ثقافتنا بين اتجاهي القطيعة.. للذات والآخر

9 مايو 2013
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
759 زيارة

ثقافتنا بين اتجاهي القطيعة.. للذات والآخر

تشيع في بعض الأمم والمجتمعات في بعض المراحل والمنعطفات التاريخية التي تمر بها هواجس ومحاذير مشروعة على هويتها الثقافية وشخص الحضارية، لا سيّما عندما تستشعر هذه المجتمعات بالتحديات أو التهديدات التي تحيط بها. ومن جراء ذلك تنتابها المخاوف على خصوصياتها الثقافية ونظمها الاجتماعية. وقد تبالغ بعض المجتمعات في سعيها لحماية شخصيتها و موروثها الحضاري فتتحسس من كل فكر أو سلوك أو نمط حياتي وافد إليها خشية أن يكون عاملا من عوامل الهدم لهويتها الجمعية

وبشكل عام تتفاوت مختلف الفئات المجتمعية والشرائح الثقافية في طريقة تعاملها مع هذا الوضع. فبين من يحذر من كل وافد فكري ويتوجس من كل جديد ثقافي بل قد يدعو إلى تجنبه دون تأمل في حقيقته وطبيعته والتمعن في آثاره وانعكاساته. وبين من يلهث وراء كل وارد من وراء المحيطات وقادم عبر الفضاءات المفتوحة دونما نظر أو تدقيق في فوائده وأضراره ومحاسنه ومساوئه. وهناك من يميل إلى اتخاذ مسلك وسط بين هذين المسلكين وبشكل متفاوت أيضا. ووسط هذه التباينات يثور جدل بين مختلف الاتجاهات في المجتمعات بين مؤيد لهذا ومعارض لذاك، وتطرح تنظيرات ثقافية وتبريرات أدبية داعمة أو مناهضة .

وهذا الوضع ينطبق في بعض جوانبه على مجتمعات العرب والمسلمين منذ أكثر من قرن من الزمان. بل لا يزال الجدل مستمرًا حول نفس المحاور دون التوصل لرؤى مشتركة أو اجتهادات متوافقة حولها .وواقع الفضائيات العربية وما تمثله من توجهات متعارضة وما تعرضه من برامج متباينة يعكس جانبًا من هذا الوضع بشكل جلي. لقد بات هذا الواقع يثير قلقًا لدى بعض المفكرين والتربويين وكذا لدى بعض الجماهير العربية لاسيما مع غياب أي مشروع ‘علامي ثقافي وفكري عربي، ومع تنامي تأثيرات العولمة الثقافية في العالم منه بطبيعة الحال العالم العربي.

إنّ التحليل النفسي الاجتماعي الذي أسس له ابن خلدون في موضوع العلاقة بين الغالب والمغلوب أو – حسب التقسيمات الغربية الحديثة – بين المراكز و الأطراف، لا يزال يشكل مدخلا صالحا لدراسة بعض الظواهر الاجتماعية الثقافية التي تنتشر في مجتمعاتنا. وفي نفس الوقت يصلح لتحليل بعض الطروحات الفكرية التي تولدت وانبثقت في هذه الظروف المرتبكة والأوضاع الضاغطة وكذلك لفهم ما ينبني عليها من مناهج وبرامج ومقررات وممارسات إعلامية وتربوية وثقافية.

يفرد ابن خلدون فصلا ممتعًا لتحليل العلاقة غير المتكافئة بين هاتين الجهتين تحت عنوان طويل نسبيا يلخص به رؤيته ” إنّ المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده ” أما عن الدافع النفسي الذي يقف وراء ذلك فيذكره في تعليله: والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إمّا لنظرها بالكمال بما وفّر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب، وتشبهت به وذلك هو الاقتداء. ثم يقول: ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله..”

