بلوغ الذكر – دراسة استدلالية مقارنة في علامات البلوغ عند المذاهب الإسلامية

17 يونيو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
26٬460 زيارة

بلوغ الذكر – دراسة استدلالية مقارنة في علامات البلوغ عند المذاهب الإسلامية

علامات بلوغ الذكر

المراد بالبلوغ وصولُ الصبي إلى مرحلة معينة من الكمال البدني أو وصوله إلى سنّ معيّن، بحيث يكون مكلّفاً بالأحكام الإلزامية ويعاقب على تركها وتكون معاملاته الاقتصادية والتجارية صحيحة، ولا تحتاج إلى إجازة أحد أو إذنه، كما يؤاخذ بالحدود وتؤخذ له.

1 ـ علامات البلوغ عند أهل السنّة

قالت الحنفية: يُعرف بلوغ الذكر بالاحتلام وإنزال المني، فإذا لم يتحقق شيء من ذلك فبالسنّ وهو خمس عشرة سنة، وقال أبو حنيفة: لابدّ أن يتم ثماني عشرة سنة.

وقالت المالكية: يتحقّق البلوغ بإنزال المني في اليقظة أو في الحلم وإنبات شعر العانة الخشن، وبنتن الإبط، وبفرق أرنبة الأنف وبغلظة الصوت وبالسنّ، وهو أن يتم ثماني عشرة سنة، وقيل: بل بمجرّد دخوله فيها.

وقالت الشافعية: يعرف بلوغ الذكر بالإمناء وبإتمام خمس عشرة سنة.

وأما الحنابلة، فقالوا: يعرف بإنزال المني مطلقاً وبإنبات شعر العانة الخشن وبإتمام خمس عشرة سنة([1]).

والذي يبدو لنا هو: أما أنّ البلوغ يتحقّق بالاحتلام وإنزال المني فهو مما اتفقت عليه المذاهب الإسلامية كلّها، وأما دليل من قال بتحقق البلوغ بإتمام خمس عشرة سنة فهو ما رواه نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله 2 عرضه يوم أحُد ـ وهو ابن أربع عشرة سنة ـ فلم يجزني، ثم عرضني يوم الخندق وأنا وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازني، قال نافع: فقدمت على عمر بن عبدالعزيز ـ وهو خليفة ـ فحدّثته هذا الحديث فقال: إنّ هذا لحدٌّ بين الصغير والكبير، وكتب إلى عمّاله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة سنة([2]).

ويناقش هذا الاستدلال ـ بعد تسليم صحّة الحديث عندنا ـ أنه لم يظهر منه أن ردّ النبي 2 لابن عمر في يوم أحُد كان لأجل عدم بلوغه سنّ التكليف، ولا دليل على ذلك، فربما كان ردّه إياه لأجل ضعفه البدني وعدم قدرته على القتال، وربما كان لأمر خاص آخر غير واضح عندنا؛ ويدلّ على ما ذكرناه أنّ غير البالغ وإن لم يجب عليه الجهاد لكنه مستحبّ قطعاً ـ لشرعيّة عبادات الصبي ـ فلا موجب لردّ من يريد الجهاد بمجرّد عدم البلوغ إذا كان قادراً عليه؛ لأنه حرمان من أعظم العبادات.

وأما دليل القائل بتحقق البلوغ بالإنبات فهو ما روي عن عطية القرظي قال: عرضت على النبي 2 يوم قريظة فشكّوا فيّ؛ فأمر بي النبي 2 أن ينظروا إليّ هل أنبتّ بعد؟ فنظروا؛ فلم يجدوني أنبتّ؛ فخلّي عنّي وألحقني بالسبي([3]).

ونلاحظ هنا أنّه على فرض صحّة هذه الرواية.. تارة يفرض إثبات أن الإنبات بنفسه علّة تامة للبلوغ، وأخرى يفرض أنه أمارة وكاشف عن تحقق علّة البلوغ سابقاً وهو الاحتلام؛ فإن أريد إثبات الفرض الأول ـ كما هو ظاهر أكثر الفتاوى ـ فمن الواضح جداً أنّ الفعل الصامت للنبي 2 في هذه الواقعة لا يدل عليه أبداً. وإن أريد إثبات الفرض الثاني فغاية ما يمكن إثباته ـ بعد إلغاء خصوصية المورد ـ هو إثبات بلوغ المشرك بالإنبات إذا أريد ترتيب آثار البلوغ عليه، ولا يمكن إثبات بلوغ المسلم لا لنفسه ولا لغيره؛ لأن الإنبات ليس كاشفاً قطعياً عن سبق البلوغ بالاحتلام، بل هو كاشف ظني لا يصح الاعتماد عليه إلاّ بحجة شرعيّة ظاهرة، كما هو واضح، وقياس المسلم بالمشرك قياس باطل لا حجية له.

نظرية ابن حزم في مسألة البلوغ

ذهب ابن حزم الظاهري إلى أن أقصى سنّ البلوغ للذكر والأنثى هو إتمام تسع عشرة سنة، وذلك إذا لم تتحقق سائر علامات البلوغ، واستدلّ لذلك بأن النبي 2 ألزم الأحكام من خرج عن الصبا إلى الرجولة، ومن المتيقّن أن من أكمل التسع عشرة سنة ودخل في العشرين فقد فارق الصبا ولحق بالرجال، فتلزمه أحكام الرجال حينئذ([4]). ويبدو أنّ هذا الدليل هو مرجع من حدّد سنّ البلوغ بسبع عشرة سنة أو ثمان عشرة أيضاً.

ويمكن النقاش، أولاً: إنّ الخطابات القرآنية والنبوية لم توجَّه إلى الرجال بوصف الرجال، بل إلى الناس تارةً وإلى المؤمنين أخرى، كما هو واضح من الآيات والروايات؛ فمن أين عرفنا أنّ النبي 2 ألزم الرجال بالأحكام؟

ثانياً: إنّ الشارع حدّد سنّ البلوغ الذي به يؤخذ الإنسان بالأحكام والحقوق؛ فلا حاجة لهذه الفرضية أساساً.

