لأجل تعقيد اللغة وتشابكها من جهة، ولأجل القصور المعرفي عند الإنسان من جهة أخرى.

أضف إلى ذلك أنّ الوصول إلى اللغة الموحّدة ليس نزهةً ـ لو كانت هناك لغة موحّدة ـ بل هي في نفسها عمليّة شاقّة ومليئة بالاختلافات والمقدّمات والتجربيّات التي تفرض بطبيعتها تنوّعاً في النتائج والأسس، الأمر الذي ـ كما قلت آنفاً ـ سوف يفضي إلى مدارس قصديّة، ومن ثم لن تنتهي المشكلة في تقديري.

وفي الختام دعوةٌ لمؤتمرٍ حول القصديّة والتحليلية واللسانيات

رغم أنّ الباحث الموقّر عالم سبيط النيلي رضوان الله تعالى عليه، يعدّ شخصيّة نقديّة كبيرة، ولذلك فهو غير مرغوبٍ فيه بالنسبة إلى كثير من الأوساط الحوزويّة وأروقة المؤسّسة الدينيّة، نظراً لشدّة النقد الذي مارسه على مناهج التفكير الحوزوي عموماً، سواء في الفلسفة أم العرفان أم التصوّف أم أصول الفقه أم تفسير القرآن وما شابه ذلك، لكن مع ذلك أسمح لنفسي أن أدعو إلى مؤتمر أو ملتقى حول المنهج القصدي، رغم تحفّظات بعض علماء الدين على شخصيّة عالم سبيط النيلي.

إنّ قيمة هذا المؤتمر أو الملتقى تكمن في التعرّف على هذا الرجل وأنصاره، وعلى ما أتى به من أفكار، وعلى ما يختلف فيه عن الآخرين وما يشترك فيه معهم، وهذا المؤتمر لا أعني به أنّ القصديّة هي إبداع من الصفر لم يسبق له وجود في تاريخ المعرفة؛ لأنّني أعتقد بأنّ بذور القصديّة وبعض بحوثها موجودة في علوم متنوّعة متصلة بالأصوات وباللسانيّات الحديثة وبالفلسفة التحليليّة، بل ببعض المدارس اللغويّة القديمة عند المسلمين، والتي هُجرت بحوثها في أصول الفقه واللغة عندنا.

وأقترح بل أدعو إلى أن تدخل نظريّة المذهب القصدي وأمثالها رسميّاً في فلسفة اللغة التي تعرّض لها أصول الفقه الإسلامي، فيبحثها علماء الأصول في ضمن مباحث الألفاظ في أصول الفقه، وكذلك يُفترض من الآن فصاعداً أن تتعرّض الكتب الدراسيّة في أصول الفقه في الحوزة العلمية في جزءٍ منها إلى هذه النظريّة الأساسيّة في موضوع اللغة؛ لأنّ هذه النظريّة من شأنها الإطاحة بالكثير من مباحث الألفاظ في أصول الفقه، واستبدالها بمدرسة مختلفة تماماً، إذاً، الأصوليّون إلى جانب علماء اللغة ومفسّري القرآن والحديث، معنيّون بالمذهب القصدي بالدرجة الأولى، فأقترح أن لا نخشى من المنهج القصدي، بل نستقبله ونبحث فيه، ونتعرّف عليه، وننتقده نقداً إيجابيّاً.

أقترح أيضاً على القصديّين الذين ينتصرون لعالم سبيط النيلي، أن يكونوا أكثر هدوءاً في نقدهم للآخرين، وأبطأ في ادّعاء اليقين، بغيةَ دخول الحوار مع المنهج القصدي، مرحلةً علميّةً مُنتجة ورصينة، والله من وراء القصد.

______________________

([1]) اُلقيت هذه المحاضرة في جامعة آل البيت العالميّة، بتاريخ: 22 ـ 4 ـ 2013م.، وقد قام الشيخ سعيد نورا بتقريرها وتحريرها، ثم راجعها المحاضرُ (الشيخ حبّ الله)، مجرياً عليها بعض التعديلات والتوضيحات.

([2]) ورد هذا المضمون في أربعة مواضع في القرآن الكريم، وهي غير ما ذكر أعلاه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلاَمُ ومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ومَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (آل عمران: 19)، ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ولَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (الشورى: 14)، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الجاثية: 17).

([3]) وردت هذه القراءة عن عبد الله بن مسعود وابن عباس، فانظر ـ على سبيل المثال ـ: الطبراني، المعجم الكبير 9: 138؛ وتفسير ابن أبي حاتم الرازي 7: 2323.

([4]) وجّهت هذه الأسئلة للشيخ حيدر حبّ الله بعد إلقائه هذه المحاضرة، وقد اخترنا أهمّها.