المنهج المعرفي للملحدين.. نظرة حول المغالطات والقصور المنهجي عند الكاتب بسام البغدادي

27 يوليو 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
976 زيارة

المنهج المعرفي للملحدين.. نظرة حول المغالطات والقصور المنهجي عند الكاتب بسام البغدادي

تمهيد

يُكرر الملاحدة دوماً القول بعدم وجود أي دليل يدل على وجود الخالق، متجاهلين بذلك جميع الأدلة التي يقدمها المؤمنون، والغريب أنهم لا يستعرضون هذه الأدلة وينقضونها، وإنما يكتفون فقط بإنكار أصل وجودها دون أن يشيروا إلى أي منها، ومن هؤلاء الكاتب بسام البغدادي حيث ردد مثل هذا الكلام في أكثر من مورد، سواءً في مقالاته أو في بعض المقاطع التي يبثها عبر اليوتيوب، فنجده مثلاً يقول: “حتى اليوم لم يقدم رجال الدين في كل الأديان… في كل العالم التي تخطر في بالك، لم يقدموا دليل واحد على وجود آلهتهم، وبالذات الله لم يقدم أحد دليل على وجود الله”[1].

ويصف في مورد آخر ما يُقدم كأدلة على وجود الخالق بكونها عبارة عن خداع ومغالطات، إذ يقول: “إذا كان الله موجوداً فلن نحتاج لخداع أنفسنا، لن نحتاج لخداع الآخرين بوجود الله، بل سيكون وجود الله واضحاً وجلياً مثل الشمس التي لا نحتاج إلى دليل على وجودها، مثل القمر في ليلة مظلمة لا نحتاج دليل على وجوده. أي مجنون يطالب بوجود دليل على وجود الشمس والقمر؟! لكن منذ آلاف السنين ونحن نسأل: هل لديكم دليل على وجود الله؟ وحتى هذه اللحظة لم يتم تقديم ولا دليل واحد على وجوده، فلماذا تطالبون منا أن نؤمن؟”[2]. ويستمر في كلامه إلى أن يقول: “حتى اليوم لم يتم تقديم دليل واحد على وجود الله سوى مغالطات ومغالطات ومغالطات”[3].

 

مع المنهج المعرفي للملحدين

          ما أوردناه من كلمات للكاتب بسام البغدادي ما هي إلا نموذج بسيط لما يطرحه الملاحدة حول هذه المسألة، فليس الأمر مختصاً به وحده فحسب، وإنما نجد مضمون هذا الكلام يتكرر عند غيره من الملاحدة أيضاً، والسؤال هنا: لماذا ينكر الملاحدة -بما فيهم بسام البغدادي- وجود أي أدلة على وجود الخالق على الرغم مما يقدمه المؤمنون من أدلة متعددة لإثبات ذلك؟! وما هي طبيعة الأدلة التي يُطالبون بها حتى يقتنعوا بوجوده تعالى؟! ولماذا يتجاهلون مناقشة الأدلة المطروحة من قبل المؤمنون -وإن كانوا غير مقتنعين بها- بدلاً من الاكتفاء بإنكار أصل وجودها؟!

هذه الأسئلة مهمة جداً، وفي اعتقادي أنه من غير الصحيح الدخول  في حوار مع الملاحدة أو استعراض الأدلة التي تثبت وجود الخالق عليهم قبل اتخاذ موقف حاسم منها، لأنه من خلال الإجابة عليها سيتبين مقدار ما يعانيه هؤلاء من ضعف وقصور نظر، وهذا من أهم الأسباب التي تجعلهم يصرون على إنكار وجود أي دليل على وجود الخالق سبحانه وتعالى.

لذا سوف نقوم بالإجابة على هذه الأسئلة من خلال الوقوف على بعض النقاط المنهجية المهمة المتعلقة بهذه المسألة -إثبات وجود الخالق- وهذه النقاط هي بمثابة شروط أساسية لابد من مراعاتها قبل الانطلاق في عملية البحث إذا ما أردنا الوصول إلى نتائج صحيحة، علماً بأنها متداخلة بعضها مع البعض الآخر، ولا يمكن فصل كل واحدة منها عن الأخرى، وهذه النقاط (الشروط) هي كالتالي[4]

 

أولاً: لابد من تحديد طبيعة المسألة والتصور الصحيح لها

ليست كل المسائل ذات طبيعة واحدة، والغفلة عن ذلك ستؤدي إلى عدم التوصل إلى النتائج الصحيحة المرجوة من البحث، فهناك مسائل تكمن صعوبتها في طرق حلها رغم أن عرضها في غاية السهولة كالمسائل الرياضية البسيطة التي يعرضها الجامعي بالطريقة نفسها التي يعرضها بها تلميذ المراحل الابتدائية أو الثانوية، ولكن كلاً منهما يجد حلولاً متمايزة عما يجده الآخر، وهناك مسائل تكمن صعوبتها في فقدان العرض الصحيح والتصور السليم لها كالمسائل الفلسفية التي تتميز عن غيرها في كون الأولوية فيها في عرضها بصورة سليمة[5]، ومسألة البحث عن وجود الخالق  هي من هذه المسائل، ولذلك فإذا ما أردنا إثبات وجود الخالق (الله) فلا بد من معرفة أمرين[6]:

الأول: ويشمل الأشياء التي نريد إثبات وجودها كجزء من أجزاء الكون، كما هو حال العلماء الذين يبحثون عن العناصر وعددها، فنقول مثلاً: إن العالم الفلاني اكتشف هذا العنصر أو ذاك، وكل عنصر منها هو في الأصل جزء من أجزاء العالم.