2ـ علامات البلوغ في المذهب الإمامي

المشهور بين الإمامية أنّ البلوغ يتحقق إما بإنبات الشعر الخشن على العانة وإما بخروج المني وإما بإتمام خمس عشرة سنة، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات بعضهم، وبما أن الإجماع اعتبر مستنداً لدى بعض الفقهاء فينبغي ـ أولاً ـ عرض آراء العلماء المتقدمين وكلماتهم، وهي كما يلي:

1 ـ الشيخ الصدوق (381هـ): قال في مبحث الصوم: إنّ الغلام يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيقه؛ فإن أطاقه إلى الظهر أو بعده صام إلى ذلك الوقت، فإذا غلب عليه الجوع والعطش أفطر، وإذا صام ثلاثة أيام ولاءً أخذ بصوم الشهر كلّه، وروي أن الغلام يؤخذ بالصوم ما بين (أربع عشرة) سنة إلى (خمس عشرة) سنة إلى (ست عشرة) سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك، وروي عن أبي عبدالله % أنه قال: <على الصبي إذا احتلم الصيام وعلى المرأة إذا حاضت الصيام والخمار..>([5]).

وذكر في كتاب من لا يحضره الفقيه ما يقرب من ذلك([6])، وأورد في هذا الكتاب ـ وهو كتاب يعبّر عن رأيه ـ في باب انقطاع يُتم اليتيم روايةَ عبدالله بن سنان الآتية التي تجعل البلوغ في إكمال ثلاث عشرة سنة([7])، بل في كتاب الخصال عنون الباب بـ (حد بلوغ الغلام ثلاث عشرة سنة إلى أربع عشرة سنة)، ثم ذكر حديث ابن سنان؛ وهذا دليل على اختياره لهذه النظرية وفتواه بمضمون الحديث([8]).

2 ـ الشيخ المفيد (413هـ): قال في مبحث الصوم أيضاً: ويؤخذ الصبي بالصيام إذا بلغ الحلم أو قدر على صيام ثلاثة أيام متتابعات قبل أن يبلغ الحلم، بذلك جاءت الآثار([9])، ولم يذكر المفيد سنّاً معيّناً لوجوب الصوم على الصبي.

3 ـ الشيخ الطوسي (460هـ): يتراءى من كلمات الطوسي تعدّد آرائه واختلافها في المسألة؛ ففي كتابه الخلاف ادعى إجماع الفرقة على أنّ الإنبات دليل على بلوغ المسلمين والمشركين، وعلى أن حدّ البلوغ في الذكور بالسنّ خمس عشرة سنة([10]). وفي كتاب حَجْر المبسوط ذكر ما يقرب من ذلك([11])، وفي كتاب اللعان كذلك([12])، ومثله في كتاب الحدود([13]).

لكن الشيخ نفسه أورد في كتابه: النهاية، تحت عنوان باب جامع في القضايا والأحكام، روايةَ أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر % قال: <قلت له: جعلت فداك في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: في ثلاث عشرة أو أربع عشرة قلت: فإنه لم يحتلم بعدُ. قال: وإن لم يحتلم، فإن الأحكام تجري عليه>([14])، ولم يعلّق عليها الطوسي بشيء، الأمر الذي يدلّ على قبوله لمضمونها، إلاّ أنه في الكتاب نفسه يظهر منه عدوله عن ذلك، ففي كتاب الوصية قال: وحدّ بلوغ الصبي إما أن يحتلم أو يُشعر أو يكمل عقله، فمتى حصل فيه شيء من هذه الأوصاف فقد دخل في حدّ الكمال ووجب على وليّه تسليم ماله إليه وتمكينه من التصرّف فيه([15])، وهنا نجد أنّ الطوسي لم يذكر التحديد بالسنّ، كما أبدل الإنبات بالإشعار.

4 ـ القاضي ابن البراج (481هـ): قال في كتاب الوصية: وحدّ بلوغ الغلام احتلامه أو كمال عقله أو أن يشعر، وحد بلوغ المرأة تسع سنين..([16]). ومن البيّن أن عدم ذكر سنّ معين لبلوغ الغلام وذكره لبلوغ المرأة يكشف عن رفضه للتحديد بالسن.

5 ـ ابن حمزة الطوسي (560هـ): قال: وبلوغ الرجل يحصل بأحد ثلاثة أشياء: الاحتلام والإنبات وتمام خمس عشرة سنة([17]).

6 ـ ابن زهرة الحلبي (585هـ): قال: البلوغ يكون بأحد خمسة أشياء: السنّ وظهور المني والحيض والحلم والإنبات، بدليل إجماع الطائفة، وحدّ السنّ في الغلام خمس عشرة سنة، وفي الجارية تسع سنين؛ بدليل الإجماع المشار إليه([18]).

7 ـ ابن إدريس الحلي (598هـ): قال: وحدّه ـ أي البلوغ ـ إما بالاحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة أو الإنبات، وهو خشونة العانة([19]).

8 ـ المحقق الحلي (676هـ): قال: البلوغ الذي يجب معه العبادات: الاحتلام أو الإنبات أو بلوغ خمس عشرة سنة في الرجال على الأظهر([20]).

9 ـ العلامة الحلي (726هـ): ذكر في كتاب قواعد الأحكام مثل ما ذكر المحقّق الحلي([21]). وفي المختلف قال: المشهور أن حدّ بلوغ الصبي خمس عشرة سنة، وقال ابن الجنيد: أربع عشرة سنة. لنا: الأصل بقاء الحجر، احتجّ (ابن الجنيد) بما رواه أبو حمزة الثمالي ـ السابق ذكره ـ ([22]) ثم ضعّف الرواية سنداً.

ونكتفي بهذا القدر من ذكر الأقوال والكلمات، ولا نرى ما يدعو إلى نقل كلمات المتأخرين عن هؤلاء، والمهم التعرّض لأدلّة القول المشهور والتحقيق فيها.

العلامة الأولى: الاحتلام

أجمع العلماء السنّة والشيعة على أن الاحتلام علامة البلوغ، بل مطلق خروج المني في النوم أو اليقظة، ويظهر منهم أن الاحتلام بنفسه سبب وعلة تامة لتحقق البلوغ، وليس كاشفاً عن سبب سابق له، وهذا كله لا إشكال ولا غبار عليه؛ ويدلّ عليه آيات من الكتاب الكريم، منها قوله تعالى: >وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ< (النساء: 6)، وقوله تعالى: >وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ< (النور: 59)، وقوله تعالى: >وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ< (الإسراء: 3 ـ 4، والأنعام: 152)، والمراد بالأشدّ الاحتلام كما رواه ابن سنان في الموثق ـ على كلام يأتي ـ عن أبي عبدالله %
قال: <سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله عز وجل: >حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ<قال: الاحتلام..>([23]).

