جابر بن حيّان، دراسةٌ مختلفة في شخصيّته وتراثه

12 يناير 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
161 زيارة

جابر بن حيّان، دراسةٌ مختلفة في شخصيّته وتراثه

ـ القسم الأوّل ـ

الشيخ جويا جهانبخش(*)

ترجمة: حسن علي مطر

 

(a)      مقدّمة ــــــ

يتردّد اسم «جابر بن حيّان» في أذهان الكثير منّا بوصفه «مبدع علم الكيمياء»، و«تلميذ الإمام جعفر الصادق×». بيد أنّ الحقيقة التاريخيّة لجابر هي في الواقع شيءٌ آخر. ولربما كانت أهمّيتها أكبر بكثير من جابر العالم الكيميائي العريق، والذي يُعدّ جزءاً من «تاريخ العلم»، لا أكثر، أو واحداً من شخصيات كثيرة تردَّدت على الإمام الصادق× لتنهل منه معين العلم والمعرفة؛ لسبب وآخر.

ويرتفع منسوب هذه الأهمّية عندما ندرك أننا أمام كمٍّ كبير من التراث المدوَّن والمنسوب إلى جابر بن حيّان، ويحتوي على أمور منسوبة إلى الإمام الصادق×، وهي في بعض الأحيان ذات صبغة عقائديّة ودينيّة، وليست من العلوم التجريبيّة البحتة في شيء أبداً.

إننا في استعراضنا التراث المنسوب إلى جابر نطالع ما يقرب من ثلاثة آلاف شخصيّة بهذا الاسم، لم يبقَ منها سوى مئتين وخمسين عنواناً أو أقلّ([1]). وهذا المقدار ـ كما هو واضح ـ بالغ الكثرة.

وتتضاعف هذه الأهمّية أضعافاً مضاعفة عندما ندرك أنّ وجود هذه الشخصية على المسرح التاريخيّ موضع تشكيك، بل محلّ إنكار من الأساس، وخاصّة أنّ المصادر المتقدّمة لا تؤيِّد كون هذه الشخصية قد درست عند الإمام الصادق×، بل لم تسجِّل لها حضوراً ملموساً في الأندية العلميّة والدينيّة للشيعة من أتباع مدرسة الإمام جعفر الصادق.

وإنّ مجرّد عدم وجود أيّ ذكر لشخص اسمه جابر بن حيّان في أقدم المصادر الرجاليّة والفهارس الشيعيّة المعتبرة، من قبيل: كتاب الفهرست، للنجاشي؛ والرجال، والفهرست، لشيخ الطائفة الطوسي، اللذين يعود تاريخ تأليفهما إلى القرن الهجري الخامس؛ ورجال الكشّي، الذي وصلنا منه ما اختاره الشيخ الطوسي، وبعبارة أخرى: لم يرِدْ أيّ ذكر لهذه الشخصيّة في المصادر الأصيلة المختصّة بهذا الفنّ عند الإمامية، يشكِّل علامة استفهام كبيرة لا يمكن المرور بها مرور الكرام([2]).

كما أنّ التراث المنسوب إلى جابر بن حيان يشتمل على مسائل يشكل أن يكون مداد رجل بتلك الخصائص التاريخيّة المدّعاة هو الذي سطّرها.

خلافاً للكثرة الكاثرة منّا، حيث نمرّ من أمام شبهة حادّة وحاسمة وعريقة تحيط بالحقيقة التاريخيّة لجابر([3]) مرور الكرام([4])، وقلّما كلّفنا أنفسنا عناء الدراسة السطحية في باب الروايات والأعمال المنسوبة إلى هذه الشخصية([5])، نجد المستشرقين قد بذلوا الكثير من الجهود المضنية في هذا المجال. وإنّ كتاب (الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة)([6])، لمؤلِّفه: بيير لوري، هو واحد من تلك الدراسات والأبحاث المضنية، والتي هي بلا أدنى شكّ جديرةٌ بالقراءة لكلّ مَنْ ينشد المعرفة والتحقيق في شأن جابر بن حيان، والتراث المنسوب لهذه الشخصيّة([7]).

في هذه المقالة نسعى، من خلال كتاب بيير لوري([8])، للتعرّف على تراث (جابر بن حيان) إلى حدٍّ ما. ونعمد في الأثناء إلى إبداء بعض التعليقات أو الإيضاحات التي تنفعنا نحن المحقّقون والباحثون من الشيعة.

رغم أنّ كتاب (الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة) قد ركّز على البحث والتحقيق في التراث المنسوب إلى جابر بن حيان فإنّه لم يجد مندوحةً ـ للدخول في هذه الدراسة ـ من البحث في أصالة وتاريخيّة جابر بن حيان وتراثه المدوَّن.

إنّ القبول بالوجود التاريخيّ لشخصيّة تدعى «جابر بن حيّان»، وارتباطها الحقيقيّ وارتباط المؤلَّفات المنسوبة إليه بالإمام الصادق×، في غاية التعقيد([9]). وإنّ المعلومات الموجودة في هذا المجال تقول: إنّه ربما ولد في القرن الهجري الثاني ضمن المناخ الشيعيّ في العراق، وقد درس على يد الإمام الصادق× في المدينة المنوّرة، وأخذ عنه خلاصة علم الكيمياء، إلى جانب العلوم الكثيرة الأخرى. ثم انتقل إلى بغداد ليعيش بين آل برمك ردحاً من الزمن، ليختفي بعدها إثر المحنة التي ألمّت بالبرامكة منذ عام 187هـ، وظلّ يعيش هذه الحياة المتخفّية حتّى وافته المنية عام 200هـ، وكانت وفاته في عهد المأمون العبّاسيّ([10]).

وقد تمّ توجيه انتقادات وتشكيكات حادّة من قبل الكثير من المحقِّقين إلى هذه المعلومات؛ فإنّ عدم وجود ذكر له في كتب «كبار المؤرِّخين المعاصرين له، الأعمّ من الشيعة والسنة، حيث يبدو أنّه لم يظهر لهذه الشخصية ذكرٌ إلاّ في نهايات القرن الهجري الرابع، من جهة، وصعوبة إثبات نسبة ما جاء من النصوص المنسوبة إلى جابر كشخصيّة تتمتَّع بهذه الخصائص التاريخيّة من جهة أخرى([11])، تضع الكثير من علامات الاستفهام على الوجود التاريخيّ لشخصيّة «جابر بن حيّان»([12]).

إنّنا وإنْ كنّا لا نمتلك دليلاً تاريخيّاً قويّاً على وجود جابر بن حيّان، ورؤيتنا له بوصفه وليد المخيَّلة المبدعة لفئة خاصّة، سنعمد من الآن فصاعداً إلى شرح أوضاعها، وسنواصل تسمية هذه الشخصية ـ رغم فقدانها الوجود الخارجيّ ـ باسم (جابر). وهذا ما فعله بيير لوري أيضاً.

يقول بيير لوري: إنّ سلسلة التراث المنسوب إلى (جابر) يحتمل أن يكون من تأليف جماعة من الكيميائيين، مارسوا نشاطهم لما يزيد على المئة عام، ولذلك فإنه يستعمل الاسم الخاصّ لـ «جابر بن حيّان» للدلالة على الجماعة التي ألّفت هذا التراث؛ لأنّ ذلك يختصر المسافة، ويدنو من حقيقة (جابر)، بوصفه شخصية رمزيّة تمثّل جميع أولئك المبدعين([13]). ونحن أيضاً نفضِّل ـ كما صنع مؤلِّف كتاب (الكيمياء والعرفان في البلدان الإسلاميّة) ـ استعمال اسم (جابر) في هذا السياق والإطار. ونرجو من القارئ الكريم أن لا يؤاخذنا على تعريف هذه الجماعة المجهولة نسبيّاً، والتي أبدعت هذا التراث بهذا الاسم المفرد المألوف، أي (جابر).

إنّ التراث الموجود لـ (جابر)، وإنْ كان في الأصل يعتبره مديناً في علمه ومعرفته إلى الإمام جعفر الصادق×، ويتمّ التصريح بأنّه لولا حضوره عند الإمام الصادق لما تمكّن من بلوغ ما بلغه في علم الكيمياء، ويتمّ الحديث في هذا الأثناء عن صحبة جابر لأساتذة في العلوم الباطنيّة، وخاصّة أساتذة علم الكيمياء، وفي هذا السياق يذكر اسم «الحربي الحميري معمر» و«أذن الحمار المنطقيّ» بتكريم وإجلال كبيرين، كما يتمّ الحديث عن لقاء جرى لـ (جابر) مع راهب كيميائيّ في بادية الشام([14]).

إنّ كلاًّ من: «الحربيّ الحميري» و«أذن الحمار» ـ الذي يقترح باول كراوس قراءة «ذو الخمار» في تسميته كمحتمل ـ شخصيات مجهولة بالكامل([15]). ولربما أمكن القول بأنّها تسميات رمزيّة استعملت للتعبير عن مفاهيم خاصّة([16])، كما هو الحال بالنسبة إلى تسمية «جابر بن حيّان» نفسه، وخاصّة مع النظر إلى الإشكال الموجود حول وجوده التاريخيّ أيضاً([17]).

إنّ ما يرِدُ من تقرير ابن النديم في شأن جابر، إذ يقول: «قالت الشيعة: إنّه من كبارهم، وأحد الأبواب…»([18])، يمكنه أن يأخذ بنا إلى نقطة ومسألة هامّة.

وتلك النقطة هي أنّ (جابر) حيث لا يجد لنفسه أيّ مكانة مرموقة عند المؤلِّفين البارزين والنصوص الرسميّة لخطّ الاعتدال الشيعيّ، وحيث إنه ليس من المقبول عقليّاً أن يهمل هؤلاء المؤلِّفون وتلك النصوص شخصاً على هذا المستوى من الأهمّية، حتى عُرف بوصفه «باباً» من أبواب الأئمّة، ويهملون تراثه، لابدّ أن يكون الشيعة الذين ذكر ابن النديم اهتمامهم بـ (جابر) هم من المنتسبين إلى التيّارات الغالية من التشيُّع. وبعبارة أخرى: إنّ هؤلاء الغلاة هم الذين وصفوا (جابر) بأنه من كبارهم، واعتباره واحداً من «الأبواب». فضلاً عن أنّ أساس التعبير بمصطلح «الباب» و«الأبواب» في مثل هذا المقام من التعابير التي يبالغ تيّار الغلوّ في المجتمع الشيعيّ باستخدامها([19]).

لقد ذكر عددٌ من كتّاب السِّيَر القدامى جابر بن حيّان ملقِّباً إيّاه بـ (الصوفيّ)، وربما كان رائد هؤلاء ابن النديم([20]).

يبدو أنّ لقب «الصوفيّ» في هذا الاستعمال، بالالتفات إلى التراث المنسوب إلى جابر بن حيّان، وقد كان لابن النديم بحكم سابقته معرفة وثيقة بها، يحكي عن مفهوم أخصّ من المفهوم المتعارف منها، وأنّ لها ارتباطاً بتلك الدائرة الفكريّة والثقافة الغالية.

إنّ استعمال هذا المصطلح من قبل ابن النديم لا يبعد عن عصر الحلاّج(309هـ). إنّ الحسين بن منصور الحلاّج النموذج «الصوفيّ» مرتبطٌ بالمحافل الشيعيّة، وبطبيعة الحال فإنه يصنّف من قبل التيّار الرسمي والمدرسي للتشيُّع بوصفه باطنيّاً مبدعاً وغالياً([21]).

بالالتفات إلى ما تقدّم من التراث المكتوب يبدو إلى حدٍّ ما أنّ مفهوم «الصوفيّ» هذا ينطبق على شخصية جابر بن حيّان. وبطبيعة الحال ربما لم يكن الذين أخذوا فيما بعد ينظرون في الرسائل الكيميائيّة لجابر ويقرؤونها ليلتفتوا إلى القيمة المفهوميّة للقب «الصوفيّ» بالمقدار الكافي.