والواقع أنّ هذا التحليل الخلدوني لا يقتصرعلى فئات معينة من جانب المغلوبين كالمراهقين المندفعين، وإن كانوا ربما يشكلون مثلا واضحا وصارخًا في بعض الأحيان في هذا الشأن. فقد يطال هذا التحليل أنماط التفكير عند النخب الثقافية و الأدبية والسياسية وأهل الحل والعقد ومتخذي القرار بل ربما لا تسلم منه المجتمعات والدول. إنّه في المحصلة النهائية يغدو ظاهرة عامة وثقافة مجتمعية تكرس الحاجة والتبعية العامة للغالب.

إنّ هذه العقدة تجاه الغالب متى تحكمت في المغلوب أو المهزوم – جماعة أو دولة أو أمة – سواء لشدة انبهاره وإعجابه بالغالب، أو لاعتقاده بأنّه إنما تغلب وتفوق عليه لوجود عوامل خاصة به للتقدم والكمال، وليس لعلل وسنن حاكمة على الاجتماع البشري، فإنّها ستسلك به تلقائيًا سبل الاستنساخ والاستتباع. والمعجب والمنبهر في كثير من الحالات يفقد بوصلته العقلية والفكرية التي يحدد بها الاتجاهات ويرسم عبرها الأولويات ويوازن بين الأمور ويميز بين الحسن والقبح والصالح والطالح. ولهذا تراه يلهث وراء منتجات الغالب في مختلف المجالات فيحاكيه في ملبسه ومسكنه وعمارته ومطعمه وأساليب عيشه ويقلده في لغته وذوقه وأنساقه ويستنسخ فنه وأدبه. ويحاول تقمص شخصيته بشتى الطرق فيتبع آثاره وثقافته ويتمثل برموزه ويطبع حياته بطابعه وينظر إلى الأشياء بمنظاره.

وبذلك يحقق الغالب ليس انتصارا عسكريا أو ماديا فحسب، بل يخترق المهزوم من داخل نفسه وأعماق ذاته. ومن ثم يسهل عليه استلابه ثقته بنفسه وأمته و تاريخه وقيمه ولغته ودينه، بحيث قد يبلغ الحال بالمهزوم إلى الاعتقاد بأن أمته وعقيدته وقيمه هي المسؤولة عن تخلفه وهزيمته.

يذكر الدكتور جابر العصفور في قراءته في التراث النقدي، إنّ القطيعة الحادة مع التراث كانت أبرز ملامح التحديث الأدبي العربي في بداية القرن المنصرم. فلم يعد الهدف من قراءة التراث في النمط الجديد استعادة الماضي بكل ما يقترن به من قيم جمالية وأدبية. فقد أضحت هذه المبادئ والقيم قرينة إطار مرجعي مرفوض صار التمرد عليه قرين التحرر الفردي الذي ينطلق من إطار مرجعي مضاد. فاذا كان الإطار المرجعي الجديد يعني استبدال الحاضر بالماضي والغرب المتقدم بالشرق المتخلف، فإنّه يعني بداية أول قطيعة حادة مع التراث بوجه عام ومن ثمّ بداية تعويل الناقد العربي (الحديث) على أصول نقدية ليست من صنعه ولا من تراثه بل هي من صنع الغرب (المتقدم) الذي أصبح منذ ذلك الوقت حلا لأزمة التخلف.

وهكذا نجد المهزوم داخليا يدعو إلى شكل من أشكال القطيعة مع تاريخه وتراثه وقيمه بل قد يتبنى الطروحات الداعية إلى القطيعة المعرفيّة التامة معها. ولهذا تراه يعرض حتى عن القيم الجمالية في أدبه وتراثه وتاريخه، وربما لا يراها كذلك؛ لأنّه قرر قطع العلاقة التامة مع تاريخه وماضيه وأصدر حكمًا باتًا بتخلفه وانتهاء صلاحيته. وقد يعلن رفضه لها أو تمرده عليها بوسائل و تعبيرات مختلفة ومتنوعة. قد تأخذ بعضها أشكالا صارخة و صادمة وبعضها مغلفة بأقنعة أدبية وفنية أو بتنظيرات وتبريرات فكرية. و لا يجد المهزوم أمامه في هذه الحالة سوى النموذج الغالب فينكب على أعتابه يتلقى منه ثقافته وقيمه وذوقه وفلسفته ويحاكي طرائقه ومسالكه في الحياة. والمصيبة المركبة تكمن فيما إذا اكتشف بعد حين وبعد فوات الأوان، إنه ضيع المشيتين!

