تجديد الفكر الديني الأنسنة أم الإنسان المتألّه؟

1 ديسمبر 2016
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
360 زيارة

تجديد الفكر الديني الأنسنة أم الإنسان المتألّه؟

تجديد الفكر الديني دعوة عابرة للزمان والمكان كون متعلقها الفكر الذي لا حدود له، والذي هو عرضة للتطوير والتجديد حيث حدود فاعليته هو العقل البشري الذي لا يهدأ ولا يقف ،تتراكم معارفه بالتقادم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا الفكر بحاجة مستديمة للتجديد؟

يروى في الأثر عن الإمام علي عليه السلام:”العقول أئمة الأفكار، والأفكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة الحواس، والحواس أئمة الأعضاء.[1]

تعتبر الأفكار المنطلق الأساس نحو تشكيل شخصية الفرد عقديا وسلوكيا، وبالتالي تشكيل المجتمع الإنساني وتوجهاته وسلوكه. فهي تشكل بعده النظري والعملي وتوجه عاطفته وانفعالاته وتلعب دورا محوريا في كتابة تاريخه وحضارته.

فما ينتجه العقل من أفكار هو حصيلة للزمان والمكان والبيئة والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأهم من ذلك حصيلة فهمه للدين الذي يتأثر بكل ما سبق.فأهمية التعقل والتفكر تكمن في إخراج الإنسان من حد الحيوان ويدخل في حد الإنسان ولكن ليس أي تعقل وأي تفكر قادر على إحراز الإنسان إنسانيته الكاملة، بل كما وصف الإمام علي عليه السلام هو أن يعلم من أين وفي أين وإلى أين،أي يعرف مبدؤه ووظيفته ومآلاته أي نهايته، كون كماله الإنساني يقتضي هذا النوع من التعقل والتفكر.ولكن ما هي مصادر المعارف البشرية؟

 

مصادر المعرفة البشرية:

تنحصر مصادر المعرفة البشرية في هذه المصادر الأربعة:

١.العقل

٢.الوحي

٣.الحس

٤.التجربة

ولا يمكن تقديم مصدر على آخر لكن يمكننا القول أنها كلها في طول بعضها البعض يتصدرها الوحي الذي يرسم الخطوط العريضة لمسار العقل الذي يقرأ النص وينتج الأفكار متفاعلا بذلك بحواسه مع محيطه، وسالكا بما أنتجه من أفكار وفهم في وظيفته في هذه الحياة على ضوء هذه الأفكار وهذا الفهم للنص.وبالتالي مقدما تجربة جديدة دينية ترفد معرفه و تطورها ليكون هناك تفاعلا تبادليا بين ما أدركه العقل وأنتجه من أفكار وما مارسه اجتماعيا نتيجة فهمه ليرفد كل منهما الآخر.

وهذه المصادر المعرفية  في المدرسة الإسلامية التي تمايز في داخلها عدة مدارس وفق تطبيقاتها واستعمالاتها لتلك المصادر.

إن المدارس المتمايزة في ترجيحاتها بين مصادر المعرفة أنتجت لنا أفهاما متمايزة للدين خضعت تاريخيا وتأثرت نتيجة تفاعل الإنسان مع محيطه بعدة عوامل أهمها:

١.البيئة الاجتماعية كحاضنة تشكل خلفيات العقل ومسبقاته.

٢.الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

٣.الفهم الطاغي اجتماعيا للدين والذي تتبناه السلطة وتأثيرات ذلك على توجيه الأفهام نحو هذا الفهم السلطوي للدين.

٤.حركة الترجمة التي كانت تواكب كل حقبة زمنية ومدى تأثيرها على المعارف التي على أساسها تم فهم الشريعة والإسلام.

