ثورة الإمام الحسين عليه السلام

7 يوليو 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
163 زيارة

ثورة الإمام الحسين عليه السلام

سؤال الشرعية والمشروعية

السيد سجّاد إيزدهي(*)

 

 مقدّمة ــــــ

لقد تركت الحادثة التي حصلت يوم العاشر من محرّم الحرام من عام 61هـ أثراً عميقاً على ذلك العصر التي حصلت فيه، فضلاً عمّا تلاه من العصور المختلفة حتّى يومنا هذا.‌

وقد برزت وجهات نظر مختلفة حول تلك الملحمة العجيبة؛ فنجد أنّ بعض أهل السنّة ـ بشكلٍ عام ـ اعتبروا أنّ هذه الثورة باطلةً من الأساس، ورأَوْا أنّها خروج على سلطان الزمان ـ الذي يعدُّ أحد مصاديق «أولي الأمر» ـ، وبالتالي فهي ثورة فاقدة للشرعيّة. وذلك جليٌّ في عبارات ابن تيميّة، الذي اعتبر أنّ هذه الثورة خروجٌ على الإمام صاحب السلطنة، وأنّها باعثة على إيجاد الشرّ في المجتمع، حيث قال: فإنّ مفسدة هذا أعظم من مصلحته، وقلَّ مَنْ خرج على إمامٍ ذي سلطان إلاّ كان ما تولَّد على فعله من الشرّ أعظم ممّا تولَّد من الخير([1]).

ومن جهةٍ أخرى يرى الشيعة ـ بناءً للمباني والمصادر والملاكات التي تتضمّنها كلمات أهل البيت^ ـ أنّ هذه الثورة ليست شرعيّة فحَسْب، بل يعدّونها النموذج الأتم لكلّ الأحرار.‌

وهكذا نجد أنّ شرعيّة قيام الإمام الحسين كانت مثاراً للنزاع والخلاف منذ القِدَم بين المذاهب الأساسيّة في الإسلام. وهذه المقالة في صدد البحث والتحقيق في هذه الثورة، والعمل على تحليلها، وبيان وجه شرعيّتها.‌

ويمكن لنا ـ بحسب الظاهر ـ بيان أوجه شرعيّة الثورة الحسينيّة من خلال مراجعة كلّ ما صدر عن الإمام× من كلام أو فعل، وكذا من خلال الإضاءة على أحداث ذلك الزمان، وذلك عبر النظر إلى هذا الأمر من زاويتين رئيسيتين:‌

فمن جهة نجد أنّ يزيد الذي كان يجلس على كرسيّ الحكم رجل فاسد، فاسق، صاحب بدعة، قد هيّأ كلّ الأسباب لزوال الدين واضمحلاله. وبناءً لرواية النبيّ الأكرم| كان فَرْضاً على الأمّة الإسلاميّة أن تقف في مواجهة هذه الانحرافات، وأن تنصر دين الله عزَّ وجلَّ.‌ وعليه فقد رأى الإمام الحسين× أنّه أجدر مَنْ يتصّدى لهذا الأمر؛ لأفضليّته العلميّة على الجميع؛ ولانتسابه إلى شجرة النبوّة.‌ وقد أشار بنفسه إلى هذا المعنى في كلماته، حيث قال:‌ وَأَنَا أَوْلَى مَنْ قَامَ بِنُصْرَةِ دِينِ الله، وَإِعْزَازِ شَرْعِهِ، وَالجِهَادِ فِي سَبِيْلِهِ؛ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا([2]).

ومن جهة أخرى‌ يمكن لنا أن نعتبر هذه الثورة تحرّكاً يهدف إلى تولّي الإمام الحسين السلطة، واستلامه زمام الحكم؛ باعتبار أنّ شرعيّة حكومة الإمام الحسين ـ كما سيأتي لاحقاً ـ ثابتة كما هي ثابتة لسائر الأئمّة^. مضافاً إلى أنّ أهل العراق كانوا قد هيّأوا الأرضيّة المناسبة ـ ولو بحسب الظاهر ـ من خلال إعلانهم النصرة والوفاء له،‌‌ فقام الإمام وقَبِل دعوة الناس إيّاه لقيادتهم. ولهذا السبب خطا تلك الخطوات؛ وقد بيَّن ذلك بقوله: إِنِّي لَمْ آتِكُمْ حَتَّى أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ: أَنِ اقْدِمْ عَلَيْنَا فَلَيْسَ لَنَا إِمَامٌ([3]).

وبناءً على هذا سينصبُّ نظرنا على هذه الثورة من خلال نظْرَتين رئيستين:

في النظرة الأولى سنستند في إثبات شرعيّة هذه الثورة في مكافحة الظلم وإصلاح فساد الحكام وإحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبثّ الحياة في السنّة النبويّة… على نفس كلمات الإمام×.

أمّا في النظرة الثانية فيمكن أن نعتبر أنّ هذا القيام إنّما كان بدافع تحقيق الحاكميّة الإلهيّة، عبر إعمال حاكميّة الإمام الحسين؛ وذلك بسبب وجود الظروف الموضوعيّة والأرضيّة المساعِدة من قبل الناس ـ ولو بحسب الظاهر ـ، الذين عرضوا عليه نصرتهم.‌

كما أنّه من الطبيعي أن نقدِّم قبل الدخول في البحث تعريفاً لكملة الشرعيّة؛ فهو أمرٌ ضروريّ.

 

تعريف الشرعيّة ــــــ

إنّ هذه الكلمة التي جذرها «ش ر ع»، تأتي أحياناً بمعنى «الشيء المطابق للشرع، وكون الشريعة تعتبر ذلك الشيء جائزاً ومباحاً».‌ وأحياناً‌ تأتي في قبال اللفظة اللاتينيّة Legitimacy، التي تُشتقّ من نفس الجذر الذي تُشتقّ منه ألفاظ أخرى، نحو: ‌المشرّع Legislator، أو التشريع Legislation،‌ فتكون على هذا الأساس بمعنى «كون الشيء قانونيّاً».‌ ورغم أنّ الشرعيّة تتضمّن في نظر الإسلام عناصر من قبيل التطابق مع قوانين الشريعة الإسلاميّة، إلاّ أنّ المراد من هذه اللفظة في هذه المقالة هو معنى «الحقانيّة»، و«كون الشيء قانونيّاً»، التي ـ بطبيعة الحال ـ لها جذورها في مباني الفكر الإسلاميّ.

وفي اصطلاح الفلسفة السياسيّة تأتي الشرعيّة بمعنى «حقّ الحاكميّة»، وذلك كما ورد في تعريفها:‌ الشرعيّة «أو» الحقانيّة تطابق كيفيّة وصول القادة والزعماء في المجتمع إلى السلطة مع آراء ومعتقدات جميع ـ أو غالبيّة ـ أفراد المجتمع في زمان محدَّد ومكان معيَّن. ‌ونتيجة هذا الاعتقاد هو القبول بحقّ الزعماء في إصدار الأوامر، وضرورة تنفيذ تلك الأوامر من قبل مكوّنات المجتمع أو المواطنين([4]).

 

 القسم الأوّل: شرعيّة الثورة لمكافحة الظلم ومحاربة تفشّي الفساد ــــــ

يمكن البحث في السلوك السياسي للإمام الحسين× في زمن إمامته من خلال مرحلتين أساسيّتين:

الأولى: كانت بعد شهادة الإمام الحسن×، حيث استمرّ في المسير وفق سيرة أخيه السياسيّة، مقتدياً به في ذلك؛ أي إنّه بَقيَ وفيّاً لصلح الإمام الحسن× مع معاوية؛ وذلك تماشياً مع المقتضيات والظروف الاجتماعيّة الحاكمة في ذلك الزمان، وحفاظاً على أصل الإسلام ومصلحة المسلمين. فعمل× تماماً كما عمل الإمام الحسن×، حتّى أنّه مع امتناعه عن بيعة يزيد في حياة معاوية ـ كوليّ عهدٍ لأبيه ـ رفض دعوة مَنْ دعاه للقيام والثورة من أهل الكوفة، بعدما علموا بامتناعه عن البيعة تلك، مشيراً ومعلِّلاً بعدم توفّر الظروف المناسبة لذلك([5]).

الثانية: ولكنْ اختلفت الأمور بعد موت معاوية، حيث نجد أنّ ظروفاً جديدة أرْخَت بظلالها على المجتمع الإسلاميّ. فقد جلس يزيد ـ الرجل الفاسق والظالم والذي لا دين له ـ على رأس السلطة، وكان يدأب على فعل المنكر واختراع البِدَع في الدين الإلهيّ والمجتمع الإسلامي. وفي ظلّ هذه الظروف يصبح حفظ جوهر الدين الإلهي وصيانته، والوقوف أمام الانحراف الذي تتعرَّض له الشريعة الإسلاميّة، والحيلولة عن إيجاد البِدَع وتحريف الدين الحنيف…، واجباً على جميع المسلمين الواعين لظروف ذلك الزمان ـ وعلى رأسهم الإمام الحسين× ـ، ويلزمهم إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن هذا المنطلق نجد أنّ الإمام الحسين× رفض البيعة ليزيد، لكنّه بسبب رفضه ذلك شعر بعدم الأمن في المدينة، فخرج منها متوجِّهاً نحو مكّة المكرّمة.

وكان يزيد قد كتب إلى عامله على المدينة الوليد بن عتبة أن يأخذ البيعة من الإمام الحسين ومن سائر أعيان المدينة، ومَنْ يرفض منهم يقتله، ويرسل رأسه إلى الشام: أمّا بعد، فخُذْ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة؛ فمَنْ أبى عليك منهم فاضرب عنقه، وابعث إليَّ برأسه([6]).

ونتيجة ذلك نجد أنّ الإمام الحسين أُجبر على الخروج من حَرَم الرسول والتوجّه نحو مكّة. وما هذا إلاّ لأنّه يعتبر أنّ البيعة ليزيد كانت أمراً قبيحاً وغير مقبول؛ إذ إنّه لا يمتلك أدنى الشروط الأوّليّة للحاكم الإسلاميّ. وكان الإمام× قد بيَّن لمعاوية بمنطقه القويّ عدم أهليّة يزيد للخلافة، حيث قال: كَيْفَ تُوَلِّي عَلَى أُمّة مُحَمَّدٍ| مَنْ يَشْرَبُ المُسْكِرَ، وشَارِبُ المُسْكِرَ مِنَ الفَاسِقِين، وشَارِبُ المُسْكِرَ مِنَ الأَشْرَارِ، ولَيْسَ شَارُبُ المُسْكِرِ بِأَمِينٍ عَلَى دِرْهَمٍ، فَكَيْفَ عَلى الأُمّة؟!([7]).

وقد أكّد الإمام الحسين× في مواطن أخرى أيضاً على عدم أهليّة يزيد للتصدّي لحكومة المجتمع الإسلامي، فلم يقتصر على تلك الأسباب في عدم بيعته، بل عبَّر عن اندراس الإسلام مع وجود حاكم مثل يزيد، وأنّه ينبغي أن نقرأ على الإسلام السلام: وَعَلَى الإِسْلامِ السَّلامِ إِذَا بُلِيَتِ الأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلِ يَزِيد([8]).

وفي مقام آخر نجد الإمام الحسين× يذكر أيضاً ـ بعد ذكره أفضليّته من جهاتٍ عديدة ـ صفات يزيد الرذيلة والقبيحة، التي تجعل بيعته غير جائزة: أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنُ الرِّسَالَةِ، ومُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ، وبِنَا فَتَحَ اللهُ، وبِنَا خَتَمَ اللهُ؛ ويَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ، شَارِبُ الْخَمْرِ، قَاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ، مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ، ومِثْلِي لا يُبَايِعُ مِثْلَه([9]).