الثاني: ويشمل الموارد التي نبحث فيها عن إثبات شيء لا يحتل مكاناً معيناً ضمن الأشياء، بل هو موجود –إذا كان موجوداً- مع كل الأشياء وفيها جميعاً؛ وإذا لم يكن موجوداً فلا وجود له في أي مكان[7].

وعليه؛ فإن من يبحث في مسألة إثبات وجود الخالق وهو يحمل التصور الأول، فإنه بالتأكيد لن يصل إلى نتيجة إيجابية، لأن تصوره للمسألة ليس تصوراً سليماً، ولا يظن أحد بأن هذا الأمر منحصر في مسألة البحث عن الخالق فحسب، بل ثمة غيرها من الأمور أيضاً، فمثلاً نجد أن البحث عن الزمان والمكان لا يمكن أن يتم بنفس الطريقة التي يتم فيها البحث عن الأشياء الموجودة في هذا الكون، فـ”إذا أراد شخص أن يبحث عن الزمان بالطريقة نفسها التي بحث بها الفلكي عن النجوم أو العالم الطبيعي عن العناصر، فيسعى إلى العثور عليه في مكان ما إلى جانب الأشياء الموجودة في العالم؛ فلن يعثر عليه حتى لو كان أذكى البشر، وحتى لو بحث عنه ملايين السنين… وهكذا الحال مع من يبحث بالطريقة نفسها عن ((المكان)) أي يسعى للعثور عليه كجزء من أجزاء عالم الطبيعة، فهو لن يعثر عليه أبداً، وسيقول بعد أن يتعب: لا وجود للزمان أو للمكان، ولكن الحال يختلف مع من يبحث عن الزمان دون أن يكون تصوره عنه هو كونه جزءاً من أجزاء عالم الطبيعة بل باعتباره أحد أبعاد هذا العالم”[8].

 

          لذلك نجد الشيخ المطهري يقول: “أن من يريد البحث بشأن مسألة وجود الله وهو يحمل تصوراً عنها يقول: إن الصخور والأرض والهواء والماء والنبات موجودة ويوجد ضمنها موجود آخر اسمه ((الله)) يتميز عنها بميزة واحدة، هي أنها ترى بالعين وهو لا يرى بالعين، مثل هذا الباحث يخطأ الطريق وهو في البداية لأن تصوره عن الله تصور وهمي لا واقع له”[9].

 

ثانياً: لابد من استخدام الوسيلة المناسبة للبحث (المعرفة العقلية وليس التجريبية)

هناك العديد من أنواع المعرفة الإنسانية وهي: المعرفة التجريبية العلمية (بمصطلحها الخاص)، والمعرفة العقلية، المعرفة التعبدية، المعرفة الشهودية، وما يهمنا هنا بيان نوعين منها وهما:

الأول: المعرفة التجريبية العلمية (بمصطلحها الخاص): “ويتوصل إليها بالاستعانة بالأشياء والمواد المحسوسة، وإن كان للعقل دوره في تجريد المدركات الحسية وتعميمها ويستفاد من المعرفة التجريبية في العلوم التجريبية، أمثال الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء.

الثاني: المعرفة العقلية: وتتألف هذه من المفاهيم الانتزاعية (المعقولات الثانية) والعقل له الدور الرئيس في التوصل إليها، وإن كان قد يستفاد بعض مقدمات القياس وميادين هذه المعرفة هي المنطق والعلوم الفلسفية والرياضيات”[10].

 

السؤال هنا: ما هي الوسيلة المناسبة أو ما هو المنهج الصحيح الذي يصح الاعتماد عليه في مسألة البحث عن وجود الخالق؟! هل المعرفة التجريبية أم المعرفة العقلية؟!

بالتأكيد بأن الجواب الصحيح هو منهج المعرفة العقلية، لأنه وبناءً على ما بيناه في النقطة الأولى فإن التصور الصحيح لهذه المسألة -البحث عن وجود الخالق- يجعلنا نتمسك بالمنهج العقلي، وذلك لقصور المنهج التجريبي عن البحث في أمثال هذه المسائل، وحول قصور المنهج التجريبي يقول السيد كمال الحيدري: “يوجد في البحث التجريبي نكتتان:

الأولى: أن مدار التجربة هو المادة ليس إلا، فليس لها أن تثبت أو تنفي ما وراء المادة.

الثانية: أنه حتى في دائرة المادة لا تملك التجربة قدرة على النفي في الأمور المادية فضلاً عن الأمور المجردة، وإنما تقتصر قدرتها على الإثبات”[11].

ولذلك؛ فمن غير الصحيح المطالبة بدليل حول مسألة إثبات وجود الخالق من خلال المنهج التجريبي، وذلك لقصور يد هذا المنهج في أن تمتد لما وراء الطبيعة، ولكن المشكلة التي نواجهها هي أن “التجريبيون لا يعترفون بمعارف عقلية ضرورية سابقة على التجربة، ويعتبرون التجربة الأساس الوحيد للحكم الصحيح، والمقياس العام في كل مجال من المجالات”[12].