لكن ما هي حدود العقل وهل الحاجة للتجديد في الفكر الديني تعني وجود نقص في الدين؟

 

العقل:

إذا استخدم العقل القضايا البديهية على وجه صحيح أمكنه استنتاج قضايا غير بديهية منها،أي يمكن معرفة أشياء مجهولة من خلال معرفته للأشياء البديهية.[2]

العقل مخلوق والمخلوق ناقص ومحدود وبالتالي لا يحيط إحاطة شاملة بالمفسدة والمصلحة التامة والإحاطة الشاملة بكل ما هوفي صالحه أو ضرره وما هو مفيد أو مضر،لذلك هو بحاجة لوحي يحدد له خطوط الطريق حتى لا يخرج خارجها فينحرف، وما يثري المعرفة العقلية ويمده بالحيوية المستديمة والتجديد المستمر هو التجربة فما ليس للإنسان فيه تجربة إطلاقا لا يمكن للعقل معرفة كنهه.

وكون عقل الإنسان ليس له تجربة عملانية مع الوحي فهو غير قادر على إدراك كنه هذا الوحي ولكن قادر على انتزاع فهم كلي له.

قد يدرك العقل بعض علل الشرائع التي جاء بها الوحي لكنه لا يحيط بها كلها إلى الآن.لكن العقل بذاته لا يخطئ،بل العقلاء يخطؤون في استعمال العقل وليس بما أنهم واجدون للعقل كما يصف الشيخ محمد تقي مصباح يزدي في نفس المصدر السابق،حيث يقول “العقلاء ربما يخطئون في استعمال عقلهم والاستفادة من هذه القوة لأنهم لا يعرفون القواعد المنطقيةولا يحسنون تطبيقها. إضافة إلى أن العقل ربما لا يمكنه نيل بعض الواقعيات لخروجها عن طور العقل.. فآلة العقل هي المفاهيم الكلية ولا يحكم إلا بها فلا يمكنه الخروج عنها فإذا خرج من نطاق المفاهيم كان خارجا عن نطاق العقل..فإذا حصلنا على المفاهيم الصحيحة تمكن العقل من تنظيمها وترتيبها والاستفادة منها إذا راعى القواعد المنطقية”.

فكثر من الاكتشافات العلمية والنظريات والاكتشافات الطبية والتشخيصات تم نسخها بعد زمن لاكتشاف دليل نقصها أو مضرتها أو لاكتشاف ما هو أنفع منها، وهذا إن دل فهو يدل على إما عدم إحاطة العقل وشموليته،أو على عدم استعمال المنهجية السليمة في الوصول للتشخيص الواقعي.

ومن هنا كانت حاجتنا المستديمة لتجديد الفكر الديني للمواكبة وإعادة النهوض، إلا أن هذه الحاجة لا تعني الذوبان في كل ما هو غربي من فكر وثقافة، ولا يعني رفض كل ما هو فكر وثقافة غربية، بل يعني محاولة تحرير العقل أولا من وهم التبعية والنقص والتخلف أمام الآخر، ومن ثم تطعيمه بالقدرة على إبراز “الأنا” الفكرية القادرة على إعادة قراءة الذات على ضوء كل ما تم طرحه على المائدة الفكرية من جدليات فكرية وثقافية، والخروج بقراءة فكرية ذاتية ناهضة تستفيد من الآخر لا أن تذوب فيه بتبعية بل استفادة من موقع الاقتدار الذاتي على الإنتاج المعرفي، ورد كل ما لا يتناسب مع وعاءنا الفكري والهوياني لا رد إقصاء وإنما رد اختلاف في الرأي على قاعدة لكم دينكم ولي دين، وحيث هذا الاختلاف لا يمنع آبدا التعايش والاعتراف بالآخر المختلف.

