تجربتي مع بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

25 سبتمبر 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
91 زيارة

تجربتي مع بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

نصّ الكلمة التي اُلقيت في حفل توقيع الترجمة الفارسيّة للكتاب في مشهد

حيدر حب الله([1])

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين، وعظّم الله أجورنا جميعاً باستشهاد الإمام الحسين عليه السلام، إمام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

في البداية، لابدّ لي من أن أتوجّه بوافر الشكر لمركز الأبحاث في الحضرة الرضويّة المقدّسة، على جهودهم كلّها، وعلى ما أولوه من اهتمام بكتابي المتواضع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ترجمةً ونشراً وتوزيعاً، أسأل الله تعالى أن يجزي الجميع ـ رئاسةً ومسؤولين وعاملين ومترجمين ـ كلَّ خير. كما أشكركم على هذه الاستضافة الطيبة والكريمة.

إذا أجزتم لي أن أتحدّث قليلاً عن بعض ما واجهته في تجربتي المتواضعة في الاشتغال على موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّني أريد أن اُضمّنَ هذا الحديثَ مجموعةً من القناعات والتصوّرات التي توصّلت إليها، وهي بالتأكيد أمر معروف لديكم جميعاً.

أوّل أمرٍ يواجهه الباحث في هذا السياق ـ وأنا أتكلّم عن فترة تدريسي لهذا الموضوع حوالي عام 2008 ـ 2009م، أي قبل حوالي تسع سنوات ـ هو أنّ الدراسات الفقهيّة تكاد تكون شبه غائبة، إنّه لأمر مفاجئ أن لا تجد هذا الاهتمام الكافي بملفٍّ هو غاية في الخطورة، بحيث يتمّ الاشتغال عليه بالتنظير الفقهي والتطوير الاجتهادي، رغم أنّنا نعيش في مرحلة بالغة الحساسية إزاء قضايا متعدّدة تتصل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من قبيل قضيّة الحرّيات الشخصيّة.

السؤال المركزي هنا هو: لماذا تمّ تغييب هذا الموضوع أو غيبوبته عن الدرس الاجتهاديّ العام في الحوزات العلميّة؟ ولماذا بقي أشبه بالموضوع الثقافي العام وكأنّ قضاياه لا تحتاج لأيّ إضافة فقهيّة جادّة اليوم؟ ولماذا تشظّت بعض بحوث هذا الكتاب الفقهيّ ضمن موضوعات متنوّعة بحيث غاب العنوان عن البحث؟ كانت هذه أسئلة نتجت عن دهشتي نتيجة الإحساس بقلّة المصادر المتأخّرة في هذا الصدد، قلّةً نسبيّة.

والشيء الأكثر إثارةً هو أنّ بعض الأوساط تعتبر أنّ الاشتغال الفقهي على موضوع من هذا القبيل لا يمثل اشتغالاً على قضايا فقهية معقّدة، بمعنى أنّ الفقيه الذي يدرّس مباحث البيع مثلاً سيتمكّن من الشعور بثقله العلمي وقيمته الاجتماعية الحوزويّة أكثر من الذي يشتغل على موضوعات من نوع فقه الجهاد أو فقه الأمر بالمعروف أو نحو ذلك، وكأنّ هذه الموضوعات لا تحظى بأيّ عمق علمي مفترَض، ولهذا فهي تعكس سطحيّة الباحث وعدم عمقه أو خوضه في البحوث الأشدّ تعقيداً في الفقه!

هذه الذهنية تؤدّي بالباحثين في الفقه الإسلامي إلى الشعور بضرورة التخلّي عن هذا النوع من البحوث، لصالح بحوثٍ أخَر ولو كانت من نوع فروع العلم الإجمالي في الفقه، والتي أدرجها المحقّق اليزدي رحمه الله في العروة الوثقى!! لأنّ البيئة الحاضنة لا تشجّع على ذلك، ولا ترى وزناً علميّاً لمثل هذه الموضوعات، وهذا في تقديري خطرٌ كبير يتهدّد تطوّر الفقه الإسلامي حيث يخنقه ضمن موضوعات موروثة محدّدة.

