جهود الدكتور الفضلي في التأريخ للمدارس الإسلاميّة في العقيدة والتشريع

4 يناير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
136 زيارة

جهود الدكتور الفضلي في التأريخ للمدارس الإسلاميّة في العقيدة والتشريع

قراءةٌ في المنطلقات وخطوات العمل وسماته

أ. حسين منصور الشيخ(*)

مقدّمة

لم تكن حاجة المجتمعات الإنسانية على شاكلة واحدة عندما بعث الله أنبياءه الكرام^ لهدايتهم ودعوتهم إلى دينه وعبادته سبحانه. ففي الوقت الذي بعث فيه نبيه موسى× ليخلِّص قومه من بطش فرعون وظلمه، بعث نبيّنا الكريم محمداً‘ ليخلّص قومه من حالة الجهل والتخلُّف التي كانوا يعانون منها، لدرجة أنّ القرآن الكريم وصف الحقبة الزمنية التي سبقت الإسلام بالجاهلية، وهي تسمية قرآنية تنبئ عن شيوع حالة الجهل، وغلبتها على ذلك المجتمع ما قبل الإسلام.

ولذلك فإن القرآن الكريم حينما يقارن بين مستوى المجتمع العربي قبل البعثة وما وصلوا إليه بعدها يصفهم بأنهم كانوا في ضلالٍ مبين. يقول تعالى، متحدِّثاً عن نبيه محمد‘: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2)، وهي إشارة إلى مستوى الضياع والجهل الذي كان قد وصل إليه المجتمع العربي قبل الإسلام.

ولذلك فإن الدكتور الفضلي حينما يعرض لبيان الآية الكريمة، ويصل إلى فقرة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، يشير إلى أنه «عند مراجعة معظم التفاسير سنجد أنها تشير إلى أن المراد بالكتاب هنا هو القرآن الكريم. ولكنّ سياق الآية الكريمة لا يساعد على أن يكون المراد بالكتاب هو القرآن؛ إذ سبق أن أشارت الآية إلى أن النبيّ من وظيفته تلاوة الآيات القرآنية على قومه، ولا حاجة للتكرار حينها». وما يرجِّحه الشيخ الفضلي أن «المراد من تعليم الكتاب في الآية ما يطلق عليه اليوم: (محو الأمية)، وهو ما يعني بتعبيرٍ آخر: نقل المجتمع العربي في ذلكم الوقت من طور البداوة والأمية الذي كان يرزح فيه إلى طور التحضُّر والتقدُّم المعرفي. فالآية ـ بهذا المفهوم ـ تضع في مسؤوليات النبيّ‘ رفع مستوى المجتمع وتطويره، إلى أن يصل إلى أن يكون مجتمعاً لديه حضارة تخصُّه، قائمة على أسس من الإيمان بالله وبقيم الدين الإسلامي العامّة التي تطبع سلوكيات جميع أبنائه.

ولعل ما يعزِّز هذه المعنى ما تختتم به الآية؛ إذ تعقد الآية ما يشبه المقارنة بين وضع المجتمع العربي ما قبل الإسلام وما بعده، إذ تشير إلى أنه كان في ﴿ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾، فيما هو ـ بهذه الوظائف والمهام التي يؤدّيها رسول الله‘ ـ يرتقي ليكون مجتمعاً متحضِّراً»([1]).

ولذلك فإنّ نزول القرآن الكريم على النبي‘، وأمره لبعض أصحابه بكتابته، كان له دورٌ بارز في تنشيط حركة الكتابة والتدوين في المجتمع العربي، وتعزيزها لاحقاً. ويبدو أن للنبي دوراً مميّزاً في هذه النقطة، يمكن إدراج تحديده‘ لتعليم عشرة من المسلمين مقابل الإفراج عن كلّ أسير من أسرى معركة بدر واحدة من مفردات تعزيز حركة الكتابة في المجتمع المسلم آنذاك.

ويشهد لدور الإسلام في ترسيخ حركة الكتابة ما يشير إليه المستشرق الألماني إسرائيل ولفنسون، بأن «صحف القرآن الكريم هي أقدم صحف مدوَّنة وصلت إلينا عن اللغة العربية، قبل أن تصل إلينا قصائد مدوَّنة من الشعر الجاهلي»([2]).

وقد أثر الاهتمام بتدوين النصّ القرآني على نشوء مجموعة من الفنون والعلوم حوله، من أبرزها: تطوّر الخطّ العربي، ونشأة ما عرف بعلوم القرآن، من قبيل: القراءات القرآنية وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والتجويد، والتفسير، وعلوم اللغة العربية، من قبيل: النحو، والصرف، والبلاغة، والمعاجم.

ويضاف إليها العلوم الشرعية، من قبيل: علم الفقه وأصوله، وعلم الكلام، وعلوم الحديث والرجال. وفي ظلّها ظهرت مدوَّنات السيرة النبوية وما سبقها من أحداث، وما تلاها من تدوين للتاريخ الإسلامي. وقد ساهمت هذه العلوم في تنشيط الحركة العلمية لدى المسلمين، وبخاصّة في عصر الدولة العباسية، التي نشطت فيها أيضاً حركة الترجمة.

تعدُّد المدارس العلميّة

وفي ظلّ هذه الحركة العلمية تعدّدت المدارس والاتجاهات الفكرية والأدبية؛ ذلك أن من طبيعة المعرفة الإنسانية التعدّد. ولذلك قد يبدأ حقل معرفي انطلاقاً من مبدأ معيّن، وسرعان ما تتشعّب حوله المعارف والاتجاهات، ويتوزّع علماؤه في مذاهب ومدارس عدّة.

ومن ذلك: العلوم الإسلامية، التي بدأت بالانقسام مبكّراً إلى مذاهب وفرق شتّى.

ففي الفقه هناك الجعفري والشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي.

وفي الكلام يوجد الإمامي والمعتزلي والأشعري.

وهذه الانقسامات من المفترض أنها لا تختلف عن مثيلاتها في بقية العلوم الأخرى، كما هي الحال في علم النحو، المنقسم إلى: بصري؛ وكوفي. وفي الفلسفة المتوزّعة بين: المشّائيين؛ والإشراقيين، بحيث تغني تعدُّديتها الحقل العلمي الذي تنتمي إليه، وتمثّل كل واحدة منها مدرسة قائمة بذاتها، لها تاريخها وإرثها العلمي الخاصّ.

ولكنّ المتتبِّع لمؤلَّفات هذه المدارس يجدها ـ أثناء تعرُّضها لمواطن الخلاف مع المدارس الأخرى ـ تستعمل لغةً وأسلوباً حادّين في المناقشة، واستعراض الأدلة، ما ينبئ عن استحكام الخصومة بين أتباع هذه المدارس، وبخاصّة عندما تكون هذه المؤلفات هي عماد الدرس الشرعي لدى أصحاب كلّ مدرسة، ما يؤسِّس لحالٍ من القطيعة والنفرة بين الأتباع. وهذا في ما يتعلّق بالجانب الاجتماعي.

أما من الناحية العلمية فلا تساعد هذه اللغة في تنمية الروح العلمية لدى طالب الدرس الشرعي، وإنما إلى غلبة الاندفاعة العاطفية تجاه ما يؤمن به، فيما المفترض بطالب العلم أن يعزِّز لديه بناء الروح العلمية الناقدة.

ومن أمثلة غلبة الحِدَّة في مثل هذا النوع من الدراسات ما تحويه عبارات بعض المؤلَّفات، كما هي الحال مع كتاب (الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة)، لابن حجر الهيثمي(973هـ)؛ وكتاب (سلاسل الحديد في تقييد أهل التقليد)، للسيد هاشم البحراني(1107هـ)؛ وكتاب (شمّ العوارض في ذمّ الروافض)، لنور الدين الهروي القاري(1014هـ)؛ وغيرها.

