النزاعات السياسيّة ـ الكلاميّة بين الشيعة وأصحاب الأئمّة

7 أكتوبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
74 زيارة

النزاعات السياسيّة ـ الكلاميّة بين الشيعة وأصحاب الأئمّة

دراسةٌ في المفهوم والمنهج

د. علي آقا نوري(*)

ترجمة: عماد الهلالي

 

مقدّمة ــــــ

في سياق البحث عن الفكر الشيعيّ، وفي محاولةٍ للرجوع إلى منابعه الأصيلة، يواجه الباحثون عدداً من التساؤلات التي يُعَدّ الجواب عنها واحداً من أهمّ وظائف الدراسات الشيعيّة.

وأحد هذه التساؤلات هو أنّه: كيف تمكّنت ثقافة التشيّع من التوسّع والتمدّد والانتشار بهذا الشكل؟ وما الذي أدّى بها إلى أن تتفرّق وتتوزّع على فرقٍ ومذاهب مختلفة؟

وفي السياق عينه، تُطْرَح تساؤلات أخرى، من قبيل:

ما هو السبب وراء هذا الاختلاف والتشتّت الذي يمكن ملاحظته لدى أتباع أهل البيت^ وشيعتهم وبعض أقرب الناس إليهم؟

ولماذا كانت وفاة أو شهادة كلّ واحدٍ من الأئمّة^ تترافق دائماً مع حدوث انشعابٍ واختلاف جديد في الوسط الشيعيّ؟

ولماذا رأينا أنّه بين الفينة والأخرى كان يَبْرز من أولاد الأئمّة مَنْ يتصدّى لرفع لواء المخالَفة لهم^، وليعمل على استحداث فرقةٍ جديدة منفصلة عنهم، بالرغم من كون هؤلاء هم أقرب الناس إلى الأئمّة آنذاك؟ الأمر الذي لم يكن يؤدّي إلى توفّر الدواعي للانتقاص من مدرسة أهل البيت^ من قِبَل سائر الفرق والمذاهب فحَسْب، بل إنّه ـ أيضاً ـ أدّى لاحقاً إلى طعن البعض بمذهب التشيّع، وذلك عبر الإيحاء بأنّ الشيعة هم المصداق الذي ينطبق عليه حديث افتراق الأمّة، (والذي مفاده انقسام المسلمين إلى 73 فرقةً)، بل إنّ بعضهم قد بذل جهوداً متفانية في سبيل إثبات انقسام الشيعة إلى ما يقارب الـ 300 فرقة.

 

الجهاز الحاكم في عصر الأئمة ــــــ

عرفنا أنّ الجهاز الحاكم التابع لدولة الخلافة، وبخاصّة في العصر العبّاسيّ، ما انفكّ عن ممارسة عمليّات الضغط والحصار والمراقبة الخانقة في حقّ أئمّة الشيعة^ وأتباعهم، وأنّ ذلك حتّم على الأئمّة^ اللّجوء إلى سياسة التقيّة والعمل بها، كما أنّه أدّى إلى عدم بسط الأئمّة^ أيديهم، وعدم إشرافهم الكامل على شيعتهم الذين كانوا موزَّعين على مناطق متفرّقة.

وقد كان لهذين الأمرين ـ أعني ضغوطات الحكّام وسياسة التقيّة ـ تداعيات وآثار خطيرة على الساحة الشيعيّة في المجالين الفكريّ والسياسيّ.

ويمكن تقسيم هذه التداعيات والآثار إلى محورين رئيسين: عامّ؛ وخاصّ.

وفي هذا الفصل نتعرّض للتداعيات العامّة الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة، ونؤجّل الكلام في المحور الخاصّ، المتمثّل في الوقوع تحت تأثيرات مذهبيّة وكلاميّة خاصّة، والتي هي في الحقيقة نتائج هذه التداعيات العامّة.

وعلى صعيد التداعيات العامّة نقول: إنّ التداعيات غير المرغوب بها، والتي كانت ـ أحياناً ـ تستمرّ طيلة عهد الأئمّة^، والتي هي بحاجةٍ أكثر من غيرها إلى مزيد دراسةٍ وتفصيل، عبارة عن الأمور الثلاثة التالية:

1ـ تشعّب العلويّين إلى فرعين: الحسنيّين؛ والحسينيّين.

2ـ اضطراب أصحاب الأئمّة^ في خصائص الإمام الواقعيّ، ومصاديقه.

3ـ طرح دعاوى المهدويّة وأفكار الخلود وعدم الموت في شأن الأئمّة^.

ولنتكلَّمْ في هذا الأمور تباعاً.

 

1ـ تشعّب العلويّين إلى الحسنيّين والحسينيّين ــــــ

بدأ الفكر الزيديّ بالانفصال عن مدرسة أئمّة الشيعة^ أواخر عهد الأمويّين، أثناء الحركة والثورة التي قام بها زيد بن عليّ. ولكنّ تمايز هذه الفرقة واستقلالها مذهبيّاً وقيامها بإعلان ونشر أفكارها الخاصّة في شأن موقعيّة الإمامة لم يكن في تلك الفترة بالذات، بل إنّه أخذ بالظهور شيئاً فشيئاً بمرور الزمان، وتبلور خلال الثورات اللاحقة التي قام بها العلويّون، ولا سيَّما ثورات السادات من الحسنيّين، فقد كانت دوافع أصحاب هذه الثورات ـ التي هي تحرّكات سياسيّة بامتياز ـ تتمثّل في الدعوة العلنيّة إلى الإمامة والخلافة، الأمر الذي فتح أبواب البحث عن شروط الإمام ووظائفه الأساسيّة.

أحدثت هذه الظاهرة اختلافات أخرى على الساحة الشيعيّة، نظير: تقسيم العلويّين إلى حسنيّين وحسينيّين، وتقسيم التشيّع إلى الزيديّ والجعفريّ ـ الذي صار لاحقاً اثني عشريّاً ـ، وانقسام خطّ المعارضين السياسيّين إلى جناحين: متطرّف؛ ومعتدل، والنزاع حول بعض الشروط الظاهريّة التي يجب توفّرها في الإمام.

وقد اعتبر جميع الباحثين أنّ ثورة زيد كانت هي المبدأ ونقطة الانطلاق لظهور الزيديّة. كما أنّ الزيديّة كانوا دائماً ينسبون أفكارهم في شأن خصائص الإمام إلى زيد، ويدّعون أنّهم إنّما استلهموا تحرّكاتهم كلّها من حركة زيد نفسه. مع أنّ حركته هذه كان قد غلب عليها طابع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام غضباً لله ورسوله|، ولم تكن حركة شيعيّة أو علويّة صرفة، كما أنّها لم تكن تهدف إلى كسب منصبٍ خاصّ أو موقعيّة متميّزة([1]).

ومن هذا المنطلق، ونظراً إلى الأهداف المقدّسة التي حملتها هذه الثورة، وعدم دعوة زيد الشهيد لنفسه، نجد أنّ الأئمّة^ كانوا ينظرون إلى قيامه، كما إلى شخصه، نظرةً خاصّة ومتميّزة.

وهذا بخلاف الحركات والدعوات التي ظهرت في عهد الإمام الصادق×، واستمرّت إلى عصور غيره من الأئمّة^، بقيادة بعض السادات من الحسنيّين، فقد تمّ التعامل مع هذه الحركات على أساس أنّها نوعٌ آخر مباين لحركة زيد.

ومن هنا يمكن القول بأنّ أكثر ما هيّأ الأسباب لظهور التشعّب بين العلويّين إلى فرعين: بني الحسن؛ وبني الحسين، كما ساعد على تشكّل الزيديّة بشكل رسميّ، وانتشار فكرهم ورواجه، إنّما هو الادّعاءات المتطرّفة والمغرّدة خارج السرب التي كان قد أطلقها عبد الله المحض، وهو ـ في ما كان يراه بعض الشيعة ـ أعلم أهل البيت، وصاحب سيف رسول الله|([2]). فقد ادّعى هذا الرجل المهدويّة لابنه محمّد بن عبد الله، المعروف بـ «النفس الزكيّة»، وأخذ البيعة له من الناس بعنوان أنّه هو قائم آل محمّد.

أدّى قيام النفس الزكيّة عام 145هـ ـ بإعدادٍ مسبَق من أبيه ـ إلى التحاق بعض الشيعة به وانضمامهم إليه، معلنين البيعة له على أساس أنّه القائم والمنجي الموعود. وقد ترسّخ هذا الاعتقاد في أذهان بعض الشيعة، إلى درجة أنّهم اعتقدوا فيه ـ حتى بعد مقتله ـ بأنّه لم يمُتْ، وبأنّه سيعود إلى الظهور عن قريبٍ([3]).

وفي خضمّ أحداث هذه الحركة سجّل التاريخ أنّ الإمام الصادق× لم يُبْدِ أيّ ارتياحٍ لدعوتهم هذه([4]).

وقد ردّ الإمام× قول بعض الزيديّة: ليس بيننا وبين جعفر خلاف إلاّ أنّه لا يرى الجهاد، فقال×: «أنا لا أراه؟! بلى والله، إنّي لأراه، ولكنّي أكره أن أدع علمي إلى جهلهم»([5]). وما أراد الإمام× أن يقوله لهم في هذا الحديث: هو أنّه× ليس على استعداد لأن يسلّم نفسه للأجواء السياسيّة المفتعلة.

ومنذ ذلك الوقت تعكّر صفو العلاقات بين بعض الشيعة العلويّين، الذين انضووا تحت قيادة بعض الحسنيّين، وأحياناً تحت قيادة بعض الحسينيّين، وبين الأئمّة^ وشيعتهم، وأخذ ذلك يشتدّ ويتزايد مع مرور الزمان يوماً بعد آخر.

وقد بلغ من اختلاف النهج السياسيّ والمباني العقائديّة لهذه الفرقة مع أئمّة الشيعة^ حدّاً دفع ببعضهم إلى أن يجعل الأئمّة^ هدفاً يصبّ عليه الهجمات والاتّهامات، ووصل بهم الأمر أنْ اتّهموهم^ بالحَسَد والمصالحة والتعاون مع الخلفاء الظالمين، بل كانوا ـ أحياناً ـ لا يتورَّعون عن الوشاية بهم، والتجسّس عليهم لصالح جهاز الخلافة الحاكم، والسعي في هلاكهم، والعمل على توفير الأسباب التي تفضي إلى حبسهم وملاحقتهم. وقد ورد في بعض الأخبار أنّ خلفاء بني العبّاس كانوا في بعض الأحيان يفضِّلون أن يقرّبوا هذه الطائفة من المتشدِّدين من خصوم الأئمّة^ إليهم، ودعوتهم إلى التعاون معهم([6]).

ولكنّ الأئمّة^ ـ من جهتهم ـ كانوا يبرزون لهؤلاء خوفهم وقلقهم عليهم، ويحذِّرونهم ـ بإشفاق ـ من العواقب التي يمكن أن تنجم عن أفعالهم، وهم^ ـ في هذا السياق ـ لم يشاركوا في شيءٍ من الحركات السياسيّة لهذه الطائفة، كما كانوا يمنعون أتباعهم عن الدخول والمشاركة في هذه الحركات. فعلى سبيل المثال: نجد أنّ الحركة التي قام بها شهيد فخّ في عهد الإمام موسى بن جعفر×، وبالرغم من أنّها كانت إحدى أكثر الحركات التي قام بها العلويّون إخلاصاً، إلا أنّه لم يشارك فيها ـ كما ورد في بعض الأخبار ـ من أصحاب الإمام الكاظم× سوى رجلٍ واحد فقط.

وقد ورد في بعض الأحاديث ـ مع قطع النظر عن الشكّ والتردُّد في بعضها ـ أنّ المنهج الذي سارت عليه هذه الفرقة في مخالفة أهل البيت^ هو منهجٌ شبيه بمنهج النواصب، حتى أنّ هؤلاء كانوا ـ أحياناً ـ يُلْعَنون على لسان أهل البيت^، في الوقت الذي كانوا يطلقون لقب «الرافضة» على أتباع الأئمّة وشيعتهم([7]).

ولو تجاوزنا تلك الأحاديث، وقمنا بمطالعة وتحليل المجادلات السياسيّة ـ المذهبيّة لهذه الطائفة من العلويّين مع أئمّة الشيعة^ وأتباعهم في عصر الحضور، لوجدنا أنّ الموضوع الأبرز الذي كانت تتمحور حوله النزاعات بين هذين الفريقين هو موضوع مقام الإمام وموقعيّته. وبناءً على ما ورد في غير واحدٍ من الأخبار التاريخيّة والروائيّة فإنّ المدّعى الرئيس لهؤلاء في شأن الإمامة هو أنّ هذا المنصب لا يخرج عن أهل بيت النبوّة، ولا يكون إلاّ في نسل فاطمة÷، ولا يكون الإمام منهم ـ حسنيّاً كان أم حسينيّاً ـ إلاّ مَنْ شهر سيفه، وكان من أهل الدعوة والقيام. وعليه فالإمامة لا تكون بالنصّ، ولا بالوراثة.

ومن وجهة نظر هؤلاء فالإمامة ـ وهي بالنسبة إليهم ذات بُعْد سياسيّ، لا مذهبيّ معنويّ ـ لا تكون لمَنْ يفتي بالتقيّة، ويعمل بأسلوب الحزم والاحتياط، ويرخي عليه ستره، وإنّما تكون لمَنْ خرج على عدوّه، وأعمل سيفه في دمه([8]).

وقد كان السادة من بني الحسن، وكذلك كلّ واحد من أئمّة الزيديّين وقادتهم، يعدّون أنفسهم الورثة القانونيّين والشرعيّين للإمام عليّ×، فكانوا يفتخرون ـ على الدوام ـ بأنّهم من أهل البيت، ومن أولاد عليّ×. وبذلك فقد كانوا لا يرَوْن أنفسهم أقلّ من الأئمّة^، بل الإمامة في عرفهم حقٌّ حصريّ لهم؛ لمكان قربهم من النبيّ| ومن أمير المؤمنين×، ولمؤهّلات أخرى كانوا يدَّعونها لأنفسهم.

فهذا محمّد النفس الزكيّة ـ على سبيل المثال ـ يقول في كتابٍ له بعث به إلى المنصور ـ الخليفة العبّاسيّ ـ: «فإنّ أبانا عليّاً كان الوصيّ، وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ ثمّ قد علمت أنّه لم يطلب الأمر أحدٌ له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا، لسنا من أبناء اللّعناء ولا الطّرداء ولا الطّلقاء، وليس يمتّ أحد من بني هاشم بمثل الذي نمتّ به من القرابة والسابقة والفضل، وإنّا… بنو بنته فاطمة في الإسلام دونكم… وإنّي أوسط بني هاشم نسباً وأصرحهم أباً»([9]).

ومثل هذه الادّعاءات لم تكن باعثة لهم على الاعتراض بشدّة على سيرة الأئمّة^ ونهجهم في بيان إمامتهم وحقّهم الإلهيّ فيها فحَسْب، بل كانوا ـ أيضاً ـ يعمدون إلى افتعال ما يثير الأجواء ويؤجّجها، لا لشيءٍ إلاّ لأجل إرغام الأئمّة^ على إخفاء أمر إمامتهم([10]). كما لم يخفوا انزعاجهم واستياءهم من قيام الأئمّة^ بأخذ الأموال والحقوق الشرعيّة من أصحابهم وأتباعهم([11]).

والحاصل أنّ عمل الأئمّة^ بسياسة التقيّة، وعدم تعاونهم مع المجموعات الناشطة والمتطرّفة من العلويّين، أدَّتْ إلى تشعّب الشيعة وانقسامهم إلى طائفتين: إماميّة؛ وزيديّة، كما أنّها هيّأت الأرضيّة المناسبة لبعض المخالفين لنهج وخطّ أهل البيت^ للتطاول والتجنّي على كلتا الطائفتين.

ويوماً بعد يوم أخذت هذه الهوّة الفكريّة تتّسع وتتعمّق بين هؤلاء وبين الخطّ والنهج الذي سار عليه الأئمّة^ وأشياعهم من الاعتقاد بتسلسل الإمامة وتعاقبها. واستمرّت هذه النزاعات اللّفظيّة، وعمليّة الأخذ والردّ، بالاشتداد والتفاعل إلى عهد الإمام الجواد× وما تلاه من العصور، حتّى بلغت ذروتها في القرن الثالث.

ويمكن لنا أن نلاحظ نموذجاً واضحاً لذلك استناداً إلى آراء الإمام القاسم الرسّي وانتقاداته اللاذعة، وهو أحد أبرز أئمّة الزيديّة وقادتهم الفكريّين في القرن الثالث، وكان له تأثيرٌ كبير على عقائد الزيديّة، كما كان ـ أيضاً ـ من شيوخهم المعمّرين (169 ـ 246)، فعاصر أربعة من أئمّة الشيعة^، وقد ترك مجموعة من الكتب والرسائل التي تلقّفها الزيديّة وتلقّوها بالقبول، وهي ـ الآن ـ مجموعةٌ في كتابٍ مطبوع.

وقد ضمّن الإمام المذكور ردوده وانتقاداته على آراء الشيعة الإماميّة في رسالتين له، تحمل إحداهما اسم: «الردّ على الرافضة»، وتحمل الأخرى اسم «الردّ على الروافض من أهل الغلوّ». ويمكن اعتبار ما ورد في هاتين الرسالتين مثالاً على الفكر الذي كان يحمله بعض العلويّين، ومجادلاتهم لأئمّة الشيعة ([12]).

استهلّ الرسّي كلامه في نقد نظريّة الإماميّة القائلة بأنّه لم يكن قرن من القرون خلا، ولا أمّة من الأمم الأولى، إلاّ وفيها وصيّ نبيّ، أو وصيّ وصيّ، حجّة لله قائمة عليهم. وقد علّق على هذه النظريّة قائلاً: «هذا ما أتوا الضلال بقولهم في الوصيّة، وما أعظموا على الله وعلى رسوله في ذلك من الدعوى والفِرْية، التي ليس لهم بها في العقول حجّة ولا برهان، ولم ينزل بها من الله وحي ولا فرقان». ثمّ قال: «وما قالت به الرافضة في الأوصياء من هذه المقالة فهو قول فرقة كافرة»([13]).

وبعد نقد رأي الشيعة في باب تعيين الأئمّة والنصّ عليهم بأسمائهم تصدّى لنقد عقيدةٍ أخرى لهم، مفادها أنّ الأئمّة^ يجب أن يقتفوا أثر رسول الله| في تبليغ الدين، ويجب أن تكون حركتهم في إطار الدعوة إلى الخير والهداية. فشنّ على هذه العقيدة هجمةً شرسة.