والآية المسؤول عنها في الرواية وإن كانت غير الآية المستدل بها لكن الظاهر أنّ معنى الأشد فيهما واحد.

وأما الروايات التي تدلّ على تحقق البلوغ بالاحتلام وخروج المني فهي كثيرة جداً بالغة حدّ التواتر، متناثرة في أبواب مختلفة من الفقه.

ماذا يعني الاحتلام على وجه الدقّة؟

الوارد في الروايات الكثيرة هو عنوان الاحتلام، ويظهر من موارد استعماله أنه الإنزال في حال النوم، إلا أنّ من الواضح جداً أنه لا خصوصية للإنزال في النوم؛ فالمراد مطلق الإنزال، كما يظهر من الفتاوى، ولكن قد يقال ـ كما في جواهر الكلام([24]) ـ: إنّ العلامة هي في الواقع الاستعداد لخروج المني بالقوّة القريبة من الفعل، وذلك بتحريك الطبيعة والإحساس بالشهوة سواء انفصل المني معه أم لم ينفصل لكن بحيث لو أراد ذلك بالوطئ أو الاستمناء تيسّر له ذلك، بل عن المفسّرين أنّ المراد بقوله: >بَلَغُوا النِّكَاحَ< <بلغوا النكاح> شهوة النكاح والقدرة على الإنزال.

وهذا وإن كان ربما يظهر من آية بلوغ النكاح، لكن الروايات والأخبار الصحيحة علّقت البلوغ على الاحتلام عينه، الظاهر في الإنزال خارجاً، وهي أحاديث صادرة عن أئمة الهدى ( المفسّرين الحقيقيين للقرآن الكريم، فيشكل الحكم بالبلوغ قبل الاحتلام والإنزال بمجرّد قدرته عليه، وإلا كان الاحتلام كاشفاً عن البلوغ لا بلوغاً بنفسه، لسبق القدرة على النكاح على الاحتلام عادةً، ولازمه وجوب قضاء ما فاته قبل الاحتلام، وهو أمر لا يمكن الالتزام به، بل ظاهر الروايات أنّ الاحتلام بنفسه بلوغ وليس كاشفاً عن سَبْقِه، كما هو ظاهر الفتاوى.

العلامة الثانية: إنبات الشعر، قراءة نقدية

والمراد إنبات الشعر الخشن على العانة بالخصوص. وقد استدلّ على كونه بلوغاً أو علامةً عليه بأمرين:

الأول: الإجماع؛ فقد ادّعاه الشيخ الطوسي في الخلاف([25]) كما تقدّم، ونسب إلى غيره؛ ويلاحظ عليه:

أولاً: منع الصغرى؛ فإنّ الشيخ الصدوق والمفيد لم يذكرا الإنبات دليلاً على وجوب الصوم على الصبي، كما تقدّمت عبارتهما، الأمر الذي يكشف عن عدم اعتبارهما الإنباتَ دليلاً على البلوغ، بل إنّ الطوسيّ نفسه لم يذكر الإنبات في المبسوط ـ كما تقدم ـ وإنما ذكر الإشعار، وتبعه القاضي ابن البراج كما مرّت عبارته، وكل ذلك شاهد على أنه لا إجماع في البين.

ثانياً: منع الكبرى، فإنّه بناء على حجيّته إجماعٌ مدركي أو محتمل المدركية، لا حجيّة له، وإنما الحجة لمدركه إن تمّ.

الثاني: الروايات وهي:

الرواية الأولى: رواية أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه ‘ أنه قال:
<عرضهم رسول الله 2 يومئذ ـ يعني يوم قريظة ـ على العانات، فمن وجد أنبت قتله، ومن لم يجده أنبت ألحقه بالذراري>.

وهي ضعيفة سنداً ودلالة، أما سنداً فبأبي البختري وهب بن وهب الذي عبّر عنه النجاشي بأنه كان كذاباً، وقال عنه الشيخ: عامي المذهب ضعيف، كما ضعّفه آخرون([26]). وأما دلالةً فقد تقدم عند ردّنا على استدلال أهل السنّة.

الرواية الثانية: رواية حمران قال: <سألت أبا جعفر % قلت له: متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامة، وتقام عليه ويؤخذ عليه ويؤخذ بها؟ قال: إذا خرج عنه اليُتم وأدرك، قلت: فلذلك حدّ يُعرف به؟ فقال: إذا احتلم، أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر أو أنبت قبل ذلك، أقيمت عليه الحدود التامة، وأخذ بها، وأخذت له ـ إلى قوله ـ قال: والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج من اليتم، حتى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك>([27]).

ورواها الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد([28])، وقد عبّر عنها في الجواهر([29]) بالصحيح، إلاّ أنه غير صحيح، فإنها ضعيفة سنداً لا يجوز التعويل عليها بوجه، وذلك:

أولاً: بعبد العزيز العبدي، فعلاوة على عدم ورود توثيق بشأنه، قد ضعّفه النجاشي صريحاً([30])، فمن الغريب أن يقول صاحب الجواهر: إنه لم ينص عليه بمدح ولا ذم!

ثانياً: بحمزة بن حمران، فإنه لم يوثق بالخصوص، نعم روى عنه صفوان وابن أبي عمير، فبناء على قبول دعوى أنهما لا يرويان إلاّ عن ثقة ـ كما ادّعاه الطوسي ـ تثبت وثاقته، وإلاّ ـ كما هو الحقّ ـ فلا دليل على وثاقته.

وقد يجاب عن ضعف هذه الرواية والروايات الآتية الضعيفة بأنها منجبرة بعمل الأصحاب وفتواهم طبقها. لكنّه جواب قد ثبت في محلّه ضعفه ووهنه، وأنّ الشهرة لا تجبر ضعف الرواية سنداً ومتناً، إضافةً إلى أننا لا علم لنا باستناد مشهور الفقهاء إلى هذه الروايات فقد يكون دليلهم أمراً آخر لم يصل إلينا.

