جهود الإحياء والتجديد عند الشهيد الصدر

13 ديسمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬290 زيارة

جهود الإحياء والتجديد عند الشهيد الصدر

الشيخ عباس مخلصي(*)

ترجمة: نظيرة غلاب

تمهيد ــــــ

عديدون هم علماء الدين الذين كانوا دائماً يشعرون بالقلق إزاء نقاء وفعالية الدين في السير بالإنسان والمجتمع نحو الكمال، سيماهم العمل الدؤوب والبنّاء، مع تحمّل كلّ الصعاب والمشقات في سبيل إصلاح المعتقدات، وتجديد الصور والمفاهيم الدينية، وإحياء الفكر الديني الصحيح، متسلِّحين بالعلم والتقوى.

فهم يرَوْن المتدينين باتوا بين حالتين اثنتين: المزج بين الصحيح والسقيم؛ أو هم ما بين الغفلة والنقصان. الأمر الذي جعل تلك الفئة من العلماء تشعر بالقلق، وبالتالي ترى واجبها العلمائي يحتِّم عليها النهوض إلى نقد هذا الفكر وإصلاحه، وإحياء الفكر والمعتقد الديني الصحيح.

لا شَكَّ أن النقد البنّاء والتجديد المصلح للفكر والاعتقاد الديني من طرف العلماء يحمل مكانة خاصة في عيون المتديِّنين، الذين ينظرون إليه على أنه جزء من الدين، ومستنداً إليه، ومستمداً منه. وقد اتّخذ هذا النقد الديني والتجديد لمبادئه وأساسياته أشكالاً واتجاهات متنوعة:

فالبعض ممَّنْ يتبنون الظهورات سعَوْا إلى تربية أتباعهم ومريديهم على عدم تقبُّل أيّ نظرة أو قراءة حكمية أو تأويل عقلي للقرآن والسنّة، متهمين إيّاها بالبِدْعة. لكن الواقع يبين أن هذه النظرة والتفكير المتحجِّر هو لعمري البِدْعة الكبرى والخطب العظيم، الذي يُخشى منه على الدين والسنّة.

وقد تمثل هذا التوجه عند الشيعة في أصحاب الحديث، الذين قاوموا الاجتهاد والعقل، وذلك في القرنين الرابع والخامس، وفي حركة الأخباريين في القرن الحادي عشر، التي كان شعارها الابتعاد عن الاجتهاد القائم على الاستنباط، ونبذ العقل، والاكتفاء بالمنقولات.

ويعتقد أن تدخل العقل في فهم الدين وتغيّر ظواهره وسننه هو الذي استدعى قيام مدرسة الظاهريّين، الذين تحملوا عبء حفظ معالم وملامح هذا الدين، حتى تظلّ على نفس الشكل الأول. وكان هذا سبباً موضوعياً في ازدهار مدرستهم وتألقها لقرون عدّة.

وتواجدت هذه الحركة الدفاعية من طرف العلماء السابقين في كلّ المذاهب الإسلامية. وكما أن الاجتهاد والعقل قد فقد رونقه في هذه المدرسة، كذلك كان لون الهدف الاجتماعي للدين باهتاً وفاقداً للحرارة. فلم يكن لديهم اهتمامٌ بتجديد المجتمع الديني، وإحياء الرغبة في القيادة والريادة لهذا الدين. ولم يكن هناك صوتٌ يعلو على صوت ظواهر الدين، والعمل إلى جانب الدعوة المستمرّة إلى إخماد نور التفاسير والاجتهادات العقلية. وكان آخر شيء توجَّهوا إليه الأخلاق والجوانب المعنوية عند الفرد المسلم.

لكنْ على طرف النقيض كانت صحوة التجديد والفكر التجديدي قد تبنَّت مبدئية العقلانية، والتوجّه بالاهتمام نحو المجتمع.

إن ما يشترك فيه كلّ المجدِّدين، بدءاً من السيد جمال الأسدآبادي إلى اليوم، أنهم أهل الاجتهاد والعقل. وإنما اختلفت مراتبهم في ذلك اختلافاً تشكيكياً. فالاجتهاد والعقل، الذي ظلّ الظاهريّون ينظرون إليه على أنه بِدْعة ومَثْلبة في العالم، كان على العكس عند المجدِّدين، الذين رأوهما ضرورةً ومَنْقبة في العالِم المسلم. فهم يرَوْن أن حفظ الدين في جاذبيّته الفطرية، واستمرار الحاجة إليه في إبراز الحقائق والإجابة عن حاجيات الناس عبر كلّ عصر، إنما يتأتّى باستعمال العقل والعلم، والاستفادة من فيوضات العقل. وبغير هذه الطريق فإن الدين سيقف عاجزاً عن استيعاب الناس، وغير قادر على مواكبة المستجدّات. فالظواهر محدودةٌ، والحوادث متزايدة.

كذلك يمتاز المجدِّدون المعاصرون عمَّنْ سبقهم بكونهم يهتمّون بالمجتمع، ولهم توجّه اجتماعي. فهم يتوجهون إلى المجتمع، ويضعونه نصب أعينهم، رافضين كل أشكال اللانظم، والمعتقدات والتفكير المتخلِّف الذي يبعد المجتمع الإسلامي عن الريادة والعزّة والكرامة، عاملين بكلّ جهدٍ وإخلاص على تربية المجتمع على أسس من التفكير العقلاني، والنظم الصحيح، يريدون من وراء ذلك إخراج المجتمع ـ كما الفرد المسلم ـ من ظلمات الجهل التي فرضتها القوى الظالمة، وأفكار التغريب والاستلاب التي نشرتها القوى الاستعمارية، والذود عنه في مواجهة الطروحات الفكرية والأيديولوجية المقابلة للدين الإسلامي ـ والتي شكّلت فعلياً، ولا زالت، تحدّياً حقيقياً له ـ، ومحاولة تقديم هذا الدين كمنطلق إنساني، مُحْيين فيه دوره الريادي في قيادة الإنسانية عامّة، والمجتمع الإسلامي على الخصوص، نحو العزّة والكرامة الأبدية.

يعتبر الشهيد محمد باقر الصدر واحداً من كبار مفكِّري الإسلام، ونموذجاً بارزاً للمجدِّدين في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، ونابغة قلَّ مثيله في الاجتهاد، والفكر والإصلاح والاجتماع.

لقد استطاع الشهيد الصدر بملكته في الاجتهاد، وقدراته العلمية في علم الاجتماع، أن يستخرج من النصوص الدينية نظاماً فكرياً عقلانياً يجيب بكلّ سعةٍ عن حاجات المجتمع، ويلبي ضرورياته في الإصلاح، وتجذير الفهم الحضاري للإسلام في ذهنية الأمّة وحاكميته لها، بقصد التغيير نحو الأفضل، والارتقاء فعلياً بالمجتمع نحو دوره في الريادة، باعتباره مجتمعاً رسالياً يحمل هدفاً إنسانياً عالمياً.

في هذا المقال سنتتبع سير هذين التحوُّلين في حركة التجديد عند السيد الشهيد، ونسلِّط الضوء قدر المستطاع على جهوده في إحياء التفكير والاجتهاد العقلي، ونظريّاته في الاجتماع.

الإسلام والإنسان ــــــ

ينظر إلى الإنسان في خلقته نظرة يتراءى فيها عمق حقيقة وجوده، وأبدية روحه، وصعوده اللامتناهي، المنبثق من أمانة الخلافة التي تربَّع على عرشها بعقله وروحه. والعَجَب الكبير يكمن في عظمة ثروته تلك، وفي العديد من مواهبه الكامنة. وسرّ ذلك يتجلّى من خلال التفكير في: كيف وأين؟ والأهمّ لأيّ غرض وغاية؟ ما الجدوى من كلّ ذلك إذا كان كلّ ذلك من أجل هذا البدن الذي سيبلى تحت أكوام من التراب؟

إن الجواب يتوصّل إليه كلّ مَنْ استفهم فطرته، وبحث بتمام وجوده عن المثل الأعلى، متجرِّداً عن الماء والتراب، باحثاً عن المنجي وسبيل النجاة. وسيصل حينها إلى ضرورة انتخاب طريق الوحي والدين. فحاجته إلى الدين إنما هي لأجل النموّ والارتقاء والوصول للحياة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: 24).

فالدعوة إلى الدين دعوة في العمق إلى الحياة والفعل والحركة والنور، هي تحرُّر من الموت، وانعتاق من أسر الظلمات: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (الأنعام: 122).

إن الإسلام هو أتمّ الشرائع السماوية، وأكملها في هداية الناس، وحملهم نحو الكمال، به يتوصَّل إلى الحياة الإنسانية الطيِّبة التي ترقى به نحو الخلود والأبدية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97).

إن التعاليم الإسلامية تضمن الحياة لكلّ مؤمنٍ بها. وهذا مبدأٌ قرآني ثابت لا يتغيَّر. وأصالة هذا المبدأ تضمن الحياة لكلّ عصر وجيل. فهي تعلم الإنسان كيفية التفكير، وكيف يحيا بشكلٍ منظم، وتبيِّن له قِيَم ومعايير السلوك الصحيح، والذي يغدق على الحياة الأمن والسلام، ويطعِّمها بالنشاط والحيوية، ويهديه إلى حياة الخلود وقد أزاح عنه كلّ مظاهر الموت والفناء الروحي.

إن الإيمان والاعتقاد الراسخ بهذا المعطى المستخلَص من دين الإسلام يخلق في الذهن ثقافة التجديد والإحياء. وحينها فقط سيكون التجديد والإحياء في مكانه؛ لأنه سيكون عين الدين، والدين عينه. ويلاحظ أن بين الاسلام الواقعي والإسلام الرائج العديد من التفاوت والفروقات، وعدم تطابق المعتقدات وما يجري على أرض الواقع. وبعبارةٍ أخرى: هناك فرقٌ بين الإسلام الذي يؤمن به المسلمون والإسلام الممارس، أي الإسلام العملي في ظرف الخارج. ففي الخارج هناك إسلام لم يعُدْ قادراً على تغيير مظاهر الحياة، التي أصبحت في مستوى شديد من التقهقر والتأخُّر، مظاهر اكتسحها الهَرَم والشيخوخة، وضلت مسيرها. فالإسلام في الخارج لم يعُدْ قادراً على الإرشاد وإنماء حياة الأفراد والمجتمع.

يرى السيد الشهيد أن الإسلام بعد مرور حقبة من تاريخ الإنسان، وحيث أريد منه أن يتوافق ويتماشى والتقاليد والتمدن والظلم والأحقاد العشائرية والقبلية والمنافع والمصالح الفردية، ليلبي الأغراض والأهداف والعصبيات الإثنية والمذهبية، قد غلفت تعاليمه بغلاف من البِدَع والتحريفات والخرافات، وكانت قد اكتسبت من القوة والمتانة ما استعصم معها الفهم، واستحال معها التفكُّر والتدبُّر، حتّى صارت تلك الخرافات مصيره وقدره الذي لا هروب له منه.

