تطوير أداء المنبر الديني وخطب المجالس الحسينية

31 أكتوبر 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬004 زيارة

تطوير أداء المنبر الديني وخطب المجالس الحسينية

لا يخفى ان خطب المنبر الديني لاتزال تحظى بأهميتها في مجتمعات العرب والمسلمين .إذ يكفي ان الخطبة تعتبر جزء من بعض الشعائر الدينية كصلاة الجمعة وصلاتي العيدين الفطر والاضحى .كما تشكل وسيلة مهمة في الوعظ والتوجيه الديني .و هناك مواسم هامة تجتمع فيها الجماهير للاستماع الى الخطباء كما هو الحال في موسمي شهري رمضان المبارك والمحرم الحرام من كل عام هجري. وحيث اننا في موسم عاشوراء للعام الهجري 1437 ، فسأتطرق في هذه المقالة الى بعض الأمور المتعلقة بأداء المنبر الديني والخطب الدينية للمسلمين بما فيها خطب المجالس الحسينية.

المتابع لوضع الخطب الدينية للمسلمين عموما خلال نصف قرن الأخير ، يجد انها لاتزال – في الغالب – رهين مجهودات شخصية ، فلا معاهد للتأهيل ولا مراكز للتدريب فيها. وأذكر في هذا السياق تعليقا نقديا لأحد الزملاء كتبه إثر استماعه لإحدى الخطب الدينية مفاده : نحن المسلمون نزاول إلقاء الخطب الدينية منذ أكثر من ألف سنة ومع ذلك ، فإن خطبنا لم يتطور أداؤها لا في الشكل ولا في المضمون. وإذ أوافقه الرأي ، فإني أعزو ذلك الى أسباب منها : الإقبال الجماهيري العام عليها لدوافع دينية دون التفات الى مستوى الخطيب وأدائه وأهمية العناوين التي يتطرق اليها والمنهجية التي يلتزم بها ومدى دقة الأفكار التي يعرضها وكيف يتحكم في الوقت ونبرات الصوت؟ وكيف هي لغته الجسدية؟ بل مدى سلامة لغته الملفوظة وخلوها من التعقيدات اللفظية وما إلى ذلك من الأمور المهمة ، التي لا يعيرها الناس أهمية حين ارتيادهم للاستماع الى الخطب الدينية.

أما الخطب في المجالس الحسينية التي تقام في موسم عاشوراء ، فان وضعها هي الأخرى لا يختلف كثيرا عن سائر الخطب الدينية بشكل عام. وقد مرت خطب هذه المجالس بأدوار من التطور حتى انتهت الى طورها الحالي ، حيث تتكون الخطبة من ثلاث فقرات هي : الأولى : القصيدة الكربلائية والتي تشتمل في العادة على جملة من العناصر كالمديح والاستنهاض والنقد والمحاججة وقد تحوي بطولات وخصائص معينة لأبطال كربلاء. وجرت العادة أن ينهيها الخطيب ببعض الأبيات الرثائية من الفصيح أو القريظ العراقي أو الخليجي. الثانية : الموضوع : ويتحدث الخطيب خلاله في عناوين مختارة من قبله حول التفسير أو السيرة أو العقيدة أو الأخلاق أو بعض المفاهيم الاسلامية. ويتناولها كل خطيب حسب مستواه الفكري. والثالثة : المصيبة حيث يعرج خلالها على فصول سيرة كربلاء الدامية الحزينة ثم يختم المجلس. وقد تحررت الخطب في المجالس الحسينية من بعض الطرق التقليدية كالتقيد باللغة الفصحى واستخدام الأساليب السجعية والمحسنات البديعية. بل ان الخطيب فيها يتحدث بلغة تتوسط الفصحى والدارجة وبأسلوب أقرب الى الحديث المباشر مع المستمع وتوجيه الخطاب الى المتلقي.

و غني عن القول ان إلقاء المحاضرات والخطب في عصرنا غدا مهارة وفنا له أصوله وقواعده ولم يعد مجرد صنعة تعتمد على الجهد الفردي والموهبة الذاتية. بل أصبحت مقررا دراسيا في بعض التخصصات الأكاديمية مثل “الاعلام ” حيث يعنى بمخاطبة الراي العام والتأثير على اتجاهاته. ومن ثم يتعرف الطلبة خلاله على أشكال الخطابة ومختلف العناصر المؤثرة فيها ، نفسية ولغوية وأسلوبية وصوتية وجسدية وفكرية وغيرها. وهناك معاهد ومراكز تدريبية للتمرس على طرق الإلقاء وتنمية المهارات فيها.