وأيّاً كان فليس هناك أدنى شكّ في الحضور الواسع للعناصر الشيعيّة الغالية في التراث المنسوب إلى (جابر)، والمنسوب إلى تركة التيّارات الغالية القديمة([22]).

بالالتفات إلى قِدَم النصوص المنسوبة إلى (جابر)، والانتماء المحتمل لمطالبها الفلسفيّة والمذهبيّة الهامّة إلى القرن الهجري الثالث، وربما إلى القرن الهجري الرابع، يمكن الحصول من خلال هذه النصوص على معلومات جديدة بشأن المحافل الشيعيّة في الأزمنة البعيدة، وتوظيف هذه النصوص في التعرُّف إلى القدامى من غلاة الشيعة([23]).

إنّ التحقيق الدقيق والمقارن في العناصر والمواد الغالية لتراث (جابر)، على نحو ما نعلمه من تلك المواد والعناصر، وما نعلمه عن الغلاة الأوائل من الشيعة، ليس هو الهدف الرئيس لكتاب (الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة)([24]). فهو مجهودٌ يجب أن يضطلع به المختصّون في شأن الغلاة.

لقد استعرض بيير لوري جوانب من التاريخ والتراث النوعي للكيميائيّين الروحانيين، أو الروحانية الكيميائية. وبطبيعة الحال لا تخلو دراساته من فائدة وإيضاح للتحقيق في الغلوّ.

في الخطوة الأولى علينا أن ندرك أنّ الكيمياء عند جابر بن حيّان ليست هي الكيمياء في العالم القديم، بل هي مزيج من الكيمياء وأمور أخرى.

إنّ الكيمياء التي تطالعنا في نصوص من قبيل تراث (جابر) لا تهدف إلى تغيير المادّة، بل تصبو إلى تغيير الإنسان نفسه، وتسعى إلى تحصيل شيء شبيه بما سيُعرف بعد ذلك بين الصوفيّين المتأخِّرين باسم «الإنسان الكامل»([25]). فهو في الحقيقة تقليد روحيّ يختبئ تحت غطاء من الكيمياء([26]).

إنّ «الكيمياء» كما هي موجودة في رسائل (جابر)، والنصوص التي تنسب إليه، علمٌ يحتوي على أبعاد عرفانيّة([27]) وغنوصيّة، وليست علماً تجريبياً متعارفاً. ومن هذه الزاوية تكون الكيمياء هي «الحكمة العليا». فهو علمٌ يتخطّى الحدود البشريّة، ويعمل على تلبية جميع ما يحتاج إليه الناس. وبعبارة أخرى: هو علم لاهوتيّ يخصّ الأنبياء والأئمّة للوهلة الأولى، حيث يحصلون عليه من طريق الوحي، ويستغنون به عن تحصيل العلم من الطرق البشريّة([28]).

إنّ هذه الكيمياء علمٌ باطنيّ، وإنّ الوصول إلى أسرار هذا العلم يتوقَّف على شرائط. فطالب هذا العلم يجب بالدرجة الأولى أن يكون ورعاً تقيّاً، وأن يُعدّ نفسه لفهم أسرار هذا العلم من خلال العبادة والارتياض([29]).

إنّ الذي يهمل صناعة الكيمياء لن ينجح في التقدُّم، بل سيواصل مسيرته نحو الانحطاط([30]). وفي المقابل فإنّ الكيميائيّ سينجح في نهاية مسيرته ويبلغ مرتبة الأنبياء الكرام([31])، وسوف يستحقّ مرتبة (الخلافة الإلهيّة)، ويتَّصف بمختلف الصفات الإلهيّة([32]).

ويدّعي (جابر) أنه يكشف عن أسرار لم يتمّ الكشف عنها من قبل، وهي أسرار لم يكشفها الأنبياء إلاّ للأولياء، وبالطبع يجب إخفاء هذا العلم عن العامّة من الجهّال([33]).

يكرِّر (جابر) على الدوام أنّه مدينٌ في جميع علومه إلى الإمام الصادق×، وأنّ الإمام الصادق× هو الذي أعطاه الأوامر والتوجيهات في تدوين الرسائل الكيميائيّة العديدة، وحتّى تنظيم البنية العامّة لإحدى مجموعاته العلميّة. ويذهب (جابر) في بعض مؤلَّفاته إلى حدّ القول في وصف أحد كتبه بـ «أنّه لا يحتوي على أيّ معلومة من عنده، وأنه كان مجرّد ناقل وكاتب», وقال في موضع آخر: «إنّ العلم الذي انتقل لي من الإمام الصادق× جعلني مشتقّاً عنه، كما يُشتقّ الابن من أبيه، فأصبحتُ جزءاً منه، وكنتُ منه بمنزلة النصف إلى نصفه الآخر…»([34]).

إن السعادة تغمر (جابر)؛ لأنّ الإمام الصادق× ـ طبقاً لادّعائه ـ قد عمل على إيقاظه من خلال العلوم التي زوّده بها، وأن يحصل على نوع من «التحوُّل»، وأن يتوصّل إلى التسامي الروحيّ، وأن يبلغ من خلال اتّباعه الإمام الصادق مرتبة لم يبلغها عند أيٍّ من أساتذته الآخرين([35]).

إنّ الإطار التاريخيّ للكثير من رسائل الكيميائيّين في التاريخ القديم هو حصيلة الخيال الجامح لأولئك الذين كانوا يسعون إلى إظهار مرجعيّة روحيّة لتعاليمهم الكيميائيّة. فإنّ النصوص الكيميائيّة الأولى التي كتبت باللغة الإغريقية تنسب إلى تعاليم ذيموقريطس، أو الوحي الذي نزل على إيزيس وهوروس وهرميس ونظائرهم. وإنّ هذه النسبة الروحانية والمعنويّة إنّما هي أسلوب رمزيّ يسعى إلى إظهار هذه النصوص والتعاليم منتمية إلى تيّار فلسفيّ أو دينيّ([36])، وأنّها تجاوزت حدود ومستوى التجارب البشريّة البحتة.

طبقاً لدعوى (جابر) فإنّ نشر وترويج التعاليم الكيميائية رسالة مقدّسة، حمّلها الإمام الصادق× إيّاه. وإنّ هذا امتدادٌ مباشر لرسالة الإمام الصادق×([37]).

يرى (جابر) أنّ انتباهه إلى الرسالة الملقاة على عاتقه تمرّ عبر رؤيا أيَّدها الإمام، وعبّر عنها ضمنيّاً([38]).

إنّ تراث (جابر) يعمل على تصويره بوصفه نائباً للإمام، بل وحتّى بوصفه مرجعيّة مستقلّة أيضاً([39]). ويدّعي أنّ سلسلة من المعارف الخفيّة والسريّة التي كان يتمّ تبادلها بين جماعة من الخواصّ، منذ عصر جرجيس إلى عهد (جابر)، قد انتهت في هذه المرحلة الزمنيّة إلى (جابر). وفي الحقيقة فإنّ هذه السلسلة قد خُتمت به؛ وذلك لما كان يتَّصف به (جابر) من الكرم، فلم تسمح له نفسه كتمان ما حصل عليه من هذه الأسرار، فعمد إلى كشف بعضها، واكتفى بإظهار البعض الآخر بعد تشفيره([40]).

لقد عمد (جابر) صراحةً إلى تطبيق الإكسير الأعظم، الذي يجعل من تحويل المعادن الوضيعة إلى عسجد وذهب، على شخصية الإمام الشيعيّ([41])، فإنه يقارب ظهور الأئمّة من خلال تحليل كيميائيّ، ويقول: «عندما يتفاعل موضع تكوين الكائن بالزمان الدقيق لـ (تكوينه) فإنّ التركيب الحاصل ـ سواء في النباتات أو الأحجار ـ لن يعتريه الفساد. وإنّ الأئمّة الأتقياء (سادة الأبرار) سيكتب لهم الوجود في العالم الحيواني»([42]).

كما أنّ لأقوال التناسخ ـ التي كانت سائدة بين الكثير من قدامى غلاة المحدِّثين([43]) ـ حضوراً كبيراً في تراث (جابر). وفي هذه الرؤية لابدّ لكي تطهر النفوس من الأدران والجهل من أن تمرّ بالعديد من عمليّات التناسخ. فالشخص الذي يقضي عمراً كاملاً بالمعاصي والأخطاء قد يحلّ في هيئة حيوانية أو كائن غير بشريّ آخر، وإن اجتياز مرحلة المسخ (العبور من خلال هيئة حيوانية) ومرحلة الرسخ (التحوّل إلى أشكال جمادات وأحجار) ضروريّة لبعض النفوس([44]). فلابدّ للنفس من أن تمرّ بعمليّة انتقالية متكرِّرة حتّى تصل إلى الحدّ الأعلى من الطهر، وتعود إلى ذات الهيئة التي كانت عليها قبل الهبوط إلى عالم الكون والفساد([45]).

يعمد (جابر) إلى طرح أفكاره بشأن التناسخ على شكل بحثٍ كيميائيّ. ويرى أنّ التكرير والتناسخ المتجدِّد بمنزلة تكرار العمليّات الكيميائيّة، من قبيل: التكرير والتقطير؛ لتخليص مادة معيَّنة حتى تصل إلى أعلى درجات الصفاء والنقاء. إنّ المفردات والمضامين المشتركة تمنح (جابر) القدرة على توظيف هذه الرموز([46]).

إنّ النفوس الظلمانيّة التي تستحق المسخ الجديد ـ في الرؤية التناسخية لـ (جابر) ـ حتى إذا أتيح لها اللقاء بشخص الإمام فإنّها لن تتعرَّف إلى هذا الإمام. وكما أنّ المواد الكيميائية المشوبة وغير الخالصة تحتاج إلى العديد من عمليّات التكرير يجب على هذه النفوس أن تتحمَّل العقوبات القاسية كيما تتحرَّر من الظلمات التي لوَّثت فطرتها([47]).

ويتمّ التعريف بالإمام الصادق× في تراث (جابر) لا بوصفه مجرَّد إمام، بل يتمّ التعاطي معه بوصفه متمتِّعاً بمنزلة النبوّة، وأنّ له منزلة زائدة على غيره من الأئمة^، إذا استثنينا الإمام علي×. وفي هذا الإطار يتمّ التعريف بمجموعة الرسائل الكيميائيّة لـ (جابر) بوصفها «معجزة» الإمام الصادق×، وأنّها تنطوي على كيفية نبويّة([48]).

إنّ نسبة النبوّة إلى الإمام الصادق× فكرة غالية، لها ملف تاريخيّ واضح نسبيّاً. يُفهم من التقارير أنّ هذا البحث كان من الغليان بين عددٍ من الغلاة في عصر الإمام نفسه، بحيث إنّ شرره كان يصل حتّى إلى أكناف الخطوط المعتدلة من الشيعة أحياناً([49]).

روى (جابر) في واحدة من رسائله أنّه كان ينشد علماً خاصّاً على يد الإمام جعفر الصادق×، وقال: «هويتُ إلى السجود بين يديه، ثمّ قال: إنْ سجدتَ أمامي فاعلمْ أنّك ستكون من السعداء، وقد سبق لأسلافك أن سجدوا بين يديّ. ولكنْ يا جابر، إنّك بسجودك أمامي إنّما تسجد في الحقيقة لنفسك. واللهِ إنّ منزلتك لأكبر من ذلك (من أن تسجد لغير نفسك)، ولكنّني سجدتُ، ثمّ قال: يا جابر، واللهِ، إنك لا تحتاج إلى ذلك، فقلتُ: أنتَ على حقٍّ يا مولاي، قال: إنّني على علم بما تريد، وأنت على علم بما أريد، فاعمل بما تريد»([50]).

إنّ هذه الحكاية تشتمل على الكثير من العناصر الغالية وأعمال الغلاة المعروفة، من قبيل: السجود بين يدي الإمام، ودعوى قدم الإمام والامتداد التاريخيّ لوجوده، بالنحو الذي يتيح لأسلاف (جابر) التمكُّن من مثل هذا السجود، وادّعاء نوع من عدم الافتقار واستغناء الشخص الغالي عن الأعمال العباديّة بعد بلوغه درجات عالية من المعرفة، وخاصّة معرفة الإمام، وارتباط واتّصال الشخص الغالي بشخصيّة الإمام والاتّحاد به، أو (الفناء فيه)، أو (الامتلاء منه)([51]).

