الهرمنوطيقا وتغيُّر الحكم الشرعي بتغيُّر الزمان والمكان

1 ديسمبر 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
480 زيارة

الهرمنوطيقا وتغيُّر الحكم الشرعي بتغيُّر الزمان والمكان

د. السيد يوسف العلوي(*)

أ. حسين اليوسف(**)

 

مقدّمة

هناك بحث جديد دخل الدراسات الحوزوية العلمية منذ فترة ليست ببعيدة، وهو بحث تأثير الزمان والمكان في الحكم الشرعي. وقد أخذت ملامح هذا البحث تتضح في زمن الإمام الخميني&. وبنظرنا القاصر إنه إلى اليوم لم يستوفِ هذا البحث حقه. على أيّ حال في المقابل ظهرت في الآونة الأخيرة حركة فكرية قادها بعض المفكِّرين والمثقفين المسلمين ـ اقتباساً من مفكِّري المسيحية ـ، وطرحوا ما يسمى بنظرية «الهرمنوطيقا» أو «منطق فهم وتأويل الدين». هذه الحركة شكَّلت خطورة على الدين الإسلامي؛ لذلك أخذت تطرح في الحوزات العلمية، لكنْ بشكلٍ خجول جداً. لكن المشكلة التي حصلت هو أنه حصل خلطٌ بين النظريتين، حتّى من قِبَل بعض الحوزويين. ونحن هنا لا نريد أن نردّ أيّاً من النظريتين، أو نشكل عليها، أو حتى أن ندافع عنها، وإنما نريد أن نبيِّن معالم وأسس وخصائص كلٍّ منهما؛ ليتضح الفرق بينهما. وعلى الله الاتّكال.

الفصل الأول: الهرمنوطيقا

المبحث الأول: تعريف الهرمنوطيقا

أوّلاً: الهرمنوطيقا لغةً

هذه الكلمة يونانية الأصل «Hermeneuin»، وتعني التفسير والتأويل. وترجع جذور هذه الكلمة إلى كلمة «Hermes»، وهو اسم إله عند اليونانيين، حيث يعتقد اليونانيون أن الإله هرمس يقوم بإيصال الرسائل والبلاغات المرسلة من قبل الآلهة الأخرى إلى الناس، ويقوم بتفسيرها وشرحها لهم. وبعبارة أخرى: كان يفسِّر ويؤوّل كلام الآلهة؛ لكونه آتياً مما وراء قدرتهم على الفهم، بحيث يسهل عليهم فهمه بعد ذلك([1]).

 

ثانياً: الهرمنوطيقا اصطلاحاً

الهرمنوطيقا في الاصطلاح ـ وباختصارٍ ـ هي عبارة عن علم وفنّ تفسير وتأويل النصوص([2]). من هنا نجد أن هناك علاقة وثيقة وقويّة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للهرمنوطيقا.

 

المبحث الثاني: تاريخ نشوء الهرمنوطيقا

ظهرت هذه الحركة الفكرية في أوروبا في القرن السابع عشر الميلادي. وقبل نشوء هذه الحركة كانت السلطة ومقدّرات الناس بيد الكنيسة وعلماء الدين المسيحيين، وكان المصدر الأول والوحيد للمعرفة آنذاك هو الإنجيل، وأقوال علماء الدين. وكان تفسير الإنجيل والوحي منحصراً بالكنيسة، حتى أن الكنيسة كانت مسيطرة ومتسلِّطة على العلوم التجربية، وأقوالها مقدَّمة على أيّ نتيجة تتوصَّل إليها هذه العلوم. وخلاصة الأمر أن رجال الكنيسة في الغرب حاولوا تطبيق المسيحية كمنهج، وحاولوا قيادة الدولة وحركة الدنيا. وهكذا حكم هؤلاء أوروبا لعدّة قرون، سُمِّيت بقرون العصور الوسطى([3]).

لكنْ بما أن هذا المنهج لم يكن متكاملاً، ولم يكن ملبياً لجميع احتياجات الناس آنذاك، وخصوصاً أنه كان يعتني بالجانب العبادي المتحجِّر، دون الجانب المعاملاتي، بالإضافة إلى أنه حذفت منه الأحكام الشرعية الفقهية، ناهيك عن الظلم والاستبداد الذي كان يمارسه رجال الدين، لم يكن هذا النهج قادراً على إدارة المجتمع. ولم يكن أمام الأوروبيين إلاّ القيام ضدّ هذا الدين ورجاله، وإقصائهم عن حكم دنياهم، وقيادة حركة بلادهم. لذا بدأوا في القرنين الخامس والسادس عشر العمل على تقوية الاعتقاد بقدرة وقيمة العقل، في قبال النقل، وقدرة الإنسان على تفسير الدين والوحي بنفسه، فقَوِيَتْ شوكة العقل، وفاق ما عداه من معايير تنظيم الحياة. فأبعد الدين عن الدولة، وأقصى رجاله عن مجتمعه، باعثاً إيّاهم إلى الدول الأخرى في مهمّات رسمية، تحت عنوان التبشير والاستشراق. ومن هنا عرف القرن التاسع بعصر الإلحاد([4]). وقد تميَّزت تلك الفترة باعتبار الإنسان وعقله وما يصل إليه تفكيره الملاك والأساس في كلّ معرفة، إلى درجة الاعتقاد به دون الله، فأقاموا الإنسان مقام الله، والعقل مقام الوحي، فأنكروا وجود ما وراء الطبيعة، وأصبح المفسِّر للنصوص والمتون الدينية هو الإنسان نفسه. من هنا كان منشأ الهرمنوطيقا. ومن أهمّ رواد هذه المرحلة: فولتير(1694 ـ 1778م)، وروسّو(1712 ـ 1778م)، وديكارت(1596 ـ 1650م)([5]).

 

المبحث الثالث: أسباب نشوء الهرمنوطيقا

ممّا تقدم نستطيع أن نلخص أسباب نشوء هذا المنهج من التفكير بما يلي:

1ـ فقدان الثقة بالكنيسة، كمصدرٍ للمعرفة، وسلطة للتشريع.

2ـ نموّ البحث العلمي المضادّ للفكر الكنسي الديني، وانبهار الناس بنتائجه القريبة من الفهم والإدراك.

3ـ اتّخاذ الأوروبيين موقف العداء تجاه الدين ورجاله.

 

المبحث الرابع: أقسام الهرمنوطيقا

تنقسم الهرمنوطيقا إلى أقسام مختلفة، باعتباراتٍ مختلفة. وأهمُّها تقسيمها إلى قسمين أساسيين:

 

أـ هرمنوطيقا كلاسيكية

وهي هرمنوطيقا تتمحور حول مراد المؤلِّف. وهي عبارة عن العلم الهادف إلى الكشف عن قواعد وأصول تفسير وتأويل النصوص. ويسعى من خلالها المفسِّر إلى الكشف عن قواعد الفهم الصحيح للنصوص، ورفع الإبهام عنها، لكن من منظور المؤلف، نظير: هرمنوطيقا دان هاور، وشلاير ماخر([6]).

 

خصائص الهرمنوطيقا الكلاسيكية

1ـ تتمحور حول المعرفة البشرية.

2ـ لا وجود للواقع، إلاّ ما يعرفه الإنسان.

3ـ تعتمد على قواعد وأسس خاصّة في الفهم والتفسير الصحيح.

4ـ يمكن فهم مراد المؤلِّف، والوصول إليه، والتعايش معه.

5ـ فهم وتفسير النصّ عبارة عن إعادة توليد وصياغة مراد المؤلِّف، وكأنَّ المؤلف نفسه هو المفسِّر والمؤوِّل.

6ـ لا يمكن أن يكون للنصّ الواحد إلاّ معنى واحد، يعني مهما تعدَّدت التفاسير للنص الواحد فإنها لا تحمل إلاّ معنى واحداً، وهو مراد المؤلِّف.

7ـ التفاوت والاختلاف بين تفاسير النصّ الواحد هو في مستوى الفهم، بمعنى أن التفاوت ليس عرضياً، وإنما هو طولي.