لقد أصبح يرى تلك العينية صعبة وغريبة، لكنه مع كلّ ذلك لا زال يؤمن بقدرة هذا الموروث ـ الدين ـ على التغيير والإرشاد واسترجاع العزّة والكرامة للفرد وللأمّة. فهو يؤمن أن الفقر والجهل والحظّ والنصيب والدين المهزوم ليس ناشئاً من الحاجة والخصاصة؛ فالمسلمون يملكون من الثروات والإمكانات المادية والمعنوية ما يجهلون قدره، ولا يحيطون بها علماً؛ لتقصيرهم أنفسهم. فهم يملكون أعظم النظريات، وأكرم الأديان، وأنجع الدواء، لكنَّهم فضَّلوا الارتماء في أحضان الغرباء، ومدّ يد الحاجة، واستجداء النظريات والمدارس الفكرية الوضعية، وكبَّلوا أيديهم بأغلالها، وجعلوا أنفسهم بمحض إرادتهم في إصرها.

بالطبع هو يرى أن جانباً من تلك العينية متوقِّف على المفسِّرين ومَنْ يتولَّوْن أمور الدين. فهؤلاء مَنْ سيعمل على إظهار مناسبة هذا الدين لكلّ زمانٍ ومكان، وذلك باستخراج واستنباط النظريات الدينية، وتصفية المعطيات النقلية والعقلية، حتّى تتهيّأ ثقافة دينية محضة قادرة على مواكبة المستحدثات والعقليات. لكنّ هذا لم يتحقَّق. لذلك شمَّر& عن ساعدَيْه، حتّى يقوم بعبء هذه الوظيفة والتكليف الديني. فآليات المهمة أصيلة وحيّة، لكنها معطَّلة ونائمة. وإحياؤها وتجديدها يجب أن يكون ـ من حيث الشكل والمحتوى ـ متناسباً والحاجات والتطلُّعات.

وهذا التجديد والفهم الجديد لا يعني تغيير أو حذف عناصر من الدين، كما لا يعني زيادة عناصر خارج إطار الدين وغير جائزة للدين. كذلك التجديد لا يعني تأويل ضوابط الدين استناداً إلى فلسفات بعض المدارس، التي قد تكون صحيحة أو غير صحيحة. كما أن ما عليه العالم ليست له موضوعية في التأويل. كذلك لا يجوز اقتباس النتاج الفكري للآخرين وإسقاطه على الدين بعد أسلمة شكله وقالبه الخارجي. لكنّ التجديد والتحديث في الفكر الإسلامي يتمّ بالعودة إلى المصادر الدينية، واعتماد عملية الاستنباط، والحصول على منظومة فكرية ورؤى ونظام عملي للثقافة والدين والمعرفة تتناسب وظروف العصر، وتقديمها في قوالب وأشكال توافق لغة العصر، كما تخدم العقل المسلم في ظلّ الظروف الزمانية والمكانية، مع العمل على تجميع مكوّنات الدين التي تمّ تجزئتها وكسرها إلى التركيبة ضمن السلسلة، وربطها بكلّيات الدين، حتّى تعاد الحياة لتلك الأجزاء، وتعود لها الديناميكية.

في الواقع يكمن التحديث في التبيين والتفسير والتوضيح، حيث يتمّ إحياء وتجديد الحقائق الدينية. إنّ النتائج الأولية لهذا الإحياء لن تكون شيئاً آخر سوى انعتاق العناصر الدينية من التقاليد والعادات التي أسرتها، ومن الدُّغمائية التي تحكمها طوال قرون من الزمن، حتّى تتمّ للدين المرونة والقدرة على مواكبة الظروف الجديدة، وضمن شروط جديدة، حيث ستظهر إيجابيات هذه المرحلة في ما سيضفيه من تحوُّلٍ إيجابي على حياة المتدينين.

الإحياء والاجتهاد ــــــ

لا شَكَّ في أنّ الإسلام يملك أضعاف القدرات والاستعدادات التي تتوافق والشرط الزماني لكلّ مرحلة. ويرى الشهيد الصدر أن هذه الشروط الذاتية تظهر واضحة في سياق النصوص الدينية، حيث قال: «من الواضح أن عوامل وعناصر التجدد والديناميكية قد أودعت في النصّ الديني، حيث يكون الدين قادراً من خلالها على التمدّد، وعلى الدوام، حتى يكون مواكباً فعلياً ونظرياً لكلّ التحوُّلات الموضوعية الحاصلة للمجتمع البشري. من هنا فإنّ اتباع النصوص الدينية هو ضمناً اتباع لأحكامه، التي تملك عوامل التجدُّد والتحوُّل، والتي تضمن التطوُّر والديناميكية المستمرّة»([1]).

المرونة والابتكار والقدرة على مطابقة التغيُّرات والتحوُّلات الجديدة من أبرز ملامح التشريع الإسلامي.

إنّ التجدُّد ومواكبة متطلّبات الوقت حاجة الكائن الحيّ، والإسلام الذي يدَّعي العالمية والديمومة لا بُدَّ أن تتوفر فيه الشروط الموضوعية لهذه العناوين. فلو انتزعت هذه الاستعدادات من أيّ عنصر من عناصر الدين، وصارت لا تساهم في إنماء وتطوّر الفكر الديني، فإنها من دون أدنى شكٍّ ستفقد القدرة على الاستمرارية، ومع مرور الوقت ستفقد الحياة لتخرج من ساحة الوجود؛ لأن الوجود يعني فلسفياً الحركة الدائمة. لكنْ ما نلاحظه هو أن الدين لا زال مستمرّاً في التواجد، ولا زال يتمتَّع بكامل مكوِّنات الحياة والقيادة في الساحة الإنسانية والاجتماعية. كما ترى له المكنة في الحفاظ على نفسه في إطار فكر وعمل الأفراد والمجتمع المسلم. وهذا كان لوجود المجدِّدين له على رأس كلّ فترةٍ من تاريخه.

لقد استمدّ المجدِّدون ميلادهم المتعاقب من الاجتهاد، فاستطاعوا من خلاله إضفاء الحياة المتجدِّدة والحديثة على تعاليم الدين، واستطاع الوحي وتعاليمه أن يكون في حِلٍّ من قيد الزمان، ليكون ساري المفعول في كلّ زمان ومكان. والشهيد الصدر هو المولود المبارك والاستمرارية البارزة والمبكرة لهذا الخطّ التجديدي. ففي فكره وآرائه وصل الاجتهاد إلى أَوْجه، وانفتحت فعالياته على جميع الصعد. في ظلّ اجتهاداته وتألُّقه وصلت المؤهّلات الداخلية للدين إلى كمال رشدها، وأصبحت معها إمكانيات التجديد حاضرة وديناميكية.

تمدُّد مساحة الاجتهاد في ظلّ عملية التجديد والإحياء ــــــ

لم يكن الشهيد الصدر يرى الاجتهاد مقتصراً على المواضيع الفقهية، بل كان يرى أن الاجتهاد يجب أن يشمل قوانين فهم الدين؛ ليجدد النظام العقدي في الإسلام. فقد كان يدرك جيداً أن التغيير والإصلاح في العالم الإسلامي متوقِّفان على التجديد في الفقه، وإعادة تأهيل المباني الفلسفية والكلامية في الفكر الإسلامي وتجديدها. فهو كان يرى أن النظام العقائدي ربما كان أكثر من النظام الفقهي عرضة للاختلاط والامتزاج بغير الصحيح، وأكثر عرضة للتقصير. لذا وجب العمل على فهم هذا النظام العقدي وفق معايير صحيحة وعقلانية، وانتزاع ما ألحق به ممّا ليس منه، ممّا هو محلّ الزيادة والنقيصة، وتجريده من باقي التحريفات والانحرافات. والأهمّ من ذلك أن النظام العقدي الذي راج لقرون بين الناس لم يكن في مستوىً من الانسجام والتوافق، ولم يكن ناظراً لكلّ أبعاد التفكير البشري. وهذا إنما نتج عن عدم وحدة عناصره، بحيث يستحقّ أن يكون نظاماً عقدياً متكاملاً، ومنظومة فلسفية متكاملة. لهذا لا يستطيع ملء منطقة الفراغ في الفكر، بحيث يكون قادراً على إقناع العقل البشري في هذا الزمن.

وكان السيد الشهيد يرى أن إحياء وتجديد الفقه مرتبطٌ ـ وبشكلٍ كامل ـ بسلامة وصحّة المعتقدات الدينية. وهذان هما العنصران الرئيسان والمكوِّنان الفكريّان للدين، يرتبط الواحد منهما بالآخر، بل يتوقَّف أحدهما على الآخر. ولم يكن الشهيد الصدر يرى ارتباطهما في الجانب النظري فحَسْب، بل إن هدف كل واحد منهما يرتبط عضوياً بهدف الآخر. فبعد انهيار المعتقدات الدينية سيتحول السلوك الاجتماعي والفردي للمجتمع والفرد المسلم إلى ممارساتٍ منحرفة، وبالتالي فإن ممارسته الفقهية لن تحمل أيّ معنى. وعلى العكس كذلك، فإذا لم يكن في وسع الفقه الإجابة عمّا يواجههم في حياتهم من الأمور المستجدّة في الحياة البشرية فإن اعتقادهم كذلك سيكون باهتاً، ويفقد قيمته في حياته.

لقد أدرك الشهيد الصدر هذه العلاقة بين هذين العنصرين، ولذلك وجدناه يسلِّط كلَّ اهتمامه عليهما معاً، وفي آنٍ واحد.

بدايةً سنبيِّن أنواع الأضرار التي تهدِّد أصالة وخلوص الدين، وبالموازاة ما قام به الشهيد الصدر فكرياً وعملياً تجاه تلك الأضرار، وما طرحه لمعالجتها.

التعامل مع ما ليس صحيحاً في الفكر الإسلامي ــــــ

يتعرّض الإسلام اليوم للاستهداف من قِبَل ثلاثة أنواع من الأضرار الداخلية والخارجية. ويوماً بعد يوم تشتد وتيرة هذه الأضرار، وتتصاعد، لتضيِّق الخناق على الإسلام الأصيل، وتحدّ من مساحته. وهذه الأضرار الثلاثة تكمن في:

1ـ الغزو الخارجي.

2ـ التحجُّر الداخلي.

3ـ الالتقاط.

1ـ الغزو الخارجي ــــــ

يعاني المعتقد والفكر الإسلامي من تكالب الفكر المعادي من جبهتي الإلحاد في الشرق والاستعمار الثقافي من الغرب. فهو من جهةٍ يعاني من نفوذ المادية الفلسفية وأخلاقياتها، التي سرعان ما وجدت الأبواب أمامها مشرعة، فنفذت، وألحقت ضرباتها الموجعة بالتفكير الديني الإسلامي. ومن جهةٍ أخرى تكالب الفكر الغربي الاستعماري، الذي لم يكفِه الاستعمار السياسي والاقتصادي للبلاد الإسلامية، بل تعدّاه ليزرع أفكاره التغريبية، ساعياً بكلّ قواه لطمس الهوية الدينية للمجتمعات الإسلامية، وقلع جذورها.

في مثل هذه الظروف الحالكة، وفي ظلّ ما يعانيه الفكر والعقل المسلم، الذي وجد نفسه بين أنياب عدوّين متناقضين، ظهر الشهيد الصدر الذي لم يألُ جُهْداً في فضح المدرسة المادية الاشتراكية بكلّ توجهاتها، واستطاع أن يخمد نارها، ويسدّ باب فوهة بركانها الذي انفتح على العالم الإسلامي. وكذلك بيَّن عدم صحة الأفكار الغربية وعداوتها الاستلابية التي تختفي وراء حجاب من التديُّن والديموقراطية. فبتأليفه لكتابي «فلسفتنا» و«اقتصادنا» صوَّب ضربة قاضية إلى جبهتي الإلحاد في الشرق والنفاق في الغرب.

