تواتر الحديث بعيونٍ غربيّة

1 أكتوبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
109 زيارة

تواتر الحديث بعيونٍ غربيّة

الشيخ أحمد أبو زيد(*)

تمهيد

يبدو ـ بحسب ما بأيدينا من معطيات ـ أنّ الطلائع الأولى لما بات يُعرف في الرياضيّات خاصّة، والعلوم العقليّة عامّة، بـ (نظريّة الاحتمال) قد لاحت عام 1494م، وذلك حين نشر الرياضي الإيطالي لوسا باسيولي (Luca Pacioli)(1445 ـ 1514) أوّل كتاب مطبوع في باب نظريّة الاحتمالات، وهو كتاب (Summa de Arithmatica)([1])، ثمّ تبعه عمل مواطنه الرياضي جيرولامو كاردانو (Girolamo Cardano)(1501 ـ 1576م)، الموسوم بـ (Liber de Ludo Aleoe)، والمنشور عام 1663([2])، ثمّ مواطنهما الرياضي نيكولّو فونتانا تارتاجليا (Niccolò Fontana Tartaglia)(1500 ـ 1557م)([3]).

وعلى الرغم من جهود الباحثين الإيطاليّين المذكورين، فقد أكّد أكثر مَنْ خاض غمار التأريخ لنظريّة الاحتمالات على أنّ البحث الرياضي فيها لم يتحدّد بحدوده العلميّة المقنّنة حتّى صيف 1654م، وذلك بفضل النقاش العلمي الخالد الذي تجاذب أطرافه العالمان الفرنسيّان بليز باسكال (Blaise Pascal)(1623 ـ 1662م) وبيير دو فيرما (Pierre De Fermat)(1601 ـ 1665م)، وذلك إثر مجموعة من الأسئلة وجَّهها إلى الأخير الكاتبُ الفرنسي أنطوان جومبو (Antoine Gombaud)(1607 ـ 1684م)، والمعروف بـ (شيفلييه دي ميريه)(Chevalier De Méré) ـ أي: فارس (ميري)، و(Méré) مدينة فرنسيّة ـ، وهي استفهاماتٌ أثارتها لدى الأخير مشاكلُ واجهها أثناء مقامراته([4]). وقد كانت جهود باسكال وفيرما هذه من الجدّيّة بحيث ذهب العالم الموسوعي الفرنسي بيير سيمون لابلاس (Pierre-Simon Laplace)(1749 ـ 1827م) إلى أنّه لم يقدّم أحدٌ قبل باسكال وفيرما المبادئ اللازمة لحلّ مسائل من هذا القبيل، وتتسّم بهذه الدرجة من التعقيد([5]). وقد نجم عن محاولات باسكال للإجابة عن أسئلة دي ميريه مثلّثه الخالد (مثلّث باسكال) (Triangle de Pascal)، وإنْ كانت تنقيباتٌ متأخّرة في مخطوطات أقدمينا قد كشفت عن سبقٍ سجّله العالم الفارسي أبو بكر محمّد بن الحسن الكرجي(421هـ ـ 1030م) في اكتشاف مثلّث مطابقٍ لمثلّث باسكال سبقه بنحوٍ من ستّة قرون، ولكنّ الحظّ لم يحالِفْه في الشهرة، وقد نقل مثلّثَ الكرجي السموألُ بن يحيى المغربي(570هـ ـ 1174م) في كتابه (الباهر في الجبر)، حتّى اعتبر الدكتور رشدي راشد ـ من خلال نصّ السموأل هذا ـ أنّها المرّة الأولى التي يُذكر فيها المثلّث الحسابي في تاريخ الرياضيّات قاطبةً([6]). وإذا كان قد وجد مثلّث مشابه لمثلّث باسكال في الكتابات اليدويّة الصينيّة التي وضعها تشي ـ شي سنة 1303م، كما أشارت بعض الدراسات([7])، فإنّ الكرجي والسموأل متقدّمان عليه على كلّ حالٍ.

عَوْداً على بدء: متوقّفاً عند هذه المحطّة الرئيسة والمفصليّة من تاريخ تشكّل النظريّة، اعتبر فيلسوف العلم الألماني هانز رايشنباخ (Hans Reichenbach)(1891 ـ 1953م) أنّ ما نتج عن مباحثات باسكال وفيرما العلميّة قد أدخل حساب الاحتمالات حيّز التطبيق الاجتماعي، والذي ما لبث ـ بحسب رايشنباخ نفسه ـ أن تعدّى ذلك إلى مجالات أُخَر، من قبيل: التأمين على الحياة، ومدى فعاليّة العلاجات الطبيّة، كما تمّ توظيفه في مجال التثبّت من وثاقة الشهود في المحاكم([8])، الأمر الذي سنقف عنده في دراسةٍ مستقلّة.

ولكنّ الخطوة الأشدّ خطورةً وتأثيراً في تحوّل توظيف حساب الاحتمالات إلى الجانب المرتبط بمحلّ بحثنا جاءت على يد الرياضي واللاهوتي الإسكتلندي جون كريج (John Craig)(1663 ـ 1731م)، الذي عَبَرَ بحساب الاحتمالات إلى مجالاتٍ جديدة عبّر عنها بـ (الأخلاقيّة)؛ لارتباطها بسلوك البشر وطرز تعاملهم؛ حيث قام كريج بتطبيق حساب الاحتمالات على إفادة شهادات الشهود العلمَ بوقوع الحادثة المشهود بها، وذلك من خلال كتابه الذي نشره سنة 1699م تحت عنوان (Theologiae Christianae Principia Mathematica)([9])، أي (المبادئ الرياضيّة للعقيدة المسيحيّة)، وقد سبَّبت هذه الدراسة الشهرة لكريج، على الرغم من صغرها؛ حيث جاءت في 30([10]) أو 36 صفحة([11]).

والحقيقة أنّ علماء الغرب قد تعرَّضوا كثيراً لموضوع كيفيّة إفادة شهادات الشهود العلمَ بحدوث الواقعة، كما تعدُّوا إلى مجالات أخرى لها مسيسُ علاقةٍ بعلوم المسلمين الشرعيّة، من قبيل: توظيفهم حساب الاحتمالات في المجال القانوني؛ حيث لاحظوا أنّ اطّلاع أحد أعضاء لجنة المحلّفين على رأي العضو الآخر قبل البتّ بالحكم يلعب دوراً سلبيّاً في تكوين رأيه الخاص، وأنّ رأي الثاني سيكون في جزءٍ منه معبّراً عن رأي الأوّل وصدىً له، وبالتالي فإذا ضممنا الصوتين إلى بعضهما فسيكون الناتج أقلّ من مقدار صوتين بمقدار ما يدين به الثاني للأوّل. وهذه الصورة تلامس بشكلٍ مباشر بحث الإجماع لدى المسلمين على ضوء أعمق صورة انتهى إليها على يد المفكّر الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر&، الذي يعدّ بحقٍّ أبَ النزعة الاستقرائيّة في علوم المسلمين في القرن المنصرم، وكلّنا أملٌ في أن نوفَّق لعرض مقارنةٍ بين النتاجين ـ الغربي والشرقي ـ في مجال الإجماع في القادم من الأيّام.

بعد هذا وذاك، فإنّ إلقاء نظرةٍ خاطفة على المشهد الغربي في هذا المجال لكفيلٌ بتحفيز الباحث المسلم على خوض غمار المقارنة بين نتاج الثقافتين المتلاقحتين حيناً؛ والمتنافرتين حيناً آخر؛ حيث يقف على ضفةٍ موروثٌ ضخمٌ أنتجه المسلمون بجهدٍ وبراعة حول موضوع تواتر الأحاديث والأخبار في مختلف المجالات العلميّة، بدءاً من الأبحاث الكلاميّة التي انطلق من رحمها بحثُ التواتر عند البحث حول إخبار المخبرين عن حصول المعجزات، مروراً بالأبحاث الفقهيّة والأصوليّة التي تلقّفت الموضوع مشكّلةً بذلك ثانية محطّاته، وصولاً إلى مجال علوم الحديث، محطّ رحاله… ويقف على الضفة المقابلة موروثٌ ضخمٌ أنتجه الغرب بجهدٍ وبراعة أيضاً، وجاء ـ شأنه شأن علوم الآدميّين كافّة ـ رهناً لسياقه المعرفي الخاصّ.

وعلى الرغم من أهميّة البحث المقارن، إلاّ أنّ ضيق الفرصة والمساحة يفرضان ـ في هذه المقالة المستعجلة ـ الاكتفاءَ بالإشارة إلى أهمّ مقولات جملةٍ من علماء الغرب في هذا الصدد، على أن نشير قبل ذلك إلى عدّة نقاط نجدها ضروريّةً ونحن بصدد تقديم دراسةٍ بهذا اللون، يرجع بعضها إلى الجانب المنهجي من البحث، والآخر إلى الجانب الهدفي والغرضي منه:

1ـ إنّنا لم نجد ـ بحدود تتبُّعنا ـ مَنْ قام بدراسة هذا الموضوع من هذه الزاوية، أعني استعراض وجهة نظر علماء الغرب بشأن موضوع نعتبره ـ نحن المسلمين ـ من الأيقونات التي حُفظت علينا حقوقها المعنويّة؛ حيث جاءت لصيقةً بعلومنا ومعارفنا. ولهذا، فمن الطبيعي أن يكون البحث في الموضوع محفوفاً بالمشقّات والصعاب التي تواجه كلّ دراسةٍ تحاول الحفر في أرض بكر، ولو بنظر الحافر. وبالتالي، فمن الطبيعي أيضاً أنّه لو أتيح للكاتب الاطّلاع على ما صُنِّف في هذا الباب ـ إنْ وُجد ـ لجاءت الدراسة أكثر إشباعاً، وأسلم من الهفوات.