ولذلك تتأكّد أهمية الدراسات الهادئة والعلمية في منهجها ومعالجتها للمسائل الخلافية. ولعلّ من أبرزها في العصر الراهن ما سطّره يراع العلاّمة الفضلي، الذي عُرف مؤلِّفاً للعديد من مقرّرات الدرس الشرعي في الحوزات العلمية، حيث اتّخذ المنهج العلمي الحديث في تبويب وتصنيف مؤلَّفاته، الدراسية منها وغير الدراسية.

وقد خصَّص جزءاً من بحوثه في التأريخ للمدارس الإسلامية في العقيدة التشريع، موضوع الورقة. ونحا في معالجة محطّات نشأة وتطوّر هذه المدارس الهدوء والموضوعية، بعيداً عن لغة الاتّهام والاستنكار المفرطَين.

وهو ما ستركِّز عليه محاور الورقة، التي تبدأ بتناول دوافع الدكتور لتأريخ هذه المدارس، ومن ثمّ تنتقل إلى خطوات تأريخه لهذه المدارس، لتنتهي بالحديث عن أبرز سمات جهود العلاّمة الفضلي في التأريخ للمدارس الإسلامية في العقيدة والتشريع.

أوّلاً: دوافع الدكتور الفضلي للتأريخ للمدارس الإسلامية

نظراً لارتباط الدكتور الفضلي بجمعية منتدى النشر بالنجف، التي تبعتها مجموعة من المدارس الخاصة للمراحل الدراسية الثلاث، شارك& في وضع مقرَّرها للتربية الدينية، ولاحقاً في وضع مقرَّري أصول الفقه وخلاصة المنطق لطلبة كلية الفقه، التابعة للجمعية أيضاً. وهو ما يعني ارتباط الدكتور الفضلي المبكِّر بالكتابة الأكاديمية، ما أثَّر على نمط معالجته للكثير من موضوعات الدرس الشرعي، وكذلك على اختياراته ومنطلقاته في المعالجة. ويمكن الحديث هنا عن منطلقين يرتبطان بالتأريخ لمدارس العقيدة والتشريع، وهما:

1ـ التزام المنهجيّة العلمية في معالجة موضوع الدراسة

 ممّا ميَّز دراسات ومؤلَّفات العلاّمة الفضلي في حينها: التزامه بالمنهج العلمي الحديث في تبويب ومعالجة الموضوعات التي تناولها في نتاجه العلمي، كتابةً ومحاضرات. فحرص في استعراضه لمادّة البحث أن يتناول تاريخها، كما كان حرصه على تعريف الموضوع، وأهمّ محاوره. وهذا ما نجده في معظم نتاجه النجفي، وما تلاه من نتاجٍ في مرحلة الجامعية، وما بعدها.

ففي استعراضه لقضية الإمام المهدي# مثلاً، وهي من المسائل الخلافية بين الطرفين (الشيعة والسنّة) في ما يرتبط بحياة الإمام، يفرد عنواناً مستقلاًّ حول «تمذهب القضيّة»، يعرض فيه لتأريخ تمذهبها، ويقول: «إنّ كثيراً من قضايانا العقائدية صُبغَت بطابع مذهبي أو طائفي بسبب عوامل معيّنة، طرأت عليها، فقولبتها في إطار ذلك المذهب أو نطاق تلك الطائفة مما أفقدها طابعها العامّ بصفتها عقيدة إسلامية عامّة…. وقد رأيتُ ـ في حدود مراجعاتي حول القضية ـ أن باحثي موضوع المهدي المنتظر، من سنّيين وشيعيين، يمتدّون بجذور المسألة إلى أحاديث صادرة عن النبيّ‘، ثبتت صحة صدورها؛ إما لأنها متواترة، كما سيأتي؛ أو لأنها أخبار آحاد توفَّرت على شرائط الصحة. وإذا كانت المسألة التي ينتهي بها إلى النبيّ‘… لا تعدّ مسألةً إسلامية فما هي المسألة الإسلامية إذن؟!»([3]).

وكتابه (في انتظار الإمام) من مؤلَّفاته النجفية المبكرة. وقد نحا فيه هذا المنحى، الذي سار فيه بالقضية من منطلق الخلاف، وما سبق ذلك من إشارات نبوية يذكرها الطرفان، وصولاً إلى عصرنا الراهن.

ويواصل العلاّمة الفضلي منهجه العلمي هذا في معظم دراساته. فعندما يتحدّث عن نشأة المدرسة الفقهية الإمامية يقول: «إن التأريخ لنشأة مذهب الإمامية يعني التأريخ لنشأة مذهب الشيعة بعامّة، وهو ما يعني ـ في الوقت نفسه ـ التأريخ لنشوء مذهب السنّة… وهو ما يدعو بطبيعة الحال ـ ومن ناحيةٍ منهجية ـ إلى البحث في تاريخ التسنُّن»([4]).

2ـ رفع الغموض حول بعض حالات الانقسام العلمي

قد تعود حالة الغموض التي تكتنف تعدُّد بعض المدارس العلمية إلى ندرة تناول الموضوع، وقلّة الدراسات حوله، كما هي الحال مع تعدُّد القراءات القرآنية؛ إذ يشير الفضلي في مقدّمة كتابه (القراءات القرآنية) إلى أنّ الدراسات القديمة ومثيلاتها الحديثة قد تناولت موضوع القراءات بالدراسة من نواحٍ عدّة، «غير أنّه بقي مجال مهمّ في القراءات القرآنية لم يقدَّر له أن يوفّى حقّه من الدراسة والبحث، وهو تاريخ القراءات، والتعريف بها. فقد ذُكر شيءٌ كثير منه متفرِّقاً في كتب طبقات القرّاء، ومقدّمات كتب القراءات، ومقدّمات كتب التفسير… ومن هنا رأيتُ أن أقوم بمحاولة تدوين ما قد يعرف بالقراءات: نشأتها، وتطوّرها، ومعناها، والاختلاف في حقيقتها…»([5]).

وقد يكون الغموض عائداً إلى مواقف سياسية، كما هي الحال مع تاريخ التشريع الإمامي؛ «ذلك أنّ تاريخ الفقه الإمامي يشكّل الحلقة المفقودة في تاريخ التشريع الإسلامي. فقد أُلِّفَت عشرات الكتب في تاريخ فقه المذاهب الأربعة، ولم يقدَّر للفقه الإمامي أن يفرد بكتابٍ مستقلّ»([6]).

وقد أرجع الدكتور الفضلي سبب ذلك الإهمال إلى «العامل السياسي؛ ذلك أن المذهب الرسمي للدولة العربية هو المذهب السنّي، ولم يضَفْ إليه ـ في الدراسات الجامعية ـ المذاهب الإسلامية الأخرى، كالمذهب الإمامي، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي»([7]).