في الواقع كان هذان الكتابان ضربةً موجعة للأيديولوجيات والأفكار المادية والمادية الآلية والديالكتيكية في الشرق والفكر الليبرالي، بيَّن عجزها على إمداد التفكير البشري بالأفكار والنظريات التي تضمن له الحياة الصحيحة، وتحفظ إنسانيته وكرامته. كما توفق فعلياً إلى كشف القناع عن وجهها، وكشف للعقل المسلم وغيره حقيقتها في عدواتها للبشرية، وغرقها في اللاإنسانية.

فمن جهة كون العراق معنيّاً بالمعاناة من مدّ الفكر الشيوعي الإلحادي كان هذا يسبِّب للشهيد الصدر معاناةً كثيرة، لكنّ تهديد هذا الخطر لباقي المجتمعات الإسلامية زاد من عظم ألمه ومعاناته، وبالتالي صخبه وضجره. وقد صرَّح بذلك في أحد مؤلفاته قائلاً: إنّي أنا الآن أشعر بألمٍ شديد؛ لأن العراق مهدَّد بخطر الشيوعيّة. لكنْ هل أني سوف أشعر بنفس هذا الألم، وبنفس هذه الدرجة، لو أن هذا الخطر وجّه إلى إيران بدلاً من العراق، لو وجّه إلى باكستان‏ بدلاً من العراق، لو وجِّه إلى أيّ بلد آخر من بلاد المسلمين الكبرى بدلاً عن هذه البلاد. هل سوف أشعر بنفس الألم أو لا أشعر بنفس الألم؟… أمّا إذا كان ألمي لله تعالى، إذا كان ألمي لأني أريد أن يُعبَد الله في الأرض، وأريد أن لا يخرج الناس من دين الله أفواجاً، فحينئذٍ سوف أرتفع عن حدود العراق وإيران وباكستان، سوف أعيش لمصالح الإسلام، سوف أتفاعل مع الأخطار التي تهدِّد الإسلام بدرجةٍ واحدة، دون فرق بين العراق وإيران وباكستان، سوف أعيش لمصالح الإسلام، سوف أتفاعل مع الأخطار التي تهدِّد الإسلام بدرجةٍ واحدة، دون فرق بين العراق وإيران وباكستان وبين أيٍّ من أرجاء العالم الإسلامي الأخرى!»([2]).

لم يكتفِ الشهيد الصدر بنقد المدارس والأفكار الغازية الآتية من الشرق أو من الغرب، بل عمل على مقارنتها بالنظريات الإسلامية؛ حتّى لا يعيش الشباب المسلم منطقة فراغ أيديولوجيّ. كما أراد من ذلك إظهار علوّ شأن الفكر الإسلامي. وقد كتب في افتتاح كتابه «فلسفتنا» قائلاً: «وكان لا بُدَّ للإسلام أن يقول كلمته في معترك هذا الصراع المرير، وكان لا بُدَّ أن تكون الكلمة قوية عميقة صريحة واضحة كاملة، شاملة للكون والحياة والإنسان والمجتمع والدولة والنظام؛ ليتاح للأمة أن تعلن كلمة الله في المعترك… وليس هذا الكتاب إلاّ جزء من تلك الكلمة، عولجت فيه مشكلة الكون كما يجب أن تعالج في ضوء الإسلام»([3]).

في هذا الكتاب، إضافة إلى مناقشته لنظرية المعرفة في الماركسية، تعرَّض إلى أحدث نظرياتها، أو ما يسمّى بالوضعية بالنقد. وقد تكون الوضعية أرقى ما وصلت إليه المادية العلمية في القرن التاسع عشر، وكانت ضدّ التوجه الديني والتعاليم الدينية والأخلاقية؛ لأنها تنطلق من أصالة التجربة، ولا معرفة أو حقيقة إلاّ ما أثبتته التجربة، وما دام الفكر الديني لا يقوم على التجربة فإنه لا يستحقّ أن يكون موضع الاتّباع، ولا يحصل به اليقين.

إن تشكيك التفكير المادي الوضعي في مقرّرات ومعلومات الدين كان أكثر الحملات عداء، وأشدها شراسة، على الدين والمعرفة الدينية. وقد كان الشهيد الصدر من المفكِّرين القلائل الذين اعتنوا بالردّ على هذه المدرسة وفق أسس فلسفية ومنطقية، ودفع شبهاتها في ما يخصّ نظرية المعرفة. وقد كان في أفكاره وطروحاته في هذه الردود حضناً للشباب، حيث استطاع بالفعل أن يوجد فئة من الشباب قادرة على الوقوف وبقوّةٍ أمام تلك التيارات الفكرية المادية والوضعية، وارتقى بمستوى مواجهتهم لها إلى مستوى متطلّبات الساحة. وكما بيَّنّا، فإلى جانب النقد كان يطرح النظريات الإسلامية في مقابلها، وبذلك كان يجيب إسلامياً على احتياجات الأمة. ورغم ما نراه من أفولٍ لتلك النظريات المادية، وتساقط مدارسها في الشرق والغرب، فإنّ هذا لم يقلِّل من شأنية طروحات وانتقادات الشهيد الصدر في التصدّي لها، وإجاباته عنها، فهي لا زالت جديرةً بالمطالعة والدراسة، ولا زال لها تأثيرها؛ وذلك لكثيرة فائدتها العلمية والعملية.

2ـ التحجُّر في الداخل ــــــ

إن ظاهرة التحجُّر من الآفات التي ظهرت في وسط الدين، وكانت منذ تاريخ قديم عامل ركود وتخلّف في الفكر الإسلامي. وقد برزت بشكلٍ جدّي خلال عقود سابقة ـ قبل أن تأتي الثورة الإسلامية في إيران فتكسر شوكتها وتطيح بصنمها ـ في حوزتي إيران والعراق، حيث تحكَّمت في التفكير الديني، وحكمت عليه بالموت السريري لعقود، حتّى اكتسح الفكر الديني والمعتقد الإسلامي لون الاحتضار، ولم يعد ينتظر إلاّ الرمق الأخير.

فهذا الدين الذي كان عامل يقظة هذه الأمة وتبوّئها مكانة القيادة والريادة، وكانت تعاليمه عنصر قوّة لها؛ لتصبح في مرتبة عالية ومتميِّزة من التمدُّن والتقدُّم الحضاري، جاء المتحجِّرون ليسلبوه حركته ومرونته، واكتفوا بالقشور، وتجمدوا عند ظواهر الدين. بل الأدهى من هذا أنّه كلّما قام مصلحٌ ينادي حيَّ على الإصلاح، ويسعى للتجديد في مفاهيم التفسير، وأن يعيد إلى الدين والتديُّن حركته، استنهض عملاء التحجُّر كلَّ قواهم للوقوف في وجهه، واعتبروها بمثابة إعلان العداوة لهم، فإن فشلوا في إخمادها في مهدها سعوا إلى القضاء عليها وكسر قوّتها. ولطالما سعى هذا الفكر أن يقف في وجه الشهيد الصدر، ويمنعه من إحياء هذا الدين، وأن يثنوه عن طريق التجديد والإصلاح. وقد عبَّر عن ذلك حيث كتب يقول: «يقولون إنّ طريق‏ الدعوة شائك وطويل لا أمل في اجتيازه بجهدٍ محدود، ولا ضمان للتغلُّب على صعابه وعقابه المنتشرة على طول الطريق، بل هو من الطول والامتداد ما لا يتيح للدّاعية وهو في مستهلّ الطريق أن يتبيَّن معالمه إلى ‏الأخير، أو أن يمدّ ببصره إلى نهاية الطريق. فكيف نسلك طريقاً مظلم النهاية، شائك الدرب، أوسع امتداداً من أبصارنا وقدرتنا على الاستيعاب»([4]).

لكنّ هذا العالم الفذّ، الذي عشق هذا الدين عشق الواعي لحقيقته، والمدرك لكُنْه تكليفه الشرعي اتجاهه، أراد له أن يعود لعزّته وكرامته، لم يكن لتثنيه تلك المنعطفات، أو تقف في طريق روح التجديد والإصلاح مثل تلك الدعوات، التي لا دليل لها ولا حجّة. فقد تسلَّح بصلابة ومتانة إيمانه، وقوة فكره ونبوغه، الذي جعل منه بحقٍّ معلماً شامخاً في تاريخ الإسلام، فشمَّر عن ساعده، وأحكم الخطوة، ولم يكن يرى لحياته معنى سوى في عقيدته تلك، فأراد بكلّ وجوده أن يعيد الروح لهذا الدين، وأن يخرجه من قبر التحجُّر والجمود والغفلة، فنفخ فيه نفخةً ربانية، لم يكن يستطيع من باب تكليفه الشرعي والعلمائي أن يقبل على نفسه العذر نفسه الذي يردِّده المثبطون والمتقاعسون اليوم، ويصوغونه في إطارٍ من الواقع المعاش.

فكتب قائلاً: الطريق طويل. هذا ليس فيه شكٌّ. غير أنّه لا يعني بالنسبة للداعية إلى الله وشرعه شيئاً؛ لأنّ المسلم لا يستهدف من دعوته مكسباً مادياً يواتيه في نهاية الطريق، وجائزة عاجلة يكلِّل بها جهاده في لحظة النصر، ليزهد في طريق طويلٍ قد لا يصل إلى آخره، ولا يسير فيه إلاّ خطوات، وإنّما الهدف الحقيقي للمسلم من عمله في سبيل الله ثوابه تعالى:‏ ﴿وَرِضْوَانٌ مِنْ اللهِ أَكْبَرُ﴾. ولا أعرف هدفاً جهادياً يمكن ضمانه للمجاهدين، وتأكيد فوزهم به، كهذا الهدف، بقطع النظر عن طول الطريق وقصره ومشقته ويسره، واجتيازه وعدمه»([5]).

لقد أقبل على الطريق، ولم يختبئ وراء أيّ عذر، وقبل أن يدفع ضريبة الإصلاح والجهاد من أجل تغيير هذه الأمة والرجوع بها إلى أصالتها. لم تثبط عزيمته الصعاب صغيرها وكبيرها. انطلق يكسر الحواجز، ويقتلع الأشواك، مؤمناً بأن الإرادة القوية والعزيمة الثابتة لا محالة تنتصر؛ لأن تلك العقبات والحواجز لو كانت قاهرةً لجمد التاريخ، لكنّه لم يجمد، لكنها قضية منتفية بانتفاء محمولها: «والطريق شائك لا شكَّ في ذلك. ومَنْ قال: إنه ليس بشائك، وهو طريق صنع الأمّة من جديد، وإعادتها إلى مركزها القرآني الذي انحرفت عنه؟! إنّه طريق بناء الإنسانية كلّها، وتصميمها في قوالب السماء. ولكنّ الشوك وإنْ أدمى الأيدي التي تحاول اقتلاعه، إلاّ أنه يرضخ في النهاية للإرادة القوية والتصميم الثابت»([6]).