ولكنّ أشدّ هجماته كانت في رسالته الأخرى، وهي: «رسالة الردّ على الروافض من أهل الغلوّ». ومن الواضح: أنّ مراده من الغلوّ ليس شيئاً آخر سوى ما كان في ذلك العصر من اعتقادات الشيعة الإماميّة أنفسهم، بل إنّه عدّ كافّة الفرق الشيعيّة ـ باستثناء الزيديّة ـ من الروافض الذين هم أهل الغلوّ، حتّى أولئك الذين كانوا يعتقدون بإمامة العاشر من أئمّة الشيعة^. كما أنّه في كتابه هذا استهزأ ببعض عقائد الشيعة، التي منها: الاعتقاد بأنّ الإمام× يعلم الغيب، والاعتقاد بالنصّ على إمامتهم^، وأكثر من ذلك: اعتقادهم بجواز إمامة غير البالغ. كما سعى لإثبات أنّ نسل الإمام الحسن× أحقّ بالإمامة من نسل الإمام الحسين×. وهو ـ كغيره من الزيديّة ـ يرى أنّ من الشروط الأساسيّة التي يجب أن تتوفّر في الإمام؛ لكي تكون إمامته مقبولة ومشروعة: مقارعة الظلم؛ والقيام العلنيّ.

وقد وجّه إمام الزيديّة هذا اعتراضات شديدة على مبدأ التقيّة ـ أو بتعبيره: الانزواء وطلب العافية ـ الذي عمل به أئمّة الشيعة^، والاعتراض الذي كان يركّز عليه ويكرّره هو أنّه لماذا أقدم الأئمّة إذن على جمع الأموال من الشيعة؟ ولماذا عملوا إذن على تأسيس نظام الوكالة؛ لغرض إيجاد تواصل أكبر بينهم وبين أصحابهم؟([14]).

ولسنا هنا بصدد الردّ على أفكار مؤلِّف هذا الكتاب ونقضها، ولا في معرض الكشف عن دوافعه وعوامل غفلته عن المشاكل والمحاذير التي كانت تحيط بالأئمّة^. وإنّما يعنينا هنا أن نلفت إلى وجود منهجين رئيسين في الفكر الشيعيّ في ذلك الزمان، وأنّ المواجهة بين أتباع هذين المنهجين لم تكن تقلّ أبداً عن مواجهتهم لمَنْ يخالفهم من خارج الجسم الشيعيّ. أضِفْ إلى ذلك أنّ كلاًّ من الفريقين كانت له مؤلَّفات يردّ بها على الطرف الآخر، وهذه المؤلّفات لم تصل إلينا، ولكنّ المؤرّخين أشاروا إلى وجودها.

فمن ذلك ـ مثلاً ـ: كتاب «الإشهاد»، الذي كان تأليفه في أواخر القرن الثالث الهجريّ على يد أحد العلويّين أيضاً، وهو أبو زيد العلويّ، والذي ضمّنه أفكاراً تقارب أفكار الرسّي في كتابه. وقد نقل هذا الكتاب، إلى جانب ردّه ونقضه للمؤلّف الإماميّ المعروف بـ (ابن قبة)، في كتاب «كمال الدين»، للشيخ الصدوق.

وفي هذه الرسالة ـ أعني: (الإشهاد) ـ تعرّض المؤلّف لنقد آراء ومباني الشيعة الإماميّة في باب الإمامة، ويوجِّه إشكالاته على عقائد الشيعة من نواحٍ ثلاث:

إحداها: أنّ الإماميّة خالفت الإجماع المنعقد على أنّ النبيّ| نصّ على الإمامة في عترته، وذلك بأن ادّعَتْ الإمامة في بطنٍ من العترة، ولم توجبها لسائر العترة، بغير دليل.

والثانية: أنّ الإماميّة ادّعَتْ أنّ انتقال الإمامة من إمام إلى آخر بالنصّ والوصيّة، مع أنّهم كانوا ـ في كلّ عصر، وبعد وفاة كلّ إمام ـ يختلفون اختلافاً شديداً في مَنْ يخلفه، ومَنْ نصّ عليه، وأوصى له.

والثالثة: أنّ الإماميّة أثبتت الإمامة لأشخاص لم يثوروا أبداً في وجه الظلم والظالمين، ولم يكونوا أصلاً في معرض إقامة حكومة الحقّ والعدل، مع أنّ الإمام ـ بنظر الزيديّة ـ إنّما هو الداعي للناس لكي ينتفضوا ويثوروا ضدّ الظالمين، والعامل على إقرار حكومة العدل.

وكذلك من جملة الانتقادات التي وجّهها إلى عقائد الشيعة الإماميّة اعتقادُهم بالإمام الغائب، وادّعاؤهم علم الغيب في حقّ الأئمّة^.

وقد أجاب ابن قبة الإماميّ عن جميع انتقاداته هذه، وتعرّض لنقد آرائه، مورداً عليه باعتراضات ترد ـ بالشكل الذي ذكرها فيه ـ على أفكار الزيديّة وآرائهم. ومن هنا نجده يسعى لتقديم رؤيةٍ لنظام الإمامة يمكن الدفاع عنها في مواجهة انتقادات هذا العالم الزيديّ. وهو في هذا الكتاب، كما في كتبه الأخرى، يؤكّد على اعتبار التواتر الشيعيّ للنصّ وحجّيّته في إثبات سلسلة الأئمّة^، وبالنحو نفسه الذي تؤمن به الشيعة([15]).

ويمكن العثور على أجوبة أكثر أهمّيّة لشبهاتهم واعتراضاتهم في سيرة أهل البيت^، وما ورد عنهم من كلام في شأن ظاهرة الزيديّة ونظرتهم إلى مقام الإمامة.

والواقع هو ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ أئمّة الشيعة^، بعد شهادة الإمام الحسين×، امتنعوا عن المواجهة المباشرة والمشاركة في الأحداث والوقائع السياسيّة، من دون أن يؤدّي ذلك إلى تخلُّفهم عن تأدية وظائفهم الدينيّة بوصفهم الأئمّة والقادة.

وصحيح أنّهم^ كانوا في فترة من الفترات مغمورين، يعيشون بعيداً عن الأضواء، نتيجةً لعملهم بسياسة التقيّة من جهة، ونتيجةً لبروز بعض الأسر المتشدّدة المنتسبة إلى رسول الله| على خطّ المعارضة الشيعيّة للخلفاء من جهةٍ ثانية، ما جعل خطّهم ونهجهم يخفت ويخبو لدى عددٍ من الراغبين بالتشيّع. ولكنْ مع ذلك فقد استطاعوا ـ على المدى البعيد ـ؛ من خلال هذه السياسة المتوازنة التي اتَّبعوها في نشر مذهبهم، استطاعوا أن يحقِّقوا لهذا المذهب إنجازات هامّة، تجلَّتْ فيما بعد في تحوّل سائر الفرق المتشعِّبة عن التشيّع إلى فرق فرعيّة وثانويّة.

وكان من آثار هذه السياسة وإيجابيّاتها ـ أيضاً ـ تفرّغ كلّ إمامٍ من الأئمّة^ لتربية تلامذة مميّزين، برعوا في مجال الفقه والكلام والحديث، وكان لهم دورٌ كبير في نقل ميراث أهل البيت^ إلى الآخرين، وإلى أتباعهم^ في العصور اللاحقة. وهو أمر لا يسَعُ أحداً أن ينكره، من المؤالف والمخالف على حدٍّ سواء([16]). كما استطاع المعصومون^، من خلال الكيفيّة التي تعاطوا بها مع الفكر الزيديّ، أن يقوِّضوا أساسات هذا الفكر في باب مقام الإمامة، ليحلّ بدلاً منها ما ذكروه هم ـ أكثر من غيرهم ـ في بيان مقام هذا المنصب وعظمته. ومع أنّهم كانوا يكنّون لأبناء البيت العلويّ احتراماً خاصّاً؛ لكونهم من سلالة النبيّ| وذرّيّته، إلاّ أنّهم تعاملوا معهم كما يتعاملون مع أيّ شخص عاديّ من ذرّيته|. فمثلاً: لم يصدر منهم^ أيّ كلام من شأنه أن يعطي لزيد مقاماً دينيّاً متميّزاً، بالرغم من كلّ الاحترام الذي كانوا يعاملون به زيداً.

وممّا نقل في هذا الصدد أنّ سعيد بن منصور ـ وكان من رؤساء الزيديّة ـ سأل الإمام الباقر× فقال: ما ترى في النبيذ؛ فإنّ زيداً كان يشربه عندنا؟ قال: ما أصدّق على زيد أنّه يشرب مسكراً، قال: بلى قد شربه. قال: فإنْ كان فعل ذلك فإنّ زيداً ليس بنبيٍّ ولا وصيّ نبيّ، إنّما هو رجلٌ من آل محمّدٍ يُخْطئ ويصيب([17]). فالإمام× هنا، ومع عظيم احترامه لزيد، لم يتطرَّق أصلاً للحديث عن إمامة زيد أو مرجعيّته الدينيّة. كما تقدّم ـ أيضاً ـ أنّه لم يكن ليسلّم نفسه للأجواء الانفعاليّة التي كان يفتعلها سائر العلويّين.

وبالرجوع إلى روايات الشيعة وأخبارهم يظهر لنا بوضوحٍ أنّ الأئمّة^ كانوا يركِّزون على مبدأ النصّ في الإمامة، ويشترطون في الإمام ـ على سبيل اللّزوم ـ أن يكون عالماً بجميع معارف الدين وأحكامه. كما يظهر من تلك الروايات ـ أيضاً ـ تأكيدهم البالغ على حصر الأئمّة^ في نسل الحسين×، وعلى حصر أصحاب تلك الخصائص التي هي شرط في الإمامة في أشخاص معيَّنين. ولا شكَّ في أنّ التأكيد على هذا الأمر منهم^ ناظر ـ إلى حدٍّ كبير ـ إلى ردّ آراء العلويّين الحسنيّين، والجواب عن ادّعاءاتهم([18]).

وعلى هذا الأساس فقد كان الأئمّة^، وهم حفظة الشريعة ومبلّغوها، يحاولون قدر الإمكان مراعاة مشاعر وأحاسيس الفرق المذهبيّة المخالفة لهم، بما فيها الفرق التي شكَّلها بنو الحسن أنفسهم، ولكنّهم في الوقت عينه سعَوْا إلى تغيير الذهنيّة التي كانت سائدة، والتي تحصر دور الإمام ووظيفته في التصدّي للمقام السياسيّ أو السعي لتشكيل الحكومة وإقرارها. وقد ركَّزوا في خلال بيانهم لوظائف الإمام على أنّ الوظيفة الرئيسيّة والأوّليّة للإمام هي تعليم الناس الحلال والحرام، وتفسير الشريعة، والتزكية، وتربية المجتمع تربيةً أخلاقيّة، وحفظ الدين وصيانته من عبث أهل البِدَع، ومن تدخُّلات المنتحلين، وبكلمة: هي المرجعيّة الدينيّة التي تتمحور حول هداية الناس والحفاظ على أصالة الشريعة([19])، لا مجرّد التصدّي للخلافة الظاهريّة، ولا المشاركة المباشرة في لعبة السياسة ومجرياتها. وإنّ حجماً كبيراً من روايات أهل البيت^ في باب الإمامة يحكي ـ أيضاً ـ عن إمامتهم المذهبيّة والباطنيّة، ويؤكِّد على أنّ من وظائفهم هداية الناس، وحفظ الشريعة، وليس عبارة عن القيادة السياسيّة فحَسْب. وقد ارتأينا هنا أن نختم هذا البحث بنقل عددٍ من هذه الروايات([20]):

1ـ عن يونس بن عبد الرحمن أنّ الإمام الكاظم× قال له: «يا يونس، لا تكوننّ مبتدعاً. مَنْ نظر برأيه هلك، ومَنْ ترك أهل بيت نبيّه| ضلّ، ومَنْ ترك كتاب الله وقول نبيّه كفر»([21]).

2ـ وقال الإمام الصادق× ليونس بن ظبيان: «يا يونس، إنْ أردت العلم الصحيح فعندنا أهل البيت، فإنّا ورثنا وأُوتينا شرع الحكمة وفصل الخطاب»([22]).

3ـ وقال× أيضاً: «إنّ عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وإنّ الناس ليحتاجون إلينا. وإنّ عندنا كتاباً إملاء رسول الله| وخطّ عليّ×، صحيفة فيها كلّ حلال وحرام»([23]).

 

 2ـ الاضطراب والاختلاف بين أصحاب الأئمّة^ في باب الإمامة ــــــ

مع قطع النظر عن أنّ المجادلات والخصومات السياسيّة ـ المذهبيّة لبعض العلويّين مع الأئمّة وأتباعهم من الشيعة الاثني عشريّة، وكذلك اختلافهم في تعيين الإمام، كانت نابعةً من اختلافهم في المباني والأسس المأخوذة من نوع نظرة كلٍّ من الطرفين إلى منشأ الإمامة والقيادة ومقامها وخصوصيّاتها، فبعد ظهور الكيسانيّة عمل الزيديّة ـ من الحسنيّين والحسينيّين، بل والعلويّين وغير العلويّين ـ بشتّى الوسائل والسبل على فصل خطِّهم ومنهجهم عن الأئمّة^ وخُلَّص شيعتهم وأتباعهم.

كما أنّ جمعاً ـ على ما نقله النوبختي ـ توقّفوا، وصاروا في حيرة من أمرهم، بعد ما رأوه من اختلاف الأشراف الحسنيّين والحسينيّين ومشاجراتهم، فقالوا: نصبر لنرى الذي يرضون به ويجمعون عليه([24])، وإنْ كانت هذه الأمنية لم تتحقّق لهم أبداً.

كما وقع الخلاف ـ أيضاً ـ بين سائر أتباع الأئمّة^ في مسألة تعيين الإمام، فكانت لكلٍّ منهم نظرته الخاصّة إلى مميّزات الإمام والخصال التي يجب أن يتوفّر عليها.

ومع أنّ هؤلاء اتّفقوا ـ على خلاف فرقتي الزيديّة والكيسانيّة ـ على مسألة أنّ تعيين الأئمّة وتسلسلهم إنّما يكون بتعيينٍ من قبل الله تعالى، وأنّه لا سبيل إلى معرفة كلٍّ منهم إلاّ بالنصّ عليه من قبل الإمام الذي قبله، إلاّ أنّهم ـ وبناءً على ما نقله المتكلّمون ومؤلّفو كتب الملل والنحل من الشيعة ـ كانوا دائماً وعقيب وفاة أيّ إمام يواجهون أزمةً في تعيين الإمام الذي بعده، الأمر الذي يعني ـ بالتالي ـ بروز أسماء عدّة واختيارات مختلفة فيما بينهم([25]).

وباستثناء الفرق الغالية، الذين تخطَّوْا في ادّعاءاتهم موضوع الإمامة، فإنّ الفرق التي شكَّلها هؤلاء، سواء كانت من الفرق التي زالت وانقرضت، أم تلك التي قُدِّر لها البقاء، كالناووسيّة والإسماعيليّة والواقفيّة والقطعيّة، كانت تخضع وتتأثّر دائماً بمثل هذا العامل.

ونعرض في ما يلي للحديث عن هذا المبحث المهمّ ضمن محورين منفصلين:

 

أـ الاضطراب في تعيين المصداق الواقعيّ للإمام ــــــ

إنّ المنشأ الأصليّ الذي كان يتسبّب في أزمة الاضطراب هذه يكمن في أمرين:

أحدهما: المراقبة السياسيّة والمذهبيّة الدائمة التي كانت تحيط بالأئمّة^، فتقيّد حركتهم، وتحول بينهم وبين أن يبيّنوا للناس خصائص الإمامة بشكلٍ لا يعتريه اللّبس، وتمنعهم من القيام تعيين أفرادها بأشخاصهم وأسمائهم.

والثاني: تفرّق أصحابهم وشيعته في مناطق مختلفة، وبعيدة عنهم([26]).

وقد كان الأئمّة^، بشكلٍ أو بآخر، وتبعاً للظروف، يكشفون أمام بعض الأشخاص عن موقع الإمامة وشأنها، وعن اسم الوصيّ الذي سيخلفهم من بعدهم([27]). وفي بعض الأحيان كان هذا البيان يترافق مع اشتراطهم^ على مَنْ يسمع كلامهم هذا بأن لا يعلنه على الملأ، على اعتبار أنّه سرٌّ من أسرار الإمامة التي لا يجوز إفشاؤها([28])، ولا سيَّما أنّ بعض الذين قاموا بكشف هذا الأسرار وإفشائها قد مهّدوا بذلك الأسباب التي تورّطهم، أو تورّط إمامهم، في مأزقٍ حقيقيّ([29]).

والجدير بالذكر هنا أنّ هذه الطائفة من الأحاديث التي تضمّنت تعييناً للوصيّ اللاحق على يد الإمام الذي قبله توضِّح لنا أنّها أحاديث لم تكن بهذه الدرجة من الوضوح لدى أصحاب الأئمّة وأتباعهم من الشيعة في عصر الحضور؛ إذ لم يكن ممكناً وصولها إليهم آنذاك. وإنّما كان وضوحها ووصولها إلى أيدي الجميع وعامّة الناس في مراحل زمنيّةٍ متأخّرة، بل في الواقع يجب اعتبار هذا الوصول إحدى ثمرات المساعي والجهود التي بذلها المتأخِّرون من المحدِّثين؛ وذلك أنّ ما ورد في بعض هذه الأحاديث يوحي بأنّ بعض الأئمّة^ لم يكن لديهم علمٌ أو اطّلاع مسبق على الإمام الذي سيخلفهم ويأتي من بعدهم.

فمن ذلك ما رُوي في بعض الأخبار من أنّ الإمام الهادي× لمّا توفّي ابنه محمّد قال للإمام الحسن العسكريّ×: «يا بنيّ، أحدِثْ لله شُكْراً، فقد أحدَثَ فيك أمراً». وفي خبرٍ آخر عنه× أنّه قال: «بدا لله في أبي محمّد بعد أبي جعفر ما لم يكن يُعْرَف له»([30]).

ولا يخفى أنّ القبول بهذا المعنى ـ كما هو عليه ـ من وجهة نظر الشيعة الإماميّة مشكلٌ غاية الإشكال، وحينئذٍ فإنْ استبعدنا كونها من الأحاديث المجعولة والموضوعة، بعد كونها قد وردت في الكتب الروائيّة المعتبرة عند الشيعة، فيمكن القول بأنّ القدر المتيقَّن من معنى هذه العبارة هو أنّ إمامة الإمام الحادي عشر لم تكن واضحةً لهذين الإمامين’ من قبل، ثمّ اتَّضحت لهما بعد ذلك.