يتحدّث (جابر) عن الإمام بمثابة التشخُّص والتفرُّد «الصادر الأوّل»، والواسطة الكونيّة بين وحدة الذات الإلهيّة وبين كثرة العالم المخلوق. ويعتقد بأنّ الإمام في الوقت الواحد يمتلك ماهيّة لاهوتيّة، ويمتلك ماهية ناسوتيّة أيضاً([52]). ويدعم كلامه هذا باستدلالٍ يناسب مذاق أهل الكيمياء([53]).

طبقاً لتراث (جابر) فإنّ كلّ شخص ملكوتيّ واحد يمكنه أن يكون متكثِّراً، بمعنى أنّ الأشخاص الذين هم آحاد بحسب الذات يتفاوتون ويتكثَّرون في المراتب (النبيّ والإمام…) في زمن الحضور. ويمكن لهذا الأمر أن يحدث بالنسبة إلى المكان أيضاً، وذلك بأن يظهر الشخص الواحد في الوقت الواحد في قوالب وصور مختلفة([54]).

أستبعد أن لا تذكِّر هذه الرؤية القارئ الكريم بتلك الرواية غير المعتبرة التي تذكر أنّ أمير المؤمنين عليّاً× كان ضيفاً في ليلةٍ واحدة في منازل مختلفة (أربعين([55]) أو سبعين([56]) منزلاً)([57]).

إنّ الأحرف الثلاثة، وهي: «ع»، و«م»، و«س»، الموجودة عند بعض التيّارات الشيعيّة الغالية، وخاصّة النصيريّة، والتي تحمل دلالات رمزيّة، نجدها حاضرة في تراث (جابر) بقوّة. فالميم تعني محمد|، وهي في ذلك الاستعمال الرمزيّ تعني المبلِّغ للشريعة، وظاهر الديانة. والعين تعني عليّ بن أبي طالب×، وتعمل على استعراض التعليم الباطني والعميق للدين. والسين تعني سلمان الفارسيّ. ويساعد المؤمنين في الحصول على العين إدراكُ تعاليم العين. وفي تراث (جابر) هناك أفضليّة لا تنكر للعين على الميم، فالميم تحصل على العلم من خلالها. وكذلك النسبة بين الشريعة والتعليم الباطني والعرفانيّ تطرح بوصفها تشكِّل نسبةً بين الميم والعين([58]).

ليس «الإمام في رؤية (جابر) مقدَّماً على النبيّ» فحسب، «فالنبي بالتالي لا يقوم بغير إظهار وتعليم سرّ الإمام الذي هو الصادر الأوّل عن الله، وهو سرّ الوحدة»([59]). ففي تراث (جابر) يعتبر الإمام عليّ× أفضل من النبيّ محمد|. وإنّ هذه الأفضلية تحكي عن أفضليّة الباطن؛ إذ إنّ النبي محمد| في هذه الرؤية ليس سوى حامل للكلام الإلهيّ، وإنّ نسبته إلى الباطن كنسبة الاسم إلى المعنى([60]).

يتمّ السعي في تراث (جابر) إلى تبرير هذه الرؤية ـ المقبولة عند الغلاة، من قبيل: الإسحاقية، والنصيريّة، والتي ظهرت على بعض التيّارات الإسماعيليّة، وبين نزاريّة قلعة ألَموت في القرن الهجريّ السادس([61]). وجلّها مستدلّة بالمقدار الممكن([62]). وإنّ نفس الاستماتة في الاستدلال والسعي إلى إقناع الخصم على جانب كبير من الأهمّية، ويحتمل أن يكون مؤشِّراً على احتدام جدل عنيف في أروقة الغلاة في القرن الهجري الثالث والرابع حول هذه المفاهيم([63]).

إنّ قلب سلسلة المراتب المعنويّة ـ الذي يغلب في الفكر والتراث الغالي ـ يظهر في تراث (جابر) بوضوح. والمثال على ذلك: «ماجد»، الذي هو من الشخصيات الملكوتيّة، ومن المراتب المعنويّة في المنظومة اللاهوتية لـ (جابر)، والذي يتوصّل من خلال جهوده وتضحياته إلى أقرب مستويات العلم بـ «الإمام»، ويحصل من وجهة نظر (جابر) على منزلة أسمى من منزلة سلمان، الذي هو «باب»، بل وحتّى أفضل من محمّد|، وهو «نبيّ» و«ناطق»([64]).

كما أنّ تصوير (جابر) لمرحلة آخر الزمان ملفتٌ للانتباه. فهو يقول: «إنّ قيام حكومة القائم ليست شيئاً آخر غير استكمال جهوده في إعادة الحياة إلى العلوم الباطنية». كما هناك إشارات وتلميحات في أنّ تدوين هذه الآثار هو نوع من التمهيد لظهور القائم([65]).

إذا قلنا بتقسيم المهدوية الشيعيّة إلى ركنين: معرفيّ؛ وسياسيّ([66])، فإنّ تراث (جابر) يميل إلى «الركن المعرفيّ» إلى حدٍّ أكبر.

من وجهة نظر (جابر) فإنّ الناس في حياتهم الاعتيادية ليسوا سوى نوع من البذور أو النماذج البشريّة الخام، التي تتحمل فترة طويلة من مراحل التناسخ، حتى ترى تحقُّقها الفرديّ والجماعيّ في آخر الزمان في شخصيّة القائم. وهذا هو التوجّه العامّ لدى جميع البشريّة؛ إذ تهدف إلى إنتاج «الإنسان الكبير»([67]).

وبهذه التفاصيل فإنّ لآخر الزمان وظهور القائم من وجهة نظر (جابر) معنى رئيسيّاً وباطنيّاً خاصّاً([68]).

وفي كتاب (جابر) (إخراج ما في القوّة إلى الفعل) نواجه نموذجاً من التفسير الغالي، الذي لا يشتمل على ما يتلاءم مع صورة الآية، كما هو حال الكثير من تفاسير الغلاة الأخرى، حيث يعمد جابر إلى تفسير الآية 258 من سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَاْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ خلافاً للتفسير والفهم المتعارف، القائل بأنّ الحوار في هذه الآية يدور بين النبيّ إبراهيم× وطاغية عصره النمرود الملك الكافر. بل يذهب جابر إلى القول بأنّ الحوار يدور في هذه الآية بين إبراهيم×، الذي هو بحسب المصطلح (ميم) عصره، وأمير المؤمنين عليّ×، وأنّ المراد من «الذي كفر» ـ الكافر أو الكفّار الذين ابتلوا بالبهت ـ «الحضور الأعمى» «الذي كان متواجداً هناك»، «لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم». من وجهة نظر (جابر) فإنّ الإمام في كل عصر هو أفضل من «الميم» في ذلك العصر، بحسب القطع واليقين، وإنّ عامل الفعل الكونيّ هو الله، والمحيي والمميت، ومحرِّك الكواكب، هو الظهور البشريّ للعقل الكلّي، والذي يُمكن أن يُنسب إليه كلّ فعلٍ إلهيّ في العالم. وإنّ (جابر) يرى الإمام علي× في هذا الحوار على هذا المستوى من المنزلة والمقام([69]).

والملفت للانتباه أنّ (جابر) على معرفة كاملةٍ بخطبة البيان ـ أي تلك الخطبة الغالية والمنسوبة لأمير المؤمنين، وهي التي يقول العلاّمة عنها بأنها لا يمكن أن توجد إلاّ في كتب الغلاة وأمثالهم([70]) ـ، ومتأثِّر بها إلى حدٍّ كبير. وإنّ الموضع الكيميائيّ من خطبة البيان الموجود في بعض روايات هذه الخطبة قد انعكس في تراث (جابر) مراراً([71]). وإنّ الجلدكي([72])، الذي يحتوي تراثه المكتوب في القرن الهجريّ الثامن على مجموعة كبيرة من ثقافة «الباطنية العمليّة» في الأقطار الإسلاميّة، و«يشتمل على الكيمياء، والعلاج بالسحر، والسحر بالمعنى الخاصّ للكلمة، وأحكام النجوم»([73])، والذي يُعدّ أيضاً من أهمّ مواريث جابر بن حيان، قد كتب شرحاً على المواضع الكيميائيّة من خطبة البيان، وقد قام هنري كوربان بتحقيقها([74]). وهذا هو الجدول البيانيّ لاهتمام هذه النحلة بهذا النصّ المنتحل من قبل الغلاة.

إنّ تعقيب (جابر) على ذكره لاسم الإمام الصادق× بعبارة «صلواته علينا»([75])، يذكِّرنا بأسلوب بعض الفرق الغالية في ثنائها على الإمام([76]). وكأنّ الداعي بهذا النوع من العبارات لا يرى نفسه في تلك المرتبة، وبعبارة أخرى: لا يرى الإمام قريباً من التناول، بحيث لا يمكنه الثناء عليه([77]).

لقد عمد (جابر) إلى بيان وتقرير الاختلافات التي احتدمت بين الفرق الشيعيّة حول الإمامة، ملتزماً في ذلك أقصى درجات الاحتياط والحذر، حيث إنه لا يصدر أيّ موقف منحاز في ما يتعلَّق بامتداد الإمامة في نسل الإمام الحسن أو الحسين، وكذلك الموقف من محمّد بن الحنفية، وما ظهر من الخلاف في شأن خلافة الإمام الصادق×، فكان في ذلك مجرّد راوٍ للأقوال والآراء فقط([78]).

يبدو أنه ـ مع الأخذ بنظر الاعتبار إيمانه بتكثُّر «الشخص» الروحاني، وإمكان ظهوره في أوقات وأزمنة مختلفة، وبصور متفاوتة ـ كان يعمل في هذا التقرير على توزيع أدوار الإمام بين عدّة أوصياء في وقتٍ واحد، ويتحدّث عن إمامة يمكن أن تكون في وقتٍ واحد على عاتق الإمام الحسن×، ومحمّد بن الحنفية، وزيد بن عليّ×، والإمام الصادق×، وابنه إسماعيل. ويعتقد بأنّ كلتا هاتين الهيئتين اللتين هما إمام في ذاتهما شيءٌ واحد([79]).

إنّ مثل هذه الرؤية الثنائية والازدواجيّة في باب الإمامة نعرفها لدى بعض الفرق والجماعات المتطرِّفة، والمنتسبة إلى التشيُّع، مما يُشير إلى بعض التكهُّنات، ويُثير بعض الشكوك. طبقاً لنقل الأشعريّ فإنّ الخطّابيّة كانت تذهب إلى الاعتقاد بوجود إمامين ـ نبيّين في كلّ جيل: أحدهما: ناطق؛ والآخر: صامت. كما يمكن لنا مقارنة عقيدة (جابر) بوجود إمامين متعاصرين بما عليه بعض الغلاة والإسماعيليّة، من القائلين بالتمايز بين الإمام المستقرّ والمستودَع، والتي سيستفيد فيها الإمام المستودَع من علم الإمام المستقرَ، وينتفع أيضاً بمرجعيّته التعليميّة والتنفيذيّة، ولكنّه لا يستطيع توريث الإمامة إلى نسله. فربما كان (جابر) يذهب إلى القول بوجود هذه النسبة بين الإمام الحسن× ومحمّد بن الحنفية، أو القادة الآخرين، الذين يمكن القول بإمامتهم المتزامنة. بيد أنّ النصوص الموجودة، والتي تمثِّل تراث (جابر) من الإبهام والغموض بحيث تجعل التوصُّل إلى نتيجةٍ قطعيّة في غاية التعقيد والتعذُّر([80]).

وفي الجملة يبدو أنّ الرؤية الباطنيّة المطروحة من قبل (جابر) لا توسِّع من الشرخ القائم بين الفرق الشيعيّة، ولا تحصر الطريقة المعنويّة في اتّباع هذا الإمام أو ذاك، وكأنّها من هذه الناحية تنتمي إلى تشيُّع «عامّ» أو «شامل»([81]).