8ـ عدم تأثير البُعْد الزماني بين زمان كتابة النصّ وبين زمان تفسيره في عملية الفهم والتفسير.

9ـ يجب على المفسِّر أن يصب جلَّ اهتمامه في فهم المراد من النصّ، والمحور الذي يدور حوله([7]).

 

ب ـ هرمنوطيقا فلسفية

وهي هرمنوطيقا تتمحور حول النصّ. وهي عبارة عن العلم الهادف إلى تفسير النصوص. ويسعى من خلالها المفسِّر إلى فهم النصوص من دون اتّباع طريقة معينة في الفهم، وبغضّ النظر عن مراد المؤلِّف. ومن روّاد هذا النوع من الهرمنوطيقا: مارتين هايدغر، وهانس غادامر([8]).

خصائص الهرمنوطيقا الفلسفية

1ـ فهم النص حصيلة امتزاج أفقين: أفق المفسِّر؛ وأفق المؤلِّف للنصّ، أي التفكيك بين مراد المؤلِّف والمعنى الذي يفهمه المفسِّر من النصّ.

2ـ تأثير البُعْد الزماني عن زمن كتابة النصّ على فهم النصّ.

3ـ عدم إمكان الفهم المطابق للواقع، وإنما الملاك في ما يفهمه نفس المفسِّر. فما يفهمه المفسِّر هو الصحيح، سواء كان مطابقاً للواقع أم لا؛ وذلك بسبب تدخُّل الظروف المحيطة بالمفسِّر، والخلفيات الثقافية المتراكمة عنده، على فهم النصّ.

4ـ عدم إمكان فهم مراد المؤلِّف والوصول إليه؛ لما مرَّ آنفاً من دخالة الظروف المحيطة والخلفيات الثقافية في عملية التفسير، وعدم إمكان تجرُّده عنها. وبالتالي لا يبحث المفسِّر عن هدف وقصد المؤلِّف من المتن والنصّ.

5ـ تفاوت الفهم من شخصٍ إلى آخر بشكلٍ عرضي، لا طولي. من هنا فإننا أمام معانٍ كثيرة متكثِّرة لنصٍّ واحد، بعدد المفسِّرين والتفاسير، بمعنى أن عملية الفهم لا نهاية لها. فهناك قراءات مختلفة وغير متناهية للنصّ؛ وذلك بسبب ما مرَّ من أن الفهم عبارة عن امتزاج أفقين: أفق المؤلِّف؛ وأفق المفسِّر، وبالتالي كلَّما تغيَّر المفسِّر تغيَّر الأفق، وتغيَّر الفهم والتفسير.

6ـ الفهم عبارة عن توليد وصياغة معنى جديد للنصّ.

7ـ هذا النوع من الفهم لا يتبع قواعد وأسس معيَّنة في الفكر والتفسير.

8ـ فهم النصوص غير ثابت، وإنما هو متغيِّر وسيّال وتاريخي بشكلٍ دائم، ولا وجود لفهمٍ ثابت ونهائي لأيّ نصٍّ من النصوص.

9ـ لا يوجد معيارٌ معين وضابطة معينة يتمّ من خلالها تقييم التفسير والتأويل؛ لتمييز الصحيح منه من الفاسد.

10ـ الهرمنوطيقا الفلسفية عبارة عن النسبيّة في الفهم، وبالتالي النسبية في المعرفة([9]).

 

المبحث الخامس: تاريخيّة الدين وأحكامه

ممّا تقدَّم نجد أن هناك فرقاً بين كلٍّ من القسمين من الهرمنوطيقا. لكن الثانية ذهبَتْ أبعد من الأولى. فالكلاسيكية أقلّ خطورة على الدين من الفلسفية. فأقصى ما ينتج عن الكلاسيكية إمكان تفسير النصوص وتأويلها دون الرجوع إلى العلماء والمتخصِّصين في الدين؛ أما الفلسفية فينتج عنها نسبية العلم وتغيُّره، وهذا يعني تاريخية العلم وسيّاليته وعدم ثباته، مما يؤدّي إلى قراءات لا متناهية للنصوص، وعدم ثبوت معنى معين لها. وتكمن خطورة هذا النحو من التفكير في تطبيقه على الدين والنصوص الدينية، حيث إنه لا يبقي حجراً على حجر في الدين. فلا يبقى هناك أصلٌ ثابت يمكن الرجوع إليه، حتّى القرآن والسنّة؛ لأنّ كلّ ذلك يصبح من الماضي، ولا ينفع الاستدلال به في الحاضر. هذا مضافاً إلى عدم حجّية أيّ تفسير للأدلّة الشرعية، وهو الهدف الأساس من نشوء هذه الظاهرة الفكرية، كما سوف يتّضح أكثر في القابل من كلامنا. من هنا نقول: إن القائلين بتاريخية الدين على أربعة مستويات ومراتب.

 

1ـ آراء القائلين بمراتب تاريخيّة الدين

1ـ 1ـ تاريخيّة الدين في مرحلة الإنشاء والتأسيس

بعض الهرمنوطيقيين الذين قالوا بتاريخية الدين قالوا بتاريخيته في الأصل والمنشأ، بمعنى أن الدين نشأ وتأسَّس نتيجة الظروف والأوضاع والشروط الاجتماعية والنفسية السائدة آنذاك. وبعبارة أخرى: نشأ الدين نتيجة خلأ وحاجة عند الإنسان. فلو تمّ ملء هذا الخلأ والفراغ، من خلال التطوّر العلمي والفكري والتجربي، فسوف يستغني الإنسان عن الدين. وقد وصل الإنسان في هذه العصور إلى مرحلة متقدّمة من التطوّر، بحيث يملأ هذا الخلأ، وبالتالي يمكن أن يستغني عن الدين. ونتيجة هذا الفكر أن الدين صناعة الإنسان، حتّى وجود الخالق. ومن روّاد هذا النوع من الهرمنوطيقا: كلوزر، ودان كيوبيت.

 

1ـ 2ـ تاريخية الدين في مرحلة التلقّي والإبلاغ

هذه المرتبة من الهرمنوطيقيين تعترف بأصل وجود الخالق، وأصل وجود الدين، وأن منشأ الدين إلهيّ، وليس بشرياً. لكنّهم يعتقدون أنه أصبح بشرياً في مرحلة التلقّي والإبلاغ، أي بما أن المتلقّي للوحي ومبلِّغه بشر فقد صار الدين في هذه المرحلة بشرياً، وامتزج بالثقافة والخلفيات الذهنية البشرية، وتأثَّر بها، وترتَّبت عليه آثار ولوازم؛ كونه بشرياً، من الخطأ والسهو والنسيان. هؤلاء يعتقدون أن لا وجود للوحي الإلهي، وإنما معرفة النبيّ والرسول هي عبارة عن أمر معرفتيّ أُلقي على قلبه، أي أمرٌ شهودي وتجربة شهودية بشريّة محضة. وبما أن الإنسان تاريخي ومتغيِّر وسيّال فالدين كذلك. ومن روّاد هذا النوع من الفهم: كانْط، وعبد الكريم سروش، في كتابه «بسط تجربه نبوي».

 

1ـ 3ـ تاريخية الدين في مرحلة البقاء

بعض الهرمنوطيقيين التاريخيين يعتقد بأصل وجود الخالق ووجود الدين، ويعتقد أيضاً بأن هذا الدين أُلقي وأبلغ إلى الأنبياء كما هو، ووصل إلى الإنسان بدون أن يمتزج بالثقافة البشرية. لكنّه بعد ذلك، وبما أنه صار في متناول البشر، امتزج بالثقافة البشرية والذهنية المتغيِّرة، وصار معرفة بشرية. وبما أن الفهم البشري نسبي وتاريخي متغير، وبما أن الإنسان تاريخي أيضاً، فإن هذا الدين متغيِّر وغير ثابت، ولابُدَّ أن يكون تابعاً للمعرفة البشرية. ويمكن القول بأن من رواد هذا النوع من التفكير عبد الكريم سروش، في كتابه «قبض وبسط تئوريك شريعت».