فمن الصفات التي وصف الإمام بها يزيد أنّه فاسق، وشارب للخمر، وقاتل للنفس المحرّمة، ومُتجاهِر بالفسق والفجور. ومَنْ يتّصف بهذه الصفات لا يتمتّع ـ أساساً ـ باللياقة الكافية للبيعة والتصدّي للحكومة على المجتمع الإسلاميّ. ويرى الإمام الحسين ـ على ضوء هذه الروايات المتقدّمة ـ أنّ يزيد لا يحوز أكثر الشروط بداهةً لمَنْ ينبغي أن ينصّب حاكماً على الأمّة الإسلاميّة، بل يرى أنّ حُكمه لا يعني إلاّ زوال الدين، ونسف الشريعة؛ ولذا رفض أن يبايعه. إنّ الخصوصيّات الفرديّة ليزيد وفساده المستشري قد وصلت إلى الحدّ الذي جعل عبد الله بن حنظلة ـ الذي لُقِّب أبوه بـ (غسيل الملائكة) ـ، الذي قاد ثورة أهل المدينة على يزيد بعد أحداث كربلاء، أن يقول في بيانه للسبب الذي دفعه للقيام على يزيد: واللهِ، ما خرجنا على يزيد حتّى خِفْنا أنْ نُرمى بالحجارة من السماء؛ إنّه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة([10]).

ومن هنا يمكن القول بأنّ وظيفة الإمام الحسين× لم تكن تقتصر على عدم الاعتراف بخلافة يزيد ومبايعته فحَسْب، بل لم يكن بإمكانه ذلك بتاتاً. وحيث لم يعُد يتوفّر الأمان اللازم للإمام في المدينة فقد خرج نحو مكّة؛ خوفاً على أمنه الشخصيّ من جهة؛ وأداءً لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللسانيّة ـ التي هي أوّل مراتب هذه الفريضة ـ من جهةٍ أخرى؛ ليطَّلع المسلمون الذين يؤمُّون ذلك الحَرَم الآمن من كلّ حدب وصوب على مفاسد وانحراف الدولة الظالمة.

إلاّ أنّ يزيد لم يتحمَّل امتناع الإمام عن البيعة، ولا فضحه حقيقة الحكومة الظالمة. لذا عقد العزم على قتل الإمام، ما جعل الإمام يعدل عن حَجِّه قبل إتمامه، عازماً على الخروج إلى العراق؛ وذلك لسببين أساسين، هما: أوّلاً: أن لا تذهب حرمة بيت الله الحرام بإراقة الدماء في الحَرَم الآمن؛ ثانياً: أن يحافظ على حياته، وأن يقوم على الحاكم الظالم بمعونة أهل العراق.

والخلاصة هي أنّنا نستطيع الردّ ـ وبعِدّة وجوه ـ على ادّعاء ابن تيميّة، الذي بناه على أنّ ثورة الحسين هي نوع من الاجتهاد الظنّي المصاحِب للأهواء والرغبات، وبأنّ اتّباع الإمام فيها غير صائب، حيث قال: وقد يحصل منه نوعٌ من الاجتهاد المقرون بالظنّ، ونوع من الهوى الخفيّ، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتّباعه فيه([11]).

وهذا الكلام باطلٌ؛ باعتبار أنّ الإمام× ـ من جهة ـ ما كان ليبايع يزيداً أصلاً، وهو يستند بذلك إلى قول النبيّ| الذي يرويه عنه: لَقَدْ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ| يَقُولُ: الْخِلاَفَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ أَبِي سُفْيَان([12]).

واستناداً إلى هذه الرواية يكون معاوية هو الآخر غاصباً للخلافة، لكنّ الظروف الخاصّة التي كانت حاكمةً على زمان الصُّلح الذي أجراه الإمام الحسن× مع معاوية هي التي أجبرته على مصالحته بشروط خاصّة، والتي كان من جملتها: أن لا يُنصِّب معاوية أحداً بعده خليفة على المسلمين. وبالتالي فإنّ أيّاً من معاوية أو يزيد لم يكن مؤهّلاً للتصدّي للحكومة؛ طبقاً لنصّ رسول الله|، إلاّ أنّ الظرف لم يكن مهيَّئاً للقيام على معاوية في زمانه؛ فالناس كانوا قد تمرَّدوا وامتنعوا عن الوقوف إلى جانب الإمام الحسن×. هذا كلّه مضافاً إلى ما مرّ به الصراع مع معاوية من تجربة مريرة.

أمّا في زمن حكومة يزيد فالظروف كانت مهيّأةً، ولو في الظاهر على أقلّ تقدير؛ وذلك يتَّضح بملاحظة ما يلي: أوّلاً: إنّ نَصْبَ يزيد حاكماً من قبل معاوية لم يكن قانونيّاً بناءً لمفاد صلح الإمام الحسن×؛ ثانياً: لم يكن يزيد يتمتّع بما كان لدى أبيه من شخصيّة مرنة؛ ثالثاً: كان يزيد يجاهر بارتكاب الفسق والفجور، خلافاً لوالده الذي كان يراعي ظواهر الإسلام؛ رابعاً: إنّ أهل الكوفة طلبوا من الإمام الحسين× وألحّوا عليه أن يأتي إليهم ويثور؛ ليقفوا إلى جانبه، وذلك خلافاً لما فعلوه زمن الإمام الحسن×.

والمحصَّلة أنّه بالاستناد إلى رواية النبيّ| يكون الأصل في عدم الاعتراف بخلافة آل أبي سفيان، إلاّ إذا كانت هناك ظروفٌ خاصّة توجب العدول عن هذه المسألة في زمنٍ معيّن، مع بقاء أصل تحريم خلافة آل أبي سفيان على حاله في الأزمنة الأخرى. ومن جهة أخرى فإنّ مقتضى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتّم على المسلمين الشرفاء أن لا يرضَوْا بالظلم والجور، وأن لا يسكتوا على نشر الفساد، وأن يواجهوا تعطيل حدود الله، ونهب بيت مال المسلمين، وصرفه على الملذّات والخمور.

لقد وضَّح الإمام× ـ مستنداً في ذلك إلى قول الرسول الأكرم| ـ أنّ مَنْ جلس أمام هذه الأحداث دون أن يحرِّك ساكناً، أو يطلب تغييرها، فسوف يكون أحد الظالمين، وسيشاركهم العذاب يوم الحساب. ومن هنا قرَّر الإمام أنّ عليه القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بوجه سلطانٍ جائر كهذا، فقال: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ الله| قَالَ: مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً، مُسْتَحِلاًّ لِحُرَمِ الله، نَاكِثاً لِعَهْد الله، مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ الله|، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ الله بِالإِثْمِ وَالعُدْوَان، فَلَمْ يُغَيِّر مَا عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلا قَوْلٍ كَانَ حَقّاً عَلَى الله أَنْ يُدخِلَه مَدْخَلَهُ([13]).

وانطلاقاً من هذه الرواية نجد أنّ النبيّ| ‌لم يقتصر على التأكيد على لزوم تغيير هذه الأوضاع ـ‌ سواءٌ بالقول أم بالفعل ـ‌، بل اعتبر أنّ الذين يسكتون عن هذه الأمور، ولا يُظهرون استنكارهم عليها،‌ يستحقّون عقاباً مساوياً‌ لعقوبة ذلك الظالم.

وقد أشار الإمام الحسين× في إتمامه لنفس حديثه هذا ـ عبر بيانه أنّ الظروف الموجودة منطبقةٌ ومصداق لمفاد رواية النبيّ|، وعبر تعداده لمفاسد حكّام ذلك الزمان ـ‌ أنّه هو بنفسه مكلَّف بالقيام على يزيد،‌ وجعل حديث النبيّ| هو السند له في شرعيّة هذا القيام، وذلك عندما قال:‌ أَلا وَإِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الحُدُودَ، وَاسْتَأثَرُوا بِالفَيْ‏ءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ الله،وَحَرَّمُوا حَلالَهُ([14]).

لقد أغمض ابن تيميّة عينَيْه عن مفاسد يزيد التي لا تحصى،‌ وعن قيام جماعته بتحريم حلال الله، وتحليل حرام الله، وعن إغارتهم على بيت مال المسلمين. بينما اعتبر ـ‌ في المقابل ـ أنّ الخروج والقيام على أيّ سلطان من السلاطين ممّا يبعث على إيجاد الشرّ، حيث عدّ هذا الخروج من الأمور القبيحة، فقال: فإنّ مفسدته أعظم من مصلحته، وقَلَّ مَنْ خرج على إمامٍ ذي سلطان إلاّ كان ما تولَّد على فعله من الشرّ أعظم ممّا تولَّد من الخير‌([15]).

كما يعتقد أنّ هذا القيام فاقدٌ للشرعيّة، وأنّه سبَّب شرّاً عظيماً، وأوجب ظهور الفتن المتأخِّرة، التي هي عبارة عن ثورات متعدِّدة على الأمويّين (‌ثورة المدينة ـ ثورة ابن الزبير ـ ثورة التوّابين ـ ثورة زيد بن عليّ، و…‌)‌.‌ لكنّه لم يتعرّض لماهيّة الحكم في حكومة الأمويّين، أو للانحرافات الجمّة التي ظهرت بواسطتهم في الدين الإسلامي!‌ معتبراً أنّ مخالفتهم نوعٌ من الطلب غير المشروع للحكم والسلطة، فقال:‌ إنّ ما قصده الحسين من تحصيل الخير ودفع الشرّ لم يحصل منه شيءٌ، بل زاد الشرّ بخروجه وقَتْلِه، ونقصَ الخير بذلك، وصار سبباً لشرٍّ عظيم؛ لأنّ خروجه ممّا أَوْجب الفتن([16]).‌

أمّا الأمر الآخر الذي جعل ابن تيميّة يعتقد بأنّ الثورة الحسينيّة غير مشروعة فهو أنّ قيام الإمام الحسين لم يكن له أيّ مصلحة ترتجى، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل نتج عن خروجه وثورته من المفاسد التي لم تكن لتحصل لو لم يخرج من المدينة. فنجده يقول في هذا الصدد:‌ لم يكن في خروجه مصلحةٌ، لا في دينٍ ولا في دنيا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده‌([17]).

وفي هذا المقام ينبغي القول: إنّ خروج الإمام الحسين× من المدينة ـ وبشهادة التاريخ ـ لم يكن في البداية بدافع الثورة، ولا للإطاحة بحكومة يزيد، بل السبب في ذلك أنّ حياة الإمام× صارت مهدَّدة في المدينة بعد امتناعه عن البيعة، فأصبح مجبوراً على الخروج؛ حفاظاً على روحه، قاصداً مدينة الأَمْن الإلهي ـ مكّة ـ؛ بغية توعية الناس في أيام الحجّ.‌ وبما أنّ جلاوزة يزيد كانوا يريدون أن يريقوا دمه الطاهر في أيّام الحجّ، وفي الحَرَم الإلهي، فقد قرّر ترك مكّة؛ حفاظاً على حرمة بيت الله الحرام من إراقة دمه فيها، فضلاً عن الحفاظ على روحه. وبعد ذلك ـ وبسبب ورود العديد من الرسائل من أهل الكوفة التي وعدته بحمايته ـ سلك الطريق نحوها.‌ وفي الحقيقة يمكن القول:‌ إنّ يزيد هو الذي أجبر الإمام على سلوك هذا الطريق، فالإمام لم يكن يرغب في الخروج من المدينة أبداً. وقد ذكر ابن عباس هذا الأمر في رسالته التي أرسلها إلى يزيد، حيث قال فيها: لا تحسبني‌ ـ لا أبا لك ـ نسيتُ قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطّلب… وما أَنسَى من الأشياء فلستُ بناسٍ إطْرادَك الحسين بن عليّ من حَرَم رسول الله إلى حَرَم الله، ودسّك إليه الرجال تغتاله، فأشخصْتَه من حَرَم الله إلى الكوفة‌…،‌ ثم إنّك الكاتب إلى ابن مرجانة ـ‌ عبيد الله بن زياد ـ أن يستقبل حُسَيْناً بالرجال، وأمرته بمعاجلته، وترك مطاولته، والإلحاح عليه، حتّى يقتله ومَنْ معه من بني عبد المطلب([18]).