الرواية الثالثة: خبر بريد (يزيد) الكناسي، عن أبي جعفر % ـ في حديث ـ قال: <إن الغلام إذا زوّجه أبوه ولم يدركه كان بالخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك. قلت: فإن أدخلت عليه امرأته قبل أن يدرك فمكث معها ما شاء الله ثم أدرك بعدُ فكرهها وتأبّاها؟ قال: إذا كان أبوه الذي زوّجه ودخل بها ولد منها وأقام معها سنة فلا خيار له إذا أدرك ولا ينبغي له أن يردّ على أبيه ما صنع ولا يحلّ له ذلك، قلت: فإن زوّجه أبوه ودخل بها وهو غير مدرك أتقام عليه الحدود وهو في تلك الحال؟ قال: أما الحدود الكاملة التي يؤخذ بها الرجل فلا، ولكن يُجلد في الحدود كلّها على قدر مبلغ سنّه يؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة، ولا تبطل حدود الله في خلقه، ولا تبطل حقوق المسلمين فيما بينهم، قلت له: جعلت فداك فإن طلّقها في تلك الحال ولم يكن قد أدرك أيجوز طلاقه؟ فقال: إن كان قد مسّها في الفرج فإن طلاقها جائز عليها وعليه، وإن لم يمسّها في الفرج ولم يلذّ منها ولم تلذ منه فإنها تعزل عنه وتصير إلى أهلها فلا يراها ولا تقربه حتى يدرك ويقال له: إنك كنت قد طلقت امرأتك فلانة فإن هو أقرّ بذلك وأجاز الطلاق كانت تطليقة بائنة وكان خاطباً من الخطّاب>([31]).

لكنّ الاستدلال بهذه الرواية على أنّ الإنبات بلوغٌ غير صحيح؛ وذلك:

أولاً: إنها ضعيفة سنداً؛ لأن الراوي عن الإمام % إن كان بريد الكناسي فهو مهمل لم يذكره أصحاب الرجال إلاّ الشيخ الطوسي ذكره في رجاله مهملاً من دون توثيق، وإن كان يزيد ـ أبا خالد ـ الكناسي، كما نقله صاحب الوسائل عن نسخةٍ، فكذلك على التحقيق إذ لم يرد في حقه توثيق لا خاص ولا عام، نعم احتمل السيد الخوئي([32]) أنه نفس يزيد أبي خالد القماط الثقة، لكنه احتمال ليس عليه دليل تركن إليه النفس، خصوصاً بعد أن أفرد البرقي لكلّ منهما عنواناً خاصاً مما يدلّ على تعدّد الرجلين، بل يدل عليه أيضاً أنّ روايات يزيد أكثرها عن الإمام الباقر % وقليل منها عن الإمام الصادق % بخلاف يزيد أبي خالد القماط فإنها على العكس من ذلك، وهو لم يرد إلا مكنّى بأبي خالد القماط من دون الاسم، فراجع. كما أنّ الظاهر أنّ الراوي هو يزيد الكناسي لا بريد، كما في التهذيبين المطبوعين، وكما في الكافي([33]) والوافي([34]).

ثانياً: إنها ضعيفة متناً ودلالة؛ فقد تضمّنت أحكاماً غريبة لم تُنقل عن أحد، إضافةً إلى أنه يظهر منها عدم اعتبار بلوغ النكاح والإنزال بلوغاً وإدراكاً، فإنه عطف على قوله: <إذا أدرك> قوله: <بلغ خمس عشرة سنة> بالواو الظاهرة في التفسير، ولم يذكر الاحتلام، ويشهد لذلك أيضاً قوله في الجواب: <إذا كان أبوه الذي زوّجه ودخل بها ولذّ منها وأقام معها سنة فلا خيار له إذا أدرك> فقد جعل الإدراك متأخراً عن الدخول والالتذاذ الذي هو كناية عن الإنزال.

فهذا كلّه وغيره يوجب سلب الوثوق عن الرواية والذي هو المعيار عندنا في الحجية، ونحتمل قوياً أنّ هذه الإشكالات في الرواية هي التي أدّت إلى تقطيع الشيخ الكليني([35]) الرواية، وحذفه العبارات المشكّك فيها، وستأتي إن شاء الله تعالى الرواية من الكافي؛ فيتبين أنه لا يوجد دليل معتبر على أنّ الإنبات علامة للبلوغ.

العلامة الثالثة: إتمام خمس عشرة سنة، نقد وتعليق

والمراد بها أنّ من لم يبلغ بالاحتلام والإنزال أو بالإنبات يعتبر بالغاً بعد إتمام خمس عشرة سنة قمرية، فيكون مكلّفاً بالتكاليف الإلزامية، وينفذ أمره في المعاملات إذا كان رشيداً، فإتمام السنّ المذكور يحقّق بنفسه البلوغ لا أنه يكشف عن سبق البلوغ، كما يظهر من الفتاوى والنصوص المستدل بها، وعلى كل حال فقد استدل على العلامة المذكورة بأدلة:

الدليل الاول: الإجماع، لكنّ الاستدلال به غير صحيح؛ وذلك:

أولاً: إنّ الإجماع غير حاصل؛ إذ قد مرّت عليك عبارات القدماء ـ الذين يصحّ الاحتجاج بإجماعهم عندنا ـ وتبيّن لك أنّ الصدوق والمفيد لا يريان ذلك بلوغاً، بل الشيخ الطوسي أيضاً الذي نقل الإجماع في الخلاف نراه في كتاب النهاية يحدّد البلوغ بالاحتلام أو الإشعار أو كمال العقل ـ كما تقدمت عبارته ـ ومثله القاضي ابن البراج، وقد سبقت عبارة العلامة في المختلف الذي اعتبر القول بالبلوغ بإتمام خمس عشرة سنة مشهوراً، وذكر أنّ ابن الجنيد قال بالأربع عشرة سنة، بل البحراني في الحدائق قال: <ونقل بعض أفاضل متأخري المتأخرين عن بعض القدماء والشيخ في كتابي الأخبار وأكثر محققي المتأخرين أنهم قالوا بحصول البلوغ بالدخول في الرابع عشر، قال في المفاتيح: لا يخلو من قوة، ويدلّ عليه قوله % في صحيحة عبدالله بن سنان..>([36])؛ فمع ذلك كلّه كيف يحقّ لنا الاطمئنان بدعوى الإجماع والاعتماد عليها؟!

ثانياً: إنه ـ لو سلّم تحقّق هذا الإجماع ـ فهو ناشئ من الروايات الضعيفة الآتية التي استند إليها بعضهم، ولا أقلّ من احتمال ذلك؛ فلا يمكن أن يكون الإجماع المذكور كاشفاً قطعياً عن قول المعصوم.