وقد وردت إشارةٌ إلى هذا المأزق وتداعياته ـ أعني اضطراب الأصحاب في تعيين المصاديق الواقعيّين للإمام ـ على لسان نصر بن قابوس، أحد أصحاب الإمام الكاظم×، يقول: «قلتُ لأبي إبراهيم موسى بن جعفر’: إنّي سألت أباك×: مَنْ الذي بَعْدك؟ فأخبَرني أنّك أنت هو؟ فلمّا توفّي أبو عبد الله× ذهب الناس يميناً وشمالاً، وقلتُ وأصحابي بك، فأخبِرني مَنْ الذي يكون بَعْدك؟ قال: ابني عليّ×»([31]). كما وردت نصوص كثيرة أخرى عن غيره من الأئمّة^، وفيها إشارةٌ ـ أيضاً ـ إلى إمامة الرضا×([32]).

ولأجل إحكام أمر الوصيّة، وقطع الطريق أمام أيّ تبريرات أو أعذار يمكن أن يتعلّل بها أحدٌ، فقد كتب الإمام الكاظم× كتاباً أشهد فيه عدداً من وجوه الأصحاب، ممَّنْ يوثق بهم([33]). وقد استطاعت هذه الخطوة أن تحول دون افتراق الشيعة من بعده. ولكنْ مع ذلك فقد شهد تاريخ الشيعة بعد وفاته× بروز حادثة الوقف عليه×، وتشكُّل الفرقة المسمّاة بـ «الواقفيّة». صحيحٌ أنّ بعض أصحابه×، ممَّنْ كانوا موكَّلين من قبله× لأخذ زكاة الأموال من الشيعة، استسلموا لأهوائهم، وانحرفوا عن مسار الإمامة الحقّة؛ طمعاً في تلك الأموال، وحرصاً على إبقائها بأيديهم وعدم دفعها، فأذاعوا في الشيعة أنّه× لا يموت([34])، إلاّ أنّ من الواضح ـ أيضاً ـ أنّ الأرضيّة الفكريّة والاجتماعيّة كانت مهيَّأة من قبل لقبول ادّعاءاتهم وأعذارهم هذه، وتتمثّل هذه الأرضيّة في جوّ الضغوطات السياسيّة للخلفاء، والحساسيات الموجودة بين بعض الفرق الداخليّة، مضافاً إلى أنّ تفرّق الشيعة من أصحابه× كان بحيث منعهم من الاطّلاع ـ بأجمعهم ـ على أمر الإمامة ومصير الإمام×، وأفقدهم الجرأة على أن يهبّوا ـ مثلاً ـ في وجه أعوان الخليفة وعمّاله، ويقولوا لهم: إنّ موسى بن جعفر× إمامنا، ويطالبوهم بإشهاد الناس على موته، ليضعوا ـ بذلك ـ أنفسهم في الواجهة، وفي معرض أن يُعرَفوا.

وقد دفعت هذه الأخبار بعضهم إلى اعتبار هذه التداعيات المذهبيّة أمراً طبيعيّاً، حيث قال: «وعندي أنّ الخروج عن نظام الإمامة في ذاك العهد لم يكن لقلّة التقوى، ولا طمعاً في حطام الدنيا، ولا مسارعةً إلى البِدَع، واقتحاماً في الأهواء؛ فإنّ سياق الإمامة في الأئمّة الاثني عشر بأعيانهم وأشخاصهم ـ على ما نعرفهم اليوم ـ لم يكن متحقِّقاً من أوّل الأمر، وإنّما تحقّق دَوْراً فدوراً، وعَهْداً فعَهْداً.

فأصحابنا في عهد الإمام أبي جعفر الباقر×، بعدما عرفوا معنى الإمامة، وقالوا بإمامته وإمامة آبائه، كانوا يعتقدون بأنّ الأئمّة لا تكون إلاّ اثني عشر، من دون أن يكون لهم معرفة بأعيانهم، ولا بأسمائهم وأوصافهم وشمائلهم، إلاّ بالأئمّة الماضين منهم، والإمام الحاضر بين أظهرهم.

ولذلك نرى الخواصّ منهم كان يَفِدون إلى الإمام الحاضر، ويلتمسون منه أن يعرّفهم الإمام القائم من بعده، فلا يجيبهم إلا عند ضيق المجال، والأمن من الأعداء، وخوفاً على أنفسهم، وإشفاقاً من اغتيالهم. ولذلك قلَّتْ النصوص، وعمِيَت الأنباء عليهم، ودخلت الشبهات المظلمة في صدورهم. كلّما مضى إمام من أئمّة العترة الطاهرة اختلفت الشيعة في الإمام القائم من بعده، لا يدْرون بمَنْ يأتمّون، وإلى ماذا يرجعون؟ مع أنّ فيهم كبار الفقهاء والمتكلِّمين، وحفّاظ الحديث وأمناء الدين. ولو كانت عندهم وفي متناولهم هذه النصوص الكثيرة التي نُرَوّاها من عهد الغيبة الصغرى وقبله بقليل لما آل بهم الأمر إلى هذه التفرقة الفاضحة، والقول بالأهواء الباطلة»([35]).

وهنا؛ ونظراً إلى أهمّيّة هذا البحث، نشير إلى بعض الموارد التي تحكي، من ناحيةٍ عن ضيق المجال أمام الأئمّة^ في تعيين مصاديق الإمامة ورجالاتها، ومن ناحيةٍ أخرى عن حيرة أصحاب الأئمّة^. ونعتمد في نقل هذه الموارد على بعض الأخبار والأحاديث الواردة، لنصل لاحقاً إلى الحديث ـ وبشكلٍ مستقلّ ـ عن أصناف الفرق التي تشعّب إليها أتباع أهل البيت^ على أثر هذه الحيرة، وأعداد هذه الفرق وأسمائها.

1ـ ورد في الخبر أنّ عمرو بن مسلم سأل الإمام الصادق× أن يذكر له أسماء الأئمّة^، فعدّهم الإمام×، بدءاً بأوّلهم عليّ بن أبي طالب× وصولاً إلى أبيه الإمام الباقر×، ولكنّه أجمل الجواب للسائل في ما يتعلّق بسائر الأئمّة ـ بل وفي ما يتعلّق بنفسه هو أيضاً ـ، فلم يكشف له عن أسمائهم([36]). كما أنّه من المعروف تاريخيّاً أنّ الإمام×؛ ولغرض تضليل مخالفيه، ومنهم الخليفة العبّاسيّ، أوصى ـ كما أشرنا آنفاً ـ إلى عدّة أشخاص، كان من بينهم المنصور نفسه، وهو ما شكَّل ـ أيضاً ـ أحد أسباب الاضطراب عند الأصحاب في تعيين الإمام الواقعيّ.

2ـ وروى في قرب الإسناد أنّه لمّا سُئِل الإمام الرضا× عن خليفته من بعده امتنع الإمام× عن إعطاء جوابٍ واضح، وقال: «هذا الذي سألْتَ عنه ليس هذا وقتُه»، ثمّ لمّا قال له السائل: «جُعِلْتُ فداك، قد رأيْتَ ما ابتُلينا به من أبيك، ولسْتُ آمَن الأحداث»، كان من جوابه×: «أما علمْتَ أنّ الإمام الفرضُ عليه والواجب من الله إذا خاف الفوت على نفسه أن يحتجّ في الإمام من بعده بحجّةٍ معروفة مبيّنة»…الخبر([37]).

3ـ روى الكلينيّ عن هشام بن سالم قال: «كنّا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله×، أنا ومحمد بن النعمان صاحب الطاق، والناس مجمعون على عبد الله بن جعفر، أنّه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه، والناس عنده، فسألناه عن الزكاة في كَمْ تجب؟ فقال: في مئتي درهم خمسة دراهم، فقلنا له: ففي مئة؟ قال: درهمان ونصف؟ قلنا: والله ما تقول المُرْجئة هذا، فقال: والله ما أدري ما تقول المُرْجئة. قال: فخرجنا ضلاّلاً لا ندري إلى أين نتوجَّه، أنا وأبو جعفر الأحول [وهو نفسه مؤمن الطاق]، فقعدنا في بعض أزقّة المدينة باكيَيْن لا ندري أين نتوجَّه، وإلى مَنْ نقصد، نقول: إلى المُرْجئة، إلى القَدْريّة، إلى المعتزلة، إلى الزيديّة، فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يُومئ إليّ بيده، فخفْتُ أن يكون عَيْناً من عيون أبي جعفر المنصور؛ وذلك أنّه كان له بالمدينة جواسيس على مَنْ يجتمع بعد جعفر الناس، فيؤخذ فيضرب عنقه، فخفْتُ أن يكون منهم، فقلتُ للأحول: تنحَّ، فإنّي خائفٌ على نفسي وعليك، وإنّما يريدني ليس يريدك، فتنحَّ عني، لا تهلك فتعين على نفسك، فتنحّى عنّي بعيداً. وتبعْتُ الشيخ؛ وذلك أنّي ظننت أنّي لا أقدر على التخلُّص منه، فما زلتُ أتبعه ـ وقد عُرضت على الموت ـ حتّى ورد بي على باب أبي الحسن موسى×، ثمّ خلاّني ومضى، فإذا خادمٌ بالباب، فقال لي: ادخُلْ رحمك الله. فدخلتُ فإذا أبو الحسن موسى×، فقال لي ابتداءً منه: إليَّ إليَّ، لا إلى المُرْجئة، ولا إلى القَدْريّة، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، ولا إلى الزيديّة، قلتُ: جُعلت فداك، مضى أبوك؟ قال: نعم، قلتُ: مضى موتاً؟ قال: نعم، قلتُ: فمَنْ لنا من بعده؟ قال: إنْ شاء الله أن يهديك هداك، قلتُ: جُعلت فداك، إنّ عبد الله أخاك يزعم أنّه الإمام بعد أبيه، فقال: عبد الله يريد أن لا يعبد الله، قال: قلت: جعلت فداك، فمَنْ لنا بعده؟ فقال: إنْ شاء الله أن يهديك هداك، قال: قلتُ: جعلت فداك، فأنتَ هو؟ قال: لا أقول ذلك. قال: فقلتُ: في نفسي: لم أُصِبْ طريق المسألة، ثمّ قلتُ له: جُعلتُ فداك، عليكَ إمام؟ قال: لا، قال: فدخلني شيءٌ لا يعلمه إلاّ الله إعظاماً له وهيبةً، ثمّ قلتُ: جُعلتُ فداك، أسألك كما كنتُ أسأل أباك؟ قال: سَلْ تُخبَر، ولا تُذِعْ، فإنْ أذعْتَ فهو الذبح، قال: فسألتُه، فإذا هو بحرٌ لا ينزف، قلت: جعلتُ فداك، شيعة أبيك ضُلاّل، فألقي إليهم هذا الأمر وأدعوهم إليك، فقد أخذتَ عليَّ الكتمان؟ قال: مَنْ آنسْتَ منهم رشداً فألْقِ إليه وخُذْ عليه بالكتمان، فإنْ أذاع فهو الذبح، وأشار بيده إلى حلقه. قال: فخرجتُ من عنده، ولقيتُ أبا جعفر الأحول، فقال لي: ما وراءك؟ قلت: الهُدى؟ وحدَّثْتُه بالقصّة. قال: ثمّ لقينا زرارة وأبا بصير، فدخلا عليه، وسمعا كلامه، وساءلاه، وقطعا عليه، ثمّ لقينا الناس أفواجاً، فكلّ مَنْ دخل عليه قطع عليه، إلاّ طائفة عمّار الساباطي، وبقي عبد الله لا يدخل إليه من الناس إلاّ القليل»([38]).

واللافت في هذا الخبر أنّه يحكي عن أنّ الحيرة والاضطراب قد وقعا لأشخاص يُحْسَبون اليوم في عداد أهمّ وأشهر أصحاب الأئمّة^.

4ـ رُوي عن عليّ بن يقطين أنّه قال: «لمّا كانت وفاة أبي عبد الله× قال الناس بعبد الله بن جعفر، واختلفوا، فقائلٌ قال به، وقائلٌ قال بأبي الحسن×، فدعا زرارة ابنه عبيداً فقال: يا بنيّ، الناس مختلفون في هذا الأمر: فمَنْ قال بعبد الله فإنّما ذهب إلى الخبر الذي جاء أنّ الإمامة في الكبير من ولد الإمام، فشُدَّ راحلتك وامْضِ إلى المدينة حتّى تأتيني بصحّة الأمر، فشَدّ راحلته ومضى إلى المدينة، واعتلّ زرارة، فلمّا حضرته الوفاة سأل عن عبيد، فقيل: إنّه لم يقدم، فدعا بالمصحف، فقال: اللّهم إنّي مصدّق بما جاء نبيّك محمّد| في ما أنزلته عليه، وبيّنته لنا على لسانه، وإنّي مصدِّقٌ بما أنزلته عليه في هذا الجامع [يعني القرآن الكريم]، وإنّ عقدي وديني الذي يأتيني به عبيد ابني وما بيَّنته في كتابك، فإن أمتَّني قبل هذا فهذه شهادتي على نفسي وإقراري بما يأتي به عبيد ابني، وأنت الشهيد عليَّ بذلك».

وقد روي خبر حيرة زرارة بطريقٍ آخر، عن عمّته، قالت: «لمّا وقع زرارة واشتدّ به، قال: ناوليني المصحف، فناولته وفتحته، فوضعه على صدره وأخذه منّي، ثمّ قال: يا عمّة، اشهدي أن ليس لي إمامٌ غير هذا الكتاب»([39]).

هذا. وفي فعله هذا روايةٌ أخرى مفادها أنّه إنّما أقدم عليه تقيّةً، ليستعلم من الإمام× أنّه هل لا تزال التقيّة واجبة عليه أم لا؟([40]).

إنّ تقيّة كلّ من الأئمّة^ من أعدائهم السياسيّين، وكذا من خصومهم من المتكلّمين، كانت تحتّم عليه في بعض الأحيان أن يدفع الأذى عنه وعن أصحابه بالإجابة بجوابين مختلفين، وهذا ـ في الوقت عينه ـ هو ما كان يتسبَّب في حيرة أصحابهم.

فمن ذلك ـ مثلاً ـ: ما روي في عمر بن رياح، الذي قيل: إنّه أوّلاً كان يقول بإمامة أبي جعفر×، ثمّ إنّه فارق هذا القول وخالف أصحابه مع عدّةٍ يسيرة بايعوه على ضلالته، فإنّه زعم أنّه سأل أبا جعفر× عن مسألةٍ، فأجابه فيها بجوابٍ، ثمّ عاد إليه في عامٍ آخر، وزعم أنّه سأله عن تلك المسألة بعينها، فأجابه فيها بخلاف الجواب الأوّل، فقال لأبي جعفر×: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة عامك الماضي، فذكر أنّه قال له: إنّ جوابنا خرج على وجه التقيّة، فشكَّ في أمره وإمامته([41]).

5ـ وفي رواية عن الفيض بن المختار: أنّه قال لأبي عبد الله×: «جُعلْتُ فداك، وما على إسماعيل أن لا يلزمك إذا كنْتَ أفضيْتَ إليه الأشياء من بعدك، كما أُفضِيَتْ إليك بعد أبيك؟ قال: فقال: يا فيض، إنّ إسماعيل ليس كأنا من أبي، قلتُ: جُعلت فداك، فقد كنّا لا نشكّ أنّ الرحال ستحطّ إليه من بعدك، وقد قلت فيه ما قلت، فإنْ كان ما نخاف ـ وأسأل الله العافية ـ فإلى مَنْ؟ قال: فأمسكَ عنّي». ثمّ جاء في تتمّة هذه الرواية أنّه× دلَّه على أبي الحسن موسى، قائلاً له: «هو صاحبك الذي سألْتَ عنه»([42]).

وورد عن إسحاق بن عمّار الصيرفي أنّه قال: «وصف إسماعيل بن عمّار أخي لأبي عبد الله× دينه واعتقاده، فقال: إنّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وأنّكم…، ووصفهم ـ يعني الأئمّة ـ واحداً واحداً، حتّى انتهى إلى أبي عبد الله×، ثمّ قال: وإسماعيل من بعدك؟ قال: أمّا إسماعيل فلا»([43]).

وورد في رواية أخرى عن الوليد بن صبيح قال: إنّ عبد الجليل حدَّثني بأنّك أوصيتَ إلى إسماعيل في حياته قبل موته بثلاث سنين، فقال×: يا وليد، لا والله، فإن كنْتُ فعلْتُ فإلى فلان، يعني أبا الحسن موسى×، وسمَّاه([44]).

وهذه الأخبار تحكي عن أنّ كثيراً من أصحاب الإمام الصادق× ـ في ذلك العصر الذي كان يتمتَّع إلى حدٍّ ما بقدرٍ من الحرّيّة النسبيّة ـ لم يكن لديهم علم أصلاً بخليفته، ومَنْ يكون الإمام من بعده.

6ـ وعن ابن الحجّاج قال: «سألتُ عبد الرحمن في السنة التي أُخذ فيها أبو الحسن الماضي× (يعني الإمام الكاظم×)، فقلت له: إنّ هذا الرجل (الإمام×) قد صار في يد هذا (هارون)، وما ندري إلى ما يصير، فهل بلغك عنه في أحدٍ من ولده شيءٌ؟ فقال لي: ما ظننتُ أنّ أحداً يسألني عن هذه المسألة، دخلت على جعفر بن محمّد’ في منزله، فإذا هو في بيت كذا من داره في مسجد له، وهو يدعو، وعلى يمينه موسى بن جعفر’ يؤمّن على دعائه، فقلت له: جعلني الله فداك، قد عرفْتَ انقطاعي إليك وخدمتي لك، فمَنْ وليّ الأمر من بعدك؟ قال: يا عبد الرحمن، إنّ موسى قد لبس الدرع واستوَتْ عليه، فقلتُ له: لا أحتاج بعدها إلى شيءٍ».

7ـ وعن المفضّل بن عمر قال: «كنتُ عند أبي عبد الله×، فدخل أبو إبراهيم× (الإمام الكاظم×) وهو غلامٌ، فقال: استوْصِ به، وضع أمره عند مَنْ تثق به من أصحابك». وفي حديثٍ آخر عن فيض بن المختار في حديثٍ طويل في أمر أبي الحسن موسى×، حتّى قال له أبو عبد الله×: «هو صاحبك الذي سألْتَ عنه، فقُمْ فأقِرَّ له بحقّه»، إلى أن قال له أبو عبد الله×: «أما إنّه لم يُؤْذَن لنا في أوّل منك»([45]).