إنّ من الأقوال المطروحة من قبل المحقِّقين حول تراث (جابر) القول بأنّ (جابر) وتراثه كان ينتمي إلى الخطّ والاتجاه الفكريّ للإسماعيليّة. وحتّى باول كراوس كان يصرّ على القول بأنّ التراث المنسوب إلى (جابر) هو من تأليف الباطنيّة من القرامطة ـ الإسماعيليّة، وأنّه يهدف إلى غايات سياسيّة ـ دينيّة، وتبشِّر بظهور مهديّ يحتمل أن يكون المراد منه هو الخليفة الفاطميّ الأوّل، وينبئ بتأسيس مذهب جديد ناسخ للشريعة المحمّديّة([82]).

والرأي الإيجابيّ الذي يُبديه (جابر) في ما يتعلَّق بإمامة الإمام موسى الكاظم×، مضافاً إلى عدم تصريحه بإمامة محمد بن إسماعيل، يُبعد شبهة واحتمال انتسابه إلى الإسماعيليّة والقرامطة([83]). كما أنّ رؤيته لإمامة إسماعيل لا تنسجم مع رؤية الإسماعيليّين أنفسهم([84]).

إنّ فقدان الاتّجاه السياسيّ في طرح مسائل الإمامة([85]) من جهة، وعدم انسجام الرؤية الغالية للغاية لـ (جابر) تجاه الإمام علي×، والمشتملة على تفضيله على النبي محمد|، مع الرؤية الرسميّة للإسماعيليّة([86]) من جهة أخرى، يجعل من ارتباط هذا التراث بما توهَّمه بول كراوس من التمهيد للثورة السياسيّة للإسماعيليّة، وتأسيس الحكومة الفاطميّة، أمراً مستبعداً.

بيد أنّ رؤية (جابر) الغالية جدّاً للإمام علي×، وتفضيله على النبي محمد|، مقرونةً بالتعاليم التناسخيّة الموجودة في تراث (جابر)، تكفي للدلالة على أنّه لا يمكن أن يدخل في عداد الإماميّة الاثني عشريّة أيضاً([87]). هذا بغضّ النظر عن رؤيته حول جريان مراحل الإمامة في مجموعات سباعيّة. وأيّاً كان المراد من ذلك([88]) فإنّه لا ينسجم مع النمط الفكريّ للإماميّة الاثني عشرية([89]).

ومن النقاط الملفتة للانتباه في تراث (جابر) ـ والتي لا تبتعد عن المسائل المتعلِّقة بالمذاهب والفرق ـ مسألة حضور أخوين رمزيّين في واحدة من مؤلَّفاته، حيث يتنبّأ (جابر) بظهورهما ـ رواية عن الإمام الصادق× ـ بعد 183 عاماً من رحيل الإمام السادس(148هـ)، أي حوالي عام 330هـ، وفي المرحلة التي يقول فيها: إنّ قائم العصر سيطبِّق العدالة([90]).

لا ننسى أنّ عام 330هـ هو العام الثاني من بداية «الغيبة الكبرى»، طبقاً لرواية الإمامية الاثني عشريّة؛ حيث بدأت الغيبة الكبرى عام 329هـ. وهنا تطرح التساؤلات التالية نفسها: هل كان حصول هذا الاقتران بمجرّد الصدفة؟ ألا يدلّ ذلك على استباق لحدث متوقَّع في بعض المحافل الشيعيّة؟ هل هو تاريخ أخذ بعد وقوع الغيبة من قبل الذين أوجدوا تراث (جابر)، وتمّ توظيفه في هذا السياق؟

يطرح بيير لوري ما يُشبه هذه التساؤلات، ولكنّه يصرِّح بأنه «لا يوجد أيّ دليل يمكن لنا الاستناد إليه لإصدار الحكم في هذا الشأن بضرس قاطع»([91]).

وخلافاً لما ذهب إليه باول كراوس، من القول بأنّ جانباً كبيراً من تراث (جابر) هو في واقعه منشورات إعلاميّة قرمطيّة ـ إسماعيليّة ظهرت في إطار ثورة سياسيّة، يذهب بيير لوري إلى الاعتقاد بأنّ هذه السلسلة جاءت في سياق ثورة ثقافيّة ـ دينيّة، لا ربط لها بثورات القرامطة، ولا بثورات الإسماعيليّين الفاطميّين. من هنا فإنّ هذه السلسلة لا تتضمَّن إشارات في معرفة الإمام التي تشتمل على انعكاسات وتبعات تاريخيّة أو سياسيّة إلاّ في ما ندر، وإنّ (جابر) لا يبدي أيّ مجهود بارز في سياق الحديث عن «المرجعيّة السياسيّة» للأئمّة في المجتمع الإسلاميّ([92]).

هناك في تراث (جابر) عناصر تذكِّرنا بالأفكار الإسماعيليّة، أو موارد شبيهة بمعتقدات النصيريّة([93])، أو مفاهيم تتجلّى في الحدّ الأدنى منذ عصر أبي الخطّاب في بعض التيّارات الغالية([94]). ولكن يبدو أنّ هذا التراث لم تبدعه أيٌّ من هذه الخطوط والتيّارات المحدَّدة. والذي يمكن قوله بشكلٍ مختصر ـ وعلى حدّ تعبير بيير لوري ـ هو أنّ «هذه السلسلة، سواءٌ من حيث المسائل المطروحة أو من ناحية أسلوب طرحها، تعكس بعمق اهتمامات محافل الغلاة في القرنين الثاني والثالث للهجرة»([95]). وطبقاً لاقتراح بيير لوري بشأن هذه السلسلة يجب أن نذكر تيّاراً سابقاً على الإسماعيليّة، أو يمكن القول: إنّ هناك حركة «متقدِّمة على النصيريّة» (Preـnusayrie)([96]). يبدو أنّ بيير لوري يذهب إلى الاعتقاد بأنّ تراث (جابر) قد نشأ وظهر في مهد بعض الأفكار والتيّارات التي انتظمت فيما بعد ضمن العقائد النصيريّة.

يذهب بيير لوري ـ استناداً لبعض القرائن ـ إلى الحدس بأنّ هذا التراث يوجِّه خطابه إلى محافل أنصاف الأذكياء، التي كان التشيّع الغالي يستقطب منها الجزء الأكبر من أنصاره وأتباعه وأعضائه الرئيسيّين، أي: الحرفيّين، والصنّاع، والأطبّاء، والعطّارين، و«صغار الأمراء» المحليّين، ونظائر هؤلاء([97]).

وقد صرّح بيير لوري بأنّ «التشيّع الجابريّ؛ حيث لم يجد حاضنة اجتماعيّة متماسكة، يحتمل أن يكون قد استهلك فيما بعد، وتمّ احتواؤه من قبل تيّارات أقوى منه، من قبيل: الإسماعيليّة، والنصيريّة، والإسحاقيّة، والتصوُّف أيضاً»([98]).

وإذا تجاوزنا المورد الخاصّ لتراث (جابر) المدوَّن فإنّ التحقيقات تزيح الستار عن «الروابط المحدَّدة» التي كانت قائمة بين «الكيمياء» و«التشيُّع الغالي»، وتثبت أنّ (جابر) لم يكن وحده الشخص (الحقيقيّ أو المنتحل) الذي اختصّ بالكيمياء، وأظهر من نفسه نزعة شيعيّة غالية.، بل كانت هناك شخصيّات أخرى، من أمثال: «السائح العلوي»، أو «ابن [أبي] العزاقر [محمد بن علي الشلمغاني]، مؤلِّف أربع رسائل في الكيمياء»، أو «أبي يعقوب السجستاني الإسماعيليّ، الذي يُنسب إليه كتاب الغرائب في معنى الإكسير»، وكذلك «ابن أُميل (الكيميائيّ) الكبير»([99])، وهي شخصيات يمكن ذكرها في هذا السياق أيضاً([100]).

ـ يتبع ـ

الهوامش

___________________

(*) باحثٌ متخصِّص في مجال الكلام والحديث، وله عدّة دراسات تحقيقيّة وتراثيّة قيِّمة.

([1]) انظر: دانشنامه جهان إسلام 9: 168.

([2]) انظر: دانشنامه جهان إسلام 9: 168؛ دائرة المعارف تشيّع 5: 245، ط2؛ ياد داشتهاي قزويني 2: 129، إعداد: إيرج أفشار، ط3، طهران، انتشارات علمي؛ الميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري الإصبهاني، روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات 2: 218، مكتبة إسماعيليان، قم وطهران.

وعلى الرغم من ذهاب السيد محسن الأمين إلى القول بتعلّم جابر بن حيّان عند الإمام الصادق×؛ استناداً إلى الروايات والنصوص المتفرّقة، إلاّ أنّ كلامَه، (والإشكالَ) الذي يذكره في البداية، ويعود إلى تكراره في الختام أيضاً، دون أن يضع له حلولاً شافية أو مقنعة بطبيعة الحال، كلامٌ متين؛ إذ يقول: «…لم يذكر أحدٌ من أصحابنا الذين ألّفوا في رجال الشيعة وأصحاب الأئمّة ـ كالطوسي، والنجاشي، ومن عاصرهم أو تقدّمهم أو تأخّر عنهم ـ جابر بن حيّان من تلاميذ الصادق، ولا من أصحابه، ولا ذكروه في رجال الشيعة. وهم أعرف بهذا الشأن من غيرهم». (أعيان الشيعة 1: 669، حقّقه وأخرجه: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت).

وقد عزا العلامة الشوشتري في (قاموس الرجال 2: 507 ـ 508، ط2، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم، 1410هـ) عدم ذكر جابر بن حيّان في الفهرست ورجال شيخ الطائفة الطوسي، وفهرست النجاشي، إلى غفلة هذين العلمين عن تقريرات ابن النديم. وللأسف الشديد فإنّ الشوشتري لم يعتنِ بالغموض الكبير الذي يكتنف السيرة التاريخيّة بشأن (جابر)، والذي نرى جوانب منه في كتاب ابن النديم نفسه، وعدم رواية كبار الإمامية عنه، والتي لا يمكن أن تخفى على متتبِّع خبير مثل: العلاّمة الشوشتري. ولو أنه أعطى هذه الأمور مزيداً من اهتمامه لما نسب الغفلة على هذا النحو للشيخين: الطوسي؛ والنجاشي.

والحقيقة أنّ العلامة الشوشتري على الرغم من مكانته الرفيعة في مجال اختصاصه يبدو متسامحاً في ما يتعلَّق بفنون وحقول المعرفة الشيعيّة القديمة، وإلاّ فإنّه ـ من باب المثال ـ ما كان ليأخذ كتاب (مغز متفكّر جهان شيعة)، لمؤلفه ذبيح الله منصوري، في باب المفضّل بن عمر الجعفي، مأخذ الجدّ، ولما استند إليه. (انظر: قاموس الرجال 10: 218، ط1، مؤسسة النشر الإسلاميّ، قم، 1422هـ؛ وكتاب توحيد المفضل: 13 ـ 39، ترجمة: الملا محمد باقر المجلسي، وتقديم: محمد تقي الشيخ الشوشتري، انتشارات فقيه، طهران، 1366هـ.ش).

لقد كان ذبيح الله حكيماً إلهيّاً، وهو المعروف بـ (ذبيح الله منصوري) (1274 ـ 1365هـ.ش) كاتباً معروفاً بعدم أمانته في الرواية والترجمة، بل لم يكن ليتورّع عن الوضع والتدليس أيضاً. (انظر: إسماعيل جمشيدي، ديدار با ذبيح الله منصوري: 277 ـ 283، 327 ـ 329، 337 ـ 338، 356، 363، 395، 402، 413 ـ 418، 434، 436، ط4، انتشارات زرّين، طهران، 1375هـ.ش). وفي الحقيقة لم يكن ذلك بسبب الترجمة (بالمعنى الصحيح للكلمة)، التي لم يكن على دراية كافية بها (انظر: المصدر السابق: 401، 433، 434)، بل من خلال نوع النقل العصريّ (قارن: المصدر السابق: 423)، والخيال الجامح، وفبركة القصص، والتغيير الفاحش في النصوص الموجودة أو الموهومة ـ أحياناً ـ، مما كان يعمد إلى ترجمتها، ويلهي العديد من القرّاء بقراءتها.