من هنا نعلم أنّ الإمام الحسين لم يكن هو الذي جهَّز الأسباب لقتله،‌ بل حُكّام الجَوْر هم الذين كانوا يسعَوْن إلى ذلك، حتّى لو كان في حَرَم الله الآمن.‌ ولذا خرج من مكّة؛ حفاظاً على حُرْمة بيت الله ـ الذي يحرم فيه إراقة الدماء ـ، وقال: إنّهم سيقتلونني أينما كنتُ، ولا أريد أن تذهب حرمة بيت الله الحرام بقتلي. فقد أُثِر عنه أنّه قال:‌ واللهِ، لئن أُقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليّ من أن أُقتل فيها، ولئن أُقتل خارجاً منها بشبرَيْن أحبّ إليّ من أن أُقتل خارجاً منها بشبرٍ. وأيم الله، لو كنتُ في جُحْر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا بي حاجتهم. واللهِ، ليعتَدُنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت([19]).

والنقطة الأخرى التي ينبغي الإضاءة عليها في كلام ابن تيميّة هي أنّه اعتبر خروج الإمام خلافاً لمصلحة المسلمين، وخلافاً للممانعين من سفره× نحو الكوفة؛ فقد كانوا يطلبون منه عدم الخروج إلى الكوفة؛ حفاظاً على مصلحة الإسلام والمسلمين، حيث قال: ولذا أشار عليه بعضهم أنْ لا يخرج،‌ وهم بذلك قاصدون نصيحته، طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين. واللهُ ورسوله إنَّما يأمر بالصلاح، لا بالفساد‌([20]).

في حين وضَّح الإمام أنّ خروجه ليس من مصاديق الفساد، إنّما كان هدفه الإصلاح في أمّة النبيّ، وأنّه موافقٌ لمصلحة هذه الأمّة،‌ وإحياءٌ لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّه لم يكن إلاّ على أساس سيرة جدّه وأبيه’. وفي ضوء ذلك نجد أنّ ثورة الإمام× لم تكن من مصاديق الفتنة والفساد، بل كانت تهدف إلى هداية عامّة الناس نحو سيرة النبيّ|. وقد صرَّح بذلك حين قال:‌ إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً ولا بَطِراً، ولا مُفْسِداً ولا ظَالِماً، وإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي‌|،‌ أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب([21]).

أمّا ابن تيميّة فاعتبر أنّ أصل أيّ قيام على أصحاب المناصب يُوجب الفساد، من دون أن يأخذ بالحسبان الظروف في ذلك الزمان،‌ مع أنّ الإمام× قد بيَّن ظروف زمانه، بحيث إنّ الأمّة صارت بعيدةً عن سنّة النبيّ|،‌ وأنّ السنّة النبويّة زالت من أساسها، لتحلّ البِدَع مكانها،‌ وأنّه إذا لم يدرك الإسلام فعليه السلام. لذا فقد دعا الناس إلى كتاب الله وسنّة نبيّه|‌، وليس هذا الأمر ممّا لا ينبغي أن يعدّ من مصاديق الفساد فحَسْب، بل هو عين الوقوف في وجه الفساد. وحقيقته عبارة عن إحياء المعارف الإسلاميّة المنسيّة، فقد نقل عنه× أنّه قال: أنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه؛ فإنّ السنّة قد أُميتَتْ؛ وإنّ البِدْعة قد أُحييت‌([22]).

ولكنْ بالنظر إلى أنّ حكّام ذلك الزمان لم يحتملوا إصلاح أنفسهم، ولا إصلاح أُمّة النبيّ|، بل طلبوا روح ابن نبيّ الأمّة،‌ فقد جعلهم ذلك في نفس الصفّ مع المفسدين وأصحاب الفتن.‌

 

القسم الثاني:‌ شرعيّة الثورة بهدف تحقيق الحاكميّة الإلهيّة ــــــ

إنّ الأمر الآخر الذي يضفي صبغة الشرعيّة على ثورة الإمام الحسين× هو أنّ الإمام الحسين× كان ـ كسائر الأئمّة الهداة ـ حائزاً على حقّ الحكومة على الناس من جانب الله عزَّ وجلَّ. ومن الطبيعي أنّه عند توفّر الأرضيّة المناسبة للتحقُّق العيني لهذا الحقّ في المجتمع يكون لِزاماً عليه أن يتولّى هداية المجتمع بنفسه،‌ وأن يتصدّى بالتالي لأمر الحكومة في المجتمع،‌ تماماً كما استند أمير المؤمنين× في تصدّيه للحكومة إلى أمر الله عزَّ وجلَّ، حيث قال: أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَنْ لا يَقِرُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، ولا سَغَبِ مَظْلُوم([23]).

ومن هذا المنطلق نجد أنّ الإمام الحسين أضفى صبغة الشرعيّة على قيامه، من خلال الاستعانة بمعرفة الظروف ـ ولو من الناحية الظاهريّة ـ المحيطة به،‌ وهو ما سيتمّ البحث فيه مفصَّلاً في ما يلي.

 

الفصل الأوّل: أسس الشرعيّة ــــــ

ذكر المفكِّرون والفلاسفة السياسيّون العديد من الأُسس والمباني المختلفة في باب حقّ حاكميّة فرد معيّن على قوم من الأقوام؛‌ حيث اعتبر البعض أنّ المؤثّر في إعطاء الشرعيّة للحاكم هو مجموعة من العوامل، التي تأتي في عرض بعضها البعض؛ في حين أشار آخرون إلى عوامل خاصّة في هذا الصدد؛ فنجد ـ على سبيل المثال ـ أنّ الفيلسوف الفرنسي «جان بودان» قد جعل الانتخابات ورأي الشعب، والوراثة، والقرعة، والحرب،‌ وإلهام الله، كلّها من عوامل إعطاء الشرعيّة والمشروعيّة، معتبراً أنّ الاستيلاء على الحكم من غير هذه الطرق من مصاديق الظلم([24]).‌

أمّا أهل السنّة فقد ذكروا عدّة عوامل، وجعلوها الأُسس والمباني لشرعيّة الحكومة،‌ وهي ـ على نحو الإجمال ـ كما يلي:

1ـ نصّ الله ونبيّه|؛ 2ـ قيام الخليفة بتعيين شخص من الأشخاص للخلافة بشكلٍ مباشر، أو تعيينه لمجموعة معيَّنة تنتخب الخليفة من بينها؛ 3ـ إجماع أهل الحلّ والعقد؛ 4ـ عن طريق القهر والقوّة والغلبة.‌

وحيث إنّ الآراء المطروحة في هذا المقام عديدة جدّاً، ونقلها بأكملها يحتاج إلى مجالٍ أوسع، لذا سنعمد إلى عرضها عن طريق تجميع أغلبها تقريباً من خلال التقسيم التالي:‌

أـ الشرعيّة الذاتيّة:‌ طبقاً لهذه النظريّة يمثّل القيام بالحكومة على الآخرين فنّاً في حدّ ذاته يحتاج إلى المهارة واللباقة والقدرة. لذا ينبغي أن تكون الحكومة بأيدي نخبة المجتمع ذوي الخبرة، فهُمْ أعلم الأشخاص وأقدرهم على إدارة المجتمع.‌ ومن هنا نجد أنّ أفلاطون اعتبر أنّ الحكومة من حقّ الفلاسفة، الذين كانوا نخبة المجتمع في ذلك العصر وخبراءهم([25]).

ونجد أنّ حقّ الحاكميّة في هذا النوع من الشرعيّة إنّما يرجع ـ وبشكلٍ ذاتي ـ إلى الأفراد الذين يمتلكون المعرفة والقدرة على إدارة المجتمع نحو الكمال، وهم إجمالاً حائزون على اللياقة المطلوبة للتصدّي لشؤون الحكم والحكومة على المجتمع.‌

ب ـ الشرعيّة الموهوبة:‌ طبقاً لهذه النظريّة ليس للحكّام أيّ حقّ ذاتي في حكومة الناس، بل ينبغي أن يتمّ تفويضهم من قِبَل الشخص أو الأشخاص الذين يمتلكون صلاحيّة منح هذا الحقّ. وهذا النوع من الشرعيّة ينقسم بدوره إلى قسمين: الشرعيّة المعطاة من جانب الله عزَّ وجلَّ؛ والشرعيّة المعطاة من قبل عموم الشعب.

1ـ الشرعيّة الإلهيّة: يختصّ هذا النوع من الشرعيّة بالحكومات التي انتسبت حاكميّتها إلى الله عزَّ وجلَّ، وبالتالي فأمر الحكم متروكٌ لهم من قبل الله عزَّ وجلَّ بصورةٍ خاصّة أو عامّة. ومن هنا فحتّى لو تمتّع شخصٌ معيّن بالكفاءة المطلوبة لإدارة المجتمع، وكان له تأييدٌ كامل من قبل عموم الشعب في هذا الجانب، فإنّه لن يكون مفوّضاً بالقيام بهذا الأمر؛ لعدم كون حُكْمِه حُكْماً إلهيّاً، وحُكْماً شرعيّاً، بل لا يحقّ له الحُكْم أصلاً.

2ـ الشرعيّة الشعبيّة: إنّ أساس الشرعيّة في هذه النظريّة هو رغبة وإرادة ورأي الشعب. وبناءً على ذلك تكون الحكومة من الشؤون البشريّة، وللناس حقّ اختيار الشخص الذي يحكمهم، من دون أن يكونوا ملزمين بطاعة شخص معيَّن من قِبَل الله تعالى. ومن هذا المنطلق تكون الحكومة الفاقدة للشرعيّة هي الحكومة التي تأتي خلافاً لرأي الشعب، وتفرض حكمها عليهم دون رغبة منهم. وأصحاب هذه النظريّة متَّفقون على هذه القضيّة، مع وجود اختلافات قليلة بينهم في كيفيّة الطرح، من قبيل: «العقد الاجتماعي»([26])، و«الإرادة العامّة»([27])، و«الرضا»([28])، مع اتفاقهم على أنّ أساس حقانيّة الفرد أو المجموعة في الحكم، وشرعيّته، إنّما تعود إلى الرغبة والإرادة العامّة.

 

أـ الشرعيّة الموهوبة ــــــ

إنّ رأي الشيعة حول هذه العقيدة مبنيٌّ على أنّ الأئمّة المعصومين^ ـ كنبيّ الإسلام الأكرم| ـ يمتلكون الأحقيّة في الحكم. ويعتبرون هذه الحقّانيّة في طول الحقّ الإلهي بالحاكميّة؛ وذلك بالاستناد إلى الوحي وكلام الله، مضافاً لما ورد في هذا الصدد أيضاً في الروايات المتواترة في ذيل الآية الشريفة: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59). وقد جاء في تفسير الميزان في ذيل هذه الآية ما يلي: «في تفسير البرهان: عن ابن بابويه بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ: لما أنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيّه محمّد|: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قلتُ: يا رسول الله، عرفنا الله ورسوله،‏ فمَنْ أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال|: «هم خلفائي يا جابر، وأئمّة المسلمين من بعدي: أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم…»([29])، حتّى أورد أسماء الأئمة الاثني عشر^ أجمع.