 

1ـ 4ـ تاريخية الدين في مرحلة التطبيق

بعض الهرمنوطيقيين يعتقد أن منشأ الدين إلهي. وبدون تحريف وامتزاج بالثقافة البشرية وصل إلى الناس. إلا أن هذا الدين نزل في زمانٍ خاص، ولأناسٍ بعينهم، بمعنى أن هذا الدين خاصٌّ بزمان النزول والإبلاغ، ولم يعُدْ ينفع لهذه الأيام، ولهؤلاء البشر بعد زمان التشريع. ولو تكرَّرت نفس الظروف والشروط التاريخية التي ظهرت فيها الأديان لكان لزاماً على هذه الأديان أن توجَد من جديد، لكنْ بما أن الزمان غير الزمان، والمكان غير المكان، والظروف والشروط تغيَّرت، والإنسان تغيَّر، لم يعُدْ الإنسان بحاجة إلى تلك الأديان، ولم تعُدْ تلبّي احتياجاته، وخصوصاً هذه الأيام، مع وجود هذا التمدُّن وهذه الحضارات، ومع هذا الانفتاح الفكري الذي يعيشه الإنسان الآن. ومن رواد هذا النوع من الفكر آلبرت شوايتزر([10]).

 

2ـ أسس ومباني التاريخية الدينية

هذه باختصار مراتب القول بتاريخية الدين. وهي جميعها ـ كما هو واضحٌ ـ تشترك في أنها مبتنية على الأسس التالية:

1ـ كون الفهم متغيراً وغير ثابت وسيّالاً «تاريخياً».

2ـ كون الفهم نسبياً.

3ـ لكل إنسان عالمه الخاص ذاتاً، لا يشاركه فيه أحدٌ، حتّى في الفهم.

4ـ كون الإنسان ذاتاً متغيِّراً سيالاً «تاريخياً».

5ـ كون الإنسان محدوداً في فهمه ووجوده.

6ـ كون الفهم عبارة عن صياغة وتوليد معنى جديد.

وهذا ما اصطلح عليه الهرمنوطيقيين بـ «Dasein»([11]).

 

المبحث السادس: أهداف الهرمنوطيقا

كان الهدف الأساس والمدَّعى من صناعة هذا العلم ـ وكما مرَّتْ الإشارة إليه ـ هو فهم وتفسير وتأويل النصوص، وخصوصاً الدينية منها، وإخراجها من إبهامها. هذا ما يمكن أن نسمّيه الهدف المباشر والقريب أو المعلَن. إلاّ أنه كانت هناك أهداف أبعد من ذلك، آتَتْ أكلها في الغرب، وأخذَتْ تؤتي أكلها في الشرق المسلم، وأهمّها:

1ـ التحرُّر من قيد النصّ المقدَّس؛ ابتغاء التوفيق بينه وبين الرأي الذي يذهب إليه صاحب التأويل.

2ـ التحرُّر من قيد النصّ المقدَّس؛ ابتغاء التوفيق بين ما يُفهَم من صريح اللفظ وبين ما يقتضيه العقل.

3ـ الرغبة في تعميق صريح النصّ المقدَّس الساذج؛ ابتغاء مزيدٍ من العمق في الآراء التي يحتويها([12]).

 

المبحث السابع: انتقال الفكر الهرمنوطيقي الغربي إلى الشرق

كان منشأ هذه الحركة غربياً بامتياز. وكان نشوؤها في قبال الكنيسة وظلمها؛ بدعوى إثبات إمكانية تفسير الإنجيل، وعدم اختصاص ذلك بعلماء الدين؛ وللتخلص من ظلم الكنيسة واستبدادها. وهذا النوع من الفكر استشرى في الغرب، وآتى أكله هناك. ولو بقي مكانه لكان الأمر هيِّناً. لكنّ عدم بقائه هناك وسريانه إلى الشرق المسلم والبلاد الإسلامية شكَّل خطورةً على الإسلام والمسلمين، وذلك بواسطة بعض المفكِّرين والمثقَّفين المعجَبين بالغرب وأفكاره والمنفتحين عليه، والمنادين بالتحرُّر من العادات والثقافات العربية والإسلامية والشرقية البالية، التي أكل عليها الدهر وشرب، ومواكبة الغرب في تطوُّره وحضارته المادّية والفكرية، فقاموا بطرح الأفكار الهرمنوطيقية الغربية في بلاد المسلمين، وطبَّقوها على الشريعة الإسلامية وأحكامها، ممّا أدّى إلى ولادة ما يُسمّى اليوم بـ (العلمانية).

انتقلت هذه الحركة إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر. فقد انتقلت آنذاك بشكلٍ أساس إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا وتونس، ولحقها العراق في نهاية القرن التاسع عشر. أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين([13]).

 

1ـ روّاد هذا الفكر في الشرق الإسلامي

1ـ عبد الكريم سروش، من إيران.

2ـ محمد مجتهد شبستري، من إيران.

3ـ مصطفى مَلَكْيان، من إيران.

4ـ فضل الرحمن، من باكستان.

5ـ قاسم أمين، من مصر.

6ـ إسماعيل مظهر، من مصر.

7ـ أحمد لطفي السيد، من مصر.

8ـ علي عبد الرزّاق، من مصر.

9ـ طه حسين، من مصر.

10ـ خالد محمد خالد، من مصر.

11ـ محمد أحمد خلف الله، من مصر.

12ـ حسن حنفي، من مصر.

13ـ نصر حامد أبو زيد.

14ـ أحمد عبد المعطي حجازي، من مصر.

15ـ خليل عبد الكريم، من مصر.

16ـ محمد عشماوي، من مصر.

17ـ محمد شحرور، من سورية.

18ـ محمد عابد الجابري، من المغرب([14]).

وسوف يأتي الاستشهاد بأقوال بعضهم.

 

2ـ أهداف الهرمنوطيقا في الشرق الإسلامي

للهرمنوطيقيين الشرقيين المسلمين أيضاً أهداف. وهذه الأهداف على نحوين أيضاً: مباشرة وقريبة ومعلنة؛ وغير مباشرة وبعيدة وغير معلنة.

 

أـ الأهداف القريبة والمباشرة

1ـ الدعوة إلى الاجتهاد والتجديد، والإلحاح على ذلك.

2ـ الاهتمام بالأسس الإسلامية، وأن أساس الإسلام ورسالته المهمّة في إصلاح النفوس وتزكيتها وتهذيب الأخلاق، وأن هذه الأسس هي أهمّ من الشريعة وإقامة الحدود والجهاد.

3ـ تغيير الفتوى بما يتناسب مع الحاجات البشرية، ومواكبتها للتطوُّر، أي تغيير الفتوى بغير الزمان والمكان.

4ـ دعوى الحرص على الوحدة وعدم التفرُّق([15]) .

 

ب ـ الأهداف البعيدة وغير المباشرة

1ـ أنسنة كلّ ما له علاقة بما وراء الطبيعة، كأنسنة الإله. يقول الدكتور حسن حنفي: «إن الله لفظةٌ نعبِّر بها عن صرخات الألم، وصيحات الفرج، أي إنه تعبير أدبي أكثر منه وصفاً لواقع، وتعبير إنشائي أكثر منه وصفاً خبرياً… إنه لا يعبِّر عن معنى معين»([16]). ويقول في مكانٍ آخر: «والله باعتباره الوجود الواحد، أو المجرد الصوري، أو العلة الغائية، كلّ هذه التصورات هي في حقيقة الأمر مقولات إنسانية تعبِّر عن أقصى خصائص الإنسان… والإلهيات في الحقيقة، وإنْ بدَتْ نظرية في الله ذاتاً وصفات وأفعالاً، هي وصفٌ للإنسان الكامل ذاتاً وصفات وأفعالاً»([17]). ويقول في مكانٍ آخر أيضاً: «…فالإنسان يخلق جزءاً من ذاته ويؤلِّهه، أي يخلق المؤلَّه على صورته ومثاله… فالذات الإلهية هي الذات الإنسانية في أكمل صورها… وأيُّ دليل يكشف عن إثبات وجود الله إنما يكشف عن وجود وعيٍ مزيف… ولذلك فإن التفكير في الله هو اغتراب، بمعنى أن الموقف الطبيعي للإنسان هو التفكير في المجتمع. وكلُّ حديث آخر في موضوع يتجاوز المجتمع والعالم يكون تعميةً، تدلّ على نقص في الوعي بالواقع»([18]).