وهي نقطة أكّدها في موضعٍ آخر، إذ أشار في كتابه الفقهي الاستدلالي أثناء الحديث عن نشأة فقه الإمامية أن «التأريخ لنشأة مذهب الإمامية يعني التأريخ لنشأة مذهب الشيعة بعامّة، وهو ـ في الوقت نفسه ـ يعني التأريخ لنشوء مذهب السنّة، إذا أراد الباحث أن ينصف نفسه فيكون موضوعيّاً، وأن يخلص لمبدئه فيكون عادلاً؛ والسبب في ذلك أن ما كتب في نشأة الفرق والمذاهب الإسلامية كان كاتبوه يصدرون من اتجاهاتهم السياسية وميولهم المذهبية، ويدلّ على هذا إغماض الجميع عن البحث في نشأة التسنُّن، وعن البحث في تاريخ السنّة، متى وأين وكيف ولد التسنُّن ونشأ؟!.. وتركيزهم على نشأة الفرق الأخرى، كالشيعة والخوارج، مع أن الدين الذي جاء به نبينا محمد‘ كان اسمه وعنوانه (الإسلام)، ولم يسمِّه‘، كما أنه لم يعنونه، باسم وعنوان التشيُّع أو التسنُّن، وهذا ما يدعو الباحث ـ على أقلّ تقديرٍ يفرض ـ من ناحيةٍ منهجيّة إلى التنبُّه بأن اسم وعنوان (السنّة) كعَلَم لطائفة السنّة حدث بعد عهد رسول الله‘.

وهذا التنبُّه بطبيعته يدعو ـ ومن ناحيةٍ منهجيّة أيضاً ـ إلى البحث في تاريخ التسنُّن»([8]).

ثانياً: خطوات تأريخ المدارس الإسلامية عند الدكتور الفضلي

زاوج الشيخ الفضلي بين الدراسة التقليدية ونظيرتها الأكاديمية، أو ما يُطْلِقُ& عليها اسم الدراسة الجوامعية وقرينتها الجامعية.

وهو ما انعكس إيجاباً على تراثه العلمي، فأفاد العمق والأصالة من الأولى، والسعة والحداثة من الثانية.

وهو ما يمكن استجلاؤه في خطوات دراسته في التأريخ للمدارس الإسلامية، إذ نشير إلى بعضٍ من هذه الخطوات كالتالي:

1ـ البحث في جذور حالات الانقسام

تمثِّل فرقتا الشيعة والسنة جناحي العالم الإسلامي اللذين برزت معالم افتراقهما مبكّراً بعد رحيل رسول الله‘. وهو ما أدّى إلى تمايزهما في النظرة إلى تفاصيل المسائل العقائدية، وكذلك في تفاصيل المسائل التشريعية. ولذلك فإن الدكتور الفضلي عندما يدرس نشوء هاتين الفرقتين يحاول البحث عن جذور وعوامل الانقسام في المجتمع المسلم، ويصل إلى أنّ «التشيُّع في نشوئه كان مع التسنُّن جنباً إلى جنب… وأنّ كلاًّ منهما بدأ وجوده في عصر الرسالة بشكل منهج علمي، ثمّ تحوَّل إلى مدرسة فكرية، ومن بعد ذلك، وفي عهد بني أميّة، تحوَّلا إلى طائفتين»([9]).

وهذه النقطة يشرحها في موضعٍ سابق فيقول: «ترتبط نشأة المذهب الإمامي ـ تاريخيّاً ـ بنشأة الاجتهاد الشرعي، وترجع نشأة الاجتهاد الشرعي إلى البدايات الأولى في محاولات فهم النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والحديث الشريف.

وتمثّل هذا في مجالين:

1ـ مجال التعلُّم من رسول الله‘، فقد كان أهل البيت يتعلَّمون تفسير القرآن الكريم من رسول الله‘، ويستفهمونه عن أقواله وأفعاله وإقراراته للآخرين على أفعالهم. وكذلك الشأن بالنسبة إلى بعض الصحابة.

2ـ مجال الفتيا، فقد كان المسلمون الذين كانوا يقطنون في عهد رسول الله‘ خارج حاضرتَيْ الحجاز: مكة المكرّمة؛ والمدينة المنوّرة، يستفتون الرواة من الصحابة؛ لبُعْد هؤلاء المسلمين عن المركز، وكانوا يفتونهم من خلال فهمهم للآية أو الرواية.

وكان من الطبيعي والبديهي أن يختلف فهم الصحابة لآيات القرآن أو لأحاديث الرسول‘؛ وذلك لاختلاف مستوى الذكاء الفردي، وسعة ما يمتلكه الفرد من ثقافة لها علاقة بالنصّ، وكذلك مستوى الفهم لواقع الحياة، ومدى ارتباط محتوى النصّ بذلكم الواقع»([10]).

ثمّ يضرب الشيخ أمثلةً لاختلاف منهج الصحابة في التعامل مع النصوص؛ إذ يقف فريقٌ عند النصّ، ويجتهد في فهمه، وقد تزعَّم هذا الفريق الإمام علي بن أبي طالب×؛ فيما يتجاوز فريقٌ آخر من الصحابة النصّ الشرعي، ويستعمل معه ما وصل إليه رأيه، وقد تزعَّم هذا الفريق الخليفة عمر بن الخطّاب.

وقريباً من هذا المنحى درس الشيخ نشأة فرقة الأخبارية؛ إذ أشار إلى أن نشأتها تعود في جذورها إلى تطوُّر الدرس الفقهي الإمامي، حيث كان أصحاب أئمّة أهل البيت^ ممَّنْ يروون الحديث «يتوزَّعون على الصنفين التاليين:

أـ الرواة الفقهاء، وهم الذين يروون الرواية، ويتعاملون معها لاستفادة الحكم الشرعي منها وفق المنهج التالي:

إنْ كانت دلالة الرواية صريحة، لا تحتاج في فهم معناها إلى استخدام الوسائل النظرية من قواعد وأصول، أفتوا المستفتي بمضمونها.

وإنْ لم تكن دلالتها قد بلغت في الوضوح مستوى الصراحة فإنهم بأدنى إعمال فكر يقومون بتطبيق القواعد اللغوية، أو الأخرى غير اللغوية التي أفادوها من الأئمة^…

وكما ترى لم يكن هذا الواقع التاريخي مقتصراً على الطريقة التي أكّدها المحدِّث الإسترآبادي، ودعا إلى العودة إليها. كما أنه لم يكن مقتصراً على الطريقة الأصولية التي أشار إليها أستاذنا التقي الحكيم، وفرَّق بينها وبين الطريقة الأخبارية.

وإنما هو (أعني الواقع التاريخي) يدلّ ـ وبوضوحٍ ـ على وجدان الطريقتين معاً…

ب ـ الرواة غير الفقهاء، وهم الذين يحملون الرواية حفظاً، أو يدوِّنونها في دفاترهم؛ بغية نقلها لمَنْ يستفيد منها. وهؤلاء لا علاقة لهم بموضوع بحثنا»([11]).

والأمر ذاته في حديثه عن نشأة الفرقة الشيخية؛ إذ أعطى نبذة مختصرة عن الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي، مشيراً إلى أن الفرقة لم تظهر في زمنه، ولم يؤثر عنه& دعوته إلى تأسيس فرقة مستقلّة في العقيدة أو في التشريع. وهو ما دعا الفضلي للذهاب إلى القول بتأسيسها على يد السيد كاظم الرشتي في كربلاء([12]).

وفي مثالٍ أخير، عندما يدرس الدكتور الفضلي المدارس الأصولية الإمامية ينبِّه إلى أنّ التأريخ لها «يبدأ من التأريخ والتعريف بالمدارس الفقهية عند أهل السنّة؛ وذلك لأن مدارسنا الأصولية تأخَّرت في ولادتها عن المدارس الأصولية لأهل السنّة، فربما دفعها هذا التأخّر إلى التأثُّر بها في بدء نشوئها، ولو بالجوانب الفنّية منها»([13]). ثمّ يبدأ بالحديث عن ولادة مدارس أهل السنّة في الأوساط العلمية السنّية.