ولا يظن أحد بأن مطالبتنا باتباع المنهج العقلي بأننا نريد أن نتجاهل أو أن نُلغي دور التجربة في تحصيل المعارف نهائياً، فهذا مجانب للصواب، لأن المنهج العقلي نفسه لا يتجاهل دور التجربة، وفي ذلك يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر: “يجب أن ننبه على أن المذهب العقلي لا يتجاهل دور التجربة الجبار في العلوم والمعارف البشرية، وما قدمته من خدمات ضخمة للإنسانية، وما كشفت عنه من أسرار الكون وغوامض الطبيعية، ولكنه يعتقد أن التجربة بمفردها لم تكن تستطيع أن تقوم بهذا الدور الجبار؛ لأنها تحتاج في استنتاج أية حقيقة علمية منها إلى تطبيق القوانين العقلية الضرورية… فشأنها شأن الفحص الذي يجريه الطبيب على المريض، فإن هذا الفحص هو الذي يتيح له أن يكشف عن حقيقة المرض وملابساته، ولكن هذا الفحص لم يكن ليكشف عن هذا لولا ما يملكه الطبيب قبل ذلك من معلومات ومعارف”[13].

 

نقد المذهب التجريبي عند الشهيد الصدر

          يتضح مما مر بنا عدم صحة حصر المعرفة بالمذهب التجريبي، وذلك     –كما يقول الشهيد الصدر- للآتي[14]:

 أولاً: أن نفس هذه القاعدة: (التجربة هي المقياس الأساسي لتمييز الحقيقة) والتي هي ركيزة المذهب التجريبي إن كانت خطأ سقط المذهب التجريبي بانهيار قاعدته الرئيسية، وإن كانت صواباً صح لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل التجريبيين يؤمنون بصواب هذه القاعدة، فإن كانوا قد تأكدوا من صوابها بلا تجربة فهذا يعني: أنها قضية بديهية وأن الإنسان يملك حقائق وراء عالم التجربة، وإن كانوا قد تأكدوا من صوابها بتجربة سابقة فهو أمر مستحيل؛ لأن التجربة لا تؤكد قيمة نفسها.

 ثانياً: أن المفهوم الفلسفي الذي يرتكز على المذهب التجريبي يعجز عن إثبات المادة؛ لأن المادة لا يمكن الكشف عنها بالتجربة الخالصة، بل كل ما يبدو للحس في المجالات التجريبية إنما هو: ظواهر المادة وأعراضها، وأما نفس المادة بالذات –الجوهر المادي الذي تعرضه تلك الظواهر والصفات-فهي لا تدرك بالحس، فالوردة التي نراها على الشجرة أو نلمسها بيدنا إنما نحس برائحتها ولونها ونعومتها، وحتى إذا تذوقناها فإننا نحس بطعمها، ولا نحس في جميع تلك الأحوال بالجوهر الذي تلتقي جميع هذه الظواهر عنده، وإنما ندرك هذا الجوهر ببرهان عقلي يرتكز على المعارف العقلية الأولية.

  ثالثاً: أن الفكر لو كان محبوساً في حدود التجربة ولم يكن يملك معارف مستقلة عنها لما أتيح له أن يحكم باستحالة شيء من الأشياء مطلقاً؛ لأن الاستحالة –بمعنى عدم إمكان وجود الشيء- ليس مما يدخل في نطاق التجربة، ولا يمكن للتجربة أن تكشف عنه، وقصارى ما يتاح للتجربة أن تدلل عليه هو: عدم وجود أشياء معينة، ولكن عدم وجود شيء لا يعني استحالته، فهناك عدة أشياء لم تكشف التجربة عن وجودها، بل دلت على عدمها في نطاقها الخاص، ومع ذلك فنحن لا نعتبرها مستحيلة، ولا نسلب عنها إمكان الوجود كما نسلبه على الأشياء المستحيلة[15].

 رابعاً: أن مبدأ العلية لا يمكن إثباته عن طريق المذهب التجريبي، فكما أن النظرية الحسية كانت عاجزة عن إعطاء تعليل صحيح للعلية كفكرة تصورية، كذلك المذهب التجريبي يعجز عن البرهنة عليها بصفتها مبدأ وفكرة تصديقية؛ فإن التجربة لا يمكنها أن توضح لنا إلا التعاقب بين ظواهر معينة، فنعرف على طريقها أن الماء يغلي إذا صار حاراً بدرجة مئة، وأنه يتجمد حين تنخفض درجة حرارته إلى الصفر، وأما سببية إحدى الظاهرتين للأُخرى والضرورة القائمة بينهما فهي مما لا تكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة ومهما كررنا استعمالها. وإذا انهار مبدأ العلية انهارت جميع العلوم الطبيعة.