لقد طرحت الحداثة مجموعة من التساؤلات الدينية على الإسلام، ونتيجة الجدليات والإشكاليات التي ظهرت ودارت في هذا الفضاء وبدى وكأن هناك ضدية أزلية بين الدين والحداثة، هذه الضدية هي صناعة بشرية وليست قراءة واقعية، كون الدين يقدم لنا ما ينبغي أن يكون ضمن أطر نظرية، بينما الحداثة هي ثمرة فعل وتجربة إنسانية أي ما هو حاصل بالفعل. فليست الحداثة دينا حتى تصبح مزاحمة للدين في مجال اختصاصه. فالدين جاء ليخاطب الإنسان المليئ بتفاعلاته الثقافية والاجتماعية والمحاط ببيئة يتفاعل معها وتتفاعل معه. بالتالي الإنسان المتلقي مشارك برسم التاريخ والاجتماع في تحديد المعنى الموجه إليه، حيث لغة الوحي أقرت برموزه واستعانت بلغة خياله وسلكت من حيث مؤسساته، إذ أن الكلام متولد من نفس لغة المتلقي ورموزه.إنه كلام مخلوق من حيث هو معاني مودعة في كلام مخلوق ومتولد من تاريخية المتلقي. لكن في أرقى تولد بلغ حد الإعجاز، وها هنا تكمن قيمة الإعجاز.[3]

ومن الأفكار الجدلية سابقا وحاليا هي مفهوم الأنسنة وما أثير حوله من نقاشات تمايزت بين الرفض والقبول أو الصمت.

كون المفهوم طرح في سياق المطالبات بتجديد الفكر الديني كأحد العناصر المحورية في مشروع التجديد، بل هو من معطيات رياح الحداثة التي هبت على منطقتنا قادمة من الغرب.

طبعا هناك اختلاف كبير جدا بين الحضارتين في القاعدة والبنية الفكرية والفلسفية لكليهما والتي على أساسها يتم البناء والانطلاق نحو كل العلوم والمعارف الفوقية.

“إن للحضارة الغربية بأفكارها ومفاهيمها وكيانها الثقافي عامة قاعدة فكرية تستند إليها .. وهي الحريات الرئيسية في المجالات الفكرية والدينية والسياسية  والاقتصادية . فإن هذه الحريات بمفهومها الحضاري الغربي هي حجر الزاوية في ثقافة الغرب والإطار الفكري الذي تدور في نطاقه الأفكار والمفاهيم الغربية عن الإنسان والحياة والكون والمجتمع وحتى أنه لعب دورا رئيسيا في تحديد الاتجاه العام لمفكري الغرب فيما يسمونه بالعلوم الانسانية والاجتماعية . فلم تستطع البحوث الإنسانية لهؤلاء المفكرين أن تتجرد عن تأثير الرساله التي يعتنقها الباحثون كقاعدة عامة” الشهيد محمد باقر الصدر – رسالتنا

ويذكر أيضا الشهيد تصنيفا رائعا في السنن القرآنية لعناصر المجتمع بين الغرب والاسلام في كتابه السنن القرآنية ويستخلص من القرآن ثلاث عناصر

الأول: الإنسان

الثاني : الأرض أو الطبيعة على وجه عام

الثالث العلاقة المعنوية التي تربط الانسان بالأرض والطبيعة ومن ناحية أخرى تربط الإنسان بأخيه الإنسان

ويعتبر العنصر الثالث هو العنصر المرن المتحرك في تركيب المجتمع ولها صيغتان:

الأولى:  صيغة رباعية

والثانية: صيغة ثلاثية

 

ـ الصيغة الرباعية:

هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان ، هذه ثلاث أطراف فإذا اتخذت صيغة تربط بموجبها هذه الأطراف الثلاثة مع افتراض طرف رابع وهو بعدا رابعا للعلاقة الاجتماعية وهذه الصيغة الرباعية طرحها القرآن تحت اسم الاستخلاف، والطرف الرابع هنا هو المستَخْلَف أي الله جل شأنه.

 

ـ الصيغة الثلاثية

صيغة تربط بين الإنسان والإنسان وهو والطبيعة ، ولكنها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع

فتجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع أي الله.