وبعد أنسنة الإله أنسنة الصفات الإلهية. يقول الدكتور حسن حنفي: «فالصفات السبع هي في حقيقة الأمر صفات إنسانية خالصة. فالإنسان هو العالم، والقادر، والحي، والسميع، والبصير، والمريد، والمتكلم…» ([19]).

وأنسنة النبوّة والوحي. يقول حنفي أيضاً: «والنبوة ليست غيبية، بل حسّية، تؤكد على رعاية مصالح العباد. والغيبيّات اغترابٌ عنها. والمعارف النبوية دنيوية حسّية»([20]).

2ـ نزع القداسة عن النصّ القرآني عن طريق الدعوة إلى النقد الحُرّ. يقول محمد أركون: «نحن نريد القرآن المتوسّل إليه من كلّ جهة، والمقروء والمشروح…، أن يصبح موضوعاً للتساؤلات النقدية المتعلّقة بمكانته اللغوية، التاريخية، والأنتروبولوجية والثيولوجية والفلسفية»([21]). ويقول الدكتور نصر حامد أبو زيد: «إن النصّ القرآني وإن كان نصّاً مقدَّساً، إلاّ أنه لا يخرج عن كونه نصّاً، فلذلك يجب أن يخضع لقواعد النقد الأدبي، كغيره من النصوص الأدبية»([22]).

3ـ هدم مبدأ المرجعية لنصوص القرآن والسنّة. يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد: «آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرُّر، لا من سلطة النصوص وحدها، بل من سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا. علينا أن نقوم بها الآن وفوراً»([23]). ويقول في مكانٍ آخر: «إذا كان مبدأ تحكيم النصوص يؤدّي إلى القضاء على استقلال العقل، وتحويله إلى تابع يقتات بالنصوص، ويلوذ بها ويحتمي، فإنّ هذا ما حدث في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية»([24]).

4ـ إبطال مرجعية العلماء وكتبهم. يقول الدكتور شحرور: «…فماذا قدَّم السادة العلماء للناس؟ لقد تصدَّر العلماء المجالس والإذاعة والتلفزيون على أنهم علماء المسلمين، وجلّهم ناقلٌ، وليس بمجتهدٍ»([25]). ويقول الدكتور محمد أركون: «أما الفكر العربي والإسلامي فلم يشارك أيّ جزء من هذا المسار الفكري… لقد انكفأ على ذاته داخل منهجية سكولاستيكية، اتّباعية، اجترارية»([26]).

5ـ التحلُّل من عُرى الدين، ونشر الإباحية، وصبغ المجتمع بالصبغة الغربيّة. وصلت المسألة بالهرمنوطيقيين إلى إنكار بعض الأحكام الشرعية الضرورية، وخصوصاً المحرَّم منها، نظير:

أـ إنكار حرمة الخمر. وممَّنْ ادّعى ذلك المستشار محمد سعيد عشماوي([27])، والدكتور محمد شحرور([28])، والدكتور نصر حامد أبو زيد([29])، حيث ادّعى هؤلاء أن الخمر لم يحرَّم، وإنّما أُمرنا باجتنابه فقط.

ب ـ عدم حرمة اللواط. وممَّنْ ادّعى ذلك العشماوي([30])، وشحرور([31]).

ج ـ عدم وجوب الحجاب، وأنّه تشريعٌ مؤقَّت. وممَّنْ ادّعى ذلك العشماوي([32])، وأحمد عبد المعطي حجازي([33])، وغيرهما.

إلى غير ذلك من الدعوة إلى الاختلاط، وتحرُّر المرأة، والمساواة الكاملة بينها وبين الرجل، وإطلاق العنان للشهوات. وكله بدعوى التجديد والتغيير المتلائم مع الزمان والمكان. يقول الدكتور شحرور: «لا ضرورة للتقيُّد بالنصوص الشرعية التي أُوحيت إلى محمد رسول الله في كلّ ما يتعلَّق بالمتاع والشهوات. ففي كلّ مرة نرى في هذه النصوص تشريعاً لا يتناسب مع الواقع، ويعرقل مسيرة النموّ والتقدُّم والرفاهية، فما علينا إلاّ أن نميل عنه»([34]).

إلى هنا تمّ كلامنا بعون الله عن الهرمنوطيقا، وأهدافها، والمقصود من التجديد والتغيير المزعوم عند أتباع هذا الفكر، وباختصارٍ شديد.

 

الفصل الثاني: تغيُّر الحكم الشرعي بتغيُّر الزمان والمكان

نظرية تغيُّر الحكم الشرعي بتغيُّر الزمان والمكان، أو نظرية تأثير الزمان والمكان في عملية استنباط الحكم الشرعي، نظريّة تعتبر مُستَحْدَثة في الفقه الإسلامي، وإنْ كان يمكن استخراج ما يدلّ على هذه النظرية من كلمات بعض الفقهاء القدماء الكبار ـ كما سوف نأتي على ذكر بعض كلماتهم ـ. لكنّها لم تتجلَّ كنظرية تبحث في الحوزة العلمية، إلاّ في العصور الأخيرة، وخصوصاً في زمن الشهيد الصدر&، والإمام الخميني&. وهذه النظرية على الرغم من أهمّيتها، إلاّ أنها إلى الآن لم تبحث بالقدر الكافي في الحوزات العلمية. وعلى أيّ حال لشبه هذه النظرية بالهرمنوطيقا توهَّم البعض أنها لا تختلف عنها. ومن هنا كان من المناسب أن نبيِّن هذه النظرية؛ حتّى يتمّ التفريق بين هذين الاتجاهين الفكريين. لذا لا بُدَّ أن نبين أولاً ما هو المقصود بالزمان والمكان:

 

المبحث الأول: تعريف الزمان والمكان إجمالاً

أوّلاً: الزمان والمكان لغةً

الزمان لغةً: هو اسمٌ لقليل الوقت وكثيره([35]). وقيل: هو مدّة قابلة للقسمة، ولهذا يطلق على الوقت القليل والكثير([36]).

المكان لغةً: اشتقاقه من كان يكون. والجذر الكاف والواو والنون «الكون» أصلٌ يدل على الإخبار عن حدوث شيءٍ، إما في زمان ماض أو زمان راهن([37])، فلما كثرت صارت الميم كأنّها أصلية، فجمع على أمكنة([38]).

 

ثانياً: الزمان والمكان اصطلاحاً

للزمان والمكان في الاصطلاح معنيان: فلسفي؛ ونسبي. وليس مقصود الفقهاء من الزمان والمكان في نظريتهم المعنى الفلسفي، وإنما مقصودهم المعنى النسبي، الذي يعني الظروف، والخصوصيات، والشروط، والعلاقات الجديدة الحاكمة على الأفراد والمجتمع. وبعبارةٍ أخرى: إن لتغيُّر الظروف والشرائط المحيطة بتغيُّر الزمان والمكان تأثيراً على الواقع في الزمان والمكان «الزمانيات والمكانيات»، الذي من شأنه أن يخلق مناسبات جديدة في علاقات الأفراد([39])، وبالتالي اختلافهم في الفهم للحكم الشرعي بالاستناد إلى المباني الفقهية. وممّا تقدَّم نجد أن إطلاق الزمان والمكان في هذه النظرية من باب المجاز. وعنوان الزمان والمكان في نفسه ليس مراداً، وليس له دور في التغيير إلاّ بالواسطة. وما له دورٌ هو عبارة عن أمرين أساسيين:

الأول: تغيير الشرائط، وطروّ خصوصيات جديدة تستدعي عناوين جديدة، وطبعاً يتبعها أحكامٌ جديدة.