وبناءً على هذه الرواية، والروايات الأخرى الواردة عن النبيّ الأكرم التي تتضمّن هذا المعنى، نجد أنّ المفروض هو أنّ طاعة النبيّ| في طول طاعة الله عزَّ وجلَّ، كما أنّ طاعة أهل البيت^ كذلك أيضاً؛ حيث إنّها في طول طاعة النبيّ|. ومن جهةٍ أخرى رغم أنّه لم يستطع أحدٌ منهم^ تشكيل حكومة، غير النبيّ الأكرم|، والإمام عليّ×، والإمام الحسن× في فترةٍ محدودة فقط، فإنّ هذا الأمر لا يوجب أيّ خلل في أحقّيتهم بتسلّم زمام الحكم؛ إذ بما أنّ الناس لم يرضخوا للحكم الإلهيّ ـ كما سنبيِّن في ما يأتي ـ، فلن تتجسَّد هذه الحقّانيّة والأحقّيّة بشكلٍ عمليّ عبر حكومة مبسوطة اليد، بل ستبقى مالكة للشرعيّة الذاتية المفروضة لها، أو حقّانيّة ما قبل التصدّي لأمر الحكم.

إنّ مفاد المعارف الدينيّة الشيعيّة تفيد أنّ أهل البيت^، سواءٌ أقْبَلَ الناس عليهم ونفّذوا أوامرهم أم أعْرَضوا عنها، يبقون الأئمّة الحقّ، وتبقى ولايتهم ثابتة على أساس الشرعيّة الإلهيّة، حتّى لو لم يستطيعوا إعمال ولايتهم في المجتمع؛ بسبب إعراض عموم الناس عنهم. ورغم أنّ النُّظُم الديموقراطيّة تعتبر رأي الناس هو الأساس التام لشرعيّة الحاكم، إلاّ أنّ هذه المسألة ـ في النظام الإسلاميّ ـ لا تولّد الشرعيّة للحكومة، بل بما أنّ للحكومة ركنين أساسين، هما: الحاكم؛ والشعب (المحكوم)، نجد أنّه إذا خلع الناس أيديهم من الطاعة، وقصّر المحكوم بواجباته، فحينئذٍ لن يبقى للحاكم إلاّ الاسم. ولهذا السبب كان إقبال عموم الشعب وموافقتهم على الحاكم بمثابة تهيئة الأرضيّة لإعمال حاكميّة الحاكم الشرعيّ في النظام الإسلاميّ، ليس إلاّ. وهذا ما جرى بعينه للحاكم الشرعي ـ النبيّ محمّد| ـ حين أُجبر على الفرار من مكّة، والاختباء في الغار؛ نتيجة عدم انصياع الناس لأوامره، ولم يعتبروه الوليّ والحاكم عليهم. لكنّ نفس النبيّ| قام بفتح مكّة ـ التي أجبر في زمن من الأزمان على تركها ـ بعد تمكُّنه واستعانته بأهل المدينة، مع أنّه كان يحوز على الشرعيّة في كلا الزمانَيْن، إلاّ أنّه لم يستطع إعمال ولايته إلاّ بعد الهجرة.

وهكذا نرى أنّ الإمام الحسين حائزٌ على الشرعيّة الإلهيّة من نفس هذه الجهة، تماماً كما وضَّحنا هذا المعنى من لسان الوحي. وقد قال الإمام الحسن× في هذا الصدد: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ× بَعْدَ وَفَاةِ نَفْسِي ومُفَارَقَةِ رُوحِي جِسْمِي إِمَامٌ مِنْ بَعْدِي وعِنْدَ اللهِ جَلَّ اسْمُهُ فِي الْكِتَاب([30]).

إنّ هذه الرواية الشريفة شاهدةٌ على هذا المدّعى، الذي يرى أنّ الولاية العامّة هي للإمام الحسين×، وأحقيّته في أمر الحكم والحكومة ثابتة في الكتاب الإلهيّ، وقد جرى ذلك على لسان الإمام الحسن×. ولمّا اتَّبعه الناس وأطاعوه، وأرسلوا إليه الرسائل العديدة يبايعونه فيها، ويعدونه الحماية والنصرة والفداء…، عند ذلك أصبحت أرضيّة حاكميّته مهيّأة، لذا شرع بثورته، وقام على الخليفة غير الشرعيّ.

 

ب ـ الشرعيّة الذاتيّة ــــــ

يرى الشيعة أنّ شرعيّة حكم أهل البيت عموماً، والإمام الحسين× خصوصاً، هي من عند الله. ورغم أنّهم في هذه المسألة لا يُعيرون سائر الأُسس والمباني أيّ أهميّة، إلاّ أنّ هذه المقالة في صدد توضيح أنّه حتّى مع القول بهذا النوع من الشرعيّة يمكن لنا أن نثبت ونستنتج الشرعيّة الذاتيّة للإمام الحسين× في ما يرتبط بالحكم؛ وذلك من خلال خطب نفس الإمام×، التي عرض فيها أوصافه وكمالاته؛ وبالاستعانة أيضاً بخطب باقي الأئمّة^، التي تمثّل الجذور الأساسيّة لأوصافه الكماليّة. يقول الإمام الحسن× عارضاً الأوصاف الكماليّة لأخيه×: الْحُسَيْنُ أَعْلَمُنَا عِلْماً، وأَثْقَلُنَا حِلْماً، وأَقْرَبُنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ| رَحِماً. كَانَ فَقِيهاً قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ، وقَرَأَ الْوَحْيَ قَبْلَ أَنْ يَنْطِق([31]).

وحيث إنّنا أشرنا عند كلامنا عن الشرعيّة الذاتيّة للنخبة بأنّ الحكم عبارة عن فنٍّ يحتاج إلى علم وقدرة واسعة الأفق، وأنّه في المجموع ينبغي للحاكم أن يكون أجدر الأفراد في هذا الشأن، وأن يتحلّى بصفات الكمال العديدة في ما يتعلّق بأمور هداية المجتمع…، من هنا نجد أنّ الإمام الحسن× يعرِّفه بأنّه أعلم أهل زمانه، وصاحب الحلم ـ الذي هو من شروط الحكم ـ، والفقيه بالعلم الإلهيّ والمطّلع على الوحي المنزل. لذا يرى أنّ هذا هو بنفسه السند لصلاحيّته المطلقة من بين أفراد المجتمع لتولّي زمام الحكم. تماماً كما كان الرسول الأكرم| قد اعتبر أنّ إمامة وولاية الإمام الحسين× على المجتمع ليست إلاّ فَرْعاً لهذه النقطة الدقيقة؛ من أنّه أفضل الخلق بين أفراد الأمّة، ولذا سُمّيَ إماماً للمسلمين، وحجّة ربّ العالمين على الناس: «وأمّا الحسين فإنّه… خير الخلق بعد أخيه، وهو إمام المسلمين…، وحجّة الله على خلقه»([32]).

وممّا لا شكّ فيه أنّه لا تعارض في المنطق الشيعيّ بين شرعيّة النخبة وبين الشرعيّة الإلهيّة؛ ذلك أنّ الله عزَّ وجلَّ لا يفوّض منصب الحكم إلاّ لأفضل الخلق على وجه الأرض، ولمَنْ يتمتّع بالأهليّة الكاملة لذلك. وعلى هذا الأساس نجد أنّ أهل البيت^، الذين تمّ تنصيبهم من قبل الله في منصب الإمامة والولاية على الناس، كانوا أَلْيَق الأشخاص على الإطلاق، والحائزين لمقام العصمة والبُعْد عن المعصية، وكانوا أعلم أهل زمانهم، وأقدر الأنام على الحُكْم والحكومة، وأخبر أفراد الأمّة في المجالات كافّة. ولكنْ بالرغم من ذلك نجد أنّهم ـ بناءً لرأي الشيعة ـ يحتاجون إلى أن تكون شرعيّتهم مستمدّة وموهوبة من قبل الله عزَّ وجلَّ، لا أنّ أهليّتهم المطلقة هي المِلاك والأساس والسند الوحيد لشرعيّتهم.

 

الفصل الثاني: مِلاك شرعيّة الثورة الحسينيّة ــــــ

إذا رغبنا بتنفيذ أغلب الأمور الأساسيّة والمهمّة في المجتمع على نطاقٍ واسع وقانونيّ فإنّنا نحتاج إلى ثلاث مراحل أساسيّة. مثلاً: إذا أراد فردٌ من الأفراد أن يصبح طبيباً عليه أن يطوي ثلاث مراحل رئيسة: الأهليّة؛ والقانونيّة؛ والتقبّل. ففي مرحلة الأهليّة ينبغي على هذا الشخص أن يحصِّل الكفاءة اللازمة لعلاج المرضى، من خلال التعمّق والغوص في أسرار وخفايا هذه المهنة. وبعد الوصول إلى هذه المرحلة لا يمكن لهذا الشخص أن يبدأ بممارسة الطبّ بشكلٍ رسمي إلاّ بعد أن تصدر له المؤسّسة المختصّة إجازةً بمزاولة عمل الطبّ. فمجرّد حيازته للأهليّة والكفاءة لا يعطيه الشرعيّة في التصدّي للعمل الطبّي.

وفي المرحلة الثالثة نجد أنّه بالرغم من كونه قد أصبح طبيباً مؤهَّلاً وقانونياً، لكنْ طالما لم يُقْدِم المريض على الرجوع إليه، وطلب العلاج منه، لن يتاح له ـ في وقتٍ من الأوقات ـ إعمال أهليّته وقانونيّته بشكلٍ فعليّ، وبعبارة أخرى: لا يمكن له أن يُبرز طبّه ومهارته بين الناس.

ويمكن أن نلفت النظر إلى أنّ أساس الحكم في أيّ مجتمعٍ من المجتمعات يعتبر من جملة المجالات التي ينطبق فيها هذا المبدأ، بل هو أفضل وأوضح مصاديقها. فإذا كان من المفترض أن يكون مبنيّاً على نحو شرعيّ، وأن تكون أوامره نافذة بين الناس، فهو يحتاج إلى هذه المراحل الثلاث، والتي هي عبارة عمّا يلي:

1ـ مرتبة الاستعداد والصلاحية، أي أن يكون هذا الشخص مشتملاً على الصفات والمَلَكات اللازمة للولاية والحكومة.

2ـ مرحلة الجعل والاعتبار؛ بمعنى أنّ يتمّ إعطاء منصب ومقام الولاية إلى الحاكِم الواجد للصلاحية المطلوبة، وذلك من قِبَل شخص كانت ولايته مسلَّمة من قبل الجميع.

3ـ مرتبة الولاية والسلطة الفعليّة الحاصلة، وهي تحصل بمبايعة الناس للحاكم الواجد لشرط الصلاحية، ومن ثمّ تسليمه السلطة والحُكْم فعلاً([33]).