وعلى أيّ حال فإنّ وقاحة وجرأة ذبيح الله منصوري في الوضع والدّس، ويبدو أنّ الظروف والحاجة المادّيّة والمعاشية وخلفيّته المهنيّة ـ أي التهميش في بعض الصحف التي يقرأها العامّة ـ كان لها تأثير كبير على ذلك، وغياب ردود الفعل الواسعة، وعدم الاهتمام الاجتماعيّ والثقافيّ الكافي في مجتمع المخاطّبين والقارئين له، أدّى بالتدريج ببعض الفضلاء من الجامعة وغيرها إلى حمل تلفيقات هذا الكاتب الزاخر في العطاء على محمل الجدّ، ويولونها مزيداً من الاهتمام (انظر النموذج: المصدر السابق: 428 ـ 430).

إنّ كتاب (مغز متفكّر جهان شيعه: إمام جعفر صادق×)، والذي نسبه ذبيح الله منصوري إلى (مركز الدراسات الإسلاميّة في إستراسبورغ) [كذا]، وادّعى ترجمته واقتباسه (انظر: مغز متفكر جهان شيعه، صفحة العنوان، ط2، سازمان جاب وانتشارات جاويدان، طهران، 1355هـ.ش)، أو تفصيل وبسط موضوعاته ومسائله (انظر: المصدر السابق: 18)، واحد من هذه المؤلَّفات المنتحلة من قبل هذا المؤلِّف الذي يمتهن فنّ الحواة. ورغم البحث الحثيث في المكتبات الغربيّة، والاستفسار من مشاهير المستشرقين الفرنسيّين ـ وحتّى التحقيق الشفهيّ مع ذبيح الله منصوري في حياته ـ، لم يتمّ العثور على أثر لكتابٍ يمكن اعتباره أصلاً لهذا العمل (انظر: ديدار با ذبيح الله منصوري: 430 ـ 434). نعم، تمكّن أحد المحقِّقين في نهاية المطاف من العثور على رسالة لا تزيد على العشر صفحات في استراسبورغ، وأدرك أنّ ذبيح الله منصوري على ما يبدو قد ألّف كتابه البالغ 600 صفحة كتفصيل لهذه الصفحات العشرة (انظر: المصدر السابق: 436).

والملفت للانتباه ـ بناء على بعض الروايات ـ أنّ كتاب (مغز متفكّر جهان شيعة) قد طبع حتى منتصف عام 1365هـ.ش عشر مرات، وبلغ مجموع عدد النسخ المطبوعة لهذا الكتاب طوال هذه المدة 28 ألف نسخة (المصدر السابق: 349). وأما الآن حيث نعمل على تسويد هذه الصفحات فإنّ الله يعلم كم بلغ عدد النسخ المطبوعة والمنشورة من هذا الكتاب المشحون بالهرج والمرج، والمفعم بالوضع والدّس والتزوير، والله يعلم أيضاً مدى التشويش الذي تركته على الذهنية الثقافيّة السائدة في المجتمع.

وحيث كان ذبيح الله منصوري على هذه الشاكلة، وكتابه (مغز متفكّر جهان شيعة) على هذه الصفة، التي يظهر تأثير الخيال القصصي الجامح بادياً حتّى على سطوره الأولى، كيف أمكن لعَلَم بصير وفذّ مثل: المحقِّق الشوشتري، أن يأخذه على محمل الجدّ؟!

لقد أطنبنا في الكلام، غير أنّ مناسبة المقام وضرورة تبيين المرام هي التي ألجأتنا إلى هذه الإطالة، وخاصّة أنّ مربط الكلام يدور حول هذه الاضطرابات التي تجعل عبارة حكيم نيشابور قريبة من الحقيقة، إذ قال: «إنّ قوتنا الغالب هو الشائعات، وصلب ثقافتنا حجّية الظنون» (بخارا، العدد 71: 60، خرداد ـ شهريور، 1388هـ.ش).

([3]) إنّ الشكوك التي تحوم حول وجود (جابر) أو عدمه تعود في الحدّ الأدنى إلى القرن الهجري الرابع. فقد ذهب أبو سليمان المنطقيّ السجستاني(370 أو 390هـ) إلى التشكيك في نسبة تأليف مجموعة من الكتب إلى (جابر)، وقال بأنّ مؤلِّفها الحقيقيّ رجل اسمه (حسن بن نكد الموصلي)، كانت تربطه به معرفة شخصية. كما ذكر ابن النديم ـ الذي ألَّف فهرسته عام 377هـ ـ أنّ (جماعة من أهل العلم وأكابر الورّاقين) يذهبون إلى عدم الاعتقاد بوجود (جابر). (انظر: دانشنامه جهان إسلام 9: 167، ط1؛ ابن النديم، كتاب الفهرست: 420، تحقيق: رضا تجدّد).

([4]) للأسف الشديد إنّ بعض أهل الفضل لم يُعِرْ الاهتمام الكافي لجذور التشكيك في الوجود التاريخيّ لشخصية (جابر)، ولم يلتفتوا إلى صمت المصادر التي كان يجب أن تذكر تاريخ (جابر)، وكذلك إنكار المنكرين من القدامى، ولم يلتفتوا بشكلٍ صحيح إلى الاضطراب الكبير في التراث المنسوب إلى (جابر)، وعدم انسجامها مع الأطر التاريخيّة المدعاة لـ (جابر).

ومن الأمور المدرجة في خانة هذا التسامح نجد الدكتور زكي نجيب محمود المصري يقتحم ساحة المعركة الثقافيّة مرتجزاً، وهو يُذكِّر بأنّ الذين ينكرون الوجود التاريخيّ لجابر بن حيان هم من الذين يستكثرون عليه نبوغه وعبقريّته الفكريّة الفذّة التي تجاوزت كلّ الحدود، وحيث إنها تخطّت حدودها الطبيعيّة لم يكن لهم بدٌّ سوى اعتباره أسطورة من صنع الخيال الجامح للمتقدّمين (تحليلي أز آراي جابر بن حيّان: 15، نقله إلى الفارسيّة: حميد رضا شيخي، مشهد، بنياد بجوهشهاي إسلامي، 1368هـ.ش).

وهناك دفاعٌ أكثر مماشاة، ولكن تعوزه الدقة، وهو دفاع الأستاذ المحترم الدكتور السيد حسين نصر ـ دام بقاؤه ـ؛ إذ يبدو الركام الهائل من (الوثائق التاريخيّة، واستشهادات كتاب التذكّرات في القرون التالية) من وجهة نظره على مستوى كبير من الأهمّية (انظر: نظر متفكّران إسلامي درباره طبيعت: 31 ـ 32، ط3، خوارزمي، طهران، 1359هـ.ش)، وتشكِّل سدّاً منيعاً في مواجهة الشكوك المذكورة آنفاً؛ في حين لو أنّه دقَّق مليّاً لأدرك بشكل أفضل منّا أنّ تلك (الوثائق) وشهادات كتاب التذكّرات تستند إلى تلك النصوص والتراث المنسوب إلى (جابر)، وهي ليست أسانيد ثابتة ومتينة، وإنما هي أسانيد وصلت إليهم بالوجادة. وعليه فحيث كانت فاقدةً للاستقلال يكون الاستناد إليها؛ لإثبات أصالة هذا التراث، عديم الجدوى، وينتهي إلى نوع من (الدور) الباطل.

وللتقريب إلى الأذهان نقول: إنّ هذا النوع من الاستدلال شبيهٌ بالاستدلال العليل الذي يسوقه أولئك الذين يرون المدَّعيات الموجودة في كتاب سُليم بن قيس الهلالي شاهداً على اعتباره وأصالته، فلا تغفل.

وإنّ الشيخ عبد الله نعمة من الذين أصرّوا؛ بسبب عدم التفاتهم الكافي إلى عمق بعض الإشكالات والإبهامات من جهة، وضعف وعدم اعتبار بعض الشواهد والقرائن التي جعلها مستنداً ومستمسكاً لحكمه من جهة أخرى، على الواقعيّة التاريخيّة لشخصية جابر بن حيّان (انظر النموذج: فلاسفه شيعه: 217 ـ 218، ترجمة: السيد جعفر غضبان، وتحقيق: پرويز أتابكي، طهران، سازمان انتشارات وآموزش انقلاب إسلامي، 1367هـ.ش).

ويذهب بعض المعاصرين ـ من الذين يبدو أنّ النـزاعات الطائفية والفئوية قد استحوذت على ذهنيته ولغته ـ إلى الاعتقاد بأنّه حيث كان جابر بن حيان قد أخذ علم الكيمياء عن الإمام الصادق× ذهب البعض إلى الادّعاء بأنّه شخصية أسطورية، وإنّ لهذه الدعوى في الحقيقة جذوراً في الأغراض والأهواء التي يحملها جماعة، أو جهل بحقيقة مقام الإمام، أو أنها تعود بجذورها إلى العداوة والبغض الذي يكنّه أعداء أهل البيت(عم) للذين ينشرون فضائلهم (انظر: أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 425 ـ 428، ط4، مكتبة الصدر، طهران، 1413هـ ـ 1371هـ.ش؛ السيد علي الشهرستاني، وضوء النبيّ| 1: 457، ط1، بيروت، 1415هـ).

وبطبيعة الحال فإنّ هؤلاء الذين ينتصرون لنظريّة (المؤامرة)، أو يصفون الخصوم بـ (المغرضين)، لم يقدِّموا أيّ إيضاح أو إجابة شافية عن موارد الغموض والإبهامات التي أثارها الناقدون حول الشخصية التاريخيّة لجابر بن حيّان، على نحو ما تقدّم.

([5]) على الرغم من الأهمّية الكبيرة التي كانت ولا تزال تعنينا في موضوع (جابر بن حيّان) من الناحية التاريخيّة للعلوم التجريبيّة، ومن الناحية الفكريّة والدينيّة، إلاّ أنّنا لم نبادر إلى القيام حتى بمحاولات فرديّة جادّة وتحقيقيّة في هذا الشأن، ولم نعمد إلى شحذ الهمم في ترجمة ونقل تحقيقات الآخرين.

ربما كان أكثر الكتب الجامعيّة تناولاً لموضوع (جابر بن حيّان) هو الكتاب الذي ألَّفه الدكتور زكي نجيب محمود المصري، والذي ترجمه السيد حميد رضا شيخي إلى اللغة الفارسيّة، تحت عنوان: (تحليلي أز آراي جابر بن حيّان)، وطبع من قبل دار نشر بنياد بجوهشهاي إسلامي، مشهد، 1368هـ.ش. ولكن ـ للأسف الشديد ـ فإنّ مؤلِّف هذا الكتاب قد تعاطى أحياناً بسطحية تفوق الوصف، في الوقت الذي ينبغي أن يكون المخاطب به عموم أهل العلم والتحقيق، الأمر الذي قلَّل من قيمته العلميّة. رغم أنّنا لا ننكر جدوائيته وفائدته وسط (الجدب الثقافيّ والتحقيقيّ) الذي نعيشه.

ومن الجدير بالذكر أنّ الأستاذ حسين معصومي همداني ـ الذي يعدّ من المنظّرين القلائل في تاريخ العلم في هذه الرقعة الجغرافيّة ـ، في نقده المقتضب، والذي أرسله على شكل إشارات برقيّة، تحت عنوان: (أز بهر خدا مخوان!)، والذي كتبه على ذلك المؤلَّف قبل سنوات عديدة (انظر: نشر دانش: 71، خرداد وتير عام 1369هـ.ش)، أثنى على عمل المترجم، بينما وصف جهود المؤلِّف بالضحالة والسطحية من الناحية التحقيقيّة.