الدليل الثاني: الروايات وهي:

الرواية الأولى: رواية حمران المتقدمة في العلامة الثانية، والتي عرفت ضعفها ووهنها وعدم حجيّتها.

الرواية الثانية: رواية بريد أو يزيد الكناسي المتقدّمة، وقد ذكرنا سابقاً أنها ضعيفة سنداً ومتناً بإسناد الشيخ الطوسي، وأما الرواية عند الكليني فهي عن أبي جعفر % قال: <الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليُتم وزوّجت وأقيمت عليها الحدود التامة عليها ولها، قال: قلت: الغلام إذا زوّجه أبوه ودخل بأهله وهو غير مدرك أتقام عليه الحدود وهو على تلك الحال؟ قال: فقال: أما الحدود الكاملة التي يؤخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلها على مبلغ سنّه، فيؤخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة ولا تبطل حدود الله في خلقه ولا تبطل حقوق المسلمين بينهم>([37]).

وسند الكليني مطابق لسند الطوسي، والمتن عينه أيضاً، إلا أنّ متن الكليني أخصر مما ذكره الطوسي؛ فيعود الإشكال عليها سنداً بيزيد الكناسي، وأما متناً فبعض الإشكالات السابقة وإن كانت لا ترد على ما في الكافي، إلاّ أن بعضها الآخر باقٍ على حاله، مضافاً إلى أنّ الروايتين روايةٌ واحدة فسقوط إحداهما يعني سقوط الأخرى.

الرواية الثالثة: صحيحة معاوية بن وهب قال: <سألت أبا عبدالله %: في كم يؤخذ الصبيّ بالصيام؟ قال: ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فإن هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته>([38]).

وهذه الصحيحة رويت في الكافي([39]) والفقيه([40])، إلا أنّ الأخير أبدل (و) بـ (أو)، ورويت في التهذيب([41]) والاستبصار([42]) بزيادة واختلاف، ففيهما جاء: <سألت أبا عبدالله %: في كم يؤخذ الصبي بالصلاة؟ فقال: فيما بين سبع سنين وست سنين، قلت: في كم يؤخذ بالصيام؟ فقال: فيما بين خمس عشرة، أو أربع عشرة، وإن صام قبل ذلك فدعه فقد صام ابني فلان قبل ذلك وتركته>.

والاختلاف بين النصّين واضح؛ ففي نقل الطوسي زيادة السؤال والجواب عن الصلاة على الصبي، وفيه أيضاً (فيما بين خمس عشرة أو أربع عشرة) بينما في الكافي والفقيه (ما بينه وبين خمس عشرة سنة و (أو) أربع عشرة سنة).

وقد صوّر النجفي الاستدلال بهذه الرواية في الجواهر([43]) بأن الجمع بين الحدّين مستحيل؛ فالصحيح هو الترديد بـ (أو)؛ وحينئذ فمقتضى السياق والترديد كون ما تقدّم عليهما للتمرين والأخذ على سبيل التأديب، فيكون البلوغ بأحدهما، ويمتنع أن يكون الأقل وإلاّ لم يكن الزمان المتوسّط بينه وبين الأكثر تمريناً؛ فيتعين كونه الأكثر، ولعلّ مبرّر الترديد هو التنبيه على الفرق بين المتوسّط بينهما والمتقدّم عليهما في التضييق وعدمه بالنسبة إلى التمرين.

لكنّ هذا الكلام يتوقف على:

1 ـ أن يكون الترديد من الإمام نفسه، فلو احتملنا كونه من الراوي يبطل الاستدلال رأساً، كما أننا نرى أنه من الإمام % نفسه، وإلاّ لنبّه عليه الراوي الثقة المأمون؛ كما أنّ ظاهرة الترديد قد تكرّرت في روايات البلوغ ـ بلوغ الرجل والمرأة ـ ومن البعيد جداً كونها كلّها من الرواة، فلابدّ من تفسير صحيح لهذه الظاهرة؛ وسيأتي إن شاء الله.

2 ـ الاستناد إلى رواية الكليني والصدوق التي فيها يؤخذ الصبي بالصيام في (ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة)؛ إذ إن هذا التعبير هو الذي يوحي بأنّ ما قبل الحدّين للتمرين والتدريب، وأما بناء على رواية الشيخ في التهذيبين فلا إشارة إلى ذلك؛ لأن فيها تعبير يؤخذ الصبي بالصيام (فيما بين خمس عشرة أو أربع عشرة)، وهو تعبير يحدّد الوقت الذي يؤخذ فيه بالصيام، وكأنه قال: بعد هذا السنّ يجب عليه الصيام، بخلاف التعبير الأول الظاهر في مطلوبية الصوم للصبي من صغره إلى بلوغه السنّ المذكور، ويبقى علينا تحديد الكلام والتعبير الصادر من الامام % فما هو الصحيح؟

الذي يبدو أنّ الصحيح هو ما نقله الطوسي؛ وذلك أولاً: إنه عين التعبير الوارد في الجواب عن السؤال عن الصلاة على الصبي. وثانياً: قول الإمام بعد ذلك <وإن صام قبل ذلك فدعه فقد صام ابني فلان قبل ذلك وتركته>، فإن هذا يدل بوضوح على أنّ الإمام بصدد بيان الحدّ الذي يؤخذ فيه الصبي بالصيام، وأنه من أي سنّ تبدأ المؤاخذة، وأما ما قبل ذلك فهو مستحب ولو للتمرين، لقوله: <فدعه> إذا صام قبل ذلك، وبذلك يظهر بطلان كلام النجفي في الجواهر. وثالثاً: ظاهر السؤال أنّه عن الحدّ الذي يجب على الصبي الصيام معه؛ لأنه معنى الأخذ به، فيكون الجواب مطابقاً له ظاهراً.

3 ـ إنه مبني ـ كما ذكر ـ على الترديد بين العددين، وأنّ الجمع بينهما باطل، إلا أن ما بيّناه في الأمر السابق يعيّن صحة العطف بـ (الواو)؛ لأن المراد حينئذٍ أن الصبي يؤخذ بالصيام بين خمس عشرة و (بين) أربع عشرة سنة، أي بين هاتين السنتين يؤخذ بالصيام ويلزم به، فإنّ البين يحتاج إلى طرفين يعطف أحدهما بالآخر وهذا ظاهره؛ وبذلك ظهر التصحيف في كلا النقلين ـ نقل الكليني والشيخ ـ فلاحظ، ولكن يبقى بعد ذلك تفسير الترديد المعنوي لكلام الإمام؛ فإنه % لم يحدّد السن الذي يجب فيه الصوم، وإنما بيّن أنه بين السنتين المذكورتين.