8ـ رُوي أنّ أحد أصحاب الإمام الكاظم× قال له: «فأخبرني أنت بمثل ما أخبرني به أبوك×، فقال لي: نعم، إنّ أبي× كان في زمانٍ ليس هذا زمانه، فقلت له: فمَنْ يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله، قال: فضحك أبو إبراهيم ضحكاً شديداً، ثمّ قال: أخبرك يا أبا عمارة أنّي خرجت من منزلي فأوصيتُ إلى ابني فلان، وأشركت معه بَنِيَّ في الظاهر، وأوصيته في الباطن، فأفردْتُه وحده، ولو كان الأمر إليَّ لجعلته في القاسم ابني؛ لحبّي إياه ورأفتي عليه، ولكنّ ذلك إلى الله عزَّ وجلَّ، يجعله حيث يشاء، ولقد جاءني بخبره رسول الله| [في المنام]، ثمّ أرانيه وأراني مَنْ يكون معه، وكذلك لا يوصي إلى أحدٍ منا حتّى يأتي بخبره رسول الله| وجدّي عليّ صلوات الله عليه»([46]).

9ـ عن عليّ بن عمرو العطّار قال: «دخلْتُ على أبي الحسن العسكريّ× (الإمام الهادي)، وأبو جعفر ابنه (محمّد) في الأحياء، وأنا أظنّ أنّه هو، فقلتُ له: جُعِلْتُ فداك، مَنْ أخصّ من ولدك؟ فقال: لا تخصّوا أحداً حتّى يخرج إليكم أمري، قال: فكتبْتُ إليه بعد: في مَنْ يكون هذا الأمر؟ قال: فكتب إليَّ: في الكبير من ولدي…الخبر»([47]).

10ـ عن أبي جرير القمّي قال: «قلتُ لأبي الحسن×: جُعِلْتُ فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك ثمّ إليك، ثمّ حلفْتُ له: وحقِّ رسول الله| وحقِّ فلان وفلان حتّى انتهيْتُ إليه بأنّه لا يخرج منّي ما تخبرني به إلى أحدٍ من الناس، وسألتُه عن أبيه: أحيٌّ هو أو ميّت؟ فقال: قد والله مات، فقلتُ: جُعِلْتُ فداك، إنّ شيعتك يروون أنّ فيه سنّة أربعة أنبياء، قال: قد والله الذي لا إله إلاّ هو هلك، قُلْتُ: هلاك غَيْبة أو هلاك موت؟ قال: هلاك موت، فقلْتُ: لعلّك منّي في تقيّةٍ؟ فقال: سبحان الله، قُلْتُ: فأوصى إليك؟ قال: نعم، قُلْتُ: فأشركَ معك فيها أحداً؟ قال: لا، قُلْتُ: فعليك من إخوتك إمامٌ؟ قال: لا، قُلْتُ: فأنتَ الإمام؟ قال: نعم»([48]).

وكما لاحظنا في هذه الأحاديث ـ ونظائرها كثير ـ أنّها تشير بوضوحٍ إلى أنّ أشخاص الأئمّة وأعيانهم لم يكونوا معروفين بالنسبة إلى عددٍ من المبرَّزين من أصحاب الأئمّة^، وأنّ الأئمّة كانوا يتحاشون الكشف عن شخصيّاتهم أمام الملأ، حتى أنّهم كانوا يحثّون مَنْ ظهر له الأمر منهم على ضرورة إخفائه وستره.

 

ب ـ اختلافهم في صفات الإمام ــــــ

نقلنا في ما سبق عدداً من الشواهد التاريخيّة والروائيّة التي تحكي عن وجود مشاكل كان يعاني منها الأئمّة^ في مقام الإعلان والإبلاغ عن مقام الإمامة ومنزلتها وأسماء رجالاتها، وبالتالي عن اضطراب وتحيّر أصحابهم من الشيعة في تعيين الإمام الذي يرجعون إليه.

والجدير بالذكر هنا أنّ ما يظهر ـ وبوضوحٍ ـ لدى مطالعة الأخبار التاريخيّة والحديثيّة والرجاليّة هو أنّ هذا الاضطراب والتحيّر لم يكن مقصوراً على تعيين شخص الإمام واختيار مصاديق الإمامة، بل إنّه انعكس ـ أيضاً ـ على مبدأ العصمة عند الأئمّة^([49])، حيث اضطربوا لجهة ضرورة ثبوته ومجاله وحدوده، وكذلك على منشأ علمهم وحدوده وسعة دائرته([50])، بل حتّى على بعض الخصائص الظاهريّة والخارجيّة، من قبيل: السنّ، وهل يجب في الإمام أن يكون أكبر إخوته، إلى غير ذلك من الخصوصيّات والمواصفات.

وربما يمكن إرجاع الروايات الواردة عن أهل البيت^ في مجال شؤون الإمامة وخصائصها ووظائفها، وبالأخصّ تلك المرويّة عن الإمام الصادق×، إلى هذا النحو من الاختلافات بين الأصحاب.

وقد تقدّم في طيّات المباحث السابقة إشارة إلى بعض هذه الاختلافات، ولكن؛ ونظراً لما يتركه هذا الأمر من تأثير بارز على التصنيفات الفكريّة عند الشيعة، فلا نرى بُدّاً هنا من الإشارة إلى بعض أهمّ المحاور والمواضيع التي كان يقع بشأنها الخلاف والنزاع، وهما ـ برأينا ـ: العلم؛ والعصمة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ القول بتوفُّر هاتين الصفتين المذكورتين ـ أعني العلم، سواء كان علماً لدنيّاً أم علماً بالغيب، والعصمة، سواء كانت عصمة من الذنب فقط أم عصمة حتّى في مقام الفهم وبيان أحكام الشريعة ـ ووجودهما في الأئمّة الاثني عشر المنصوص عليهم يعدّ اليوم واحداً من أركان العقائد والمباني الكلاميّة التي ينادي بها التشيّع الإماميّ، بل قُلْ: إنّ هذا المبدأ استطاع في زماننا الحاليّ أن يتحوّل إلى الفكرة والشعار الرئيس الذي بات يطبع مدرسة التشيّع الاثني عشريّ، ويميّزها عن جميع ما سواها، بعد أن كان أصحاب الفرق الشيعيّة الأخرى لا يعتقدون بها، بل ـ وبحَسَب ما تشير إليه الشواهد الروائيّة والتاريخيّة ـ إنّ أصحاب الأئمّة وأتباعهم في الفقه والكلام، ممَّنْ كانوا يعتقدون بمبدأ النصّ والوصيّة، هم ـ أيضاً ـ لم يكونوا رأياً واحداً في ما يتعلّق بهذه الفكرة.

وإنّ عودةً سريعة إلى كتب الحديث والرجال كافيةٌ لكي نفهم جيّداً حقيقة ما كان يدور بين أصحاب الأئمّة في ذلك الزمان من الخلاف والنزاع، وأنّ آراءهم كانت مختلفة متفاوتة في ما يرتبط بمسألة الإمامة ومقام الأئمّة، فبين مَنْ يعدّهم بشراً عاديّين، وبين قائلٍ بأنّهم فوق البشر.

وهذا إنْ دلَّ على شيءٍ فإنّما يدلّ على أنّ نظرتهم إلى الأئمّة لم تكن هي نفس تلك النظرة الواحدة التي غلب الاعتقاد بها في العصور الأخيرة، بل كان بعض أصحاب الأئمّة^ يرجِّح رأيه الخاصّ ويختاره، حتّى ولو كان للإمام رأيٌ آخر([51])، بل إنّ كثيراً من الأسئلة التي كانوا يوجِّهونها إليهم^، في كثيرٍ من الموارد، لم تكن إلا لهدف اختبارهم ومعرفة أعلميّتهم.

نعم، كان لهذه الخلافات بين الأصحاب ـ حول مقام الأئمّة^ وشأنهم ـ أثرها وانعكاساتها عند بعض المعاصرين، حتّى أنّ بعضهم رأى فيها دليلاً على تكامل مذهب الشيعة الإماميّة على امتداد الزمان.

ولا يخفى أنّ البحث عن كيف كان الأئمّة^ يقدِّمون أنفسهم للناس؟ وهل يتوافق الفهم الشيعيّ المعاصر وينسجم مع آراء جميع أصحاب الأئمّة المعروفين أم لا؟ وكذلك استعراض وتصوير ما جرى بين علماء الشيعة الاثني عشريّة في العصور اللاحقة من خلافات في هذا الصدد، كلُّ ذلك يتطلّب مجالاً آخر لا يتَّسع له موضوع هذا الكتاب. وأمّا هنا فنكتفي باستعراض بعض الموارد التي تحكي واقع النزاع بين أصحاب الأئمّة في ما يرتبط بصفتَيْ العلم والعصمة.

 

أوّلاً: اختلافهم في حدود علم الإمام، وأنّه هل يعلم الغيب أم لا؟ ــــــ

في نظرةٍ إجماليّة يمكن لنا أن نقسّم الأصحاب على أساس آرائهم في علم الأئمّة^ بالغيب إلى فئتين رئيسيّتين، هما: المعتقدون؛ والمنكرون. ويمكن لكلٍّ من الفئتين إقامة شواهد وإثباتات تاريخيّة وحديثيّة تؤيِّد مدَّعاه.

ولكنّنا نكتفي في المقام باستعراض الشواهد التي تثبت وجود هاتين النظرتين. وأمّا دراسة هذه الأحاديث وتحليلها، وبيان كيفيّة ووجوه الجمع بينها، وكذا التعرّض بالنقد والتحليل للأحاديث التي تجعل الأئمّة^ عالمين بجميع الأمور([52])، وكذلك اختلاف المتكلِّمين الشيعة فيما بينهم، والذي هو ـ بدوره ـ ناجمٌ عن اختلاف في نفس الروايات والأخبار التاريخيّة([53])، فنحيل القارئ الكريم فيها إلى كتب أهل الفنّ والاختصاص([54]).

 

أـ شواهد اعتقاد الأصحاب بأنّهم^ يعلمون الغيب ــــــ

في حديث عن أبي عبد الله الصادق×، قال: «يا عجباً لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب! ما يعلم الغيب إلا الله عزَّ وجلَّ، لقد همَمْتُ بضرب جاريتي فلانة، فهربَتْ منّي، فما علمْتُ في أيِّ بيوت الدار هي»([55]).

والإمام× في هذا الحديث، وإنْ كان ينفي علمه بالغيب، إلا أنّ الحديث مع ذلك يبقى مؤشِّراً على وجود اعتقادٍ كهذا في ذلك الزمان.

وفي خبر عن أبي بصير قال: «قُلْتُ لأبي عبد الله×: إنّهم [يعني الغلاة] يقولون، قال: وما يقولون؟ قلتُ: يقولون: تَعْلم قطر المطر، وعدد النجوم، وورق الشجر، ووزن ما في البحر، وعدد التراب، فرفع يده إلى السماء وقال: سبحان الله، سبحان الله، لا واللهِ ما يعلم هذا إلاّ الله»([56]).

وفي حديثٍ آخر عن ابن المغيرة قال: «كنتُ عند أبي الحسن×، أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن×، فقال يحيى: جُعِلْتُ فداك، إنّهم يزعمون أنّك تعلم الغيب؟ فقال: سبحان الله، سبحان الله، ضَعْ يدك على رأسي، فوالله ما بقيت في جسدي شعرةٌ ولا في رأسي إلاّ قامت، قال: ثمّ قال: لا واللهِ، ما هي إلاّ وراثة عن رسول الله|»([57]).

ومثل هذا الاختلاف نجده في مسألة مدى علم الأئمّة^ بالشريعة، ومنشأ علومهم. فعلى سبيل المثال: ورد في رواية أنّ سديراً الصيرفيّ سأل جعفر بن محمّد× فقال له: « جُعِلْتُ فداك، إنّ شيعتكم اختلفت فيكم فأكثرت، حتّى قال بعضهم: إنّ الإمام يُنكت في أذنه، وقال آخرون: يوحى إليه، وقال آخرون: يُقْذَف في قلبه، وقال آخرون: يرى في منامه، وقال آخرون: إنّما يُفتي بكتب آبائه، فبأيِّ قولهم آخذ، جُعِلْتُ فداك؟ فقال: لا تأخذ بشيءٍ من قولهم. يا سدير، نحن حجّة الله وأمناؤه على خلقه، حلالُنا من كتاب الله، وحرامُنا منه»([58]).

 

ب ـ شواهد إنكار وتردُّد الأصحاب في علم أهل البيت^ بالغيب ــــــ

صحيحٌ أنّ هناك الكثير من الروايات الدالّة على أنّ لأهل البيت^ اطّلاعاً على الغيب يجعلهم عالمين بأحكام الشريعة وغيرها من المواضيع غير الدينيّة، بما فيها أخبار حوادث المستقبل، وأخبار ما كان في الماضي. وهذه الطائفة من الروايات ـ مع قطع النظر عن صحّتها أو عدم صحّتها، وعن نقد ودراسة أحوال رواتها ـ قد تمّ جمعها في المجامع الروائيّة عند الشيعة([59]). وهي ـ بظواهرها ـ تدلّ على ثبوت علمهم بالغيب، وشموليّته، بما لا يَدَع مجالاً للشكّ.

ولكنْ مع ذلك هناك الكثير من الشواهد التاريخيّة والروائيّة التي تحكي عن أنّ أصحاب الأئمّة^ كانوا ينكرون أو يشكِّكون في هذا المعتقد الكلاميّ، ما يجعلنا نشعر بأنّ بعض الفرضيّات الكلاميّة لا يمكن تطبيقها على بعض الروايات والنقولات التاريخيّة. ونشير هنا إلى بعض النماذج لهذه الحالة:

1ـ من جملة الشواهد التاريخيّة ما ورد من أنّ حجر بن عديّ& لمّا علم بعزم ابن ملجم على قتل أمير المؤمنين× خرج من المسجد مبادراً، ليمضي إليه×، فيخبره الخبر ويحذّره من القوم… فإنّ هذا الخبر يُشعر بأنّ هذا الصحابيّ الجليل، الذي عُرِف بوفائه الشديد للإمام×، كان يفترض مُسْبَقاً أنّ الإمام× لم يكن لديه اطّلاع على ما كان يُحاك له([60]).

وفي الخبر عن ميثم التمّار ـ وقد كان ممَّنْ يختصّه أمير المؤمنين× بسرِّه ـ أنّه لمّا أخبره الإمام× بخبر مقتله هو وحجر بن عديّ ومحمد بن أكثم، يقول هذا الصحابيّ الجليل، الذي يذوب عشقاً وإخلاصاً لعليّ×: «فشكَكْتُ في نفسي، وقُلْتُ: إنّ عليّاً ليُخبرنا بالغيب، فقُلْتُ له: أَوَكائنٌ ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إي وربِّ الكعبة، كذا عهده إليَّ النبيّ|…»([61]).

وما ورد من أنّ مسلم بن عقيل بعث بكتاب إلى أبي عبد الله الحسين× يحذِّره فيه من المجيء إلى الكوفة، أو أنّ عبد الله بن جعفر، زوج العقيلة زينب، وأحد المقرَّبين إلى الإمام الحسين×، وكذلك عبد الله بن عبّاس، والذي كان عالماً بتأويل القرآن، يبعث بكتابٍ إلى الإمام× يحذِّره فيه من النزول بكربلاء؛ مخافةَ قتله. كلّ ذلك من الشواهد الدالّة على أنّ هؤلاء جميعاً كان يتصوَّرون أنّ الإمام× لا خبر له بما سيجري عليه في مستقبل أيّامه.

2ـ وعن هشام بن الحكم أنّه قال: «قال لي أبو عبد الله×: ما فعل ابن الطيّار؟ قال: قُلْتُ: مات، قال: رحمه الله، ولقّاه نضرةً وسروراً، فقد كان شديد الخصومة عنّا أهل البيت»([62]). وليس المراد من الخصومة في قوله×: «شديد الخصومة» هو العداء فقط، بل يشمل النقاشات والمجادلات العلميّة أيضاً. ولكنْ لا يمكن اعتبار المنازعات والمجادلات الداخليّة بين أصحاب الأئمّة^ حول شؤون الأئمّة وصفاتهم من جملة الحالات الشائعة لهذا النزاع.

3ـ وورد في خبرٍ آخر أنّ الإمام الكاظم× أجاب عن سؤالٍ لأحد أصحابه في بعض المسائل الفقهيّة، فلمّا تناهى جوابه هذا إلى سمع أبي بصير، قال لذلك السائل: «أظنُّ صاحبنا [يعني الإمام الكاظم×] ما تكامل علمه [أو حكمه]»([63]).

ونسب الشيخ المفيد في كتابه «تصحيح اعتقادات الإماميّة» جماعةً من أهل قم (من الشيعة) إلى التقصير؛ لقول بعضهم بأنّ الأئمّة^ «كانوا يلتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون، ويدَّعون مع ذلك أنّهم من العلماء. وهذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه».

ولعلّ نقطة الانعطاف التاريخيّة في هذا الخلاف بدأَتْ بعد شهادة الإمام الرضا×، وإمامة ابنه حديث السنّ الإمام الجواد×. ويصوِّر النوبختي هذا النزاع الفكريّ الذي أدّى إلى تشعُّب الشيعة وانقسامهم إلى فرقٍ بالبيان التالي: «وكان سبب الفرقتين اللّتين ائتمَّتْ إحداهما بأحمد بن موسى، ورجعت الأخرى إلى القول بالوقف، أنّ أبا الحسن الرضا× توفّي وابنه محمّد ابن سبع سنين، فاستصبوه واستصغروه، وقالوا: لا يجوز أن يكون الإمام إلاّ بالغاً، ولو جاز أن يأمر الله عزَّ وجلَّ بطاعة غير بالغٍ لجاز أن يكلِّف الله غير بالغ، فإنّه كما لا يعقل أن يحتمل التكليف غيرُ بالغٍ فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس، دقيقه وجليله، وغامض الأحكام وشرائع الدين، وجميع ما أتى به النبيّ|، وما تحتاج إليه الأمّة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها، طفلٌ غير بالغ، ولو جاز أن يُفْهَم ذلك مَنْ قد نزل عن حدِّ البلوغ درجةً لجاز أن يفهم ذلك طفلٌ في المَهْد والخِرَق، وذلك غير معقول ولا مفهوم ولا متعارف. ثمّ إنّ الذين قالوا بإمامة أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى اختلفوا في كيفيّة علمه؛ لحداثة سنّه، وكانوا على ضربٍ من الاختلاف، فقال بعضهم لبعضٍ: الإمام لا يكون إلاّ عالماً، وأبو جعفر لم يكن قد بلغ، وأبوه قد توفِّي، فكيف عَلِم؟ ومن أين عَلِم؟».