2ـ إنّ من الصعوبة بمكان على الباحث الموضوعي أن يعتبر نفسه قد وُفِّق إلى عرض وجهة نظر (الآخر) بالمقدار الكافي إنْ كان يُدرك جيّداً أنّ الهوّة الثقافيّة وشبه القطيعة المعرفيّة مع (الآخر) تجعل من العسير عليه تمييز مصادر (الآخر) الأصليّة عن الفرعيّة، وكذلك تمييز شخصيّاته المحوريّة عن الثانويّة، وخاصّة في مجالات غير متداولة كثيراً. ولهذا فإنّ ما سجَّلناه في هذه الدراسة لا يعبِّر سوى عمّا تمكَّنّا من رصده في تراث الآخر، ولا يدَّعي لنفسه أكثر من ذلك.

3ـ إنّ ممّا يدركه الباحث الموضوعي أيضاً أنّ اختزال (الآخر) بمجموعةٍ من الشخصيّات هو في حدّ نفسه مجانبةٌ للموضوعيّة؛ لأنّ مظلّة (الآخر) أوسع بكثيرٍ من أن تُختزل بمجموعةٍ من الشخصيّات أو الآراء، وهذا ما يدعونا إلى استخدام مصطلح (الآخر) نفسه بتحفُّظ. ولهذا السبب أيضاً عندما نستخدم عباراتٍ من قبيل: (عند الغرب) فنحن نستخدمها أيضاً بتحفُّظ.

4ـ تتجلّى أهمّ فوائد هذا البحث ـ عمليّاً ـ في إنارة الطريق أمامنا ـ نحن المسلمين ـ في مقام استكشاف ما يُدركه عقلاء المجتمعات البشريّة المختلفة بما هم عقلاء؛ فكما أنّ المسلم قد يُقدم على اجتراح جملةٍ من السلوكيّات انطلاقاً من كونه عاقلاً من عقلاء المجتمع، لا من كونه إنساناً متشرِّعاً مرتبطاً في سلوكه بشريعةٍ سماويّة توجّه سلوكه، فكذلك الإنسان الغربي الذي نُعنى في هذه الدراسة ـ ولو بنحوٍ مقتضب ـ باستكشاف نظرته إلى الظاهرة محلّ البحث؛ حيث يُحتمل بشدّة أن تكون نظرته هذه وليدةَ كونه عاقلاً من العقلاء. وكلّما اتّفقت نظرته إلى الأمور مع نظرتنا تجاه الظاهرة قَيْدِ الدراسة، مع الأخذ بعين الاعتبار تباعد الظروف وتباينها، زاد احتمال أن تكون النظرة الموحَّدة وليدة العامل المشترك بين الطرفين، وهو انتماؤهما إلى دائرة العقلاء، فتأتي مقولات (الآخر) ـ على نحو الاقتضاء، لا الضرورة ـ لتنبِّهنا إلى حقيقة المرتكز العقلائي، وهنا بالتحديد تكمن أهمِّية البحث بالنسبة إلى علوم المسلمين.

5ـ تنحو هذه الدراسة المنحى الرصدي التوثيقي؛ لأنّ رصد المشهد يعدّ الخطوة الأولى والمنطقيّة قبل تفسيره (تحليل) والحكم عليه (تركيب). ولهذا سوف نبتعد ـ ما كان إلى ذلك مجالٌ ـ عن التحليل التوسّعي، يزيد من التزامنا بذلك ضيقُ المساحة والفرصة:

 

1ـ رينيه ديكارت(1596 ـ 1650م)

نبدأ جولتنا الرصديّة مع الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه ديكارت (René Descartes)(1596 ـ 1650م)، الذي يجوز لنا أن نعتبره أحد أبرز الفلاسفة الغربيّين الذين قرأهم المسلمون في القرن العشرين، وربما يعود ذلك ـ في جزءٍ من الأسباب ـ إلى أنّه كان في جملةٍ من مواطن مصنَّفاته قريباً إلى أذواقهم ومعتقداتهم الدينيّة في ما يرجع إلى مسألة البشريّة الكبرى، أعني الإيمان بالله تعالى. وقد اتُّهم الرجل على كلّ حال بالاستفادة الواضحة من تراث ابن سينا، الذي تمكَّن ـ كما يُقال ـ من الاطّلاع عليه مترجَماً، حتّى قيل: إنّ ديكارت استقى مقولته (الكوجيتو) من بعض مؤلَّفات ابن سينا، التي كانت قد تُرجمَتْ في ذلك الحين([12]). وقيل: إنّ برهان ابن سينا (المعروف ببرهان الرجل الطائر، أو الرجل المعلّق في الفضاء) الذي أقامه لإثبات تجرّد النفس هو نفسه برهان ديكارت المعروف، وإنّ الأخير مأخوذ من الأوّل. ولكنّه أمرٌ رفضه الشهيد مطهّري بشدّة في (أصول الفلسفة)([13]) و(العدل الإلهي)([14])، على أساس أنّ ابن سينا قارب الموضوع من زاوية المشاهدة المباشرة للنفس وبلا واسطة، بينما دخل ديكارت إلى البحث من زاوية شهود الآثار النفسانيّة، متَّخذاً من وجود الفكر جسراً وواسطة، فاعتبر أنّ وجود الفكر دليلٌ على وجود النفس. وقد تعرّض للموضوع الشهيد الصدر أيضاً في (فلسفتنا)([15]).

النصّ الأوّل الذي نعرضه لديكارت مُسْتَلٌّ من كتابه (Discours de la méthode)، الذي نشره عام 1637م، والذي تُرْجِم إلى العربيّة ـ بحَسَب علمنا ـ ثلاث ترجمات:

أولاها: جاءت تحت عنوان (مقالٌ عن المنهج)، قام بها حوالي سنة 1930م الأستاذ المصري محمود الخضيري، والتي قدَّم لها زميله الدكتور محمد مصطفى حلمي سنة 1966، قبل نشرها عن الدار المصريّة للتأليف والترجمة بوزارة الثقافة المصريّة .

والثانية: للدكتور جميل صليبا، نشرتها اللجنة الدوليّة لترجمة الروائع ـ اليونسكو ضمن (مجموعة الروائع الإنسانيّة) سنة 1953م، تحت عنوان (مقالة الطريقة).

والثالثة: أنجزت سنة 1985م، ونشرت سنة 2008م، تحت عنوان (حديث الطريقة)، وقام بها الباحث التونسي عمر الشارني.

وقد حظينا ـ إضافةً إلى الأصل الفرنسي ـ بالترجمتين الأولى والثالثة، دون الثانية، فنقلنا عنها بالواسطة.

لقد تحدّث ديكارت في نصّ (مقاله) أو (حديثه) عن نوعين من الـ (certitude)،والتي اختلف المترجمون في ترجمتها؛ فاستخدموا عبارة (اليقين) تارةً، و(الثقة) أخرى… وهذا نصّ ديكارت ـ كما في ترجمة الخضيري ـ: «وأخيراً إذا كان هناك بعضٌ من الناس [الأدقّ: إذا كان لا يزال بعضُ الناس] مَنْ لم يقتنعوا اقتناعاً كافياً بوجود الله ووجود أنفسهم بالحجج التي أوردتُها، فإنّي أريد أن يعرفوا أنّ كلّ الأشياء الأخرى التي يرَوْن [الشارني: (قد يعتقدون)، الأدقّ: (يعتقدون)] أنّهم أكثر وثوقاً بها [الشارني: (أنّهم متأكِّدون منها)، الأدقّ = أكثر تأكّداً/تحقّقاً/وثوقاً]، وذلك مثل: أن يكون للمرء جسمٌ، وأن توجد الكواكب والأرض، ومن شابهها من الأمور [الأدقّ: وذلك من قبيل] هي أقلّ ثبوتاً [الشارني: يقيناً]؛ لأنّه مع أنّ للمرء ـ (كما يقول الفلاسفة) [كذا في الخضيري، لم ترد في الأصل] ـ ثقة أخلاقيّة بهذه الأشياء التي يبدو معها أنّ المرء لا يقدر على الشكّ فيها، إلاّ إذا كان مسرفاً، ومع ذلك أيضاً فعندما يكون المرء بصدد يقين ميتافيزيقي فإنّه لا يقدر ـ إلاّ إذا كان محروماً من العقل ـ على إنكار أنّه يكفي علّةً لنفي كمال اليقين أن يلاحظ أنّه من المستطاع على هذا الوجه أن يتخيّل النائم أنّ له جسماً آخر…»([16]).

لقد استخدم ديكارت عبارة (certitude) في كلا الجانبين: الأخلاقي (morale)؛ والميتافيزيقي؛ بينما ترجمها صليبا بـ (الثقة) في المورد الأوّل، وبـ (اليقين) في المورد الثاني. واستخدم ديكارت وصف (certaine)، المشتقّ من (certitude)، وهو لفظٌ يعني (التأكُّد) أحياناً، كما يُستخدم فلسفيّاً للدلالة على (اليقين)([17]).

وقد علّق فرانسوا ألب أولار (François-Alp Aulard) ـ محرّر الطبعة الفرنسيّة سنة 1861م، والتي اعتمدنا عليها ـ بأنّ اليقين على ثلاثة أقسام: يقين أخلاقي ناجم عن الوثاقة وشهادة الشهود؛ يقين فيزيائي (حسّي) ناجم عن الحواس؛ ويقين ميتافيزيقي ناجم عن العقل([18]). ولكنّه لم ينسب هذا التقسيم الثلاثي إلى ديكارت، الذي نجده قد اعتمد في مؤلَّف آخر تقسيماً ثنائيّاً لليقين؛ فقد أثبت الخضيري في هامش (المقال) نصّاً لديكارت استلّه من مبادئ الفلسفة، يُستفاد منه تقسيم ديكارت لليقين تقسيماً ثنائيّاً. وسنقوم بإيراد ترجمة الخضيري، مع الإحالة إلى نصّ ديكارت باللغة الفرنسيّة([19]).

يقول ديكارت: «سوف أميِّز هنا بين نوعين من اليقين: الأوّل: يسمّى أخلاقيّاً، أي كافياً لتدبير شؤوننا الخُلقيّة، أو هو مثل يقيننا بالأشياء التي تمسّ السلوك في الحياة، لم نعتد قطُّ أن نشكّ فيها، مع أنّنا نعرف أنّه قد يجوز أن تكون باطلة على الإطلاق. وهكذا، فإنّ الذين لم يذهبوا البتّة إلى رومة لا يشكُّون في أنّها مدينة في إيطاليا، مع أنّه يجوز أنّ كلّ الذين عرَّفوهم بها ربما خدعوهم. وأمّا اليقين الثاني فهو عندما نرى أنّه يستحيل أن يكون الشيء غير ما نحكم به»([20]).