و في المقابل فان الخطب الدينية رغم الأهمية التي تحظى بها والإقبال الطوعي المتزايد عليها ، ورغم الدور المنشود منها في التثقيف والتوعية الدينية ، إلا انها لم تخرج – في الغالب – عن كونها ممارسة لموهبة شخصية وجهدا فرديا يحسنه هذا الخطيب أو ذاك. أما مراعاة الجوانب النفسية والاجتماعية والثقافية للمتلقي أو معايشة القضايا المجتمعية والتحديات الفكرية المعاصرة وما شاكل فقد تخلت عنها بعض المنابر الدينية الحالية.

و قد رأيت أن أعرض بعض ما يجول في الخاطر من أفكار يمكن أن تسهم في تطوير أداء المنبر الديني والخطب الدينية ، أتمنى أن تحظى باهتمام المختصين ، وأكتفي هنا بطرح الآتي :

-1 أهمية أن يكون الخطيب قد تلقى شوطا مناسبا من الدراسة الدينية بحيث يكون على دراية اجمالية بعلوم القرآن وعلوم الحديث وبحوث السيرة. ومن الأهمية بمكان أن يكون على إلمام ببعض البحوث الأصولية المهمة من قبيل مباحث الألفاظ والدلالات اللفظية ومستوياتها من الوضوح والاجمال وكذا مبحث التعارض أو التعادل والتراجيح وغيرها.

و هذا من شأنه أن يسهم في ضبط الاستنتاجات من النصوص الدينية وفي تجنب

تحميلها ما لا تحتمل ، ويحد من استنباط مفاهيم فكرية من رواية أو روايتين دون بحث او استقراء ، وكذا من التعامل مع كل رواية بمفردها وكأنها دليل مكتمل في مقام البحث.

2-الاهتمام بالنصوص الدينية التي يستشهد بها الخطيب لدعم أفكاره ، فلم يعد مستساغا لدى المتلقي أن يلاحظ أن الخطيب يحفظ مئات الأبيات الشعرية ولا يستحضر النصوص اللازمة فيعرضها بما معناها وما مضمونها. إن هذا يوحي للمستمع بأنه يلقي خطبه دون تحضير مسبق !

3- يجدر بالخطباء متابعة المشهد الثقافي والفكري المعاصر والإلمام ببعض القضايا التي يدور حولها السجال بين مختلف التيارات الفكرية الدينية وغير الدينية. ان معايشة المشهد الفكري المعاصر من شأنه أن يثري أفكارهم وينعكس بالتالي على خطبهم ويجعلها معنية بالتساؤلات المعرفية والاشكاليات والهموم الفكرية المعاصرة .

4 –أهمية تناول موضوعات متنوعة وطرح اجتهادات متعددة لبعض العناوين التفسيرية والفكرية والفقهية خلال الخطب والمحاضرات ، فلا يحسن أن يقتصر الطرح على توجه معين أو فهم محدد وإغفال آراء أخرى مطروحة حولها. ومن المفيد أن يتولى مناقشة بعض الاتجاهات الفكرية وتحليل أفكارها وأسانيدها ونقدها بطريقة علمية وصولا الى الرأي المختار لديه ، مع تفادي أساليب الإقصاء لمن يختلف معهم في الرأي.

-5أن يتم تناول سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين (ع) وصحبه الطيبين (ره) بمنهجية علمية تحليلية. وأن يعرض الأنبياء (ع) وخاتمهم نبي الرحمة (ص) والأئمة (ع) كحجج على الخلق وقدوات رسالية خالدة للبشرية بدلا من تقديمهم وكأنهم من عالم غير ناسوتي وغير بشري. كما ان التأمل فيما عرضه القرآن الكريم من مواقف الأنبياء (ع) وأحوال الأمم السابقة من شأنه أن يعمق الوعي بأهمية البحث التاريخي لغرض الاعتبار والاتعاظ في مسيرة الحياة. وهنا يجدر التأكيد بأن البحث في السير والتواريخ الماضية ليس الهدف منه التلهي أو التسلي ولانبش الدفائن السالفة أو استدعاء الصراعات الغابرة وإعادة بعثها في حياتنا المعاصرة وإشغال أجيالنا بها أو تحميل الأجيال الحالية تبعات الماضين ! إن الهدف الأساس هو دراسة التاريخ بشكل علمي تحليلي نقدي لاستنتاج الدروس والعبر العامة وتعميق الوعي بالسنن الاجتماعية السائدة في مسيرة الحياة بما يبصرنا في سيرنا في الحاضر والمستقبل.