ولا يخلو من اللطف ما عبّر به بعض المفكّرين، ضمن توضيحه لهذه المراحل الثلاث، حيث قال: يمكن لنا أن نعتبر؛ لتسهيل البحث، أنّ المرتبة الأولى (أي مرتبة الاستعداد والصلاحيّة) هي نفس الأهليّة، وأنّ المرتبة الثانية (أي مرتبة الجعل والاعتبار) هي نفس القانونيّة، كما يمكن لنا اعتبار المرتبة الثالثة (أي مرتبة السلطة الفعليّة) هي نفس التقبُّل والمقبوليّة. وبعبارة أخرى: إنّ الولاية في الحكومة الإسلاميّة تشمل ـ بحسب التحقيق الخارجيّ ـ مراتب الشرعيّة والمقبوليّة، ومفهوم الشرعيّة يتضمَّن بدوره مفهومَيْ: الأهليّة؛ والقانونيّة([34]).

من هذا المنطلق نجد الشيعة يرَوْن أنّ كلاًّ من حكومة الإمام الحسين× وثورته تتمتّعان بالشرعيّة على السواء. فالإمام ـ كسائر الأئمّة ـ واجدٌ للأساسَيْن الرئيسَيْن، وهما: الأهليّة؛ والقانونيّة؛ أمّا البحث في المقبوليّة فيعود ـ بناءً على ما تقدّم ـ إلى إعمال الإمام× شرعيّته، لا أنّ المقبوليّة من أركان أساس شرعيّته. وعلى فرض عدم وجود التقبّل والمقبوليّة فإنّ الشرعيّة ستبقى موجودة. ولذا سيكون جهدنا منصبّاً في بحثنا عن بيان شرعيّة الثورة الحسينيّة استناداً إلى الركنَيْن الرئيسَيْن: الأهليّة؛ والقانونيّة، وإنْ كنّا سنتعرّض أيضاً في بحث دور البَيْعة ودعوة الكوفيّين إلى ركن المقبوليّة وإعمال الشرعيّة.

 

أـ مِلاك الأهليّة (الحقانيّة) ــــــ

لقد اعتبر الإمام الحسين× في مواطن عديدة أنّه صاحب الحقّ في الحكومة. لكنّ السؤال الذي يمثل بين أيدينا: ما هي المعايير التي استند عليها الإمام لاعتبار أحقّيّته وأهليّته في استلام زمام الحكم؟

نجد أنّ الإمام قد اعتمد في هذا الباب على مِلاكات وأُسس مختلفة، والتي سنقسّمها إلى قسمين رئيسين:

 

1ـ القرابة من الرسول الأكرم| ــــــ

لقد جعل الإمام الحسين× قرابته من رسول الله| سنداً لحقّانيّته وأهليّته في تولّي زمام الحكم، وذلك في أحاديث كثيرة، معتبراً نفسه أحقّ أفراد الأمّة بهذا الأمر. فقد ورد عنه قوله:

ـ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ أَوْلَى بِوَلايَةِ هَذَا الأَمْرِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلاءِ المُدَّعِينَ مَا لَيْسَ لَهُم‏([35]).

ـ وَكُنّا أَهْلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَأَوْصِيَاءَهُ وَوَرَثَتَهُ وَأَحَقَّ النَّاسِ بِمَقَامِهِ فِي النَّاسِ([36]).

ـ إِنِّي أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ؛ لِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ([37]).

ـ اللهُمَّ إِنَّا عِتْرَةُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ|…، فَخُذْ لَنَا بِحَقِّنَا([38]).

لقد اعتبر الإمام الحسين× ـ عبر هذه الأحاديث ـ أنّ قرابته من النبيّ| هي الدليل على كونه مؤهَّلاً للحكم؛ باعتبار أنّ أهل بيت النبوّة^ هم الأكثر علماً واطّلاعاً من الباقين على الإسلام وعلى تعاليم الدين الحنيف، فهم يُعتبرون في ظلّ التربية النبويّة أكثر أهليّةً للتصدّي لهذا المنصب.

لقد بيّن الإمام الحسين× هذا المِلاك وهذا الأصل للذين يؤمنون بهذه الصفة، ويرون أنّها توجب علوّه وأفضليّته. ومن هنا نجد أنّه كان يعتبر انتسابه إلى شجرة النبوّة، في مقابل مَنْ ينتسب إلى شجرة الكفر، موجباً لرفعته وأهليّته عليهم.

 

 2ـ الفضائل وأوصاف الكمال ــــــ

لقد عدَّد الإمام الحسين× في غير موضع فضائله وأوصاف كماله، وجعلها من مِلاكات وأُسس أهليّته وأحقّيّته لتولّي الحكومة: إِنَّا… مَعْدِنُ الرِّسَالَةِ، ومُخْتَلَفُ المَلائِكَةِ، وبِنَا فَتَحَ اللهُ، وبِنَا خَتَمَ اللهُ، ويَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ، شَارِبُ الخَمْرِ، قَاتِلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، مُعْلِنٌ بِالفِسْق…، وَ نَنْظُرُ وتَنْظُرُونَ أَيُّنَا أَحَقُّ بِالبَيْعَةِ والخِلافَة([39]).

وقد أشار النبيّ الأكرم| في روايةٍ إلى أهليّة الإمام الحسين× للإمامة؛ حيث قال: خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ أَخِيهِ، وهُوَ إِمَامُ المُسْلِمِينَ…، وحُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ([40]).

ومن البديهي أنّ مَنْ له القدرة على استلام زمام هداية المجتمع، وجعل ذلك على عاتقه…، ينبغي أن يتحلّى بالمؤهّلات اللازمة للقيام بهذا الأمر. وهذا ما نجده جليّاً وواضحاً في ما بَيَّنه الإمام من كونه يمتلك كلّ المؤهّلات اللازمة من جهةٍ؛ وما بيّنه ـ من جهةٍ أخرى ـ من عدم لياقة يزيد في الطرف المقابل، فجعل ذلك مِلاك أحقّيّته في الحكم، وعدم أهليّة يزيد لذلك. واللطيف أنّ الإمام أعطى الآخرين حقّ الحكم، وعبَّر عن المسألة على أنَّها من البديهيّات، مستخدماً في سبيل ذلك الاستفهام الإنكاريّ.

ب ـ مِلاك القانونيّة ــــــ

إنّ ملاك القانونيّة ـ الذي يُعدّ من الأركان الأساسيّة للشرعيّة ـ بمعنى أنّ منصب الحكومة لم يُمنَح لفردٍ من الأفراد إلاّ عبر شخصٍ يمتلك صلاحيّة المنح والإعطاء، تماماً كما قام النبيّ الأكرم| بتنصيب أمير المؤمنين عليّ× وليّاً على الناس يوم غدير خُمّ بأمرٍ من الله عزَّ وجلَّ. وكما هو واضح لا حاجة في هذه المرحلة لترتيب أيّ أثر على هذه الولاية؛ إذ بمجرّد التنصيب تكتسب الولاية الصفة القانونيّة، وذلك نظير: ولاية الأب على أموال الصغير، حيث أعطى الشارع المقدَّس هذه الولاية للأب، فلو قام الآخرون بمنع الأب من إعمال ولايته هذه، ولم يستطع إبرازها وإخراجها إلى حيِّز الظهور…، فإنّ ذلك لا يمسّ ولا يضرّ بقانونيّة حقّه بالولاية على أموال صغيره.

وفي ما يتعلّق بالإمام الحسين×، وكذا سائر الأئمّة، ينبغي القول: إنّ الأئمّة^، مضافاً لما يتمتّعون به من الأهليّة، تمّ تفويض أمر الحكومة على الناس إليهم، فجُعلوا أئمّةً على الأُمّة وقادةً لها. لقد ورد في ذيل الآية الشريفة: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ‏﴾ روايةٌ تدلّ على إمامة الأئمّة الاثني عشر بأجمعهم، وأمّا في خصوص قانونيّة وتنصيب الإمام الحسين× لتولّي زمام حكم المجتمع فنشير إلى بعض الروايات:

قال النبيّ الأكرم في ما يرتبط بالإمام الحسين×، وتنصيبه إماماً على الأمّة، ووجوب طاعة أوامره: فأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّهُ مِنِّي…. خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ أَخِيهِ، وهُوَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ…، وحُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ…، وطَاعَتُهُ طَاعَتِي، مَنْ تَبِعَهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، ومَنْ عَصَاهُ فَلَيْسَ مِنِّي([41]).

وتدلّ هذه الرواية ـ من دون حاجةٍ إلى أدنى توضيح ـ على نصب الإمام الحسين× من قبل النبيّ الأكرم| إماماً على الخَلْق وحاكماً عليهم، ووجوب طاعة الناس لأوامره.

ولذا لمّا طلب معاوية من الإمام الحسين× أن يصعد المنبر ويخطب في الناس قال الإمام في ما يتعلّق بتنصيبه إماماً: نَحْنُ حِزْبُ اللهِ الغَالِبُونَ، وعِتْرَةُ نَبِيِّهِ الأَقْرَبُونَ، وأَحَدُ الثِّقْلَيْنِ، الَّذِينِ جَعَلَنَا رَسُولُ اللهِ| ثَانِيَ كِتَابِ اللهِ فِيهِ تَفْصِيلٌ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ…، فَأَطِيعُونَا؛ فَإِنَّ طَاعَتَنَا مَفْرُوضَةٌ؛ إِذْ كَانَتْ بِطَاعَةِ اللهِ ورَسُولِهِ مَقْرُونَةً؛ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ([42]).

في هذه الرواية يعتبر الإمام الحسين× بأنّه وأهل البيت جميعاً أفضل الناس لتولّي أمر الحكومة؛ وذلك لما جعل لهم النبيّ| من مكانة بحذاء كتاب الله وفي عرضه. لذا كانت طاعتهم واجبة، وإنّهم من مصاديق أُولي الأمر الذين تكون طاعتهم في طول طاعة الله ورسوله| المفترضة على الناس. ومن هنا نجد أنّ الإمام يرى أنّ شرعيّته تامّة، فيطلب من الناس تمكينه من إعمال شرعيّته بإطاعة أوامره. والمسألة اللطيفة في المقام هي أنّ الإمام كان قد بيَّن شرعيّته على مرأى ومسمع من معاوية.

ومن الروايات الأُخرى التي يمكن الاستناد إليها في هذا المقام الحديث النبويّ المشهور: الحَسَنُ والحُسَيْنُ إِمَامَانِ، قَامَا أَوْ قَعَدَا([43]).

لقد اعتبر النبيّ| بموجب هذه الرواية أنّ قيادة وإمامة هذين الإمامين الهمامين ثابتةٌ لهما، سواءٌ نهضا بأمر الإمامة أم جلسا جانباً؛ رعاية للمصلحة، أو عملاً بالتقيّة([44]).

وكتأييدٍ لهذا الحديث النبويّ، وأنّ ثورة الإمام الحسين× ـ كما هو الحال في صلح الإمام الحسن× ـ ترجع في الواقع إلى أمر الله تعالى وأمر نبيّه، وتنصيبهما له، نشير إلى روايةٍ عن الإمام الحسين×، حيث خاطب بها جابر بن عبد الله الأنصاري، حين خروجه نحو العراق، بقوله: يا جابر، قد فعل أخي ذلك بأمر الله تعالى ورسوله، وأنا أيضاً أفعل بأمر الله تعالى ورسوله([45]).

وكما أنّ إمامة هذين الإمامين الهمامين نابعةٌ من التنصيب الإلهيّ لهما كذلك ينبغي استجلاء حقيقة شرعيّة الثورة الحسينيّة من الأوامر الإلهيّة والدساتير النبويّة، تماماً كما هو الحال في الصلح الحسنيّ.

وفي هذا المجال نجد الإمام× في روايةٍ أخرى، في جوابه لعبد الله بن جعفر ـ زوج السيدة زينب ـ، يشير إلى أنّ أساس قيامه وخروجه على حاكم ذلك الزمان إنّما كان بأمرٍ من رسول الله|، وأنّه هو السند في ذلك، حيث يقول: إنّي رأيتُ رؤيا فيها رسول الله|، وأُمرت فيها بأمرٍ أنا ماضٍ له، عليَّ كان أَوْلى([46]).