([6]) عنوانه في اللغة الفارسيّة: (كيميا وعرفان در سرزمين إسلام)، المعرِّب.

([7]) ومن الجدير بالذكر أنّ القسم الأول من مقالة (جابر بن حيان)، في دانشنامه جهان إسلام (موسوعة العالم الإسلاميّ) 9: 167 ـ 170، هي من تأليف بيير لوري. وسنعمد من الآن فصاعداً إلى الإكثار من الإحالة إليها. وقد عمدت السيدة مستورة خضرائي إلى ترجمتها إلى اللغة الفارسيّة، وهي مصدر قيِّم لمَنْ يريد الاطلاع على شخصية جابر بن حيّان.

ومن المناسب أيضاً أن نأتي على ذكر مقالة (جابر بن حيّان) في زندگينامه علمي دانشوران (الحياة العلميّة للمفكّرين) 4: 350 ـ 353، تحقيق: تشارلز كولستون غيليبسي (Charles Coulston Gillipsie)، ترجمة: أحمد آرام و….، تحت إشراف: أحمد بيرشك، ط1، شركت انتشارات علميّ وفرهنكي، طهران، وبنياد دانشنامه بزرگ فارسي، 1387هـ.ش)، ومؤلِّفها (M. Plessner)، وترجمها إلى الفارسيّة: الأستاذ حسين معصومي همداني.

([8]) غنيٌّ عن التذكير أنّ أرقام الصفحات التي تندرج في نصّ المقالة ضمن معقوفتين تعود إلى كتاب بيير لوري.

([9]) وقارن أيضاً بين الصفحتين 17 و18.

([10]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 26.

([11]) المصدر السابق: 26 ـ 28، 70.

([12]) لقد سعى عالم التراث التركي الكبير الأستاذ فؤاد سزگين في كتابه القيّم (تاريخ نگارشهاي عربي 4: 187 ـ 252، ترجمة وتدوين وإعداد: مؤسّسة نشر فهرستگان، بجهودٍ من: خانه كتاب، ط1، سازمان چاپ وانتشارات وزارت فرهنگ وإرشاد إسلامي، طهران، 1380هـ.ش، إلى إثبات الأصالة لتراث (جابر) من خلال عمليّة بحث وتحقيق واسعة.

وبغضّ النظر عن مقدار اتّفاقنا ومماشاتنا مع المعطيات التي توصّل إليها الأستاذ سزگين علينا أن لا نتجاهل حقيقة أنّنا لو آمنا بما توصل إليه سزگين نكون قد آمنا بإمكانيّة العثور على مقدار لا بأس به من المؤلَّفات المنسوبة إلى (جابر) في القرن الهجري الثاني. ولكنّ هذا لا يعني بالضرورة أن يكون (جابر) نفسه شخصية تاريخيّة عاشت في القرن الهجري الثاني، وتتلمذت على يد الإمام الصادق×، وأنه قد كتب هذه المؤلَّفات المتعدِّدة بنفسه.

بعبارة أخرى: إنّ الأستاذ فؤاد سزگين لم يعالج الغموض والإشكالات التي تكتنف شخصية (جابر)، وانتسابه إلى المجتمع الشيعيّ، وانخراطه في حلقة أصحاب الإمام الصادق×.

وعليه لو صحّ رأي الأستاذ سزگين تعيّن علينا القول: إنّ الأندية الغالية التي أبدعت التراث المنسوب إلى (جابر) يحتمل أن تكون قد قامت بهذه العمليّة في نفس القرن الهجري الثاني، وليس بعده.

لم يأتِ سزگين بدليلٍ معتبر يثبت تتلمذ (جابر) على يد الإمام الصادق×، ولم يتمكن من إزاحة بصمة الغلاة عن تراثه. كما أنّه لم يكن في وارد القيام بهذه المهمة.

والغاية كما تقدّم أنه يجب تجنُّب الخلط المحتمل بين أصالة تراث (جابر) وبين الأصالة التاريخيّة لـ (جابر) وخصائصه الشخصيّة.

([13]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 119.

([14]) المصدر السابق: 70.

([15]) المصدر السابق: 127.

([16]) في ما يتعلَّق باسم (أذن الحمار)، الذي هو اسم نبتة أيضاً (انظر: لغت نامه دهخدا)، يمكن لنفس هذه التسمية الغريبة (سزگين، تاريخ نگارشهاي عربي 4: 175) أن تكون كافية للتشكيك والتأمّل.

وأما في ما يتعلّق بـ (الحربي الحميري) فهناك أمورٌ أكثر مدعاةً للتأمُّل؛ فإنّ هذا الرجل، الذي يدعوه جابر باسم (الشيخ الكبير)، طبقاً لادّعاء تلميذه هذا ـ الذي هو طريقنا الوحيد إلى معرفته ـ يجب أن يكون قد وُلد في العصر الجاهليّ، وعاش حتّى أدرك القرن الهجري الثاني (انظر: سزگين، تاريخ نگارشهاي عربي 4: 168، 175، 189، 190).

إنّ المحقِّقين لا يملكون إجابة عن سبب إطباق الجهل حول شخصيّة على هذا الحجم والمستوى العلميّ الكبير، وهذا العمر الطويل، ومعاصرته لأهمّ محطّات صدر الإسلام، فلم يروِ عنه أيّ شخص، ولم يَردْ ذكره في مصدر موثوق.

قال الأستاذ فؤاد سزگين، في تقرير له عن أصالة تراث (جابر)، في شأن (الحربي الحميري): «بناءً على النصوص الموجودة عندنا بلغ هذا الرجل من العمر 463 عاماً. ويحتمل وقوع الخطأ في كتابة الأرقام في هذا العدد» (تاريخ نگارشهاي عربي 4: 175).

لم يذكر الأستاذ سزگين السبب في احتماله وقوع الخطأ في كتابة هذا العدد. فإن كان يستبعد نفس هذا العمر المديد ـ ومن المستبعد أن يكون الأمر كذلك ـ لن يكون لنا كلامٌ بطبيعة الحال، ولكنه إذا قال بإمكان حصول هذا العمر الطويل لشخصٍ ـ وهو ما يشهد به صريح القرآن الكريم والأخبار المتواترة ـ ربما كان سبب استبعاده يعود إلى ما يدور في خلده حول سبب إهمال المصادر المعتمدة والرواة الموثوقين وسكوتهم وتجاهلهم مثل هذا العمر الطويل لهذه الشخصيّة الهامّة التي عاشت في هذه المرحلة التاريخيّة بالغة الأهمّية!

كان الأحرى بالأستاذ فؤاد سزگين ـ مع وجود هذا الغموض الكبير الذي يكتنف تاريخ وتراث (جابر) ـ أن لا يغفل احتمال الجانب الأسطوري في شخصية (الحربي الحميري). وعلى الرغم من أننا لا ننكر إمكان حدوث طول العمر لشخص ما؛ انطلاقاً من انسجامنا مع تعاليم القرآن الكريم، فإنّنا في الوقت نفسه نرى فرضيّة طول العمر في الغالب أقرب إلى الأساطير، بل إنّ طول العمر يُعدّ من مقوّمات الرؤية الأسطوريّة.

ومن يعلم؟! ربما أمكن لنا أن نشكِّك في القراءة المتعارفة لـ (الحِميري) ـ بكسر الحاء ـ واحتملنا قراءة ـ فتح الحاء ـ أيضاً (الحَميري)، وخاصّة إذا أخذنا قياسها على صاحبه (أذن الحمار)!!

([17]) يمكن لنا أن نحتمل أن الشخص أو الأشخاص الذين اختاروا اسم (جابر بن حيّان) لهذه الشخصية الرمزيّة قد أخذ أو أخذوا بنظر الاعتبار ما تحمله هذه التسمية من الدلالات والمفاهيم بدقّة، تماماً كما هو الأمر بالنسبة إلى مَنْ اختار اسم (حيّ بن يقظان) لشخصيّته المختلقة. فـ (جابر) صيغة فاعل من الجبر، في قبال الكسر، و(حيّان) يفترض فيها أن تكون مشتقّة من (الحياة) والبقاء.

مضافاً إلى ذلك لا يبعد أن يكون الاسم المحبوب لـ (جابر) في تراث الغلاة، من قبيل: جابر بن يزيد الجعفي، هو الذي ساق مَنْ اختلق هذه الشخصيّة إلى اختيار هذه التسمية؛ إذ ـ كما سيأتي ـ إنّ تراث جابر بن حيّان مفعم بالأفكار الغالية، أو على صلة وثيقة بتيّار الغلاة في التشيُّع الذي يعود إلى القرون البعيدة. وعليه يحتمل قوياً أن تكون هذه الشخصيّة من اختلاق الجماعات الغالية.

قال الدكتور زكي نجيب محمود الذي يُصرّ على الوجود التاريخيّ لشخصية جابر: «يُقال: إنه إنما سمّي بجابر لأنّه أعاد تنظيم العلم، من جَبَر العلم أي أعاد تنظيمه» (تحليلي أز آراي جابر بن حيان: 16).

ويفهم من هذا الكلام أنّ (جابر) ليس اسماً حقيقيّاً لبطل هذه القصة، بل هو أقرب إلى الاسم المستعار.

ولا بأس من التذكير بما يلي:

«إنّ من بين علماء الكيمياء الذين استند إليهم جابر بن حيان في كتاب المجرّدات أخٌ له يدعى مشرق… » (تاريخ نگارشهاي عربي 4: 173)، فهل كان لاختيار اسم (مشرق) صلةٌ واضحة بالاسم المحبوب للغنوصيّة، أي (الإشراق)، ولا ينبغي اعتباره منبثقاً عن الوعي والإدراك الباطني؟

لنغضّ الطرف. وطبعاً علينا أن نضيف أيضاً:

إنّ اسم (جابر بن حيّان)، أو على قراءة أخرى: (جابر بن حبّان)، مذكورٌ في بعض النصوص القديمة (انظر: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، عيون الأخبار 3: 343 (النصّ والهامش)، دار الكتاب العربيّ، بيروت، أوفست عن طبعة دار الكتب المصريّة، 1343هـ) بوصفه شاعراً عريقاً (جاهليّاً).

كما كان هناك أخوان: أحدهما اسمه (جابر)؛ والآخر اسمه (حيّان)، ذكر اسمهما في البيت المعروف للأعشى الشاعر العربيّ المخضرم والشهير، والذي استشهد به أمير المؤمنين في خطبته المعروفة بالشقشقية إذ يقول: «شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ» (انظر: نهج البلاغة: 10، 450، ط3، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، طهران، 1371هـ.ش)، ويقال: إنّ حيّان هذا كان كبير بني حنيفة، وكان رجلاً ثريّاً مبذِّراً متلافاً، يسعى وراء طلب اللذّة والهوى، وإنّ الأعشى كان نديمه، وأما جابر فهو أخو حيّان الصغير (انظر: المصدر السابق: 450).

فهل كانت هذه الأسماء التاريخيّة (انظر أيضاً: ياد داشتهاي قزويني 2: 129) هي التي ألهمت أولئك الذين اختلقوا الشخصيّة الأسطورية لـ (جابر بن حيّان)؟ لستُ أدري.

([18]) فهرست ابن النديم: 72، 73.

([19]) إنّ لقب (باب الإمام)، أو (باب الأئمة)، من الألقاب التي شاع استعمالها منذ الأزمنة البعيدة إلى الفترات المتأخِّرة، من قبل الغلاة والجماعات الباطنية المنحرفة عن الخطّ الشيعيّ المعتدل. رغم أنّ الشيعة المعتدلين يستعملون هذا اللقب أحياناً في إطار الاتّجاه المعتدل، وبشأن بعض أصحاب الأئمة(عم)، ولكن ليس هذا الاستعمال الكثير لهذا المصطلح من قبل الغلاة والمنحرفين الآنف ذكرهم، بل واستعماله المتزايد من قبل الجماعات المعتدلة في حقّ بعض أركان الانحراف أعطى هذا المصطلح نوعاً من التداعي الذهني الممزوج بالغلوّ والارتفاع (لمزيد من التفصيل انظر: دانشنامه جهان إسلام 1: 11 ـ 13، في مقالات (الباب الأول) و(الباب الثاني)، 16، 17، في مقالة (الباب السيد علي محمد الشيرازي)؛ دائرة المعارف تشيّع 3: 2، 3، في مقالة (الباب)).