طبعاً يلزمني التأكيد على أنّ العقد الأخير شهد تطوّراً ملحوظاً في الاهتمام بهذا الموضوع، وهو ما نتمنّى أن يكون بدايةً لمزيد من التحقيق الفقهيّ الجادّ فيه.

ثاني الأمور التي تواجه المشتغل بفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو كيف يمكننا أن نعيد تكوين الفهم الاجتهادي لهذه الفريضة في العصر الحاضر؟ بمعنى كيف يمكن أن نصحّح الصورة السلبيّة التي تؤخذ عن هذه الفريضة حتى بات هذا العنوان ـ في بعض البلدان الإسلاميّة على الأقلّ ـ عنواناً منفّراً بنفسه، فكلمة الجهاد، وهكذا كلمة الأمر بالمعروف، تعني العنف والقهر والسلبيّة والقسوة والبوليسيّة، بحيث اصطُنِع لها في الوعي الشعبي العام ـ بل والوعي النخبوي أيضاً ـ مفهومٌ سلبيّ منفّر، مع أنّ هذه الفريضة تحمل في روحها قيمةً أخلاقية عالية جداً، وإحساساً إنسانيّاً نبيلاً، وشعوراً اجتماعيّاً متسامياً؟ لماذا وصلت الصورة إلى هذا الحدّ؟ هل الخطأ في التطبيق فقط أو أنّ أخطاء في المعالجة الاجتهاديّة للموضوع قد وقعت؟ وكيف يمكن للباحث الفقهي أن يكتشف مواطن الخلل أو يعيد تصحيح الصورة؟

إنّ الشيء الذي بدا لي في مطالعتي المتواضعة لهذه الفريضة ـ وأشرتُ إليه في أواخر الكتاب ـ هو أنّ هذه الفريضة في روحها وأصولها وكثير من فروعها، تنبعُ من الوعي العقلائي والعقل العملي والحسّ الأخلاقي والضمير الوجداني الإنساني العام، وأنّها أوسع بكثير من مجرّد الطلب من سائق التاكسي أن يُغلق المذياع؛ لأنه يبثّ أغنيةً محرّمة، وأنّها تتعدّى مجرّد الوعظ المسجدي، لتتصل بكلّ حركات الإنسان الاجتماعيّة التي يريد من خلالها نشر القيم والفضائل بكلّ الوسائل المتاحة والمشروعة، فكلّ النشاط المدني الذي يسعى لمواجهة الظلم ونشر القيم والعدالة هو في روحه أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر بالمعنى العام، حتى أنّ تياراتٍ في الفكر الكلامي الإسلامي بلغت بهذه الفريضة حدَّ وضعها في مصاف الأصول وليس الفروع، وما ذلك إلا لأنّ هذه الفريضة تمثل عنواناً للوجود الاجتماعي للإنسان، وتمثّل أساساً لعلاقاته وتأثيراته في المجتمع والسياسة.

إذن المعضل الثاني هو كيف نعيد تكوين صورة هذه الفريضة في الوعي الاجتهاديّ من جهة، وفي الوعي العام من جهة ثانية؛ لندرأ عنها التهم والتشوّهات.

الأمر الثالث الذي يواجهه الإنسان هنا، وهو يشتغل على هذا الموضوع، وهو يتصل بالنقطة السابقة، هو ما اُسمّيه (التسييل)([2])، وهو موضوع بالغ الأهميّة، بمعنى كيف أستطيع أن أضع نظاماً فقهيّاً يمكن ترجمته في الحياة المعاصرة، ولا يبقى معلّقاً في الفضاء، تحكُمه قواعد تأجيل التطبيق؟