والتبرير العرفي الواضح لذلك هو أنّ الإمام % لم يرد تحديد سنّ معين لوجوب الصوم، وإنما ذكر الحدّ الذي يتحقق به البلوغ الطبيعي، وهو بلوغ حدّ النكاح بالاحتلام والإنزال، وبعبارة أخرى: لا شك لدى السائل وغيره أنّ الصوم يجب بالإنزال، فأراد الإمام أن يبيّن السنّ الذي يتحقق فيه ذلك، وبما أنه يختلف بين الأفراد والصبيان، وليس له سنّ محدّد ولذلك ردّد الإمام بين السنتين اللتين فيهما يتحقق البلوغ الطبيعي عادة، ويؤيّد ذلك مرفوعة عيسى بن زيد عن أبي عبدالله % قال: <يثغر الغلام لسبع سنين، ويؤمر بالصلاة لتسع سنين، ويفرّق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة سنة..>([44])؛ وبذلك بانَ الإشكال في تفسير صاحب الجواهر للترديد في كلام الإمام.

كما أنّ صحيحة ابن وهب ليست ظاهرةً في إتمام سنّ الخمس عشرة ـ كما عليه مشهور الفقهاء ـ والأربع عشرة سنة، فلا تُنافي ما سيأتي من الروايات الظاهرة في تحديد سنّ البلوغ بإكمال ثلاث عشرة سنة والدخول في الأربع عشرة، أو بالاحتلام قبل ذلك.

وينبغي التنبيه إلى أنّ الإمام % لم يكن بصدد التحديد الحقيقي الذي لا يتخلّف، بل كان بصدد بيان التحديد التقريبي للبلوغ الطبيعي بالاحتلام والإنزال؛ فلا ينافي تحقّقه قبل أربع عشرة سنة لبعض الصبيان.

وقد ثبت بما تقدّم كله أنه لم يصحّ شيء من الروايات التي استدلّ بها على تحقّق البلوغ بإتمام خمس عشرة سنة، ولئن كان هناك رواية أخرى فهي أضعف سنداً ودلالة مما تقدّم، فلا نطيل الكلام فيها، وقد عرفت سابقاً أنه لا جابر ـ من شهرة أو غيرها ـ لضعف هذه الرواية، بل نضيف إلى ضعفها ووهنها أنها معارَضة بأحاديث أصحّ منها سنداً ودلالة، وهي روايات البلوغ بإتمام ثلاث عشرة سنة، وإليك ذلك:

نظرية البلوغ بثلاث عشرة سنة، الأدلّة والمستندات

الرواية الأولى: صحيحة عبدالله بن سنان التي رويت بأسانيد ومتون مختلفة وهي:

1 ـ صحيحته بإسناد الكليني، عن أبي عبدالله % قال: <إذا بلغ أشدّه ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة، وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات، وكتبت له الحسنات، وجاز له كلّ شيء إلا أن يكون ضعيفاً أو سفيهاً>([45]). ورواها الشيخ الطوسي أيضاً([46]).

وهذه الصحيحة أفضل وأقوى رواية في باب تحديد البلوغ بالسنّ، وقد رواها الصدوق في الخصال بسنده عن عبدالله بن سنان أيضاً([47])، ورواها في الفقيه بإسناده عن الحسن الوشاء، عن ابن سنان([48]).

أما سنداً فهي من أقوى الأسانيد ولا يوجد فيه من يتطرّق الطعن إليه، وأما دلالةً فهي صريحة في تحقق البلوغ بالسنّ سواء احتلم أو لم يحتلم، وقد حدّدت السن صراحةً بالدخول في الأربع عشرة وعمّمت معنى البلوغ بحيث يترتب عليه جميع الأحكام؛ إذ قالت: <وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات، وكتبت له الحسنات، وجاز له كل شيء>، فقد رتبت على بلوغ ثلاث عشرة سنة وجوب العبادات عليه، ونفوذ معاملاته، بل حتى إقامة الحدود وغيرها عليه، كدلالتها على كتابة السيئات عليه.

2 ـ موثقة ابن سنان أيضاً بإسناد الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال عن محمد وأحمد ابني الحسن، عن أبيهما، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله % قال: <سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله عز وجل: >حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ< (الأحقاف: 15)، قال: الاحتلام، قال: فقال: يحتلم في ست عشرة وسبعة عشرة ونحوها فقال: لا إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات وجاز أمره، إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً، فقال: وما السفيه؟ فقال: الذي يشتري الدرهم بأضعافه. قال: وما الضعيف؟ قال: الأبله>([49]).

والرواية بهذا السند موثقة بناء على صحّة إسناد الطوسي إلى علي بن فضال، وقد ضعّف السيد الخوئي الإسناد المذكور، لأنه عن أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، وابن الزبير هذا لم يوثق، ويمكن أن يقال: إنّ شهرة كتب ابن فضال بين الناس والعلماء تغني عن البحث في سند الشيخ إليها.

3 ـ رواية ابن سنان بنقل الكليني، عن حميد بن زياد، عن الحسن (بن محمد بن سماعة)، عن جعفر بن سماعة، عن آدم بياع اللؤلؤ، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله % قال: <إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك أنها تحيض>.

ورواها الطوسي بإسناده عن الحسن بن سماعة، عن جعفر بن سماعة، عن آدم بياع اللؤلؤ، عن عبدالله بن سنان([50]). وقد عبّر بعضهم عنها بالموثقة، لكنّه مبني على وثاقة آدم بياع اللؤلؤ ـ كما ذهب إليه الخوئي([51]) ـ إلاّ أنه لم يثبت، فإنه وإن ورد في رجال النجاشي المطبوع أنه ثقة، لكن ابن داود ذكر أنه مهمل، والعلامة الحلي لم يذكره في قسم الموثقين والممدوحين ولا في قسم الضعفاء، الأمر الذي يدلّ على خلوّ نسخة رجال النجاشي عندهما عن التوثيق، ومعه لا نستطيع الاطمئنان بكون الرواية موثقة.