الثاني: إنه قد يحدث للفقيه ـ بسبب مرور الزمان، وسعة العلوم البشرية، والارتباط الثقافي مع العالم ـ فهمٌ جديد للأدلة والمصادر الفقهية، يقوم على أساس نفس المباني الاجتهادية.

وقد تحصَّل إلى هنا أن هذه النظرية تعني أن الحكم الشرعي يتغيَّر بتغيُّر الظروف والشروط المحيطة. وهذا الكلام لا يختلف بحسب الظاهر عن القول بتغيُّر الأحكام الذي يقول به الهرمنوطيقيين، ولا يختلف عن القول بالتاريخية والانقضاء؛ لأنه نتيجة التغيُّر، ولا يختلف عن القول بالقراءات المتعدِّدة، ولا يختلف عن القول بالنسبية. إذن يشكل على أصحاب هذه النظرية بذلك، ويشكَل عليهم بأن كلامكم خلاف ما هو مسلَّمٌ، من أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة. وسوف يتَّضح الجواب عن ذلك قريباً. لكنْ نذكر أولاً ما هو المراد بالتغيُّر؛ وثانياً بعض الأدلة التي ذكرت على ذلك.

 

المبحث الثاني: المقصود بالتغيُّر

التغيُّر لغةً: تغيَّر الشيء: إذا زال عن حاله([40]). والتغير: التبدُّل والانتقال. يُقال غيَّرت الشيء فتغيَّر([41]).

التغيُّر اصطلاحاً: لا يقصد من التغيُّر في اصطلاح الفقهاء إلاّ معناه اللغوي، وهو التبدُّل. وهذا ما يمكن أن يستفاد من كلمات الأعلام الذين عبَّروا بالتغيُّر تارة وبالتبدُّل أخرى. فيكون المقصود من تغيُّر الحكم الشرعي بتغيُّر الزمان والمكان هو تبدُّل الحكم الشرعي بتبدُّل الزمان والمكان. أي هناك تغييران، أحدهما متوقِّف على الآخر: تغيُّر الزمان والمكان المؤثِّر في تغيُّر الحكم الشرعي. وبما أن المقصود من الزمان والمكان ليس عنوانهما في نفسهما، وإنما المقصود هو الظروف والشرائط المحيطة، أي الزماني والمكاني، فإن المقصود من النظريّة تبدُّل الحكم الشرعي بتبدُّل الظروف المحيطة «الزماني والمكاني»، بمرور الزمان وتغيُّر المكان.

 

المبحث الثالث: أدلّة القول بتغيُّر الحكم الشرعي بتغيُّر الزمان والمكان

يمكن الاستدلال للمقام في الجملة بنوعين من الأدلة: بعض الروايات؛ وأقوال بعض الأعلام، التي يمكن أن نعتبرها كشاهدٍ، إنْ لم تصلح دليلاً.

 

1ـ الاستدلال ببعض الروايات

الأولى: سُئل أمير المؤمنين× عن قول الرسول|: «غيِّروا الشَّيْب ولا تشبَّهوا باليهود». فقال×: «إنما قال| ذلك والدين قُلٌّ، فأمّا الآن، وقد اتَّسع نطاقه وضرب بجرانه، فامرؤ وما اختار»([42]).

الثانية: روي عن محمد بن مسلم وزرارة، عن أبي جعفر×، أنّهما سألاه عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية؟ فقال: «نهى رسول الله| عن أكلها يوم خيبر، وإنما نهى عن أكلها في ذلك الوقت؛ لأنها كانت حمولة الناس. وإنما الحرام ما حرم الله في القرآن»([43]).

الثالثة: عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عمَّنْ سمعه، وقد سمّاه، عن أبي عبد الله× قال: سألتُه عن الزكاة ما يأخذ منها الرجل، وقلتُ له: إنه بلغنا أن رسول الله| قال: أيّما رجل ترك دينارين فهما كيٌّ بين عينيه؟ قال: فقال: «أولئك قوم كانوا أضيافاً على رسول الله|، فإذا أمسى قال: يا فلان، اذهب فعشِّ هذا، فإذا أصبح قال: يا فلان، اذهب فغدِّ هذا، فلم يكونوا يخافون أن يصبحوا بغير غداء ولا بغير عشاء، فجمع الرجل منهم دينارين، فقال رسول الله| فيه هذه المقالة، فإن الناس إنما يعطون من السنة إلى السنة، فللرجل أن يأخذ ما يكفيه ويكفي عياله من السنة إلى السنة»([44]).

الرابعة: عن حمّاد بن عثمان، قال: كنت حاضراً عند أبي عبد الله× فقال له رجلٌ: أصلحك الله، ذكرت أن عليّ بن أبي طالب كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجيِّد، قال: فقال له: «إن عليّ بن أبي طالب× كان يلبس ذلك في زمانٍ لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشُهِر به، فخيرُ لباس كلّ زمان لباس أهله»([45]).

الخامسة: عن مسعدة بن صدقة: دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله×، فرأى عليه ثياباً بيضاً كأنها غرقئ البيض، فقال: إن هذا اللباس ليس من لباسك…، فقال الإمام، بعد كلامٍ له: «إن رسول الله| كان في زمانٍ مقفر جدب، فأما إذا أقبلت الدنيا فأحقُّ أهلها بها أبرارها لا فجارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها»([46]).

السادسة: عن أبي بكر الحضرمي قال: سمعتُ أبا عبد الله× يقول: «لسيرة علي× في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس، إنه علم أنّ للقوم دولة، فلو سباهم لسُبِيَتْ شيعته»([47]).

السابعة: روى المعلّى بن خنيس: إذا جاء حديثٌ عن أوّلكم، وحديثٌ عن آخركم، بأيِّهما نأخذ؟ فقال: «خذوا به، حتّى يبلغكم عن الحيّ، فخذوا بقوله، فوالله لا ندخلكم إلاّ في ما يسعكم»([48]).

الثامنة: روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله× قال: سألتُه عن إخراج لحوم الأضاحي من منى؟ فقال: «كنّا نقول: لا يخرج منها بشيءٍ؛ لحاجة الناس إليه، وأما اليوم فقد كثر الناس، فلا بأس بإخراجه»([49]).

التاسعة: روى الحكم بن عتيبة، عن أبي جعفر×، قال: قلتُ له: إن الديات إنما كانت تؤخَذ قبل اليوم من الإبل والبقر والغنم، قال: فقال: «إنما كان ذلك في البوادي قبل الإسلام، فلما ظهر الإسلام، وكثرت الورق في الناس، قسمها أمير المؤمنين× على الورق». قال الحكم: قلتُ: أرأيت مَنْ كان اليوم من أهل البوادي، ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم؟ إبل أم ورق؟ فقال: «الإبل اليوم مثل الورق، بل هي أفضل من الورق في الدية. إنهم كانوا يأخذون منهم في دية الخطأ مائة من الإبل، يحسب لكلّ بعير مائة درهم، فذلك عشرة آلاف»([50]).

هذه بعض الروايات التي يمكن أن يستدلّ بها على إمكانية تغيُّر الحكم الشرعي بتغيُّر الزمان والمكان.

 

2ـ أقوال بعض العلماء

1ـ روى الشيخ الصدوق& في مَنْ لا يحضره الفقيه عن النبيّ| أنه قال: «الفرق بين المسلمين والمشركين التلحّي بالعمائم». ثم قال في شرح الحديث: ذلك في أوّل الإسلام وابتدائه. وقد نقل عنه| أيضاً أنه أمر بالتلحّي، ونهى عن الاقتعاط([51]).

قال الفيض الكاشاني بعد نقل الحديث: «التلحّي إدارة العمامة تحت الحنك، والاقتعاط شدّها من غير إدارة. وسنّة التلحّي متروكة اليوم في أكثر بلاد الإسلام، كقصر الثياب في زمان الأئمّة، فصارت من لباس الشهرة المنهيّ عنها»([52]).