ويذكّرنا حديثُ ديكارت عن يقيننا بوجود روما في إيطاليا ـ مع احتمال أن يكون المخبرون عنها قد قاموا بخداعنا ـ بتمثيل علماء المسلمين بعلمنا بوجود مكّة، مع احتمال تواطؤ المخبرين عنها على الكذب.

وعلى كلّ حال، فقد وقع كلامٌ عندهم في ما يريده ديكارت من (اليقين)، وإلى جانبه كلامٌ آخر حول صحّة استخدام لفظ (اليقين) مرادفًا لـ (الاعتقاد)؛ حيث خالف فريقٌ على أساس أنّ (اليقين) وصف لدرجة المطابقة للواقع، بينما (الاعتقاد) وصفٌ لحالة الشخص الذي قد يعتقد بأمرٍ مخالف للواقع([21]).

ونكتفي من نصوص ديكارت بهذا النَّزْر اليسير، تاركين التوسُّع في ما أراد وفي التدقيق بترجمات نصوصه إلى غير فرصةٍ.

 

2ـ أنطوان أرنولد(1612 ـ 1694م)، وبيير نيكول(1625 ـ 1695م)

في كتابهما (المنطق أو فنّ توجيه الفكر)(La Logique.. ou l’Art de Penser)، تعرّض اللاهوتي والفيلسوف والرياضي الفرنسي أنطوان أرنولد (Antoine Arnauld) واللاهوتي بيير نيكول (Pierre Nicole) ـ أحد أبرز وجوه الحركة الإصلاحيّة (الينسينيّة) أو (الجانسينيّة) ـ في الفصل الثاني عشر وما يليه إلى العلم الحاصل لدى الإنسان من شهادات الشهود وإخبار الآخرين، حيث انتهيا إلى أنّ أحد طرق تحصيل إيمان الإنسان بحقيقةٍ ما هو «طريق سلطة أشخاص موثوق بهم، وهم الذين يؤكِّدون لنا أنّ هذا الشيء ثابت، وإنْ كنّا نحن لا نعلمه. وهذا هو الإيمان أو الاعتقاد على حسب ما يرى القدّيس أوغسطين: إنّ ما نعرفه نكون مدينين به للعقل، وإنّ ما نؤمن به نكون مدينين به للشرع. إلاّ أنّه لمّا كانت هذه السلطة الدينيّة تنقسم إلى مصدرين: إمّا أن تكون من الله؛ أو من بعض الناس، حصل أن وجد نوعان من الإيمان: إلهي؛ وإنساني:

والإيمان الإلهي لا يمكن أن يكون عرضةً للخطأ؛ لأنّ الله تعالى لا يخدعنا، ولا يريد لنا أن ننخدع.

أمّا الإيمان الإنساني فقد يكون في ذاته عرضةً للخطأ؛ لأنّ كلّ إنسان يُمكن أن يكون كاذباً حَسْب نصّ الكتاب المقدّس؛ لأنّه قد يحدث أنّ مَنْ يثبت ويؤكّد لنا شيئاً على أنّه حقٌّ قد يكون هو ذاته قد أخطأ، إلاّ أنّه كما ذكرنا آنفاً توجد أشياء لا نعلمها إلاّ من تصديقٍ إنساني ممّا يجب أن نثق به ولا نشكّ فيه، كما لو كانت حصلت لنا البرهنة عليه، مثل: حصول البراهين الرياضيّة.

وهذا هو ما نعرِّفه بعلاقة ثابتة لكثير من الأشخاص، وأنّه يستحيل تواطؤهم على الكذب، ليقرّروا شيئاً ما على أنّه حقٌّ، إنْ لم يكن كذلك.

مثلاً: قد يجد الناس بطبعهم صعوبة في أن يتصوّروا وجود متناقضات، غير أنّه وإنْ كنّا لا نستطيع أن نتصوَّرها، ولا نعرف عنها شيئاً إلاّ عن طريق التصديق الإنساني، فيشبه أن يكون من الحمق أن لا نعتقدها. وقد يكون من تبلُّد الإحساس أن نشكّ في وجود رجال مثل: قيصر وشيشرون، وبومبي وفيرجل، وأنّ هؤلاء الرجال لم يوجدوا قطّ، وأنّهم ليسوا إلاّ [أشخاصاً] وهميّة مختلقة([22])، كما هو الحال مع الأماديس»([23]).

ثمّ سجّلا في الفصل التالي أنّ «الإمكان الوحيد لحادث ما ليس سبباً كافياً يجعلني أعتقد فيه، وأيضاً قد يكون لي سببٌ ما لأعتقد فيه، وإنْ كنت لا أحكم بأنّه من المحال أن لا يحدث العكس، حتّى أنّه من حادثين يمكن أن أصدّق أحدهما ولا أعتقد في الآخر، وإنْ كنت أرجِّح أنّ كلَيْهما محتملان»([24]).

ثمّ قرّرا في الفصل الرابع عشر، الذي خصَّصاه للحديث عن (الإيمان بالمعجزات)، أنّ هناك موقفين مختلفين إزاء هذا الإيمان. يمثّل الأوّل أولئك الذين «اقتنعوا بأنّه يكفيهم أن يعلموا أنّ كلّ شيءٍ ممكنٌ بالنسبة إلى الله حتّى يصدّقوا كلّ ما يُقال لهم عن آثار قدرته تعالى.

وخلافاً لذلك، يتخيَّل آخرون أنّ في قوّة الفكر أن يشكّ في جميع المعجزات دون أن يكون له أدنى سبب مرجّح للشكّ، إلاّ ما كان من أنّهم يحكمون على أنفسهم في غالب الأحوال بأن لم يجدوا في هذه المعجزات الحقيقة، وليس في زعمهم بأن يكون تصديقها أولى من التصديق بغيرها»([25]).

 

3ـ جون لوك(1632 ـ 1704م)

في الفصل الخامس عشر من كتابه (مقال حول الفهم البشري)(An Essay concerning human understanding)، الذي خصَّصه للحديث عن (الاحتمال)، تعرّض الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (John Locke)(1632 ـ 1704م) في معرض ذلك للحديث عن شهادة الشهود، حيث اعتبر أنّ احتمال [مسألةٍ ما] يرتكز على أرضيّتين: الأولى: التطابق مع تجاربنا الخاصّة؛ والثانية: التطابق مع شهادة الغير المتعلّقة بتجاربهم؛ فيُجبر الضعف في معارفنا، ويتمّ إرشادنا إلى مواطن الخلل فيها.

وما يهمّنا فعلاً هو الشقّ الثاني، وهو المرتبط ـ بحسب لوك ـ بشهادة الآخرين المستندة إلى مشاهداتهم وتجاربهم، حيث نصّ على ستّ نقاط ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند ملاحظة شهادة الغير، وهي:

1ـ عدد [الشهود].

2ـ استقامتهم ونزاهتهم.

3ـ براعتهم ومهارتهم.

4ـ مراعاة قصد المؤلّف في حال سُجّلت شهادته في كتاب.

5ـ اتّساق مقاطع [الشهادة]، وملابسات العلاقة [بينها].

6ـ الشهادات المضادّة.

وفي هذا السياق يسوق لوك ثلاث حالاتٍ أو أمثلة يُظهر من خلال التفاوت القائم بينها مدى تأثير العامل القَبْلي والخبرة السابقة على قبول الشهادة أو ردّها:

أـ لو شاهدتُ بنفسي شخصاً يسير على الثلج، ثمّ أخبرني شخصٌ آخر أنّه رأى في إنجلترا، وفي غمار شتاءٍ قارس، رجلاً يمشي على ماءٍ لبَّده البرد، فهذه الشهادة تتّفق إلى حدٍّ كبير مع ما تمّ الاعتياد على مشاهدته، وهو ما أميل ـ بحَسَب طبيعة الشيء نفسه ـ على المصادقة عليه، إلاّ إذا خيَّمت على الأمر شكوكٌ واضحة.

ب ـ وفي المقابل، إذا أدليْتُ الشهادة نفسها لشخصٍ استوائي، لم يسبق أن شاهد أو سمع بشيءٍ من هذا القبيل، ففي هذه الحالة سيكون احتمالُ وقوع الحادثة بالنسبة إليه رهيناً بالشهادة وحدِها، فيقوى الاحتمال أو يضعف تبعاً لما يرتبط براوي الحدث، من حيث العدد والوثاقة وعدم وجود مصلحة له من وراء الإخبار.

ج ـ وأخيراً يمثِّل لوك بشخصٍ تتعارض خبرته مع هذه الشهادة، كما حدث مع سفير هولندا لدى المملكة السياميّة، حيث كان بصدد الترفيه عن الملك بذكر ما تتفرَّد به هولندا، فذكر له في غمار ما ذكر أنّ الماء قد يتجمَّد في بلاده نتيجة البرد القارس، حتّى قد يتسنّى للرجال أن تسير عليه، بل إنّ بإمكانه أن يحمل فيلاً. عندها قال له الملك: «إلى الآن كنتُ أصدِّق الأمور الغريبة التي قصصتها لي؛ لأنّني كنتُ أعتبرك رجلاً متَّزناً وعادلاً، ولكنَّني بتُّ متأكّداً الآن من أنّك تكذب»([26]).

وإذا أردنا أن نلملم أهمَّ ما ورد في كلمات لوك فبإمكاننا أن نضيف إلى النقاط الستّ الذي وردَتْ في مطلع حديثنا نقطتين أخريين، ليصبح المجموع ثماني نقاط:

1ـ عدد الشهود.

2ـ استقامة الشهود ونزاهتهم.

3ـ براعة الشهود ومهارتهم، وهو ما يُمكن التعبير عنه بـ«الخبرويّة».

4ـ مراعاة قصد المؤلّف في حال سُجِّلت شهادته في كتاب.