قد يقال إنّ حالة أمة العرب والمسلمين اليوم طبيعية بعد أن انتكست في الجبهات العسكرية وتوالت عليها النكبات وتراجعت في سوح العلم والصناعة والتقانة؛ لأنّ ثمة تلازم بين الهزيمة العسكرية والمادية والحالة النفسية والحضارية. ولكن هذا قد يصح في بعض الأوضاع، ولكنه ليس قانونا مضطردا، كما لا تؤكده الوقائع التاريخية على إطلاقه. نعم قد تصح هذه المعادلة إذا انعكست، وسيطرت حالة الانكسار والاستضعاف على عقل أمة من الأمم تجاه القوى الغالبة المسيطرة، فإنّها ستشكل القابلية الممهدة للهيمنة عليها واستحواذ مقدراتها والتحكم في مصيرها. وإلا فكم من أمة قاومت الغزاة والمستعمرين والمحتلين ولم يهدأ لها بال حتى شاهدت اندحارهم و فرارهم عن ديارها مذعورين. وكم من أمّة انهزمت في معارك وميادين عسكرية و لكنّها سرعان ما نهضت وأقامت أمجادها من جديد لأنّها لم تفقد ثقتها بنفسها ولم تنكسر إرادتها ولم تخمد جذوة المقاومة والنهوض فيها. والأهم أنّها لم تضيّع بوصلتها العقلية والفكرية. وتاريخ العرب والمسلمين السابق والمعاصر يحوي أمثلة من ذلك، كما أنّ نموذج اليابان بعد الحرب العالمية الثانية شاهد بارز عليه. بل يمكننا القول إنّ انتفاضات الشعوب العربية المتواصلة، ومهما تباينت حولها التحليلات والتفسيرات فإنها في النتيجة تنبئ بأنّ شعوبنا بدأت تتجاوز تداعيات النكبات وتلج مرحلة تاريخية جديدة تؤكد فيها حضورها في الميدان السياسي والحقوقي. أمّا العقبات التي تفتعل أمامها فقد تعيق سيرها حينا ولكن ليس بوسعها أن ترجع حركة التاريخ إلى الوراء.

نحن أمام اتجاهات ثقافية متقابلة، قطيعة ثقافية مع الأنا والذات مقابل انبهار وتبعية للآخر. وفي الجهة الثانية، قطيعة ثقافية مع الآخر تتتزامن مع دعوات الانكفاء والانزواء على الذات. ومع أن القطيعة التامة تكاد تكون متعذّرة بمنطق طبائع الأشياء، فإنّها في عمقها ليست فعلا بقدر ما هي رد فعل، و هي في حقيقتها لا تعدو موقف الانسحاب والهروب من الواقع. إنّ موقف الفعل هو الذي يتوسط بين الاتجاهين السالفين والذي يستخلص التجارب والعبر من تاريخنا وتاريخ الأمم الأخرى، ويعمل على إنجاز مشروع نهضوي يؤصل على المرجعيات الفكرية والموجهات القيمية للشعوب. و في ذات الوقت لا يتهيب من الاقتباس والانتقاء والإفادة من المنجز الحضاري المعاصر الذي هو في الحقيقة محصلة مركبة لمساهمات مجموعة من الحضارات الإنسانية المتعاقبة في التاريخ. إن الانفصال عن الأصول الفكرية والثقافية والتاريخية للشعوب يؤدي إلى فقدانها الذاكرة الجمعية. كما أن حالة الاستغراق والخشية على الهوية والخصوصيات المحلية دون بلورة رؤى فكرية وتقديم اجتهادات مستنيرة تبنى عليها المناهج والخطط من شأنها أن تقود إلى إغفال التحديات المتزايدة وعدم التفكير والتخطيط لتوقيها أو الاستجابة الإيجابية لها