هذا التغييب بطبيعة الحال يغير من المثل الأعلى لكل جهة ، فالمجتمع ذو التركيبة الرباعية يكون الله مثله الأعلى وعلى هذا يرتبط بكله معرفيا ومنهجيا بالله وصفاته ومنهجه فيكون الله هو الأصيل والإنسان وكيل، أي خليفة يترشح عنه الأصول ومستخلف يتلقى الأصول ويستخدم عقله وتجربته في قراءة تلك الأصول ليطور هذه القراءة في بعدها المتحرك بعقله وتجربته وفق سؤال الراهن وحاجياته وتساؤلاته وإشكالياته، أما ذو التركيبة الثلاثية التي غيبت الله فالانسان هو محورها ومصادر معرفته محصورة وفق هذه الرؤية بالحس والتجربة . وبالتأكيد هنا نعمل على توصيف الحالة وليس تقييمها لأن هناك نتاجات بشرية مهمة على هذا الصعيد.

وهذه النتاجات البشرية سواء من الغرب أو غيرها هي مصدرا معرفيا ثريا قد يندرج تحت عنوان التجربة البشرية التي تعتبر أحد روافد المعرفة البشرية في المدرستين الغربية والإسلامية، بالتالي لا يمكن التعاطي مع هذه المعارف تعاط أصم وكأنها لم تكن، وأيضا لا يمكن التعاطي معها بطريقة تسليمية لكل ثمراتها مع وجود فارق بنيوي مهم .ولا نستطيع أيضا أن نمارس الإنتقاء منها بشكل عشوائي ولا الترقيع بينها وبين رصيدنا المعرفي في الإسلام.

 

الأنسنة ـ المنشأ والمآلات :

للألفاظ كما يقول المناطقة مشترك معنوي، وقد تكون مشترك لفظي لمعان مختلفة والأنسنة مشترك لفظي لمعان مختلفة حيث تعددت استعمالات اللفظ منذ بدء ظهوره على ساحات النقاش الفكري،”فقد أشارت الأبحاث إلى أن أول من استعل مصطلح الأنسنة هو هو المؤرخ الألماني وعالم اللغة “جورج فويت” عام ١٨٥٦م وذلك لوصف الحركة التي ازدهرت لإحياد التعليم الكلاسيكي في عصر النهضة في أوروبا لأجل إحياء التعاليم الكلاسيكية في النهضة الإيطالية”.[4]

وارتبط ظهور الأنسنة أو النزعة الإنسانية بعصر الإصلاح الديني، وعصر النهضة الأوروبية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين،حيث بدأ التحول في تلك الفترة من الدين إلى العلم ومن الله إلى الإنسان ومن الماضي إلى الحاضروالمستقبل،ونعني هنا بالله هو الاله الذي صنعته الكنيسة، وأهم ماركز عليه الإصلاح الديني خاصة مع لوثر هو التركيز على الاعتراف بدور العقل ومكانته في البحث الحر والتفكير.وزعزعة الأستاذية العقائدية التي كانت تمارسها الكنيسةدون الخروج النهائي عن الإطار الانطولوجي العام للوحي، وفي هذا الإطار بدأت فكرة رفض الت،سط بين الله والإنسان، وجعل علاقة الإنسان بالله مباشرة،كما تم رفض احتكار تفسير الكتاب المقدس،وإعلان حرية الإيمان.[5]

وظهرت عدة اتجاهات في استعمال اللفظ منها من لم يرفض الدين والإيمان لكنه وجد أن للإنسان دور محوري وهام وأن كرامته حق يجب حفظها، ومنهم من رفض الدين ووجد أن الرنسان هو محور الكون ومصدر كل المعارف بل مصدر الهيمنة والتحكم.

وهنا لست بصدد النقد ولا التقييم، بل بصدد التأسيس لدلالة جديدة للفظ الأنسنة، انطلاقا من أرضنا الثقافية والفكرية وهويتنا الخاصة، ووانطلاقا من الاختلاف الجوهري في ملابسات نشأة المصطلح وتعدد استعمالاته، بل انطلاقا من حاجتنا اليوم أمام المد التكفيري والمذهبية الموغلة بالقتل والرفض والإقصاء، والتي هي سلاح ممهور بتوقيع الأنظمة التي لا يمكنها الإستمرار إلا من خلال استعمال المذهبيات العابرة للحدود، فتتمكن من المكوث أكثر على رقاب العباد.