5ـ اتّساق مقاطع الشهادة، والملابسات المحفوفة بوشائجها.

6ـ ما يُعارض الشهادة من شهادات أخرى تسير في اتّجاه معاكس.

7ـ مدى انسجام مؤدّى الشهادة مع المعارف القَبْليّة للشخص الذي يتلقّى الشهادة.

8ـ مستوى غرابة الحَدَث المنقول في الشهادة؛ فكلّما زادت غرابته بطؤت حركة عجلة القيمة الاحتماليّة لوقوعه.

 

4ـ ديفد هيوم(1711 ـ 1776م)

بعد أن خصَّص ديفد هيوم (David Hume) الفصل الخامس من كتابه حول (الفاهمة البشريّة) (An inquiry concerning human understanding) للحديث عن الاحتمال([27])، قام بتخصيص الفصل العاشر للحديث عن (الخوارق) أو (المعجزات)([28]). وسنكتفي بإيراد نصّه المترجم ـ على طوله ـ لأنّه يحكي عن نفسه.

قال هيوم: إنّه «ليس ثمّة أيّ نوع من أنواع الاستدلال أكثر عموماً ولا فائدة حتّى صار ضروريّاً أصلاً للحياة الإنسانيّة من ذلك الاستدلال المستمدّ من شهادة الناس، ومن أخبار الذين رأوا بأعينهم والمشاهدين. وربما عمد بعضهم إلى إنكار قيام هذا الصنف من الاستدلال على علاقة السبب والمفعول.

لن أجادل في كلمةٍ، سيكفي أن نلاحظ أنّ تأكّدنا من أيّ حجّةٍ من هذا القبيل ليس مستمدّاً من أيّ مبدأ آخر غير ملاحظتنا لصدقيّة شهادة الإنسان، وللتطابق الاعتيادي للوقائع مع بيانات الشهود. ولمّا كان من المسلَّم به مسلَّمة عامّة أنّه ليس ثمّة من الموضوعات ما يوجد بينه ارتباطٌ ظاهر للعيان، وأنّ كلّ الاستنتاجات التي يُمكننا أن ننتقل بها من موضوعٍ إلى موضوع إنّما تتأسّس ببساطة على ما خبرناه من اقترانها الثابت والمنتظم، فمن البداهي أنّه لا ينبغي لنا أن نشذّ عن هذه القاعدة العامّة لفائدة الشهادة الإنسانيّة التي لا يبدو ارتباطها بأيّ حدثٍ من الأحداث في حدّ ذاته أكثر ضرورةً ممّا سواه، فلو لم يكن في الذاكرة شيءٌ من طبع التشبُّث، ولو لم يكن الناس عموماً على ميل الإحساس بالخجل إذا افتضح كذبهم، أقول: لو لم نكتشف بالتجربة أنّ هذه من الخصال المتضمّنة في الطبيعة الإنسانيّة لما كان لنا أبداً أدنى ثقة في الشهادة الإنسانيّة، فما كان لرجلٍ يهذي أو عرف عنه أنّه كذّاب عديم الذمّة أن يكون له أيّ شكل من أشكال النفوذ علينا.

ولمّا كانت القرينة المستمدّة من الشهود ومن شهادات الناس قائمةً على التجربة السابقة، فإنّها تتغيَّر بتغيّر التجربة، وينظر إليها إمّا على أنّها دليلٌ؛ أو على أنّها قرينة ترجيحٍ، بحسب ما نجد أنّ الاقتران بين هذه الرواية أو تلك وهذا الموضوع هو اقتران ثابت أو متبدّل. فثمّة عددٌ من الحيثيّات التي يتعيَّن أخذها بعين الاعتبار في جميع الأحكام المماثلة، وإنّ المعيار الأقضى الذي نحسم به كلّ الخصومات التي قد تنشب في خصوصها هو دوماً معبارٌ مستمدّ من التجربة والملاحظة، فحيثما لم تكن هذه التجربة متواترةً تمام التواتر([29]) على جانب من جوانبها، تلقّيناها بأحكامٍ لا مسلّم لها من التضارب، وتلقّيناها بعين التعارض والتدافع اللذين بين الحجج، كما في أيّ ضرب آخر من ضروب القرائن، فكثيراً ما نتردَّد في تصديق الأخبار التي ينقلها الآخرون، فنوازنها بما يقابلها من الحيثيّات التي تولِّد الشكّ وقلّة اليقين. ومتى اكتشفنا أيّ تفوّقٍ لهذا الجانب أو ذاك مِلْنا إليه، وإنْ بيقينٍ يقلّ على قدر قوّة ضديده.

ولعلّه يُمكننا إرجاع تقابل المرجّحات في الحالة الراهنة إلى عدّة أسباب مختلفة:

1ـ فقد ترجع إلى التعارض مع شهادة مناقضة.

2ـ أو إلى طبيعة الشهود.

3ـ أو عددهم.

4ـ أو إلى كيفيّة إدلائهم بشهادتهم.

أو إلى اجتماع كلّ هذه الأسباب.

فإنّا نظلّ على توجّسٍ من أمر أيّ واقعة من الوقائع يتناقض فيها الشهود، أو يكونون قلّة فيها، أو لا يكونون من الثقات، أو أنّهم من ذوي المصلحة في أن يؤخذ عنهم ما يقولون، أو أنّهم يتردَّدون في شهادتهم، أو أنّهم يعلنونها بعنفٍ شديد.

وثمّة كثيرٌ من قبيل: هذه الجزئيّات التي قد توهن أو تحطّم قوّة أيّ حجّةٍ من الحجج التي تأتي من شهادة الناس.

ولنفترض مثلاً أنّ الواقعة التي تجتهد الشهادة في إقامتها تنتمي إلى مجال الخارق للعادة ومجال العجيب؛ فإنّ البيّنة التي تحصل في هذه الحال من الشهادت تتناقص قيمتها تناقصاً يتفاوت على قدر ما تكون الواقعة معتادة أو غير معتادة؛ فإنّ علّة ثقتنا في الشهود والمؤرّخين ليست أيَّ ارتباطٍ ندركه قبليّاً بين الشهادة والواقع، وإنّما هي اعتيادنا على ملاحظة تطابق بينهما.

إلاّ أنّه عندما تكون الواقعة المشهود بها من قبيل: ما قلّ أن يقع تحت نظرنا، فها هنا يحدث تنازع تجربتين تُبطل فيه إحداهما الأخرى على قدر طاقتها، ولا يكون للأقوى منهما أثرٌ في الذهن، إلاّ بما يفضل من القوّة. وإنّ عين مبدأ التجربة الذي يعطينا درجةً ما من التأكّد من بيانات الشهود لهو ذاته الذي يعطينا كذلك في هذه الحال درجةً أخرى من التأكّد ضدّ الواقعة التي يحاولون إقامتها، وهي المناقضة التي ينجم عنها ضرورة نقل مضادّ وتحطيم متبادل لما يصاحب كلاًّ منهما من الاعتقاد والنفوذ.

(لن أصدّق مثل هذه الحكاية ولو حدّثني بها كاتون Cato): تلك عبارة مثليّة رومانيّة سرَتْ بين الناس، وحتّى في حياة هذا الوطني على جهة الفلسفة: عظم ما كان عدمُ وثاقة واقعة من الوقائع مجوّزاً لتكذيب أكبر المراجع.

إنّ الأمير الهندي الذي أبى أن يصدّق الروايات الأولى عن مفاعيل التجمّد الثلجي قد كان محقّاً في تفكيره([30])؛ فقد كان من الطبيعي أن يتطلّب شهادة قويّة جدّاً ليصادق على وقائع تولّدت ضمن حالة طبيعيّة لم يكن ملمّاً بها، بل كانت بعيدة عن مماثلة تلك الأحداث التي جرَّبها تجربة متواترة وثابتة، فهي وقائع لئن لم تكن مناقضة لتجربته هذه فهي غير مطابقة لها.

ولكنْ دَعْنا ـ لمزيد الرفع من الاحتمال المضادّ لشهادات الشهود ـ نفترض أنّ الواقعة التي يقرِّرونها ليست عجيبةً فقط، بل هي معجزةٌ فعلاً. ودعنا نفترض كذلك أنّ الشهادة ـ منظوراً إليها على حِدَةٍ، وفي حدّ ذاتها ـ تضاهي دليلاً برمّته، فثمّة في هذه الحالة دليلٌ بدليل، وتكون الغلبة لأقواهما، وإنْ كان ذلك مع تناقص في قوّته على قدر تناقص قوّة مقابله»([31]).

 

5ـ بيير سيمون لابلاس(1749 ـ 1827م)

نشر بيير سيمون لابلاس(Pierre Simon Laplace) أثرين مهمَّين في الاحتمال: أحدهما: النظريّة التحليليّة للاحتمالات (Théorie analytique des probabilités) سنة 1812م؛ والذي أعقبه بعملٍ آخر بعد سنتين ـ سنة 1814م ـ، تحت عنوان: مقال فلسفي حول الاحتمالات (Essai philosophique sur les probabilités).

يُشار إلى أنّ الأبحاث التي تعرّض لها لابلاس حول قيمة شهادة الشهود، وأثرها في تغيير المعطى الرياضي، كثيرةٌ جدّاً. ولكنّ ضيق المساحة المخصّصة لعرض رأيه سيحدونا إلى الاقتصار على عرض واحدٍ من الأبحاث المهمّة التي طرقها لابلاس في هذين الكتابين، وهو ما يرتبط بنقل الحَدَث التاريخي عبر سلسلة من الرواة، وقد عرضه بطريقةٍ واحدة في كلا كتابيه المتقدّمين، حتّى تطابقت الألفاظ.

فقد تعرّض لابلاس تحت عنوان (المبدأ الثالث) من مبادئ حساب الاحتمالات من كتابَيْه (Théorie analytique des probabilités)([32]) و(Essai philosophique sur les probabilité)([33]) إلى الحالة التي ينقل فيها الحادثةَ عشرون راوياً، يتمتّع كلُّ واحد منهم بدرجة صدق بنسبة ، بحيث كان كلُّ واحد منهم ينقل الحادثة عن الآخر؛ حيث ذكر لابلاس أنّ القيمة الاحتماليّة النهائيّة لصدق الرواية تتناقص إلى الثُمْن. وقد شبّه ذلك بمن يضع عشرين قطعة زجاج فوق بعضها البعض، حيث يقلّ وضوح الصورة كلّما وضعنا زجاجة.