وفي المقام يعرض النوبختيّ لنظريّتين مختلفتين، ويقول ـ بعد عرض النظريّة الأولى ـ: «وقال بعضهم: قبل البلوغ هو إمامٌ، على معنى أنّ الأمر له دون غيره إلى وقت البلوغ، فإنْ بلغ علم، لا من جهة الإلهام والنكْت، ولا المَلَك، ولا لشيءٍ من الوجوه التي ذكرتها الفرقة المتقدّمة؛ لأنّ الوحي منقطعٌ بعد النبيّ| بإجماع الأمّة، ولأنّ الإلهام إنّما هو أن يلحقك عند الخاطر والفكر معرفةٌ بشيءٍ كُنْتَ قد تقدَّمَتْ معرفتك به من الأمور النافعة، فذكرْتَه، وذلك لا يُعْلَم به الأحكام وشرائع الدين على كثرة اختلافها وعللها قبل أن يُوقف بالسمع منها على شيء؛ لأنّ أصحّ الناس فكراً، وأوضحهم خاطراً وعقلاً، وأحضرهم توفيقاً، لو فكَّر وهو لا يسمع بأنّ الظهر أربع، والمغرب ثلاث، والغداة ركعتان، ما استخرج ذلك بفكره، ولا عرفه بنظره، ولا استدلّ عليه بكمال عقله، ولا أدرك ذلك بحضور توفيقه، ولا لحقه علم ذلك من جهة التوفيق أبداً، ولا يُعْقَل أن يعلم ذلك إلاّ بالتوفيق والتعليم، فقد بطل أن يعلم شيئاً من ذلك بالإلهام والتوفيق. لكنْ نقول: إنّه علِم ذلك عند البلوغ من كتب أبيه، وما ورثه من العلم فيها، وما له فيها من الأصول والفروع.

وبعض هذه الفرقة تجيز القياس في الأحكام للإمام، خاصّةً على الأصول التي في يدَيْه؛ لأنّه معصوم من الخطأ والزلل، فلا يخطئ في القياس، وإنَّما صاروا إلى هذه المقالة لضيق الأمر عليهم في علم الإمام وكيفيّة تعليمه؛ إذ هو ليس ببالغٍ عندهم.

وقال بعضهم: الإمام يكون غير بالغ، ولو قلَّتْ سنّه؛ لأنّه حجّة الله، فقد يجوز أن يعلم وإنْ كان صبيّاً، ويجوز عليه الأسباب التي ذُكِرَتْ، من الإلهام والنكْت والرؤيا والمَلَك المحدِّث ورفع المنار والعمود وعرْض الأعمال، كلُّ ذلك جائزٌ عليه وفيه، كما جاز ذلك عن سلفه من حجج الله الماضين…» ([64]).

 

ثانياً: اختلاف الأصحاب حول عصمة الأئمّة^ ــــــ

وهذا الموضوع ـ أيضاً ـ كان أحد الموارد المهمّة التي كانت محوراً للنزاع بين أصحاب الأئمّة^.

يقول الشهيد الثاني& في كتابه (حقائق الإيمان): «فإنّ كثيراً منهم [يعني: الشيعة في عصر الأئمّة ومن رووا أخبارهم^] ما كانوا يعتقدون عصمتهم؛ لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنّهم علماء أبرار، يُعْرَف ذلك من تتبّع سيرهم وأحاديثهم. وفي كتاب أبي عمرو الكشّي& جملة مطلعة على ذلك»([65]).

وقال السيد مهدي بحر العلوم(1212هـ) في كتابه في الرجال، عند حديثه عن الفضل بن عبد الملك البقباق، ما نصّه: «وقد تضمّن جرأةً عظيمة من البقباق على الإمام×، حيث نسب إليه ما ينافي اعتقاد عصمته، ومن هذا ونحوه قيل: إنّ عصمة الإمام× لم تكن ضروريّةً عند السلف. وفيه نظرٌ، والصحيح خلاف ذلك»([66]).

ولكنّه عاد في موضع آخر من كتابه، ولدى حديثه عن ابن الجنيد، ليقول: «ما حكاه المفيد& عنه من نسبة الأئمّة^ إلى القول بالرأي…. ومن هذا يُعْلَم أنّ القول بالقياس ممّا لم ينفرد به ابن الجنيد من علمائنا، وأنّ له فيه سلفاً من الفضلاء الأعيان، كيونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وغيرهم، فلا يمكن عدّ بطلانه من ضروريّات المذهب في تلك الأزمان»([67]).

وقال أبو الحسن الأشعريّ في كتابه (مقالات الإسلاميّين): «واختلفت الروافض [الشيعة] في الرسول عليه الصلاة والسلام: هل يجوز عليه أن يعصي أم لا؟ وهم فرقتان. فالفرقة الأولى منهم يزعمون أنّ الرسول| جائزٌ عليه أن يعصي الله، وأنّ النبيّ[|] قد عصى الله في أخذ الفداء يوم بدر، فأمّا الأئمّة فلا يجوز عليهم ذلك؛ لأنّ الرسول إذا عصى فالوحي يأتيه من قِبَل الله، والأئمّة لا يُوحَى إليهم، ولا تهبط الملائكة عليهم، وهم معصومون، فلا يجوز عليهم أن يسهُوا، ولا يغلطوا، وإن جاز على الرسول العصيان، والقائل بهذا القول هشام بن الحكم.

والفرقة الثانية منهم يزعمون أنّه لا يجوز على الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يعصي الله عزَّ وجلَّ، ولا يجوز ذلك على الأئمّة؛ لأنّهم جميعاً حجج الله، وهم معصومون من الزلل…» ([68]).

وقال في موضعٍ آخر: «وحكى سليمان بن جرير الزيديّ أنّ فرقةً من الإماميّة تزعم أنّ الأمر بعد النبيّ| إلى عليّ بن أبي طالب… أنّهم لا يُثبتون العصمة لجماعة أهل البيت كما يُثبت أولئك، ولكنّهم يَرْجون ذلك لهم…»([69]).

وعلى أيّ حال يمكن استعراض عددٍ من الشواهد التي تنفع لفهم آراء أصحاب الأئمّة^ ورواة الأخبار عنهم، ومن كلا الفريقين ـ القائلين بالعصمة والنافين لها على حدٍّ سواء ـ([70]).

 

أـ شواهد قبولهم بثبوت العصمة للأئمّة^ ــــــ

روي عن الأصبغ بن نباتة أنّه كان يقول: «إنّكم [أهل البيت] بمنزلتهم، غير أنّكم لستم بأنبياء»([71]). وعن سلمان أنّه خطب فقال: «فإنّ عند عليٍّ× علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب على منهاج هارون… فعليكم بآل محمّد؛ فإنّهم القادة إلى الجنّة والدعاة إليها إلى يوم القيامة»([72]).

ونقل ما هو شبيهٌ بهذا الكلام عن أبي ذرّ، حيث قال: «فعليكم بكتاب الله والشيخ عليّ بن أبي طالب، فإنّي سمعْتُ رسول الله| وهو يقول: عليٌّ أوّل مَنْ آمن بي وصدّقني، وهو أوّل مَنْ يصافحني يوم القيامة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو الفارق بعدي، يفرق بين الحقّ والباطل… إنّما مثل أهل بيتي في هذه الأمّة مثل سفينة نوح في لجّة البحر…الخبر»([73]).

وقال قنبر في عليّ×: «أنا مولى صالح المؤمنين، ووارث النبيّين، وخير الوصيّين، وأكبر المسلمين، ويعسوب المؤمنين، ونور المجاهدين، ورئيس البكّائين، وزين العابدين، وسراج الماضين، وضوء القائمين، وأفضل القانتين، ولسان رسول ربّ العالمين، وأوّل المؤمنين من آل ياسين، المؤيَّد بجبريل الأمين، والمنصور بميكائيل المتين…»([74]).

وهذه الشواهد كلّها تحكي عن عصمة أهل البيت^ بشكلٍ عامّ، ولا سيَّما أمير المؤمنين×، وأنّهم^ فصل الخطاب. أضِفْ إلى ذلك أنّ هناك العديد من الروايات التاريخيّة والحديثيّة في باب اعتقاد أصحاب الأئمّة^ بكونهم مفترضي الطاعة، وتسليمهم التامّ لهم.

ويمكن أن يُشار في هذا المجال إلى شواهد عدّة تحكي قول محمّد بن أبي بكر بالعصمة في أمير المؤمنين×([75])، وقول أبي خالد الكابليّ بها في الإمام السجّاد×([76])، وكذلك حمران بن أعين ومؤمن الطاق في الباقر×([77])، وكلّ من زرارة بن أعين([78])، وهشام بن الحكم([79])، وحنان بن سدير([80])، وسليمان بن خالد([81]) البربريّ([82])، وخالد البجليّ([83])، ومنصور بن حازم([84])، والحسن بن زياد([85])، وعيسى بن السريّ([86])، وسعيد الأعرج([87])، وغيرهم([88])، في حقّ الإمام الصادق×، وصولاً إلى الإمام الهادي×.

وكان جابر بن يزيد الجعفيّ يقول: «حدَّثني وصيّ الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمّد بن عليّ×»، حتّى وصفه الناس لأجل ذلك باضطراب الحال([89]).

وكان المعلّى بن خنيس ـ أيضاً ـ يعدّ الأئمّة^ أمناء الله في أرضه([90]).

وينقل النجاشيّ عن أبان بن تغلب، وقد سأله «شابٌّ فقال: يا أبا سعيد، أخبرني كم شهد مع عليّ بن أبي طالب× من أصحاب النبيّ|؟ قال: فقال له أبان: كأنّك تريد أن تعرف فضل عليّ[×‏] بمَنْ تبعه من أصحاب رسول الله[|‏]؟ قال: فقال الرجل: هو ذاك. فقال: واللهِ ما عرفنا فضلهم إلاّ باتّباعهم إيّاه…. الشيعة الذين إذا اختلف الناس عن رسول الله| أخذوا بقول عليٍّ×، وإذا اختلف الناس عن عليّ أخذوا بقول جعفر بن محمّد×»([91]).

كما ورد في عددٍ من الأخبار ـ أيضاً ـ أنّ بعض أصحاب الأئمّة^ كانوا يعرضون عليهم دينهم ومعتقداتهم الكلاميّة([92])، وكانوا يقبلون ضمانتهم لهم بدخول الجنّة([93])، بل كانوا لا يتردَّدون في الأخذ بأخبار المغيَّبات منهم^([94]). وكلّ ذلك يحكي عن نوعٍ من العصمة كانوا يقولون بها للأئمّة^، ولا سيَّما في مجال فهم الشريعة وأحكامها.

ولكنْ، ومع كلّ تلك الشواهد، هناك شواهد أخرى ـ أيضاً ـ تحكي عن وجود تحفُّظاتٍ لدى بعض الأصحاب في هذا الموضوع، نعرض لها في ما يلي:

 

ب ـ شواهد عدم اعتنائهم بإثبات العصمة لهم^ ــــــ

بناءً على ما رواه الكشّيّ في رجاله فإنّ خزيمة بن ثابت لم يزَلْ يتردّد في القتال في صفّين حتّى قُتِل عمّار، فلمّا قُتِل عمّار سلَّ سيفه([95]). والمغزى الذي يريد هذا الكلام أن يوصله هو أنّ خزيمة كان يرى أنّ المعيار في معرفة وتشخيص جبهة الحقّ كان وجود عمّار فيها، وليس قيادة عليٍّ× لها.

وفي كلام عن ابن عبّاس أنّه قال: «فما بال هؤلاء القوم [يعني آل محمّد|] يفتخرون علينا، يقولون إنّهم أعلم منّا؟!»([96]). وهو ـ دون شكٍّ ـ يحكي عن ذلك الأمر أيضاً. وقال نعيم بن دجاجة لأمير المؤمنين×: «أما واللهِ، إنّ المقام معك لذلٌّ، وإنّ فراقك لكفرٌ»([97]). وقال سفيان بن ليلى الهمديّ ـ وكان من أصحاب الإمام الحسن المجتبى× ـ للإمام الحسن: «السلام عليك ما مذلَّ المؤمنين». وهي كلمات ـ ولا شكَّ ـ مهينةٌ في حقّ هذا الإمام المظلوم×([98]).

ورُوي عن زرارة أنّه قال: «رحم الله أبا جعفر، وأمّا جعفر فإنّ في قلبي عليه لفتة». ورُوي ـ أيضاً ـ أنّه قال: «وصاحبكم هذا [يعني الإمام الصادق×] ليس له بصيرةٌ بكلام الرجال». ونقل عنه أنّه عندما سمع جواب أبي عبد الله الصادق×، في مسألةٍ نقلها الحكم بين عُتيبة عن أبيه الباقر×، إذ قال×: «ما قال أبي هذا قطّ، كذب الحَكَم على أبي»، خرج وهو يقول: ما أرى الحَكَم كذب على أبيه([99]).

وكذلك نُسِب إلى أبي بصير قوله: «أظنّ صاحبنا [يعني الإمام الكاظم×] ما تكامل علمه»، أو أنّه كان يقول: «ما أظنّ صاحبنا تناهى حلمه بعد»، أو «أما إنّ صاحبكم لو ظفر بها [يعني الدنيا] لاستأثر بها»([100]).

وفي هذا المجال يمكن أن يُذكر ـ أيضاً ـ مخالفات الأصحاب للأئمّة^ في بعض الأفكار والمعتقدات الكلاميّة، كأبواب الجسمانيّة، والشيئيّة، ووجه الله، وقدرته. وكذلك يمكن التمثيل ـ أيضاً ـ بمخالفات كلٍّ من زرارة ومحمّد بن مسلم ومؤمن الطاق وهشام بن الحكم وهشام بن سالم وآخرين([101]).

ويمكن التمثيل أيضاً باختلافات الأصحاب فيما بينهم في بعض الأبواب الأخرى، والتي كانت تنتهي بالرجوع إلى الأئمّة^ وسؤالهم.

فعن الإمام الجواد× ـ وقد سُئِل عن الصلاة خلف أصحاب هشام بن الحكم ـ أنّه قال: «يأبى عليك عليّ بن حديد، قُلْتُ: فآخذ بقوله؟ قال: نعم»([102]).

وعن الإمام الصادق× أنّه قال: «ولكنّ حجر بن زائدة وعامر بن جذاعة أتياني فشتماه عندي، فقُلْتُ لهما: لا تفعلا؛ فإنّي أهواه، فلم يقبلا»([103]).

وفي السياق عينه، يمكن الإشارة ـ أيضاً ـ إلى اعتراض بعض الأصحاب على عمل الأئمّة. فقد اعترض البقباق على الإمام الصادق× قائلاً له: «قد واللهِ عاقبْتَ حريزاً بأعظم ممّا صنع»، وحريز هذا ـ طبقاً لما ينقل الكشي ـ نقل عنه يونس بن عبد الرحمن فقهاً كثيراً([104]).

وكذلك اعتراض عبّاد بن صهيب وسفيان الثوريّ على الإمام الصادق× على خلفيّة ارتداء الإمام× لباساً فاخراً([105]).

أو اعتراض أبي عون الأبرش وتعجُّب الفضل بن الحارث في خروج أبي محمّد الحسن العسكريّ× في جنازة أبيه وقد شقَّ قميصه([106]).

أو مخالفة الفضل بن شاذان لبعض أفعال الإمام الحسن العسكريّ× ووكلائه، حتّى قال الإمام× ـ في ما روى الكشّي ـ: «هذا الفضل بن شاذان ما لنا وله؟… كلّما كتبنا عليهم كتاباً اعترض علينا في ذلك…». كما نُقل عنه أنّه كان يمنع الناس من دفع الخمس والزكاة إلى وكيل الإمام×([107]).

ومع كلّ هذه الشواهد التي ذكرناها فإنّ مراجعة كتب الرجال تعطي أنّه وبالرغم من أنّ كثيراً من الأصحاب كانوا يخالفون الأئمّة^ في بعض المجالات، إلاّ أنّهم مع ذلك كانوا يتعاملون مع آراء الأئمّة وأقوالهم في مجال تفسير الشريعة، وبالأخصّ في المجال الفقهيّ، على أساس أنّها على جانب من العصمة. نعم، نظرة العصمة هذه إلى أقوالهم^ كانت بشكلٍ محدود إلى زمان الإمامين الباقر والصادق’. ولكنْ بعد الذي بيَّنه هذا الإمامان من خصائص الإمام ومقام الإمامة تغيّرت نظرة الأصحاب إلى أقوال الأئمة^، وتحوَّلت إلى نظرةٍ أخرى. ومن هنا كان أكثرهم بعد الإمام الرضا× قائلين بعصمتهم^.

والجدير بالذكر أنّ بعض الروايات التاريخيّة والروائيّة دلَّتْ على أنّ أمير المؤمنين×، هو نفسه، لم يكن يرى نفسه ـ في بعض الأمور ـ فوق أن يُخْطئ.

ولا يخفى أنّ نقد ودراسة هذه الأخبار، أو توجيهها والجمع بينها وبين سائر الروايات، وكذلك تطبيق بعض الفرضيّات الكلاميّة مع بعض الروايات التاريخيّة والروائيّة، خارجة عن عهدة مؤلِّف هذا الكتاب، وعن طاقته. وكما أشرنا في مستهلّ هذا الكتاب فهو ليس معدّاً إلاّ لتناول الروايات والنقولات التاريخيّة الواردة في جذور وقوع الاختلاف والانقسام بين الشيعة.

 

3ـ المنازعات الداخليّة بين الأصحاب، وموقف الأئمّة منها ــــــ

طبقاً لما نقله المؤرِّخون في علم معرفة الفرق فإنّ إطلاق بعض الألقاب على فرق الشيعة، نظير: الرافضة، والممطورة، والحماريّة، وكذلك توجيه الاتّهامات لبعض أصحاب الأئمّة^ بالتشبيه والتجسيم لله تعالى، إنّما بدأ على أيدي فرق الشيعة أنفسهم. وقد أشَرْنا في محلّه إلى الدور البارز والمصيريّ الذي لعبته المنافسات والخصومات السياسيّة، وتدخّلات الحكّام في العصرين الأمويّ والعبّاسيّ، في إيجاد وبلورة الخلاف الداخليّ الشيعيّ. ومن الطبيعيّ جدّاً، في فرقةٍ تعيش في أجواء من الخوف والتقيّة والسجن والقتل والفرار، ولا تتمكَّن من الاتّصال بقياداتها، إلاّ بعد دفع ضريبةٍ مرتفعة من الدماء، من الطبيعيّ جدّاً في ظلّ هذه الأجواء العصيبة أن يكون انقسامهم وتشعّبهم واختلافهم بدرجةٍ أكبر. نعم، لا ينبغي لنا أن نرجع كافّة الاختلافات الداخليّة والنزاعات الشديدة التي كانت تحدث بين أصحاب الأئمّة^ وفي داخل الفرق الشيعيّة إلى عوامل خارجيّة. فقد نقل النوبختيّ ـ أحد أشهر المؤلّفين في الفرق من الشيعة ـ أنّ كلّ واحدةٍ من فرق الشيعة المختلفة، أو من الفرق المنسوبة إلى الشيعة، كانت تعدّ الفرق الشيعيّة الأخرى المخالفة لها ـ أيضاً ـ فرقاً كافرة ومشركةً ومهدورة الدم، بل كانت تفتي ـ أحياناً ـ بوجوب اغتيال أتباعها، وخنقهم، ومصادرة أموالهم([108]).