فاختلاف التجربة الدينية بيننا وبين الغرب واختلاف عناصر المجتمع كذلك، يدفعنا لإعادة بناء المصطلح من قاعدتنا وعلى ضوء قراءة نقدية للفكر الديني تدفع باتجاه تجديد النظرة له وإعادة صياغة تأسيسية لا تكون كرد فعل على التكفير، ولا كرد فعل على التمييع الغربي للدين وإبعاد الوحي عن الحياة الاجتماعية وفهم الإنسان.

بل هي محاولة هادئة على ضوء معطيات التراث الديني وخاصة العقدي، وعلى ضوء تنامي الحاجة لفهم الإنسان ضمن التطور التاريخي .

إن الجدل يكمن بين دور الله ودور الإنسان،وهل هناك تعارض بين الدورين أو هناك هيمنة لجهة على جهة أو إلغاء جهة لجهة أخرى؟، ولكي نكون أكثر دقة هو الصراع بين فهم الدين والقائمين عليه وبين دور الإنسان فيه وخاصة العقل.

فالله وفق الرؤية التوحيدية هو مصدر الفيض وأصله، والإنسان هو الأكثر لياقة بين المخلوقات لتلقي هذا الفيض، هذا التلقي يتطلب وعاء يمتلك القدرة على الفهم والتحليل ومن ثم التطبيق، وما ميز الإنسان عن باقي المخلوقات هو العقل.

وكما ذكرنا في مقدمة المقال أن العقل رغم أهميته إلا أنه محدود وعرضة للفهم الخاطئ، وهذه المحدودية تجعله قاصرا عن إدراك الغيب وعرضة للخطأ في إدراك عالم الشهادة.

فكان الوحي بمثابة خطوط الفسفور في الطريق الذي يسير فيه العقل، تحميه من الخروج والشطط .

وهنا يكون التفاعل بين الله والإنسان، فالله هو المصدر الأول وهو المهيمن لكن الإنسان هو المتلقي والمنفعل والمتفاعل بالتالي هو الخليفة الخليق واللائق في السير بفيض الله السماوي على الأرض وإعمارها وفق الإرشادات العامة التي يدركها العقل ويفرع عنها ويطورها وفق الزمان والمكان.

وكي ندرك معالم هذا الإنسان فلا بد لنا من أن نفسرالإنسان بالإنسان كما يقول الشيخ جوادي الآملي، ولا يمكننا أن نفسر الإنسان بالإنسان إلا من خلال القرآن.

إن كرامة الإنسان ودوره محورية في القرآن كونه محل الفيض الإلهي وهو الموكل إليه دور الخلافة للقيام بتعاليم السماء في الأرض، وهذا يتطلب منه أن يكون إنسانا من جهة كونه سيمارس دوره الاستخلافي الوظيفي في الأرض ولكن كي يتقن وظيفته ويتلقى الفيض بلياقة عالية، عليه أن يكون متألها.

فالإنسان المتأله هو نتاج حركة تفاعلية جوهرية بين العقل والوحي، فلا محورية مطلقة للإنسان لمحدودية عقله وإدراكاته، ولا هيمنة مطلقة للوحي على الإنسان وإلا لم يتميز الإنسان عن الملائكة ولا عن الحيوانات، كون منطلق تميزه هو العقل ذلك الوعاء الأهم في تلقي الفيض الإلهي وفي توجيه ثلاثية الوجود الإنساني أي الإرادة والحرية والاختيار.

ولا يمكن أن نفصل بين الإنسان والكون والطبيعة والوحي، كونها كل متكامل ومتفاعل وفق نظام دقيق أي خلل في مكوناته يحدث خلل في الكل.

فالأنسنة الغربية التي جعلت الإنسان المصدر والأصل جنحت كثيرا في النظريات الإجتماعية، والتي أثبتت التجربة تراجعها عن كثير منها لفسادها وعدم مطابقتها للواقع الخارجي ولطبيعة العلاقة الحاكمة بين الإنسان ومحيطه.