إنّ آماله تلك كانت تنبع من إرادته الصلبة، وإيمانه القوي. وهما خصلتان لم تمطر بهما عليه السماء، وإنما هما وليدا المشقّة والرياضات المعنويّة. لقد كانت تلك هي الشحنة التي يستمدّ منها قوّته في تحطيم تلك الدروع التي خلقها المتحجِّرون، وحافظ عليها النفعيون. وبإحيائه الفكر الإسلامي وتجديد نظريّاته ومعارفه صوَّب ضربة موجعة لكلّ مَنْ عمل على إيجاد ذلك الفكر، وساهم في تعطيل الأمّة.

 

3ـ الالتقاط ــــــ

من التيّارات الأخرى التي لعبت دوراً في تحجيم قدرات الفكر الإسلامي الأصيل هو تيار الفكر الالتقاطي، الذي روَّج لمفاهيمه وتفاسيره وتأويلاته الالتقاطية داخل الدين. وهو تيّار سلبه الغرب والشرق أصالته، فاحترف ثقافة الاستيراد من الغرب والشرق، وحاولت هذه الفئة أن تشرِّع لنفسها بإعادة صياغة المفاهيم الفكرية والآليات المعرفية والتفاسير، بحيث تصير وفق مقياس الشرق والغرب، وعرضت بضاعتها تلك على أنها تجديد في الفهم، وثورة في الفكر الديني. هؤلاء يريدون من خلال ما يطرحونه من تفسير، وبظاهر الثورة والرغبة في التجديد، أن يغيِّروا الثقافة والفكر، وبشكلٍ عامّ كلّ محتوى الدين، حتّى يتساوى والأفكار والنظريات الجديدة، وحتّى تصبح سنخاً لها. لكنّ هذه الرغبة ليست وليدة الانفعالات في مقابل الإلحاد العلمي والفلسفي الذي يشهده العصر الجديد، الذي يدَّعي العصرنة والحداثوية، بل بهرتهم تلك النظريات فتعقَّبوها، يضعون قدمهم حيث وضعت قدمها، يتعقبون أثرها وخطواتها، غافلين أو متغافلين عن كون تلك الأفكار والنظريات إنّما كان غرضها ـ بغضّ النظر عن الدوافع الذاتية التي تكمن في طبيعة فكر الكنيسة… ـ تنزيل المقدَّسات والدوس عليها، باعتماد التجربة والفكر المادي، زاعمين أنها المعيار والملاك الصحيح في تشخيص الحقّ من الباطل. وهذا إنّما يؤدّي إلى تنزيل المفاهيم والمضامين الإلهية لتخضع للتفكير البشري والمختبر البشري. وهذا إنما هو في واقع الأمر محاولة للقضاء على العلاقة بين الأرض والسماء، ومحو لرسالات السماء، وكأنّ الانسان خلق نفسه بنفسه، أو جاء ـ كما يقولون ـ بالصدفة، فكأنّه أدرى بها حتّى من نفسه التي هي بين جوانحه.

إنها التفاسير التي تريد القضاء على المقدَّسات، لا لشيء سوى أنهم وجدوا أنفسهم وأهواءهم لا تتقبَّلها ولا تستسيغها، فأتوا بمعايير غير علمية، ولا تمتّ للعلمية بصلةٍ، فأخذوا يسطِّرون أحكامهم على الدين والفكر الديني بالخرافة والأسطورة والدين فوبيا، أو أنهم يضعون تلك المقدَّسات أمام مجهر العقل المادّي، وآليات تفسيره، فيحذفون تارةً؛ وينزعون تارةً أخرى، حتّى لا يبقى لتلك المقدّسات إلاّ رسمها. وقد أسرفوا في تفاسيرهم حتّى أصبح لا يهمّهم من الدين إلاّ ما له ربطٌ بالأمور الاجتماعية والدنيوية، فاعتمدوه فقط؛ لكي يصلحوا به دنياهم.

إن نظرة هذا التوجّه الدنيوية والآلية للدين فتح المجال للتفكير في أنه في مواقع الأزمة تتنازل الآليات الدينية والقوانين والنظريات الدينية عن مكانها لصالح القوانين والآليات البشرية الأخرى. وهكذا سيجد الذين ينظِّرون لهذا التوجّه على أنه توجّه ديني، ويقتدون به، سيجدون أنفسهم يتنازلون شيئاً فشيئاً عن معتقداتهم الدينية الأصيلة لصالح أفكار هؤلاء، وبالتبع سيجدون أنفسهم في حضن المدارس الوضعية؛ بحجة أنها تفهم إحساساتهم، وتواكب تطلُّعاتهم في الانعتاق من القديم، ومن التقليد، وقادرة على تلبية احتياجاتهم المختلفة في كلّ الميادين، سوى ميدان المعتقد الغيبي، وهذا الأخير مجرّد أسطورةٍ وخرافة بزعمهم.

وقد بلغ نشاط ذلك التوجه أوجه، خصوصاً في العراق وإيران، وانتشر فيهما كما تنتشر النار في الهشيم، يأكل معالم الدين، ويطمس مفاهيمه، حتّى أصبح خطراً حقيقياً يهدِّد أصول المجتمع الإسلامي في هذين البلدين. وكتب الشهيد الصدر يبين خطر هذا الفكر وانتشاره في أطراف المجتمع العراقي بالذات: يؤذينا كثيراً ما نراه من انتشار لأفكار تغيير الدين وتطويره بين الناس. هذا الفكر الذي يظنّ أن أحكام الإسلام يجب أن تتغير بتغير الزمان، وأن تواكب ما عليه الحياة الإنسانية من تحوّل وتطوّر، ويعتقدون أن الإسلام كما نزل على النبيّ الأكرم| غير صالح لما عليه المجتمع البشري اليوم من تغيّرات وتحوّلات في حياته، وحتّى نستطيع تطبيق الدين على حياة الانسان المعاصر لا بُدَّ وأن يخضع الدين بتشريعاته ومفاهيمه وأحكامه وقوانينه للتغيير، وأن يلبس لباس العصر، ويصطبغ بلونه.

وخلاصة قولهم: إن الإسلام اليوم يجب أن يساير قوانين الحياة المعاصرة، ويلتزم بمذكرات قوانينها، وليس العكس، أي أن ينزل النّاس ومتطلبات حياتهم لقوانينه، وأن يلتزموا بمبادئه»([7]).

لم يكن الشهيد الصدر ليقبل الأفكار والتفاسير التي تقوم على الافتراضات، وما تطرحه من مناهج تحليلية ومعايير وملاكات هي من رحم الأيديولوجيات السائدة آنذاك، مثل: الماركسية والاشتراكية والليبرالية. وكان لا يكفّ عن بيان أن تلك الفلسفات والأيديولوجيات التي تعرض في الأوساط المثقّفة وغيرها باسم الحداثة والعالمية والتطوّر إنما تعمل على تحريف الدين، وتفريغه من مضامينه، ولا تمتّ تفاسيرها إلى الدين بصلةٍ. هي مدارس محكومة بالفشل، وسرعان ما ستسقط أقنعتها، حينها لن تجد مأوى ـ سوى مزبلة التاريخ ـ يؤويها: «ليس عملياً بالنسبة إلى حركة التجديد التي تقوم على أسس علمانية وترتبط بأيديولوجيا لا تمتّ إلى الإسلام بصلة؛ لأن حركة من هذا القبيل لا هي قادرة على تفسير الإسلام تفسيراً صحيحاً، ولا هي قادرة على إقناع الجزء الأعظم من الناس بوجهة نظرها في تفسير الإسلام»([8]).

وكان& يؤمن أن حركة التجديد تكون مقبولة حين تنطلق من الأسس والمبادئ الأصيلة للدين، وتعمل على تفسير الدين تفسيراً صحيحاً، حينها فقط تكون مقبولة في الوسط الإسلامي ويكتب لها النجاح والاستمرارية: «وعلى العكس من ذلك حركة التجديد التي تقوم على أساس الإسلام، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بمصادره الحقيقية في الأمة، وتجسِّد هذا الإسلام في دولةٍ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإنّ هذه الحركة قادرةٌ على امتصاص الجزء الأعظم من المحافظين لمصلحة البناء والتجديد؛ لأنّها بحكم إدراكها العميق‏ للإسلام، ووعيها الثوري له، قادرة على تفسير الإسلام، والتمييز بينه وبين السنن والأعراف الاجتماعية التي خلقَتْها العادات والتقاليد»([9]).

ومن البديهي أن تخليص الإسلام من الخرافات في التفاسير غير الصحيحة، وجمود التفكير، وتحريره من نيران الظلم والرجعية والتخلف الاجتماعي، ليس يعني إسقاط النظريات البشرية المحدودة والناقصة على المفاهيم الإسلامية، وتحميلها إياها، فلا بُدَّ من الفصل بين الإسلام الأصيل وبين كلّ تلك النظريات والأفكار الوضعية التي إنّما هي من صنع البشر. وكمثال على ذلك لا بُدَّ من محاربة الأفكار والنظريات غير الصحيحة في ما يتعلق بالمرأة المسلمة وعلاقتها بالمجتمع، وأن نعمل على فتح المجال أمام المرأة وتقدّمها، والاستفادة ممّا أودعها الله من طاقات، ولكنْ في ظل التوابث الدينية، وفي حدود تعاليم الشريعة، بدل أن ترفع الدعوات إلى السفور، ورفض كلّ القوانين الصحيحة، والبنود المعقولة، واتّخاذ الغرب عنصر المثال والقدوة. بل تعالوا لنحارب التخلُّف والجهل في ذواتنا وأفكارنا، وأن يكون المعيار في ذلك هو الأسس والمبادئ الإسلامية الأصيلة، ولنعمل على رفع الغشاوة عن بصائر الناس، وأن نبيِّن لهم أن العادات والرسوم والموروثات الاجتماعية التي تحقّق أنها سبب تخلُّف المرأة ليست من الإسلام، ولا ترتبط به بصلةٍ، وإنما هي بقايا الجاهلية، وصنع الديماغوجيات السياسية والاجتماعية، التي تريد أن تعطِّل المجتمع المسلم، وتبقيه بعيداً عن الوعي والتقدُّم.

إن الاعتقاد بالتجديد وفق المباني والتعاليم الدينية يكون من خلال تبادل الأفكار، والإيمان بقدرات الدين والفكر الديني على مواكبة احتياجات الحياة. وهذا يحتاج إلى مزيدٍ من المعرفة. إن اتّباع الإسلام والأفكار الجديدة المستخلَصة وفق ملاكات ومعايير إسلامية بحتة تستطيع الإجابة عن جميع احتياجات الحياة. ويقول في هذا الصدد: «ومن المهمّ أن نشير بهذا الصدد أيضاً إلى أنّ التعبّد بالنصّ لا يعني‏ الجمود والتصلّب الذي يتعارض مع متطلّبات التطوّر وعوامل التجديد المختلفة في حياة الإنسان، فإنّ التعبُّد بالنصّ معناه ـ كما عرفنا ـ التعبّد بالدين، والأخذ به كاملاً دون تبعيض. وهذا الدين نفسه يحمل في أحشائه كلّ عناصر المرونة والقدرة على مسايرة الزمن واستيعابه بكلِّ ما يحمل من ألوان التجديد والتطوُّر. فالتعبُّد به وبنصّه تعبّد بكلّ تلك العناصر، وبكلّ ما فيها من قدرة على الخلق والإبداع والتجديد»([10]).