وعلى هذا الأساس ليس غريباً أن يقول الشهرستانيّ: «بين الأخباريّة منهم والكلاميّة سيفٌ وتكفير، وكذلك بين التفضيليّة والوعيديّة قتالٌ وتضليل»([109]).

ونشير هنا إلى جانبٍ من هذه الخلافات التاريخيّة، مع ذكر مصادرها، على لسان أحد الباحثين، يقول: «أدّت الخلافات المذهبيّة حول المسائل الكلاميّة إلى ظهور الفرق والمجموعات المختلفة، كما أفضَتْ إلى احتدام الأبحاث الحادّة بين أصحاب الأئمّة^([110]). وقد كان لكلّ واحد من كبار أصحاب الأئمّة^ فرقته الخاصّة والمستقلّة([111])، ووجدنا أحياناً أنّ كلّ واحدة من هذه الفرق كانت تكفِّر الفرق الأُخرى([112])، كما ألّف أتباع كلٍّ منها كتباً تحيَّزوا فيها لآرائهم، ودافعوا عنها، وردّوا على آراء وأفكار الفرق الأخرى([113]). والغريب أن نجد ـ أحياناً ـ أبناء الفرقة الواحدة يختلفون في كافّة الأصول الفكريّة، باستثناء القبول بإمامة الأئمّة^ وقيادتهم وثبوت الرئاسة الدينيّة لهم([114]). وإثْرَ ذلك اشتغل كثيرٌ من الشيعة ممَّنْ أحاطوا بالأئمّة^ بسماع الأخبار منهم، ونقلها عنهم، نائين بأنفسهم عن المناقشات والمناظرات الكلاميّة، ولم تكُنْ نظرتهم إلى متكلِّمي الشيعة نظرةً إيجابيّة([115]). وكان المتكلّمون الذين امتدحهم الأئمّة^ وشجَّعوهم على المضيّ في مناظراتهم الكلاميّة يعانون من هؤلاء، فكان الأئمّة^ يصبِّرونهم ويخفِّفون عنهم([116]). وكانوا يحثّونهم على الرفق بهم؛ لأنّ كلامهم يدقّ عليهم ويخفى عنهم([117]). وكان المحدّثون من أهل قم يتشدَّدون في حقّ المتكلِّمين([118]). وكان بعضهم يضع الكثير من الروايات في الذمّ والطعن على المتكلِّمين وعلماء الكلام، وينسبونها إلى الأئمّة^([119])، كما دوَّنوا كتباً في هذا المجال([120]). ومن ناحيةٍ أخرى كان الأئمّة^ يحيلون شيعتهم ويرجعونهم إلى هؤلاء المتكلِّمين وكتبهم([121])، بل كانوا يحثُّون القمِّيّين أيضاً على احترام هؤلاء المتكلِّمين ومحبّتهم، بالرغم ممّا كان من العداوة التي كان يكنّها لهم محدِّثوهم»([122]).

وقد ورد في الخبر عن الإمام أبي الحسن الرضا×، عن سليمان بن جعفر الجعفريّ، قال: «سألْتُ أبا الحسن الرضا× عن هشام بن الحكم؟ قال: فقال لي: رحمه الله، كان عبداً ناصحاً، أُوذي من قِبَل أصحابه؛ حَسَداً منهم له»([123]).

وعنه× في موضعٍ آخر أنّه طيَّب خاطر جمعٍ ممَّنْ عُرِفوا بحبِّهم ليونس، إزاء تكفير بعض الأصحاب لهم، وأخبرهم بأنّهم من الناجين([124]).

ونلاحظ هنا أنّ الإمام الرضا× لا يرى انفصال يونس وهشام عنه، ولا يعدّ آراءهما مخالفةً لتعاليم أهل البيت^. ولكنْ يبدو أنّ بعض أصحاب هذا الإمام المعصوم× كان لهم مع هشام تصرُّف آخر مغاير تماماً.

فقد ورد أنّه «اجتمع ابن سالم (هشام) وهشام بن الحكم وجميل بن درّاج وعبد الرحمن بن الحجّاج ومحمد بن حمران وسعيد بن غزوان ونحو من خمسة عشر من أصحابنا، فسألوا هشام بن الحكم أن يناظر هشام بن سالم في ما اختلفوا فيه من التوحيد وصفة الله عزَّ وجلَّ، وعن غير ذلك، لينظروا أيّهما أقوى حجّةً، فرضي هشام بن سالم أن يتكلَّم عند محمد ابن عمير، ورضي هشام بن الحكم أن يتكلّم عند محمد بن هشام، فتكالما، وساقا ما جرى بينهما. وقال: قال عبد الرحمن بن الحجّاج لهشام بن الحكم: كفرْتَ ـ واللهِ ـ بالله العظيم وألحَدْتَ فيه، ويحك! ما قدرت أن تشبِّه كلام ربّك إلاّ العود يُضْرَب به؟!»([125]).

ومع أنّه لا بُعْد في أن يُقال بأنّ بعض هذه الخلافات يشكّل حصيلةً لحالة التنوّع والتعدّديّة الفكريّة التي تعمَّد الأئمّة^ إيجادها وإرساءها بين الأصحاب من خلال ترك المجال لهم لاختيار آرائهم بحرّيّة تامّة، ومن خلال القول باجتهادهم ورشدهم الفكريّ وإحالة الناس عليهم، إلاّ أنّه من الواضح أنّ بعض تصرّفاتهم لم تقع في موقع الرضا والقبول منهم^؛ وذلك نظراً لما جرّته على الشيعة من تداعيات مضرّة، وبالأخصّ تلك النزاعات التي كانت توجب التطاول من المخالفين لأهل البيت وشيعتهم عليهم، بل كانوا على الدوام ينصحون أصحابهم بالقول: «كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً».

نعم، لو صحَّتْ هذه الروايات، وأنّ أصحاب الأئمّة^ كانوا ـ ولأدنى الأسباب ـ يتَّهمون الطرف المقابل لهم بالخروج عن الدين، لما كان غريباً أن يعمد المؤرِّخون ونقلة الأخبار من غير الشيعة، وبعد اطّلاعهم على كلّ هذه الخلافات ـ والتي استطاع أئمّتنا^ بحكمتهم وذكائهم أن يرفعوا معظمها ـ، أن يعمدوا إلى تضخيمها والمبالغة في تصويرها، وصولاً إلى نسبة بعض الفرق إلى الشيعة، كالزراريّة والهشاميّة والنعمانيّة [وبتعبيرهم الشيطانيّة].

 

4ـ دعاوى المهدويّة، والرجعة، وعدم الموت، في حقّ الأئمّة ــــــ

يعدّ موضوع المهدويّة، بمعنى ظهور وقيام رجلٍ من ذرّيّة النبيّ| اسمه «المهديّ»، من المواضيع القديمة العهد، والتي كان ظهورها على الساحة الإسلاميّة في مرحلةٍ سابقة على تشكُّل الفرق الشيعيّة([126]). وينشأ هذا الاعتقاد ـ الذي عمّ الإيمان به معظم الفرق الإسلاميّة ـ من أحاديث كثيرة واردة عن النبيّ الأعظم| في باب ظهور المهديّ الموعود. كما ورد عن أئمّة أهل البيت^، في الفترة الزمنيّة الممتدّة التي عاشوا فيها، أخبارٌ كثيرة تعرّضوا فيها لبيان مواصفات وخصائص زمان الظهور، فأوضحوا بذلك كثيراً من الجوانب المرتبطة بهذا الموضوع.

غير أنّ هذا الوضوح لم يصِلْ إلى الحدّ الذي يقطع الطريق ويسدّ الأبواب في وجه أيِّ افتراء وادّعاء، ما جعل الخلاف حول تعيين مصداق المهديّ الموعود خلافاً قديماً جدّاً، بدأ منذ القرون الأولى، وتتابع واستمرّ حتى العصور اللاحقة. فكان كثيرٌ من الأشخاص على مرّ التاريخ، وفي سياق الترويج لأنفسهم، يدَّعون المهدويّة لهم، بمناسبةٍ وغير مناسبة، وكان بعضُهم ـ أيضاً ـ يدَّعيها لأفرادٍ من أهل البيت^.

ومن أهمّ مواصفات هذا الإمام المنجي وأهدافه البارزة، والمتَّفق عليها، والتي ورد ذكرها في الأحاديث النبويّة، وتعرَّض الأئمّة^ لبيانها وتفصيلها: القيام وتشكيل الدولة الإسلاميّة، وتخليص الناس من ظلم الظالمين وجورهم.

وعلى العموم فإنّ البحث عن دعاوى المهدويّة المطروحة وتحليلها أمرٌ خارج عن سياق أهداف هذا الكتاب.

إلا أنّه، وبالرجوع إلى الدراسات التاريخيّة التي تحكي عن ظهور بعض المدّعين للمهدويّة، وأيضاً عن إقبال بعض الناس عليهم، في أواخر القرن الأوّل، يتّضح لنا أنّ هذا الفكر، وهذا الانتظار، قد استطاع أن يَثبت وأن يكرِّس نفسه في الأذهان منذ ذلك الزمن.

ومن هنا، ومع وجود هذه الذهنيّة، كان الشيعة، أكثر من غيرهم، يعيشون ـ في كلّ زمان ـ حالة الأمل والانتظار لأن يكون خروج وقيام المهديّ الموعود والقائم المنتظر# من آل محمّد| في حياتهم، وفي الزمان الذي يعيشون فيه؛ ليخلّصهم من أنواع الشدائد والتضييق والضغوطات السياسيّة التي كانت تُمارَس عليهم، وليقضي على الأنظمة والحكومات الفاسدة التي كانت تسومهم سوء العذاب.

ولا نرتاب هنا في أنّ كثيراً من دعاوى المهدويّة التي شاهدناها على مرّ التاريخ كانت تخفي في سريرتها أهدافاً وأغراضاً شخصيّةً وماديّةً، ويطمح أصحابها إلى الوصول من خلالها إلى مناصب أو مكتسبات سياسيّة، إلاّ أنّه لا يسعنا أن ننكر ـ أيضاً ـ أنّ ما يقف وراء كثيرٍ منها إنّما هو هذا التيّار الهادر المشتاق إلى وجود المهديّ، على خلفيّة طلبهم الحثيث للنجاة من ضنك الأزمات التي كانوا يعيشونها، ما كان يحرِّكهم نحو تطبيق هذا العنوان بغير علمٍ على أشخاص مختلفين.

ويمكن لنا أن نبرّئ كثيراً من الدعاوى ـ الجاهلة وغير الواعية ـ التي أثبتت المهدويّة للأئمّة^ أو لآخرين من ذرّيّة النبيّ| وأن ننزِّهها من أنفاس التحامل والنوايا السيّئة. وكانت ذهنيّة الانتظار هذه هي ما يدفع ببعضهم، بعد وفاة أيّ إمام، إلى إنكار موته وعدم التصديق به؛ لأنّ على القائم ـ في عرفهم ـ أن يتمّ رسالته قبل موته، ما يعني أنّه لا يموت قبل أن يملأ الأرض قسطاً وعَدْلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً. فكان هؤلاء ـ إثر ذلك ـ بين مَنْ ينكر موت ذلك الإمام، وبين مَنْ يقول بأنّه ـ على الأقلّ ـ سيرجع بعد موته إلى هذه الدنيا؛ ليتمَّ وظيفته، وهي القيام بالسيف.

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنّ دعاوى المهدويّة في حقّ أفراد من ذرّيّة النبيّ|، وأهمُّ من ذلك تطبيق عنوان «القائم» على كلّ واحدٍ من أئمّة أهل البيت^، وما كان يتبع ذلك من إنكار موتهم، أو الاعتقاد برجعتهم، هي ـ بشكلٍ عامّ ـ إمّا ناشئة من الضغوطات السياسيّة التي كانت تُمارَس عليهم، وإمّا من توقّعات وملاحظات سياسيّة معيَّنة حتّمت عليهم ذلك، وأحياناً من أصول كلاميّة مفروضة تسالموا عليها. وبإجراء دراسةٍ في تاريخ بعض الفرق، من قبيل: السبئيّة والكيسانيّة والناووسيّة والإسماعيليّة والواقفيّة، وبعض تشعُّبات العلويّين في عصر أهل البيت^، يتّضح لنا أنّ أوّل ما ادَّعته تلك الفرق، والنقاط المفصليّة التي أدَّتْ إلى ظهورها، كان عبارة عن هذه العقيدة المشار إليها([127]).

وإنّ نظرةً إلى ما ذكره النوبختيّ والأشعريّ في كتابَيْهما: فرق الشيعة، والمقالات والفرق، وكذلك الأخبار المتفرِّقة التي ذكرها الكشّي في كتاب الرجال، حول ظهور الفرق الشيعيّة ومعتقداتها، كلُّ ذلك يشير بوضوحٍ إلى ما ذكرناه.

ونغضّ الطرف هنا عن الأخبار المنسوبة إلى ابن سبأ، وكذا عن دعاوى مؤسِّسي الكيسانيّة، أو دعوى المهدويّة في محمّد بن الحنفيّة. ونوجِّه دفّة البحث نحو التعرّف ـ إجمالاً وبشكلٍ عامّ ـ على هذه الدعاوى.

فبناءً على ما ذكره النوبختيّ أنّه بعد وفاة الإمام أبي جعفر الباقر× قالت فرقةٌ بإمامة محمّد النفس الزكيّة، وزعموا أنّه القائم المهديّ، وذهبت فرقة أخرى إلى الاعتقاد بمهدويّة الإمام× نفسه([128]).

وفي خبرٍ عن أبي جعفر الباقر× يقول له الراوي: إنّ شيعتك بالعراق كثيرة، والله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج؟ فقال له الإمام×: «…إي واللهِ، ما أنا بصاحبكم [يعني المهديّ]» ([129]).

ولمّا توفّي أبو عبد الله جعفر بن محمّد× قالت فرقة بأنّ جعفر بن محمّد حيّ، لم يمت ولا يموت، حتّى يظهر ويلي أمر الناس، وهو القائم المهديّ. واستندوا في ذلك إلى روايات زعموها([130]).

وقد ذُكِر في سبب ذلك ـ أيضاً ـ علّة أخرى، وهي أنّه مع بدء إمامته× انتفض جمعٌ كبير ضدّ الحكومة الجائرة لبني أميّة، وكان المجتمع الإسلاميّ ـ آنذاك ـ في انتظار ثورة عظيمة عارمة، وحيث إنّ الإمام الصادق× في ذلك الزمان كان ـ بحسب اعتقاد جميع الشيعة ـ أهمّ وأبرز مَنْ بقي من ذرّيّة النبيّ|([131])، فقد كان الجميع في انتظار أن يبادر هو× للقيام بهم لأخذ الحكم، وأن يُقدم على ما يخوِّله الاضطلاع بدوره السياسيّ([132]). وفي ظلّ هذه الأجواء كان من الطبيعيّ بالنسبة إلى بعضهم ـ مهما بلغوا من القلّة، وإلى حدّ أن لا يُعْبَأ بهم ـ، ممَّنْ لا معرفة لهم بالإمام ووظائفه، أو ممَّنْ كانوا يعيشون مع أوهامهم وتخيُّلاتهم، كان من الطبيعيّ أن يدَّعي هؤلاء بعد وفاة الإمام× أنّه لم يمت ولا يموت، وأنّهم بانتظار ظهوره مجدَّداً، وأنّه هو القائم المهديّ.

وبعد شهادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم× اتَّضحت نتيجة هذا الفكر أكثر فأكثر، حيث كان سبباً لظهور فرقة باسم «الواقفيّة».

وبعد وفاة الأئمّة الثلاثة الذين أتَوْا بعد الإمام الكاظم× لا نشاهد ظهوراً لمثل هذا الادّعاء في حقِّهم، كما كان في حقّ مَنْ سبقهم من الأئمّة^. ولكنْ طبقاً لبعض الأخبار فإنّه بعد وفاة الإمام الهادي× قالت فرقةٌ من أصحابه بإمامة ابنه محمّد، وقد كان توفّي في حياة أبيه بسُرَّ مَنْ رأى، وزعموا أنّه حيٌّ لم يمت، واعتلّوا في ذلك بأنّ أباه أشار عليهم وأعلمهم أنّه الإمام من بعده، والإمام لا يجوز عليه الكذب، ولا يجوز البداء فيه، فهو وإنْ كانت ظهرت وفاته في حياة أبيه فإنّه لم يمت في الحقيقة، ولكنَّ أباه خاف عليه فغيَّبه([133]).

وبعد وفاة الإمام الحسن العسكريّ قالت فرقتان ـ أيضاً ـ بمثل هذا القول، فادَّعت إحداهما أنّ الحسن بن عليّ× لم يمت، وإنّما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت الإمام ولا ولد له ولا خلف معروف ظاهر؛ لأنّ الأرض لا تخلو من إمامٍ. وقالت الفرقة الثانية: إنّ الحسن بن عليّ× مات، وعاش بعد موته، وهو القائمُ المهديّ.

 

الهوامش

(*) أستاذٌ مساعد في جامعة الأديان والمذاهب.

([1]) ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار هنا هو أنّ الشعار الذي رفعه زيد كان نفس شعار النبيّ|، وهو «يا منصور أمِتْ»، انظر: نعمة الله صفري فروشاني، نقش تقيه در استنباط (دور التقيّة في الاستنباط): 246. ويؤيِّد ما ذكرناه من عموم ثورته وعدم اختصاصها بالشيعة والعلويّين ما نقله التاريخ من مشاركة عدد من فقهاء أهل السنّة وعلمائهم في هذه الحركة، وانضمام أتباع عدد من الفرق، كالمعتزلة والمرجئة، بل وحتّى الخوارج، إليها. وراجع لتفصيل ذلك: رسول جعفريان، تاريخ سياسي إسلام (التاريخ السياسي للإسلام) 2: 68، فما بعدها.

([2]) محمد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار 1: 349؛ رجال الكشّي: 427؛ الصفّار، بصائر الدرجات: 66.