2ـ تحديد نقاط الاختلاف لدى كلّ مدرسة وما يقابلها من مدارس

من أسباب التعصُّب الفكري والمذهبي ضبابية الموضوع المختلف حوله. ولذلك من أساسيات الحوار تحديد محور النقاش بصورةٍ دقيقة. وهي نقطة التزمها الدكتور الفضلي في معالجته لمسائل الخلاف بين المدارس الإسلامية.

ففي حديثه عن الخلاف بين فرقتي الشيعة والسنّة أشار في أكثر من موضع بأن أساس الخلاف يرجع إلى منهجيتين سلكهما الفريقان في آلية الاجتهاد الشرعي، وعلى أساسهما انقسم المسلمون إلى هاتين الفرقتين العريضتين. يقول في شرحه لهذه النقطة: «كان اعتماد فهم النصّ هو المنهج أو الطريقة التي سار عليها اجتهاد المسلمين في عهد رسول الله‘ في البداية الأولى للاجتهاد. وحدث بعد هذا ـ وفي عهد رسول الله‘ أيضاً ـ أن طوَّر بعض الصحابة في منهج الاجتهاد المذكور، حيث توسَّعوا فيه بإضافة (الرأي) مصدراً آخر. فكما كان النصّ الشرعي مصدراً للتشريع الإسلامي كذلك اعتُمِدَ الرأي مصدراً آخر»([14]).

ثمّ يعقِّب بقوله: «وكان موقف أهل البيت^ والصحابة رضي الله عنهم من الاجتهاد الأوّل ـ أعني الاجتهاد في فهم النصّ ـ موقف القبول والاتفاق عليه. أما بالنسبة إلى الاجتهاد الثاني، وهو اجتهاد الرأي، فكان موقفهم الاختلاف فيه بين القبول والرفض»([15]).

ويكرِّر الإشارة إلى نقطة الخلاف المركزية هذه في موضعٍ آخر، فيقول: «إنّ أبرز أولئكم الصحابة الذين عُرِفوا باجتهاد الرأي الخليفة عمر بن الخطاب، وكان من أبرز مَنْ اعتمد النصّ وحده، ولم يرجع إلى الرأي بحالٍ من الأحوال، الإمام عليّ بن أبي طالب×»([16]).

واستكمالاً لمسيرة هذين الخطّين وتفرُّعاتهما، يبيِّن الدكتور الفضلي أن مدرسة الرأي بعد رحيل رائد مسيرتها الخليفة عمر بن الخطّاب، «وتبريز ابنه عبد الله فقيهاً من فقهاء المسلمين المشار إليهم، تركَّزت على يديه مدرسة الحديث، وسارت المدرستان جنباً إلى جنب، واتّخذت مدرسة الرأي الكوفة مركزاً لها عن طريق عبد الله بن مسعود، الذي كان يعدّ أبرز تلامذة عمر بن الخطّاب، وأبرز مَنْ تبنَّى منهج وفكر مدرسة الرأي، وأخذت طابعها الواضح على يد إمام المذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي.

أما مدرسة الحديث فاتخذت من المدينة المنوَّرة مركزاً لها، واشتهر من أعلامها الفقهاء السبعة: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي، وعبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسليمان بن يسار. وانتهت رئاسة هذه المدرسة إلى إمام المذهب مالك بن أنس، وعن طريقه انتشرت في البلدان الإسلامية»([17]).

وحينما يعالج نقطة الخلاف بين المدرستين الأخبارية والأصولية يقول حولها: «إن الخلاف بين الأخباريين والأصوليين في اشتراط الحياة وعدم اشتراطها [في الفقيه المفتي] لم يتمّ على أساسٍ من اختلافهم في وظيفة الفقيه؛ ذلك أنّ وظيفة الفقيه وطريقة تعامله مع الرواية واحدة عند الجميع، فهم [الأصوليون والأخباريون] يتّفقون على أنه:

ـ إنْ كانت الرواية نصّاً في معناها لا حاجة إلى الدليل.

ـ وإنْ لم تكن نصّاً فلا بُدَّ من الدليل.

وهذا ما هو قائم عليه واقع المدرستين. وإنّما منشأ الخلاف هو في مستند حجِّية الفتوى»([18]).

ومن المسائل الخلافية التي عالجها الدكتور الفضلي، مبيِّناً نقطة الخلاف الجوهرية بين الفريقين، مسألة خلق القرآن أو أزليّته، التي عُدَّتْ من أبرز نقاط الخلاف بين الفرق الإسلامية، وهي ذات صلة بخلافهم حول صفات الله عزَّ وجلَّ، التي من بينها: التكلُّم أو الكلام، إذ ينتهي الفضلي إلى أنّ خلاف المتكلِّمين يرجع إلى الخلل في إطلاق الصفة على الذات الإلهية؛ إذ الصحيح وصفها بالتكلُّم، وليس الكلام؛ لأنها من الصفات الفعلية، حالها في ذلك حال الرزق والخلق. وفي حال أطلقت صفة التكلُّم لا يلزم المسلمين القوم بأزليّة القرآن الكريم([19]).

ومثلها عندما ناقش مسألة الخلاف المركزية بين الأشاعرة والعَدْلية المتعلّقة بالحسن والقبح العقليين أو الشرعيين؛ إذ قال محرِّراً محور الخلاف: «تطلق كلمتا الحسن والقبح على معانٍ ثلاثة متقابلة، هي:

1ـ يطلق الحسن ويُراد به (الملاءمة للطبع)، ويطلق القبح في مقابله، فيراد به (عدم الملاءمة للطبع)، مثل: (هذا الصوت حسن)، بمعنى أنه ملائم للطبع؛ و(ذلك الصوت قبيح)، بمعنى أنه غير ملائم للطبع.

2ـ يطلق الحسن ويراد به (الكمال)، ويطلق القبح في مقابله، فيراد به (النقص) أو (عدم الكمال)، مثل: (العلم حسن)، بمعنى أنه كمال للنفس؛ و(الجهل قبيح)، على اعتبار أنه نقص للنفس.

3ـ يطلق الحسن ويُراد به «إدراك أنّ هذا الشيء أو ذاك ممّا ينبغي أن يفعل، بحيث لو أقدم عليه الفاعل لكان موضع مدح العقلاء بما هم عقلاء، والقبح بخلافه»، مثل: (العدل حسن)؛ و(الظلم قبيح).

والمراد بالحسن والقبيح في موضوعنا هو القسم الثالث. ويمكن تعريفهما بالتالي:

ـ الفعل الحسن هو الذي يمدح فاعله على فعله.

ـ الفعل القبيح هو الذي يذمّ فاعله على فعله.

وقد اتفق المتكلِّمة والفلاسفة من المسلمين على إمكان إدراك العقل للمعنيين الأولين للحسن والقبح. واختلفوا في المعنى الثالث، فوقع محلاًّ للنزاع بين الأشاعرة والعدلية. ونقطة الخلاف فيه هي: هل أن للأفعال قِيَماً ذاتية عند العقل، مع قطع النظر عن حكم الشارع؟ أي هل أن الحسن والقبح وصفان ذاتيّان للأفعال، أو أنهما ليسا بذاتيّين، وإنما يعرضان للأفعال بسبب حكم الشارع بحسن الفعل أو قبحه؟

فقالت الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها، وليس الحسن والقبح عائدين إلى أمرٍ حقيقي حاصل فعلاً قبل ورود بيان الشارع، بل إن ما حسَّنه الشارع فهو حسن، وما قبَّحه الشارع فهو قبيح. وقالت العَدْلية: إن للأفعال قِيَماً ذاتية عند العقل، مع قطع النظر عن حكم الشارع، فمنها ما هو حسن في نفسه، ومنها ما هو قبيح في نفسه، ومنها ما ليس له هذان الوصفان، والشارع لا يأمر إلاّ بما هو حسن، ولا ينهى إلاّ عمّا هو قبيح.