6 -أن يتم عرض وقائع السيرة الكربلائية بشكل مترابط ، يراعي التسلسل الاجتماعي والسياسي للأحداث في مختلف المنازل والمراحل التي مرت بها. ولا بد من مراعاة الدقة والأمانة في النقل التاريخي أثناء عرض الأحداث ونسبة المواقف الى الشخصيات الكربلائية. فطبقا لأخلاقيات البحث العلمي ، لا يعذر الخطيب من المسؤولية مهما صدر كلامه بعبارات توحي بالقاء العهدة على غيره ، من قبيل : روي وقال الراوي وذكر أرباب المقاتل وسمعت بعض الخطباء وما شاكل ، على انها تحيل الى مجهول. لذا فان سؤال الدقة والأمانة في النقل سيظل يلاحقه رغم تلكم العبارات التي غدت مدخلا للتساهل في الطرح. والغريب ان بعضهم يردد : قال حميد بن مسلم ، في حين ان الواقعة التي يذكرها لم يروها المؤرخون عنه ! و”يستذوق ” بعضهم تكرار عبارة : قال المؤرخون ، في الوقت الذي تجده ينقل من بعض الكتب المتأخرة التي مزجت الغث بالسمين ولم تميز بين الخبر التاريخي واستيحاءت الخطباء وتصويرات الشعراء وأخيلة القصاصين !

7 -أن يحرص على طرح خطاب يتسم باحترام مختلف الاتجاهات والتيارات الفكرية المسلمة وحتى غير المسلمة. بل ويقدم رؤى نظرية وعملية تسهم في زيادة التعارف وتفعيل التواصل بين أتباع المذاهب المسلمة. وهذا لا يتعارض مع مناقشة الأفكار والآراء المختلفة بمنهجية علمية وأسلوب عقلاني ولغة منضبة.

-8 أن يحترم الخطيب التخصصات العلمية ، فلا يحسن منه أن يقحم في خطبه معلومات تنتمي الى تخصصات علمية أخرى كبعض العلوم الطبيعية أو الاقتصاد والاجتماع والنفس وغيرها ، فيما اذا كان غير واثق من دقتها ومن علمية المصادر التي نقل منها ومن صحة فهمه لها. فليس مطلوبا من الخطيب أن يكون على دراية بكل العلوم والمعارف.

9- أن يعنى المنبر الديني بتصحيح المفاهيم والممارسات غير المستساغة ، عبر مناقشتها وإثارة التساؤلات النقدية حيالها. فإن من مهمات المنبر الديني تنوير الناس ومعالجة الظواهر الدخيلة من قبيل الاستغراق في اختراع طقوس غريبة والنزوع نحو الشكلانية المتزايدة وصبغها بالصبغة الدينية. ومع غياب وعي التمييز بين الغايات والوسائل من جهة ، وبين الوسائل المنصوصة المطلوبة لذاتها وتلك التي أوجدتها المجتمعات بحسب ثقافاتها ، تغدو تلكم الممارسات عادة متجذرة يصعب نقدها فضلا عن تغييرها .

10-أن يراعي عامل الوقت ومدة الخطبة ، وليأخذ في الاعتبار انه كلما طال حديث الملقي تناقص التركيز لدى المتلقي وبالتالي تراجع تفاعله وقل تأثره. ولذا على الخطيب ان يطرح موضوعه ويركز على أفكاره ويحافظ على التسلسل المنطقي ويتجنب تكرار نفس المضامين في صيغ متعددة.

و أخيرا أطرح تساؤلين للبحث والتفكير وهما : الأول : هل يمكن إقامة بعض المجالس والخطب الدينية في قاعات حديثة ، بحيث يمكن للخطيب أن يستعين بتقنيات العرض الحديثة. فإن الكلمة المقرونة بالصورة والمصحوبة بمادة مكتوبة ورسوم توضيحية ، هي أكثر تأثيرا وأقدر على توصيل الأفكار والمفاهيم الى المتلقي خلال فترة محدودة .

الثاني : ألم يحن الوقت لأن يترقى دور المستمعين للخطب الدينية – لاسيما النخب المتعلمة – بحيث لا يقتصر على مجرد التلقي ، بل يتعداه الى مزيد من التفاعل الفكري بتناول مضامينها بالتحليل والمناقشة والنقد وابداء الرأي حيالها في وسائل النشر أدوات التواصل ، تماما كما هو الحال بالنسبة لأية مادة فكرية أو ثقافية؟

ان المنبر الديني يحتل موقعا مهما في ثقافتنا الدينية ولهذا حري بنا الاهتمام به والعمل على تطويره وتحسين أدائه. والحمد لله رب العالمين .