وبيان ما ذكره لابلاس: إنّ القيمة الاحتماليّة لصدق النقل بعد مروره بعشرين ناقلاً ينقل كلّ واحد منهم عن الآخر يُمكن استخراجها من خلال ضرب القيم الاحتماليّة للرواة ببعضها البعض:

P= × × × × × × × × × × × × × × × × × × × = = =0.121

وهو يساوي الثمن تقريباً ( ).

وتذكّر صيغة لابلاس هذه بما يألفه أكثر المشتغلين ببحوث أصول الفقه عند الإماميّة، الذين اطّلعوا على تراث المفكّر السيّد محمّد باقر الصدر الأصولي؛ حيث سجّل النتائج نفسها في حلقته الأصوليّة الثانية.

إلاّ أنّ في البَيْن سؤالين مهمّين يعتريان ذهن كلّ مشتغلٍ بهذه الأبحاث، وقد بلغت الإجابة عنهما من الغموض درجةً جعلت بعض الباحثين يشكّك في صحّة هذه النتائج، وهما:

1ـ لماذا اللجوء إلى قاعدة الضرب، بدل قاعدة الجمع؟

2ـ لماذا الضرب بلحاظ صدق الراوي في هذا المثال، وبلحاظ كذبه في مثالٍ آخر؟

لكنْ حيث إنّ تقديم جواب واضح ومقنع يحتاج إلى مقدِّمات رياضيّة خاصّة فقد قرّرنا الإشكالين المذكورين، وأجبنا عنهما، في دراسةٍ مستقلّة تأتي تباعاً.

 

6ـ جاكييه (القرن التاسع عشر)

خصَّص جاكييه (P. J. Jacquier)([34]) الفصل الثالث عشر من كتابه حول (فنّ التفكير)(Élemens de psychologie, d’idéologie et de logique; ou Art de penser) للحديث عن الطريق الخامس من الطرق التي يُصدر البشرُ على أساسها أحكامهم؛ فخصَّصه للحديث عن شهادة الناس (Témoignage des hommes).

وبدايةً نوّع جاكييه مشاهدات الناس إلى عدّة فئات على أساس حيثيّات مختلفة؛ فهي تارةً من صنع الطبيعة وأخرى من صنع البشر، وتارةً معاصرة وأخرى ماضية؛ وتارةً علنيّة عامّة وأخرى خاصّة؛ وتارةً في غاية الأهميّة وأخرى محدودة الأهميّة؛ وتارةً تنسجم مع القبليّات والمصالح وأخرى تتعارض معها؛ وتارةً تسهل ملاحظتُها وأخرى تصعب؛ وتارةً ترتبط بحدث طبيعي وأخرى بحَدَثٍ خارق؛ ثمّ إنّ الشهود تارةً يشهدون الحدث بأنفسهم وأخرى ينقلونه عن غيرهم.

ويؤكّد جاكييه أنّ لهذه الملابسات أثراً كبيراً جدّاً في تحديد مدى الوثاقة بالشهادة البشريّة، ويتناول في هذا السياق ثلاثةً من العوامل المذكورة أعلاه:

1ـ ففي الحوادث التي تتناول مردوداً للراوي ومنفعةً له يكون الباب أوسع لممارسة الخداع والتضليل، بينما يضيق هذا الباب كلّما قلّ المردود النفعي.

2ـ وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما يتّفق وقبليّاتنا ورغباتنا؛ فإنّنا أسرعُ إلى تصديقه ممّا يعارضها.

3ـ كما أنّ حال مَنْ يشاهد الحديث بنفسه تختلف عن حال مَنْ يروي حدثاً نقلاً عن غيره؛ فإنّ قدرة المَرْء على التوثّق من سلامة حواسه أعظمُ من قدرته على التوثّق من مصداقيّة الناقل في ما ينقله.

وخلص جاكييه من هذا إلى أنّ من الضرورة بمكانٍ أن تتمّ ملاحظة الملابسات المرتبطة بالراوي وتلك المرتبطة بالحدث نفسه.

ولا ينسى جاكييه أن يسجّل انطباعاً في غاية الأهمِّية، وهو أنّه عندما يرتبط الأمر بحوادث عامّة فإنّ من الجزاف أن نرفض الركون إلى الشهادت البشريّة؛ لأنّ من غير الممكن أن يُصاب بالاغتشاشُ رجالٌ منظّمون، سليمو العقل، وغير مسكونين بالمنفعة، ضمن أحداث شهدوها بحَذَرٍ وانتباه.

ومن ناحية أخرى، فإنّ الناس ـ بحسب جاكييه ـ يحبّون بطبعهم الحقيقة، ولا يقدمون على خيانتها إلاّ إذا اقتضت مصلحتهم ذلك، وأنّ لديهم ـ بشكلٍ عام ـ ثقة غير محدودة بكلام الآخرين.

ومن هنا، فإذا نُقلت إلينا الأحداث عبر مجموعة من الشهود، وخاصّة إذا كثر عددهم، واتّخذوا كلّ التدابير اللازمة للوقوف على الحقيقة، ولم يكن من مصلحتهم أن يشوّشوها علينا، بل كان ما يقولونه مضادّاً لمصالحهم، ففي هذه الحالة ليس بمقدورنا أن نقابل شهاداتهم بالشكّ والرفض.

ودعونا نعترف ـ يقول جاكييه ـ بأنّه من غير الصحيح الاعتقاد بأنّ عدداً كبيراً من الشهود الذي يشهدون حَدَثاً ما بالعيان، ويحرصون على التلقّي السليم، يُمكن أن ينخدعوا معاً…، وأنّ عدداً كبيراً من الشهود الذي يتفاوتون من جهة الوطن، اللغة، الدين، الخصائص، الاهتمامات، المعتقدات، ولا يعرف أحدهم الآخر؛ لتفرّقهم مكاناً وزماناً، يُمكن أن يجتمعوا([35]) جميعاً على الكذب (accorder tous dans un mensonge)…، وأن يتمّ استغلال جمع غفير من الناس ـ وبشكلٍ متواصل ـ وفي حادثة عامّة في غاية الوضوح من قبل شهود زور…، وأن يُحكم على كافّة وسائل صيانة الحدث ـ أعني الآثار الشفاهيّة والكتبيّة والأثريّة ـ بالانهيار وبفقدان أصالتها.

ثمّ يعرّج جاكييه على نقل رأي الإنجليزي (كريج) (Craig)([36])، الذي سبق أن أشرنا إليه، حيث يعتقد كريج بأنّ قيمة الشهادة أو الرواية تتضاءل مع تقادم الزمن، فما كان أكيداً عند جيلٍ يصبح بعد عدّة أجيال ـ ونتيجة تقادم الزمن ـ أمراً مشكوكاً به، ليحلّ في نهاية المطاف منزلة الصفر، وليصبح بالتالي من قبيل: الدجل والأكاذيب.

ومن هنا يعتقد (كريج) بأنّ شهادة الرواة تخضع لمنحنىً تنازلي على جدول الزمن، تقف على قمّته معاينةُ الشخص للحَدَث بنفسه، ويليها نقل الحَدَث بواسطة مَنْ شاهده وعاينه، ليليهما نقله بسلسلةٍ من الوسائط، لينتهي به المطاف في حضيض الأكاذيب.

إلاّ أنّ جاكييه لا يصادق على كلام (كريج)، ويستحضر مناقشة لابلاس له، ويعتبر أنّه خلط بين الانطباع الذي يخلّفه الحدث فينا، والذي ينتمي إلى عالم الأحاسيس ويخضع لقوّة الشعور، وبين التوثّق من الحدث الذي يستند إلى شهادة الشهود وينتمي إلى عالم العقل. وإذا كان الأوّل يضمر كلّما ابتعدنا عن مركز طاقته فليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الثاني، الذي يرتكز إلى قوّة العقل التي لا يضعضعها ذلك. ومن هنا، يخلص جاكييه إلى أنّ قدم حَدَثٍ ما لا يبرِّر على الإطلاق رفضه والتنكُّر له، وما كان ثابتاً لدى جيلٍ يبقى كذلك بالنسبة إلى الجيل اللاحق([37]).

 

7ـ أدولف كيتيليه(1796 ـ 1874م)

وفي القرن التاسع عشر استرجع الرياضي البلجيكي أدولف كيتيليه (Adolphe Quételet)، في كتابه (معلومات عامّة حول حساب الاحتمالات)(Instructions populaires sur le calcul des probabilités)، كلام لابلاس السابق، وقولبه في المعادلة الرياضيّة التالية، فذكر أنّه لو نقل لنا الحَدَثَ عشرون راوياً، وكان احتمال كلّ راوٍ ـ ويقصد بذلك القيمةَ الاحتماليّة لكلّ راوٍ = ، فإنّ احتمال الحدث في نهاية السلسلة سيكون . ولا ينسى كيتيليه أنّنا عندما نقول إنّ احتمال الراوي =  فهذا يعني أنّه ضمن كلّ 10 شهادات يدلي بها فإنّه يخطئ في شهادةٍ([38]).

ولكنّ هذا التفسير من كيتيليه ليس دقيقاً، أو بالأحرى ليس مراداً له حَتْماً؛ لأنّني عندما أقول لأحدهم بأنّي أطمئنّ إلى كلامك بنسبة 90% مثلاً فليس معنى ذلك أنّني أقطع بصدق 90 وبكذب 10 من أخباره المائة، بل المراد أنّ درجة الكشف عن الواقع في كلّ شهادة من شهاداته هي .

والقيمة الاحتماليّة العامّة التي أعطيناها لنوع رواياته تتصوّر إذا لم نقف على الملابسات الخاصّة بكلّ رواية على حدةٍ، وإلاّ فقد تختلف النسبة باختلاف آحاد الأخبار.