وعُرف الأول ـ أعني قول الأشاعرة ـ بـ (التحسين والتقبيح الشرعيين)؛ وعرف الرأي الثاني ـ أعني قول العَدْلية ـ بـ (التحسين والتقبيح العقليين)»([20]).

وفي تقريره لمواطن الاختلاف بين القراءات القرآنية يحصرها في مجموعة من الظواهر، هي: الاختلاف بينها في حركات الكلمة دون المساس بالمعنى، أو في حركات الكلمة مع تأثير ذلك على المعنى، أو الاختلاف في الحروف مع بقاء المعنى، أو مع تأثيره على المعنى، أو الاختلاف في التقديم والتأخير، أو في الزيادة والنقصان. ثمّ يدرس أسباب أوجه الاختلاف تلك، ويرجعها إلى سببين رئيسين، هما: تعدُّد نزول الآيات، أو تعدُّد اللهجات([21]).

ومن مسائل الخلاف التي ناقشها العلاّمة الفضلي محورُ الخلاف بين فهم المتشرِّعين للظاهرة الدينية ومَنْ يقابلهم من متخصِّصين في علم الاجتماع الديني، فيشرح ذلك بقوله: «وبخصوص هذه المسألة يجب الالتفات إلى أمرٍ مهمّ في هذا السياق، ذلك أن من أسباب الافتراق بين فهم طبيعة الظاهرة الدينية بين منهجي الاجتماع الديني والدرس الشرعي هو الاختلاف البيِّن في طبيعة وأسلوب البحث لدى المنهجين. فبينما يتَّبع الدرس الشرعي ـ لبيان حقيقة الظواهر الدينية ـ المنهج الكلامي في إثبات صحّة نسبة تلكم الظواهر إلى الوحي الإلهي لا نجد حضوراً لهذا المنهج في الدراسات الحديثة التي يُعَدّ علم الاجتماع الديني أحد مفرداتها. فالمنهج الكلامي ـ طريقةً في البحث ـ غير متّبع في مراكز الدراسات الحديثة. وحوار الطرف الآخر عن طريق هذا النوع من أسلوب البحث لا يوصل إلى نتيجةٍ مثمرة»([22]).

3ـ دراسة الخلفيّات وظروف النشأة

من الدراسات المبكّرة والرائدة التي صدرت للعلاّمة الفضلي في أيامه النجفية كتابه (من البعثة إلى الدولة)، انتقد في مقدّمته مدوّنات السيرة النبوية الشريفة في منهج عرضها لأحداث السيرة، حيث اقتصرت على سرد الأحداث المتعاقبة، دون إشارة منها إلى علاقة تلك الأحداث ببعضها، وأوجه الترابط بينها، وهي مهمّةٌ قام بها في دراسته هذه، قسَّم فيها مراحل الدعوة إلى عشر، بيَّن ترابطها، وتمهيد السابقة منها إلى اللاحقة، بدءاً من حدث البعثة ووصولاً إلى تكوين الدولة.

وقد سار بهذه المنهجية في دراسته للوقائع التاريخية التي تناولها لاحقاً، فلم يكتفِ، في معرض تأريخه للمدارس الإسلامية، بعرض نقاط الخلاف بينها، وإنما سعى إلى التعمّق في دراسة العوامل الاجتماعية والظروف المحيطة التي دفعت إلى ظهور بعض المدارس، أو نشوب بعض أوجه الخلاف.

وهو ما نجده بعد دراسته المستفيضة لمفهوم الرأي، الذي عدّه أتباع مدرسة الصحابة عمدة في التشريع، في مقابل النصّ الشرعي؛ إذ يشرع في تحليل اعتماد هذا المبدأ في مقابل النصّ، فيقول: «ولعلّ من المفيد أن ألمح، قبل الانتهاء من الموضوع، إلى السبب الذي دعا إلى القول بالرأي.

في ما أخال أنه يرجع إلى عامل سياسي مهمّ، هو الموقف من الخلافة (الإمامة)، وذلك:

ـ أن أهل البيت وأتباعهم كانوا يرَوْن أحقّية الإمام عليّ بالخلافة؛ لثبوتها له بـ (حديثي الغدير والدار)، معتضدين بـ (حديث الثقلين: الكتاب؛ والعترة)، ومؤيَّدين بنصوص أخرى.

ـ بينما استبعد الآخرون هذه النصوص؛ تبريراً للموقف، وذلك أن خلافة أبي بكر كانت كسباً للموقف بإحباط مبادرة الأنصار أن تكون فيهم الخلافة. وإلى هذا يلمِّح قول عمر: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتةً)؛ لأنه لم يُمْهَدْ لها من قبل.

ومعنى هذا أنه لم يكن هناك نصٌّ شرعي اتُّبِع وطُبِّق في اختيار أبي بكر، وإنما كان اختياره اجتهاداً من عمر، كما كان اختيار سعد بن عبادة اجتهاداً من الأنصار.

وعليه لا بُدَّ من التماس مبرِّرٍ شرعي يصحِّح الموقف.

ولأنه لا نصَّ في البين يستند إليه لا بُدَّ إذن من التماس مبدأ يستند إليه من ناحية شرعية، فيتم على ضوئه التبرير المطلوب، فقالوا بمبدأ (الرأي)، وأُدخل الاجتهاد خارج النصّ دليلاً شرعيّاً إلى جانب النصّ.

وقد ترتَّب على هذا أن تشعّبت السلطة الإسلامية إلى سلطتين: روحية؛ وزمنية، أو دينية؛ ومدنية، أو روحانية؛ وسياسية، على اختلاف التعابير، تستند أولاهما إلى النصوص الشرعية، وتعتمد الثانية على الاجتهاد. وبهذا دخل مبدأ الرأي دليلاً آخر إلى جانب النصّ في منهج الصحابة»([23]).

وعندما يناقش مسألة توقُّف الصحابة عن الخوض في مسألة أفعال الإنسان: هل هو مجبور عليها أم مفوَّض فيها؟ يقول: «توقُّف الصحابة عن الخوض في المسائل المشكلة من قضايا العقيدة لا يرجع إلى سبب ديني، كما أفاده الشيخ محمود وأمثاله، وإنّما إلى سبب اجتماعي تاريخي، وهو أن الحضارة الإسلامية كانت في أيام الرسول وعهود الخلفاء الثلاثة من الراشدين في دور التلقّي؛ ذلك أن الحضارة الإسلامية مرَّتْ منذ انطلاقتها في عصر الرسالة حتّى نضج الفكر الإسلامي العلمي التقنيني في العصر العباسي بثلاث مراحل، أو ثلاثة أدوار، هي:

1ـ مرحلة التلقّي: وكانت في عصر الرسول والخلفاء الثلاثة من الراشدين…

2ـ مرحلة التأسيس العلمي: وبدأت في عهد حكم الإمام أمير المؤمنين×…

3ـ مرحلة البناء العلمي: وكانت هذه في العصر العباسي.

على أنّ الصحابة أنفسهم لم يكونوا على مستوىً واحد من حيث الوثاقة والمعرفة…»([24]).

ويضيف العلاّمة الفضلي على هذا السبب، في ما يتعلّق بنشر فكرة الجبر الإلهي، العامل السياسي، فيذكِّر بأنّ «معاوية أشاع هذه الفكرة بين عموم المسلمين، فانشغلت بها المؤلّفات الكلامية إلى يومنا الحاضر. وما كانت إشاعة مثل هذه الأفكار إلاّ محاولةً لتشويش فكر الجماهير بنظريات فلسفية لا تلتقي والقيم والتعاليم الإسلامية القائمة على فكرة العدل وإقامة القسط بين الناس»([25]).