([3]) النوبختي، فرق الشيعة: 62. وانظر في مخالفة النفس الزكيّة والمنازعات بينه وبين الإمام الصادق×: الكلينيّ، أصول الكافي: 1: 358؛ 2: 155؛ 3: 507؛ 8: 363 ـ 364؛ الصفّار، بصائر الدرجات: 156، 160؛ والإربلي ، كشف الغمّة 2: 383 ـ 386.

([4]) الإربلي، كشف الغمّة 2: 382 ـ 385. وقد نقل الكليني في أصول الكافي كلاماً جرى بين صاحب هذا القيام وبين الإمام الصادق×، أجِدُ من المناسب نقله في المقام، قال: «فظهر محمد بن عبد الله عند ذلك، ودعا الناس إلى بيعته، قال: فكنتُ ثالث ثلاثة بايعوه، واستونق الناس لبيعته، ولم يختلف عليه قرشيّ ولا أنصاريّ ولا عربيّ… قال: فواللهِ ما لبثنا أن أُتي بأبي عبد الله×، حتى أُوقف بين يديه، فقال له عيسى بن زيد: أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فقال له أبو عبد الله: أحدثت نبوّة بعد محمد|؟ (كان النبيّ| يكتب في رسائله إلى سلاطين الكفر: أَسْلِمْ تَسْلَمْ) فقال له محمد: لا، ولكن بايع تأمن على نفسك ومالك وولدك، ولا تكلّفنّ حرباً، فقال له أبو عبد الله×: ما فيّ حرب ولا قتال، ولقد تقدّمتُ إلى أبيك وحذّرته الذي حاق به، ولكنْ لا ينفع حذرٌ من قدر. يا بن أخي، عليك بالشباب، ودَعْ عنك الشيوخ، فقال له محمّد: ما أقرب بيني وبينك في السنّ، فقال له أبو عبد الله×: إنّي لم أعازك ولم أجئ لأتقدَّم عليك في الذي أنت فيه، فقال له محمد: لا واللهِ، لا بُدَّ من أن تبايع، فقال له أبو عبد الله×: ما فيّ ـ يا بن أخي ـ طلب ولا حرب، وإنّي لأريد الخروج إلى البادية فيصدَّني ذلك، ويثقل عليّ، حتّى تكلّمني في ذلك الأهل غير مرّة، ولا يمنعني منه إلاّ الضعف، والله والرحم أن تدبر عنّا ونشقى بك، فقال له: يا أبا عبد الله، قد واللهِ مات أبو الدوانيق ـ يعني أبا جعفر ـ، فقال له أبو عبد الله×: وما تصنع بي وقد مات؟ قال: أريد الجمال بك، قال: ما إلى ما تريد سبيلٌ، لا والله، ما مات أبو الدوانيق إلاّ أن يكون مات موت النوم، قال: واللهِ، لتبايعني طائعاً أو مكرهاً، ولا تحمد في بيعتك، فأبى عليه إباءً شديداً، وأمر إلى الحبس…»، (الكافي 1: 358 ـ 366، كتاب الحجّة).

([5]) الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة 2: 32.

([6]) ابن الطقطقيّ، الفخري: 304؛ عزيز الله العطاردي، مسند الإمام الكاظم 1: 115، 127. وقد ورد في خبرٍ آخر حديث عن تجسّس أحد علماء الزيديّة على أحد العلويّين، راجع: جاسم حسين، التاريخ السياسيّ لغيبة الإمام الثاني عشر: 70.

([7]) انظر: المجلسيّ، بحار الانوار 37: 34. وبعد أن بيَّن آراء الزيديّة ومعتقداتهم، ونقل بعض الأحاديث الواردة في ذمّهم، كتب العلامة المجلسيّ& يقول: «كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالّة على كفر الزيديّة». ولكنّه& اكتفى هناك بنقل ثلاثةٍ فقط من هذه الأخبار والروايات. وللاطّلاع على كيفيّة تعامل معظم أهل البيت^، ولا سيَّما الإمام الصادق×، مع الزيديّة انظر: رجال الكشي، تحت أرقام 409 ـ 412، 804، 873، 874. وللوقوف على احتجاج أصحاب الأئمّة^ عليهم انظر: المصدر نفسه، تحت أرقام 418، 420، 774. وفي ما يتعلّق بشدّة تعامل الإمام الصادق× مع بعض الزيديّة انظر: المصدر نفسه. تحت رقم 804. وراجع في منع الأئمّة^ عن الاتّصال بالزيديّة: المصدر نفسه، تحت رقم 649. وقد أورد الكليني في المجلّد الأوّل من كتابه أصول الكافي، في كتاب الحجّة، باباً بعنوان «باب في مَنْ عرف الحقّ من أهل البيت ومَنْ أنكر»، وقد أورد فيه بعض الروايات التي تضمَّنت أنّ عذاب الجاحد منهم لأهل البيت^ أشدّ وأكبر من عذاب الجاحدين من غيرهم. وورد في كتاب الغيبة للنعماني رواية عن الأئمّة^ جاء فيها أنّ مَنْ زعم أنّه إمام وليس بإمام فهو في النار، وإنْ كان علويّاً فاطميّاً. ونقل في هذا الكتاب ـ أيضاً ـ قول الإمام الصادق×: «مَنْ خرج يدعو الناس وفيهم مَنْ هو أفضل منه فهو ضالٌّ مبتدع، ومَنْ ادَّعى الإمامة من الله وليس بإمامٍ فهو كافر». كما ورد في بعض الروايات عنهم^ قال الراوي: «قلتُ لأبي عبد الله×: رجل يتوالى عليّاً× ويتبرّأ من عدوّه، ويقول كلّ شيء يقول، إلاّ أنّه يقول: إنّهم قد اختلفوا بينهم، وهم الأئمّة القادة، فلست أدري أيّهم الإمام، فإذا اجتمعوا على رجل أخذتُ بقوله، وقد عرفْتُ أنّ الأمر فيهم. قال×: إنْ مات هذا على ذلك مات ميتةً جاهليّة». (المصدر نفسه: 84 ـ 85).

([8]) للتعرّف على هذه الادّعاءات راجع: رجال الكشّي، برقم 430، 788.

([9]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ 3: 568. وراجع ـ أيضاً ـ خطبة أبيه في: أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: 224.

([10]) ورد في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد شاهدٌ على ذلك، قال&: «روى معاوية بن وهب عن سعيد السمّان قال: كنتُ عند أبي عبد الله×، إذ دخل عليه رجلان من الزيديّة، فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال: فقال: لا، قال: فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنّك تقول به ـ وسمّوا قوماً ـ وقالوا: هم أصحاب ورع وتشمير، وهم ممَّنْ لا يكذب (أي فلا يجوز نسبة الكذب إليهم)، فغضب أبو عبد الله× وقال: ما أمرتهم بهذا، فلمّا رأيا الغضب في وجهه خرجا، فقال لي: أتعرف هذين، قلت: نعم، هما من أهل سوقنا، وهما من الزيديّة، وهما يزعمان أنّ سيف رسول الله| عند عبد الله بن الحسن بن الحسن (الذي كان معروفاً باسم عبد الله المحض)، فقال: كذبا، لعنهما الله، واللهِ ما رآه عبد الله بن الحسن بعينَيْه، ولا بواحدةٍ من عينَيْه، ولا رآه أبوه، اللّهمّ إلاّ أن يكون رآه عند عليّ بن الحسين’، فإنْ كانا صادقين، فما علامة في مقبضه؟ وما أثر في مضربه؟ فإنّ عندي لسيف رسول الله|…». (الإرشاد، للمفيد 2: 187).

([11]) لاحظ الشواهد التي تحكي اعتراضات هؤلاء على أخذ الأئمّة^ للحقوق الواجبة، في كتاب الإشهاد، لأبي زيد العلوي. وأيضاً: رسالة الردّ على الروافض من أهل الغلوّ، للإمام القاسم الرسي.

([12]) ممّا يجدر ذكره هنا أنّ هذا الكتاب، على تقدير صحّة نسبته إلى مؤلِّفه، جرى تأليفه في زمانٍ كان الشيعة الإماميّة فيه أمام صغر السنّ في بعض أئمّتهم^، وهو ما تحوّل عند بعض الشيعة إلى معضلة وإشكال. ولا شكَّ في أنّ مثل هذه المسألة كان من شأنها أن تتحوّل إلى موضوع مناسب بالنسبة إلى خصوم الشيعة ومخالفيهم في الفكر؛ للتطاول وتوجيه السهام إليهم، ولا سيَّما بالنظر إلى عدم إدراك عوامّ الناس حقيقة مقام الإمامة الإلهيّة، والمراد الواقعيّ منها.

والمشكلة الأخرى التي واجهت الأئمّة^ لاحقاً، وفي عصر الإمام الرضا×، والتي لم يلتفت إليها كثيرٌ من الناس ـ على ما احتمله هذا الكاتب نفسه ـ تتمثّل في الأئمّة^ كانوا كثيراً ما يقعون تحت وطأة ضغوط ملوك العبّاسيّين، فيُرْغمون لذلك على الخروج معهم والمشي في ركابهم، وأحياناً على المشاركة في المراسم العامّة لاحتفالاتهم وأفراحهم، وهم يرتدون الثياب الفاخرة. وقد كان هذا الوضع بالنسبة إليهم^ ـ ولا شكَّ ـ وضعاً لا يمكن تحمُّله، ولكنْ لم يكن هناك من طريقة أخرى تخوّلهم الوصول إلى مبتغاهم. وحيث إنّ هذه الأفعال، التي فُرِضت عليهم فرضاً، لم يكن بالإمكان توجيهها وتبريرها لجميع الناس آنذاك، فقد استطاعت أن تترك أثراً بالغاً، وصل أحياناً إلى حدّ انتقاص البعض من المقام السامي لإمامتهم^. (العطاردي، مسند الإمام الكاظم: 186).

([13]) القاسم الرسّي، مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسّي 1: 522، رسالة الردّ على الرافضة.

([14]) انظر: مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسّي 1: 515، فما بعدها.

([15]) انظر: حسين المدرسي الطباطبائي، مكتب در فرايند تكامل: 202 ـ 203؛ (من الترجمة الفارسية، وقد ترجم الكتاب إلى العربية، وطبع في قم وبيروت تحت عنوان: تطور الفكر الشيعي في القرون الثلاثة الأولى). وقد ضمّن المذكور في كتابه هذا كتاب ابن قبة، تحت عنوان (نقض كتاب الإشهاد).

([16]) راجع تحليلاً مختصراً في هذا الأمر في: يعقوب جعفري، خوارج در تاريخ (الخوارج في التاريخ): 275، فما بعدها.

([17]) رجال الكشي، تحت رقم 420.

أقول: لا ذكر في ما نقله الكشي تحت الرقم المذكور لاسم الإمام أبي جعفر الباقر×، وإنّما استهلّ الكشي الرواية هكذا: «حمدويه، قال: حدّثنا أيّوب، قال: حدّثنا حنان بن سدير، قال: كنت جالساً عن الحسن بن الحسين فجاء سعيد بن منصور، وكان من رؤساء الزيديّة، فقال: ترى في النبيذ، فإنّ زيداً كان يشربه عندنا؟ قال: ما أصدّق على زيد…» الخبر. وأنت ترى أن ظاهره أنّ الكلام قد جرى بين سعيد بن منصور وبين الحسن بن الحسين، لا بينه وبين الباقر×. نعم، ما ذكره الكشّي تحت رقم 419 كان عنه×، ولكنْ لا ذكر فيه لاسم سعيد بن منصور أصلاً، وبالجملة فهو حديثٌ آخر. [المترجم].

([18]) راجع تفصيل ذلك في: الكليني، أصول الكافي 1، كتاب الحجّة. وأيضاً: الخزاز القمّيّ، كفاية الأثر. وقد تمّ جمع طائفة من هذه الأخبار في: المحمّدي الريشهري، أهل البيت^ في الكتاب والسنّة. وانظر على سبيل المثال: عناوين الأبواب الموجود في أصول الكافي 1: 265 ـ 292. وانظر كذلك: بصائر الدرجات.

([19]) انظر على سبيل المثال: الكليني، أصول الكافي 1: 191، فما بعدها؛ كمال الدين: 201؛ فما بعدها. وراجع أيضاً بعض روايات أصول الكافي في باب «التفويض إلى رسول الله| وإلى الأئمّة^ في أمر الدين».

([20]) لمراجعة وتجميع عدد كبير من هذه الطائفة من الروايات، انظر: معزي ملايري، جامع أحاديث الشيعة 1: 24 ـ 133، 179 ـ 268.

([21]) الكليني، أصول الكافي 1: 56.

([22]) الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة 18: 48.

([23]) الكليني، أصول الكافي 1: 241.

([24]) الأشعريّ القمّي، مصدر سابق: 19.

([25]) راجع هذا المطلب المهمّ في كلٍّ من: فرق الشيعة، للنوبختي؛ وكتاب المقالات والفرق، للبغدادي، وما ذكره الشيخ المفيد في كتابه الفصول المختارة: 305 ـ 327.

([26]) ولا يخفى أنّ هذا لا يعني إنكار وجود نصوص على الإمامة بشكلٍ مطلق، كما تخيّله بعضهم. وللاطّلاع على هذا التصوّر والتخيّل الباطل انظر: حيدر علي قلمداران، شاه راه اتّحاد (الطريق الرئيس نحو الاتّحاد).

([27]) لاحظ نماذج لذلك في: أصول الكافي 1: 286 ـ 329، 372.

([28]) يعقوب جعفري، خوارج در تاريخ (الخوارج في التاريخ): 344 ـ 348. وانظر أيضاً: النوري، مستدرك الوسائل 12: 289، باب تحريم إذاعة الحقّ مع الخوف به.

([29]) انظر: رجال الكشي، تحت رقم 476 ـ 478، 488.

([30]) انظر: الكليني، كتاب الحجّة، باب الإشارة والنصّ على أبي محمّد×، الأحاديث 4، 8، 10.

([31]) الصدوق، عيون أخبار الرضا× 1: 40.

([32]) للمزيد من الاطّلاع انظر: عيون أخبار الرضا× 1: 31 ـ 34؛ الكليني، أصول الكافي 1، باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن الرضا×، وقُمْ بمقارنتها مع النصوص الواردة في إمامة غيره من الأئمّة^.

([33]) عيون أخبار الرضا× 1: 37.

([34]) عيون أخبار الرضا× 1: 104؛ رجال الكشّي، تحت رقم 871، 888.

([35]) محمد باقر البهبودي، معرفة الحديث: 94.

([36]) البرقي، المحاسن: 288 ـ 289.

([37]) الحميري، قرب الإسناد: 166 ـ 167.

([38]) المفيد، الإرشاد 2: 221 ـ 223، وانظره ـ أيضاً ـ في الكافي 1: 352.

([39]) رجال الكشي، تحت رقم 251، 256.

([40]) النوبختي: 60؛ وللاطّلاع على هذا الموضوع راجع: مجيد معارف، پژوهش در تاريخ حديث شيعة (دراسة حول تاريخ الحديث عند الشيعة): 268 ـ 282.

([41]) رجال الكشّي، تحت رقم 430.

([42]) رجال الكشّي، تحت رقم 663.

([43]) النعماني، الغيبة: 226.

([44]) المجلسيّ، بحار الأنوار 48: 22، وقد كانت هذا الاضطرابات السبب في إصرار الإمام الصادق× بعد وفاة إسماعيل على أن يتقبّل الشيعة وفاته بكلّ هدوء واطمئنان؛ لأنّ في تخيّل بقائه حيّاً ـ ولا سيَّما بالالتفات إلى سابقة دعاوى المهدويّة التي كان يروِّج لها بعض غلاة الشيعة ـ خطراً يتمثّل بظهور فرقة أخرى في الوسط الشيعيّ، فكان إصراره× على أنّ إسماعيل قد مات لغرض الحدّ من هذا الانحراف. وفي خبرٍ آخر عن زرارة بن أعين: قال: «دخلت على أبي عبد الله× وعن يمينه سيّد ولده موسى×، وقدّامه مرقد مغطّى، فقال لي: يا زرارة، جئني بداوود بن كثير الرقّيّ وحمران وأبي بصير، ودخل عليه المفضَّل بن عمر، فخرجت فأحضرت مَنْ أمرني بإحضاره، ولم يزَلْ الناس يدخلون واحداً إثر واحد حتّى صرنا في البيت ثلاثين رجلاً، فلمّا حشد المجلس قال: يا داوود، اكشف لي عن وجه إسماعيل، فكشف عن وجهه، فقال أبو عبد الله×: يا داوود، أحيٌّ هو أم ميّت؟ قال داوود: يا مولاي، هو ميّت، فجعل يعرض ذلك على رجلٍ رجل حتى أتى على آخر مَنْ في المجلس، وانتهى عليهم بأسرهم، كلٌّ يقول: هو ميت يا مولاي، فقال×: اللّهمّ اشهد، ثمّ أمر بغسله وحنوطه وإدراجه في أثوابه، فلمّا فرغ منه، قال للمفضَّل: يا مفضّل، احسِرْ عن وجهه، فحسر عن وجهه، فقال: أحيٌّ هو أم ميت؟ فقال: ميّت. قال: اللّهمّ اشهد عليهم، ثمّ حُمل إلى قبره، فلمّا وُضع في لحده، قال: يا مفضّل، اكشِفْ عن وجهه، وقال للجماعة: أحيٌّ هو أم ميت؟ قلنا له: ميّت. فقال: اللّهمّ اشهد، واشهدوا؛ فإنّه سيرتاب المبطلون، يريدون إطفاء نور الله بأفواههم ـ ثمّ أومأ إلى موسى× ـ واللهُ متمّ نوره…» الخبر. (النعماني، الغيبة: 328). وكتب الشيخ المفيد قائلاً: «وروي أنّ أبا عبد الله× جزع عليه جزعاً شديداً، وحزن عليه حزناً عظيماً، وتقدَّم سريره بلا حذاء ولا رداء، وأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مراراً كثيرة، وكان يكشف عن وجهه وينظر عليه، يريد× بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظانّين خلافته له من بعده، وإزالة الشبهة عنهم في حياته». (جعفريان، حيات سياسي ـ فكري إمامان شيعه (التاريخ الثقافي ـ السياسي للأئمة الشيعة): 281 ـ 283).

([45]) الكليني، أصول  الكافي 1، كتاب الحجّة، باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن موسى×، الأحاديث رقم 3، 4، 9. أقول: وقوله×: لم يؤذَن لنا في أوّل منك، فُسِّر بمعنى لم يؤذَن لنا في أسبق منك.

([46]) المصدر نفسه، باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن الرضا×، الحديث رقم 14.

([47]) المصدر نفسه، باب الإشارة والنصّ على أبي محمّد×، الحديث رقم 7.

([48]) المصدر نفسه 1، كتاب الحجّة، باب في أنّ الإمام متى يعلم أنّ الأمر قد صار إليه، ح1.