ومن مجموع هذه الروايات نستنتج أنّه، مضافاً إلى ملاك الأهليّة والحقانيّة التي يتمتّع بها الإمام الحسين× في ما يرتبط بالحكومة على الناس، فإنّ تنصيبه في هذا المقام تمَّ من قِبَل الله عزَّ وجلَّ، وبالتالي فهو حائزٌ على الجنبة القانونيّة أيضاً. وكما أوضحنا فإنّ عدم تمكين الناس له، وعدم طاعتهم لأوامره، وعدم اعترافهم به، أو عدم قبولهم بالإمام حاكماً عليهم، ليس له أيُّ أثر سلبيّ في شرعيّة حكومته. وقد اعتبر النبيّ الأكرم| في كلامه أنّ الإمام الحسين× حائزٌ على ملاك الأهليّة، مبيِّناً في الوقت ذاته بأنّه أفضل الخلق بعد أخيه الإمام الحسن×، فوضَّح بذلك أنّه منصوبٌ على الناس إماماً. وبهذا البيان يكون قد ضمّ له النبيّ عنصر القانونيّة في حاكميّته، بالإضافة إلى عنصر الأهليّة الذي يتمتَّع به.

وحيث كان الإمام يرى ـ من جهةٍ ـ أنّ أركان شرعيّته تامّة، ومن جهةٍ أخرى أنّ إقبال عامّة الناس عليه قد هيّأ الأرضيّة المناسبة لثورته، فقد أشعل جذوة الثورة بقيامه. والواقع أنّ هذا التقبّل العام من قِبَل الناس هو الذي جعل القيام مناسباً في ذلك الزمان. والحال أنّ هذه الظروف لم تكن متوفِّرة في الأعوام الخمسة والعشرين التي قضاها أمير المؤمنين× جليس المنزل، ولا في السنوات العشر من إمامة الإمام الحسن، ولا حتّى في السنوات العشر الأولى من إمامة الإمام الحسين. كلُّ ذلك مع التسليم بأنّ هؤلاء الأئمّة الثلاثة كانوا ـ كسائر أئمّة الهدى^ ـ حائزين على شرعيّة الحكم وأهليّة الحكومة على حدٍّ سواء. وسنتعرّض لهذا الأمر ضمن بحثنا لدور بَيْعة الكوفيّين ودعوتهم في ما يلي.

 

الفصل الثالث: دور بَيْعة الكوفيّين ودعوتهم في شرعيّة الثورة الحسينيّة ــــــ

بعد أن اعتقدنا بأنّ الأئمّة الأطهار^ ـ ومنهم الإمام الحسين× ـ يمتلكون مقام العصمة، ويتمتَّعون بالأهليّة والصلاحيّة في موضوع الحكم والحكومة (أي إنّ أهليّتهم وحقّانيّتهم كانت ثابتة)، وبعد أن أثبتنا أنّهم كانوا منصّبين بالتنصيب الإلهي من جهة ولايتهم (فهم حائزون على ملاك القانونيّة)، نكون قد أثبتنا بالمجموع شرعيّة حكمهم وحاكميّتهم. أمّا الآن فنحن في صدد بحث دور الناس في حاكميّتهم. وقبل أن نتعرّض لأحاديث الإمام الحسين× نرى من الضروري أن نقدِّم مقدّمة في ذلك.

إنّ أيّ نظام حكم يحتاج إلى ركنين أساسين: الحاكم؛ والشعب، وبعبارة أخرى: أوامر الحكومة؛ وامتثال الشعب. وإذا لم يتحقَّق كلا هذين الركنين؛ لأيّ سبب كان، فلن تتشكّل أيّ حكومة أو نظام، بل حتّى لو وُجدت لبرهة من الزمن فإنّه لن يُكتَب لها الاستمرار؛ إذ لو اتّفق الناس على عدم الانصياع لأوامر الحكومة فلن يبقى لهذه الحكومة إلاّ الاسم لا غير. لهذا السبب لا يمكن إنكار ما لدور الناس من أهميّة في تحقُّق الحكومات. ومن هنا كان أهل البيت ـ الذين لهم الشرعيّة في الحكم والحكومة على نحوٍ ثابت ومسلّم ـ بحاجة إلى إقبال الناس عليهم وتقبّلهم؛ لإعمال حاكميّتهم، وتحقُّق حكومتهم في الخارج؛ لأنّ المتصدّين لتسلّم زمام الأمور ـ حتّى لو كانوا من أفضل الناس ـ إذا لم يكونوا مقبولين من عامّة الشعب في مرحلة العمل فلن يُكتب لذلك الحكم أيّ تحقُّق في الخارج. وبناءً على ذلك لا تنشأ شرعيّة الحكم في نظر الإسلام ولا تتولّد من رضا الناس وقبولهم، بل يكون انقياد الناس هو الموجِب لإعمال الحاكميّة، التي تمّ إثبات شرعيّتها قبل ذلك.

وأمّا بالنسبة إلى الإمام الحسين× فكان يعتقد أيضاً بأنّ حكمه شرعيّ بما لا يشوبه الشكّ، وعندما وصلته رسائل الناس، وإعلانهم الوفاء والنصرة له، رأى أنّ أرضيّة إعمال حاكميّته بشكلٍ علنيّ وظاهر قد أصبحت مهيّأة. لذا عزم على الاستعانة بهذا المَدَد الحاصل من إقبال الناس، ووجود الناصر والمعين؛ ليعمل من خلال ذلك على تشكيل الحكومة، وإحياء القِيَم الإسلاميّة المنسيّة، وبالتالي العمل على هداية المجتمع الإسلاميّ نحو كماله وصلاحه. وسوف نبحث هذه الفكرة في بعض ما ورد من الروايات المرويّة عن الإمام الحسين×:

أـ أشار الإمام الحسين× إلى أهليّته وأحقّيّته للخلافة في رسالته إلى وجهاء البصرة، كما طلب منهم العَوْن والمساعدة في سبيل إيجاد الحُكْم الذي يعمل على إحياء سنّة النبيّ|، حيث ذكر لهم فيها: فإنّ الله اصطفى محمّداً| على خلقه… وكنّا أهلَه وأولياءَه وأوصياءَه وورثته… ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المُستحقِّ علينا ممَّنْ تولاّه… وإنْ تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أَهْدِكم سبيل الرشاد([47]).

لقد بيّن الإمام الحسين في الفقرة الأولى استحقاقه وأهليّته. أمّا في الفقرة الثانية فذكَّرهم بقانونيّة حكمه وحقّه به. وفي الفقرة الثالثة بيَّن أنّه مع إعلان الناس الوفاء والنصرة له يصبح تحقُّق الحاكميّة مضموناً. وفي هذه الرواية هناك بعض النقاط التي تسترعي الانتباه، وهي:

1ـ إنّ مقتضى الشرط الموجود في الفقرة الأخيرة من الرواية يفيد أنّ للناس الحقّ في الاختيار في ما يتعلّق بالحكومة، وذلك بالمعنى الذي ذكره الإمام من أنّه إذا أطعتُم أوامري فإنّي سأهديكم سبيل الرشاد والصلاح. وهذا الشرط يدلّ على أنّ الناس هم أصحاب الحقّ في الاختيار في عمليّة انتخاب الحكومة، وأنّه باختيارهم يحصل إيجاد النظام والحكومة الخاصّة في المجتمع. وعلى الرغم من أنّ العبارة السابقة توحي بأنّ هؤلاء الناس هم مَنْ يُعيِّن الحاكم في المجتمع، إلا أنّ الإمام في حديثه هذا لم يكن في صدد إضفاء صبغة الشرعيّة على الحكومة التي تعتمد على رأي الناس واختيارهم فقط، فهو لم يتجاهل كلاًّ من مرتبة الأهليّة والأحقيّة، ولا مرتبة القانونيّة؛ إذ إنّ الناس كانوا راضين بحكومة معاوية ويزيد، ومع ذلك لم يعتبرها الإمام شرعيّةً، بل أعلن حرمة تلك الحكومة والخلافة، مستنداً بذلك إلى الحديث النبويّ الشريف: لَقَدْ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ| يَقُولُ: الخِلاَفَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ أَبِي سُفْيَان([48]).

2ـ لقد جعل الإمام الحسين× الهداية إلى الرشاد والصلاح في هذه الفقرة من الرواية فرعاً عن إطاعة الناس للأوامر، وهو ما يشكِّل رعايةً للمبنى العقلي الذي يفترض بأنّه إذا لم يُصغِ الناس لأوامر الحاكم ويطيعوها لن يكون بيد الحاكم أيّ شيء، فإقبال الناس ورضاهم هو أحد الأركان التي تشكّل الحكومة، وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين× في رعايته لهذه القاعدة، حين قال: لا رَأيَ لِمَنْ لا يُطَاع([49]).

ب ـ ذكر الإمام الحسين× في رسالته إلى أهل الكوفة ـ بعد الحمد والثناء على الله ـ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ كِتَابَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ جَاءَنِي، يُخْبِرُنِي فِيهِ بِحُسْنِ رَأيِكُمْ، واجْتِمَاعِ مَلَئِكُمْ عَلَى نَصْرِنَا، والطَّلَبِ بِحَقِّنَا، فَسَأَلْتُ اللهَ أَنْ يُحْسِنَ لَنَا الصَّنِيعَ… فَإِنِّي قَادِمٌ عَلَيْكُمْ فِي أَيَّامِي هَذِهِ إِنْ شَاءَ الله([50]).

يمدح الإمام في هذه الرواية رأي الناس في تصميمهم على نصرته؛ ليصل إلى حقّه. فهو يراه أمراً حسناً. وعلى هذا الأساس قرَّر شدّ رحاله نحو الكوفة؛ باعتبار أنّه كان يرى فيها مَنْ ينصره، وأنّ أهلها حاضرون للقتال والتضحية بين يديه حتّى تتحقَّق حاكميّته على المجتمع. وهذا ما ورد في بعض الكتب التي تتحدّث عن ثورته، حيث ذُكر فيها: إنّ التكليف الشرعيّ يحتِّم عليه الخروج إلى العراق؛ لوجود الناصر([51]).

وفي هذه المسألة نجد الإمام× قد عمل تماماً كما عمل والده أمير المؤمنين حين قبل بالخلافة، حيث جعل أساس القبول بلوغ الحجّة عليه؛ بسبب وجود الناصر والمعين على تشكيل الحكومة الصالحة، حيث صرّح بذلك الإمام عليّ× في إحدى خطبه فقال: لَوْلا حُضُورُ الْحَاضِرِ، وقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِر…، لأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا([52]).

لذا لما رأى الإمام الحسين× أنّ الأرضيّة التي يمكن أن تحقّق حاكميّته على المجتمع أصبحت مهيّأة، من خلال مبايعة العديد من أهل الكوفة والبصرة له، رغب في اغتنام ذلك التأييد الواسع من قبل الناس، وهو الأمر الذي يهيِّئ الفرصة لإعمال حاكميّته الشرعيّة على المجتمع في قالب الحكومة؛ ليعمل بمعونتهم على إحياء القِيَم الإسلاميّة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحو البِدَع. وبعبارة جامعة: أراد أن يعمد إلى إحداث إصلاحات أساسيّة في الأمّة الإسلاميّة، ليجعل سيرة النبيّ| والإمام عليّ× هي الحاكمة في هذا الميدان.