وحينما ناقش فكرة خلق القرآن أو أزليّته أرجع قول الأشاعرة بأزليّة القرآن إلى «إصرارهم على أن القرآن الكريم غير مخلوق، وهو (كلام الله)، كما عبَّر عنه تعالى في مثل قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 75)، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ (التوبة: 6)، وكما هو الحقّ؛ لأنّهم إذا فسّروا الكلام بالكلام اللفظي لا مناص لهم من القول بحدوث القرآن، وأنه مخلوق؛ لأن القول بقدم الكلام اللفظي يستلزم أن يكون الله تعالى محلاًّ للحوادث؛ لأن الحروف والأصوات من المركَّبات، والمركَّبات حوادث بالضرورة.

وهم لا يريدون ذلك، وبخاصّة أنهم يقولون بحدوث الكلام اللفظي، وإنما الذي يريدونه ـ بإصرارٍ ـ تأييد فكرة أو معتقد أن القرآن أزليٌّ فقط»([26]).

وفي معالجة الفضلي لمنشأ الخلاف بين المدرستين الأصولية والأخبارية يبيِّن مجموعةً من العوامل التي ساعدت على نشوب الصراع بينهما، وهي:

1ـ «إن الأصوليين، ومنذ عهد الشريف المرتضى، ألمحوا إلى أنّ أدلة الأحكام الشرعية أربعة، هي: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، ولم يوضِّحوا مفهوم العقل والمعنى المقصود منه كدليلٍ على الحكم الشرعي.

2ـ عدم التفرقة بين النظرية والتطبيق في واقع توظيف العقل كدليلٍ شرعي. فالأخباريون قالوا: إننا نختلف عن أهل السنّة الذين أعوزتهم النصوص فالتجأوا إلى العقل، واتخذوا منه دليلاً شرعيّاً. وبهذا يقول الأصوليون أيضاً؛ لأنهم لم يستخدموا العقل دليلاً على حكم شرعي البتّة، فذكرهم له وبحثهم فيه كان نظريّاً. ولكن هذا البحث للمسألة نظريّاً أوهم الأخباريّين بأن الأصوليّين يدعون إلى التطبيق في مقابل وجدان النصوص الشرعية الكافية، التي تغني بوفرتها حاجة الفقيه في مجال الاستنباط. وأوهمهم أن الأصوليّين يؤيِّدون الأخذ بالقياس؛ لأنّ العقل هنا معناه القياس، كما توهَّموا.

3ـ الخلط بين العقل دليلاً على الحكم الشرعي والعقل دليلاً على القاعدة الأصولية. وهو ما احتدم فيه الصراع بين الطرفين في تحديد الموقف من الشبهة الحكمية التحريمية: هل هو البراءة التي استمدّها الأصوليّون من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، أو الاحتياط، أي التوقُّف، الذي استمدّه الأخباريّون من الروايات المروية عن أهل البيت^؟

4ـ غموض مفهوم العقل آنذاك، حتّى عند الأصوليّين.

5ـ الخلط بين مفهوم الاجتهاد كعملية استنباط ومفهومه كدليلٍ على الحكم الشرعي، وهو ما عُرف في الأصول السنّي باجتهاد الرأي»([27]).

وبخصوص نشأة الفرقة الشيخية لا يستبعد الدكتور الفضلي العامل السياسي، وهي الفكرة التي يشرحها بقوله: «متى ركّزنا على ارتباط الباب بالسيد [كاظم] الرشتي، وتلقيبه له بالباب، الذي هو لقب الدليل الأوّل في سلسلة الأدلاّء الإسماعيليين، الذين هم أصحاب المراتب في الدعوة الهادية، المكلَّفون بحمل أعباء تثقيف النفوس، ونشر الدعوة في الأقاليم، وهم: الباب، الحجّة، الداعي المطلق، داعي البلاغ، الداعي المأذون، الداعي المحصور، الجناح، المكاسر، قد يقودنا هذا إلى القول بأن للسياسة المعادية دَوْراً في هذا. ويتأكَّد هذا القول إذا عرفنا أنّ أوّل مَنْ قام بنقل الشيخية من كربلاء إلى إيران هو من الأسرة الحاكمة أسرة قاجار، وهو الحاج كريم خان.

وكذلك إذا أدركنا أن ظهور الشيخية كان مزامناً لظهور البابية، ومن مصدر واحد هو السيد الرشتي»([28]).

ثالثاً: من سمات الجهد البحثي للدكتور الفضلي في تأريخ المدارس الإسلامية

تميَّز منهج الدكتور الفضلي في تأريخه للمدارس الإسلامية في العقيدة والتشريع بمجموعة من السمات، يمكن الإشارة إلى ثلاثٍ منها:

1ـ المنهجية العلمية في الطرح

وهي سمة لازمة في جميع نتاجه العلمي، وبخصوص موضوع الورقة.

ويمكن ملاحظة ذلك في ما التزمه من تحديدٍ واضح ودقيق لموضوع المشكلة، أو محلّ الخلاف بين المدرسة الفقهية مثلاً وما يقابلها من المدارس الفقهية الأخرى. وهكذا في ما يتعلَّق بالمدرسة الكلامية ونظيراتها. وتظهر أهمّية هذه النقطة في بعض الحالات التي لا يكون تحديد محلّ الخلاف بيِّناً وواضحاً.

كما أنّ العلاّمة الفضلي لا يكتفي بتحديد محلّ الخلاف، وإنما يبحث في خلفيّاته، وعوامل غموضه إنْ كان غامضاً.

ويسبق تحليله للعوامل والخلفيّات عرضٌ تاريخي متسلسل، يبيِّن فيها الشيخ مراحل تطوُّر المدرسة وتشعُّباتها.

وكمثالٍ على ذلك: جهده المتميّز في التأريخ لتطوّر علم القراءات القرآنية، وتناقل النصّ القرآني عبر الأجيال؛ إذ قسَّم نشأة علم القراءات إلى 16 مرحلة، هي: بدء نزول الوحي، وإقراء النبي‘ للمسلمين، وإقراء المسلمين، وظهور جماعة القرّاء، واستظهار القرآن، والتلمذة، والقرّاء من الصحابة، ثمّ ظهور مبعوثي عثمان، وبعدها قرّاء الأمصار، ثمّ التخصُّص في القراءة، ومن ثمّ مرحلة التأليف في القراءة، وبعدها مرحلة تسبيع السبعة من القرّاء، ثمّ الاحتجاج بالقراءات، ثمّ التأليف في القراءات السبع، ثمّ تفريد القراءات وتسديسها، وأخيراً تطوُّر المقياس القرائي([29]).

2ـ الهدوء في المناقشة

يحرص أتباع كلّ مذهب على تربية أجيالهم على أصول ومبادئ مذهبهم الذي ينتمون إليه. كما يحرصون على إثبات أحقّية معتقداتهم في مقابل معتقدات الآخرين. ولهذا ظهرت العديد من الدراسات والمؤلَّفات التي تتكفَّل بعرض أهم المسائل العقائدية لهذا المذهب أو ذاك، ومؤلَّفات أخرى تعرض لأهمّ المسائل الفقهية لكلّ مذهب.