 

نقد المذهب التجريبي عند الشهيد المطهري

كذلك قدم الشهيد المطهري نقده للمذهب التجريبي من خلال إجابته على هذا السؤال: هل يستطيع العلم[16] بمعزل عن الفلسفة ومن دون الاستعانة بها، أن يمنحنا منظوراً عن العالم؟ وأجاب بأن العلم “على الرغم من أنه دقيق، وواضح، ويمنح الإنسان القدرة على القوة فإن دائرته ضيقة، ولا يتجاوز حدود موضوعه الخاص. فهو يتقدم في مجال معرفة العلل والأسباب، أو المعلولات والآثار، ثم يصل إلى حيث يقول (لا أدري)”[17]. وذكر بعدها عدة نقاط اعتبرها من مساوئ المنظور العلمي (التجريبي) للعالم، وهي كالتالي[18]:

أولاً: أن المنظور العلمي للعالم منظور جزئي، لا كلي، وبديهي ألا تحيط النظرة الجزئية إلى العالم بالمنظور الكلي للعالم، ولذا فإنه غير قادر على توضيح ملامح العالم كلها، لأن الإنسان بحاجة إلى معرفة أكثر من المعرفة العلمية التي يمنحها العلم، بالمعنى الدقيق للعلم. من ذلك الإجابة على أسئلة مثل: من أين جاء العالم وإلى أين يذهب؟ ما وضعنا نحن من العالم؟ هل تسير العالم قوانين ثابتة لا تتغير؟ …إلخ.

ثانياً: نتيجة لما سبق؛ فإن المنظور العلمي لا يؤثر في توجيهنا توجيهاً مناسباً، لأنه لا يستطيع أن يلهمنا السلوك الذي (يجب) أن نختاره في حياتنا. أي إن العلم يطلعنا إلى حد ما، على ما هو موجود، دون أن يوحي إلينا بما (ينبغي).

ثالثاً: أن قيمة المعرفة العلمية أقرب إلى القيمة العلمية منها إلى القيمة النظرية، في حين إن ما يمكن أن يكون صانعاً للمطامح، ومولداً للإيمان، ومتكأ عقائدياً ليس سوى القيمة النظرية. فالقيمة النظرية تعني قدرة العلم على كشف حقيقة الوجود كما هي، والقيمة العلمية تعني قدرة العلم على إعانة الإنسان على التسلط على الطبيعة والتصرف فيها وتغييرها على وفق مراده.

رابعاً: وفق المنظور العلمي تبدو النظرة للعالم في مركز متزلزل غير ثابت، لأن ملامح العالم تتغير يوماً بعد يوم من حيث المنظور العلمي، وذلك لأن العلم يقوم على البحوث والفرضيات والاختبار، لا على البديهيات الأولية العقلية والأصول الثابتة التي لا تتغير، وبما أن المنظور العلمي للعالم غير ثابت، فهو لا يصلح لأن يكون مرتكزاً عقائدياً. فالعقائد لا تكون عقائد حقاً إلا إذا استمسك بها الأفراد استمساكاً هو الإيمان المنظم. والإيمان يتطلب مرتكزاً ثابتاً لا يتزحزح.

 

العلاقة بين العلوم العقلية والعلوم التجريبية

إذاً اتضح لنا من خلال نقد الشهيد الصدر والشهيد المطهري لحصر المعرفة في حدود العلوم التجريبية بأن هناك علاقة بل وحاجة للأبحاث العقلية حتى عند القيام بالأبحاث التجريبية، علماً بأن هناك حاجة للتجربة في الأبحاث العقلية وهناك حاجة للعقل في الأبحاث التجريبية أيضاً فالعلاقة تبادلية. ويوضح الشيخ الدكتور أيمن المصري حاجة العقل إلى التجربة بقوله: “أن العقل قاصر بنفسه عن الحكم على العوارض المادية المحسوسة في هذا العالم المادي بدون الاستعانة بالتجربة الحسية، ولذا قال المعلم الأول أرسطو: (من فقد حساً فقد فقد علماً). ومن هنا صارت التجربة الحسية من مبادئ البرهان العقلي، ولكن في حريم العوارض المادية لا غير، وذلك في علم الطبيعيات”[19].

          وبعدها أيضاً يوضح حاجة التجربة للعقل البرهاني قائلاً: “أن العقل يؤمن للتجربة أساسها المنطقي ومنطلقها العلمي، بالأصول العقلية الضرورية اللازمة لها، كأصل امتناع اجتماع النقيضين وأصل العلية، كما أنه يعمم أحكامها الجزئية المنتزعة من المشاهدات الخاصة لتشمل سائر الجزئيات التي لم تخضع للتجربة الحسية المحدودة، وذلك عن طريق القياس الفطري المرتكز في ذهن الإنسان من أن الحوادث الاتفاقية لا تكون دائمية ولا أكثرية، حتى تتحول نتائج التجربة الجزئية على بعض الموارد إلى قوانين كلية أزلية أبدية”[20].

 

حدود العلم التجريبي

          على الرغم من النجاحات المبهرة الذي حققه المنهج التجريبي في ميدان العلوم الطبيعة والمادية، إلا أننا لو أردنا أن نستعمله للوصول إلى الحقائق المتعلقة بما وراء الطبيعة كمسألة البحث عن وجود الخالق -كما يُطالب الملاحدة طبعاً- فلن يكون نصيبه إلا الإخفاقات، وذلك لأن “العقل لا يسمح بأي وجه للتجربة الحسية التي اكتسبت مشروعيتها وحجيتها العلمية منه، أن تتعدى حدودها إلى عالم وراء الطبيعة أو تستنتج أحكاماً حسية وهمية مخالفة لأحكامه العقلية القطعية، كما يفعل ذلك بعض التجريبيين الغربيين المصابين بالغرور العلمي عندما يبحثون عن بداية نشأة الكون ونهايته بالتجربة الحسية”[21].