الرواية الثانية: موثقة عمار السباطي التي رواها الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب بن الحسن، عن أحمد بن الحسن بن علي، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي، عن أبي عبدالله % قال: <سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت كذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم>([52]).

وبما أن إسناد الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب صحيح في الفهرست؛ فالرواية فطحية موثقة بلا إشكال، نعم إسناد الشيخ إليه في المشيخة غير تام؛ لوقوع أحمد بن محمد بن يحيى العطار في طريقه، وهو لم يوثق. وهي ظاهرة في إتمام ثلاث عشرة سنة، إذ لا يقال لمن دخل فيها ولم يكملها: إنه أتى عليه ثلاث عشرة سنة، كما هو واضح. نعم تضمنت الموثقة بلوغ الجارية في ثلاث عشرة سنة، وقد يقال: إن ذلك يضعّفها ويسقطها عن الحجية؛ لأن مذهب الأصحاب هو بلوغها في تسع سنين.

الرواية الثالثة: رواية أبي حمزة الثمالي التي رواها الشيخ الطوسي بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن السندي بن الربيع، عن يحيى بن المبارك، عن عبدالله بن جبلة، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر %: قال قلت له: <جعلت فداك في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: في ثلاث عشرة سنة وأربع عشرة سنة، قلت: فإن لم يحتلم فيها؟ قال: وإن لم يحتلم فإن الأحكام تجري عليه>([53]).

وهذه الرواية قد يقال: إنها ظاهرة في إكمال ثلاث عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فالمراد أنّ الصبي إذا تمّ له ثلاث عشرة سنة فتجري الأحكام عليه، وهكذا بعد أن يتمّ له أربع عشرة سنة؛ فالجمع بين ثلاث عشرة وأربع عشرة لا يراد منه سوى أنه بإكماله ثلاث عشرة سنة تجري الأحكام عليه ويكون بالغاً بذلك.

لكنّ الإنصاف أنّه لا يصحّ الاستدلال بهذه الرواية على البلوغ بثلاث عشرة سنة؛ لضعفها سنداً؛ لأن السندي بن الربيع لم يوثق([54]) كيحيى بن المبارك، نعم الأخير ورد في تفسير القمي([55]). إلا أنّها يمكنها أن تكون مؤيدةً لهذا الرأي وداعمة له.

وهكذا يثبت أنّ في روايات البلوغ بإتمام ثلاث عشرة سنة روايات صحيحة سنداً ودلالة، بما لا ريب فيه. لكن قد يقال: إنها مُعرَض عنها، وأنّ الأصحاب لم يعملوا بها مما يدلّ على ضعفها سنداً أو دلالة أو معاً، ومعه فتسقط الروايات المذكورة عن الحجية، وإن كانت بحسب الظاهر صحيحةً.

والجواب على ذلك واضح هنا؛ لأنه لم يثبت أن مشهور القدماء أعرضوا عن هذه الروايات الصحيحة، كما يظهر لمن راجع كلماتهم التي نقلناها سابقاً، على أننا لا نرى معنى للإعراض عن رواية قد وردت في أمهات الكتب بأسانيد مختلفة صحيحة، وهي الكتب التي ذكر مؤلّفوها أنّ ما فيها صحيح يحتجّ به عند الله عزوجل، فلو لم تكن الرواية صحيحةً يُعمل بها عندهم ـ لولا المعارض ـ لما نقلوها في تلك الكتب.

ترجيح روايات الثلاث عشرة على روايات الخمس عشرة في بلوغ الصبي

وقد تبيّن ممّا قدمناه:

أولاً: إن روايات البلوغ بخمس عشرة سنة ضعيفة سنداً أو دلالة، لا يصح الاحتجاج بها على الفتوى المشهورة.

ثانياً: إنّ روايات البلوغ بثلاث عشرة سنة صحيحة سنداً ودلالة وينبغي أن تكون الفتوى طبقها.

وإذا أصرّ مصرّ على الأخذ بروايات الخمس عشرة سنة؛ يقع التعارض بين أخبار البلوغ بخمس عشرة سنة، وأخبار البلوغ بثلاث عشرة، فما هو العلاج لهذا التعارض المفروض؟

والجواب: إنّ الترجيح للطائفة الثانية بلا ريب ولا شبهة، لأنها مخالفة لأهل السنّة وأشهر روائياً من الطائفة الأولى؛ أما مخالفتها لهم وموافقة الأولى فواضح جداً؛ فإنّ أكثرهم ذهبوا إلى أن بلوغ الصبي بخمس عشرة سنة، كما سبق أن ذكرنا أقوالهم، ولم ينقل عن أحد منهم البلوغ بثلاث عشرة سنة. وأما أنّها أشهر؛ فلأن المقصود بالشهرة التي قيل: إنها مرجّح عند التعارض، هي الشهرة الروائية لا الفتوائية، ومن الواضح ـ لمن راجع المصادر التي ذكرناها للروايات ـ أنّ أخبار الطائفة الثانية وردت في أصول وكتب كثيرة مشهورة عليها المعوّل، وأما أخبار الطائفة الأولى فصحيحة معاوية بن وهب وإن كانت أيضاً مشهورة لكن قد تقدم أنها لا تدل على القول المشهور وأنّها ضعيفة الدلالة، وأما روايتا حمران ويزيد الكناسي فلم تردا إلا في التهذيب والكافي عن بعض الأصول، ولم ينقلها الصدوق في أيّ كتاب من كتبه بخلاف الطائفة الثانية، فقد نقلها الجميع فلاحظ.

بل يمكن دعوى أنّ أخبار الثلاث عشرة سنة موافقة للكتاب الكريم فيما الخمس عشرة سنة مخالفة له؛ لأنه تعالى بيّن البلوغ بقوله: >وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ< (النساء: 6)، وبلوغ النكاح معناه بلوغ الحدّ الذي يقدرون معه على مجامعة النساء والإنزال([56])، أو بلوغ أوانه([57])، أو قدرته على الزواج([58])، والصبيان إنما يصلون إلى ذلك الحدّ عادة في سن الثلاث عشرة والأربع عشرة فيكون اعتبار البلوغ بإكمال ثلاث عشرة أوفق وأقرب إلى ظاهر الكتاب.