2ـ يقول العلاّمة الحلّي&: «الأحكام منوطةٌ بالمصالح. والمصالح تتغيَّر بتغيُّر الأوقات، وتختلف باختلاف المكلفين. فجاز أن يكون الحكم المعين مصلحة لقوم في زمان، فيؤمر به، ومفسدة لقوم في زمان آخر، فينهى عنه»([53]).

3ـ قال الشهيد الأول محمد بن مكّي العاملي&: «يجوز تغيير الأحكام بتغير العادات، كما في النقود المتعاورة، والأوزان المتداولة، ونفقات الزوجان والأقارب؛ فإنها تتبع عادة ذلك الزمان الذي وقعت فيه. وكذا تقدير العواري بالعوائد»([54]).

4ـ يقول المحقِّق الأردبيلي&: «ولا يمكن القول بكلية شيء، بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات والأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص. وهو ظاهرٌ»([55]).

5ـ قال صاحب الجواهر&، في مسألة بيع الموزون مكيلاً، وبالعكس: «الأقوى اعتبار التعارف في ذلك، وهو مختلفٌ باختلاف الأزمنة والأمكنة»([56]).

6ـ يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء&، في تحرير المجلّة في ذيل المادة 39: «لاينكر تغيير الأحكام بتغير الأزمان». قد عرفت أن من أصول مذهب الإمامية عدم تغيير الأحكام إلاّ بتغيير الموضوعات؛ إما بالزمان والمكان والأشخاص… نعم يختلف الحكم في حقّ الشخص الواحد باختلاف حالاته من بلوغ ورشد وحضر وسفر وفقر وغنى وما إلى ذلك من الحالات المختلفة. وكلها ترجع إلى تغيير الموضوع، فيتغيَّر الحكم»([57]).

7ـ يقول الإمام الخميني&: «أما بالنسبة إلى الدروس والبحوث داخل الحوزات فإني أؤمن بالفقه التقليدي والاجتهاد الجواهري. وأرى عدم جواز التخلُّف عنه. الاجتهاد بهذا النهج صحيح. ولكنْ لا يعني هذا أن الفقه الإسلامي يفتقر إلى المرونة، بل إن الزمان والمكان عنصران رئيسيان في الاجتهاد. فمن الممكن أن تجد مسألةً كان لها في السابق حكمٌ، وإن نفس المسألة تجد لها حكماً جديداً في ظلّ العلاقات المتغيِّرة والحاكمة على السياسة والاجتماع والاقتصاد في نظامٍ ما»([58]).

 

المبحث الرابع: بيان النظريّة، وتحرير محلّ النزاع

بعد ما تقدَّم نقول: إن المراد من تغيُّر الحكم الشرعي بتغيُّر الزمان والمكان هو أن تكون الظروف والأوضاع موجبة لتبدُّل الحكم، من دون أن يكون في النصّ إشارة إلى هذا النوع من التغيير. وإلاّ لو كان التشريع الأوّل متضمِّناً لتغيُّر الحكم في الزمان الثاني فهو خارجٌ عن محلّ البحث، وإنْ كان يمكن الاستئناس به؛ إذ لا يكون للبحث موضوعية حينئذٍ.

وبناء على ذلك يخرج مثل الموارد التالية عن محل البحث:

1ـ اختلاف الحكم الشرعي في دار الحرب مع غيرها، مثلاً: لو ارتكب المسلم فعلاً يستتبع الحدّ فلا يقام عليه في دار الحرب، بخلاف ما لو كان في دار الإسلام.

2ـ اختلاف المجاهدين والمنفقين قبل الفتح وبعده، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى‏ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبيرٌ﴾ (الحديد: 10).

3ـ مَنْ زنى في شهر رمضان نهاراً أو ليلاً عوقب بالإضافة إلى الحدّ؛ لانتهاكه حرمة الشهر المبارك، وكذا لو كان في مكانٍ شريف.

4ـ نسخ الحكم في الزمان الثاني، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ﴾ (المجادلة: 12)، فقد نسخ بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ (المجادلة: 13).

5ـ تغيير الأحكام بطروء العناوين الثانوية، كالضَّرَر، والحَرَج، وتقديم الأهم على المهم، والنذر والعهد واليمين، وما أشبه ذلك.

والمتحصِّل أن محور البحث هو أن الظروف المختلفة هي العامل الوحيد لتغيُّر الأحكام بعد التشريع الأول. وهذه هي التي تبعث على الإمعان في بقاء التشريع الأول أو زواله. وأما إذا قام الشارع بنفسه ببيان اختلاف الحُكْمَيْن في الظرفين فهو خارج عن محل البحث، وإنْ كان ربما يقرِّب فكرة التأثير، ويستأنس به المجتهد، أو كان التغيير لأجل طروء عناوين ثانوية، كالاضطرار والحرج. ثم إن الحكم المستنبط والمحكوم به حينئذٍ هو حكم واقعي، وليس ظاهرياً؛ وذلك لعدم أخذ عنوان الشكّ في موضوعه، ولا حكماً واقعياً ثانوياً.

 

المبحث الخامس: خصائص هذه النظريّة

من خلال ما مرّ، ومن خلال استقراء أقوال أصحاب هذه النظرية، نستطيع أن نقول: إن من خصائص هذه النظرية ـ ومن خلالها يتَّضح فرق هذه النظرية عن نظرية الهرمنوطيقا ـ ما يلي:

1ـ الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: أحكام منصوصة أساسية جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية، كوجوب الصلاة والصيام، وكحرمة المحرَّمات المطلقة؛ وأحكام غير منصوصة، اجتهادية استنباطية، تعتمد على أصول وقواعد عامة وأصول عملية، وتعتمد على المصالح والمفاسد وبعض القياسات. وفي اعتقاد أصحاب هذه النظرية أن الذي يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان هو القسم الثاني من الأحكام الشرعية، أي الأحكام الاجتهادية الاستنباطية، دون القسم الأول؛ لأنه لا اجتهاد في قبال النصّ([59]).

2ـ على فرض أن للزمان والمكان تأثيراً على مطلق الأحكام الشرعية، حتّى المنصوصة، إلاّ أنه لا بُدَّ من مراعاة أصلين مهمين وثابتين: الأول: حصر التشريع في الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لله﴾، فإن تغيير الزمان والمكان يجب أن لا يتنافى مع حصر التشريع بالله سبحانه؛ الثاني: خلود الشريعة والأحكام، فإنه يجب أن لا يكون هناك تنافٍ بين خلود الشريعة وتأثير الزمان والمكان على الحكم الشرعي والاستنباط. فمع مراعاة هذين الأصلين لا فرق حينئذٍ بين الأحكام الاجتهادية والمنصوصة([60]).

3ـ التغيير ليس المراد أولاً وبالذات؛ أي ليس المراد التغيير لأجل التغيير، وإنما هو وسيلة تهدف إلى مواكبة العصر والتطوُّر، وتلبية حاجات المجتمع الجديدة، والنظر في قضايا الواقع وإخضاعها للشريعة. وبالتالي صياغة شريعة تستوعب متطلبات الحياة الإنسانية في حاضرها ومستقبلها، ليكون ذلك جسراً سليماً للعبور إلى الآخرة([61]).

4ـ الذي يقوم بعملية التغيير أصحاب الاختصاص فقط. وهو أمرٌ يحكم به الشرع والعقل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في‏ شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسُولِ﴾ (النساء: 59). وأصحاب الاختصاص هؤلاء يجب أن تتوفَّر فيهم مواصفات وشروط، شأنهم في ذلك شأن كلّ المتخصِّصين. وهذا التخصُّص يعني القابلية على الاستنباط من مصادر التشريع، ومحاكمة الفكر وتمحيصه، وذلك لا يكون إلاّ للمجتهد الجامع للشرائط([62]).