ولذلك لا يمكن التعامل بمنطق المنهج التجريبي في كل المسائل وفي كل العلوم والفنون، وهذا الأمر ليس متوقفاً فقط على البحث في مسألة إثبات وجود الخالق فقط أو في ما وراء الطبيعة، فعلى سبيل المثال نجد أن المنهج التجريبي عاجز على أن يدلو بدلوه في الأبحاث الأدبية والتاريخية، فلو أردنا مثلاً تقييم بعض الأعمال الأدبية كإحدى قصائد الشاعر الأحسائي العملاق جاسم الصحيح، فإننا لن نستطيع أن نقيمها بناءً على المنهج التجريبي، بل ولن نستطيع الحكم عليها    -بناء على نفس المنهج- بكونها أفضل من غيرها من القصائد التي كتبها غيره من الشعراء المبتدؤون. 

وكذلك الأمر بالنسبة للأبحاث التاريخية، إذ كيف يمكن اختبار الوقائع والأحداث تجريبياً للتأكد من صحتها، بل إن الأمر لا يقتصر فقط على الأبحاث الأدبية والتاريخية، وإنما يشمل أيضاً حتى مسائل الرياضيات البحتة المستقلة عن العلوم الأخرى، إذ أننا لا نستطيع معها استخدام المنهج التجريبي، بل وأكثر من ذلك، فإننا لا نستطيع استخدام المنهج التجريبي حتى في بعض مسائل العلوم الطبيعية والمادية، فمثلاً نجد أن نظرية التطور الذي يتخذها الكثير من الملاحدة سبباً للإلحاد لا يمكن اختبارها من خلال هذا المنهج، وذلك لأنها قد تكون بحاجة لمئات الآلاف من السنين لتكررها، وهذا ما يجعلها متعذرة على التجربة والملاحظة، علماً بأنه حتى لو أمكن تكرار التجربة في بعض المسائل الطبيعية، فإن من غير الصحيح الإعتماد على الحس في جميع المسائل المتعلقة بها، فمثلاً نجد أن البصر قد يشتبه في حكمه فيرى الماء من بعيد، ولكنه عندما يصل إليه ربما يتضح له بأنه لا وجود له نهائياً، وأن ما رآه ما هو إلا سراب لا حقيقة له.

يقول الدكتور جون لينكس: “ولننظر أيضاً في ادعاء أن العلم وحده قادر على تقديم الحقيقة، فلو كان صحيحاً ستكون إعلاناً فورياً لإلغاء كثير من مناهج المدارس والجامعات، لأن تقييم الفلسفة والأدب والفن والموسيقى يقع خارج حدود العلم تماماً، كيف يمكن للعلم أن يخبرنا بأن قصيدة ما عبقرية أو مجرد قصيدة سيئة؟ من المؤكد أن هذا لن يتم بقياس طول الكلمات وتواترها في القصائد، وهل يستطيع العلم أن يخبرنا بأن لوحة ما هي قطعة مميزة فنياً أو مجرد خربشات لونية متداخلة، من المؤكد لن يستطيع بعمل تحليل كيميائي للألوان والقماش الذي رُسم عليه، وكذلك تعليم الأخلاق يقع خارج حدود العلم أيضاً، فالعلم يقول لك إن أضفت مادة الستركنين إلى شراب أحدهم فستقتله، ولكن العلم لا يخبرك إن كان يصح أخلاقياً أن تدس الستركنين في شاي جدتك كي تستولي على ممتلكاتها؟”[22].

 

 

منهج للأحداث غير المتكررة

          إن المنهج التجريبي ينجح في حال الأحداث والظواهر المتكررة، وأما في غيرها فلا يمكن اتباعه، ولذلك فإن “هناك منهج خاص للاستدلال على الأحداث غير القابلة للتكرار ولا التجريب، والتي تشمل علوم التاريخ والتاريخ الطبيعي (البيولوجيا)، ونشأة الكون والحياة والإنسان والتي تعرف بعلوم البدايات، ويعرف هذا المنهج بـ ((اللجوء إلى أفضل التفسيرات Inference to the best explantion)). فما أفضل التفسيرات مثلاً للحملة الفرنسية على مصر؟ ، وما أفضل تفسير لقدرة بعض الأشخاص عن تحريك صوان الأذن؟ وما أفضل التفسيرات لنشأة الكون من عدم؟”[23]. وهذا المنهج بحسب كلام الدكتور عمرو شريف -اللجوء إلى أفضل التفسيرات- ليس بعيداً عن المنهج التجريبي؛ فالعلماء يبحثون عن أفضل التفسيرات لنتائج تجاربهم[24].

 

تراكم الأدلة

كذلك يمكن التأكد من صحة ثبوت بعض الأمور من خلال تراكم الأدلة، وحول هذا يقول الدكتور عمرو شريف موضحاً بمثال: “كذلك فإنني لا أستطيع أن أقدم البرهان القاطع على أن زوجتي تحبني، لكن قرابة 35 سنة من الزواج تقطع لي بذلك نتيجة لتراكم الأدلة التي تصل إلى مستوى “الدليل الذي لا يتسرب إليه الشك” والذي له حجية البرهان. كذلك الإيمان الديني، ينبغي[25]أن يقوم على تراكم الأدلةEvidence Based حتى تصل إلى مرتبة لا يتسرب إليها الشك وبذلك لا يكون إيماناً أعمى”[26].