وما يشوب بعضَ المؤلَّفات العقائدية استعمالُ اللغة الحادّة في نقضها لعقائد الآخرين، ومعالجة ما يطرحونه من شبهاتٍ. وخلافاً لهذا النمط السائد سلك الشيخ الفضلي منهجاً هادئاً في تأريخه للمدارس الإسلامية، وعرضه لمعتقداتها ومناقشتها. وكمثال بارز على ذلك: مناقشته العلمية والهادئة لكتاب التوحيد، لمؤلفه الشيخ صالح الفوزان، أحد دعاة ومشايخ السلفية؛ إذ يقول في مقدّمة كتابه (قراءة في كتاب التوحيد): «قرأته [أي كتاب التوحيد]، في ما أقرأ من كتبٍ تصل إليَّ أو أصل إليها، فقدَّرتُ في مؤلِّفه الكريم غيرته على الإسلام، وأكبرتُ محاولاته الخيِّرة في الدفاع عنه بتعريفه المذاهب القديمة والحديثة التي تخالف الإسلام، أو تختلف معه، كلِّياً أو جزئيّاً.

وهذا ما كنّا نرغب في أن يكون من جميع الكتّاب المسلمين؛ لأنّ الدفاع عن العقيدة واجبٌ ديني، وحقٌّ قانوني. إلاّ أنه لفت نظري فيه شيئان، استوقفاني عندهما طويلاً، فأحببتُ أن أوضِّحهما أكثر؛ لعلّ فيهما ما لم يطَّلع عليه سعادة الدكتور الفوزان، أو كان شيءٌ من محتوياتهما مقفلاً أمامه؛ لأنه لا يملك الخلفيات الثقافية التي تحمل مفاتيح الأقفال، وهما:

1ـ حكمه بالبدعة على مسائل اجتهادية في خصوص ما يخالف رأيه، بما يلزم منه تكفير المسلمين الذين لا يرَوْن رأيه، كالاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

2ـ اعتباره التشيُّع من المذاهب الطارئة على الإسلام، دون أن يستند إلى دليل صحيح صريح، سوى ما نقله من فتوى بعض المشايخ، من أنه نشأ بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفّان. والكلُّ يعلم أن الفتوى إذا لم تدعم بدليلها لا تصلح لأن يستدلّ بها.

ولأبدأ بالموضوع الثاني؛ لما له من أهمِّية، وبخاصّة في مجال ما يُقال عن نشوء المذاهب الإسلامية»([30]).

وقد بدأ حديثه في ردِّه على الكتاب ببيان نشأة التشيُّع، ومن ثمّ أعقبها بالحديث عن مبدأ التكفير أو التبديع في الإسلام، وذلك من خلال طرحٍ علمي مدعَّم بالأدلة، دون أن يلجأ فيه الشيخ إلى أيّ نوعٍ من الإساءة أو الانفعال.

وما أشار إليه الشيخ الفضلي في حديثه عن الدكتور الفوزان، مؤلِّف كتاب التوحيد، لا يكتفي فيه بالهدوء في المناقشة، بل يلتمس له العذر في ما وقع فيه من اشتباه.

3ـ الرجوع إلى مصادر كلّ طرف في التأريخ لمدرسته

حرص الدكتور الفضلي في كتابه (خلاصة علم الكلام)، مثلاً، على استعراض الآراء الكلامية لأهمّ الفرق الإسلامية، وهي: الإمامية، والمعتزلة، والأشاعرة.

وفي استعراضه لآرائها في تفاصيل المسائل الكلامية بذل جهداً في التأريخ للعديد منها، والتزم في ذلك الرجوع إلى مصادر كلّ فرقة في نقل آرائها، ولم يعتمد في نقل الفكرة على مصادر وسيطة.

وهكذا في معالجته للمسائل التفصيلية في علم القراءات القرآنية. ومثلها في ما يتعلّق بالدرس الفقهي.

ومن الجهود المتميِّزة التي بذلها الدكتور الفضلي تحديده لمحلّ الخلاف بين المدرسة الإمامية (مدرسة أهل البيت^)، والمدرسة السنّية (مدرسة الصحابة)؛ إذ بيّن أن الأخيرة اعتمدت الرأي موازياً للنصّ الشرعي في التشريع، ولكنّ مفهوم الرأي لم يكن واضحاً ومحدَّداً في مصادر التشريع السنّية، ما اضطرّه لتتبُّع مفرداتها، ليستطيع من خلالها تحديد مفهومه. يقول& حول هذه الفكرة: «وحسماً لهذا الخلاف والاختلاف في فهم معنى الرأي وتحديد مفهومه، ولأجل أن نقف على جليّة الأمر في فهم معنى الرأي، نعرض بعض المسائل التي أخضعها بعض الصحابة لاجتهاد الرأي، ثمّ نستخلص منها معنى الرأي وتعريفه؛ لأنّ هذا هو الطريق المنهجي السليم»([31]).

ثمّ يعرض لأكثر من 20 موقفاً، أشار فيها الصحابة إلى أنّ دليلهم فيها كان الرأي. وهو ما يعني تحديد مفهومه انطلاقاً من واقع التطبيق لأبرز قيادات مدرسة الصحابة.

النتائج والتوصيات

النتائج

1ـ كان لظهور الإسلام تأثيره الكبير في إحداث النقلة الحضارية للمجتمع العربي من الجاهلية إلى مجتمعٍ نَشِط علميّاً، بدأت فيه الحركة العلمية من الاهتمامات الدينية، لتنتقل بعدها إلى جميع النواحي الفكرية والأدبية.

2ـ تنوَّعت الحقول المعرفية في المجتمع المسلم إلى مذاهب وفرق واتجاهات، وذلك في وقتٍ مبكِّر، ظهر بعضها في عصر الرسالة.

3ـ حرصت كلّ مدرسةٍ على بيان أحقِّية اختياراتها، وصوابية اتجاهها. وفي الوقت نفسه حرصت على بيان انحراف المدارس المقابلة. وقد اتَّسمت لغتها بالاندفاع في وصف خياراتها، والحِدّة في نقض خيارات الطرف الآخر، وهو ما يؤسِّس للفرقة والنفور الاجتماعيين بين أتباع الفريقين، وكذلك إلى ضعف البناء العلمي لدى طلبة الدرس الشرعي في كلّ فريق.

4ـ نظراً لاهتمام الدكتور الفضلي بالدرس الشرعي فقد عُني بالتأريخ للمدارس الإسلامية في العقيدة والتشريع، وذلك انطلاقاً من التزامه بالمنهجية العلمية في مقدّمات مقرَّراته الدراسية، وكذلك محاولةً منه في رفع بعض الغموض الذي اكتنف نشوء بعض المدارس، أو نقاط الخلاف بينها وبين المدارس المقابلة. وهو الغموض الذي يرجع في بعض صوره إلى ندرة الدراسات التي تناولت التأريخ لهذه المدارس، فيما يعود في حالاتٍ أخرى إلى العامل السياسي.

5ـ وتمشِّياً مع المنهج الحديث التزم الدكتور الفضلي التأريخ لهذه المدارس من خلال البحث في جذور حالات الانقسام، ومن ثمّ تحديد نقاط الخلاف، عارضاً لبعض العوامل وظروفها المحيطة.

6ـ وقد توزَّعت هذه العوامل بين العلمية، كما هي الحال مع القراءات القرآنية، وما حدث من صراع بين المدرستين الأصولية والأخبارية؛ والعوامل السياسية، كما هي الحال مع بعض نقاط الخلاف بين فرقتي الشيعة والسنّة.

7ـ تميَّزت دراسة الدكتور الفضلي في التأريخ للمدارس الإسلامية بمجموعة من السمات، استعرضت الورقة ثلاثاً منها، هي: المنهجية العلمية في الطرح والمناقشة؛ والهدوء في المناقشة؛ والرجوع إلى مصادر كلّ طرف في التأريخ له.