ولهذا، فإنّ هذه النسبة تنخفض إذا كان للراوي في ما أخبر به مصلحة مثلاً، وترتفع إذا كان الأمر بعكس ذلك، والحال أنّ التفسير الذي قدّمه جاكييه قاصرٌ عن تفسير مثل هذه الحالة.

اللهمّ إلاّ أن يكون مراد جاكييه هو أنّ الراوي ـ بحَسَبْ طبعه الأوّلي، ومع قطع النظر عن الملابسات والحيثيّات الدخيلة في تكوين قيمته الاحتماليّة النهائيّة ـ يصدق في خبرٍ واحدٍ من بين كلّ عشرة أخبار يخبر بها. وهو بعيدٌ جدّاً؛ فمن ناحية نجد أنّ المعنى في نفسه تمجّه الأمزجة؛ ومن ناحية أخرى إنّ الذي ينفعنا هو القيمة الاحتماليّة الكليّة للراوي، لا قيمته الاحتماليّة بحَسَبْ طبعه الأوّلي.

أمّا كيفيّة استخراج هذه القيمة الاحتماليّة الكليّة فموكولٌ إلى محلّه.

 

8ـ غوستاف لوبون(1841 ـ 1931م)

بعد نشر كتابه الشهير (حضارة العرب) (La Civilisation des Arabes) سنة 1884م، عمد المؤرِّخ وعالم الاجتماع الفرنسي المشهور غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) إلى نشر كتابين رئيسين في مجال دراسة العقل الجمعي للمجتمعات:

الأوّل: نشره سنة 1894م، تحت عنوان (Les Lois Psychologiques de l’Évolution des Peuples)، والذي ترجمه أحمد فتحي زغلول باشا سنة 1913م، تحت عنوان (سرّ تطوّر الأمم)، وشيخ المترجمين العرب عادل زعيتر(1895 ـ 1957م) ـ بترجمة أدقّ ـ، تحت عنوان (السنن النفسيّة لتطوّر الأمم).

الثاني: نشره سنة 1895م، بعد سنة واحدة من نشر كتابه الأوّل، وهو كتاب (La Psychologie des Foules)، الذي خصّصه للحديث عن الحالة النفسيّة للجماعات، بعد أن عُني في كتابه الأوّل بالحديث عن الحالة النفسيّة للشعوب. وقد أحدث هذا الكتاب لـ (لوبون) شهرةً واسعة، وقد ترجم إلى العربيّة ـ بحَسَبْ علمنا ـ ثلاث ترجمات:

إحداها: جاءت على يد أحمد فتحي زغلول باشا، تحت عنوان (روح الاجتماع)، وقد نشرت سنة 1909م .

الثانية: جاءت على يد عادل زعيتر، تحت عنوان (روح الجماعات)، وقد صدرت عن دار المعارف بمصر سنة 1955م.

الثالثة: قام بها هاشم صالح، ونشرت سنة 1991م، تحت عنوان (سيكولوجيّة الجماهير).

يقول غوستاف لوبون: إنّ «مجموع الخصائص الأساسيّة للفرد المنخرط في الجمهور هو: تلاشي الشخصيّة الواعية، هيمنة الشخصيّة اللاواعية، توجّه الجميع ضمن نفس الخطّ بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار…»، ثمّ يقول: «على هذا النحو يُمكننا أن نفهم كيف أنّ هيئات التحكيم الجماعيّة تصدر أحكاماً كان يُمكن أن يُدينها كلُّ عضوٍ مأخوذاً على حِدَةٍ. وهكذا نفهم كيف أنّ المجالس البرلمانيّة تتبنّى القوانين والمراسيم التي كان سيخالفها كلّ عضوٍ مأخوذاً على حِدَةٍ»([39]).

إنّ من الإجحاف حقّاً أن يحاول المرء تلخيص كتاب في أسطر معدودة، ويزداد الأمر تعقيداً عندما يكون الكتاب من الكتب التأسيسيّة في مجاله، وهو ما ينطبق على كتاب لوبون هذا، ولهذا نشير إلى فكرةٍ واحدة من أفكاره التي ترتبط ببحثنا، ونحن مسكونون بشعور الذنب.

لقد انتهى لوبون ـ على ضوء فهمه لروح الجماعات أو سيكولوجيّة الجماهير ـ إلى ما يشبه التعميم، ومفاده: إنّه كلّما تقوّى اتّفاق الجماعة على أمرٍ كان ذلك داعياً إلى التشكيك في صحّة هذا الأمر المشهود به؛ والسبب في ذلك الخصال السيكولوجيّة للجماعات، وهي الخصال التي حاول دراستها في كتابه.

ولن نقف عند مناقشة لوبون بقدر ما نهدف إلى تسجيل ملاحظة ترتبط بكلِّية القاعدة التي رام التأسيس لها؛ فإنّنا إذ لا نشكِّك بصدق ما قاله في بعض الحالات، إلاّ أنّ ذلك يرجع إلى فقدان أحد الشروط التي تحدَّثوا عنها في بحث التواتر، وهو شرط انعدام المصلحة والداعي إلى التواطؤ على الكذب، وهو عاملٌ لا يُمكن بحال ادّعاء ملازمته لروح الجماعة تلازماً لا ينفكّ([40]).

وبعد نشر لوبون كتابه هذا بنحو عقدين ونصف، قام معاصره، عالم النفس الشهير، النمساوي سيجموند فرويد (Sigmund Freud)(1856 ـ 1939م)، سنة 1921م، بنشر كتابه (Group Psychology and the Analysis of the Ego)، وقد ترجمه عن الفرنسيّة الباحث السوري جورج طرابيشي، ونشره سنة 2006، تحت عنوان (علم نفس الجماهير وتحليل الأنا)؛ حيث عمد فرويد في كتابه هذا إلى ما قدَّمه لوبون فقام بتأصيله، بعد أن عاب على لوبون اكتفاءه بالتوصيف، دون أن يخلو كتابه من نقدٍ وملاحظة([41]).

 

تذييل: في نصوص مفكِّرين عرب

كثيرةٌ هي النصوص التي رصدنا فيها تلاقياً مع بحث التواتر في مدىً أو أكثر من مدياته، ولكنّ ضيق المساحة لا يسمح لنا حتّى باستعراضها استعراضاً، فضلاً عن دراستها وتمحيصها. ولهذا سوف نكتفي بالإشارة ـ ضمن حدود تتبُّعنا ـ إلى أهمّ مَنْ تعرّض لموضوع دراستنا، وعلى رأسهم: ماري جان أنطوان كوندورسيه (Jean-Antoine-Nicolas de Caritat Condorcet)(1743 ـ 1794)، في (Essai sur l’application de l’analyse à la probabilité des décisions rendues)؛ إدوارد وورينغ (Edward Waring)(1734 ـ 1798م)، في (An essay on the principles of human knowledge)؛ شارل فرانسوا بيكييّيه (Charles-François Bicquilley)(1738 ـ 1814م)، في (Du calcul des probabilités)؛ سيمون دنيس بواسّون (Siméon-Denis Poisson)(1781 ـ 1840م)، في (Recherches sur la probabilité des jugements en matière criminelle)؛ سلفستر فرانسوا لاكروا (Silvestre François Lacroix)(1765 ـ 1843م)، في (Traité élémentaire du calcul des probabilités)؛ توماس جالُواي (Thomas Galloway)(1796 ـ 1851م)، في (treatise on probability)؛ أغوستوس دو مورغان (Augustus De Morgan)(1806 ـ 1871م)، في (Formal logic , The Calculus of inference, necessary and probable)؛ أنطوان أغوستين كورنو (Antoine Augustin Cournot)(1801 ـ 1877م)، في (Exposition de la théorie des chances et des probabilités)؛ ألكسندر باين (Alexander Bain)(1818 ـ 1903م)، في (Logic Induction)؛ فلوريان كاجوري (Florian Cajori)(1859 ـ 1930م)، في (A History of Mathematics)؛ جون ماينار كينز (John Maynard Keynes)(1883 ـ 1946م)، في (A Treatise on Probability).

وبدل أن نخوض في نصوص هؤلاء، سوف نختم بالإشارة إلى نصوص جملةٍ من الباحثين العرب، الذين كانت لهم إطلالةٌ على الموضوع من خارج رحم الحوزات العلميّة والمعاهد الدينيّة، وإنْ كانوا أنفسهم مسلمين. وسوف نقتصر على ثلاثة باحثين:

 

أـ أحمد عبده خير الدين(1883 ـ 1938م)

تعرّض الدكتور أحمد عبده خير الدين في محاضراته في المنطق، التي ألقاها سنة 1924م، إلى قيمة الأدلّة النقليّة. ونحن ننقلها نقلاً شبه حرفي؛ فقد ذهب إلى أنّ قيمة الأدلّة النقليّة مختلفة، فبعضها يقبل بلا تردّد، وبعضها يرفض من غير جدلٍ، وبعضها يقف أمامه المرء حائراً قبل أن يصدر عليه حكمه.

كما أنّ الغير الذي ننقل شهادته إمّا أن يكون أميناً مخلصاً في حكمه؛ وإمّا أن يكون كاذباً غير أمين، يعرف الحقيقة ولكنَّه يشوّهها. وإذا كان أميناً فقد تخدعه حواسّه، وتخونه قواه العقليّة، وتكون ملاحظته غير سديدة، وأخباره مزيجاً من الحقّ والباطل.

وعلى ذلك يكون أساس التردّد في قبول الدليل النقلي راجعاً إلى فقد أمرين، هما: الأمانة؛ والدقّة. ولذلك كنّا مضطرّين لأن نشكّ في كلّ حقيقة مبناها شهادة الغير، حتّى نتحقَّق في ناقلها الأمانة والدقّة.

ولكنّ الحكم على أمانة المرء ـ بحَسَبْ خير الدين ـ من أصعب الأمور؛ فإذا عرفنا شيئاً عن أخلاقه استطعنا الحكم على درجة صدقه، ومبلغ ما ينبغي أن يوضع في ما يرويه من الثقة، إلاّ أنّ المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها في مثل هذا الموضوع في العادة قليلة، بل متناقضة في كثيرٍ من الأحوال.