 

العلم التجريبي لا يؤيد الإلحاد

          السؤال هنا: بعد أن اتضح بأن العلم التجريبي ليس هو المصدر الوحيد لتحصيل المعرفة بشكل عام، وبأنه لا يمكن الاعتماد عليه في كل المسائل وفي كل العلوم والفنون؛ فإنه بقي لنا الإجابة عن هذا السؤال: هل يقود العلم التجريبي للإلحاد كما يدعي بعض الملاحدة؟! بالطبع لا، لأن البحث في ما وراء الطبيعة (كالبحث عن الخالق) ليس من شأن العلوم التجريبية كما بينا، لأن حدود العلم التجريبي لا يتجاوز البحث في العلل الفاعلية (المعدة) إلى العلل الغائية[27].

يوضح الدكتور جون لينكس محدودية العلم التجريبي بمثال جميل تحت عنوان (كعكة العمة ماتيلدا) حيث يقول: “لنتخيل أن عمتي ماتيلدا صنعت لنا كعكة جميلة ثم أخذناها ليتم تحليلها من قبل مجموعة من أفضل علماء العالم، وباعتباري مسؤول التشريفات سألتهم عن تفسير للكعكة ثم ذهبوا لعملهم، علماء التغذية سيخبروننا عن عدد السعرات الحرارية في الكعكة وأثرها التغذوي، أما علماء الكيمياء الحيوية الكيميائيون فسيحدثوننا عن العناصر التي دخلت في الكعكة وعن كيفية ارتباطها مع بعضها، أما الفيزيائيون فلهم قدرة تحليل الكعكة وفق الجسيمات الأولية، وسيكون دور أهل الرياضيات بلا شك عرض مجموعة من المعادلات الأنيقة التي تصف سلوك هذه الجزئيات… ولنفترض أني سألت هؤلاء الخبراء مجتمعين سؤالاً نهائياً: لماذا صنعت هذه الكعكة إن الوجوم على وجه العمة ما تيلدا يكشف أنها تعرف الجواب، لأنها هي من صنعت الكعكة، وقد صنعتها لغاية ما، ولكن كل خبراء التغذية والكيمياء الحيوية والكيمياء والفيزياء والرياضيات في العالم لن يستطيعوا الحصول على جواب للسؤال، ولا يشكل هذا حرجاً على اختصاصاتهم العلمية أن يعلنوا أنهم غير قادرين على الإجابة. فاختصاصاتهم التي تتقبل أسئلة حول طبيعة وبنية الكعكة أي إجابة أسئلة “كيف” لا يمكنها إجابة أسئلة “لماذا” والتي تتصل بالغاية التي صنعت من أجلها الكعكة. في الواقع الفرصة الوحيدة للحصول على جواب ستكون إن كشفت لنا العمة ماتيلدا عن الجواب لنا، ولكن إن لم تخبرنا العمة ما تيلدا بسبب صنع الكيكة فالحقيقة الواضحة أن أي قدر من التحليل العلمي لن يسعفنا بمعرفته”[28]. ولهذا فإن العلم يجيبنا عن كيفية عمل القوانين الطبيعية، ولكنه لا يجيبنا عن سؤال: لماذا تعمل هذه القوانين؟! ومن هو الواضع لها؟ ومن الذي يجعلها تعمل؟ لأن هذه الأسئلة خارجة عن نطاق قدرة المنهج التجريبي.

من هنا نفهم ما ذكره الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي في قوله: “أننا لا يمكننا معرفة أصول الرؤية الكونية والمسائل المتعلقة بها، اعتماداً على معطيات العلم التجريبية واختصاصها، ولا يحق لأي علم تجريبي أن يتحدث عن هذه المسائل نفياً أو إثباتاً، فمثلاً لا يمكن لنا أن نثبت أو ننفي وجود الله تعالى من خلال تجارب المختبرات (نستغفر الله) وذلك لأن يد التجربة الحسية أقصر من أن تمتد إلى ما وراء الطبيعة، لتثبت أو تنفي شيئاً خارجاً عن نطاق الظواهر المادية”[29].

ولذلك أيضاً نجد أن الشهيد المطهري يعبر عن أحد طرق إثبات وجود الخالق  بـ(الطريق العلمي أو شبه الفلسفي) ومقصوده طبعاً العلمي التجريبي، وأما سبب وصفه بذلك، فيقول: “وقد استخدمنا هذا الوصف لأن من المحال –وخلافاً لرأي كثير من الباحثين- تقديم معرفة الله بطريق علمي محض، لسبب بسيط هو عدم وجود طريق علمي محض يمكن أن يقدم للإنسان معرفة الله؛ لأن مهمة العلم التعريف بظواهر العالم”[30].