ج ـ في خطبته أمام جيش الحُرّ بن يزيد الرياحي تعرّض الإمام× لذكر أحقّيّته وأهليّته لبيعة أهل الكوفة له، وبيَّن أنّ سفره إنّما استند إلى تلك البيعة، فقال: نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، أَوْلَى بِوَلايَةِ هَذَا الأَمْرِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلاءِ المُدَّعِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ، والسَّائِرِينَ فِيكُمْ بِالجَوْرِ والعُدْوَانِ. فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ الكَرَاهَةَ لَنَا، والجَهْلَ بِحَقِّنَا، وكَانَ رَأْيُكُمُ الآنَ غَيْرَ مَا أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ، وقَدِمَتْ عَلَيَّ بِهِ رُسُلُكُمْ، انْصَرَفْتُ عَنْكُم([53]).

لقد ذكّر الإمام في خطبته هذه بقرابته من صاحب الرسالة، مشيراً إلى أنّه أحقّ الناس بالتصدّي لهذا الأمر، واعتبره حقّاً مسلَّماً له، حيث خاطبهم فيها بأنّي ما أتيتُ إليكم إلاّ لأنّكم طلبتُم منّي أن أكون الحاكم عليكم، وأنا أحقّ الناس بذلك. ولكنْ إنْ نقضتُم بيعتنا، ورفضتُم أوامرنا، ورغبتُم عن نصرتنا، وبعبارةٍ أخرى: إذا زال التأييد الواسع لحكومتي ـ ذلك التأييد الذي يؤدّي إلى تأييد الحاكميّة ـ، عندها سأصرف النظر عن المجيء إليكم، وسأعود؛ لأنّ مقدّمات إيجاد حاكميّتي قد زالت.

وقد استند الإمام الحسين× في خطبةٍ أخرى ـ خاطب فيها جيش الحُرّ ـ إلى أنّ تحرّكه نحو الكوفة كان نتيجة الرسائل العديدة المرسَلة من وجوه القوم الذين بايعوه، حيث قال: إِنِّي لَمْ آتِكُمْ حَتَّى أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ، وقَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ، أَنْ اقْدِمْ عَلَيْنَا؛ فَلَيْسَ لَنَا إِمَامٌ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْمَعَنَا وإِيَّاكُمْ عَلَى الهُدَى والحَقِّ. فَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ جِئْتُكُمْ، فَأَعْطُونِي مَا أَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ عُهُودِكُمْ ومَوَاثِيقِكُمْ أَنْ أَقْدِمَ مِصْرَكُم؛ وإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وكُنْتُمْ لِمَقْدَمِي كَارِهِينَ، انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي جِئْتُ مِنْهُ إِلَيْكُم([54]).

لقد بيَّن الإمام في بداية خطبته هذه أحقّيّته وأهليّته، إلاّ أنّه أشار إلى دور الناس الذي لا يمكن إنكاره في إيجاد الحكومة، وإعمال الحاكميّة، وتأكيده على ذلك بالقول: إنّكم إنْ تفُوا، وتبقوا على بيعتي، وترغبوا بوصولي إلى سدّة الحكم فعلاً، تحقَّقت حكومتي على الناس حقّاً. وبعبارة أخرى: عندما يصبح هناك تأييدٌ عامّ لحكومتي… عندها سأتصدّى لأمر الحكم، وسآخذ الأمر على عاتقي، وإلاّ فبنقضكم البيعة لن يكون لحاكميّتي أيُّ تحقّق في الخارج، وسوف أعود من حيث أتيتُ.

من مجموع هذه الروايات نستنتج أنّه لم يكن لبيعة الكوفيّين أيّ دور في إضفاء الشرعيّة على الإمام الحسين×، أو على ثورته. وكذا لم يكن لنقضهم بيعته أيُّ تأثير يسلب عنه تلك الشرعيّة. بل يمكن بيان حقيقة المسألة بالقول: إنّه مع بيعة الكوفيّين له كانت الأرضيّة قد أُتيحت لإعمال حاكميّة الإمام× صاحب الشرعيّة، وبنقض البَيْعة، وعدم طاعة الناس له، تزلزلت تلك الحاكميّة، ولم يُتَح لها الانتقال إلى مرحلة الفعليّة، لا أنّ أصل حاكميّة الإمام هي التي تزلزلت.

أمّا النقطة الأخيرة في المقام فإنّ تأييد الناس وإقبالهم لو كان موجباً لإضفاء صبغة الشرعيّة على الحكومة، بحيث كانت الشرعيّة تتولَّد عن التأييد، لكان نقض البيعة وزوال تأييد الناس للإمام الحسين× يستلزم زوال الشرعيّة عن حكومته، وبالتالي عدم شرعيّة أصل قيامه وثورته. ولكن بناءً على الرواية الماضية، التي رواها الإمام عن جدّه الأكرم، والتي يقول فيها: لَقَدْ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ| يَقُولُ: الْخِلاَفَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ أَبِي سُفْيَان([55])، نعلم أنّه إذا بايع عامّةُ الشعب معاويةَ ويزيد لم تؤدِّ بيعتُهم إلى إضفاء الشرعيّة على حكمهما، بل إنّ أساس خلافتهما وحكومتهما غير شرعيّة.

وعلى هذا الأساس تنفي هذه الرواية أن تكون شرعيّة الحكومة معتمدة على إقبال الناس وتأييدهم. ولذا لم يكن لبيعة أهل الكوفة أو نقضهم أيّ دور في إضفاء صبغة الشرعيّة أو سلبها عن ثورة الإمام الحسين×، بل تثبت أنّه ينبغي على الحاكم الإسلاميّ ـ إذا أراد أن يضفي على حكومته صبغة الشرعيّة ـ أن يتمتَّع بعنصرين أساسين، هما: عنصر الأهليّة (الحقانيّة)؛ وعنصر القانونيّة.

 

 الفصل الرابع: إضفاء صبغة الشرعيّة على الثورة الحسينيّة ــــــ

بما أنّ حكام الجور عملوا بعد واقعة كربلاء على سلب الشرعيّة عن هذه الثورة، ودأبوا على إظهارها كعملٍ غير صحيح، ووصفوها بأنّها خروج على خليفة ذلك الزمان؛ ليسدّوا بذلك الطريق أمام أيّ ثورة أخرى تشابهها، ومن جهة أخرى تعدّ بعض العناصر ـ من قبيل: مكافحة الظلم والجور، وتحلّي أهل البيت بصبغة الشرعيّة ـ من المفاهيم الأساسيّة التي تحظى بتأكيد النظام السياسيّ الشيعيّ…، نجد أنّ النبيّ الأكرم|، وكذا الأئمّة الأطهار^، لم يَدَعوا فرصةً إلاّ اغتنموها لبيان شرعيّة هذا القيام، وتوضيح أنّ حكام ذلك العصر هم الذين كانوا يفتقدون للشرعيّة، فأنهَوْا هذا الأمر إلى أسماع الناس بطرق عديدة، ولعصور متمادية. وقد ورد في روايات كثيرة أنّ هذا الأمر قد طرح على لسان النبيّ| منذ الأيام الأُولى لولادة الإمام الحسين×، ثمّ استمرّ بالتداول على ألسنة سائر الأئمّة، الذين سعَوْا إلى إبراز شرعيّة قيام الإمام الحسين×، وإيصال ذلك إلى الناس بشتّى الوسائل.

 أـ إضفاء الشرعيّة على الثورة قبل وقوعها ــــــ

حيث إنّ الروايات الواردة في هذا الأمر عديدةٌ فسوف نتعرّض فقط لذكر روايات عن النبيّ|. وفيها يعمد الرسول الأكرم| ـ أثناء بيانه لحبّه الشديد للإمام الحسين× في مواقف مختلفة ـ إلى ذكر واقعة يوم عاشوراء، فيبكي على الظلم اللاحق به، ثمّ يلعن قتلة الإمام×. لقد بيَّن النبي هذه القضيّة على الملأ مراراً، وكرّر ذكرها لعامّة الناس؛ لكي يكون هذا الحديث الصادر في زمن النبيّ| بمثابة الضامن لشرعيّة الإمام×، وأن يكون مع نقل الرواة له في ذلك اليوم سنداً على شرعيّة الثورة الحسينيّة التي ستقع عام 61هـ. تماماً كما فعل في شأن عمّار بن ياسر، حيث قال: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَة([56])، وقد كانت شهادة عمّار في معركة صفّين سنداً لشرعيّة الإمام عليّ×، ولعدم شرعيّة معاوية.

أمّا في ما يتعلّق بالإمام الحسين× فقد ورد عن النبيّ|: خَرَجَ النَّبِيُّ| فِي سَفَرٍ له، فَوَقَفَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، واسْتَرْجَعَ، ودَمَعَتْ عَيْنَاهُ؛ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا جَبْرَئِيلُ× يُخْبِرُنِي عَنْ أَرْضٍ بِشَطِّ الفُرَاتِ يُقَالُ لَهَا: كَرْبَلاءُ، يُقْتَلُ عليهَا وَلَدِيَ الحُسَيْنُ بنُ فَاطِمَة، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ يَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ|: رَجْلٌ اسْمُهُ يَزِيدٌ لعنه الله… ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ مَغْمُوماً، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ…، وقَالَ: …هَذَانِ أَطَايِبُ عِتْرَتِي، وخِيَارُ ذُرِّيَّتِي، وقد أخبرني جبرئيل× أنّ وَلَدي هذا مقتولٌ مخذول، اللهُمَّ فَبَارِكْ لَهُ فِي قَتْلِهِ، واجْعَلْهُ مِنْ سَادَاتِ الشُّهَدَاءِ، اللهُمَّ ولا تُبَارِكْ فِي قَاتِلِهِ وخَاذِلِه([57]).

ينقل النبيّ الأكرم هذه الرواية عن جبرئيل، ويخبر فيها الناس ـ ودموعه تنهمر على خدَّيْه ـ عن قاتل الحسين× بالاسم، ويلعنه. ثمّ بعد أن عاد من سفره أخبر جميع الناس مرّةً أخرى بهذا الخبر، ثمّ ذكر لهم أنّ الإمامَيْن الحسن والحسين’ هما أطيب وأطهر عترته وخيار ذريّته. وكذا الدعاء الذي دعا به الرسول، حيث دعا أن تكون الشهادة مباركة للإمام الحسين×، وذلّة وهواناً على قاتليه. وما هذا البيان من نبيّ الإسلام| إلاّ إعلانٌ لأحقّيّة الإمام الحسين× وأهليّته في هذه الثورة، وسلبٌ للشرعيّة عن شخص يزيد وأصحابه.

ومضافاً إلى ذلك فقد وصّى النبيّ المسلمين بأن يعملوا على حماية الإمام الحسين×، وأن يقوموا بنصرته، حيث ورد عن أنس بن الحارث أنّه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ| يَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا ـ يَعْنِي الْحُسَيْنَ ـ يُقْتَلُ بِأَرْضٍ مِنَ الْعِرَاقِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْهُ… فَقُتِلَ أَنَس بن الحارث مَعَ الْحُسَيْنِ×([58]).