إن دعوات هذا العالِم الشهيد واجتهاداته في مجال التحديث والتجديد قد قطع الطريق على تلك الصدمات والخروقات، وسعى إلى إزالة آفات تلك الأضرار من الدين والفكر الديني.

إنّ سبره لغور المعارف الدينية لم تترك فكره وثقافته غريبة في محضر معرفته بعالم اليوم، ثقافة المرحلة ومعارفها، فقد كانت معرفته واطلاعه على العلوم والتمدن والفكر والمدارس والنظريات الجديدة عميقة وواعية. لكنّه لم ينحنِ لها، ولم يتنازل لها، فقد وجدناه يدخل ميدان انتقادها وإظهار عيوبها دخول الفارس الشجاع، وكان إيمانه العميق بعلوّ شأن وحقانية الإسلام ونظريّاته ومعارفه.

لقد وقف في وجه دعاة الجمود وذوي الأفكار المتحجِّرة، وأخضع آراءهم التي يعتمدون عليها كشاهدٍ وسند لأفكارٍ للنقد والتحليل. نعم، لقد كان يعترف بالقيمة العلمية لميراث العلماء السابقين، وكان ينظر إليهم باحترامٍ وبكلّ تقدير، لكنّه لم يكن يرى في هذا مسوِّغاً للامتناع عن الفكر والتفكير الجديد. لقد استفاد وانتفع بتحقيقاتهم وكتاباتهم، لكنّه لم يتوقَّف عندها، فكان سعيه للانتقال من القديم إلى الجديد من دون أن تكون هناك قطيعةٌ أو طفرة موضوعية. ففي كلّ ما قاله وما كتبه نجد الحياة والديناميكية والحيوية. فقد استطاع بالفعل أن يجدِّد في الاستدلالات، وأن يعطي دفعة من الحياة والحداثة للاستدلال العقلي، وترك حجج التفكير المتحجِّر جانباً، فكان أن عرض الإسلام وفق استدلالات عقلية جديدة، لا تجد معها إلاّ القبول بهذا الدين؛ لأنه باستخدامه العقل وطرق الاستدلال الحديثة قد أعجز كلّ الحجج، وفضح مغالطاتها أو هفواتها العلمية.

ونظر إلى الفكر الالتقاطي على أنه تحريفٌ، لا فرق بين أن يكون عمداً أو عن طريق الجهل. فتعاليم الإسلام لا يمكن تعريضها لانتهازية ونهب معتقدات وثقافة المعسكرين الغربي والشرقي. فطريق التجديد والتحديث التي سلكها السيد الشهيد، والتي أحدثت ثورة علمية تجديدية بامتياز، أوضحت أن ليس هناك مدعاة للاستقراض من الثقافات والفكر الآخر، والتي تلبس لباس الثورة العلمية والثقافية، وتعمل ليل نهار على تلميع صورتها في عيون العرب والمسلمين، بل لا بُدَّ من الانطلاق من الإسلام ذاته، والسعي وراء حقائقه التي جعلها الله حقائق ثابتة، وتضمن للجانب المتحرِّك منه التجدُّد والحداثة المستمرة. والأهمّ من ذلك أن الشهيد الصدر قد تعرف على الزمن والإنسان، والواقع الذي يحكم هذين الاثنين، فاستخرج آراء الاسلام التي لها الشمولية والتمامية، والتي تصلح لقيادة إنسان هذا العصر، حتّى يستطيع الفرد المسلم الذي يعيش في عصر التمدُّن الجديد وثقافة هذا العصر بما لها وما عليها أن يحفظ هويته الدينيّة، وفي نفس الوقت يميِّز مكانته، وبالتالي يواكب مستجدّات العصر من دون إفراطٍ أو تفريط.

حاجة الإنسان إلى الدين ــــــ

وفق اجتهادات الشهيد الصدر الحاجة إلى الدين قد حصرت في وجهتين اثنتين تستحقان التقدير والاهتمام:

1ـ الوجهة التشريعية([11])، أو ما يصطلح عليه في علم الأصول بـ (الإرادة التشريعية)، حيث يؤخذ الدين هنا على أنه تشريعات وقانون إلهي.

2ـ الوجهة الفطرية: حاجة الفطرة الإلهية والجانب التكويني للإنسان([12]). فلا يكون الدين مجرّد مقولة حضارية، ومجموعة من القوانين والتشريعات تُملى عليه من السماء، ويقوم هو بممارستها في ظلّ مناسك وعبادات وحركات وأفكار. لم يعُدْ مجرّد تشريع، مجرَّد قرار من أعلى‏، وإنّما الدين هنا فطرة للناس من السنن الطبيعية والواقعيات التكوينية التي تتضمّنها خلقته وطبيعته، وتظهر في البناء التكويني للإنسان.

من هنا فالتعرف والإقرار بالوجود التكويني الطبيعي للدين بالنسبة إلى الإنسان، الذي هو خليفة الله في الأرض، والذي تحمّل الأمانة، يدفع أيَّ شكٍّ عن هذا الوجود الفطري للدين داخل الإنسان. وتساهم آيتا «الفطرة» و«الأمانة» في الكشف عن جانب من مفهوم الدين، ووجهٍ من ممارسة هذا الدين؛ لأن المقصود من عرض الأمانة على الإنسان كما أتى في آية الأمانة ليس هو العرض القانوني والتشريعي، بل المقصود به أن هذه المنحة الربانية والنفحة الإلهية إنما أصطُفي الإنسان لحملها، بلحاظ امتلاكه للانسجام العضوي معها. فالآية تبين أن تلك الأمانة عرضت على جبال وسماوات وأراضين لكنْ لا واحد من هؤلاء كان بإمكانه تكويناً أن يكون الحاضن لهذه الأمانة، إلاّ الإنسان التي أوجدت فيه تكويناً مؤهّلات تحمّل تلك الأمانة؛ لأنها جزءٌ من تكوينه، فكانت منسجمةً معه، وحصل التوافق بينهما. فالعرض كان تكوينياً، كما أن القبول كان تكوينياً، ولا مدخلية للتشريعي هنا.

إذن فبحث الإنسان عن الدين إنما هو سنّة من سنن التاريخ، وقانونٌ داخلٌ في صميم تركيب الإنسان، وفطرة إلهية، يعني كما أنّه لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان أيَّ جزء من أجزائه التي تقوِّمه كذلك لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان دينه.

الدين سنّة كونية، وليس سنّة صارمة، بمعنى أنه ليس على شكل القضية الشرطية، قد ترفضه لكنْ ليس دائماً، قد تخالفه ولكنْ ليس على الدوام. فعلاقة الزواج بين المرأة والرجل مسألة تكوينية. فالرجل يتزوّج المرأة، والمرأة تتزوج من الرجل، لكنْ قد تخالف هذه السنّة كما يحصل في حالات الشذوذ الجنسي مثلاً، لكن هذه الحالات لا تدوم، وسرعان ـ وهنا المقصود السرعة التكوينية، وليس كما نراها نحن ـ ما تحارب لتعود الأمور إلى طبيعتها.

إذن فكلما ظهرت حركة أو توجّه يرفض الدين ويحارب وجوده حُوربت ورفضت، وامتنع عنها، سواء على المدى القريب أو المدى البعيد؛ لأن الفطرة ترفضها، وهي مخالفةٌ للطبيعة التكوينية للإنسان الذي يحتاج إلى الدين؛ لأنه جزءٌ من تركيبه وتكوينه؛ ولأن الدين سنّة كونية.

وإنّ هذه العودة إلى الدين وحركة التديُّن، وسقوط الحركات المناهضة للدين عبر التاريخ، دليلٌ وشاهد عيان على حقيقة هذالتفسير الذي بينّا فيه العلاقة التي تربط بين الدين والإنسان.

فالدين جزء من التكوين التكويني والفطري للإنسان، كما قال السيد الشهيد: «الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة، يمكن إعطاؤها، ويمكن الاستغناء عنها؛ لأنها في حالة من هذا القبيل لا تكون فطرة الله»([13]).

فالإنسان والمجتمع الإنساني في مختلف مراحل تكامله وتطوره وتمدّنه لا يمكنه أن يدع الدين جانباً؛ لأن الدين عنصر مقوم، وليس عنصراً عارضاً، أو عنصراً تحميلياً يمكن الاستغناء عنه، كيف شاء، ومتى شاء.

العودة إلى الدين ــــــ

ذهب السيد الشهيد إلى القول بأن التمدّن والتقدم الحضاري قد عقد الأمر بالنسبة إلى الدين، حيث إن الدين أصبح في جانب من دون أيّ حركة أو فاعلية في هذا النموّ والتطوّر الذي تشهده الحياة البشرية، بحيث أصبحت عقدته معقّدة، بل مستعصية وصعبة بدرجةٍ كبيرة. الشيء الوحيد الذي بإمكانه حلّ تلك العقد هو استخلاص القيم والمعتقدات النقية والصحيحة والفاعلة، وهي السبيل الوحيد والأوحد للعودة إلى الدين.

هذه العودة تلعب دوراً أساسياً في تعميق حركة تكامل وتقدم حياة الإنسان، فتمدها بمعانٍ سامية، كما تخطط لها أهدافاً صحيحة، وتجعل تمدّنه خصباً ومثمراً. ومنبع ومصدر هذا الاعتقاد هو رؤيته الواسعة التي ينظر بها إلى «الإسلام»  و«الحياة».

نظرته إلى الإسلام ــــــ

إن كلّ جهوده العلمية والفكرية تتّجه صوب التأكيد على أن الإسلام ـ كما هو عقيدة روحية ونفسية ـ كذلك هو دين للحياة: «عقيدة حيّة في الأعماق، ونظاماً كاملاً للحياة، ومنهجاً خاصاً في التربية والتفكير»([14]).

وانطلاقاً من هذا الاعتقاد وهذه الرؤية فالإسلام مدرسة مفتوحة، له فاعلية وحضور إيجابي في الحياة المجتمع المعاصر. كما أنه قادر وبكلّ تمامية وكمال على تلبية احتياجات المجتمعات الإسلامية، وله عناصره على مستوى القيادة والريادة: «إن الإسلام قادرٌ على قيادة الحياة وتنظيمها ضمن أطره الحيّة دائماً»([15]).

عقيدة الإسلام لا تقتصر على الجانب الفكري والقلبي، بحيث لا يكون له أيّ دور أو رأي في جوانب حياة المؤمن، بل الإيمان كما هو مرتبط بالعقل وقلب الإنسان كذلك له علاقة قوية بالحياة والجانب الفعلي والعملي منها.

مبدئياً الإسلام من وجهة نظره نظام قانوني وتشريعي، وفلسفة فكرية بامتياز. وإن ملاك ومعيار تمايز الإسلام قائم بتفسيره على مستوى حياة الإنسان وواقعه، حيث يكون له الارتباط العضوي.