وعلى أيّ حال هناك حاجة ماسّة إلى البحث فيما إذا لم يكن مصطلح (الباب) مصطلحاً غالياً، وأنه تسرّب من القنوات الفكريّة لخطّ الغلوّ إلى النصوص الشيعيّة المعتدلة، ثم شاع استعمالها وتداولها عندهم.

وهناك استفهام يطرح نفسه أيضاً وهو: هل المدة الزمنيّة المفترضة لارتباط (جابر) بالإمام جعفر الصادق× تسع لجميع هذه المعلومات، والتردُّد من قبله على الإمام×، وإملاء الإمام عليه؟! وهل تكفي تلك المدّة لارتقاء (جابر) مقاماً رفيعاً، حتّى يصل إلى مرتبة يكون فيها بمنـزلة (الباب) لذلك الإمام؟، وخاصّة أنه يبدو من تراث (جابر) أنه عندما حضر عند الإمام الصادق× للمرة الأولى كان على درجة عالية من العلم، وحتّى في صناعة الكيمياء لم يكن هاوياً.

يقول الدكتور زكي نجيب محمود، الذي يصرّ على الوجود التاريخيّ لشخصيّة جابر بن حيّان ما مضمونه: «…يجب أن تكون مدة ارتباط (جابر) بجعفر الصادق قصيرة؛ لأنّ وفاة جعفر الصادق كانت في عام 765م، أي بعد حوالي عشرين سنة من ولادة (جابر)» (تحليلي أز آراي جابر بن حيّان: 20).

يجمع العامة والخاصّة على أنّ وفاة الإمام الصادق× كانت في عام 148هـ، في شهر شوّال، بناءً على القول المشهور والمختار (انظر: الشيخ محمد تقي التستري، رسالة في تواريخ النبيّ والآل^: 41، ط1، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم، 1423هـ). وقد ذهبت أكثر المصادر إلى تأريخ ولادة (جابر) بعام 103 أو 104هـ (انظر: دانشنامه جهان إسلام 9: 167). وبذلك يكون عمر (جابر) عند وفاة الإمام الصادق× حوالي 45 سنة.

وهذا يُثبت ـ خلافاً لما ذهب إليه الدكتور زكي نجيب محمود ـ أنّ جابر كانت له الفرصة الكافية للاستفادة العلميّة الوفيرة من ذلك الإمام الهمام، ولكنّ تلك المدة الوافية والفرصة الكافية هي التي تجعل من عدم ذكره في المصادر الموثوقة والمعتبرة والمختصّة بحياة الإمام الصادق× مسألة أكثر تعقيداً؛ إذ لو كانت لـ (جابر) تلك الفترة والفرصة الكافية للاستفادة من معين الإمام وتراثه العلميّ، حتّى وصل إلى تلك الدرجات والمراتب العالية، فلماذا لم يَرِدْ له أيّ ذكر في تلك المصادر؟!

([20]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 64، 122.

([21]) قارن: اعتقادات الشيخ البهائي: 425 ـ 426، إعداد وتحقيق: جويا جهانبخش، ط1، انتشارات أساطير، طهران، 1387هـ.ش.

([22]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 27، 59، 187.

ربما لم يكن من باب الصدفة أن يقع تراث (جابر) موضع اهتمام شخصيّة كانت في بدايتها شيعيّة باطنية، وانتهت لتصبح فيما بعد غالية منحرفة، مثل: شخصية محمد بن علي الشلمغاني (المقتول سنة 322هـ)، والمعروف بابن أبي العزاقر (انظر في شأنه: حسين الساعدي، الضعفاء من رجال الحديث 3: 223 ـ 232، و…، ط1، دار الحديث، قم، 1426هـ ـ 1384هـ.ش)، حتّى ألّف كتاباً في شرح كتاب الرحمة المنسوب إلى جابر (انظر: فهرست ابن النديم: 425، تحقيق: رضا تجدّد؛ العلاّمة الشيخ محمد تقي التستري، قاموس الرجال 9: 446، ط1، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم، 1419هـ).

إنّ كتاب الرحمة هو نفسه الكتاب الذي كان (جابر) ـ على رواية ـ يحتفظ بنسخة منه تحت وسادته عندما توفّي في مدينة طوس عام 200هـ (انظر: دانشنامه جهان إسلام 9: 167؛ تاريخ نگارشهاي عربي 4: 174).

ولا يبعد أن يكون الذي اختلق هذه القصة قد أراد أن يضفي من خلالها أهمّية محوريّة على هذا الكتاب ضمن مجموعة الأفكار والتعاليم المنسوبة إلى (جابر).

وفي ما يتعلق بالباب الآخر لشروح كتاب الرحمة انظر: دانشنامه جهان إسلام 9: 172؛ تاريخ نگارشهاي عربي 4: 257.

([23]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 59، 70.

([24]) المصدر السابق: 61.

([25]) المصدر السابق: 17.

([26]) يُعتبر علم (الكيمياء) من وجهة نظر تراث (جابر) (سلطان جميع العلوم…)، و(إنّ السالك الذي ينجح في كشف أسراره سوف يستغني عن جميع العلوم الدينيّة والدنيويّة) (انظر: دانشنامه جهان إسلام 9: 167).

ومن الجدير ذكره استطراداً، كما يبدو، أنّ البشارة بالمعرفة التي تغني الإنسان عن جميع العلوم الأخرى هي من العناصر ووجوه الاشتراك بين الكثير من التيارات الباطنيّة ـ بما في ذلك التيارات الغالية ـ، وهي البشارة التي ـ في الحدّ الأدنى ـ تعمل في عالم الخيال على تلبية أمنية الفرد الذي ينشد الاستغناء و….

([27]) يذكر جمال الدين القفطي(646هـ)، في كتابه (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) 1: 209 ـ 210، تحقيق: عبد المجيد دياب، مكتبة ابن قتيبة، الكويت، صراحةً أنّ (جابر) كان «متقلّداً للعلم المعروف بـ (علم الباطن)، وهو مذهب المتصوِّفين من أهل الإسلام، كالحارث بن أسد المحاسبي، وسهل بن عبد الله التستري، ونظرائهم».

كذلك انظر: القفطي، تاريخ الحكماء: 221، ترجم إلى اللغة الفارسيّة في القرن الحادي عشر للهجرة بجهود: بهين دارائي، ط2، انتشارات دانشگاه طهران، طهران، 1371هـ.ش.

([28]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 64.

([29]) المصدر السابق: 66.

في ما يتعلَّق بمسار النشاط الكيميائي من وجهة نظر (جابر) انظر أيضاً: دانشنامه جهان إسلام 9: 169 ـ 170.

([30]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 108.

([31]) المصدر السابق: 132.

([32]) جديرٌ بالملاحظة أنّ (جابر) يدّعي أنه قادرٌ على خلق الكائنات الحيّة، من قبيل: الحيوانات، وحتى الإنسان؛ لأنّ الكيميائيّ الحاذق في فنّه يستطيع تحويل أيّ مادة إلى مادّة أخرى، وأنّ نشاطه هو امتدادٌ للمهامّ الإلهيّة على الأرض (دانشنامه جهان إسلام 9: 169).

([33]) وهذه هي اللازمة الرتيبة التي يُعيد اجترارها أغلب المذاهب الباطنية، وبطبيعة الحال فإنّ هذه النصيحة بذاتها نصيحة عقلانيّة.

انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 66.

([34]) المصدر السابق: 71 ـ 72، 108، 139.

([35]) المصدر السابق: 72.

([36]) المصدر السابق: 31.

([37]) المصدر السابق: 111.

([38]) المصدر نفسه.

([39]) المصدر السابق: 138 ـ 139.

([40]) المصدر السابق: 112.

([41]) المصدر السابق: 73.

([42]) المصدر السابق: 76.

([43]) انظر في هذا الشأن أيضاً: دانشنامه جهان إسلام 8: 228 ـ 229، في مقالة (التناسخ)؛ دائرة المعارف تشيّع 5: 96 ـ 97، في مقالة (التناسخ)؛ نعمة الله صفري فروشاني، غاليان: كاوشي در جريانها وبرايندها: 200، 202 ـ 208، 211، ط1، بنياد بجوهشهاي إسلامي آستان قدس رضوي، مشهد، 1378هـ.ش.

([44]) يجب الالتفات إلى أن تعريف المصطلحات الأربعة: (النسخ) و(المسخ) و(الرسخ) و(الفسخ) لم يكن على وتيرة واحدة منذ القدم (انظر أيضاً: دانشنامه جهان إسلام 8: 228 و229، في مقالة (التناسخ). ونحن هنا ننقل ما هو موجود في كتاب بيير لوري.

([45]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 76، 77، 129.

([46]) قارن بين الصفحتين 78 و79 من الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة.

([47]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 78.

([48]) المصدر السابق: 109 ـ 111، 114.

([49]) انظر مثال ذلك في: اختيار معرفة الرجال، المعروف بـرجال الكشي: 246 ـ 247، صحّحه وعلّق عليه وقدّم له ووضع فهارسه: حسن المصطفوي، كلية الإلهيّات والمعارف الإسلاميّة، جامعة مشهد، مشهد، 1348هـ.ش. قارن أيضاً: المصدر السابق: 297 ـ 298، 301؛ حسين الساعدي، المعلّى بن خنيس، شهادته ووثاقته ومسنده: 80 ـ 83، ط1، دار الحديث، قم، 1425هـ ـ 1383هـ.ش.

([50]) نقلاً بالمضمون عن: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 90 ـ 91.

([51]) غنيٌّ عن الذكر أنّ الكثير من هذه المفاهيم الباطنية القديمة قد سبق أن تمّ الترويج لها في أروقة التصوُّف تلويحاً وتصريحاً، وأنّ (تصوّر) بعضها قد بلغ مرحلة (التصديق) عند بعض (المشاهير) من المتأخِّرين….

([52]) الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 75.

([53]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 75 ـ 76.

([54]) المصدر السابق: 84.

([55]) قارن: السيد نعمة الله الجزائري، نور البراهين 1: 316، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، ط1، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم، 1417هـ؛ حسن زاده الآملي، عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون: 644، ط1، أمير كبير، طهران، 1371هـ.ش.

([56]) قارن: محمد بن سليمان التنكابني، قصص العلماء: 54، إعداد: محمد رضا خالقي وعفّت كرباسي، ط1، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، طهران، 1383هـ.ش.

([57]) قارن: السيد نعمة الله الموسوي الجزائري، الأنوار النعمانية 4: 51 (النصّ والهامش)، تبريز، الحاج محمد باقر كتابجي حقيقت والحاج السيد هادي بني هاشم؛ السيد عبد الغني الأردبيلي، تقريرات فلسفة إمام خميني 1: 123، ط2، مؤسّسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني، طهران، 1385هـ.ش.

([58]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 69، 93، 96، 126.

([59]) المصدر السابق: 83.

([60]) المصدر السابق: 96 ـ 97.

([61]) المصدر السابق: 97.

([62]) المصدر نفسه.

([63]) المصدر نفسه.

([64]) المصدر السابق: 93.

([65]) المصدر السابق: 115.

([66]) بعبارة أخرى: إنّ عمدة المتغيِّرات التي تنطوي عليها الروايات الشيعيّة حول ظهور المهدي الموعود× تنقسم إلى قسمين: أحدهما: المتغيّرات السياسيّة المتعلِّقة بأسلوب الحكم وإذلال الجبابرة والطغاة وما إلى ذلك؛ والأخرى: إظهار الحقائق، وتأويل الآيات بشكلٍ صحيح، وازدهار المعارف والعقلانية وما إلى ذلك.

([67]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 37.