 

ب ـ إضفاء الشرعيّة على الثورة بعد وقوعها ــــــ

لقد سعى أهل بيت العصمة وأئمّة الهدى^ في السنوات التي أعقبت حادثة كربلاء ـ وبطرقٍ مختلفة ـ إلى إبراز الشرعيّة التي كان يتمتّع بها الإمام الحسين× في قيامه، وأنّه كان صاحب حقٍّ في ذلك. وعلى هذا الأساس نجدهم اعتبروا أنّ شرعيّة الإمام الحسين× ليست إلاّ شرعيّة أمير المؤمنين× وشرعيّة النبيّ|، وفي المقابل فإنّ عدم شرعيّة يزيد هي امتداد لعدم شرعيّة معاوية، ومن قبله أبي سفيان. وقد عبّر الإمام الصادق× في إحدى رواياته عن هذا الأمر صراحةً، حيث قال: إِنَّا وَآلَ أَبِي سُفْيَانَ أَهْلُ بَيْتَيْنِ تَعَادَيْنَا فِي اللهِ؛ قُلْنَا: صَدَقَ اللهُ، وقَالُوا: كَذَبَ اللهُ؛ قَاتَلَ أَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اللهِ|، وقَاتَلَ مُعَاوِيَةُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وقَاتَلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ×، والسُّفْيَانِيُّ يُقَاتِلُ الْقَائِمَ عَجَّلَ الله فَرَجَهُ([59]).

لقد وضع الإمام الصادق× يزيد في هذه الرواية في مصافِّ أفراد من قبيل: أبي سفيان، ومعاوية، والسفيانيّ. وكلّ واحد منهم بادر في عصره ـ أو سيبادر ـ إلى محاربة حجّة الله على الأرض. وفي المقابل جعل الإمام الحسين× في زمرة مَنْ اختارهم الله عزَّ وجلَّ حُكّاماً على الناس. وهذا نفسه عبارة عن سندٍ قطعيّ على عدم شرعيّة يزيد، وعلى الشرعيّة المطلقة للإمام الحسين× في قيامه، حيث أضفى الإمام الصادق× الشرعيّة على الثورة الحسينيّة من خلال هذا البيان، وأظهره للناس بوضوح.

ومن جملة ما يطرح في باب إضفاء صبغة الشرعيّة على الثورة الحسينيّة في السنوات التي تعقبها هو الزيارات المنقولة عن الأئمّة المعصومين^ في المواطن والأيّام الخاصّة؛ وذلك من أجل التذكير بواقعة كربلاء، وتداعي حقانيّة الثورة الحسينيّة في أذهان عامّة الناس، وهي المعروفة بعنوان «الزيارات المأثورة»، وقد ورد فيها: جَاهَدْتَ فِي سَبِيلِ الله([60]). اللهُمَّ صَلِّ عَلَى الإِمَامِ الشَّهِيدِ… السيد القائد… الْوَصِيِّ الْخَلِيفَةِ الإِمَامِ… اللهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِي ومَوْلايَ… يَدْعُو الْعِبَادَ إِلَيْكَ، ويَدُلُّهُمْ عَلَيْكَ، وقَامَ بَيْنَ يَدَيْكَ، يَهْدِمُ الْجَوْرَ بِالصَّوَابِ… جَاهَدَ فِيكَ الْمُنَافِقِينَ والْكُفَّارَ…، فَقَتَلُوهُ بِالْعَمْدِ الْمُعْتَمَدِ، قَتَلُوهُ عَلَى الإِيمَانِ، وأَطَاعُوا فِي قَتْلِهِ الشَّيْطَان([61]). أَشْهَدُ أنَّكَ… جَاهَدْتَ المُلْحِدِينَ([62]).

وكما هو ملاحَظ في هذه العبارات الواردة في زيارات الإمام الحسين فإنّها تعطي شهادةً واضحة لشرعيّة قيام الإمام الحسين×، وفي المقابل لا تسلب الشرعيّة عن يزيد فحَسْْْب، بل تعلن أنّه رجلٌ كافر وملحد. وهذه الكلمات الواردة في الزيارات، والمبثوثة بين الناس، إنّما هي في صدد مواجهة مَنْ ينفي الشرعيّة عن قيام الإمام الحسين، ويسِمُه بأنّه خروجٌ على خليفة العصر والزمان، فتوضِّح أنّ ثورته كانت في سبيل الله، وأنّ الجبهة المقابِلة للإمام الحسين× كافرةٌ ملحدة، وهي في الإجمال فاقدة للشرعيّة. وهذا هو ما عبَّر عنه بعض الكتّاب حين قالوا: إنّ ثقافة الشهادة والفداء ملحوظةٌ في مواطن متعدّدة من الزيارات المأثورة. فالقتل في سبيل الله، وعلى منهج رسول الله ودين الحقّ، وتحصيل السعادة في ظلّ الشهادة، والطرح الجادّ لهذه المسائل…، يتعارض مع الدعايات المُغْرِضة التي عرَّفت شهداء كربلاء، ومن قبلهم سيّد الشهداء، بوصفه باغياً على الخليفة، وخارجاً عن الشرعيّة([63]).

لقد وردت هذه الصفات والأعمال في الزيارات المأثورة؛ بغية إحباط الدعايات المغرضة. وهي شهادةٌ على أنّ الحسين× وأصحابه كانوا مجاهدين في سبيل الله، وأنّ قتالهم ليس إلاّ جهاداً مقدَّساً ضدّ الباطل([64]).

 

الخلاصة ــــــ

بما أنّ أهل السنّة اعتبروا أنّ الثورة الحسينيّة فاقدةٌ للشرعيّة فقد عملوا على التعريض بها، معتبرين أنّها قيامٌ وخروج على الخليفة. لذا فقد عملنا من خلال إبطال ما استندوا إليه على إبراز كون أساس هذه الثورة مشروعاً، وسعينا في هذه المقالة ـ من خلال تحليل هذه الثورة ـ إلى بيان شرعيّتها من خلال اتجاهين رئيسين.

في الاتجاه الأوّل أوضحنا أنّ مكافحة الظلم والفساد المتفشّي ومواجهة البِدَع التي أُوجدت في الدين الإسلامي هي وظيفة كلّ مسلم. وهذه الوظيفة تندرج في قالب فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبطبيعة الحال فإنّ هذه الوظيفة ستكون أوجب وأعظم على الإمام الحسين×؛ باعتبار أنّه هو الذي نشأ وترعرع في منزل الوحي، وهو الذي يقع على عاتقه أمر هداية الناس نحو طريق الحقيقة؛ بوصفه إماماً للمسلمين. وطبقاً للرواية النبويّة الشريفة فإنّ السكوت على هذا الأمر يعدّ اشتراكاً في ظلم الظالم، الأمر الذي سيعقبه عقوبةٌ عظيمة. وقد بيَّن الإمام× للناس بأنّ ثورته أمرٌ مشروع، وذلك من خلال استناده إلى هذه الرواية الشريفة.

أمّا في الاتجاه الثاني فأهمّ ما يضفي الشرعيّة على الثورة الحسينيّة هو أنّ حقّ الحكم والحكومة على الناس كانت ملقاة من جانب الله عزَّ وجلَّ على عاتق أهل البيت، ومن جملتهم: الإمام الحسين×. فإذا ما توفّرت الأرضيّة الصالحة للتحقّق العيني لهذه الحاكميّة كان واجباً عليهم أن يستلموا زمام أمر الحكومة في المجتمع. من هنا نجدّ أنّ الإمام الحسين× حين وجد الظروف مناسبة ـ حتّى ولو على نحو الظاهر، ومن أجل إتمام الحجّة ـ سعى لتحقيق هذا الحقّ الإلهي. ومع إعلان أهل الكوفة والبصرة استعدادهم لنصرته، وحصوله ـ في النتيجة ـ على التأييد الشعبيّ، حاول بذلك أن يرسي قواعد حاكميّته في المجتمع.

 

الهوامش

(*) باحثٌ في التاريخ الإسلامي.

([1]) ابن تيميّة، منهاج السنّة 2: 241.

([2]) تذكرة الخواصّ: 217. ‌

([3]) بحار الأنوار 44: 376. ‌

([4]) عبد الحميد أبو الحمد، مباني سياست (فارسي) 4: 245. ‌

([5]) ابن كثير، البداية والنهاية 8: 174.

([6]) الخوارزمي، مقتل الحسين 1: 180.

([7]) دعائم الإسلام 2: 133، ح468.

([8]) محسن الأمين، مقتل الحسين: 240.

([9]) بحار الأنوار 44: 325.

([10]) السيوطي، تاريخ الخلفاء: 165.

([11]) ابن تيميّة، منهاج السنّة 2: 245.

([12]) بحار الأنوار 44: 326.

([13]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ 3: 48 أو 280.

([14]) المصدر نفسه. ‌

([15]) ابن تيميّة، منهاج السنّة 2: ‌241. ‌

([16]) المصدر السابق: 242. ‌

([17]) المصدر السابق: 241 ـ 242. ‌

([18]) تاريخ اليعقوبي 2: 249. ‌

([19]) الكامل في التاريخ 4: 38.

([20]) منهاج السنّة 2: 241.

([21]) بحار الأنوار 44: 329.

([22]) بعد البحث والتدقيق لم نجد لهذا الحديث أصلاً، وخاصّة بعد الرجوع إلى المصدر المذكور في الكتاب. ولكنْ وجدنا حديثاً شبيهاً به، حيث يقول×: إِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى اللهِ وإِلَى نَبِيِّهِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ أُمِيتَتْ، فَإِنْ تُجِيبُوا دَعْوَتِي وتُطِيعُوا أَمْرِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ. (المترجم) .

([23]) بحار الأنوار 29: 497.

([24]) و. ت. جونز، خداوندان أنديشه سياسي 2: 80، ترجمه إلى الفارسية: علي رامين.

([25]) خداوندان أنديشه سياسي 1 (قسمت دوم): 148، ترجمه إلى الفارسية: جواد شيخ الإسلامي.

([26]) عبد الرحمن عالم، بنيادهاي علم سياست: 180.

([27]) المصدر السابق: 200.

([28]) كتاب نقد، العدد 7: 45.

([29]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 4: 409.

([30]) الكليني، الكافي 1: 301.

([31]) الكافي 1: 302.

([32]) الصدوق، الأمالي: 177.

([33]) حسين علي منتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلاميّة 1: 78.

أقول: نقلها الكاتب مع تصرّف بالنصّ بما يتَّفق مع روح المقالة. (المترجم).

([34]) د. مصطفى كواكبيان، مباني مشروعيت در نظام ولايت فقيه (فارسي): 40.

([35]) الإرشاد 2: 79.

([36]) تاريخ الطبري 4: 266.

([37]) بحار الأنوار 44: 382.

([38]) المصدر السابق: 383.

([39]) المصدر السابق: 325.

([40]) الصدوق، الأمالي: 177.

([41]) المصدر نفسه.

([42]) وسائل الشيعة 18: 144.

([43]) بحار الأنوار 44: 2.

([44]) راجع: المصدر السابق 36: 289؛ 43: 278؛ 44: 16.

([45]) عبّاس القمّي، نفس المهموم: 77.

([46]) تاريخ الطبري 4: 292.

([47]) المصدر السابق: 266.

([48]) بحار الأنوار 44: 326.

([49]) نهج البلاغة: 96، الخطبة 27.

([50]) بحار الأنوار 44: 369.

([51]) موسوعة كلمات الإمام الحسين: 13.

([52]) نهج البلاغة، الخطبة 3 (الشقشقيّة).

([53]) بحار الأنوار 44: 377.

([54]) المصدر السابق: 376.

([55]) المصدر السابق: 326.

([56]) بحار الأنوار 33: 13.

([57]) ابن طاووس، اللهوف: 13 ـ 14.

([58]) ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين: 349.

([59]) الصدوق، معاني الأخبار: 346.

([60]) مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسين×.

([61]) المصدر السابق، أعمال حرم الإمام الحسين×.

([62]) المصدر السابق، الزيارة المطلقة للإمام الحسين×.

([63]) جواد محدّثي، فرهنگ عاشورا (فارسي): 134، 212.

([64]) المصدر نفسه.