هذا تحدٍّ كبير للفقه الإسلامي عموماً، ولموضوع مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصاً، فنحن نواجه العناوين الثانوية كثيراً في هذا العصر، وهذا أمرٌ طبيعي؛ لكن كيف يمكن للفقيه أو الباحث في الفقه أن يُنتج معرفةً فقهيّة يمكن تطبيقها اليوم، ما دام الإسلام صالحاً لكلّ زمانٍ ومكان كما نقول، حتى لو قلتَ لي بأنّ العنوان الثانوي هو الآخر جزءٌ من الشريعة؟

هذا السؤال تطرحُه بعض النخب اليوم، بل حتى الكثير من القواعد الشعبيّة، إنّ هناك من يرى أنّ تأجيل تطبيق نسبة عالية من الأحكام الفقهيّة ولمدّة عصرٍ كامل، يعني أنّ هذه الشريعة بصيغتها الأوليّة غير قادرة على النهوض بالإنسان في هذا العصر، وغير قابلة للتطبيق؛ لهذا فهي تجمّد نفسها عصوراً بأكملها لصالح طوارئ.. هذا الموضوع معقول ثبوتاً لكنّه يمثل تساؤلاً إثباتياً؟ فهل أنا مضطرّ لتجميد نصف الشريعة كي أمارس الدين اليوم؟ ولماذا؟ وهل هذا يعني أنّ صيغة الفقه لم تولد لزمني أنا؟ وكيف؟

هذه الأسئلة ـ مهما كان موقفنا منها ـ تطرح الحاجة لاجتهادٍ فقهيّ ورسائل عمليّة يمكنهما تقديم صيغ عملية قابلة للتطبيق في العصر الحاضر، بأقلّ كُلفة ممكنة.

المثال الذي أودّ طرحه هنا هو كيف يمكن اليوم فهم وممارسة الصورة المتداولة في الفقه عند بعض الفقهاء عن مرحلة العنف ـ المرتبة الثالثة ـ دون مشاكل؟ هل يعقل أن نوكل لكلّ متديّن اليوم أن يمارس المرتبة الثالثة عندما يرى ذلك مورداً لها؟ كيف في هذا العصر يمكن تسييل فكرة من هذا النوع؟ يجب أن نفكّر على مستوى عشرات ومئات الملايين من البشر نطرح لهم هذه الفكرة، فليس من يطبّق هنا هو خصوص المتديّن النخبوي الخاصّ.

يجب التفكير في حلّ، لا يتخطّى مرجعية النصّ المقدّس، وفي الوقت عينه يقدّم الشريعة بصورة معقولة التطبيق.

أترك تفصيل الحديث في هذه النقطة الأخيرة لمناسبة أخرى، فلا اُريد أن اُطيل.

أُجدّد شكري وامتناني لكم جميعاً، وأسأل الله تعالى أن يوفّقنا لأداء حقّ هذه الفريضة المظلومة، وأن يحشرنا مع الناذرين أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنّه قريب مجيب.

_______________

 ([1]) نصّ الكلمة التي اُلقيت في حفل توقيع وعرض كتاب (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بطبعته الفارسيّة، والذي أقامه مركز الأبحاث التابع للحضرة الرضويّة المقدسّة في مدينة مشهد في إيران، وذلك يوم الأحد، 24/9/2017م، وقد اُلقيت بهذه المناسبة عدّة كلمات لرئيس مركز الأبحاث، ولمسؤول هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محافظة خراسان، وعدد كبير من الباحثين والفضلاء والمتابعين.

يُشار إلى أنّ الكتاب قد تمّت ترجمته من قبل الإخوة الفضلاء: علي إلهي خراساني، وحسن علي شيروي، ومحمد رضا ملائي. وقد صدر الكتاب في طبعته الفارسيّة في 770 صفحة.

 ([2]) أستعير هذا التعبير من المصطلح الاقتصادي (السيولة النقديّة)، وأعني به أنّ الإنسان قد يملك آلاف العقارات والبضائع والسلع، لكنّه ـ وبسبب عدم وجود سيولة نقديّة ـ لا يملك في جيبه إلا ألف ليرة لبنانية مثلاً، فكلّ وزنه المالي لم يُقدره على أن يترجمه تسهيلاً خدميّاً في حياته.