5ـ المعنيّ بالتغيير ـ وهو المجتهد ـ يجب أن يكون، بالإضافة إلى اجتهاده، مفكِّراً منفتحاً على الحياة والواقع، ومدركاً لضغوطاتها ومشكلاتها، وملمّاً بقضايا العصر وأفكاره وثقافاته، يعيش مع الناس وفي وسطهم، ويطّلع على احتياجاتهم، ويواكب متغيِّرات أنماط معيشتهم. وبعبارة أخرى: يجب أن يكون عارفاً بزمانه، وقادراً على تشخيص مصلحة المجتمع والأمة، وأن تكون لديه الرؤية الصحيحة، والقدرة على اتّخاذ القرار في المجال الاجتماعي والسياسي، كما يقول الإمام الخميني&([63]).

6ـ المجتهد بضمّ الزمان والمكان يبذل جهده في فهم الكتاب والسنّة؛ لاستنباط الحكم الشرعي الواقع في هذه الظروف، ويكون حكمه كسائر الأحكام التي سيستنبطها المجتهد في غير هذا المقام. فالحكم بجواز بيع الدم أو المني أو سائر الأعيان النجسة التي ينتفع بها في هذه الأيام ليس حكماً ظاهرياً، ولا مستخرجاً من باب الضرر والحَرَج، وإنما هو حكم واقعي، كسابقه «أي التحريم»، غير أن الحكم السابق كان مبنياً على عدم الانتفاع بالأعيان النجسة انتفاعاً معتدّاً به، وهذا الحكم مبنيّ على تبدُّل الموضوع([64]) .

7ـ من المفترض أن يكون للتغيير المبتني على الاجتهاد مرجعية ثابتة ترافقه أينما حلَّ، كما أن أصل الاجتهاد يعتمد عليها؛ وذلك لاعتماده على الاجتهاد. وهذه المرجعية يتمّ الرجوع إليها لضبط عملية الفكر في الاستنباط، حتّى لا يكون التحرُّك بشكل عشوائي. هذه المرجعية متمثلة بالقرآن والسنّة والعقل والإجماع المعتبر.

8ـ دواعي التغيير تتعدَّد بتعدد الحاجة إليه. فالتجديد والتغيير هو سنّة الله على الأرض، ولكلِّ مرحلةٍ خصوصياتها واحتياجاتها.

9ـ هناك أمور ثابتة عرفاً لا يستغني عنها الإنسان، موجودة في كلّ مجتمع، وفي كل زمان ومكان، لا تتغير بتغير الظروف والثقافات، كالحاجة إلى الزوجة والأولاد، والاستقرار في منزل، والحاجة إلى الأصدقاء والمجتمع و… من هنا فإن من المسلَّم به وجود أمور ثابتة في حياة الإنسان، وليس بضرورة أن تتغيَّر، وليس عيباً أن لا تتغيَّر، بل العيب في أن تتغيَّر.

 

المبحث السادس: بعض مصاديق التغيير

نذكر هنا بعض مصاديق هذه النظرية، تطبيقاً لها، من باب المثال:

1ـ تأثير الزمان والمكان في تطبيق الموضوعات على مواردها: كالاستطاعة والغنى والفقر والنفقة للزوجة. فمن الواضح أن هذه الموضوعات تتغيَّر حسب تغيُّر أساليب الحياة.

2ـ تأثير الزمان والمكان في تغيُّر الحكم بتغيُّر المناط. فعندما يكون مناط الحكم معلوماً، ويتغيَّر بتغيُّر الظروف، فإن الحكم يتغيَّر أيضاً، كحرمة بيع الدم؛ لملاك ومناط عدم المنفعة، وعندما اكتشف العلم وجود منفعة، ومنفعة عظيمة في الدم، تغيَّر الحكم؛ بتغيُّر المناط.

3ـ تأثير الزمان والمكان في كشف مصاديق جديدة للموضوع، أي يساهمان في إسراء الحكم إلى موضوع لم يكن موجوداً في عصر التشريع؛ وذلك بفضل الملاك المعلوم، كما في مسألة الدفاع عن بيضة الإسلام، فإنه قانونٌ ثابت لا يتغيَّر، لكنّ الذي يتغيَّر هو الوسائل التي يجب الدفاع من خلالها. فسابقاً كان الدفاع بالسهم والنصل والسيف، أما اليوم فلم تعُدْ تلك الوسائل مجدية، فهناك معدّات حربية متطوّرة جدّاً ينطبق عليها نفس الحكم ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾، وهو وجوب الاستعداد للدفاع عن الإسلام.

4ـ تأثير الزمان والمكان في تغيير أساليب تنفيذ الأحكام.

5ـ تأثير الزمان والمكان في بلورة موضوعات جديدة.

6ـ تأثير الزمان والمكان في تفسير القرآن.

7ـ تأثير الزمان والمكان في تفسير السنّة.

8ـ تأثير الزمان والمكان في الأحكام الحكومية([65]) .

إلى غير ذلك من التأثيرات التي لا تتَّسع لبيانها هذه العجالة، والتي إنْ شاء الله سوف نقوم باستيفائها في رسالة خاصّة.

 

خاتمة

تحصَّل إلى هنا أن ما يقول به بعض الفقهاء من تغيُّر الحكم الشرعي بتغيُّر الزمان والمكان يختلف جدّاً عمّا يقول به أصحاب نظريّة القراءات المتعدِّدة أو الهرمنوطيقا؛ حيث إن المجتهد في نظريته يحاول أن يخضع الظروف والمتغيِّرات والمستحدثات للحكم الشرعي، وأسلمتها، وتقنينها بما يتناسب مع الزمان والمكان، وبإرجاعها إلى الأصول والقواعد والمصادر الأساسية التي ذكرناها، أو على الأقلّ أن لا يكون الحكم مخالفاً لها، مراعياً في ذلك ما ذكرناه من الأصلين. فيقوم المجتهد بتشخيص الاختلافات؛ باعتبار الخصوصيات والأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص، وتطبيقها على الجزئيّات المأخوذة من الشرع الشريف.

أما الهرمنوطيقا أو القراءات المتعدِّدة فإن القارئ والمفسِّر يحاول إخضاع النصّ الديني للظروف والأحوال، وتقنينه بحسب ما يقتضيه الزمان والمكان من الحداثة والتمدُّن. فقد تأتي مرحلةٌ من التطوُّر لا تتناسب فيه الصلاة مع هذا النوع من التطوُّر، أو لا يتناسب فيه الحجاب معه ـ كما أن الكثير من الأبواق تنادي بذلك اليوم ـ، وقد تصل المسألة إلى درجةٍ يشعر فيها الإنسان بالحَرَج من الصلاة أو الحجاب، مع أنه في دولةٍ مسلمة، وقد ينادي البعض بحرمة واجب، ووجوب محرَّم أو جوازه، لكنْ ـ كما قلنا ـ لانتشار أهداف العولمة والهرمنوطيقا، والتي منها ـ كما ذكرنا ـ التركيز على الأخلاق، وأن الدين تاريخيٌّ لتاريخية الإنسان، فليس مهمّاً بعد ذلك أن تبقى هناك ثوابت أو لا.

في الختام يمكن القول: إن نظرية تأثُّر الحكم الشرعي بالزمان والمكان أقرب ما تكون إلى الهرمنوطيقا الكلاسيكية؛ وذلك لأن الكلاسيكية تحافظ على نصٍّ ثابت، وفهم ثابت، وتدعي إمكانية فهم وتفسير مراد المؤلِّف والمتكلِّم، لكنْ مع فارقٍ، وهو أن الحكم الشرعي الناتج من الاستنباط المتأثِّر بالزمان والمكان لا ينتجه إلاّ ذوو الخبرة والاختصاص من العلماء، كما مرّ.