([49]) للاطّلاع على أسباب اختلافهم حول العصمة، انظر: رجال الكشي، تحت رقم 144، 456؛ الشهيد الثاني، حقائق الإيمان: 151؛ رجال السيد بحر العلوم 3: 187، 213 ـ 220. وللوقوف على اعتراض بعض الأصحاب على الأئمّة^ واختلافهم معهم انظر: الصدوق، التوحيد: 97 ـ 104؛ رجال الكشي: 279 ـ 322، 336، 391 ـ 392، 407، 539 ـ 543، 572، 574.

([50]) انظر: فيّاض، مصدر متقدّم: 137 ـ 153؛ النوبختي، فرق الشيعة: 60 ـ 64، 88 ـ 90؛ الأشعري القمّيّ: 72 ـ 76، 96 ـ 97. وللتعرّف على الشواهد النقليّة لهذه الاختلافات انظر: المدرسي الطباطبائي، مكتب در فرايند تكامل: 28 ـ 72. ويمكن القول بأنّ ظاهرة الغلوّ تعود ـ إلى حدٍّ ما ـ في أسبابها إلى فهمٍ خاصّ عند بعض أصحاب الأئمّة^ لمقام الأئمّة ومنـزلتهم، وعدم احتمال بعضهم للكرامات التي كانت تصدر عن أهل البيت^.

([51]) راجع على سبيل المثال: رجال الكشي: 271، 280، 410، 439، 490؛ الكليني، الكافي 8: 285، وأيضاً 6: 385.

([52]) نقل العلاّمة المجلسيّ& في الجزء 26 من كتابه بحار الأنوار طائفة من هذه الأحاديث والروايات تحت عنوان «باب أنّهم لا يعلمون الغيب ومعناه»، وتعرّض فيه لكيفيّة الجمع بين هذه الأحاديث. وهناك يرى نسبيّة علم الإمام بالغيب، ويرى أنّ علم الإمام بالغيب قابل للازدياد تحت ظلال قربه من الله تعالى؛ لأنّه إنّما يفيض من عند الله سبحانه على قلب المؤمن يوماً فيوماً، وساعةً فساعة.

([53]) ومن هنا نستطيع أن نقف بوضوح في المباحث الكلاميّة للمتكلّمين الشيعة على الخلاف الواقع بينهم في هذين المحورين المهمّين: عصمة الأئمّة^ وعلمهم بالغيب. فعلى سبيل المثال: في باب عصمة النبيّ| والأئمّة^ عن السهو اتَّهم الشيخ الصدوق، ومَنْ معه من القمِّيّين، اتَّهموا القائلين بعدم جواز السهو على النبيّ| بالغلوّ. (الصدوق، مَنْ لا يحضره الفقيه: 296 ـ 297). ولكنْ في المقابل ذهب بعض المتكلِّمين الشيعة، كالشيخ المفيد والبغداديّين، إلى القول بعدم جواز السهو على النبيّ|، متَّهمين الطرف المقابل لهم بالتقصير والتفريط في حقّ المعصومين^. (انظر: مصنّفات الشيخ المفيد، ج 10، عدم سهو النبيّ. وهي رسالة ألَّفها الشيخ المفيد لإثبات عدم سهو النبي|).

وفي باب علمهم^ بالغيب ذهب كثير من المتكلّمين الذين قالوا بأنّ المعصومين^ يعلمون الغيب إلى أنّ علمهم يطال حتّى المسائل الجزئيّة والحوادث التفصيليّة، فضلاً عن أحكام الإسلام العامّة والكلّيّة، كما أثبتوا لهم^ العلم بما كان وما يكون وما هو كائنٌ، وإنْ كانوا يعدّون هذا العلم بالغيب مجرَّد رشحة من علم الغيب الإلهيّ. (انظر: محمّد رضا المظفّر، عقائد الإماميّة؛ العلاّمة الطباطبائي، رسالة في علم النبيّ والإمام بالغيب، المطبوعة في العدد 49 من مجلّة نور علم). بينما ذهب جمعٌ آخر من المتكلّمين إلى أنّ الأئمّة^ لا يعلمون بالأمور والحوادث الجزئيّة إلاّ أن يشاء الله. (مصنّفات الشيخ المفيد، ج 4، أوائل المقالات: 67)، ويقول الشيخ المفيد هناك: «فأمّا إطلاق القول عليهم بأنّهم يعلمون الغيب فهو منكرٌ بيِّن الفساد… وعلى قولي هذا جماعة أهل الإمامة، إلاّ مَنْ شذّ عنهم من المفوّضة، ومَنْ انتمى إليهم من الغلاة». وكيف كان فإنّ جذور هذا الخلاف في البابين تعود إلى الروايات التي أوردها كلٌّ من الفريقين في معرض إثبات دعواه. (انظر: الكافي 1: 221، 223، 228، 239، 240، 253، 255، 258، 274، 296، 297).

([54]) للاطّلاع على هذا الموضوع راجع الكتب التالية: 1ـ علم الإمام، للشيخ محمّد رضا المظفّر؛ 2ـ آگاهي سوم وعلم غيب (المعرفة الثالثة وعلم الغيب)، للشيخ جعفر السبحاني؛ رسائل السيّد اللاري، رسالة المعارف السلمانيّة.

([55]) محمد باقر المجلسيّ، مرآة العقول 1: 186؛ الصفّار، بصائر الدرجات: 57، 62. ومع أنّ بعض الأعلام حملوا هذه الأحاديث على التقيّة، إلاّ أنّ الجمع بين دعوى علمهم بالغيب مطلقاً وبين ما جرى عليهم من المصائب والمآسي وما رافق أحداث شهاداتهم أمرٌ في غاية الصعوبة والإشكال.

([56]) رجال الكشي، تحت رقم 532.

([57]) المصدر نفسه، تحت رقم 530؛ المجلسيّ، بحار الأنوار 26: 103، نقلاً عن أمالي المفيد: 13 ـ 14.

([58]) جعفريان، حيات فكري وسياسي إمامان شيعه (التاريخ الثقافي ـ السياسي للأئمة الشيعة): 258، نقلاً عن تفسير محمد بن عبد الكريم الشهرستانيّ، صاحب الملل والنحل.

([59]) تجد نماذج كثيرة لذلك في كتاب: بصائر الدرجات، للصفّار القمّيّ، الذي لم يكن غرضه الأصليّ من تأليف هذا الكتاب سوى إثبات هذا الموضوع.

([60]) انظر: المفيد، الإرشاد 1: 10.

([61]) رجال الكشي، تحت رقم 140.

([62]) المصدر نفسه، تحت رقم 651، 652.

([63]) المصدر نفسه، تحت رقم 291، 293.

([64]) النوبختي، فرق الشيعة: 92 ـ 93.

([65]) الشهيد الثاني، حقائق الإيمان: 151.

([66]) رجال السيّد بحر العلوم 3: 187.

([67]) المصدر نفسه 3: 213 ـ 220. وفي باب قول ابن الجنيد بالقياس انظر: مصنّفات الشيخ المفيد، الجزءان الخامس والسابع، المسائل السرويّة، المسألة الثامنة: 75. وفي باب قول الفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرحمن بالقياس انظر: رسائل الشريف المرتضى 3: 311؛ الصدوق، تصحيح الاعتقاد: 135 ـ 136. وكذلك راجع: المدرسي الطباطبائي، مكتب در فرايند تكامل: 42 ـ 45. الأخير في هذا المقام يعدّ هذا الرأي دليلاً على تكامل المذهب الشيعيّ.

([68]) الأشعريّ، مقالات الإسلاميّين: 48 ـ 49؛ البغداديّ، الفرق بين الفرق: 42.

([69]) مقالات الإسلاميّين: 64. وبالرجوع إلى رجال الكشّي يمكن أن نلمح هاتين الطائفتين اللّتين حكى سليمان بن جرير وجودهما، ولكنْ يمكن ـ أيضاً ـ استنتاج أنّ معظم الرواة كانوا على الاعتقاد بعصمة الأئمّة^. وقبل الدخول في هذا البحث، وبيان الآراء فيه لا بُدَّ من التمهيد بمقدّمتين نافعتين:

الأولى: إنّه وإن نُقل عن كلٍّ من يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان وابن الجنيد أنّهم قائلون بعمل الأئمّة^ بالقياس، حتى ورد عن يونس بن عبد الرحمن أنّه لمّا سمع خبر قبول الإمام الرضا× بولاية العهد قال: «إن دخل في هذا الأمر طائعاً أو مكرهاً فهو طاغوتٌ»، أو «انتقضت النبوّة من لدن آدم». (رجال الكشّي: 493، 496، تحت أرقام 943، 944، 953)، ولكنّ نقل هذا المطلب التالي من كتاب (فرق الشيعة) للنوبختيّ من شأنه أن يرفع تعجُّب بعضهم، كالسيّد بحر العلوم. يقول مؤلّف كتاب (المقالات والفرق) في هذا المجال: «وقالت جماعةٌ من الشيعة بمقالة الجماعة السابقة، إلاّ أنّهم قالوا: إنّ محمد الجواد× لم يتعلّم من أبيه، ولكنّه علم ذلك عند البلوغ من كتب أبيه، وما ورثه من الأصول والفروع. وبعض هذه الفرقة يجوّز له القياس في الأحكام، ويزعم أنّ القياس جائز للرسول| والأنبياء والأئمّة^، وكان يونس بن عبد الرحمن يقول: إنّ رسول الله| كان يستخرج ويستنبط بوقوع ما أُنزل عليه. وبعض هذه الفرقة تجيز القياس في الأحكام للإمام خاصّةً على الأصول التي بين يديه؛ لأنّه معصوم من الخطأ والزلل، فلا يُخطئ في القياس». (سعد بن عبد الله الأشعريّ القمّي، المصدر نفسه: 97 ـ 98؛ النوبختيّ: 90، تصحيح: آل بحر العلوم). ونقل الكشّيّ في رجاله ـ أيضاً ـ عن الفضل بن شاذان قوله: «وإنّه| أقام رجلاً يقوم مقامه من بعده، فعلَّمه من العلم الذي أوحى الله إليه، يعرف ذلك الرجل الذي عنده[|] من علم الحلال والحرام، وتأويل الكتاب، وفصل الخطاب». (رجال الكشّي: 541، تحت رقم 1026). وعلى هذا الأساس فما ذهب إليه السيّد بحر العلوم من عدم انسجام رأي ابن الجنيد مع الاعتقاد بعصمة الأئمّة^ في غير محلّه؛ إذ لا مانع من أن يقال: إنّ ابن الجنيد كان قائلاً بالعصمة للأئمّة^، وفي الوقت عينه كان قائلاً بجواز القياس عليهم؛ إذ قد عرفنا أنّه لا تنافي بين هاتين الدعويين.

والثانية: بالرغم من أنّ ابن أبي يعفور(131هـ) كان من القائلين بأنّ الأئمّة^ هم من العلماء الأبرار والأتقياء. (رجال الكشّي: 247، برقم 456)، فقد نقل عنه الكشّي قوله: «قلتُ لأبي عبد الله×: واللهِ لو فلقْتَ رمّانةً بنصفين، فقلْتَ: هذا حرامٌ وهذا حلالٌ، لشهدْتُ أنّ الذي قلْتَ: حلالٌ، حلال، وأنّ الذي قلْتَ: حرامٌ، حرام». (رجال الكشّي: 249، برقم 462)، فإنّه يظهر من هذه العبارة أنّ ابن أبي يعفور وأمثاله كانوا يقولون بعصمة الإمام×، على الأقلّ في مجال تفسير الشريعة، وإنْ لم يقبلوا بذلك بالنسبة إلى أمور أُخرى. ورُوي ـ أيضاً ـ عن عبد الرحمن بن الحجّاج عن الإمام الكاظم× أنّه بعث برسالةٍ إلى هشام بن الحكم يأمره فيها بأن لا يتكلّم، فأمسك هشام بن الحكم شهراً لم يتكلَّم، فأتاه عبد الرحمن بن الحجّاج فقال له: سبحان الله، يا أبا محمّد، تكلّمْتَ وقد نُهيتَ عن الكلام، قال: مثلي لا يُنهى عن الكلام. (رجال الكشي: 270، برقم 488).

([70]) أخذنا بعض موارد هذه الأخبار والشواهد من كتيِّب (عصمت)، الذي أعدَّه الأستاذ مهدي فرمانيان ـ رئيس كلّية المذاهب الإسلامية في جامعة الأديان والمذاهب ـ. وقد استجزناه في نقلها هنا، فأجاز مشكوراً.

([71]) رجال الكشّي: 5، 103.

([72]) المصدر السابق: 21 ـ 22.

([73]) المصدر السابق: 26 ـ 28.

([74]) المصدر السابق: 73.

([75]) المصدر السابق: 64.

([76]) المصدر نفسه.

([77]) المصدر السابق: 177، 186.

([78]) المصدر السابق: 153.

([79]) المصدر السابق: 258.

([80]) المصدر السابق: 306.

([81]) المصدر السابق: 361.

([82]) المصدر السابق: 359.

([83]) المصدر السابق: 422.

([84]) المصدر السابق: 420 ـ 421.

([85]) المصدر السابق: 424.

([86]) المصدر نفسه.

([87]) المصدر السابق: 427.

([88]) المصدر السابق: 478، 482، 509، 463، 553، 560، 576.

([89]) المصدر السابق: 192.

([90]) المصدر السابق: 382.

([91]) رجال النجاشي: 12، تصحيح: شبيري الزنجاني؛ وأيضاً: رجال الكشّي: 330 ـ 331.

([92]) رجال الكشّي: 418، 429 و…

([93]) المصدر السابق: 431، 432، 442، 448، 484، 490، 524، 567، 575، 593، 608، و…

([94]) المصدر السابق: 445، 448، 446، 450، 587، 588، 595، 606، و…

([95]) المصدر السابق: 52.

([96]) المصدر السابق: 55، 60 ـ 62.

([97]) المصدر السابق: 90.

([98]) المصدر السابق: 111.

([99]) المصدر السابق: 144، 149، 158، 209.

([100]) المصدر السابق: 169 ـ 172.

([101]) المصدر السابق: 145، 146، 148، 151، 168، 169، 188، 156، 284، 540 و…؛ الشيخ الصدوق، التوحيد: 97 ـ 104. (عشرون حديثاً في ردّ أقوال هشام الجواليقي وهشام بن الحكم).

([102]) رجال الكشّي: 279، 496.

([103]) المصدر السابق: 322، 407.

([104]) المصدر السابق: 336.

([105]) المصدر السابق: 391 ـ 392.

([106]) المصدر السابق: 572، 574.

([107]) المصدر السابق: 539 ـ 543.

([108]) انظر: النوبختي، فرق الشيعة: 48، 65، 85، 110.

([109]) الشهرستاني، الملل والنحل 1: 154.

([110]) رجال الكشّي: 279 ـ 280.

([111]) كتاب درست بن أبي منصور: 161.

([112]) رجال الكشّي: 279 ـ 280، 498 ـ 499؛ الكافي 8: 285؛ وسائل الشيعة 6: 285.

([113]) انظر من باب المثال: رسالة هشام في ردّ مؤمن الطاق (النجاشي: 338)؛ رسالة في معنى هشام ويونس، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّيّ (النجاشيّ: 197)، ورسالة الردّ على عليّ بن إبراهيم بن هاشم في معنى هاشم ويونس، عن سعد بن عبد الله الأشعريّ (المصدر نفسه: 134).

([114]) انظر على سبيل المثال: الشيخ الطوسيّ، الفهرست: 132 (عند الكلام عن أحوال أبي جعفر محمّد بن الخليل السكّاك).

([115]) رجال الكشّي: 279، 487 ـ 488، 496، 498 ـ 499. وانظر أيضاً من باب المثال: الصدوق، التوحيد: 458 ـ 460؛ كشف المحجّة: 18 ـ 19.

([116]) رجال الكشّي: 498 ـ 499.

([117]) المصدر السابق: 488.

([118]) المصدر السابق: 489.

([119]) المصدر السابق: 497. وللاطّلاع على نماذج من هذه الروايات انظر: المصدر نفسه: 491 ـ 496، 540 ـ 544؛ رجال البرقي: 35؛ البزنطي، الجامع: 478.

([120]) انظر على سبيل المثال: سعد بن عبد الله الأشعريّ القمّي، مثالب هشام ويونس (رجال النجاشيّ: 134).

([121]) رجال الكشّي: 483 ـ 485، 506؛ رجال النجاشي: 344 ـ 348.

([122]) انظر الموارد المشار إليها مع مصادرها في: حسين المدرّسي الطباطبائي، مقدمه إي بر فقه شيعه (مقدِّمة على الفقه الشيعيّ): 33 ـ 34.

([123]) المامقاني، تنقيح المقال 3: 297.

([124]) رجال الكشّي: 259.

([125]) السيّد أحمد صفائي، هشام بن الحكم: 76 ـ 79. وللاطّلاع على مصادر أكثر انظر: رجال الكشّي، تحت رقم 475 ـ 508.

([126]) راجع: أحاديث المهدويّة عند لطف الله الصافي في كتابه منتخب الأثر.

([127]) راجع بياناً إجماليّاً لذلك عند جعفر مرتضى العامليّ في دراسات في التاريخ والإسلام: 60 ـ 70. وقد أثبت هذا النـزوع والاتّجاه نحو المهدويّة نفسه بقوّة إلى درجة أنّه تحوّل إلى واحدةٍ من أصعب المشاكل التي واجهها بنو أميّة وبنو العبّاس، بل كان بعض هؤلاء يدّعيها لنفسه، أو يواجهها من خلال وضع أحاديث في مقابلها. ويمكن أن نجد أمثلةً لذلك في ادّعاء المهدويّة في حقّ عمر بن عبد العزيز والمهدي العبّاسيّ، أو جعل حديث السفيانيّ في مقابل حديث المهديّ على يد خالد بن يزيد بن معاوية. (المصدر نفسه: 60 ـ 63). وراجع أيضاً: مجلّة علوم الحديث، العدد 30: 164، فما بعدها، مقالة «دو دستگي شيعيان إمام كاظم وپيدايش فرقه واقفيه» (انقسام شيعة الإمام الكاظم× إلى فرقتين، وظهور فرقة الواقفيّة»، ترجمة: وحيد صفري.

([128]) النوبختي، فرق الشيعة: 94 ـ 96.

([129]) الكليني، أصول الكافي 1: 342، 368، 536.

([130]) النوبختي، فرق الشيعة: 100.

([131]) الكليني، الكافي 8: 159 ـ 160، ح158.

([132]) المصدر السابق 1: 370؛ 8: 331، ح509.

([133]) النوبختي، فرق الشيعة: 97.