الدليل الثالث: أي من أدلّة نظرية الخمس عشرة سنة، هو الاستصحاب؛ إما بأن نقول: الأصل عدم البلوغ، والأحكام الشرعية مقيّدة به، فبنفي البلوغ ينتفي الحكم المترتب عليه، إلى أن يبلغ خمس عشرة سنة فنتيقّن ببلوغه، وإما بتقريب أنّ الأصل عدم التكليف وبقاء الحَجْر والولاية عليه ما لم يعلم الناقل عنه ولا يعلم إلا بإكمال الخمس عشرة سنة فيكون بلوغاً دون ما قبله.

والجواب أولاً: إنه لا موضوع للأصل في المسألة؛ لأننا أثبتنا بالرواية الصحيحة تحقق البلوغ بإتمام ثلاث عشرة سنة، ومعها فلا يجري الأصل المذكور؛ لأن الدليل الاجتهادي مقدّم على الدليل الفقاهتي دائماً.

ثانياً: من أين لنا اليقين ببلوغ الغلام بمجرد إتمام خمس عشرة سنة؟ ألا يحتمل بلوغه بأكثر من ذلك؟ كما ذهب إليه بعض علماء أهل السنّة، بل الصدوق روى ـ مرسلاً ـ أن الغلام يؤخذ بالصوم ما بين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة إلى ست عشرة سنة، فإننا إذا لم نتمسّك بالروايات لإثبات سنّ البلوغ، لا يبقى لدينا دليل على تحقق البلوغ بخمس عشرة سنة.

ولو قلت: إن الإجماع قائم على بلوغ الغلام بخمس عشرة سنة، وهو إجماع يتضمن أولاً أنه لا يبلغ قبل ذلك إلاّ إذا احتلم أو أنبت. وثانياً: إنه بإكمال السنّ المذكور يكون بالغاً، ولا يتأخر عنه.

قلت: المفروض عدم صحّة الاستدلال بالإجماع المذكور ـ كما حققناه سابقاً ـ وإلا فلا مجال للاستصحاب، كما هو واضح، وحينئذ فكما نحتمل أن يكون سنّ البلوغ بأقل من خمس عشرة سنة كذلك نحتمل كونه بأكثر من ذلك.

نتيجة البحث

اتضح في طي البحث عدّة نقاط:

الأولى: إنّ بلوغ الصبي يتحقق بأحد أمرين: إما بالاحتلام والإنزال. وإما بإتمام ثلاث عشرة سنة والدخول في الأربع عشرة سنة قمرية؛ لأنها المنصرف من الروايات.

الثانية: إنّ إنبات شعر العانة ليس بلوغاً ولا علامةً عليه؛ لضعف مستنده ومدركه.

*     *     *

الهوامش



([1]) عبدالرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة 2: 350 ـ 352.

([2]) صحيح البخاري 3: 158 ـ 159، وتجد الاستدلال به في المجموع للنووي 13: 359 فما بعد.

([3]) مسند أحمد 5: 311 وغيره، وتجد الاستدلال به في المجموع للنووي 13: 359 فما بعد.

([4]) ابن حزم، المحلّى 1: 89 ـ 90.

([5]) الصدوق، المقنع: 195 ـ 196.

([6]) الصدوق، من لا يحضرة الفقيه 2: 122.

([7]) المصدر نفسه 4: 221.

([8]) الخصال: 495.

([9]) المقنعة: 360 ـ 361.

([10]) الخلاف 3: 283.

([11]) المبسوط 2: 282 ـ 283.

([12]) المصدر نفسه 5: 186.

([13]) المصدر نفسه 8: 21.

([14]) النهاية: 354.

([15]) المصدر نفسه: 611 ـ 612.

([16]) المهذب 2: 119.

([17]) الوسيلة: 137.

([18]) غنية النـزوع: 251.

([19]) السرائر 1: 367.

([20]) شرائع الإسلام 1: 147.

([21]) قواعد الأحكام 1: 383.

([22]) مختلف الشيعة 5: 431.

([23]) وسائل الشيعة، الباب 44 من أبواب الوصايا، ح 8؛ وراجع: النجفي، جواهر الكلام 26: 11.

([24]) الخلاف 3: 281 ـ 282.

([25]) جواهر الكلام 26: 5.

([26]) معجم رجال الحديث 19: 211.

([27]) الكافي 7: 198، ووسائل الشيعة، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 2.

([28]) التهذيب 10: 28.

([29]) جواهر الكلام 26: 25.

([30]) رجال النجاشي: 244.

([31]) وسائل الشيعة، الباب 6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح 9؛ والتهذيب 7: 382؛ والاستبصار 3: 237.

([32]) معجم رجال الحديث 20: 102.

([33]) الكافي 7: 198، بناءً على وحدة الروايتين كما هو الظاهر.

([34]) الوافي 21: 421.

([35]) الكافي 7: 198.

([36]) الحدائق 20: 349.

([37]) الكافي 7: 198.

([38]) وسائل الشيعة، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الكافي 4: 122؛ إلاّ أنه أبدل (و) بـ (أو).

([39]) الكافي 4: 125.

([40]) من لا يحضره الفقيه 2: 122.

([41]) التهذيب 2: 381.

([42]) الاستبصار 1: 409.

([43]) جواهر الكلام 26: 27.

([44]) الكافي 6: 46؛ ووسائل الشيعة 21: 461.

([45]) وسائل الشيعة، الباب 14 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح 3؛ والكافي 7: 69.

([46]) التهذيب 9: 183.

([47]) الخصال: 495.

([48]) من لا يحضره الفقيه 9: 184.

([49]) وسائل الشيعة، الباب 44 من أبواب الوصايا، ح 8؛ والتهذيب 9: 182.

([50]) التهذيب 9: 184.

([51]) معجم رجال الحديث 1: 121.

([52]) وسائل الشيعة، الباب 4 من أبواب مقدمات العبادات، ح 12؛ والتهذيب 2: 380، لكن فيه (عن الحسن بن علي).

([53]) المصدر نفسه، الباب 45 من أبواب الوصية، ح 3؛ والتهذيب 6: 311.

([54]) لمعرفة حاله راجع معجم رجال الحديث 8: 314؛ ورواها في النهاية: 354.

([55]) المصدر نفسه 20: 86.

([56]) التبيان 3: 116؛ ومجمع البيان 2: 9.

([57]) الطباطبائي، الميزان 4: 84.

([58]) ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل 3: 102.