وهي أبعد ما تكون عن الهرمنوطيقا الفلسفية؛ وذلك لأن الفلسفية لا تبقي على معنى للنصّ الديني، ولا تذر ولا تبقي للدين قائمةً. وفي نظرنا أن هذه النظرية الفقهية هي نوعٌ من الهرمنوطيقا، بل إن مطلق الاجتهاد نوع من الهرمنوطيقا؛ لأنّ الاجتهاد هو فنّ قراءة وتفسير النصّ الديني، وفهم مراد الشارع؛ إذ ينطبق عليه تعريف الهرمنوطيقا اللغوي، وبالتالي يمكن أن نعتبره نوعاً ثالثاً من فنّ قراءة النصّ المعتمد على قواعد وضوابط ثابتة لا تتغيَّر، مع مراعاة الأحوال والظروف المحيطة بزمن المجتهد.

 

الهوامش

______________________

(*) أستاذٌ في جامعة قم.

(**) طالبٌ في مرحلة الدكتوراه في جامعة قم. من سوريا.

([1]) بابك أحمدي، ساختار وتأويل متن، مركز، ط2، طهران، 1372هـ.ش.

([2]) محمد عمارة، هذا هو الإسلام: قراءة النصّ الديني بين التأويل الغربي والتأويل الإسلامي: 7، مكتبة الشروق الدولية، ط1، القاهرة، 2006م.

([3]) برتراند راسل، حكمة الغرب، ترجمة: د. فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة 2: 17، العدد 72، مطبعة الرسالة، الكويت.

([4]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة: 6، دار المعارف، مصر، 1962م.

([5]) المصدر السابق: 301.

([6]) قربان علي هادي، نقد مباني هرمنوتيكي نظريه قرائت هاي مختلف أز دين: 77، جامعة المصطفى| العالمية، ط1، قم المقدسة، 1388هـ.ش.

([7]) أحمد واعظي، در آمدي بر هرمنوتيك: 55 ـ 56، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ وأنديشه إسلامي، ط6، طهران، 1389هـ.ش.

([8]) هادي، نقد مباني هرمنوتيكي: 81.

([9]) واعظي، در آمدي بر هرمنوتيك: 59.

([10]) محمد عرب صالحي، تاريخى نگري ودين: 68 ـ 73، مع تلخيص، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ وأنديشه إسلامي، ط1، طهران، 1391هـ.ش.

([11]) محمد عرب صالحي، فهم در دام تاريخى نگري «گادامر وتاريخ مندي فهم»: 121، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ وأنديشه إسلامي، ط1، طهران، 1389هـ.ش.

([12]) عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين 2: 10، بيروت، 1973م.

([13]) منى محمد بهي الدين الشافعي، التيّار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم، عرض ونقد: 56، طباعة دار اليسر، ط1، القاهرة، 1429هـ.

([14]) للاطلاع أكثر حول بعض الشخصيات المذكورة راجع: منى محمد بهي الدين، التيار العلماني الحديث: 76.

([15]) المصدر السابق: 92.

([16]) حسن حنفي، التراث والتجديد: 128 ـ 130، القاهرة، 1980م.

([17]) حنفي، دراسات إسلامية: 405، بيروت، 1982م.

([18]) حنفي، من العقيدة إلى الثورة 2: 639 ـ 646، القاهرة، 1988م.

([19]) المصدر السابق 2: 602، 604.

([20]) المصدر السابق 4: 34.

([21]) محمد أركون، الفكر العربي قراءة علمية: 246، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر، ط2، الدار البيضاء، 1996م.

([22]) نصر حامد أبو زيد، مفهوم النصّ، دراسة في علوم القرآن: 24، المركز الثقافي للطباعة والنشر، ط4، الدار البيضاء، 1998م.

([23]) أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية: 146، سينا للنشر، ط1، القاهرة، 1992م.

([24]) أبو زيد، نقد الخطاب الديني: 27، سينا للنشر، ط1، القاهرة، 1992م.

([25]) محمد شحرور، الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة: 194، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط4، لبنان، 1994م.

([26]) أركون، الفكر العربي، قراءة علمية: 173.

([27]) محمد سعيد عشماوي، الإسلام السياسي: 121، مكتبة مدبولي الصغير، القاهرة، ط4، 1996م.

([28]) شحرور، الكتاب والقرآن: 606.

([29]) أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل: 244، المركز الثقافي العربي، ط4، لبنان، 1996 م.

([30]) عشماوي، الإسلام السياسي: 214.

([31]) شحرور، الكتاب والقرآن: 508.

([32]) عشماوي، معالم الإسلام: 124، سينا للنشر، ط1، القاهرة، 1989م.

([33]) أحمد عبد المعطي حجازي، مقالات الأربعاء، الأهرام.

([34]) شحرور، الكتاب والقرآن: 445.

([35]) إسماعيل بن حمّاد الجوهري، الصحاح ـ تاج اللغة وصحاح العربية 5: 2131، دار العلم للملايين، ط1، بيروت، 1410هـ.

([36]) أحمد بن محمد المقري الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 2: 256، منشورات دار الرضي، ط1، قم المقدّسة.

([37]) أبو الحسن أحمد بن زكريا (ابن فارس)، معجم مقاييس اللغة 5: 148، مركز الطباعة والنشر التابع لمكتب التبليغات الإسلامية في الحوزة العلمية، ط1، قم المقدّسة، 1404هـ.

([38]) خليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين 5: 410، نشر هجرت، ط2، قم المقدّسة، 1410هـ.

([39]) جعفر السبحاني التبريزي، الإسلام ومتطلّبات العصر: 11، مؤسسة الإمام الصادق×، ط1، قم المقدّسة.

([40]) نشوان بن سعيد الحميري، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم 8: 5051، دار الفكر المعاصر، ط1، بيروت، 1420هـ.

([41]) فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين 3: 432، مكتبة مرتضوي، ط3، طهران، 1416هـ.

([42]) نهج البلاغة: 407، باب الحكم، حكمة 17، شرح: الشريف الرضي، مؤسسة نهج البلاغة، ط1.

([43]) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 24: 117، مؤسسة آل البيت^، ط1، قم المقدّسة، 1409هـ.

([44]) الصدوق، معاني الأخبار: 153، مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرّسين في الحوزة العلمية في قم، قم المقدّسة، 1403هـ.

([45]) وسائل الشيعة 5: 17.

([46]) وسائل الشيعة 5: 19.

([47]) الكليني، الكافي 5: 33، دار الكتب الإسلامية، ط4، طهران، 1407هـ.

([48]) الكافي، ج1، باب اختلاف الحديث، ح9.

([49]) وسائل الشيعة 14: 172.

([50]) وسائل الشيعة 29: 202.

([51]) الصدوق، من لا يحضره الفقيه 1: 266، مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم، ط2، قم المقدّسة، 1413هـ.

([52]) الفيض الكاشاني، الوافي 20: 746، مكتبة الإمام أمير المؤمنين×، ط1، أصفهان، 1406هـ.

([53]) الحسن بن المطهر الحلّي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 358، مؤسسة النشرالإسلامي، ط4، قم المقدّسة، 1413هـ.

([54]) الشهيد الأول، القواعد والفوائد 1: 152، مكتبة المفيد، ط1، قم المقدّسة.

([55]) الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان 3: 436، النشر الإسلامي، ط1، قم المقدّسة، 1403هـ.

([56]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 23: 375، دار إحياء التراث العربي، ط7، بيروت، 1404هـ.

([57]) كاشف الغطاء، تحرير المجلة 1: 34، المادّة 39، المكتبة الرضوية، ط1، النجف الأشرف، 1359هـ.

([58]) الخميني، صحيفة الإمام الخميني& 21: 262، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني&، ط4، طهران، 1428هـ.

([59]) السبحاني، الإسلام ومتطلبات العصر: 39 ـ 40.

([60]) المصدر السابق: 43.

([61]) محمد علي التسخيري، التجديد في الفكر الإسلامي وعنصر المرونة في الشريعة، مجلة آفاق الحضارة الإسلامية، العدد 15، فروردين 1384هـ.ش.

([62]) المصدر نفسه.

([63]) صحيفة الإمام الخميني& 21: 162.

([64]) السبحاني، الإسلام ومتطلّبات العصر: 47.

([65]) بتلخيصٍ عن المصدر السابق: 49 ـ 91.