وإن الإيمان بهذا التفسير من جهة يجعل الإنسان يرى تدبير حياته في يد المدبِّر الأعلم والمحيط بكل شيء، فيحصل سلوك نحو الهدف من الخِلْقة والسَّيْر نحوها خطوة خطوة؛ ومن جهةٍ أخرى يحصل له الارتباط الاعتقادي وغيره باتّصال هذه الحياة بالحياة الأبدية. ومن الطبيعي أن حصول هذه العقيدة بهذا المستوى يضفي لوناً على الفرد وعلى المجتمع، ويصبغها بمعنويات وقيم روحية لا يمكن غضّ النظر عنها أو تجاهلها.

ويرى السيد الشهيد أن الاعتقاد بالإسلام والإيمان به هو في الحقيقة ذلك الكمّ الهائل من المعنويات والأخلاق التي تستلهم من هذا النظام الكامل والشامل، ويفيضها على ظرف حياة الإنسان، وهو السير والسلوك الواضح الخطوات الذي يحمل الإنسان نحو الهدف المقدَّس والعالي، وهي بحقّ الرسالة الكبرى التي تجعل الإسلام مدرسة من دون منافس؛ إذ لا أحد يستطيع أن يضع على عاتقه تلك الرسالة أو أن يأمل بتحمّلها ولو على المدى البعيد؛ وذلك لأن عنصر الانسجام بين متطلّبات الفطرة لدى الإنسان واحتياجاتها التي ترتبط بمنافع ومصالحه الشخصية وكذا رغبات المجتمع التي تتحقّق من خلال نشر وتفعيل مبدأ العدالة وتوسيع مجالاته داخل المجتمع، وكذا قلع جذور الفساد ورموز الفساد، كلّ هذا لا يتمّ إلاّ على أساس المفاهيم التي يمتلكها الإسلام في ما يخصّ الحياة.

يجمع الإسلام بين مقياسي مصالح الفرد ومصالح المجتمع، من خلال اعتماده لأسلوبين يجمعهما الوحدة والتوافق، وهما:

الأوّل: تركيزه لمفهوم خاصّ للحياة، يقوم على أساس أن الحياة الدنيوية مقدمة للحياة الآخرة، وكسب السعادة فيها متوقّف على مقدار ما يبذله من فعل الخيرات التي يسعى من خلالها إلى نيل رضا الله سبحانه وتعالى. فنيل رضا الله بقدر ما يحقّق أهدافاً شخصية يحقّق بالموازاة أهدافه الاجتماعية الكبرى. فالدين يأخذ بيد الإنسان إلى المشاركة في إقامة المجتمع السعيد، والمحافظة على قضايا العدالة فيه، التي تحقِّق رضا الله تعالى؛ لأنّ ذلك يدخل في حساب ربحه الشخصي، ما دام كلُّ عمل ونشاط في هذا الميدان يُعوَّض عنه في العالم الآخر بأعظم العوض وأشرفه. من هنا يظهر أن مفاهيم الإسلام في ما يتعلَّق بالحياة تجعل مسألة وقضية المجتمع قضيته ومسألته.

والإسلام يوسِّع من مساحة وجود الإنسان، ويفرض عليه نظرة أعمق إلى مصالحه ومنافعه، من دون أن يخدش فطرته أو يغيبها. فيقوم الفرد المسلم بالعمل من أجل بناء مجتمع السعادة وفق مبدأ العدالة الاجتماعية، وباقي القِيَم الجماعية، التي لا تتحقَّق إلاّ في ظلّ المجتمع وفي العلاقة مع الآخر. وكلّ ذلك من أجل نيل رضا الله والفوز بالسعادة الأبدية في العالم الأخروي.

الثاني: التعهُّد بتربية أخلاقية خاصّة تُعنى بتغذية الإنسان روحياً، وتنمية العواطف الإنسانية والمشاعر الخُلُقية فيه. فهو يربّيه بشكلٍ يجعله ينظر إلى القيادة القدوة بعين من الحبّ والاحترام، الشيء الذي يدفعه إلى احترام القِيَم والأخلاق المعنوية المحترمة، وتدفع به بالتالي إلى الامتناع عن المصالح الشخصية التي تبعده من تحصيل مَلَكة تلك الأخلاق والكمالات الروحية.

‏ فالفهم المعنوي للحياة والتربية الخُلُقية للنَّفس في رسالة الإسلام هما السببان المجتمعان على معالجة السبب الأعمق للمأساة الإنسانية. هما الطريقان اللذان يحقِّقان الاعتدال بين الحقوق والمصالح الفردية ومصالح المجتمع وحقوقه، أي إنها تعمل على اعتبار الفرد والمجتمع معاً، وتأمين الحياة الفردية والاجتماعية بشكلٍ متوازن. فليس الفرد هو القاعدة المركزية في التشريع والحكم، وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشي‏ء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرِّع لحسابه، وإنما مبدأ العدالة الاجتماعية تحفظ لكلّ واحد حقوقه، من دون أن يذوب هذا في ذاك أو ذاك في هذا، وحتّى لا يضيع حقّ الفرد من أجل المجتمع، أو يضيع المجتمع في سبيل حبّ الذات التي للفرد. وبذلك توضع طرق العلاج والحلّ لكلّ المعضلات التي تسقط المجتمعات وتفشلها.

من هنا فالبشرية باعتمادها النظام والمفاهيم المستوحاة من المادّة، وما صيغ منها من رؤى حول المجتمع، لا يمكنها أن تخطو خطوةً نحو العدالة والإحسان، ولا مفرّ لها من اللجوء إلى نظام مفاهيمي وأخلاقي يملك تلك الملاكات. ولا أرى لها النجاة إلاّ في مدرسة الإسلام في مقولاته المفهوماتية حول الحياة الفردية والاجتماعية، وفي منظومته التربوية والأخلاقية([16]).

نظرته إلى الحياة ــــــ

وفق نظرة الإسلام العميقة إلى الحياة المادية والاجتماعية والتكامل الاجتماعي للإنسان أسس السيد الشهيد موقفه الذي كان يتّسم بالاحترام والتقديس لتلك الحياة. فكان يرى كلّ مقاطع الحياة ومراحلها محطّات تتجلّى وتتسامى فيها العبودية لله سبحانه وتعالى، وكان يحكم بالبطلان على تلك الاعتقادات التي ترى أن تعاليم السماء منفصلة عن فعاليات وحركة الإنسان على الأرض، حيث تكون هناك الازدواجية في النظرة، بل اختار طريق الوسطية بين سلوكي الإنسان الغربي والإنسان الشرقي، طريق الجمع بين السماء والأرض.

فمن خلال دراسته لحياة الإنسان الأوروبي والإنسان الشرقي وجد أن الإنسان الأوروبي ينظر إلى الحياة بنَهَمٍ دائم، ويراها ميدانه الوحيد، يبذل فيها ولأجلها كل نشاطه، حتّى أن المسيحية ـ باعتبارها الدين الذي آمن به هذا الإنسان الأوروبي قروناً من الزمن ـ لم تستطع أن تغيِّر من نزعته الأرضية شيئاً، وبدلاً من أن ترفع نظره إلى السماء استطاع هو أن يستنزل إله‏ المسيحية من السماء إلى الأرض، وجسَّده في كائن وظاهرة أرضية.

إن نظرة الإنسان إلى الأرض أتاحت له أن يبرز استعداداته، ويفجر الطاقات المختزنة في كلّ فرد من الأمّة، ووضع أهداف لعملية التنمية تتَّفق مع تلك التقييمات المادية التي سعى ويسعى إلى أن تكون في مستوى نظرته المادية للحياة. ‏

فأنشأ قِيَماً للمادّة والثروة والتملك، حتّى مارس استثمار بني نوعه واستعبدهم؛ طلباً للمادة، وجرياً وراء حبّ التملك وحب الثروة، فأصبح مبدأه: (قيمة الإنسان ما يملكه من مال وثروات…).

لكنْ تجد أنّ أخلاقيات الإنسان الشرقي، وبالنظر إلى تاريخه الذي يجد جذوره مؤسّسة على الدين، تختلف عن أخلاقيات الإنسان الأوروبي. فالإنسان الشرقي قد تلقى تربية من السماء بواسطة الرسالات السماوية التي عاشت في موطنه، ومدّته بتربية دينية على يد الإسلام، فهو بلحاظ كلّ ذلك ينظر إلى السماء قبل أن ينظر إلى الأرض، ومتعلِّقٌ بعالم الغيب الذي يستمدّ منه مسؤولياته وواجباته، ولا تعني له الماديات والمحسوسات شيئاً كبيراً. فهو حاضرٌ لأن يغيِّر مسار حياته وفق إملاءات الغيب، وأن يضحّي بعالم المادة؛ لأن ذلك أصبح يتوافق وطبيعته.

وهذا الحضور القويّ للغيب في عقيدة وفكر وسلوك الإنسان المسلم قنَّن من التفاته للمادة، ولم يفسح المجال أمامها لإغرائه والتأثير عليه. لكنّ هذا سبب له في بعض المواقع الانحراف نحو اتخاذ موقف سلبي تجاه المادة، فتجده ينزوي عن عالم المادة وعالم المحسوسات، فيتّخذ سلوكه عناوين سلبية، مثل: الزهد أو القناعة تارة؛ وتارةً يكون الكسل والخمول واللامبالاة.

وحسب رأي الشهيد محمد باقر الشهيد فإنّ كلتا النظريتين خاطئة، وتحتاج إلى التصحيح والتنقيح وإعادة التأهيل. فالمهمّ في سلوك الإنسان المسلم أن يرى بطلان تلك العقيدة التي تفصل الأرض عن السماء، ولا بُدَّ أن يستأصلها من عقله وقلبه.

ويؤمن السيد الشهيد أنّه إذا أصبغ على الأرض رداء السماء، وتحوَّل العمل والسعي مع الطبيعة ليصبح واجباً شرعياً، فيأخذ مفهوم العبادة، وهو ما عبَّر عنه النبيّ الأكرم| حين قال: «جعلت ليَ الأرض مسجداً»([17])،  ففي هذه الصورة ستتحول النظرة الغيبية إلى طاقة وقوّة دفع هائلة في خدمة المجتمع المسلم، فيرتفع المستوى المعيشي وما يستتبعه من ارتقاء الاقتصاد. ويرى أن إيجاد هذا التحوّل في تفكير وسلوك الإنسان المسلم من وظائف الدولة الإسلامية، حيث قال: «وهذا بالضبط ما تصنعه الدولة الإسلامية، فإنها لا تنتزع من الإنسان نظرته العميقة إلى السماء، وإنما تعطي له المعنى الصحيح للسماء، وتسبغ طابع الشرعية والواجب على العمل في الأرض، بوصفه مظهراً من مظاهر خلافة الإنسان لله على الكون»([18]).

من هنا فتفكير الدولة الإسلامية ليس فقط ضرورة دينية؛ لأجل ترشيد وتمدن الإنسان والمجتمع المسلم، بل هو ضرورة إنسانية وحاجة حضارية: «المنهج الوحيد الذي يمكنه تفجير طاقات الإنسان في العالم الإسلامي، والارتفاع به إلى مركزه الطبيعي على صعيد الحضارة الإنسانية، وإنقاذه مما يعانيه من ألوان التشتُّت والتبعية والضياع»([19]).

إن ازدهار وموفقية الفرد والمجتمع المسلم في الدولة الإسلامية يحصل في ظلّ انسجام وتوافق عقيدة الدولة وعقيدة الفرد المسلم وروحياته. وهذا التوافق والانسجام هو العامل الأكثر تأثيراً في مجال التمدُّن والارتقاء.