([68]) جديرٌ بالاهتمام أنه قال: «في كتاب البيان: …إنّ زمن كشف الأسرار قريبٌ، وإنّ الإمام القائم سيكشف ويُظهر جميع العلوم… وإنّ الإنسانيّة سوف تتجلّى بشكل كامل وجديد» (دانشنامه جهان إسلام 9: 170).

([69]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 99.

([70]) قارن: بحار الأنوار 25: 348.

([71]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 70، 123.

([72]) عزّ الدين أيدُمِر بن علي الجلدكي كيميائيٌّ كثير التأليف، عاش في القرن الهجري الثامن، واختلف المؤرِّخون في سنة وفاته على أقوال، وهي كالتالي: 743، و750، و761 أو 762هـ. يُعدّ الممثل الأخير للتيار الرمزي والباطني للكيمياء في البلدان الإسلاميّة، وقد اعتبر شيعيّاً بالنظر إلى بعض مؤلَّفاته (لمزيد من التفصيل في شأنه انظر: دانشنامه جهان إسلام 10: 551 ـ 553؛ دائرة المعارف تشيّع 5: 417 ـ 418؛ الميرزا محمد علي مدرّس الخياباني، ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللقب 1: 417 ـ 418، ط3؛ آغا بزرگ الطهراني، الحقائق الراهنة في المئة الثامنة (طبقات أعلام الشيعة / القرن الثامن): 22، تحقيق: علي نقي المنـزوي، ط2، مؤسسة إسماعيليّان، قم.

([73]) الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 34.

([74]) المصدر السابق: 12.

([75]) المصدر السابق: 71 (الهامش).

([76]) من باب المثال: نجد أبا سعيد الطبراني النصيري، في كتاب مجموع الأعياد، لا يستعمل في الثناء على المعصومين العبارة المتعارفة: (عليه السلام)، وإنّما يستعمل عبائر أخرى، من قبيل: (منه السلام) (انظر: أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني النصيري، كتاب سبيل راحة الأرواح ودليل السرور والأفراح إلى فالق الإصباح، المعروف بـ «مجموع الأعياد»: 5 ـ 6، 41، 107، 108، 109، و…، عني بتصحيحه: ر. شتروتمان، المجلد 27 من مجلة الإسلام، هامبورغ 44 ـ 1943م. وأشكر صديقي الكريم، سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ رسول جعفريان ـ دام إفضاله ـ، شكراً جزيلاً على أن أهداني قبل سنوات نسخة من كتاب مجموع الأعياد، جزاه الله خير الجزاء).

([77]) نذكر من باب الاستطراد أنّ هذا البحث كان مطروحاً بين عدد من الشيعة في القرون الأخيرة، وهو أنّ دعاءنا وثناءنا على النبيّ وأهل بيته(عم) هل يضيف شيئاً إلى مقاماتهم ومناقبهم أو لا؟ (كنموذج لهذا البحث انظر: الفاضل الدربندي، إكسير العبادات في أسرار الشهادات 2: 31 ـ 32، تحقيق: محمد جمعة بادي وعباس ملا عطية الجمري، ط1، دار ذوي القربى، قم، 1420هـ؛ السيد محمد باقر الموسوي الحسيني الشيرازي، لوامع الأنوار العرشية في شرح الصحيفة السجادية 2: 8 ـ 9، تحقيق: مجيد هادي زادة، ط1، مؤسّسة الزهراء÷ لثقافيّة الدراسيّة، إصفهان، 1383هـ.ش ـ 1425هـ؛ الشيخ جوادي الآملي، نسيم أنديشه ـ أسئلة وأجوبة 1: 95 ـ 96، تنظيم وتهذيب: السيد محمود الصادقي، ط2، مركز نشر إسراء، قم، 1386هـ.ش).

ولا أستبعد أن يكون منشأ هذه التساؤلات هو أسلوب الغلاة غير المتعارف في طريقة الثناء والدعاء للأئمّة الأطهار^، حيث يتصوَّرون أنهم غير جديرين بالثناء على الأئمة، أو أن تشمل أدعيتهم وثناءهم الأئمّة، ولذلك فإنهم يتحاورون ويتجادلون فيما إذا كانت أدعيتهم تنفع الأئمّة أم لا.

([78]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 100 ـ 102.

([79]) المصدر السابق: 102.

([80]) المصدر السابق: 135.

([81]) المصدر السابق: 133، 145.

([82]) المصدر السابق: 10، 60.

([83]) المصدر السابق: 103.

([84]) المصدر السابق: 135.

([85]) المصدر السابق: 94.

([86]) المصدر السابق: 61.

([87]) المصدر السابق: 103.

([88]) المصدر السابق: 103.

([89]) المصدر السابق: 104.

([90]) المصدر السابق: 106 ـ 107.

([91]) المصدر السابق: 137.

([92]) المصدر السابق: 94 ـ 95، 144، 186.

([93]) بالإضافة إلى كتاب بيير لوري وما تقدّم انظر: نظر متفكّران إسلامي درباره طبيعت (آراء المفكّرين المسلمين حول الطبيعة): 67 (الهامش)، ط3.

([94]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 139، 143.

([95]) المصدر السابق: 143.

([96]) المصدر السابق: 144.

([97]) المصدر السابق: 145.

يبدو أنّ أفكار ومذاهب الغلاة في القرون الأولى كانت تحتوي على جاذبيّة لفريقين من القاطنين في العالم الإسلاميّ، وهما:

أوّلاً: السواد الأعظم من العوام والجهال الذين يتنـزّلون بالدين التوحيدي إلى مستوى أفهامهم المحدودة بسهولة، ويتشبَّثون بالمفاهيم والمصاديق المحسوسة والملموسة، ويشوبون عقائدهم بالشرك والأساطير والخرافات.

وثانياً: عدد من أولئك الذين يُصطلح عليهم في العصر الراهن بـ (المتعلِّمين)، ويدخلون في عداد الطبقة المثقَّفة في المجتمع. بيد أنّهم حيث كانوا يجدون الأفكار الغالية متناسبة وبعض التراث الثقافيّ القديم، من قبيل: مواريث الأفلاطونيّين الجدد، والغنوصيّة، وما إلى ذلك ممّا وصل إليهم، يجدون من أنفسهم ميلاً نحو تلك الأفكار.

إنّ وجود أصناف مثل الأطباء ـ الذين يحتمل تأثُّرهم بتعاليم جنديشابور ـ وأمثالهم بين صفوف الغلاة، أو الذين كان لهم تواصل ثقافيّ مع الغلاة، يمكن أن يكون له تفسيرٌ ملموس من هذه الناحية.

إنّ التفصيل في بحث ودراسة تاريخ الغلاة وأصنافهم بطبيعة الحال خارج عن حدود وطاقة هذا المقال، ولكن لابدّ لنا من الإشارة بهذا المقدار إلى أنّ استقطاب المتعلِّمين نحو الخطوط الغالية في الثقافة والمجتمع كان متأثِّراً بتناغم بعض الأفكار الغالية مع الفكر والتراث الغنوصي ونظائره. كما كان مؤثِّراً فيها، بمعنى أنّ هؤلاء المتعلِّمين؛ لما كانوا يشاهدونه من القرابة بين ذلك التراث والتعاليم والأفكار التي يحملونها وبعض الاتجاهات الغالية، كانوا يجدون من أنفسهم ميلاً نحوها، وفي الوقت نفسه كانوا بدورهم يحملون تعاليمهم وأفكارهم وذخائرهم الذهنية والعقائديّة إلى تلك النِحَل، وكانوا أحياناً يعمدون إلى إظهارها بشكل مدوَّن وفي إطار ذلك التراث الغالي.

وفي ما يتعلق بهذا التراث الجابري يذهب الأستاذ الدكتور السيد حسين نصر ـ والذي هو بالمناسبة من المدافعين عن الوجود التاريخيّ لشخصية جابر بن حيّان ـ إلى القول: «بالالتفات إلى المسائل الموجودة في رسائل (جابر) يجب الاعتراف بأنها تشتمل على آثار من المصادر الهرميزية والفيثاغورية والأفكار الإيرانيّة والهنديّة، وحتى الصينيّة أيضاً» (نظر متفكّران إسلامي درباره طبيعت (آراء المفكّرين المسلمين حول الطبيعة): 67، ط3).

«وبالنظر إلى الارتباط العميق القائم بين رسائل إخوان الصفا ومؤلَّفات (جابر) يمكن القول بطبيعة الحال: إنّ مصدر هاتين المجموعتين واحد…» (المصدر نفسه).

كما ذهب بلسنر (M. Plessner)، من خلال تنبُّهه إلى وجود (آثار من العلم اليوناني) في تراث (جابر)، إلى القول: «إنّ هذا النوع من التبحّر في العلوم اليونانية أنسب بالأفكار الغنوصيّة للصابئين في حرّان»، و«قد برز عدد من أهمّ الرياضيّين والمنجّمين والأطباء في الإسلام من بين هؤلاء الجماعات» (زندگينامه علمي دانشوران 4: 352 ـ 353).

إنّ حملة هذه العلوم الشرقية والغربيّة المنسوبة إلى تراث (جابر) لا شكّ في أنهم كانوا من العلماء الذين تمّ استقطابهم من قبل المحافل الغالية، بعد أن كانوا ينتمون إلى (المناخات الغنوصيّة والسريّة) (دانشنامه جهان إسلام 9: 169)، أو أنّهم قد حصلوا على الانتماء الغنوصي والسرّي العميق من خلال اجتياز هذه القنوات والأروقة الغالية.

([98]) الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 146.

([99]) ابن أميل هو أبو عبد الله محمد بن أميل بن عبد الله بن أميل التميمي، المعروف بالحكيم الصادق، وهو من كبار العلماء في الكيمياء الرمزية والباطنية في القرن الهجري الرابع، والذي لم يكن طموحه ليقف عند الهدف العام من الكيمياء ـ والذي يتلخّص في تحويل المعادن الرخيصة إلى اللجين والذهب ـ، بل كان يرنو إلى تصفية جسم الإنسان، وتحويله إلى روح خالصة ونقية. والطريف في البين أنّ سيرة ابن أميل بدورها محفوفة بالغموض والابهام أيضاً. وكلّ ما نعرفه عنه هو التراث المنسوب إليه (انظر: دائرة المعارف بزرگ إسلامي 3: 42 ـ 43، مقالة الراحل محمد علي مولوي؛ تاريخ نگارشهاي عربي 4: 340 ـ 348).

هل يمكن لنا أن نحتمل احتمالاً قوياً بأنّ اسم (ابن أميل) هو اسم مستعار أيضاً؟

([100]) انظر: الكيمياء والعرفان في البلاد الإسلاميّة: 72، 185.

حقيقة الأمر أنّ لهذه الحكاية تشعّبات طويلة وعريضة. فإنّ الاتجاهات الغالية إنّما تشكل جانباً من التيارات الرمزية والسرية التي كانت مرتبطة بالحلقة الكيميائية الباطنية، وكان من بين الغلاة شخصيات خفيّة أخرى تندرج تحت غطاء هذه الحلقة.

إنّ (ابن وحشية)، الشخصية المجهولة، والذي يتمتَّع كتابه (الفلاحة النبطية) بشهرة عالميّة، واحدٌ من أولئك الكيميائيّين الباطنيين المجهول أمرهم. وربما كان من الشخصيات المختلقة بالكامل، والتي انتحلها (ابن زيّات). ويحتمل أن يكون ابن زيّات هذا منتمياً إلى آل الزيّات البارزين والمعروفين بانتمائهم الاعتزاليّ ـ الشيعيّ (انظر: دائرة المعارف بزرگ إسلامي 5: 67 ـ 76، 3: 638).

وربما كان ابن وحشيّة ممثِّلاً لنوع من الاتجاه الشعوبيّ بين النبطيّين.

وإنه على كلّ حال واحد من الشخصيات المجهولة الكثيرة التي تمثِّل التيارات والحركات الثقافيّة غير الرسمية والسرّية في العالم الإسلاميّ. ومن هنا فإنّه يستحقّ اهتماماً ودراسة أدقّ وأعمق.