التوصيات

1ـ من الدعوات التي أكَّدها العلاّمة الفضلي في أكثر من مناسبة إدخالُ الدراسات المقارنة في مقرَّرات المعاهد والكليات الشرعية والحوزات الدينية، وذلك بغية تعرُّف كلّ طرفٍ على الآخر دون حواجز، وكذلك سعياً إلى ترسيخ ثقافة التعدُّدية في الدراسة الشرعية. وهي نقطةٌ تتأكَّد أكثر بخصوص دراسة المدارس الإسلامية في العقيدة والتشريع.

يقول& في هذا الاتجاه: «من المهمّ الإشارة إلى أهمّية جمع التراث التشريعي الإسلامي في ما يُعرف اليوم بالدراسات المقارنة، وأن يكون هذا النوع من الدراسات جزءاً مهمّاً من المقرَّرات الدراسية في كليات الشريعة في الجامعات الإسلامية؛ وذلك لتحقيق أمرين، من شأنهما أن يذيبا الكثير من مواطن الخلاف والاختلاف بين الاتجاهات الفكرية الإسلامية؛ ذلك أن الدراسات المقارِنة من شأنها أن تغني البحث العلمي من خلال جمع الآراء الفقهية حول المسألة الواحدة في مكانٍ محدَّد؛ كما أن ذلك يساهم بدرجةٍ كبيرة في إزالة الكثير من الغبش والغموض المتبادل بين أصحاب هذه التيارات والاتجاهات الفكرية، وتجلية الصورة لدى كلّ طرفٍ من قِبَل الآخر، وهي مسألةٌ من شأنها لاحقاً أن تسهم في التقريب الذهني والنفسي بين القيادات، ومن ثمّ بين الأتباع أيضاً»([32]).

ثمّ يضيف: «إن ما نراه اليوم من اختلاف وتشرذم لا ينبع ـ عادةً ـ من الاختلافات في الفروع الفقهية، وإنما هو نابعٌ من النزعات الذاتية والمصالح الفئوية الضيّقة، التي لا تضع أمام أعينها ما يمكن أن تحقِّقه الوحدة بين أبناء الأمة من مصالح أكبر للجميع، وما تجلبه من قوّة اقتدار لمجتمعاتنا، من شأنها أن تنهض بواقعنا مما نحن فيه من تخلُّفٍ وتأخُّر حضاريٍّ وفكريّ ومدنيّ وثقافيّ وعلميّ»([33]).

2ـ من المهمّ التزام المعايير العلمية الحديثة في مقرَّرات الدرس الشرعي وما يصدر من دراسات في المعاهد الدينية، في ما يتعلّق بانتقاء التعبيرات اللغوية الخاصّة بتوصيف المدارس الإسلامية من قِبَل كلّ مدرسة تجاه نظيراتها؛ وذلك بهدف بناء الروح العلمية لدى الطالب، والمتلقّي بصورةٍ عامّة، في ما يعتنقه من قناعاتٍ، وكذلك في ما يرفضه من أفكارٍ واتجاهات.

الهوامش

(*) كاتبٌ من السعوديّة، القطيف.

([1]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، البعثة النبوية: دراسة موجزة حول البعثة النبوية ودورها في بناء وإدارة المجتمع الإنساني: 34 ـ 35، منشورات بيت الحكمة الثقافي ـ القطيف، ط1، 1435ﻫ ـ 2014م.

([2]) إسرائيل ولفنسون، تاريخ اللغات السامية: 149، دار القلم ـ بيروت، ط1، 1999م.

([3]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، في انتظار الإمام: 11 ـ 12، دار الزهراء ـ بيروت، ط3، 1401ﻫ ـ 1981م.

([4]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، دروس في فقه الإمامية 1: 83، مركز الغدير ـ بيروت، ط2، 1435ﻫ ـ 2014م.

([5]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، القراءات القرآنية: تاريخٌ وتعريف: 20، مركز الغدير ـ بيروت، ط4، 1430ﻫ ـ 2009م.

([6]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، تاريخ التشريع الإسلامي: 14، مركز الغدير ـ بيروت، ط2، 1432ﻫ ـ 2011م.

([7]) المصدر السابق: 25.

([8]) دروس في فقه الإمامية 1: 83.

([9]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، مذهب الإمامية: بحث في النشأة وأصول العقيدة والتشريع: 26، مركز الغدير ـ بيروت، ط1، 1417ﻫ ـ 1996م.

([10]) المصدر السابق: 9 ـ 10، مع تصرُّفٍ واختصار يسيرين.

([11]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، التقليد والاجتهاد: دراسة فقهية لظاهرتي التقليد والاجتهاد الشرعيين: 129 ـ 131، مركز الغدير، بيروت، ط2، 1427ﻫ ـ 2006م.

([12]) انظر: الدكتور عبد الهادي الفضلي، هكذا قرأتهم: شخصيات علمية وأدبية راحلة من القرن الخامس حتّى القرن الخامس عشر الهجري: 199 ـ 202، دار المرتضى ـ بيروت، ط1، 1422ﻫ ـ 2003م.

([13]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، دروس في أصول فقه الإمامية 1: 59، مركز الغدير ـ بيروت، ط2، 1427ﻫ ـ 2006م.

([14]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، مذهب الإمامية: بحث في النشأة وأصول العقيدة والتشريع: 11.

([15]) المصدر السابق: 15.

([16]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، قراءةٌ في كتاب التوحيد: 19، منشورات بيت الحكمة الثقافي ـ القطيف، ط1، 1431ﻫ ـ 2010م.

([17]) الدكتور الفضلي، الشيخ المفيد مؤسِّس المدرسة الأصولية الإمامية، أعمال مؤتمر ألفية الشيخ المفيد ـ قم، الدراسة رقم 117، 1413ﻫ ـ 1371ﻫ.ش، بتصرُّف واختصار.

([18]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، التقليد والاجتهاد: دراسة فقهية لظاهرتي التقليد والاجتهاد الشرعيين: 134 ـ 135.

([19]) انظر: الدكتور عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام: 145 وما بعدها، مركز الغدير ـ بيروت، ط3، 1428ﻫ ـ 2007م.

([20]) الفضلي، خلاصة علم الكلام: 168 ـ 169.

([21]) انظر: الفضلي، القراءات القرآنية: 99 ـ 114.

([22]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، الحضارة الإسلامية بين دواعي النهوض وموانع التقدُّم: 79 ـ 80، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ـ بيروت، ط1، 2013م.

([23]) الفضلي، دروس في فقه الإمامية 1: 133 ـ 134.

([24]) الفضلي، خلاصة علم الكلام: 207 ـ 209.

([25]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، النهضة الحسينية بين مقتضيات الواقع الاجتماعي والقيام بالواجب الشرعي: 91، منشورات بيت الحكمة الثقافي ـ القطيف، ط1، 1434ﻫ ـ 2013م.

([26]) الفضلي، خلاصة علم الكلام: 145 ـ 146.

([27]) الفضلي، دروس في أصول فقه الإمامية 1: 77 ـ 80.

([28]) الفضلي، هكذا قرأتهم 1: 202.

([29]) انظر: الفضلي، القراءات القرآنية: 23 ـ 64.

([30]) الفضلي، قراءةٌ في كتاب التوحيد: 15 ـ 16.

([31]) الفضلي، دروس في فقه الإمامية 1: 97.

([32]) الدكتور عبد الهادي الفضلي، الوحدة الإسلامية أسس البناء ومفاعيل الهدم في المجتمع المسلم (مخطوط): 87.

([33]) المصدر السابق: 88.