إن الإنسان المتأله هو ذلك الإنسان المتوازن في كل أبعاده المادية والمعنوية، هو إنسان الأرض بتعاليم السماء التي قامت على أساس حفظ الكرامة لمحوريتها الهامة في النهضة الاستخلافية على الأرض.

ففي دعوة الأنبياء ورسالة من أرسل منهم يلحظ وبشكل دقيق التركيز على قيمة العدالة وضرورة تحققها، بل كانت الدعوة للتوحيد غالبا ما تقرن بموضوع العدالة لما لهذه القيمة من مدخلية قوية في بناء مفهوم التوحيد بناءً معرفيا في ذهنية المتلقي والقابل.

إذ أن تحقيق العدالة بكافة مصاديقها تتطلب بداية إزالة كل ما تم تحميله من فهم لهذا المصطلح، فهو يشكل المدخل السليم والحقيقي للتوحيد، وأهم ما تحققه العدالة هو رفع الحجب التي فرضتها المسلكيات البشرية نتيجة الفهم البشري المتراكم للنص الديني والذي غالبا ما انحرف عن واقع الأمر، مما أدى إلى حجب الحقيقة وتشويه المفاهيم وتغييب منظومة القيم، مما انعكس بالتالي على السلوك فتشكلت منظومة مفاهيمية بعيدة عن الحقيقة ورست على ضوئها منظومة سلوكية بعيدة عن الواقع، فحجبت الحقيقة وعلى ضوئها حجبت المعارف وألبست العدالة لباس آخر تحكمه الأهواء والاستمزاجات الشخصية.

إن تحقيق العدالة وفق واقع الأمر يعني رفع كل تلك الحجب عن العقل البشري، واستجلاءالمفاهيم وفق دلالاتها واستعمالتها وبناءاتها الصحيحة ليتجلى الأمر بحقيقته بعد ذلك في النفس، لترى الحقيقة فتستقيم الذات وفق أسس العدالة السليمة، وتنعكس عدالة الذات على تحقيق العدالة في الخارج فترتفع الحجب عن كثير من المعارف والعلوم،وتنتظم الحياة تحت عنوان القيم وجوهرها ألا وهي العدالة.

إن العدالة هي مطلب قيمي مهم في المجتمع، لأن مقصد تحقيق العدالة هو تحقيق كرامة الإنسان، وتحقيق كرامة الإنسان مطلب لأداء وظيفته الاستخلافية وفق الرؤية الالهية في الأرض ليقيم المشروع الالهي فيها.

فوفق مقولة العدالة تتحقق الحريات بما يحقق العدالة، وتكون المساواة وفق ما يحقق العدالة، وتنتظم لذلك مجموعة الحقوق والواجبات وفق مطلب تحقيق العدالة، وإذا تحققت هذه القيم في طول مطلب العدالة تحققت بذلك كل مقومات الكرامة الإنسانية وتأهلت النفس لأداء دور الخلافة على الأرض.

فكلما ازداد منسوب العدالة في النفس كلما ازداد في الخارج، كلما انتظمت القيم وبالتالي ارتقت كرامة الانسان، فالعلاقة بين العدالة والكرامة علاقة طردية.

فإذا قلنا نريد أن يرتفع سقف الحريات، تكون الحريات المطلوبة هي تلك التي تحقق العدالة بحيث لا يمكن لهذه الحرية أن تحقق نقيض العدالة بالظلم أو سلب الاخرين لحقهم، فتكون الحرية المطلوبة حرية عادلة، وهكذا المساواة وموضوعة الحقوق.