واتّخاذ الدولة الإسلامية الإسلام أساساً لعملية البناء، وإطاراً لنظامها الاجتماعي، يعمل على تفعيل دورالإنسان بوصفه خليفة الله في الأرض. وبالتالي يعمل على تثبيت هذا الهدف وتحويله من مجرّد مفهوم إلى حركة وفعل. إنّ التعرف على التصوّرات التفصيلية للعدالة قادرة على تحديد الهدف بالنسبة إلى الفرد والمجتمع؛ باعتباره الامتداد الطبيعي للفرد في علاقاته الاجتماعية. وهي الكفيلة بجعل الفرد يساهم في بناء تمدن وتقدم الدولة؛ وذلك لأن الفرد يكون مضطلعاً بمسؤولياته الفردية والاجتماعية، والتي يراها جزءاً من عباداته، وممارسة حقيقية لواجبه الشرعي. وهذا هو الضمانة الفعلية والحصانة الفكرية والنفسية التي تمنع الإنسان المسلم من أن يتحوّل من قوى البناء والتعمير إلى قوّة همّها جلب منافعها الشخصية، والالتذاذ بملذات الحياة بشكلٍ فرديّ، وهو ما يكرِّس التخلّف، ويعيق تطوّر الدولة. وظهور هذا الانحراف عند الفرد المسلم يمنعه من الحركة والمساهمة في بناء المجتمع؛ لأن المساهمة في بناء المجتمع يعني التخلّي عن العديد من رغباته وحاجاته من أجل سعادة المجتمع وتقدّمه. فمبدأ العدالة الاجتماعية في الإسلام يقوم على عنصر التكافل الاجتماعي، الذي يعني التضحية من أجل الآخر.

فكلّ إنسان ينظر إلى الحياة من نافذة النظرية الإسلامية ينتقل القلق على الحياة ليأخذ وجهة إيجابية يكون سعيه فيها، وخيره مجدداً لقدراته باستمرارٍ على مواصلة الكدح في طريقه إلى ربّه، وتحقيق هدفه. فهي طريق نحو الهدف الأكبر، لذلك هي في ذاتها لا تحمل أيّ أهمية، وإنما أهميتها تكمن في أنها تعطي لوجوده معنى يكمن في السير نحو السعادة الدائمة والحياة الأبدية. ‏

ويرى السيد الشهيد أن دور الدولة القيام بتوضيح المفاهيم الدينية للحياة لمجموع الناس، ما يفتح أمامهم نظرة ورؤية صحيحة للحياة، وتكون بذلك عامل تحفيز ودفع وتنمية كلّ الطاقات الخيِّرة لدى‏ الإنسان في كلّ مشاهد الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية و…، وتوظيفها لخدمة الإنسان، وللارتقاء بالدولة في درجات التمدن والتحضر، وتهيّئ فضاءات الإبداع والمناخ المناسب للنموّ والإبداع لكلّ إنسانٍ يملك القدرات الفردية والقابلية الخاصة لأن يساهم في البناء، بقطع النظر عن مكونه الشخصي، وبذلك تكون حضناً، وتجعل كلَّ فردٍ يشعر بأنّ استجابته لعملية البناء التي تقودها الدولة هي استجابة لكرامته وعزّته على الأرض.

ويؤكِّد الشهيد الصدر على أن هذه المهمة لا يمكن أن تقوم بها سوى الدولة التي أنشئت على العقيدة الإسلامية بكلا جانبَيْها: النظري؛ والتطبيقي العملي، الدولة التي تكون قدوة حقيقية للإنسان بغضّ النظر عن مبناه الفكري، وللمستضعفين: «لن تستطيع أيّ دولة أن تقدم هذا المركب الحضاري لإنسان العالم الإسلامي سوى الدولة الإسلامية التي تتّخذ من الإسلام أساساً لعملية البناء، وإطاراً لنظامها الاجتماعي»([20]).

وكما هو واضحٌ فإن السيد الصدر لم يكن يتحدّث عن الإسلام باعتباره مجرّد مجموعة من التشريعات والقوانين التي تهدف إلى ربط الإنسان بالله من خلال الواجب والحرام، بل كان أكثر ما يؤكِّد على فلسفة الإسلام في بناء المجتمع والفرد المسلمين. قيادة الحياة والمجتمع وهدايتها إنّما تتمّ في حدود الرسالة الدينية، بل هو يرى أن التفسير الحقيقي للحياة إنما نحصل عليه في ظلّ الإسلام، وهو التفسير الوحيد الذي يكشف عن فلسفة الحياة بشكلٍ تامّ وبدون إبهام.

حدود ومساحة الدين ــــــ

على قدر حاجة البشر إلى الدين يتّخذ الأخير شكله المنتظَر منه. والحاجة بنت المعرفة. فإدراك الحاجة يكون بمعرفة تلك الحاجة. وتحديد قيمة المرتقَب من الدين ومعرفة قدر ونوع الحاجة إليه هما ما يوضِّح حدود ومساحة الدين.

في مباحثه القرآنية يشير السيد الصدر إلى مسألة في غاية الأهمّية، مفادها ما هو المرتقب والمطلوب من القرآن؟ وما هي الساحات التي نترقَّب أن يحدث عنها؟ فمثلاً: هل نترقَّب من القرآن أن يحدثنا عن القوانين التاريخية بنفس المنهج التعليمي المدرسي؟ وماذا عن سنن وقوانين الساحات العلمية الأخرى؟ وبعبارةٍ أخرى: هل التمسُّك بالقرآن يعد بديلاً عمّا توصلت إليه القدرات العلمية الخلاّقة للبشر وما أبدعته الطاقة والمواهب الإنسانية على مرّ التاريخ، وفي مختلف الساحات العلمية؟

يؤمن السيد الشهيد بأن القرآن كتابٌ سماويّ يجيب عن حاجات الإنسان في مجال الهداية نحو كمال النوع، ويوضِّح ويبين ما يرتقبه البشر في مجال الإيمان وما يثبت به قلوبهم على طريق الحقّ والهداية، حتى يسلكوا سبيل النجاة، ومحصِّن له من المهلِكات من داخل نفسه وخارجها. وبكلمة واضحة القرآن كتاب هداية وتربية روحية ونفسية للإنسان. وقد أنزل القرآن على النبيّ الأكرم| لا بوصفه معلِّماً بالمعنى التقليدي لكلمة معلِّم، حتّى يكون له مكان في تعليم العلوم لمجموعةٍ هنا أو هناك، وإنما أنزل عليه| ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. فلا ينتظَر من القرآن أن يكشف لنا عن أصول ومبادئ العلوم، من فيزياء وكيمياء أو حيوان أو نبات، وأن يتحدث لنا عنها. صحيحٌ أن في القرآن إشارات من كلّ ذلك، لكنها في حدود ما يؤكِّد على البُعْد الإلهي لهذا الكتاب، وبالقدر الذي يثبت العمق الرباني له، والذي له القدرة على كلّ الناس في مختلف الأعصار والأزمان. فهو بتلك الإشارات يكشف عن كلّ ذلك، ويبين أنه يتقدم التجربة البشرية بمئات السنين. لكنْ كلّ تلك الإشارات إنما هي لغرضٍ تربوي وهدايتي، وليس ليعلم الفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم…. إذن لا يمكن القول بأيّ حال: إن القرآن يطرح نفسه بديلاً عن إرث التجربة البشرية وعن مجهودها العلمي: «القرآن لم يطرح نفسه بديلاً عن قدرة الانسان الخلاقة ومواهبه وقابلياته في مقام الكدح في كلّ ميادين الحياة، بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة، وإنما طرح نفسه طاقة روحية موجهة للإنسان، مفجِّرة لطاقاته، محركة له في المسار الصحيح»([21]).

والقرآن في مجال البحث والإبداع والكشف لا يكون بديلاً عن قوى التفكير البشري، ولا عوضاً عنها، ولا يجب الارتقاب منه أن يطرح أساسيات ومبادئ العلوم البشرية، ولا أن يُبتغى أن يدلي برأيه فيها؛ لأن القرآن لو كان في مقام بيان هذه الحقائق ومبادئ العلوم للزمه أن يتحول من كتابٍ مبعوث للبشرية جمعاء إلى كتاب خاصّ بفئةٍ من العلماء والمتخصِّصين، ولجعلوه درساً لهم يعرضونه في عدّة دورات علمية.

ويبين السيد الشهيد أن سبب اعتماده على القرآن في كشف السنن والنواميس التاريخية إنّما هو لارتباطها بوظيفة القرآن باعتباره كتاب هداية؛ لارتباطها في جانبها العملي بالسنن التاريخ، فلا بُدَّ إذن أن نستلهمها من القرآن، ولا بُدَّ إذن أن يكون للقرآن الكريم تصوّرات وعطاءات في هذا المجال؛ لتكوين إطار عام للنظرة القرآنية والإسلامية عن سنن التاريخ، بخلاف باقي العلوم الأخرى، فإنّ عملية الهداية التي يريدها القرآن لا ترتبط عضوياً بها، وليس لها مؤثِّرية مباشرة في عملية التغيير البتّة.

ومن غير شكٍّ فإن تعيين مكانة ووظيفة القرآن في ساحة الحياة يحدِّد مكانة ووظيفة الدين قبلها. فباعتبار أنّ القرآن هو الكتاب المقدَّس في الإسلام، وكلّ ما في الإسلام يوجد في القرآن، يتبيَّن أن الدين يبيِّن ويكشف عن معارف للإنسان، ويفسِّر له محطّات من الحياة، ويعطيه آلياتها في حدود ما له ارتباط عضويّ بالهداية والكمال الإنساني. ولا يوجد مرجع أو مصدر آخر يمكن للإنسان أن يستسقي منه تلك المعارف والمفاهيم والمعطيات.

كشف وفهم النظام النظريّ للدين ــــــ

لا شَكَّ أنّ كثيراً من الثروة الفكرية موجودة في النصوص والمتون الدينية، لكنْ ما لم تكن هذه الثروة في قوالب وأساليب محدَّدة ومشخَّصة ومفهومة فإنها لا يمكن أن تكون في مركز القيادة والإرشاد نحو الطريق السليم؛ وذلك لأن المفاهيم الكلّية إذا لم تفسّر فإنّ الدين يبقى غير قادر على لعب أيّ دور في المجتمعات البشرية المعاصرة، ولا أن تحدث التغيير المنوط بها.

من جهةٍ أخرى فإن تواجد الإنسان المسلم نفسه أمام العديد من النظريات والفلسفات الوضعية في مختلف مجالات الحياة جعله معنياً بمعرفة موقف الإسلام من هذه النظريات، موقف الإسلام الحقيقي، إنْ سلباً أو إيجاباً، من كلّ هذه الفلسفات. الإنسان المسلم يريد أن يعرف تكليفه تجاهها. أيتّخذها في جملتها، أم يأخذ ما صحّ ويترك ما كان خاطئاً؟

 وبطبيعة الحال، ومن خلال ما سبق، فإن الإسلام ليس عدوّاً للتجارب البشرية، وهو يريد منا أن نقبل بما صحّ منها، بشرط أن لا تكون أجنبية، وغير مساوية للنظريات السماوية المتعالية في الإنسان والحياة.