غير أنّ هناك دواعي عدّة تدعو المرء إلى الكذب، منها: حبّ المبالغة، والادّعاء الكاذب، وحبّ الشهرة، وجلب المنافع بحقٍّ أو بغير حقّ، فهذه كلّها قد تدعو المرء إلى تشويه الحقائق، وأن يدَّعي أنّه أتى بما لم يأتِ به الأوائل، ووصل إلى ما لم يصل إليه غيره من كشفٍ واختراع، كما يفعل بعض الذين يسطون على ثمرة جهود غيرهم ممَّنْ قضوا معظم حياتهم في البحث والتنقيب، ويختصرونها، ويخرجونها للناس مشوَّهةً مبتورة محرَّفة، ويدَّعونها لأنفسهم؛ طمعاً في الحصول على قليلٍ من المال.

وكما ادَّعى بعضهم زوراً وبهتاناً أنّه وصل إلى الجهات القطبيّة، واللهُ يعلم أنّه كاذبٌ في ما ادَّعاه. فكلّ مَنْ عرف في أخلاقه هذه النقائص تسقط عدالته، ولا يقام لروايته وزنٌ، فهو لا يتحرّى الصدق، ولا يتوخّى إلاّ ما يوصله إلى غايته، (والغاية عنده تبرِّر الوسيلة، مهما كانت غير شريفة).

ومن الأمور المهمّة التي ذكرها خير الدين أنّ أمانة الراوي لا تفيد إلاّ إذا كانت مقترنة بما هو محتاج إليه، من دقّة الملاحظة، وسلامة العقل؛ لأنّ كلَّ امرئٍ معرَّضٌ للخطأ في الملاحظة، فمن المهمّ إذن معرفة مقدار جدارة الراوي، وقدرته على الملاحظة السديدة.

وكثيراً ما يكون من غير المستطاع أن يصف شخصٌ واحد حادثةً؛ لتشعّبها وتعقّدها، أو لأنّها دامت مدّةً طويلة، فوصف واقعة حربيّة وصفاً شاملاً قد يتعذَّر على أحد الذين اشتركوا فيها.

ويختلف الناس في قدرتهم على الاحتفاظ بالصفات الضروريّة لما هم بصدد ملاحظته، وصرف النظر عن غيرها، فبينما يصف شخصٌ حادثةً وصفاً مملاًّ، شاملاً كلّ ما ليس من وراء ذكره فائدة؛ إذ ترى الآخر يصفها وصفاً موجزاً منظّماً، مقتصراً في ذلك على كلّ ما لا يستغنى عن ذكره.

وقد يحمل التحيّز الراوي على أن يُلبس الحقيقة التي أدركها إدراكاً مطابقاً للواقع ثوباً يشوِّهها، ويظهرها على غير ما هي عليه، ولذلك وجب أن تعرف ميول الراوي وعواطفه حتّى يكون من الممكن إغضاء النظر عن كلِّ ما يدخل روايته ممّا يحبّ أو يكره.

إنّ الحافظة عند كثيرٍ من الناس خادعةٌ لا يُؤْمَن خطؤها، ولذلك يجب أن يدوِّن الباحث في العلوم الطبيعيّة نتائج ملاحظاته بمجرَّد الحصول عليه؛ خوفاً من النسيان الذي قد يطمس معالم الحقيقة.

هذا في ما ذكره خير الدين حول رواية الآحاد. لكنْ قد يروي الحقيقة عدّة أشخاص، كلٌّ منهم يشكّ في صحّة روايته، ومع ذلك قد يكون لشهادتهم حظٌّ كبير من الثقة؛ فليس من الضروري أن يكون نصيب روايتهم الجمعيّة من الثقة بها على قدر ما لروايات آحادهم منها.

فإذا سلّمنا بأنّه ليس بينهم تواطؤٌ، وأنّ روايتهم لم تصدر عن مصدرٍ واحد، كان اتّفاقهم في جميع العناصر الضروريّة دليلاً على احتمال صدق رواياتهم. أمّا تناقض روياتهم فإنّه يكون دليلاً على أنّ بعض الروايات على الأقلّ كاذبٌ.

وإذا كانت رواية الحقيقة معنعنة؛ بأن نقلها راوٍ عن آخر، وهذا نقلها عن الآخر، وهلمّ جرّاً، وجب نقدها ووزنها:

فإنْ كانت تاريخيّة مثلاً، ورأينا أنّها غير مقبولة ولا معقولة، ولم تطابق روح العصر الذي ترتبط به، وما هو معروفٌ عنه، كان هذا أَدْعى إلى رفضها والإذعان بعدم صحّتها.

أمّا إذا كانت معقولة وجب القيام بعدّة أشياء قبل قبولها والتسليم بصحّتها:

منها: البحث عن حال الرواة؛ لمعرفة عدالة كلٍّ منهم، وجدارته، وأمانته، ومذهبه السياسي، ومعتقداته الدينيّة، وكلّ ما له تأثير في صحّة أخباره أو خطئها.

ثمّ معرفة حال المصدر الأصلي الذي نقل عنه هؤلاء الرواة؛ للتثبُّت من أمانته وصدقه، وقدرته على الملاحظة والاستنباط، وسلامة عقله، وغير ذلك ممّا تتطلَّبه القدرة على استخراج الأحكام العامّة. فإذا جرّ البحث إلى الحكم بالوثوق بالمصدر الأصلي وبعدالة الرواة قُبلت الرواية.

والجهل بحال مصدر الرواية ورواتها أو بعضهم لا يؤدّي إلى رفض الحقيقة؛ فقد تكون وسيلةً لكشف عصرٍ غامض، وتمهيد الطريق لكثير من الأبحاث التاريخيّة التي تؤدّي إلى الوقوف على تاريخ العصر المذكور. ولذلك يجب فحص الحقيقة وموازنتها بما هو موجودٌ من آثار العصر المذكور ومخلَّفاته، من نقودٍ ونقوش ومؤلّفات خطيّة ومطبوعة ونحوها، ويكون ذلك هو أساس قبولها أو رفضها([42]).

 

ب ـ علي سامي النشّار(1917 ـ 1980م)

كما تعرّض رئيس الأشاعرة المعاصر الدكتور علي سامي النشّار باختصارٍ إلى موضوع بحثنا في كتابه  «المنطق الصوري»، فقال([43]): «شهادة الغير، أو الدليل النقلي: هذه الطريقة يلجأ إليها الباحث عند انعدام الطرق الأخرى. ويكثر هذا في الأمور الاجتماعيّة. وهي طريقةٌ لا تخلو من تعريض الباحث للخطأ؛ بسبب أنّ الشاهد يخطئ بحسن نيّةٍ أو ينسى، وقد يضلّل بسوء نيّة؛ لرغبته في تحقيق منفعة، فيزيّف الباطل؛ إمّا دفاعاً عن نفسه بالباطل؛ أو تحقيقاً لأطماعه؛ أو جلباً للفخر الكاذب.

وشهادة الغير من أهمّ الوسائل التي تنتشر بها الخرافات والأباطيل من جيلٍ إلى جيل، ولكنْ لا يُمكن للعلم الاعتماد على غير هذه الطريقة إلاّ عند الاضطرار، أي إذا استحالت الطرق الأخرى.

وهنا يُشترط: 1ـ التذرُّع بالشكّ العلمي. 2ـ إجراء معايير النقد الدقيقة.

فالشهادة المتّفقة مع مصلحة الشاهد جديرةٌ بالشكّ فيها، وغالباً ما تكون كاذبةً. أمّا الشهادة الي تكون ضدّ مصلحة قائلها ـ كالاعتراف وغيره ـ فإنّها بشكلٍ عام أجدر بالتصديق؛ لأنّ الدافع فيها لا يكون حبّ النفس، بل حبّ الحقيقة دائماً.

ومن أدلّة الصدق في شهادة الغير اتّفاق الشهادات المتعدِّدة التي لم يتأثَّر فيها الشهود بعضهم ببعض؛ إذ من البديهي أنّ فرصة الإجماع على الخطأ أو التحيُّز تقلّ كلّما تعدَّدت الشهادات المستقلّة. وهذه الطريقة ـ أي طريقة شهادة الغير ـ تستعمل في: 1ـ الحقائق التاريخيّة؛ 2ـ الأمور الاجتماعيّة»([44]).

 

ج ـ عبد الرحمن بدوي(1917 ـ 2002م)

أثناء تناوله النقد الباطن السلبي للنزاهة والدقّة ضمن المنهج الاستردادي (التاريخي)، في أثناء حديثه عن مناهج البحث العلمي، توقَّف الدكتور عبد الرحمن بدوي ليقيم ـ بحَسَبْ نظره ـ منهجاً علميّاً لدراسة التاريخ. وتوقَّف عند مصدرين أساسيّين من مصادر الحقائق التاريخيّة، وهما يتمثَّلان في:

 

1ـ روايات شهادة العيان أو الروايات المباشرة

حيث يعتقد الدكتور بدوي أنّ علينا النظر في الأحوال التي وضعت فيها الوثيقة والظروف التي أحاطت بالمؤلِّف، سواءٌ أكانت الظروف والأحوال خارجيّة عامّة أم شخصيّة متَّصلة بالمؤلِّف.

واعتبر الدكتور بدوي أنّ خطوة البحث الأولى ـ وهي البحث عن الأحوال العامّة للوثيقة التي نحن بصدد دراستها ـ تتمثَّل في تجميع أوفر قسط من المعلومات عن المؤلِّف، وعن أمانته وثقة الناس به، وعن المصر الذي كتب فيه، وعن الوثائق المشابهة التي روَتْ نفس الحادث، وعن الوقت الذي وُجد به.

أمّا خطوة البحث الثانية فتتمثَّل في البحث في أمانة الراوي؛ حيث يطفو على السطح سؤالان رئيسان، هما: السؤال عن نزاهة الراوي، ومدى دقّته.

وحتّى يصحّ التمييز الذي سجَّله الدكتور بدوي بين أمانة الراوي ومدى ثقة الناس به وبين نزاهته ومدى دقّته فلا بُدَّ أن يكون مراده من النزاهة ما يرجع إلى حمى الدقّة، لا الوثاقة والأمانة، وإلاّ للزم أن يذكرها في القسم الأوّل.