ولكن هل العدالة المطلوبة هي كما يراها الإنسان وعقله؟

عقل الإنسان محدود، ولا يمكن للمحدود أن يحيط باللامحدود، قد يدرك هذا العقل حسن العدل وقبح الظلم، ويدرك أهمية العدالة في بناء الكرامة الإنسانية، ولكن ماهية العدالة وكيفها لا يمكن أن يدركه إلا بتعليم من الوحي، وهو ما سيصل له العقل إذا أدرك العدالة وأهميتها والتي يعتبر إدراكها مدخلا مهما لادراك التوحيد وعلى ضوء إدراك التوحيد من بوابة العدل، ستبنى منظومة المفاهيم والقيم وفق الرؤية الالهية التي تحقق حتما كرامة الإنسان بما يرتقي به إلى وظيفة..”إني جاعل في الأرض خليفة”.

إن السعي نحو الكمال الذي فطر عليه الإنسان هو الداعي العقلي الذي يدفعه دوما لإقامة العدل، والبحث عنه، ولكن تكمن المشكلة في فهم الكمال وآليات تحقيقه ومصاديقه، فكلما ابتعد الانسان عن السماء -إن صح التعبير- كلما ابتعد عن تحقيق العدالة المطلوبة وكلما أصبحت كرامته عرضة للانتهاك.

فرغم السعي التاريخي الحثيث للإنسان نحو تحقيق العدالة في الأرض إلا أننا ما زلنا إلى الآن لم نقم جوهرة القيم (العدالة) ولم نحققها، ولعل أبرز الأسباب في هذا القصور هو الجدل الانساني الذي ينعكس في الواقع الخارجي إلى جدليات متشابكة الأهواء والمصالح ومتناقضة القيم والغايات، وهذا الجدل أدى إلى تشويه مفهوم الكمال بعد الانحراف عن المبدأ والغاية والهدف وبالتالي انحراف آليات تحققه. لذلك كان التشديد على معرفة ” من أين وفي أين وإلى أين”، وهي معرفة ترسم خارطة طريق كاملة للإنسان في هذه الدنيا ليحقق هدف الكمال وآليات الوصول اليه.

إن القيم غاية يتطلب تحقيقها وقيامها قيام جوهرها أي العدالة،وهذه الجوهرة تتطلب أن تحقق في ذات الإنسان كي تصبح لها قيامة في الأرض” أقم العدل في نفسك يقوم العدل في أرضك”، فالله لا يغير ما في القوم إلا إذا تغير ما في أنفسهم.

فالعدالة هدف السماء لأهل الأرض لأن بها تستقيم أمور الإنسان ويهتدي إلى الطريق الذي من خلاله تتحقق كرامته لتقوم خلافته ويؤدي بها وظيفته.

إن فهم الإنسان بالإنسان عن طريق القرآن الذي هو وحي رباني حفظ من التحريف، ومرجعية معرفية دقيقة تحقق مقولة الإنسان المتأله، وترفع اللبس عن كل الأفهام التي تشكلت إما نتيجة ردود فعل أو نتيجة فهم ملتبس للإنسان، فالأنسنة هنا لا تعني أصالة الإنسان، ولا محوريته المطلقة كونه مخلوق محدود، بل تعني إعاة الإعتبار لفهم الإنسان ودوره وترتيب الأولويات ومنظومة القيم لتستقيم حياته التي هو قائدها ومنظمها وفق رؤية الله وقابليته لتنزيل رؤية السماء إلى واقع المجتمع والأرض.

 

الهوامش:

[1] كنز الكراكجي، مستدرك الوسائل ١١: ٢٠٦ ح ١٢٧٥١

[2] أصول المعارف الإنسانية ـ الشيخ محمد تقي مصباح يزدي ـ جمعية المعارف الإسلامية الثقافية ـ ص ٣٦

[3] الإسلام والحداثة إحراجات العصر وضرورات تجديد الخطاب الديني بتصرف ـ ص ٧٤،٧٥ ـ إدريس هاني ـ دار الهادي

[4] إنسانية-wekipedia.org-_ ikew

[5] هاشم صالح: مدخل إلى التنوير الأوروبي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت ط ١،٢٠٠٥ ص ٧٥ من مقال “النزعة الإنسانية الأنسنة..الجذور والنشأة د. عماد الدين إبراهيم http://almothaqaf.com/index.php/derasat/890047.html