 

ثالثاً: لابد وأن يكون البحث خارج دائرتي الزمان والمكان

إذا حددنا طبيعة المسألة والتصور السليم لها، وحددنا كذلك الوسيلة المناسبة والمنهج الصحيح للبحث؛ فإنه يبقى علينا الإنطلاق للبحث في حدود الدائرة الممكنة والإطار المناسب، وبناءً على ما بيناه سابقاً فإنه يجب أن يكون البحث عن وجود الخالق (الله) خارج عن دائرتي الزمان والمكان، إذ لا يثمر أي بحث عنه داخل هاتين الدائرتين. يقول الشهيد المطهري موضحاً ذلك: “أي لا نبحث عنه بين الموجودات الزمانية المقيدة بقيد الزمان لنعرف متى كان؟ كما لا نبحث عنه بين الموجودات المكانية المقيدة بقيد المكان لكي نعرف: أين مكانه؟… إن الإله الذي نبحث بشأن وجوده هو عبارة عن حقيقة كاملة مطلقة وليس شيئاً كسائر أشياء هذا العالم”[31].

 

الملاحدة وقصور المنهج

إذا التزم الباحث بهذه النقاط (تحديد طبيعة المسألة والتصور السليم لها، استعمال الوسيلة المناسبة والمنهج الصحيح، التحرك ضمن الإطار المناسب والممكن)، فإنه بالتأكيد سيصل إلى نتيجة إيجابية تثبت وجود خالق لهذا الكون، ولكن المشكلة أن الملاحدة لا يلتزمون بذلك، ولذا نجدهم ينكرون وجود أي دليل على وجوده تعالى، لأنهم يريدون أدلة أقل ما يُمكن أن يُقال عنها أنها لا تناسب طبيعة المسألة محل البحث، فنجد مثلاً بسام البغدادي في مقال له يتحدث عن مسألة إثبات وجود الخالق بقوله: “هل المطالبة بدليلٍ على فرضيةٍ غريبةٍ جداً مثل وجود كائنٍ موجودٍ قبل الكون خلق الكون من العدم هي فرضيةٌ تنتمي إلى عالمنا اليومي مثل هطول المطر وشروق الشمس؟ هل نرى كل يوم إلهاً يخلق كوناً أمامنا فنستغرب من الذي يُنكر مثل هذه الفرضية؟؟ هل صُنع الحياة من العدم ينتمي إلى حياتنا اليومية؟ هل إرسال الأنبياء والكتب الهاطلة من السماء يُعتبر من حيثيات حياتنا اليومية؟ لهذا، فإنهُ من الأجدر لي ولك وللجميع المطالبة بدليلٍ يتناسب مع حجم الإدعاء نفسه، لا أن نقوم بتسخيف أو الضحك على عقولٍ شغلت نفسها وسارت عكس التيار لتتأكد من مصداقية ما توارثناه من مفاهيمٍ حول الكون والحياة”[32].

ويقول في مورد آخر: “يجب أن نخرج من نطاق الوهم والخرافة، يجب أن نؤمن بعقولنا للوصول إلى نتائجٍ حقيقيةٍ حول ماهيّة الكون الذي حولنا، يجب أن نؤمن بالمنهج العلمي الرصين للوصول إلى أجوبةٍ لاستفساراتنا العلمية، وعندما يعجز العلم عن الإجابة عن أسئلةٍ نطرحها فإن المجال واسعٌ أمام العقل الإنساني للبحث في الفلسفة والفن والرياضيات عن أجوبةٍ تناسب قدراتنا وتطلعاتنا، لا أن نُعيد علك ما بصقتهُ الأقوام التي قبلنا بقرون، ونتباهى بأفكارٍ لم تعد تُضحك العالم بعد بل تُثير ريبتهم حول الكهف الذي خرجنا منه”[33].

     وفي مكان آخر يشرح مراده من الدليل العلمي بقوله: “الملحد يُطالب بدليل علمي على وجود الله ولا يُطالب برؤية الله، والدليل العلمي هو الدليل القائم على العلم والتجربة، ويتوافق مع المنطق وخبراتنا السابقة”[34].

وما ذكره البغدادي في هذه النصوص يُلاحظ عليه الآتي:

  أولاً: أن البغدادي لم يقم بتحديد دقيق لطبيعة هذه المسألة -إثبات وجود الخالق- وبدلاً من أن يقوم بالتركيز على ذلك نجده يؤكد على كون مسألة وجود الخالق (الله) لا تنتمي إلى حياتنا اليومية، ولذلك يُطالب بدليل يتناسب مع حجم الادعاء، وكلامه وإن كان صحيحاً في عدم انتماء  هذه المسألة لحياتنا اليومية، إلا أنه مجانب للصواب –أو على الأقل غير دقيق- في مطالبته بدليل يتناسب مع حجم الادعاء، وذلك لأنه من المفترض أن تكون مطالبته بدليل يُناسب طبيعة هذه المسألة وكيفيتها (أي مبني على تصور سليم وصحيح لها) لا أن تكون مطالبته بدليل يناسب حجمها فقط، فالمسألة متعلقة بطبيعة المسألة وليس بحجمها.

  ثانياً: يُشدد البغدادي على مسألة المطالبة بدليل علمي حقيقي يُثبت وجود الخالق، ولقد بينا أن الدليل العلمي التجريبي لا يمكن له أن يثبت أو ينفي وجود الخالق، لأن حدوده لا تتجاوز الطبيعة إلى ما ورائها، وهذه المسألة بالتأكيد متعلقة ومرتبطة بما وراء الطبيعة.