 

2ـ الرواية غير المباشرة

وهي الأكثر شيوعاً في أعمال المؤرِّخين الذين لا يعاينون الحَدَث بشكل مباشر، وإنّما ينقلونه عن غيرهم، حيث يُفترض أنّ راوي الحَدَث لم يعاينه مباشرةً، وإنّما نقله عمَّنْ عاينه، أو عن مخبرين متنوِّعين كوَّن من خلال أخبارهم المتعدّدة أخباراً (أو إخباراً) عن حَدَثٍ.

هنا يتوجّب علينا ـ يقول بدوي ـ أن نلجأ إلى طريقةٍ أخرى غير الطريقة المتقدِّمة في الرواية المباشرة، حيث امتحنّا الدقّة والنزاهة بالنسبة إلى الوثائق المباشرة. وأهمّ ما في هذه الطريقة أنّ علينا أن نتسلسل في ما بين الرواة المتوسّطين حتّى نصل إلى الراوي الأصلي الذي يكون قد عاين الحَدَث، وهذا شرطٌ يكاد لا يتحقَّق إلاّ في الأحاديث النبويّة المنقولة بأسانيدها، فيتوجَّب علينا والحال هذه أن نقوم بامتحان الرواة المكوِّنين للسلسلة الطويلة واحداً واحداً من جهتين: الأمانة في الرواية؛ ثمّ الدقّة في الرواية. فإذا استوثقنا من أمانة الرواة، واستبعدنا كلّ تجريح لشهاداتهم، وبلغنا إلى الراوي الأصلي الصحابي، فعلينا أن نمتحن هذا الصحابي من حيث أمانته في النقل أو دقّته في القول.

ولكنّ المشكلة ـ بحَسَبْ بدوي ـ أنّ من السهل على كلّ إنسان أن يرسم سلسلة طويلة موثوقة الرواة، ثمّ يزعم أنّ هذا الحديث أو ذاك مرويٌّ بالسلسلة المسجّلة عن صحابيٍّ من الصحابة، مع أنّ الحديث يكون من اختلاقه. تزداد الصعوبة عندما نعرف أنّ كثيراً من التابعين الذي يَرْوُون عن الصحابة لم يكونوا يتورَّعون مطلقاً عن الكذب.

ثمّ يتعرَّض بدوي بإيجازٍ لبعض ما يرتبط بدواعي اتّهام بعض الروايات من حيث انحيازها العاطفي أو تحاملها([45]).

وممَّنْ تعرّض لما يرتبط بهذا البحث: الدكتور محمود قاسم، في كتابه الموسوم بـ (المنطق الحديث ومناهج البحث)([46]).

 

الهوامش

(*) باحثٌ وأستاذٌ في الحوزة العلميّة. له مؤلَّفاتٌ عدّة قيِّمة. من لبنان.

([1]) Arithmetical books from the invention of printing to the present time being, Augustus De Morgan (1847), page 2.

([2]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة: 16.

([3]) Motion Mountain, vol 1, Fall Flow and Heat, The Adventure of Physics, Christoph Schiller, page 31.

([4]) Rouge et noir: the academicians of 1823, Charles Dunne, McManus-Young Collection, page 200; Histoire du calcul des probabilités,  Charles Gouraud, page 2; A general history of mathematics from the earliest times to the middle of eighteenth century,Charles Bossut, page 219.

([5]) Théorie analytique des probabilités, Pierre Simon Laplace, page XCXIX; Histoire du calcul des probabilités, Charles Gouraud, page 2 – 13.

([6]) راجع: جماعة من الباحثين، موسوعة تاريخ العلوم العربيّة 2: 493 ـ 494؛ رشدي راشد، تاريخ الرياضيّات العربيّة بين الجبر والحساب: 82، 291.

([7]) ألان بلومان، كشف أسرار نظريّة الأرجحيّة: 130.

 ([8])The theory of probability, Hans Reichenbach, page 6.

 ([9])Isaac Todhunter, A history of the mathematical theory of probability from the time of Pascal to the of Laplace, p54 – 55; On probability By John William Lubbock, John Elliot Drinkwater Bethune, page 45, page 294.

 ([10])A universal biographical dictionary, Charles N. Baldwin, page 140.

 ([11])An historical and critical dictionary, Volume 3, Pierre Bayle, page 220.

([12]) راجع: هامش المترجم محمود محمّد الخضيري في: رينيه ديكارت، مقال عن المنهج: 213 ـ 214، الهامش 1.

([13]) مرتضى مطهري، أصول فلسفه وروش رئاليسم، مجموعه آثار (فارسي) 6: 282.

([14]) مرتضى مطهري، عدل إلهي، مجموعه آثار (فارسي) 1: 112.

([15]) محمد باقر الصدر، فلسفتنا: 133.

([16]) مقال عن المنهج: 229 ـ 230؛ حديث الطريقة: 226.

Discours de la méthode, René Descartes, page 35.

([17]) راجع: موسوعة لالاند الفلسفيّة 1: 162.

([18]) Discours de la méthode, René Descartes, page 35.

 ([19])Les principes de la philosophie, René Descartes, page 483; Oeuvres philosophiques de Descartes, René Descartes, page 311; Etudes du cartésianisme, ou, principes de la philosophie de René Descartes, Adolphe Mazure, René Descartes, page 102.

([20]) مقال عن المنهج: 229.

([21]) راجع: موسوعة لالاند الفلسفيّة 1: 162 ـ 165.

([22]) في المطبوع: «مختلفة».

([23]) أنطوان أرنولد وبيير نيكول، المنطق أو فنّ توجيه الفكر: 365 ـ 366.

La Logique ou l’Art de Penser, Arnauld & Nicole, pages 315 – 316.

([24]) المصدر السابق: 370.

La Logique ou l’Art de Penser, Arnauld & Nicole, pages 319.

([25]) المصدر السابق: 373.

La Logique ou l’Art de Penser, Arnauld & Nicole, pages 322.

 ([26])An Essay concerning human understanding, John Locke, 25th ed, 1825, pages: 501 – 502.

([27]) An inquiry concerning human understanding , David Hume, page 65.

ديفد هيوم (محجوب)، تحقيق في الذهن البشري: 87؛ ديفد هيوم (وهبة)، مبحث في الفاهمة البشريّة: 87.

 ([28])An inquiry concerning human understanding , David Hume, page 124.

ديفد هيوم (محجوب)، تحقيق في الذهن البشري: 145؛ ديفد هيوم (وهبة)، مبحث في الفاهمة البشريّة: 151.

([29]) كذا في ترجمة محجوب، وفي ترجمة وهبة: «مطّردة»، وفي الأصل الإنجليزي: uniform.

([30]) ممَّنْ ذكر حادثة (أمير سيام) وما يُلمح إليه هيوم: برتراند رسل، فراجع: برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربيّة، الفلسفة الحديثة: 175.

([31]) ديفد هيوم، تحقيق في الذهن البشري: 147 ـ 151. وراجع: موسى وهبة، مبحث في الفاهمة البشريّة: 154 ـ 158.

An inquiry concerning human understanding , David Hume, page 126 – 130.

 ([32])Théorie analytique des probabilités, Pierre Simon Laplace, pages: VIIJ-IX.

 ([33])Essai philosophique sur les probabilités, Pierre Simon Laplace, page: 15.

([34]) لم نتمكّن من تحديد اسمه وسنة وفاته من خلال ما بين أيدينا من مصادر وموسوعات. ولكنّه من أعلام القرن التاسع عشر حَتْماً؛ لورود كتابه الذي ننقل عنه في المجلّد السابع والعشرين من تراث القرن التاسع عشر، كما إنّه ينقل بعض المطالب عن بيير سيمون لابلاس(1749 ـ 1827م)، وهكذا ورد اسمه في الطبعة الفرنسيّة من كتابه المذكور، والمنشورة سنة 1825م، وكذلك في موسوعة تراجم العلماء الفرنسيّة، فراجع:

Joseph Marie Quérard, La France littéraire, ou Dictionnaire bibliographique des savants, Tome IV, page 198.

([35]) اعتمدنا مفردة (الاجتماع) بدل (الاتفاق)؛ تفادياً لتبادر المعنى العرفي غير المقصود في الأبحاث المعرفيّة.

([36]) وراجع الإشارة إلى مناقشة لابلاس لرأي كريج في:

Isaac Todhunter, A history of the mathematical theory of probability from the time of Pascal to the of Laplace, Ed 1865, page 500, N941.

([37] (P. J. Jacquier, Élemens de psychologie, d’idéologie et de logique, ou: Art de penser, 1825, Chapitre VIII, pages: 164 – 177.

([38] (Adolphe Quételet, Instructions populaires sur le calcul des probabilities, Bruxelles, sans date, Pages 30 – 32.

([39]) غوستاف لوبون، سيكولوجيّة الجماهير: 60. وراجع الأصل في:

Psychologie Des Foules, Gustave Le Bon, page 20.

([40]) للاطلاع على بعض ما نوقش به لوبون راجع: أحمد حامد الطويل، تواتر الأخبار: 111.

([41]) لمزيدٍ من الاطلاع تُراجع مقدّمة جورج طرابيشي على كتاب (علم نفس الجماهير): 5 ـ 19.

([42]) أحمد عبده خير الدين، علم المنطق: 272 ـ 274.

([43]) لا يخفى أنّ إدراجنا للدكتور النشّار هنا من باب توافق طريقة البحث مع ما طرحه علماء الغرب، لا باعتبار كونه ممثِّلاً لهذه المدرسة أو من أتباعها؛ فإنّ اتجاهه الكلامي معروف.

([44]) علي سامي النشّار، المنطق الصوري منذ أرسطو حتّى عصورنا الحاضرة: 527 ـ 528.

([45]) عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي: 211 ـ 217.

وراجع حول هذا الموضوع في كلمات غير بدوي من المحدثين: محمد محمد بالروين، مفاهيم في المعرفة: 77.

([46]) محمود قاسم، المنطق الحديث ومناهج البحث: 502 ـ 538.