فمثلاً: الإنسان المسلم يريد أن يتعرَّف على شكل ونحو الفلسفة والقانون السياسي في الإسلام، وهل له مشتركات مع باقي الفلسفات السياسية الأخرى؟ وفيمَ يفرق عنها؟ كذلك الشأن بالنسبة للقانون الاقتصادي، والحقوقي، وباقي الفلسفات الأخرى التي تهتمّ بكلّ أبعاد الحياة، وتقوم بتفسيرها وفق معطياتها ومبانيها الخاصة.

فمن أجل هذه الغاية ما الذي يجب فعله؟ ما هي الطريق التي علينا المضيّ فيها لاستخراج النظريات والأساليب الفكرية والمعايير للتشخيص والاختيار بين التجارب البشرية، من النصوص الدينية ومتونها؟

بالاطلاع على آثار العلاّمة الشهيد السيد محمد باقر الصدر يتبيَّن لنا أن تلك التساؤلات قد استوقفَتْه أكثر من مرّة. وقد وضع النصوص الدينية أمام ناظرَيْه متّجهاً إليها من زاوية اكتشاف الأجوبة الصحيحة عن تلك التساؤلات.

وما اقترحه السيد الشهيد هو ما أسماه «الفهم الموضوعي» أو «اكتشاف المذهب».

فهو يرى أن فحص ومحاولة كشف النصوص الدينية وفق المنهج التجزيئي أكثر ما يمنح المفسّر على أحسن تقدير حصوله على‏ مجموعة مدلولات القرآن الكريم ملحوظة بنظرةٍ تجزيئية أيضاً، أي إنّه سوف يمدّنا بعدد‏ كبير من المعارف والمدلولات القرآنية، لكنّها على شكلٍ متناثر. فمعنى النصّ يضيع في تراكم عددي من المعاني اللفظية من دون أن يكشف عن معنى ترابطي بينه وبين مجموع النصوص ذات الموضوع الواحد، أي دون أن يكشف الترابط العضوي داخل ذلك التجمّع من الأفكار. وقد ينتقل المفسّر لبعض الاستنباطات المتفرّقة القائمة على الاجتهاد، لكنها لا ترتبط بغيرها. لذا وجب استعمال المنهج الموضوعي (الفهم والتفسير الموضوعي)، والذي يستهدف القيام بالدراسات لأجل تحديد موقف نظريّ للقرآن الكريم، وبالتالي للرسالة الإسلامية في ما يخصّ موضوعاً من موضوعات الحياة أو الكَوْن. فهو يستنطق القرآن من أجل الحصول على مركَّب نظري في موضوع من المواضيع، نظرية متكاملة ومنسجمة تجمع بين وحدات الموضوع المتناثرة داخل النصوص الدينية، فيكشف عن فلسفة الدين في ذلك الموضوع.

وقد تحدَّث بالتفصيل عن هذا الاتجاه الموضوعي في التعامل مع النصوص الدينية في كتابيه: «اقتصادنا»([22])؛ و«المدرسة القرآنية»([23])، رغم أنه في المصدر الثاني قد تحدّث عن الفهم الموضوعي للقرآن من خلال ذكره للفرق بين التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي. فهو لا يجد فرقاً في استعمال التفسير الموضوعي في التعامل مع باقي النصوص الدينية، حيث وجدناه يستعمل الفهم الموضوعي في تعامله مع الروايات لغرض استخراج نظرية الإسلام في الاقتصاد.

وحسب ما جاء في المصدرين فالفهم الموضوعي للدين يعني أن ينتخب إحدى المواضيع المتعلِّقة بالحياة والكون، سواء في العقيدة أو في الاجتماع أو في السياسة أو غيرها، ثم يرجع إلى النصوص الدينية يروم استخراج نظرة الدين في ذلك الموضوع.

وعالم الدين ينطلق أوّلاً من واقع الحياة، يركِّز نظره على‏ موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل، وما قدَّمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلةٍ ومن مساحة الفراغ، ثم يأخذ النصّ القرآني، لا كما يتّخذ العالم في الفهم التجزيئي والذي يكون فيه مستمعاً ومنصتاً (وهو دور سلبيّ في ذاته)، بل ليطرح بين يدي النّص موضوعاً جاهزاً مرفقاً بالعديد مما أسفرت عنه التجربة البشرية، يحمل كلّ تراث البشرية الذي عاشه، يحمل أفكار عصره، يحمل المقولات التي تعلَّمها في تجربته البشرية من أفكار ونظريات، ثمّ ينكبّ على النصّ الديني كي يفهم ألفاظه في جانبها اللغوي، وفي جانبها اللفظي، ثم المفهومي، وبعد ذلك يكون قد حصَّل مجموعة من المعاني والمفاهيم والأحكام، ثم ينتقل للمقارنة بين ما حصل عليه من النصّ الديني وما استوعبه العالم عن الموضوع من أفكار واتّجاهات.

فعلى هذا يحتاج اكتشاف النظريات والطرق الفكرية الدينية إلى خطوتين:

الأولى: الفهم التجزيئي للنصوص، واستنباط الأحكام وفق أسلوب الاجتهاد. وهذه هي المرحلة الأولى بالنسبة للوصول إلى أيّ نظرية، حيث يتم استخراج عناصرها من جميع النصوص، والاعتماد على فهم المفردات ومداليل الألفاظ. وفي هذه المرحلة لا بُدَّ من الاعتماد على دقّة وإحاطة المتخصِّصين في اللغة، وفي التفسير التجزيئي، الذين يعتمدون على قرائن داخلية وأخرى خارجية في تحديد مدلول الألفاظ ومعاني المفردات.

الثانية: في هذه المرحلة يسعى العالِم الباحث كي يحصِّل أوجه الارتباط بين هذه المدلولات التفصيلية، ويحاول أن يصل إلى مركَّب نظري قرآني. وهذا المركّب النظري القرآني يحتلّ في إطاره كلّ واحد من تلك المدلولات التفصيلية موقعه المناسب، وهذا ما يصطلح عليه بـ (نظرية الترابط)، و(الوحدة النظرية بين المفردات والمداليل المتناثرة للنصوص)، بحيث إن العالم لا ينظر إليها على أنها أجزاء من الكلّ، بل ينظر إليها في كليّتها، ليصل في النهاية إلى تفسير كلّي، وأسلوب يضمّ بعضها إلى البعض الآخر، ويركب الواحدة إلى الأخرى.

وعالم الدين حين ينظر إلى النصّ الدين من وجهة موضوعية لا يكون دوره سلبياً، يتجمّد عند سماع قول النصّ، وتسجيله بالحبر على الورق، بل يكون في علاقة حيوية، علاقة حوار تفاعلي يقبل على القرآن والسنة وفي فكره ترسانة من الأسئلة والاستفسارات التي حصل عليها من التجربة البشرية حول موضوع خاصّ، هو يسأل والنص الديني يجيب، يريد استخلاص رأي ونظر النصّ الديني في ذلك الموضوع.

يقول الإمام عليّ× في طريقة التعامل مع القرآن: «ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه»([24]).

والاستنطاق هو المساءلة والمحاورة والاستنطاق؛ لأجل تلقّي الجواب، وليس الاستماع والإنصات. فبأسلوب الاستنطاق يكون الإقبال على القرآن؛ ليكون الاستنباط ديناميكياً وفعّالاً؛ لأن المفسِّر يكون قد تزوَّد بأفكار عصره، واستوعب حاجيات العصر ومتطلّباته. فحين يجلس أمام القرآن يكون لديه تصوّر أولي للموضوع، فيطرح أسئلته يريد جواباً من القرآن، يستفسره عن نظره، ليخرج بنظرية كاملة في الموضوع.

ويعتقد الشهيد الصدر أن هذه الطريق هي المثلى في الوصول إلى موقف القرآن وموقف الدين ممّا وصلت إليه التجارب البشرية في شتّى المجالات الحياتية والاجتماعية. ولأن هذا الأسلوب في الفهم وفي التفسير مرتبط بحصيلة التجربة البشرية فهو قادرٌ على‏ التجدُّد والتطوّر والإبداع باستمرار؛ باعتبار أنّ التجربة البشرية تغني هذا التفسير بما تقدِّمه من عناصر جديدة، ثمّ هذه العناصر تطرح بين يدي القرآن الكريم؛ لكي يستطيع هذا المفسّر أن يحصّل الأجوبة من القرآن الكريم. هذا هو الطريق الوحيد للحصول على‏ النظريات الأساسية للإسلام وللقرآن تجاه موضوعات الحياة المختلفة والمتجدِّدة باستمرار.

«ومن ضمّ تلك التجربة البشرية إلى التأمّل القرآني فيها يولد فهم إسلامي قرآني صحيح، وتصاغ المفاهيم الربانية السليمة لهذا المجتمع البشري؛ كي تكون معالم في الطريق نحو قيام المجتمع العابد في الأرض»([25]).

إن خطابات وأفكار هذا العالم الأستاذ ساهمَتْ بالفعل في إظهار الجوانب المخفية من الدين، وبيَّنَتْ قدرته وحياته المرنة، التي تطال جميع المواضيع، أينما طرحت، ومتى طرحت، وفتح المجال للبحث والتحقيق على درايةٍ ومعرفة تامة وصحيحة.

إن السيد الشهيد، ومن خلال فهمه للشروط التي تحكم الحوزة، استطاع وبصورةٍ ذكية أن يحسم العديد من المعضلات، حيث حدَّد طريقي النجاة في المصدرين: التعبُّدي؛ والتعقُّلي، وظلّ هذا همُّه إلى أن أكرمه الله بالشهادة.

الهوامش

(*) باحثٌ في الحوزة العلميّة، والمدير التنفيذي في مجلّة (الحوزة) في إيران.

([1]) الشهيد السيد محمد باقر الصدر، تشيّع يا إسلام راستين: 70، ترجمة: علي أكبر مهدي پور.

([2]) الصدر، المحنة: 28 ـ 29.

([3]) الصدر، فلسفتنا: 6.

([4]) الصدر، عمل صالح أز ديدگاه قرآن: 9، ترجمة: د. جمال موسوي.

([5]) المصدر نفسه.

([6]) المصدر السابق: 11.

([7]) مجلة جمهوري إسلامي (عدد خاصّ بمقالات الأستاذ الشهيد الصدر)، العدد 10: 19، فروردين 1361هـ.ش.

([8]) الصدر، الإسلام يقود الحياة: 181.

([9]) المصدر نفسه.

([10]) تشيّع يا إسلام راستين: 70.

([11]) سورة الشورى، الآية 13.

([12]) سورة الروم، الآية 30.

([13]) الصدر، المدرسة القرآنية: 90.

([14]) الصدر، اقتصادنا: 27.

([15]) الإسلام يقود الحياة: 43.

([16]) فلسفتنا: 36 ـ 45.

([17]) المجلسي، بحار الأنوار 16: 324.

([18]) الإسلام يقود الحياة: 184 ـ 185.

([19]) المصدر السابق: 159.

([20]) المصدر السابق: 174.

([21]) المدرسة القرآنية: 47.

([22]) اقتصادنا: 395 ـ 423.

([23]) المدرسة القرآنية: 27 ـ 41.

([24]) نهج البلاغة: 159، ترجمة: د. السيد جعفر الشهيدي.

([25]) المدرسة القرآنية: 36.