  ثالثاً: ذكر البغدادي أنه إذا عجز العلم فيمكن البحث في الفلسفة والفن والرياضيات عن دليل يثبت وجود الخالق، وهذا أمر جميل للغاية، ولكنه يُخالف ما عليه البغدادي نفسه، لأن هناك عدة أدلة فلسفية (عقلية) تدل على ذلك وهي تتناسب مع التصور السليم للمسألة، ومع ذلك نجد الملاحدة ومنهم البغدادي ينكرون هذه الأدلة ويتجاهلونها.

   رابعاً: ركز البغدادي في كلامه -كما مر بنا- على المطالبة بدليل يناسب حجم الادعاء، وذلك لأن هذه المسألة غير متكررة ولا تنتمي لحياتنا اليومية، حيث يتساءل قائلاً:هل نرى كل يوم إلهاً يخلق كوناً أمامنا فنستغرب من الذي يُنكر مثل هذه الفرضية؟؟” ولكنه تجاهل وجود منهج خاص بعلوم البدايات (نشأة الكون والحياة والإنسان) وهو منهج اللجوء إلى أفضل التفسيرات Inference to the best explantion.

   خامساً: نلاحظ أن البغدادي يركز على مسألة البحث عن الخالق (الله) دون مراعاة اشتراط أن يكون ذلك خارج عن دائرتي المكان والزمان، وذلك لأنه يركز في كلامه على كون هذه المسألة لا تنتمي إلى فرضيات من عالمنا، والعالم من حولنا –كما هو واضح- خاضع لسيطرة المكان والزمان.

 

كلمة الختام

تناولنا في هذا المقال قصور النظر المنهجي لدى الملاحدة مما يجعلهم ينكرون وجود أي دليل يدل على إثبات وجود الخالق، وبينا كيف أنهم لا يكلفون أنفسهم حتى بمجرد إستعراض الأدلة المقدمة وردها فضلاً عن القيام بمناقشتها وتقديم نقض لها، كما بينا بعدها بعض النقاط والعناصر الأساسية المهمة التي ينبغي تحديد الموقف منها قبل الانطلاق في رحلة البحث عن وجود الخالق، وكانت كالتالي:

  أولاً: لا بد من تحديد طبيعة المسألة والتصور الصحيح لها، وذلك لأن مسألة وجود الخالق (الله) من المسائل التي يكمن نجاح البحث فيها في  التصور السليم لها.

ثانياً: لابد من اختيار الوسيلة المناسبة والمنهج الصحيح للبحث، وهي المعرفة العقلية وليس التجريبية، وذلك لقصور الأخيرة عن البحث في قضايا تتعلق بما راء الطبيعية كمسألة البحث عن وجود الخالق، وإذا كان كذلك؛ فليس من الصحيح ما يُصوره بعض الملاحدة من أن العلم التجريبي يؤيد الإلحاد، وذلك لأن العلم التجريبي لا يمكن له بمفرده أن يثبت أو ينفي مثل هذه المسائل.

 

  ثالثاً: لابد أن يكون البحث خارج عن دائرتي الزمان والمكان، فلا يبحث عن الخالق سبحانه وتعالى في مكان ما أو زمان ما، وذلك لأنه سبحانه حقيقة مطلقة وليس شيئاً كسائر الأشياء.

 

سلمان عبدالأعلى-  11/10/1437هـ

الهوامش



[1] راجع مقطع فيديو منشور عبر اليوتيوب لبسام البغدادي بعنوان (المغالطات المنطقية الجزء الثالث-مغالطة العلماء مؤمنين) على الرابط التالي:  https://www.youtube.com/watch?v=0uIHGUC2XQQ

[2] راجع مقطع فيديو منشور عبر اليوتيوب للكاتب بسام البغدادي بعنوان (المغالطات المنطقية الجزء الأول يا ملحد, هل ترى عقلك؟) على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=-V32dURRqKI

[3] راجع المصدر السابق.  

[4] تم الإستفادة مما سوف نطرحه من الأفكار التي قدمها الشيخ الشهيد مرتضى المطهري في كتابه التوحيد.

[5] التوحيد للشيخ الشهيد مرتضى مطهري ص17، ترجمة عرفان محمود، مؤسسة أم القرى، دار الحوراء للطباعة والنشر والتوزيع.

[6] المصدر السابق، ص20.

[7] راجع المصدر السابق، ص20.

[8] راجع المصدر السابق، ص21-22.

[9] المصدر السابق، ص23.

[10] دروس في العقيدة الإسلامية للشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، ج1، ص47-48، الطبعة الثامنة 1429هـ-2008م دار الرسول الأكرم – بيروت لبنان.

[11] شرح بداية الحكمة، تقرير لأبحاث السيد كمال الحيدري، بقلم الشيخ خليل رزق، ج1، ص184، الطبعة الثالثة 1431هـ -2010م، دار فراقد للطباعة والنشر قم-إيران.

[12] فلسفتنا للسيد محمد باقر الصدر، ص116، الطبعة الرابعة 1433هـ-2012م، دار التعارف للمطبوعات، بيروت-لبنان.

[13] المصدر السابق، ص115.

[14] منقول ببعض التصرف من كتاب فلسفتنا للسيد الصدر، ص117-121.

[15]يقول الشيخ المطهري في كتاب التوحيد، ص28: “كما أن لفظ “المحال